رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أمام محكمة الرأي العام السوداني وقف ولاة الولايات السودانية وهم يواجهون كتاب إخفاقاتهم وإنجازاتهم، بيد أن نصيب الإخفاقات كان عظيما.. على مدى أسابيع نشرت صحيفة (الصيحة) سلسلة حلقات تناولت أداء كل والٍ من الولاة ولاقت المعالجة الصحفية لأدائهم اهتماما كبيرا على المستويين الرسمي والشعبي.. في مقابل ذلك واجهت الصحافة السودانية في عمومها حملة (حقد) حكومي كما تواجهه من قبل إلى درجة تشكيك بعض المراقبين في قدرة الحكومة على تحمل هامش الحرية الصحفية الذي أطلقته أكثر من شهر.. المسؤولون الذين أقضت كراسيهم الصحافة هم الذين يتصدون اليوم وبمختلف الأسلحة غير المشروعة للصحافة والصحفيين.. أبشع أنواع حكم الفرد يمارس اليوم في تلك الولايات البعيدة والمستعصم حكامها بالإعلام الحكومي الولائي (تلفزيون وإذاعة).. إحدى القنوات الفضائية الولائية جعلت من حاكم الولاية خطاً أحمر وتبارى الإعلاميون الحكوميون في الزود عن الوالي عبر رسائل إعلامية ركيكة المحتوى معدومة التأثير.. ما من شك أن الإعلام الرسمي لتلك الولاية أخذ بمقولة نعوم تشومسكي التي يقول فيها إن الإعلام يخدم مصالح الدولة وسلطان المؤسسات الكبرى، وهي مصالح ترتبط معا برباط وثيق، ويؤطر الإعلام تقاريره وتحليلاته بطريقة تدعم الامتيازات القائمة وتحد من النقاش والبحث تبعا لذلك.. يريد ذلك الإعلام المأزوم بسلطة الفرد أن يقول لمواطن الولاية الذي تمسك بتلابيبه الأمراض الفتاكة: اصمت إلى الأبد!إياك أن تتخذ قرارك...أن ترفع صوتك...أن تعلي صرختك...أن تعلن موقفك...أن تمارس إنسانيتك!اصمت...فالصوت موت والصمت حياة!على مستوى العالم ذاق السياسيون مرارة تجاوزاتهم بسبب المثابرة الصحفية وتخلص الناس من رجال كانوا على سدة السلطة يلبسون أقنعة العفاف والطهر وما هم كذلك.. في الولايات المتحدة الأمريكية تقدم مدير الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) ديفيد بترايوس، باستقالته بعد محاصرة الصحافة له بسبب علاقةعاطفية قد تكون قد شكلت تهديدا للأمني القومي الأمريكي وذلك بعد 14 شهرا من توليه منصبه.. في إيطاليا كشفت الصحافة الغطاء عن أكبر فضيحة جنسية في أوروبا، هي تلك التي طالت رئيس الوزراء الإيطالي السابق سيلفيو برلسكوني، التي عرفت باسم"روبي غيت".. الصحافة الأمريكية أجبرت حكام ولايات وشيوخاً وأعضاء في مجلس النواب، وكثيرا منهم على الاعتذار علناً واضطروا إلى تقديم استقالاتهم من مناصبهم.. كانت قضية التحرش الجنسي لرئيس صندوق النقد الدولي، الفرنسي دومينيك ستراوس وترتب على محاكمته في أمريكا فتح ملفات سابقة لدومينيك ستراوس كان، ومن بينها قضية أخرى في فرنسا.. صحيح أن ستراوس تمكن من الإفلات من فضيحته مع العاملة في الفندق، إلا أن الفضيحة أجبرته على الاستقالة من منصبه، وتعرضت فرصته في الانتخابات الرئاسية الفرنسية لضربة قوية دمرت مستقبله السياسي. قناعتي أن الإثارة الصحفية ليست كلها جريمة، بل مطلوبة بقدر معقول لتسويق المادة الصحفية وهي أحد أهم عناصر الخبر الصحفي.. وأذكر هنا واقعة عايشتها في صحيفة ألوانالسودانية في مبتدأ حياتي المهنية، حينها استخدم رئيس التحرير، مرة الإثارة في مثال قوي للاستخدام (الحميد) للإثارة إن جاز التعبير.. ففي العام 1987م كتب الزملاء في القسم الرياضي (مانشيتا) نمطيا عن مباراة بين أكبر ناديين في البلاد هما الهلال والمريخ وجاء في في عنوان ذلك الخبر الرياضي (المريخ يكسب الهلال هدف مقابللا شيء)، وكان حينها يلقب مؤيدو فريق المريخ بـ(الصهاينة) فيما كانت الأخبار السياسية مفعمة بأحداث انتفاضة أطفال الحجارة في فلسطين الجريحة.. شعار المريخ (النجمة) الخماسية أقرب لنجمة داوود السداسية عند الصهاينة.. المباراة تخللها احتجاج من جماهير الهلال على حكم المباراة وقد أمطروا الملعب بحجارة كثيفة كحجارةطير الأبابيل.. جاء رئيس التحرير والصفحات في طريقها إلى المطبعة، لكنه أوقفها وغير (مانشيت) الرياضة إلى (الصهاينة يحبطون ثورة الحجارة)، وجعله أيضا (مانشيتا) رئيسياً للصفحة الأولى التي كان عادة ما يتصدرها (مانشيت) سياسي. من المحزن أنه يبدو أن حكومة الخرطوم (سعيدة) بالتداعي المخيف في الجسم الصحفي السوداني، فالوضع الاقتصادي الضاغط بسبب تراجع الجنيه السوداني أمام الدولار لا يصيب الحلقات الضعيفة في العملية الاقتصادية، بل يدمرها تدميرا.. آخر الأخبار زيادة دور المطابع لأسعارها بنسبة بلغت (40%)، والصحف باعتبارها مؤسسات اقتصادية تعتبر أضعف الحلقات.. فإن ماطل المعلن ولم يدفع ما عليه من التزامات للصحف، فإن الصحف ستنشر له رغم ذلك، لأن (الخسارة) حاصلة، سواء نشرت له أو لم تنشر.. فتكاليف الصدور اليومي مستمرة ما دامت الصحيفة تصدر، وليس من المنطق الامتناع عن نشر أي إعلان.. المعلن والشركات واحدة من الحلقات القوية في صناعة الصحافة، يسدد متى شاء وكيفما شاء.. والمطابع تستطيع أن تمنع طباعة أي صحيفة إن تأخرت في دفع ما عليها من التزامات وهي غير معنية بعدم سداد المعلن لالتزاماته تجاه الصحيفة (المسكينة).. بل إن اتفاق (جنتل مان) بين المطابع وبرعاية المجلس القومي للصحافة والمطبوعات وهو مؤسسة حكومية، بأن تلتزم أي مطبعة بعدم طباعة أي صحيفة ما لم تقدم (خلو طرف) أو (صك براءة) من المطبعة التي تطبع فيها الصحيفة..دعم الدولة للصحافة (المزعجة) يتلخص في (المطاردات) التي يشنها مجلس الصحافة على الصحف التي تتأخر في سداد الرسوم السنوية، وديوان الضرائب أبداً لا يتأخر من جانبه في إرهاب الصحف التي تعجز عن سداد الضرائب المفروضة عليها.. الصحفيون هم أشبه بمغامرين لا يجرؤون، ولم يجرؤ أسلافهم، على تقدير نهايات مشوارهم المهني، خصوصاً أن (اللا) استقراريسمُ حياة كل منهم منذ لحظة نشر مقالته الأولى، أو حمله بطاقة من مؤسسته.
