رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نظرا لأن تاريخ كتابة هذه المقالة يسبق الإعلان عن نتيجة الانتخابات الأمريكية، فإن غير المعلوم الأساس فيها هو اسم الرئيس الأمريكي القادم. فقد أظهرت استطلاعات الرأي التي سبقت إجراء الانتخابات تقاربا كبيرا بين المرشحين، صحيح أن هذه الاستطلاعات كانت تميل بنسبة طفيفة لصالح باراك أوباما، إلا أن نظام الانتخابات الأمريكي يسمح للمرشح الحاصل على عدد أصوات أقل أن يفوز بمنصب الرئيس وذلك إذا حصل على أغلبية أصوات مندوبي الولايات. ولذا فإن محاولة توقع من سيكون المرشح الفائز لا تبدو أمرا سهلا. أما المعلوم فيما يخص هذه الانتخابات، على وجه الترجيح وليس اليقين بطبيعة الحال، فهو الشكل المحتمل لعلاقة الرئيس القادم بأنظمة الربيع العربي. ويمكن استقراء طبيعة هذه العلاقة من سجل تعاطي الحزبين الأمريكيين الكبيرين مع المنطقة. صحيح أن مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ثابتة إلى حدٍّ كبير ولا تتغيّر كثيراً من إدارة إلى أخرى، وهي تشمل حماية أمن إسرائيل وتأمين تدفّق النفط وتأمين الممرات المائية والجوية أمام خطوط الملاحة والطيران الأمريكيين، فإن هناك تبايناً كبيراً في السياسات التي ينتهجها الرؤساء الديمقراطيون والجمهوريون من أجل الحفاظ على هذه المصالح. فالديمقراطيون بشكل عام يميلون إلى التدخل غير المباشر واستخدام الحد الأدنى من القوة المسلحة. أما الجمهوريون فلا يترددون في سبيل تحقيق المصالح الأمريكية عن التدخل المباشر وفرض الإرادة الأمريكية بالغزو العسكري إذا لزم الأمر. وإذا كانت الخبرة المعاصرة للسياسات التدخلية للجمهوريين ترتبط بمواقف الرئيس جورج بوش الابن إزاء كل من العراق وأفغانستان، فإن سجل التدخل الجمهوري في المنطقة لا يبدأ عند بوش الابن، فقد تبنى الجمهوريون سياسات تدخلية مباشرة ومسلحة في سياقات سابقة كثيرة؛ فبوش الأب آثر الخيار المسلح في حرب تحرير الكويت، كما اتخذ الرئيس ريجان قرارات متعددة بالتدخل المسلح في ليبيا، وتدخل الرئيس نيكسون لدعم إسرائيل بالسلاح في حرب أكتوبر، كما سجلت إدارة الرئيس أيزنهاور أكبر عدد من محاولات التدخل في ظل إدارة واحدة، كما حدث في تدخلها في الأردن وفي لبنان فضلاً عن تدخلها السري في إيران للإطاحة بحكومة مصدق. أما الديمقراطيون وعلى العكس فقد كانوا يميلون إلى التدخل غير المباشر أو التدخل العسكري المحدود، ومثال ذلك الدور السلبي الذي قامت به إدارة جونسون (أو على الأقل هذا ما أعلنته) إبان العدوان الإسرائيلي في عام 1967 على كل من مصر والأردن وسوريا، وكذا الدور الذي قامت به إدارة كلينتون في محاصرة العراق من دون شن حرب فعلية ضد نظام الرئيس صدام، وأخيرا الطريقة التي لجأ إليها الرئيس أوباما لتصفية خصومه من خلال عمليات