1908
| 10 مايو 2014
كان إعلان الرئيس السوداني إطلاق الحريات السياسية والإعلامية مبهراً لكل المراقبين ولم يتزحزح النظام عن هذا الطريق الوعر حتى الآن، بل وجدت القوى السياسية المعارضة نفسها أمام امتحان صعب تكاد تسقط فيه.. لم تعقد حتى اليوم ومنذ إطلاق الحريات أي قبل حوالي شهر إلا ثلاث ندوات جماهيرية في الميادين العامة، في حين أن هناك أكثر من (90) حزباً مسجلا.. لم تتعرض السلطات لتلك الندوات رغم أن المتحدثين تعرضوا لنقد لاذع للحكومة حتى أن بعضهم تعرض لأكثر القضايا حساسية وهي قرار المحكمة الجنائية الدولية بشأن الرئيس البشير وطالبوا بتسليم البشير نفسه لتلك المحكمة.. الشرطة أعلنت على لسان قائد لها أنهم في انتظار طلبات حزبية لتسيير مظاهرات في إطار الأنشطة الحزبية المسموح بها، وحديث الشرطة يعني أنها لم تتسلم حتى الآن أي طلب بهذا الخصوص.نظام الرئيس البشير يأمل في أن تفضي هذه الخطوات الجريئة و(المكلفة) سياسياً إلى انفراج سياسي ينقذ البلاد من تدهور سياسي واقتصادي في ظل أوضاع إقليمية متأزمة خاصة في دولة جنوب السودان.. ففيما تستمر حرب الأطراف في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق مستنـزفة أموالا طائلة من خزينة الدولة، في الوقت نفسه يواصل الجنيه السوداني انخفاضه المريع أمام الدولار إذ وصل مستويات غير مسبوقة، وهذا يعني زيادة كبيرة في نسب التضخم الأمر الذي ينعكس مباشرة على أحوال المواطنين المعيشية. الولايات المتحدة الأمريكية التي لا تخفي رغبتها في إسقاط نظام البشير تحاصر الخرطوم اقتصاديا منذ ما يقارب (25) عاما، إذ ترى فيه مثالا صارخاً لما تسميه بـ(الإسلام السياسي).. بيد أنه لا يبدو أن الضغوط الاقتصادية ستسقط النظام بل المتضرر الوحيد هو الشعب السوداني، وحاولت واشنطن من قبل إسقاط نظام صدام في العراق عبر الحصار الاقتصادي الكامل دون جدوى إلى أن أتت بجيوشها الجرارة واحتلت العراق في تعد صارخ لميثاق الأمم المتحدة وقفز فوق كل القوانين والأعراف الدولية وسقط صدام لكن سقطت معه الدولة العراقية التي تفرقت شزرا مزرا وغرقت الدولة التي كانت في دماء الحرب الأهلية والطائفية وتحول الشعب العراقي إلى شعب لاجئي. المعارضة السودانية لا يبدو أنها تريد توفير طوق نجاة للنظام بل تريد استغلال حالة الضغوط المتكاثرة على البشير للوصول إلى ما تسميه بحكومة انتقالية تأتي على أنقاض تفكيك النظام كليا.. فالبشير يريد تدافعا حزبيا في إطار سيطرته على مفاصل الدولة وأن تدخل الأحزاب الانتخابات العامة في 2015 مما يعطي لها مصداقية كبيرة لكن حتما سيكون التفوق لحزب المؤتمر الوطني الذي يرأسه البشير نفسه ولا بأس من أن تنال بعض الأحزاب حصة مقدرة دون أن تتأثر أغلبية حزب الرئيس كثيراً وبهذا يكون البشير قد حقق أهدافه من حملة إطلاق الحريات التي أعلنها.. لعل أبرز ما حققه البشير خلال حملته تلك المصالحة التي حققها مع أشرس معارضيه حسن الترابي زعيم حزب المؤتمر الشعبي الذي انشق عن حزب البشير قبل (15) عاما مضت.. لكن الترابي أعلن في حوار نشرته صحيفة الشرق القطرية أن الحوار الذي أطلقه البشير سيفضي إلى حكومة انتقالية وهذا خلاف ما يعلن عنه البشير من أن الحوار ليس مقصودا منه تفكيك نظامه.. حتى هذه اللحظة لم تقابل تصريحات الترابي بأي ردة فعل - سلبية أو إيجابية - من قبل النظام.المتشككون يقولون إن اتفاقا سريّاً (جنتل مان) قد أبرم بين البشير والترابي وأن الذي يجري في الساحة السياسية السودانية ليس إلا تغطية بل تجميل وتهيئة لتنفيذ ذلك الاتفاق وأن تبادلا محكما للأدوار يجري بين الرجلين حتى أن الرموز السياسية الأخرى في كلا الحزبين (الوطني والشعبي) خارج إطار ذلك الاتفاق.. الترابي يدرك أن ما يجري إقليميا ضد جماعة الإخوان المسلمين سواء في مصر أو المملكة العربية السعودية يتطلب تغييرا كبيرا في إستراتيجيته تجاه نظام الرئيس البشير، كما يدرك الترابي أن تفكيك النظام لا يتم بهذه السهولة عبر خطوة يقوم بها طواعية وإلا فإن دماءً كثيرة سوف تسيل قبل بلوغ هذا الهدف وحينها قد لا يجد السودانيون وطنا يصطرعون عليه.. إذن فإن المراقب للأوضاع في السودان قد لا يتوقع تفكيكا لنظام البشير كما تريد المعارضة كما أن استمرار الأوضاع على ما هي عليه لا يمكن أيضا توقعه.. المحصلة إن الترابي هو الرابح الأوفر حظا من بين المعارضين والبشير كذلك الرابح الأوفر حظا من بين رموز نظامه.
1520
| 03 مايو 2014
عاصفة عاتية تضرب الجهاز العدلي في السودان على خلفية قضية شهيرة عرفت بقضية الأقطان.. الشركة السودانية للأقطان من كبرى الشركات العامة في البلاد، وتأتي أهمية الشركة من كونها معنية بأهم سلعة صادر لوقت كبير.. فالسودان قبل ظهور النفط كان القطن الذي يسمى بالذهب الأبيض لأنه كان عصب صادرات البلاد والمورد الرئيسي للعملات الصعبة.. والقطن بتلك الخاصية محصول إستراتيجي، زراعي، له ارتباطات متعددة ذات جدوى اقتصادية وتجارية واجتماعية وأمنية عالية، فهو يحرك صناعات النسيج التي أصبحت في حالة موت سريري وتشرد جراء ذلك عشرات الآلاف من العمالة الماهرة.. آخر تداعيات قضية الفساد المالي بالشركة العملاقة التي تنظر فيها محكمة جنائية في العاصمة الخرطوم إطاحة مدوية برئيسي القضاء والمحكمة الدستورية في البلاد.. وزير العدل هرع للبرلمان متبرئًا وموضحا في بيان له ملابسات القضية من وجهة نظر حكومية وطعن في قانونية هيئة التحكيم، أمام نواب البرلمان، قائلا إن مبالغ التحكيم والأتعاب تم تحديدها من طرف واحد في غياب الطرف الآخر في القضية واتهم الوزير جهات - لم يكشفها أيضاً - بمحاولة التأثير والضغط على وزارته منذ بدء التحري في قضية الأقطان، لتسويتها وسحب الملف من المحكمة، واللجوء إلى خيار التحكيم عوضاً عن المحاكمة الجنائية. بيد أن هجوما عنيفا تعرض له الوزير من وزير عدل سابق وأحد أعضاء لجنة التحكيم في القضية محل الخلاف بين شركة الأقطان وشركة أخرى من شركات القطاع الخاص اسمها متكوت. وضمت لجنة التحكيم كذلك إلى جانب الوزير السابق رئيس المحكمة الدستورية ووكيل وزارة العدل السابق. فإن جاز للآخرين قبول عضوية لجنة التحكيم مقابل أجر مُغرٍ فلا يجوز البتة لرئيس المحكمة الدستورية قبول ذلك وهذا ما عجل بالإطاحة به.. يشار إلى أن نصيب كل واحد منهم بلغ مليون جنيه سوداني.. بيان وزير العدل جعل البرلمان يرفض قرارات التحكيم، لكنه يظل رفضا لا يرتكز إلى قانون إلا أنه في كل الأحوال رفض له بعد سياسي وأخلاقي يحرج كثيرا أعضاء هيئة التحكيم.آخر الأرقام المخيفة تدني المساحة المزروعة قطنا هذا العام إلى حوالي مائتي ألف فدان، بينما كان المخطط في العام 2012 مليونا ومائتي ألف فدان.. في الخلفيات أنه تم التعاقد على استجلاب عشرة محالج من شركة "بالكان" التركية لصالح شركة الأقطان بمبلغ (55) مليون دولار من بنك التنمية الإسلامي بجدة وبضمان وزارة المالية السودانية وبتمويل محلي حوالي (27) مليون دولار للتركيب والإنشاءات وما يتصل بها.. وشركة متكوت للتجارة العالمية وكيل لشركة بالكان التي قامت شركة الأقطان بتوكيل شركة متكوت لإنجاز العمل.حزب المؤتمر الشعبي بزعامة حسن الترابي، تحرك بشكل خجول على غير عادته عقب اتفاقه غير المرئي مع الحزب الحاكم، فقد كان يعد من أشرس المعارضين لحكومة الرئيس عمر البشير.. حزب الترابي قال إن ملف قضية شركة الأقطان السودانية، هي رأس جبل الجليد في الفساد الذي عم البلاد.. وطالب الحزب المروّض وزير العدل بالشفافية وقال قيادي بالحزب: (كنا نتمنى أن يكون وزير العدل أكثر شفافية ويتحدث بصراحة عن الجهات التي مارست عليه نوعا من الضغوط)، مطالبا بتمكين القضاء للقيام بدوره في تحقيق العدالة.رغم فداحة القضية وتداعياتها إلا أن المتفائلين ينظرون إليها من جانب آخر باعتبارها خطوة جدية لمحاربة الفساد وإرساء مبدأ الشفافية.. هؤلاء المتفائلون بنوا تفاؤلهم على أن تداعيات القضية تزامنت مع قرارات الرئيس البشير الخاصة بتنظيم النشاط السياسي وإطلاق القيود التي كانت تكبل النشاط السياسي للأحزاب، ورفع الرقابة الأمنية على وسائل الإعلام الحكومية والخاصة.. وكانت المعارضة قد شككت في صدقية حكومة البشير في الثبات على الخطوة وعدّتها محاولة من محاولات كسب وشراء الوقت لتتجاوز الضغوط الخارجية والداخلية المتكاثرة عليها دون أن يكون هناك استعداد حقيقي لإحداث انفراج سياسي.. المتفائلون أشاروا إلى أن الصحافة لعبت دورا بارزا في كشف القضية دون أن تتعرض لملاحقات أمنية تحد من دورها، حتى أن التلفزيون الحكومي أجرى اتصالات هاتفية بقادة المعارضة المسلحة التي كان يحرم على الإعلام الخاص نشر أخبارها والتواصل معها وتلك خطوة مهمة جداً في نظر المتفائلين.. المتشائمون يقولون إن القوانين التي تبرر لجهاز الأمن فرض الرقابة على الصحف ومصادرتها لا تزال ماثلة.. ونقول للمتفائلين والمتشائمين إن الوقت كفيل بإثبات صدقية الحكومة في توجهها الجديد الذي أضحى السبيل الوحيد والترياق الناجع لأزمات البلاد التي تطاول أمدها.
2519
| 26 أبريل 2014
بلغت الأحداث في دولة جنوب السودان الوليدة مبلغا كبيراً من التدهور الدامي، في حين يقف العالم الحر متفرجا أو مشاركا خاصة تلك الدول الكبرى التي دفعت بكل قوة في اتجاه فصل جنوب السودان عن الدولة الأم.. وقتل آلاف الأشخاص وشرد أكثر من مليون منذ اندلاع القتال في جنوب السودان في منتصف ديسمبر نتيجة صراع قبلي حاد بين الرئيس سلفا كير ونائبه السابق رياك مشار، حتى أن الخسائر البشرية فاقت خسائر الحرب الأهلية بين جنوب السودان وشماله قبل الانفصال والتي استمرت لعدة عقود ووصفت بأنها أطول حرب أهلية في إفريقيا.. ولم يجد المدنيون سبيلا إلا اللجوء إلى دور العبادة وقواعد تابعة للأمم المتحدة في أنحاء البلاد طلبا للحماية بالمئات، بيد أنه لا دور العبادة ولا المعسكرات الأممية التي لجأ إليها أولئك المدنيون هرباً من التصفية القبلية الممنهجة لم تعد آمنة؛ ففي مدينة بور هاجمت قوة من الجيش الشعبي النظامي الذي تسيطر عليه قبيلة الدينكا كبرى القبائل وينتمي إليها الرئيس سلفا كير، مدنيين من قبيلة النوير القبيلة الثانية من حيث التعداد والتي ينتمي إليها قائد التمرد النائب السابق للرئيس سلفا كير.. أفراد النوير ظنوا أنهم آمنين حيث كانوا يحتمون في مخيم الأمم المتحدة بالمدينة، مما أدى لمقتل نحو (130) شخصاً فضلا عن مقتل جنديان من قوات الأمم المتحدة.. الولايات المتحدة التي تقف بجانب مشار أدانت الهجوم واقتحام قاعدة تابعة للمنظمة الدولية.. في ذات الوقت ارتكبت قوات مشار المتمردة، مجازر بشعة بحق مدنيين يعملون بالتجارة من شمال السودان في مدينة بانتيو، التي اعترف جيش سلفا كير رسميا بفقدانها، الشماليون كانوا قد احتموا بالمسجد الكبير عقب سقوط المدينة، لكن قوة كبيرة حاصرت المسجد وألقت القنابل بداخله لتقتل جميع من كان فيه وهم حوالي (300) فرد.. وقال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، استيفان دوجريك، إن بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان "أونميس" أفادت أول أمس، بأن العاملين في البعثة شاهدوا نحو (40) جثة ملقاة في شوارع بانتيو.. الأمم المتحدة تبدو أنها ورطة كبيرة وسط هذا بحر الصراع القبلي المتلاطم وأطلق الأمين العام بان كي مون، نداء ملحا من أجل جنوب السودان، وقال: (إذا لم نتحرك فورا، فإن مليون شخص قد يعانون من المجاعة في غضون أشهر).منذ اندلاع الصراع القبلي في دولة جنوب السودان في 15 ديسمبر الماضي، أصبحت الدولة الوليدة مهدده بحرب أهلية على أسس عرقية تعيد للأذهان الحرب الطاحنة بين قبيلتي التوتسي والهوتو في دولة رواندا الواقعة في شرق إفريقيا بمنطقة البحيرات العظمى؛ حيث دارت حرب أهلية في الفترة من 1990 – 1993 راح ضحيتها (800) ألف قتيل. وقامت الحرب على تداعيات انحياز المستعمر البلجيكي لقبيلة التوتسي (20%) من تعداد سكان البلاد) على حساب قبيلة الهوتو (80%)، فيما ركّزت الكنيسة جهودها على فصيل دون آخر فأصبح مثلاً الهوتو "كاثوليك" والتوتسي "بروتستانت" كما أصبح التوتسي أنفسهم (أنجلو فون)، والهوتو (فرانكفون) وتركّز التعليم والسلطة في أيادي أقلية ممثلة في التوتسي. صحيح أن الصراعات القبلية تكاد تكون ثقافة إفريقية متوارثة، إلا أن التدخلات الأجنبية تزيد من اشتعال أوارها، بل تحول دون عمل آليات التهدئة التقليدية. المعلومات تشير إلى أن واشنطن ألقت بثقلها خلف مجموعة مشار المتمردة؛ والنوير الذين ينتمي إليهم مشار يقطنون في مناطق إنتاج البترول بينما مناطق الدينكا الذين ينتمي إليهم لا يوجد بها بترول حتى الآن.. الموقف الأمريكي الانتهازي له علاقة وثيقة بحرب الموارد في إفريقيا، فالبترول الجنوبي تتحكم فيه الصين التي تواجه منافسة شرسة من الولايات المتحدة على موارد القارة الإفريقية لاسيَّما النفط. وفي حين يقوم الأسلوب الصيني على الاتفاقيات الاقتصادية (الندية)، فإن الأسلوب الأمريكي يقوم على افتعال الحروب واستخدام القوة العسكرية لإفساح المجال أمام الشركات النفطية الأمريكية كي تعقد اتفاقيات استثمارية غالباً ما تكون مجحفة بحق الدول التي تفرض واشنطن عليها سيطرتها العسكرية والسياسية كما الحال مع العراق الذي سبق أن احتلته، وليبيا التي فرضت عليها تدخل حلف الناتو العسكري.حل المشكلة يبدو أنه يحتاج إلى معجزة، فحكومة سلفا كير أصبحت مضطربة وغير متوازنة جراء الضربات العديدة التي تلقتها من المتمردين المدعومين من واشنطن ولم تجد المفاوضات مع المتمردين التي استضافتها إثيوبيا، ففي الثالث والعشرين من يناير الماضي اتفقت الأطراف المتحاربة على وقف للأعمال العدائية لكن القتال استمر دون توقف.. السودان الدولة الأم تبدو أنها عاجزة عن لعب دور إيجابي رغم قدرتها على ذلك كما أن موقف جوبا من الخرطوم يشوبه الاضطراب وعدم الثقة ففي حين اتهم وزير الدفاع في جوبا الخرطوم بدعم مجموعة مشار أكد وزير الخارجية في الوقت نفسه عدم وجود توتر في العلاقات بين الخرطوم وجوبا، ووصف العلاقات بين الدولتين بالجيدة، وقال إن بلاده لا تملك أي أدلة اتهام ضد الخرطوم، بشأن تدريب متمردي الجنوب في الأراضي السودانية.. كل المؤشرات تشير إلى سيناريو مخيف في جنوب السودان وهو سيناريو صراع الهوتو والتوتسي وسط عجز إقليمي ودولي كبيرين.
1495
| 19 أبريل 2014
يعوّل السودانيون كثيراً هذه الأيام على حوار وطني تداعى له (83) حزباً تحت قبة واحدة سميت بالمائدة المستديرة.. ظل السودان ومنذ استقلاله عن الهيمنة البريطانية في العام 1956، في حالة عدم استقرار سياسي عطل عجلات التنمية والتطور رغم الإمكانات الهائلة والموارد الطبيعية المتجددة التي تزخر بها البلاد، وهي إمكانات تصنع، من دون شك، دولة عظمى وهذا ما ظلت تحذر منه وتخشاه المخابرات الإسرائيلية.. صحيح أن عوامل إقليمية ودولية أسهمت في خلق حالة عدم الاستقرار وهي حالة تسِمُ كل دول المنطقة بدرجات متفاوتة، لكن للنخب السياسية السودانية والأحزاب قدح معلى في تأخر السودان.. إن قلنا إن غياب الديمقراطية كان الأمر الغالب على فترة ما بعد الاستقلال (58) عاماً كان سبباً مهماً لحالة عدم الاستقرار، لكن نجد في الوقت نفسه أن الفترات الديمقراطية حكمت فيها أحزاب غير ديمقراطية في داخلها وانطبقت عليها الحكمة القائلة إن (فاقد الشيء لا يعطيه).. كل زعماء الأحزاب السودانية التي تعتبر أحزاباً رئيسية ظلوا يديرون أحزابهم بنهج ديكتاتوري و(تكلست) تلك الزعامات وظل بعضهم رئيساً أو زعيما لحزبه لأكثر من (45) عاماً.. حتى أن العدد المهول للأحزاب السودانية نتج جانب مقدر منه بسبب انشطارات بمتوالية هندسية في أوساط الأحزاب التي تعتبر أحزاباً كبيرة، فقد جاء على سبيل المثال حزب الأمة القومي برئاسة الصادق المهدي إلى اجتماع الحوار الوطني الذي دعا له الرئيس عمر البشير، وفي معيته (7) أحزاب منشقة عن الحزب الأم وهكذا الحال بالنسبة للحزب الاتحادي الديمقراطي بزعامة محمد عثمان الميرغني، وحتى حزب المؤتمر الوطني الحاكم برئاسة البشير انشطر لعدة أحزاب مثل حزب المؤتمر الشعبي بزعامة حسن الترابي، والإصلاح الآن بزعامة مستشار الرئيس السابق غازي صلاح الدين العتباني.. لم تحدث هذه الانشطارات إلا بسبب الضيق بالرأي الآخر داخل الحزب الواحد وغياب الديمقراطية، فكانت النتيجة الحتمية خروج مجموعة تلو المجموعة لتشكيل حزب خاص بها.لكن ما هي فرص الحوار الوطني حول المائدة المستديرة، بحضور (83) حزباً؟ يبدو أن الفرصة الحالية لمخرجات إيجابية تصب في صالح الاستقرار السياسي في البلاد هي الأكثر حظاً لعدة أسباب.. فالمؤتمر الوطني الحاكم أحس أكثر من أي وقت مضى بحجم الضغوط الداخلية والخارجية عليه ولا سبيل لاختراق هذه الحالة إلا بتحول ديمقراطي حقيقي وبمشاركة فاعلة لهذه الأحزاب.. فالحالة الاقتصادية أصبحت في الدرك الأسفل من التراجع، خاصة بعد حوالي ثلاثة أعوام من انفصال جنوب السودان وذهاب أكثر من (70%) من النفط الذي شكل فيما قبل الانفصال أكثر من (85%) من إيرادات البلاد.. حتى رسوم عائدات استئجار دولة الجنوب لخط الأنابيب الناقل لنفط الجنوب عبر السودان وهي عائدات قليلة بالمقارنة بعائدات البترول قبيل الانفصال أصبحت شبه معدومة بسبب الحرب الأهلية التي نشبت في جنوب السودان قبل عدة أشهر.التحدي الأمني في أطراف عديدة من البلاد بسبب الحركات المسلحة المتمردة ظل هاجساً مزعجاً في مناطق دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان، وظلت هذه التمردات عبئا على الجيش السوداني الذي يعتبر أكثر جيش في العالم ظل يخوض حروبا في جهات عديدة لمدة (58) عاما متواصلة دون انقطاع.. وتقود الحركات المتمردة حربها ضد الحكومة الاتحادية بأسلوب حرب العصابات، تساعدها في ذلك الطبيعة التضاريسية القاسية في مناطق التمرد، ومعلوم أن حرب العصابات من أخطر أنواع الحروب، حيث لا يحقق طرف من الأطراف نصرا حاسما يوقف الحرب.. والسودان دولة مترامية الأطراف تصعب السيطرة عليها عبر القبضة العسكرية مهما كان عدد أفراد الجيش كبيرا ومهما كان تسليحه متقدما، وعليه فإن قُطْراً بهذا الحجم لا يمكن حكمه إلا بإحداث توافق سياسي بين جميع مكوناته السياسية والقبلية والجهوية وهذا ما لم يحدث حتى الآن. القوى السياسية من جانبها وكذلك الحركات المتمردة وصلت إلى حالة يأس من سقوط نظام البشير الذي بدا مسيطرا بشكل كبير على جميع مفاصل الدولة وأصبح النظام عميقا في الدولة يصعب إسقاطه بعد حكم دام ربع قرن من الزمان، ولذا أصبحت هناك قناعة متزايدة لدى هذه القوى المعارضة المنهكة بضرورة التعاطي الإيجابي مع النظام وترك أمنية إسقاط النظام جانبا على الأقل في الوقت الحالي، ومثلما تضرب الخلافات بأطنابها في داخل كل حزب، فإن هذه الأحزاب لم تتفق على رؤية موحدة أو حد أدنى من برنامج سياسي في مواجهة النظام وكذلك الحال بالنسبة للحركات المسلحة، فحركات دارفور التي تجاوز عددها أكثر من (40) حركة مسلحة لا تجمعها رؤية موحدة وليست هناك إمكانية البتة لأن تتوحد أو تتفق على شروط تسوية لأزمة دارفور.إن لم يحسن نظام الرئيس البشير استغلال الفرصة المواتية فإنه لن يستطيع من بعد هذا الخروج بالبلاد من عنق الزجاجة.. بيد أن هنالك تساؤلاً مفصليا يفرض نفسه بقوة؛ على ماذا يعوّل الرئيس البشير؟ فهل يعوّل على حزبه الذي يعاني أيضا من الخلافات المستشرية داخله أم يعوّل على الجيش الذي مازال يشكل مكوناً قومياً فريدا؟. لكن الاعتماد على الجيش مطلقاً يعني تهميش دور الأحزاب ووضعها في خانة الديكور والسير في طريق معاكس لإرساء نهج ديمقراطي وتداول سليم للسلطة.. حقا تبدو المعادلة أو المفاضلة عصية التحقيق والتنفيذ على أرض الواقع.
1227
| 12 أبريل 2014
عندما نتحدث عن مجتمع أو أمة تجمعها وشائج الأخوة والدين فإنه لا يمكن تصور أن تسري عليه قوانين السياسة في علاقات أفراده بعضهم ببعض.. فلعبة السياسة القائمة على النفاق والميكافيلية لا تصلح بالضرورة لتنظيم علاقات أمة واحدة كالأمة العربية، وإلا فإن تلك الوشائج والروابط تكون حبراً على ورق وتنفصم العُرى ويبقى حال تلك الأمة كحال سائر الأمم.. في آخر أزمة بين قطر وبعض دول الخليج لم تطبق قوانين السياسة المهترئة، فعندما أقدمت كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين على سحب سفرائها من الدوحة، نتيجة لخلافات في وجهات النظر تجاه بعض القضايا الماثلة في المنطقة؛ لم تتعامل قطر بالمثل وقالت الحكومة القطرية في بيان لها: (إنه لا علاقة للخطوة التي أقدم عليها الأشقاء في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين بمصالح الشعوب الخليجية وأمنها واستقرارها، بل باختلاف في المواقف حول قضايا واقعة خارج دول مجلس التعاون).سقت هذه المقدمة لأشير إلى أن مواقف قطر ونهجها المثالي شكلا علامة بارزة في علاقاتها مع السودان ومع الدول العربية الأخرى خارج المنظومة الخليجية وأتبعت قطر نفس النهج المبدئي في كل حالات الأنواء والأعاصير التي ضربت المنطقة.. السودان وفي ظروف الحصار الاقتصادي الظالم وجد كل مساندة ودعم دون أن تحسب قطر حسابات سياسة النفاق ودون أن تخشى في ذلك لومة لائم.. كان يوم الأربعاء الماضي يوم فرح عظيم في السودان، فقد زار حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر الخرطوم.. قطر أكدت دعمها للسودان ببيان عملي وقررت منحه مليار دولار كوديعة استثمارية مساعدة له على تعزيز احتياطيه من النقد الأجنبي.. ذلك غيض من فيض فغيره مشاريع استثمارية جادة فقد وافقت قطر على تمويل مشروعين طموحين للزراعة والطاقة.. حتى آثار السودان وجدت الاهتمام القطري حيث قدمت قطر مساعدة بـ(135) مليون دولار للمساعدة على الحفاظ على المواقع الأثرية.. قطر بذلك النهج الفريد أثبتت أنها دولة تمتلك رؤية مغايرة وغير تقليديَّة للرؤية الخليجيَّة المتحفظة أحيانًا لدرجة بعيدة والمنفتحة أحيانًا أخرى لدرجة أبعد.. سمو الشيخ تميم زار السودان من قبل وهو ولي للعهد في ديسمبر 2011 ووضع لبنات عدة مشروعات قطريَّة استثماريَّة.. بثقة كبيرة تحدوها مسؤوليَّة تجاه فرص الاستثمار العربي تحرَّكت رساميل قطريَّة واقتحمت مجال الاستثمار الزراعي والحيواني في السُّودان.. (حصاد) و(ودام الغذائية) شركتان قطريتان بدأتا عملاً ضخماً في السُّودان يُعتبر نموذجاً لمشروعات الأمن الغذائي العربي.. من بين المشروعات القطريَّة العديدة لفت نظري مشروع لصناعة الدواجن بولاية الخرطوم لسد الفجوة وتغطية احتياجات قطر والدول العربية من منتجات صناعة الدواجن.. مساحة المشروع تقدَّر بنحو 2000 فدان، وبطاقة قدرها 30 ألف طن من لحوم الدواجن.قطر كذلك وفرت من قبل بيئة تفاوضية صالحة واستجمعت خبراتها وتكتيكاتها ولم تألو جهدا في سبيل إقناع المتعنتين من الحركات الدارفورية المسلحة.. ألا ليت شعري لا يكفي على الإطلاق أن نقول لقطر شكراً على الوساطة الخيرة والتبرع السخي غير المسبوق للتنمية في السودان.. في قطر حلت الرؤية مكان القوة ونمطية الدولة العظمى بخيلها ورجلها بترسانتها العسكرية والنووية.. إذن فنحن أمام مفهوم جديد للدولة الكبرى المتفاعلة مع القضايا الساخنة.. نقول لسمو أمير قطر عندما نقصد قطر لحاجة فنحن على ثقة أننا نقصد معترف بقدر السودان وأهله وسيبقى سراج الوصل بين الشعبين أزهراً لأنكم ساعون لاجتراح كل حل تندفع به غوائل الفتنة ونذر الشّر.. سمو الشيخ تميم بن حمد شبل من ذاك الأسد فقد أطمئن الأسد على نباهة واستيعاب شبله لمتطلبات دولة عصرية مثل قطر.. هنيئاً للقطريين بقيادتهم الجديدة والسابقة، وهنيئاً لكل العرب بدولة تمضي في طريق المؤسسية والحكم الراشد وتعطي دروساً مجانية لكل العرب.لا غرو إن أسهم هذا النهج الفريد والرؤية الثاقبة في جعل قطر محاورًا ومفاوضًا أساسيًا في أزمات دوليَّة عدة، والتدخل في صياغة مبادرات تتعلق بالقضيَّة الفلسطينيَّة والقضيَّة العراقيَّة والوضع في لبنان وقضيَّة دارفور وأخيراً القضيَّة السوريَّة وثورات الربيع العربي عموماً، ولذلك سجّلت قطر حضوراً كبيراً ولافتاً في الساحتين الدولية والإقليمية.. كم كان بديعاً أن يعلن سمو الأمير السابق باستمرار اعتزازه بانتمائه الإسلامي والعربي وهذا ما وسم كل سياساته داخليًا وخارجيًا، وقد ختم سموه كلمتَه الوداعيَّة لشعبه بقوله: (مع ثقتي بإدراككم لانتمائكم وهُويتكم العربيَّة المسلمة فإنني أوصيكم بالمحافظة على قِيمنا الثقافيَّة والحضاريَّة النابعة من ديننا وعروبتنا وانتماءاتنا الإنسانيَّة، فنحن نؤمن بأن الوطن العربي جسد واحد يصلح الواحد من أقطاره بما يصلح به الجميع).