محدودة وخاطفة، كما فعل في إطار عملية التخلص من زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن والداعية اليمني أنور العولقي. وبناء عليه يتوقع أن يستمر الديمقراطيون حال فوز مرشحهم في سياسة التأثير عن بعد، وتغليب أساليب الضغط الدبلوماسي والاقتصادي على التدخل العسكري المباشر، وهذا ما أكده باراك أوباما في حملته الانتخابية من خلال دعوته إلى استئناف التفاوض في الأراضي الفلسطينية، وإدماج أنظمة الربيع العربي في المنظومة الاقتصادية العالمية من خلال تسهيل منحها القروض، والاستمرار في تقديم المساعدات الاقتصادية حتى للأنظمة التي انقلبت على الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة مثل مصر وتونس. أما فيما يتعلق بالجماعات والأنظمة المعادية للولايات المتحدة فمن المتوقع أن تتجنب الإدارة الديمقراطية الدخول معها في مواجهات موسعة، وأن تؤثر الاقتصار على أسلوب الضربات المحدودة أو الحصار الاقتصادي. أما الجمهوريون فيظهر من خطاب مرشحهم أنهم يريدون استئناف برنامجهم القائم على فرض الهيمنة الأمريكية بالقوة المباشرة، فقد صرح رومني أكثر من مرة أنه لا يريد أن يتحول الربيع العربي إلى شتاء، ويعني بذلك أن لدى الجمهوريين قلقا خاصا من سيطرة الإسلاميين على السلطة في دول الربيع العربي، وهو لهذا يؤيد التدخل المباشر لمساعدة الأصدقاء ومقاومة الأعداء كما يسميهم. كما يفضل الجمهوريون وضع شروط للمساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة لدول الربيع العربي بغرض التأكيد على مكافحة الإرهاب والتعاون مع إسرائيل، وهي نفس البنود التي كانت مطروحة من قبل في مشروع جورج بوش الابن بخصوص التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط. أما أبرز القضايا التي يتبين فيها الخلاف بين المرشحين، ومن ثم بين الحزبين اللذين ينتميان لهما، فتتعلق بالوضع في سوريا، فرغم تعهد كلا المرشحين بعدم التدخل المباشر لدعم الثورة السورية، على غرار ما حدث في الحالة الليبية، فإن الجمهوريين يبدون بشكل عام أقل قلقا من تداعيات التسليح الكامل لفصائل المعارضة السورية (المتوافقة مع الأهداف الأمريكية في المنطقة) ومن توابع التغيير الذي يمكن أن يحدث حال الإطاحة بنظام الأسد. الأمر المهم من وجهة نظرهم ألا يتمخض التغير عن وصول إسلاميين إلى الحكم في أعقاب ذلك. تعني هذه المعطيات أن إدارة جديدة بقيادة رومني ربما تواصل نهج الجمهوريين في التعاطي مع المنطقة وفقا لسياسة ضاغطة على حكومات الربيع العربي. فالتخلي عن الوجه المعتدل عقب مرحلة التنافس الانتخابي هو تقليد جمهوري قديم. صحيح أن الجمهوريين سيستخدمون أساليب براجماتية في البداية، ولكنهم سيحتفظون في أدراجهم بخطط للتدخل وقت اللزوم، الأمر الذي يهدد بجلب المزيد من عدم الاستقرار إلى المنطقة.