1196
| 04 أبريل 2014
جدل كثيف ثار الأسبوع الماضي في السودان حول قضية ذات أبعاد أمنية خطيرة على البلاد مرتبطة بجهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد).. صحيفة سودانية واسعة الانتشار أوردت خبراً عن اعتقال السلطات الأمنية في الخرطوم لسوداني اتهم بتزويد إسرائيل بمعلومات استخدمتها تل أبيب في تنفيذ عمليات عسكرية في السودان.. خبر الصحيفة السودانية أقر به المحرر الأمني لصحيفة (تايم أوف إسرائيل) وكتب جابريئيل فيسكي يقول إن الموقوف السوداني تم تجنيده وتدريبه كجاسوس لإسرائيل أثناء وجوده في إسرائيل ضمن لاجئين سودانيين في إسرائيل في وقت سابق قبل عودته إلى السودان.. في مايو 2012 لقي مواطن سوداني (تتهمه إسرائيل بأنه تاجر سلاح) مصرعه داخل سيارته التي تفحمت تماما بسبب صاروخ موجه بمدينة بورتسودان شمال شرق البلاد على ساحل البحر الأحمر، وقبل وفي شهر أبريل من العام 2011م استهدفت غارة منطقة (أوكو قباتيت) بولاية البحر الأحمر الساحلية على بعد 280 كلم شمال غربي بورتسودان، وذكرت الصحف الإسرائيلية حينها أن طائرات مقاتلة تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي شنت غارتين منفصلتين على منطقة في شرق السودان، استهدفت كل منهما عدداً من السيارات التي زعمت أنها كانت محملة بالذخائر، ومتوجهة إلى قطاع غزة.. منذ العام 2009م وبورتسودان المدينة الإستراتيجية تتعرض لحوادث قصف غريبة لا تشبه إلا الموساد الإسرائيلي.. واقتربت إسرائيل في نوفمبر 2012 من العاصمة الخرطوم ودمرت مصنع اليرموك الحربي على بعد كيلو مترات قليلة جنوب العاصمة الخرطوم.. هذه الحوادث تشير إلى أن إسرائيل توفرت على معلومات دقيقة مكنتها من تصويبات دقيقة نحو أهدافها داخل السودان. يشير اللواء معاش طيار الفاتح عابدون إلى وجود أكثر من (6) آلاف عميل إسرائيلي في المنطقة يعملون لتعريض أمن السودان للخطر وإضعاف قدراته، وأكد أن السودان يعاني من عدم وجود القوانين التي تردع العملاء والطابور الخامس، لذلك تجدهم يتجرأون على مثل هذا العمل.. فضلا عن ذلك فإن الحدود بين مصر والسودان شاسعة جدا، ويمكن استغلالها من قبل الموساد الإسرائيلي الذي يتغلغل داخل السودان ويمارس نشاطه بطرق مختلفة.صحيح أن الموساد وطيلة عقود مضت، عمد على نسج وبلورة هالة من العظمة الأسطورية من حوله، خدمة للحرب النفسية وتعظيما لقوة ردعه، لكن ما يقوم به في السودان الذي يعاني من ثغرات أمنية خطيرة أمر واقع ومحسوس.. وللموساد نجاحات استخبارية أمنية حققها لإسرائيل، مثل اختطاف المسؤول النازي أيخمان، واستدراج طيار عراقي بطائرة من طراز ميغ، وضرب المنشآت النووية السورية، والتشويش على المشروع النووي الإيراني وغير ذلك.لكن ثمة تساؤلات فرضت نفسها؛ معلوم أن الطائرات الإسرائيلية المعتدية اتخذت من أجواء المياه الدولية في البحر الأحمر سبيلاً للوصول إلى السودان، هذا إن كانت قد انطلقت بالفعل مباشرة من فلسطين المحتلة.. لكن ما قبل البحر الأحمر شمالاً، أي خليج العقبة وما حوله، فمن أين مرت الطائرات المعتدية؟، يقال إن هناك مسارا واحدا وهو من فوق خليج العقبة، ومن ثم عبر أجواء مضائق تيران، ثم البحر الأحمر.. طبعا خليج العقبة كان مغلقا أمام الملاحة الإسرائيلية قبل عام 1956 لأنه مياه عربية.. لكن حتى إذا ما سلمنا جدلاً بدعاوى حق (إسرائيل) في المياه الدولية على خليج العقبة، فكيف تمر الطائرات الحربية الإسرائيلية من فوق مضائق تيران وهي أجواء سعودية ومصرية بحتة ولا شأن للقانون الدولي بها؟. السؤال الملح كذلك، ألا توجد لدى مصر والسعودية رادارات وأجهزة مراقبة لمعرفة وجهة الطائرات الإسرائيلية؟. هل يمكن أن تعبر الطائرات الإسرائيلية هكذا دون أن يتم التعرف عليها وتعقبها؟ولا ينفصل النشاط الإسرائيلي في السودان عن كيمياء العلاقة بين شطري الوطن الذي تجزأ إلى جزأين، إذ لجأ كثير من المواطنين في جنوب السودان إلى إسرائيل في فترات سابقة ووجدت فيهم بيئة ملائمة لتجنيد جواسيس لصالحها، ومازال المواطن الجنوبي يتحرك بحرية في السودان دون أن تجد حركته أي عوائق ولا يتم التعامل معه كشخص أجنبي.. إن استهداف إسرائيل للسودان مسألة تاريخية اتخذت أشكالا متعددة وغارات شرق السودان تعتبر الأعنف والأكثر سفورا.. كانت أول زيارة يقوم بها سلفاكير رئيس حكومة جوبا بعد الانفصال إلى إسرائيل، ولم تكن سوى تحصيل حاصل، فقد رعت إسرائيل التمرد في الجنوب منذ البداية، فقد تدرب كل القادة العسكريين الجنوبيين في إسرائيل، كما أن الخبراء الإسرائيليين منتشرون في مختلف المرافق والأجهزة الحكومية بدولة الجنوب الوليدة، والشركات الإسرائيلية تهيمن بالكامل على صناعة الفنادق وبعض المشروعات الإنشائية الأخرى.. ما ميّز تلك الزيارة أنها أول زيارة معلنة إلى إسرائيل.. سلفاكير قال بحضور الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز: (لقد وقفتم إلى جانبنا طوال الوقت، ولولا الدعم الذي قدمتموه لنا لما قامت لنا قائمة)!!. كلام سلفاكير كان تعليقا على قول بيريز إن علاقة بلاده بقادة انفصال الجنوب بدأت أثناء حكومة ليفي اشكول في منتصف ستينيات القرن الماضي عندما كان بيريز نائبا لوزير الدفاع.. سبقت زيارة سلفاكير وعقب إعلان الانفصال مباشرة زيارة قام بها وفد إسرائيلي برئاسة نائب رئيس الكنيست داني دانون إلى جوبا.
2106
| 29 مارس 2014
تصاعدت الأحداث في دارفور بشكل متواتر، والجديد أن الصراع ينشب بين مكونات دارفورية أكثر من كونه صراعا بين هذه المكونات والحكومة المركزية.. صحيح أن القضية في أساسها بدأت من قبل عشرات السنين كنزاعات قبلية على الكلأ والمرعى ثم تطورت هذه النزاعات وتزايدت أعداد ضحاياها باستخدام الأسلحة المتطورة التي تدفقت إلى الإقليم إبان الحرب الأهلية في دولة تشاد المحاددة لإقليم دارفور الذي تقدر مساحته بمساحة فرنسا؛ بيد أنه ما زاد هذه النزاعات ضراوة إهمال الحكومة المركزية لأمر معالجتها، بل إن مواطني الإقليم شعروا بتهميش المركز لهم وتحول الصراع إلى صراع بين مكونات دارفور من جهة والمركز من جهة أخرى.. اتساع مساحة الإقليم وبعده عن المركز أسهم في تأخر التنمية بمختلف أشكالها وأنواعها.. كل ذلك شكل بيئة مواتية للأطماع الدولية في ثروات الإقليم في باطن الأرض وخارجها، فأصبحت دارفور مسرحا لصراع أجندات الخارج، فيما غابت الحكومة المركزية أو كادت تغيب.. المنظمات الإنسانية المرتبطة بالغرب أيضاً استخدمت مساحة تحركها في تضخيم المشكلة؛ تقول صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" الأمريكية ذائعة الصيت في تقرير سابق لها إن منظمات ونشطاء غربيين، في مقدمتهم تحالف "أنقذوا دارفور" قد لعبوا دورا سلبيا في تضخيم أزمة دارفور لأسباب تتعلق بتوزيع الأموال المرصودة للأزمة والترويج للتحالف، الأمر الذي انعكس على إعاقة الجهود الإنسانية الإغاثية والتغطية على جرائم متمردي دارفور ونسب كل المشاكل إلى حكومة الخرطوم تحت مزاعم عن إبادة جماعية. أبرز الصراعات المحلية المحتدمة اليوم بين عثمان كِبر حاكم ولاية شمال دارفور المحاددة لدولتي ليبيا وتشاد، وبين موسى هلال زعيم قبائل المحاميد ذات النفوذ الكبير.. الصراع بين الرجلين له خلفياته القبلية، فضلا عن كونه صراع نفوذ.. الرجلان من حلفاء الحكومة المركزية في الخرطوم؛ فالأول أحد الكوادر السياسية المهمة في حزب الرئيس عمر البشير والثاني زعيم قبلي يصعب تجاوزه، كما أنه تحالف مع الحكومة وقدم لها خدمات كبيرة انطلاقا من نفوذه في الإقليم.. اليوم يطالب الزعيم القبلي الحكومة بتسديد فواتير سابقة وتمكينه من تحويل سلطاته القبلية إلى سلطات رسمية على حساب سلطات حاكم الإقليم، بل اشترط علنا إزاحته من منصبه إن أرادت الحكومة استمرار تحالفها معه والاستفادة من خدماته.. حكومة الخرطوم تجد نفسها في ورطة حقيقية، إذ لا يمكنها تجاوز هلال، كما لا تستطيع التضحية، وبهذا الشكل السافر، بحاكم الولاية وهو أهل ثقة لديها وأحد كوادر الحزب الحاكم المهمة.. المشكلة أن الصراع بين الرجلين اتجه إلى صراع مسلح، بل إن هلال عقد تحالفا مع حركة تحرير السودان جناح مناوي وشكل هذا التحالف العسكري تهديدا كبيرا لعدد من مدن الولاية بما في ذلك عاصمتها الفاشر وهذا أسوأ درك يمكن أن تنحدر إليه مآلات الصراع بين الرجلين. كان العام 2003م هو العام الذي انتشرت فيه الحركات المسلحة ومن المفارقة أن إحداها، وهي العدل والمساواة، كانت الأكثر شراسة في عملياتها العسكرية قد خرجت من رحم نظام "الإنقاذ" الحاكم نتيجة الانقسام الشهير بين أركان الحكم؛ المؤتمر الشعبي بزعامة حسن الترابي، والمؤتمر الوطني بزعامة الرئيس عمر البشير، فضلا عن العديد من الحركات المسلحة الأخرى التي ظلت في حالة تشظٍ وانقسام مستمر حتى وصل عددها إلى أكثر من (40) حركة.الأمر المثير للتفاؤل، أنه رغم الكوابح التي ظلت تكبح مسيرة سلام دارفور إلا أن التجاني السبسي رئيس السلطة الإقليمية لدارفور مازال مؤمناً بالحوار سبيلاً وحيدا للحل، بل إنه حَمل بشدة على الحركات المسلحة التي قال إنها تعمل على تحريض النازحين بالمعسكرات والمتاجرة بقضاياهم، ودعا النازحين للعمل على مواجهتهم.. السبسي شخّص ببراعة الأوضاع في دارفور بُعيد توقيع وثيقة الدوحة للسلام في يوليو2011م بين حكومة الخرطوم وحركة التحرير والعدالة برئاسة السبسي، والتي اعتبرت أكثر الخطوات السياسية جدية لحل قضية دارفور.. السبسي تحدث بإشفاق ممزوج بالتحدي، موضحاً أن مشوار التفاوض كان شاقاً، إلا أن مشوار إنفاذ الاتفاقية هو الأكثر صعوبة ومشقة.. السبسي نوّه أكثر من مرة بضرورة بسط هيبة الدولة، في إشارة إلى غياب الدولة، مما يساعد على تزايد التفلتات الأمنية والعصيان المتكرر.. لكن كيف تبسط الدولة هيبتها؟ عسكريا أم سياسيا أم الاثنان معا؟ السؤال المحوري هو: هل أضحت قضية دارفور بعد كل هذه السنوات العِجاف ومحاولات السلام المستميتة، "طلاسم" تستعصي على الخرطوم ولم تغادر المربع المتجمد؟ أم أن إرادة الحل لم تتوفر حتى الآن في كل الأطراف؟
1146
| 22 مارس 2014
تواجه العلاقات السودانية – المصرية تعقيدات جمة ولم تخرج حتى من حالة اللااستقرار، بيد أن لدى الطرفين إرادة قوية بعدم ترك الأمر يصل إلى مرحلة القطيعة.. أول زيارة خارجية لوزير الخارجية المصري نبيل فهمي بعد الانقلاب الذي قاده المشير عبد الفتاح السيسي على الرئيس الشرعي السابق محمد مرسي، كانت صوب الخرطوم، وفي الأسبوع الماضي، وفي أقل من ستة أشهر، زارها مشاركا في اجتماعات المجلس التنفيذي لتجمع الساحل والصحراء.. وسبقت زيارة فهمي الأخيرة زيارتان، الأولى لوزير الدفاع السوداني والثانية لوزير الخارجية السوداني.. تبقى قضية حلايب خميرة عكننة لعلاقات البلدين، لكن محل الخلاف الأكبر هو تباين المرتكزات الفكرية والسياسية للنظامين؛ فالنظام السوداني مصنف نظاما إسلاميا، بينما النظام في مصر مصنف كنظام علماني.. لكن هذه الخلافات عند البعض لا قيمة لها إن اتجه النظامان إلى تشكيل شراكة اقتصادية وتأسيس علاقتهما على قاعدة من المصالح المشتركة.. ويقول أولئك إن السودان ومصر، كلاهما في حاجة ماسة للآخر من الناحية الاقتصادية وأن الأزمة لديهما في الوقت الراهن أزمة اقتصادية في المقام الأول.العوامل الخارجية إقليميا ودوليا قد لا تساعد البلدين على تجاوز حالة اللااستقرار؛ فالولايات المتحدة الأمريكية ومن خلفها إسرائيل لن تسمحا بقيام شراكة اقتصادية بهذا الحجم، فواشنطن أكبر مانح للمعونات لمصر وتقف ضد أي تحالف، بل حتى علاقات ثنائية تتعدى مربع الفتور، ومعروف أن مصر ثاني أكبر بلد في إفريقيا بعد أثيوبيا يتلقى المعونات الأمريكية، خاصة القمح، فواشنطن تدرك تماما أن ولادة قوة إقليمية ضاربة ستكون خصما على إسرائيل وخصما على إستراتيجياتها في المنطقتين العربية والإفريقية.. العلاقات السعودية – المصرية اليوم قوية إلى حد التحالف، ومن المؤكد هناك ظلال كثيفة لإعلان السعودية جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، واليوم لم تعد مصر في ظل أوضاعها المعروفة دولة عربية قائدة، إذ تحولت أو كادت أن تتحول القيادة إلى المحور السعودي، وبالتالي فإن ظلال الرؤية السعودية تغطي الأفق المصري بكثافة، والسعودية إن أرادت معاقبة السودان على انتمائه للإسلام السياسي فإنها لن تفعل ذلك بشكل مباشر كما عرف عنها ولكن تفعله عبر لاعبين آخرين مقابل أموال طائلة تدفع بها إليهم. والسعودية لا تبدي ارتياحاً لأي نظام إسلامي في الخرطوم أو أي دولة مجاورة، باعتبار أن الإسلام السياسي يهدد حكم أسرة آل سعود ولذا هناك توافق سعودي أمريكي على مكافحة الإسلام السياسي. والقوة الإقليمية التي يمكن أن تتشكل على قاعدة الشراكة الإستراتيجية بين مصر والسودان ستكون خصما على الزعامة السعودية، فضلا عن أنها خصم على إسرائيل كما أسلفنا، ومن هنا يمكن تصور حجم المقاومة التي يمكن أن تبديها السعودية وإسرائيل عبر حليفتها الولايات المتحدة الأمريكية.لا يبدو أن طريق إقامة علاقات إستراتيجية بين السودان ومصر سيكون مفروشا بالورود.. إذ لا تكفي النوايا الحسنة ولا العاطفة الجياشة في عالم السياسة الدولية بالغ التعقيد.. إن الحديث (الكلاسيكي) بشأن أن مصر امتداد طبيعي للسودان وكذا السودان امتداد طبيعي لمصر غدا حديثا مكرورا، بل ممجوج، فقد حان الوقت لأن ينُظر لتلك المقولات بجدية أكبر، بحيث تتجاوز محطة (الكلاسيكية) إلى محطة الفعل الحقيقي.. مصر تواجه أخطارا من تغير المناخ تعتمد بشكل كامل تقريبا على مياه النيل وتتابع بقلق مشروعات السدود التي تقام في دول أعالي النيل.. إن على السودان ومصر أن يدركا أن دورهما في منظومة دول حوض النيل أكبر من أن يقفا في محور مضاد لبقية الدول السبع.. فالدور التاريخي لكل من السودان ومصر يتطلب أن يشكلا قيادة وقدوة لباقي الدول.. هذا الدور المرتجى لن يتم إلا بتعاون وتطابق مقدّر في وجهات النظر في القضايا المختلفة. إن آمال وأحلام الشعبين السوداني والمصري في تحقيق التكامل الذي أصبح ضرورة ملحة؛ بيد أن الطريق طويل وشاق ومن الضرورة بمكان أن يبدأ البلدان السير فيه فوراً.. لابد أن يتجاوز النظامان في الخرطوم والقاهرة عقدة توظيف الدين في العمل السياسي، أو توظيف المقدس تحديدا.. ليستحضر نظام مصر أن المكوّن الفكري السياسي للحركات الإسلامية حول العالم تأسس على أدبيات وتجارب تراكمية أهم ما فيها أن الإسلام دين الوسطية، وليس الدين مجرد مجموعة شعائر وحركات ظاهرة مجوّدة دونما بعد معنوي.. لا يجب أن تتجه ممارسة السياسة الرسمية في كلا البلدين نحو مصادرة المجال السياسي كمجال عمومي، وتنمية وتغذية شروط احتكار السلطة، ومنعها من أن تصير إلى تداول عام ديمقراطي بين المكونات السياسية في المجتمع.