436
| 07 نوفمبر 2012
في الأسبوع الماضي كتب صحفيان شهيران في صحيفة النيويورك ريفيو أوف بوكس ينتقدان الثورات العربية ويصفانها بلعبة الكراسي الموسيقية التي تتناوب فيها أطراف مختلفة الجلوس على نفس المقاعد من دون حدوث تغيير حقيقي في المشهد الكلي والنهائي، ففي مصر قام الحزب الوطني وجلست مكانه جماعة الإخوان المسلمين، وفي تونس ذهب زين العابدين وحل محله حزب النهضة، وفي اليمن قام علي عبد الله صالح وقعد مكانه عبد ربه منصور هادي، وحتى في قطاع غزة الذي سبق الربيع العربي بانتخاباته البرلمانية، تركت حركة فتح القطاع لحركة حماس لكي تمارس السياسة بنفس طريقة الفتحاويين. والمعنى الكامن وراء هذا الانتقاد أن النخب الحاكمة في دول الربيع العربي، والتي جاءت في أعقاب ثورات كبرى، ترتكب نفس أخطاء الماضي، وتعيد من دون وعي إنتاج الأنظمة القديمة ولكن في إطار ديباجات جديدة. يتسم هذا التحليل بشيء من المبالغة بلا شك، ولكنه في الوقت نفسه يحوي قدرا غير قليل من الحقيقة، فقطاع كبير من الشعوب العربية لا تستشعر تغييرا فعليا، بفعل كون السياسات المتبعة في هذه المرحلة تتشابه إلى حد كبير مع سياسات أنظمة ما قبل الثورات، ومن مظاهر ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، التوجه نحو الخارج لحل أزمات الداخل، الاقتراض من بيوت المال الدولية وكأنها مؤسسات ذات طابع خيري وليست أداة من أدوات الهيمنة، والاعتماد على خطاب سياسي يخاطب العواطف بأكثر مما يخاطب العقل. الأمر الذي يثير التساؤل عن سر عجز النظم الحاكمة في دول الربيع العربي عن تجاوز سياسات الماضي وتبني سياسات أكثر ثورية تتناسب مع طموحات الشعوب في هذه المرحلة. تستعرض هذه المقالة مجموعة من التفسيرات المحتملة لهذه الظاهرة، مع التركيز بدرجة أكبر على الحالات التي نجحت فيها القوى ذات المرجعية الدينية في الوصول إلى مقاعد السلطة. أول هذه التفسيرات يذهب إلى أن القوى التي تولت الحكم بعد الثورات العربية تشكلت خبرتها السياسية أساسا من خلال مجموع ما عايشته واحتكت به من سياسات وأدوات الأنظمة القديمة، الأمر الذي انعكس على طريقتها في ممارسة الحكم بعد أن أصبحت في موقع السلطة، فهي ببساطة لا تجيد إلا ما تمرنت عليه في ظل عهود الاستبداد، حتى انتهى بها الأمر وقد أصبحت غير قادرة على أن تختط لنفسها أساليب جديدة لإدارة الدول التي تتربع الآن على قمتها. التفسير الثاني يذهب إلى أن لعب دور المعارضة أسهل دوما من تحمل مسؤوليات الحكم، وأن القوى الجديدة وإن كانت قد نجحت في موقع المعارضة، بعد أن استخدمت خلفيتها الدينية لإبراز عيوب خصومها، فإنها الآن تشرب من نفس الكأس، وتظهر عاجزة عن اجتياز الأخطاء التي وقعت فيها الأنظمة القديمة، بعد أن تبين لها أن ممارسة المعارضة شيء وممارسة الحكم شيء آخر. التفسير الثالث يذهب إلى أن سقف طموح قوى المعارضة كان منخفضا منذ البداية، فقد كانت غايتها أن تصل إلى الحكم من دون أن تمتلك مخططا عمليا لإدارة الدولة بعد ذلك. ويرتبط هذا بنظرة هذه القوى للأنظمة القديمة من حيث كونها أنظمة فاسدة أكثر من كونها