794
| 15 مارس 2014
هل وصلت العلاقات السودانية التشادية إلى بر الأمان بعد سنوات عجاف من حالة الحرب وترسخت قناعة ببناء علاقات على قاعدة إستراتيجية من تبادل المصالح؟ أمس قام الرئيس التشادي إدريس ديبي بزيارة إلى السودان ولم يحط رحاله في العاصمة السودانية الخرطوم كما جرت العادة بل استقبله الرئيس عمر البشير في عاصمة السودان الاقتصادية ميناء السودان البحري على البحر الأحمر. وقالت مصادر سودانية رسمية إن ديبي وصل بصحبة وفد رفيع المستوى يضم عدداً من الوزراء والمسؤولين بحكومته.. لعل اختيار المدينة الاقتصادية الأولى في السودان يشير إلى أن أجندة الزيارة الرئيسية هي أجندة اقتصادية وذكرت ذات المصادر أن الرئيس دبي سيقف على عدد من المرافق الحيوية بمدينة بورتسودان من بينها الميناء الحر.التقارب السوداني – التشادي بدأ منذ (4) سنوات بوقف حالة الحرب بين البلدين، ثم توقيع اتفاق أمني مشترك مازال صامداً على غير عادة الاتفاقات بين البلدين، وأخيراً حديث عن تعاون اقتصادي يشمل تصدير نفط تشاد عبر أنبوب يمر عبر أراضي السودان من غربه إلى أقصى شرقه حيث موانئه على البحر الأحمر.. إن كان بالفعل لدى قيادة البلدين نية لخلق علاقة إستراتيجية بينهما، فإن الشروط السياسية والاقتصادية وحتى التاريخية متوفرة وحاضرة، ولكن كانت تعوزها الإرادة والفعل.. تاريخ العلاقة بين الخرطوم وانجمينا المثقل بالاضطراب والمواجهة، سببه الأنظمة السياسية المتعاقبة في كلا البلدين؛ بيد أنه في الوقت نفسه لا يمكن بأي حال من الأحوال إغفال الآثار السالبة للتركة الاستعمارية الثقيلة التي كافحت بضراوة كل المشتركات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية.. لقد وقف الاستعمار بآثاره الباقية ومحاولاته المستمرة، حجر عثرة في وجه محاولات الإصلاح والتعاون بين القطرين.. إلى العهد القريب مارس الطرفان سياسة عض الأصابع؛ ظلت قضية إقليم دارفور المجاور بل المتداخل تماماً مع تشاد نقطة ضعف الخرطوم وأصابعه التي تعضها تشاد بقوة؛ أما تشاد فقد عانت من هشاشة نظامها السياسي القائم على قبلية متجذرة، ولذا كان النظام في الخرطوم يعض أصابع أنجمينا عبر محاولات جادة لإسقاط نظام الرئيس الحالي إدريس ديبّي؛ حتى أنه في فبراير من العام 2008م كانت العاصمة التشادية أنجمينا قاب قوسين أو أدنى من السقوط في أيدي المتمردين المدعومين من الخرطوم ووصل بهم الأمر أن هددوا باقتحام القصر الرئاسي الذي كان يتحصن فيه ديبّي، إلا أن قوة فرنسية تدخلت في اللحظات الأخيرة وأجلت المتمردين عن العاصمة واستجمع ديبّي أنفاسه ومن ثمّ تم دحرهم تماما خلال أسابيع تالية.. بعد تلك "المغامرة" سعى السودان ضمن دول أخرى لتقديم مساهمة تصبُّ في جهود إرساء الاستقرار في تشاد فقد وقعت حكومة ديبّي والحركة الوطنية المعارضة اتفاق مصالحة ووقف لإطلاق النار بين الطرفين بحضور أمين منظمة تجمع الساحل والصحراء الإفريقية وسفراء السودان، قطر، وفرنسا وممثل الاتحاد الأوروبي في ليبيا، ربما أدرك السودان أنه ليس له مصلحة في استمرار التوتر في تشاد لأن ذلك سينعكس بصورة أو أخرى على أمنه واستقراره. منذ إطاحة الرئيس ديبي بحكم الرئيس السابق حسين حبري وتولى الحكم في تشاد عام 1990م، ظلت بلاده تواجه مشكلات عميقة مع السودان، ولأكثر من عقدين من زمان بقيت العلاقات تراوح مكانها، وسط اتهامات كل طرف للطرف الآخر بإيواء معارضي البلد الآخر، ووصلت إلى حد قطع العلاقات الدبلوماسية وإغلاق القنصليات بالبلدين. وبعد عدة اتفاقات فاشلة نجح اتفاق الدوحة عبر وسطاء إقليميين لإنهاء الخلاف، في إرساء مصالحة بين البلدين في الدوحة في 4 مايو 2009م.. وتمخض عن هذا الاتفاق تشكيل قوات حدودية مشتركة نجحت تماماً في ضبط الحدود مما عزز فرص التعاون والتكامل الاقتصادي بين البلدين. لقد مكن الاتفاق الأمني الأخير بين البلدين الخرطوم من كسر شوكة حركات تمرد دارفور التي وجدت دعماً لوجستياً كبيراً من انجمينا، فضلاً عن عامل آخر مهم وهو سقوط نظام القذاقي في ليبيا الذي احتضن تلك الحركات ومدها بالسلاح والدعم المالي الوفيرفي فبراير من العام الماضي زار ديبّي الخرطوم وشهد مع نظيره السوداني توقيع اتفاقية للاستفادة من موانئ السودان في تصدير النفط التشادي عبر الأراضي السودانية. وتشاد دولة مغلقة ليس لديها موانئ بحرية، وقد وصف عدد من خبراء النفط والاقتصاد الاتفاق بأنه نقلة حقيقية في الاستثمار في مجال البنيات التحتية.. تصدير تشاد لنفطها عبر السودان سيحقق نتائج إيجابية ليست على المستوى الاقتصادي. بل على المستوى السياسي مع دول الجوار، وربما يشجّع بعض دول الجوار للدخول في مثل هذه الشراكات.. وللسودان أنبوب نفطي هو الأطول من نوعه في إفريقيا والشرق الأوسط وهو السبيل الوحيد لتصدير نفط دولة جنوب السودان في الوقت الحاضر، ولذا ربما يقلل ذلك تكاليف إنشاء خط فرعي مكمل لتصدير النفط التشادي. ومن قبل طرحت تشاد مشروع مصفاة وخطين لأنابيب البترول ومحطة الكهرباء وفاز بالعطاء رجل أعمال سوداني بتكلفة 34 مليون دولار وقد اكتمل تشييد الخط في حين يجري العمل في المصفاة ومحطة الكهرباء.. بالإضافة إلى المشروع النفطي هناك مشروعات للربط بين البلدين، متمثلة في مشروع سكة الحديد الذي عُهد به إلى شركات صينية، وطريق القاري حيث التزم الجانب السوداني بإيصال الطريق إلى مدينة الجنينة الحدودية، فيما وافقت دولة قطر على تمويل الطريق بين مدينتي أبشي التشادية والجنينة السودانية.
2684
| 08 مارس 2014
مئات الصحفيين في العديد من الدول العربية وفي أوروبا وآسيا أبدوا تضامنهم مع صحفيي شبكة الجزيرة المعتقلين بمصر، في محاولة للفت أنظار العالم إلى ما يتعرض له الصحفيون هناك منذ انقلاب المشير عبد الفتاح السيسي في 3 يوليو الماضي. لكن اتحاد الصحفيين العرب في سبات عميق وتغافل متعمد لما يجري من انتهاك للحريات الصحفية ولم يفتح الله عليه بكلمة في حق الصحفيين الأربعة؛ وهم محمد فهمي وباهر محمد وبيتر جريستي، الذين اعتقلتهم سلطات السيسي وهم يؤدون واجبهم الإعلامي. الحقيقة الشاخصة أن الواقع الذي تعيشه الصحافة العربية واقع مأزوم بكل أنواع البطش والتنكيل والحجر وهذا ديدن الحكومات؛ لكن ما بال المؤسسات المهنية والنقابية مثل الاتحاد العام للصحفيين العرب، تسير في ركب تلك الحكومات الباطشة؟.في نوفمبر الماضي حضرت الاجتماع الدوري للأمانة العامة للاتحاد العام للصحفيين العرب بدولة الكويت، وكنت حاضراً ضمن وفد الاتحاد العام للصحفيين السودانيين، على مدى ثلاثة أيام انتهى الصحفيون العرب إلى بيان مكرور ومنـزوع الدسم؛ فبعد أن استغرقت السياسية أكثر من (90%) من الوقت والجهد والصياح والعراك، أحبط كل ذلك باسقاط السياسة كل السياسة من البيان إلا ما كان شيئاً في نفس يعقوب، وذلك بعد اقتراح تقدم به وفد الدولة المضيفة (الكويت) ولا أدري كيف حصل على موافقة الأغلبية وانتهى كل شيء بجرة قلم أو باقتراح تسرب كما يتسرب الماء من بين الأصابع المرتجفة، نعم حذفوا السياسة وليس كل السياسة إذ أُبقي بعض النذر بشكل متعمد مستهدفاً بعض الأنظمة دون غيرها؛ إذ كيف يطالب البيان الحكومة التونسية بإطلاق الحريات وعدم تكميم الأفواه – حسب تعبير البيان – وفي الوقت نفسه يتجاهل قضية الحريات الصحفية والإعلامية في مصر عامة ويغفل ما يتعرض له صحفيي الجزيرة في مصر؟!.. لقد سقط اتحاد الصحفيين العرب في امتحان الصدقية والمهنية والنزاهة وهي أدوات ضرورية لممارسة هذه المهنة التي ابتذلت أيّما ابتذال، وأصبحت في كثير من البلدان العربية بوقاً للسطان الجائر تجمل القبيح وتقبح الجميل.ولعل ما يؤكد عدم فعالية الاتحاد الظروف القانونية التي يعمل في ظلها الاتحاد، وهي ظروف تجعله مرتبطا كليا بالسلطة الحاكمة في مصر، ولا يمكن أن يصدح بحق في وجهها البتة، رغم أنه اتحاد يمثل الصحفيين العرب في (21) قطرا عربيا وليس مصر وحدها هذا وإن جاز أن تكون نقابة الصحفيين المصرية تابعة للسلطة مباشرة. إن أكثر ما استحوذ على النقاشات وضعية الاتحاد القانونية في مصر حيث مقره الدائم؛ فقد أعلن المستشار القانوني للاتحاد وهو في الوقت نفسه عضو مؤثر في مجلس الدولة بمصر، أن الاتحاد مازال في وضعية منظمة أهلية بتصريح عمل تمنحه وزارة الضمان الاجتماعي، وهذه الوضعية تجيز للسلطات المصرية إلغاء ترخيصها في أي وقت فضلا عن المراجعة الدورية لحساباتها.. حينها صاح أحد المجتمعين قائلا: (يا للهول، يعني الاتحاد مثله مثل جمعية الطيور؟!).. كان وقع توصيف ذلك الرجل كوقع الانفجار الهائل وحينها اختلط حابل التعليقات الساخرة بنابل تمتمات وهمهمات الدهشة والمفاجئة.استهداف قناة الجزيرة يأتي لتأثيرها القوي على الرأي العام وقد أصبحت الوسيلة التي تقوم بدور مركزي في الحياة السّياسية الديمقراطية في الوطن العربي. يشار إلى أن الجزيرة جاءت قبل عدة سنوات كخامس أقوى علامة تجارية في العالم في استطلاع لآراء مسؤولي شركات وخبراء في مجال العلامات التجارية بالولايات المتحدة الأمريكية. ولقناة الجزيرة تأثير فاعل في عكس صورة ذهنية إيجابية عن قطر لدى العالم جعلتها تأخذ مكانا بارزا في خريطة السياسة الدّولية؛ ويقول الباحث الأمريكي جون آلترمان الخبير بالمعهد الأمريكي للسلام بواشنطن: أن قناة الجزيرة تجعل من قطر قوة إقليمية. بل أكثر من ذلك، حيث إن قطر أصبحت تسهم في تشكيل الرأي العام العربي على أقل تقدير، يذكُر معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى أن لقناة الجزيرة تأثيرا بالغا في صياغة الرأي العام العربي والتأثير عليه ويشير المعهد أن القناة ألقت بظلالها على كل وسائل الإعلام العربية. بيد أن لقناة الجزيرة أهمية استراتيجية سياسية وإعلامية تتعدى نطاق دولة قطر لتشمل العالم العربي والإسلامي الذي شهد لأول مرة نمطا جديدا من الإعلام الحُر؛ فالناظر إلى هذا الكم الكبير من الفضائيات العربية والتي يتجاوز عددها الخمسمائة قناة يصاب بالدهشة للتأثير الضعيف الذي تمارسه هذه القنوات في الرأي العام العالمي وصوتها المبحوح في إيصال قضايا العرب والمسلمين المصيرية، وبالذات قضية فلسطين وباقي الأراضي المحتلة، وصورة المسلم الصحيحة والتي تشوهها الفضائيات العالمية بصورة مستمرة، سواء كان ذلك في الأخبار اليومية أو الأفلام الدرامية أو الوثائقية أو البرامج المنوعة، حتى الأغاني لم يسلم منها العربي أو المسلم والتي غالبا ما تظهره بصورة ساخرة.