أنظمة فاشلة، ومن ثم فإنها وبعد وصولها للحكم لم تتحرج من استلهام نفس وسائلها مع إضافة بعد أخلاقي عليها فقط لتنقيتها من الفساد الذي ارتبط بممارساتها وليس أكثر من ذلك. التفسير الرابع يذهب إلى أن القوى الجديدة بعد أن وصلت إلى الحكم تحرص كأي جماعة سياسية أخرى على الاستمرار فيه، ومن هنا فإنها تتجنب تبني سياسات ومواقف حاسمة، على اعتبار أن تبنى مثل هذه السياسات ربما يدفع الناخبين المتذبذبين إلى المفاضلة بينها وبين القوى التقليدية، وربما ترجيح كفة الأخيرين. في مصر على سبيل المثال تدرك جماعة الإخوان أن خمسين في المائة من الناخبين لم يشاركوا في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وأن نصف عدد المشاركين قد اختار ممثل النظام القديم، الأمر الذي يمثل قيدا من وجهة نظرهم على تبني سياسات ثورية حقيقية. التفسير الخامس يذهب إلى أن القوى الجديدة تتبنى أسلوب التدرج، ولا تريد اتباع أسلوب الصدمات حتى لا تثير موجة من ردود الأفعال العنيفة من جانب قوى المعارضة الليبرالية في الداخل ومن جانب القوى المتربصة بالخارج، وفي ظل ضخامة المشكلات التي ورثتها عن العهد السابق، لا تريد القوى الجديدة أن تتحول عن نمط الدولة التقليدية إلى نمط مختلف لن يتردد المعارضون لها في وصفه بالنمط الديني الانقلابي. هذا عن التفسيرات المحتملة، ولكن أيا ما كان الأمر فإن المحصلة النهائية أن التراجع عن تبني سياسات ثورية حقيقية والاستمرار في استلهام السياسات القديمة سوف يؤدي إلى تجميد المسيرة السياسية لنظم الربيع العربي، وسوف يظهر الطبقة الحاكمة فيها بمظهر غير القادر على إحداث نقلة كبرى في واقعها المتأزم، والأخطر أنه سوف يفقد الجماهير ثقتها في هذه القوى الحاكمة، الأمر الذي يهدد بعودة الأنظمة القديمة في أقرب استحقاق انتخابي قادم، وحينها سوف ينطبق للأسف التقييم المذكور أعلاه والذي يعتبر الموضوع برمته مجرد لعبة للكراسي الموسيقية.
477
| 30 أكتوبر 2012
في الأسبوع الماضي فجرت لجنة جائزة نوبل في العاصمة النرويجية أوسلو مفاجأة بإعلانها فوز الاتحاد الأوروبي بجائزة نوبل للسلام لعام 2012 وذلك لما وصفته بمساهمته في تشجيع السلام والمصالحة في أوروبا. وأيا ما كانت الأبعاد السياسية التي تحكم معايير اللجنة المسؤولة عن منح هذه الجائزة، وأيا ما كانت الانتقادات إلى وجهت لاختيارها الاتحاد الأوروبي بالذات لمنحه هذه الجائزة في ضوء المشاكل الاقتصادية التي يعاني منها بعض أعضائه، فإن الخبر في مجمله يدفع للتفكير في الكيفية التي نجحت من خلالها تجربة الاتحاد في تحويل أوروبا من ساحة للصراع إلى إحدى أكبر ساحات التفاهم في العالم، ومقارنة ذلك بأحوالنا في العالم العربي، حيث تتسع مساحات الاختلاف وتتآكل مساحات الاتفاق، حتى صرنا نجد من بين مثقفينا من بات يتعامل مع كلمة الوحدة على أنها كلمة سيئة السمعة. لقد نشأ الاتحاد الأوروبي كمحاولة للتغلب على ميراث دموي من النزاع بين الدول الأوروبية التي كانت قد خرجت لتوها من تجربة حرب مدمرة، أزهقت أرواح ما يزيد على الخمسين مليون نفس، وأدت إلى انهيار