972
| 01 مارس 2014
خلافات عميقة بين وفد الحكومة السودانية ووفد الحركة الشعبية (قطاع الشمال) أطاحت بمسيرة التفاوض بين الجانبين في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، ووضع ثامبو أمبيكي رئيس الآلية الإفريقية رفيعة المستوى الثلاثاء الماضي، مفاوضات الجولة الرابعة بين الطرفين التي انطلقت في 13 فبراير الحالي، وحاول أمبيكي تجميل ذلك الفشل ووصفه بتعليق المفاوضات لمدة عشرة أيام لمزيد من التشاور بين وفدي التفاوض وقياداتها.. الخلاف بين الطرفين لم يغادر مربع الاتفاق على الأجندة؛ فالخرطوم تصر على أهمية الالتزام بقرار مجلس الأمن رقم 2046 بشأن حصر التفاوض في قضايا منطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان الأمنية والسياسية والإنسانية، فيما تصر الحركة على مناقشة قضايا قومية تتجاوز المنطقتين.. لكن ما هي حقيقة الصراع وما هي المطالب الحقيقية للحركة التي تغلفها وتزينها بالقضايا القومية؟ ليس على ما يبدو أن الهدف الحقيقي للحركة الشعبية هو القضايا القومية بقدر ما هو الحصول على قسمة مقدرة من (كيكة) السلطة بقوة السلاح؛ فالحرب مستعرة بين الحكومة السودانية ومتمردي الحركة الشعبية في المنطقتين منذ أمد ليس بالقصير بُعيد إعلان نتيجة الانتخابات الأخيرة وفشل مرشح الحركة بالفوز بانتخابات والي الولاية ولذا قصفت الحركة مدينة كادوقلي عاصمة ولاية جنوب كردفان عقب فشل المفاوضات مباشرة.. لو أن الخرطوم منحت رئيس القطاع منصب كبير مساعدي رئيس الجمهورية ووزارة مركزية لرئيس وفدها المفاوض ومنصبا واليا المنطقتين لصمتت البنادق ولتم التنازل عن مزاعم الدفاع عن قضايا المنطقتين أو حتى القضايا القومية.. إن الحكومة السودانية تعتبر أكبر محرض على رفع السلاح ضد الدولة بإعطائها ميزات تفضيلية كبيرة لمن يرفع السلاح بل إن من يرفع السلاح لا يحصل على المناصب فحسب بل قد يحصل على دولة كاملة مقتطعة من الوطن كما حدث في انفصال دولة جنوب السودان.المفارقة أن رئيس وفد الحركة المفاوض ليس له علاقة بأي من المنطقتين فهو من مواطني ولاية نهر النيل شمال الخرطوم، كما أن أبناء النوبة في الحركة يعيشون حالة مغاضبة مع قيادتها حيث أصبحت لديهم قناعة متزايدة بأن قضيتهم الأساسية أصبحت مختطفة ويتم المساومة بها للحصول على المناصب دون إعارة قضاياهم أي اهتمام وهذا ما حدث عندما وقعت الحركة الشعبية (الأم) اتفاقية سلام مع الخرطوم. الحزب الشيوعي السوداني أيضا متهم باستخدام الحركة كحصان طروادة للوصول إلى الحكم إذ لا ينتظر فوزاً في أي انتخابات سواء في عهد النظام الحالي أو ظل أي نظام آخر إذ لا تجد أطروحاته قبولا لدى الشارع السوداني المحافظ والمتدين، ومعلوم أن رئيس وفد الحركة المفاوض هو في الأصل كادر شيوعي منذ أن كان طالبا في المرحلة الجامعية. وتتفق أطروحات الحزب الشيوعي مع أطروحات الحركة بشأن محاربة أي توجهات عروبية – إسلامية في السودان، وهناك مقولة مشهورة لقائد الحركة الأم السابق جون قرنق قوله: (الإسلام خرج من الأندلس بعد عدة قرون فما الذي يمنع خروج العرب والمسلمين من السودان وقد بقوا حتى الآن مدة أقل مما بقي العرب والمسلمون في الأندلس. ويقول منفستو الحركة (قطاع الشمال) والمنشور في موقعها الإلكتروني أن هناك: (تصورات ذاتية مشوهة لمجموعات الأقلية الإفريقية- العربية الهجين عرقيا وثقافيا ودينيا وإلصاقها لنفسها هوية أحادية إسلامية-عربية، وفرض هذه المجموعات لهذه التصورات المشوهة كإطار لهوية السودان ككل). وورد أيضا بذلك المنفستو أن: (تاريخ السودان لم يبدأ مع الإسلام أو هجرة الناس من الجزيرة العربية إلى إفريقيا). ويقول ذلك المنفستو كذلك: (إن سياسة البلاد الخارجية غير متزنة تخضع لتوجهات أيديولوجية للمجموعات الحاكمة والنشطة سياسيا مثل القوميين العرب، والإسلاميين مما يوحى وكأن السودان قد أضحى، على وجه الحصر، دولة عربية أو إسلامية أو في أحسن الفروض، ذات توجهات منحازة). المفارقة أن حديث الحركة عن الديمقراطية والاعتراف بالآخر في المنفستو يكذبه الواقع في دولة جنوب السودان الوليدة، كما أن الاقتتال العرقي الدموي الذي يدور حالياً هناك يؤكد ذلك كله أن المنفستو ليس سوى أطر نظرية غير قابلة للتطبيق في الدولة التي تحكمها الحركة الشعبية بالحديد والنار حيث تتمثل الحكمة القائلة أن (فاقد الشيء لا يعطيه). فمنذ اندلاع الصراع القبلي في دولة جنوب السودان في 15 ديسمبر الماضي، أصبحت الدولة الوليدة مهددة بحرب أهلية على أسس عرقية تعيد للأذهان الحرب الطاحنة بين قبيلتي التوتسي والهوتو في دولة رواندا الواقعة في شرق إفريقيا بمنطقة البحيرات العظمى؛ حيث دارت حرب أهلية في الفترة من 1990 – 1993 راح ضحيتها (800) ألف قتيل. اليوم يبدو الوضع في دولة الجنوب كارثياً بعد مرور أكثر من عامين على الانفصال.
977
| 22 فبراير 2014
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت...
2238
| 09 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة...
1470
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره...
1128
| 11 أكتوبر 2026
شخصيًا ما زلت أرى ضبابية وعدم وضوح في...
939
| 15 أكتوبر 2026
قد يكون من أهم إنجازات الدولة خلال الأزمات...
735
| 14 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين...
657
| 12 أكتوبر 2026
-الأمير الوالد كان يتطلع إلى مكتبة وطنية تليق...
567
| 11 أكتوبر 2026
■تكوين الأسرة والإنجاب في الخليج يبدآن من الزواج...
528
| 13 أكتوبر 2026
يُفترض أن تكون الحصة الدراسية المكان الأول الذي...
459
| 11 أكتوبر 2026
الموضوع باختصار إن لي صديقة كانت قد انفصلت...
420
| 15 أكتوبر 2026
كثيرًا ما تنتشر في عالم الإدارة والتنمية البشرية...
417
| 09 أكتوبر 2026
قبل أيام تم الإعلان من قبل « visit...
411
| 12 أكتوبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تابع الأخبار المحلية والعالمية من خلال تطبيقات الجوال المتاحة على متجر جوجل ومتجر آبل