عملاتها وارتفاع أسعار السلع الأساسية فيها، وتحطيم بنيتها التحتية، وأوصلت مديونيتها لمعدلات قياسية، فضلاً عما خلفته من ملايين اللاجئين والمشردين والمصابين. نجح مشروع الوحدة تدريجيا في القضاء على هذا الميراث الهائل من المشاكل، وحوّل خصوم الأمس إلى شركاء في المصير، وطور وسائل التعاون بين الأنظمة التي أرهقتها الحرب حتى صارت لها عملتها الموحدة وكلمتها الدولية المسموعة، وصار الاتحاد الأوروبي مرشحا بقوة لوراثة الدور الأمريكي في عالم متعدد الأقطاب يعقب المشهد الحالي من القطبية الأمريكية المنفردة. وبالتزامن مع النجاح المطرد لتجربة الاتحاد الأوروبي، كان العالم العربي على الجانب الآخر من البحر، يقوم هو الآخر بتنفيذ عدد من تجارب الوحدة، ولكنها كانت قصيرة العمر وكثير منها مات في المهد. بعد قيام الثورات العربية كان من المتوقع أن يسهم الربيع العربي في جعل دوله أكثر رغبة واستعدادا لكي تستأنف مشروع الوحدة من جديد، ولكن النخب السياسية في هذه الدول لا تبدو قادرة على تحقيق التوافق الداخلي فيما بينها فضلاً عن أن تحقق الوحدة السياسية أو الاقتصادية فيما بين دولها. فبمجرد الإطاحة بالأنظمة القديمة تفرغت هذه النخب لحالة من التناحر حول عدد من الأزمات المفتعلة، وانصرفت عن البحث في مساحات التوافق فيما بينها. والسؤال الذي يناقشه هذا المقال هو: لماذا نجح الأوروبيون في تجاوز تناحرهم، فيما النخب السياسية عندنا لا يبدو أنها تسعى إلى تحقيق إنجاز توافقي مماثل؟ أول العوامل المسؤولة عن ذلك ربما يتمثل في تفاوت القدرة بين الأوروبيين وبيننا على التمييز بين الأهداف والوسائل. فالتناحر بالنسبة للأوروبيين لم يكن غاية في حد ذاته، ولكنه كان وسيلة لتحقيق أهداف أكبر، فلما فشل في تحقيق هذه الأهداف، وجدت هذه الدول أن بإمكانها أن تحقق بالاتحاد ما فشلت في تحقيقه عن طريق الحرب والانقسام. وعلى العكس مما سبق، فهمت النخب السياسية لدينا الانقسام على أنه غاية في حد ذاته، ولهذا ارتبطت مشاريع الوحدة الأولى (خلال مرحلة المد الناصري) بتشجيع وتمويل العديد من الانشقاقات والانقلابات بحجة تمكين الأنظمة ذات النزوع القومي من الوصول إلى الحكم، الأمر الذي أدى إلى نشوب حرب باردة عربية، لم تنته إلى أي نتيجة مثمرة. الأمر نفسه يتكرر فيما بعد الربيع العربي على المستوى الداخلي، فقد أصبحت النخب السياسية على حافة مواجهة شاملة، بدا معها أن هذه النخب السياسية ليست جادة في تحقيق شعاراتها الوحدوية والتوافقية، فهي متفرغة لترسيخ الفرقة ونقض ما غزلته الشعوب، تحركها مصالحها الضيقة، فيما هي عاجزة عن الالتزام بالحد الأدنى من التوافق الضروري لتحقيق أهداف الربيع العربي. من عوامل نجاح الوحدة الأوروبية أيضا أنها انطلقت من الجزئي إلى الكلي، ومن المحدود إلى الشامل، فمن اتحاد لإنتاج الفحم والفولاذ، إلى برلمان أوروبي، إلى محكمة عدل أوروبية إلى اتحاد نقدي إلى وحدة سياسية شبه مكتملة. وعلى العكس من ذلك جاءت تجارب الوحدة لدينا مبالغة في أهدافها، فوقية في تطبيقاتها، ومرتبطة بالطموحات السياسية لعدد من القادة القوميين أكثر من ارتباطها بالحقائق الموضوعية على الأرض، الأمر الذي حال بينها وبين إحراز نجاحات ملموسة. الأمر نفسه يتكرر في مرحلة ما بعد الربيع العربي، فالنخب السياسية المتصدرة للمشهد لا يبدو أنها تفهم فوائد التدرج في الطموحات، وإنما هي في حالة من الاستنفار الدائم من أجل تضخيم إنجازاتها والتهوين من إنجازات خصومها. من ناحية أخرى فإن المكون الحضاري في الاتحاد الأوروبي لم يتم طمسه أو القفز عليه، ولهذا فإن الاتحاد مازال يوصف من قبل الكثير من المختصين بأنه ناد مسيحي. أما الأبعاد الحضارية والدينية في مشاريع الوحدة العربية فقوبلت دوما إما بمعارضة أو بتحايل لتفريغها من مضمونها. ولم يتغير الحال بعد الثورات العربية، فالعامل الوحيد الذي تجتمع عليه النخب العلمانية، المتنافرة فيما سوى ذلك، هو معارضتها للهوية الإسلامية، وهو اجتماع ذو طبيعية مفرقة كما يبدو من مضمونه، خاصة أن الطرح البديل الذي يقدمه هؤلاء يتعارض مع المزاج العام لقطاعات واسعة من الشعوب العربية التي تستشعر ميلاً تلقائيا إلى الدين والتدين. لقد أثار نجاح ثورات الربيع العربي الأمل في اجتماع النخب السياسية العربية حول أهداف وحدوية على المستوى الداخلي والخارجي، ولكننا حتى هذه اللحظة لا نرى سوى استغراقا في الخلافات والاتهامات والفرقة، الأمر الذي يشعر المراقب بقدر كبير من القلق، خاصة عندما يقارن هذا الحال بحال جيراننا الشماليين الذين يحتفلون بمرور ستة عقود على بدء مسيرتهم نحو الوحدة التي تجاوزت مشاكل وعقبات أكبر بكثير مما تثيره النخب السياسية لدينا من قضايا وأزمات مفتعلة.
451
| 24 أكتوبر 2012
موضوع المساواة بين الرجل والمرأة ووضع المرأة في الدستور هو الشغل الشاغل للطبقة السياسية المصرية هذه الأيام، وهذا ليس أمرا غريبا أو مثيرا للدهشة في حد ذاته، ولكن الغريب بحق أن سبب إثارة الموضوع يرجع إلى توجه غالبية أعضاء الجمعية التأسيسية ناحية الإبقاء على المادة المنظمة لهذا الشأن (المادة 36) وفق صياغتها التي كانت عليها في دستور 1971، والتي تؤكد على التزام الدولة باتخاذ كافة التدابير التي ترسخ المساواة بين الرجل والمرأة دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية. وكانت كلمة السر التي أثارت الجدل هي بطبيعة الحال "أحكام الشريعة الإسلامية". فقد اعتبر مثيرو هذه الأزمة أن النص على هذه العبارة مظهر من مظاهر التحيز والرجعية، وتهديد للحريات، وتهميش لدور المرأة، واختزال لمكتسباتها عبر نصف قرن، إلى آخر هذه القائمة المألوفة من الاتهامات. أما الجديد هذه المرة فتمثل في إشارة البعض إلى أن النص على حكم الشريعة يعد ارتدادا عن مشروع الحداثة وهدما لأحد مقومات الدولة الحديثة. وذلك على اعتبار أن الأخيرة تقوم على أساس مجموعة من العناصر التي ليس من بينها بطبيعة الحال أحكام الشريعة الإسلامية. هذه الإشارة إلى الحداثة والقلق عليها تكشف العديد من النقاط المسكوت عنها في موقف العلمانيين من الدستور وموقع المرأة فيه. فالمشروع الحداثي له تحيزاته المعروفة، ويأتي التصريح بهذه التخوفات على وضع المرأة في الدستور الجديد ليعكس تبني أصحابها لهذه التحيزات، وليفسر حالة الصخب التي أثيرت طوال الفترة الماضية بشأن إقرار المادة الثانية من الدستور (الخاصة بحاكمية الشريعة)، والصعود الإسلامي في كل من الانتخابات البرلمانية والرئاسية. الأمر الذي يستدعي إلقاء الضوء على بعض من هذه التحيزات. أول التحيزات المرتبطة بالمشروع الحداثي هو اعتباره أن المنظومة الدنيوية منظومة مكتفية بذاتها وليست بحاجة إلى قوانين سماوية المصدر. ولذا يفزع المنتمون لهذا المشروع ويصابون بحالة من القلق عند أي إشارة إلى الشريعة أو إلى الوحي، فالمنظومة الاجتماعية وفقا لهم مثلها مثل المنظومة الطبيعية يمكن فهمها من داخلها. وكما أن الظواهر الطبيعية يمكن التحكم فيها من خلال مجموعة القوانين الفيزيائية فحسب ومن دون استعانة بالوحي السماوي، فإنهم يؤمنون أن فهم المجتمع ومن ثم التحكم فيه ممكن من خلال مجموعة القوانين التي تصنع داخله، دونما حاجة إلى ما يتجاوزه من شريعة أو نصوص مقدسة. يفسر هذا التحيز تمسك العلمانيين بفكرة القانون الوضعي ورفضهم لمبدأ وجود سلطة متجاوزة لسقف المحسوس والمشاهد، أو بعبارة أخرى رفضهم لتدخل الغيب في الواقع. على اعتبار أن البشر قادرون على أن يديروا أمورهم بأنفسهم. ويتعامل مثقفو الحداثة مع أي محاولة لاختراق البنية الوضعية للتشريع على أنها بمثابة محاولة انقلاب على فكرة الدولة ذاتها، فالدولة الحديثة لا تخضع لغير إرادات أفرادها، ولا تحتكم إلى نص مقدس. ولكنها ـ رغبة في الحفاظ على مستوى الصراع عند الحد الأدنى ـ قد تنص على أن مبادئ الدين هي أحد مصادر التشريع بها، في الوقت الذي تنشر فيه أخلاقيات وأفكار تتعارض معه وتخالفه على طول الخط، خاصة فيما يتعلق بموضوع العلاقة بين الرجل والمرأة في المجتمع الحديث. من التحيزات الحداثية أيضاً فكرة مضاهاة المجتمع الإنساني بالماكينة الكبرى وتحويل أفراده إلى وحدات أو عناصر نمطية تتكون منها هذه الماكينة. وعلى هذا الأساس يبتغي المشروع الحداثي تحقيق نوع من التشابه بين الأفراد وبعضهم البعض، على اعتبار أن هذا التشابه والنمطية هي أفضل السبل للتحكم بالمجتمع. ومن هنا ثارت مشكلة الأقليات مبكرا في المجتمعات الحداثية، حيث كان ينظر إلى الأقليات، ومنها النساء، على أنهم بمثابة خروج على النسق العام للمجتمع وانحراف عن الخطة الكبرى التي تحكم أداءه، إلى أن تمت معالجة هذه الثغرة من خلال التأكيد على مبدأ المساواة أمام القانون وذلك لإشعار الأقليات أنها عناصر معتبرة في إطار تسيير آلة المجتمع. ولكن رغم هذا التلطيف الذي طرأ على الفكرة الأصلية فمازال من ضمن أسس المجتمع الحداثي (الغربي) أن تحصل المرأة العاملة على أجر أقل من أجر نظيرها الرجل، وحتى وقت قريب كانت الكثير من الدول الغربية تمنع المرأة من التصويت في الانتخابات (لم تحصل المرأة على حق التصويت في الانتخابات في السويد إلا عام 1971). كما أدت المساواة الكاملة للمرأة بالرجل في الغرب إلى اختزال قدر هائل من قيمتها الإنسانية، والهبوط بها إلى مستوى من الامتهان الذي اضطرت بسببه أن تبيت في ورديات ليلية متأخرة، وتعمل في الأعمال الخشنة، بحيث صارت عتالة وسائقة شاحنات ونادلة في الحانات، وكل هذا تحت شعار المساواة المنبثقة من الفكرة الحداثية. وأخيرا وليس آخرا فإن من التحيزات الحداثية الإيمان المطلق بفكرة التجريب، فالتجربة هي معيار التمييز بين المفيد والضار. وقد اعتبرت النظريات الحداثية أن الإنسان ما هو إلا مجموعة سلوكيات خارجية محكومة بقوانين محددة، يمكن حال اكتشافها ـ بالتجربة ـ أن يتم التحكم في سلوكه وتعديله. ومن هنا صارت التجارب تجرى على البشر كما تجرى على العناصر الطبيعية. أما الأمر المدهش فيما يتعلق بهذا التحيز فهو أنه يستثني تجربة تطبيق النصوص الدينية واختبار أثرها في حياة الإنسان الاجتماعية. فالنصوص المقدسة بالنسبة للحداثيين تشبه نصوص السحر التي تتضاد مع عقلانية مشروعهم، ولذا فهي مستبعدة من نطاق المشروع الحداثي، بما في ذلك بطبيعة الحال النصوص المتعلقة بالعلاقة بين الرجل والمرأة والتي يصنفها هؤلاء على أنها مضادة للحداثة ومهددة لها. في إطار هذه التحيزات الكامنة يمكن أن نفهم السياق الذي تطرح من خلاله مسألة وضع المرأة في الدستور المصري الجديد، والوقوف على المسكوت عنه في خطاب من يتصدون للحديث باسمها، خاصة فيما يعلنونه من تمسكهم بأن تأتي أي إشارة إلى الشريعة الإسلامية في الدستور مسبوقة بكلمة مبادئ وليس بكلمة أحكام، فوفقا لهذا الفهم يبدو أن ما يعنيه هؤلاء بلفظة مبادئ ما هو إلا مبادئ الحداثة بعد إلباسها ثوبا دينياً، وليس أكثر من ذلك.
613
| 10 أكتوبر 2012
اشتهر ملوك الطوائف في بلاد الأندلس القديمة بإقدامهم على التحالف مع ألد أعدائهم ضد إخوانهم من مسلمي الممالك المجاورة، مقدمين مصلحتهم الجزئية على الضرر الكلي المترتب على تفرقهم وتشرذمهم وقطعهم الوشائج مع إخوانهم، وناسين أو متناسين ما كان يفترض أن تكون قضيتهم الأساسية، قضية الصراع ضد العدو المتربص المتمثل في ملوك إسبانيا الناقمين على الحكم الإسلامي. ورغم اختلاف السياق والتفاصيل فإن الساحة السياسية في مصر تشهد هذه الأيام ظاهرة شبيهة بظاهرة ملوك الطوائف، ممثلة في ظهور جماعة من المعارضين ممن لا يترددون في الاستقواء بالخارج ضد منافسيهم في الداخل بغرض تحقيق مكاسب سياسية محدودة. هذا الفريق لا يعنيه ما قد يترتب على توجهه للغرب من تعطيل لعملية انتقال الدولة المصرية إلى الحكم المؤسسي المكتمل الأركان، ولا يعنيه استكمال تحقيق الثورة لأهدافها، رغم أن كل واحد منهم يسبق اسمه لقب الثائر أو زعيم الحزب الثوري. وللإنصاف ينبغي القول إن ثوار الطوائف المعاصرين قد حاولوا في البداية، وقبل أن يتوجهوا غرباً، أن يرتموا في أحضان العسكر بالداخل، وذلك من خلال دعوتهم إلى تأكيد دور مميز للجيش في الدستور الجديد، وإطالة أمد الفترة الانتقالية للحفاظ على بقاء العسكريين في السلطة لأطول وقت ممكن. ولكن لما خاب مسعاهم في استمالة المؤسسة العسكرية والتحالف معها ضد خصومهم من الإسلاميين انتقل رهانهم إلى الخارج، وتحديدا إلى الولايات المتحدة، والتي يتعامل بعضهم معها على أنها الملاذ الأخير ضد النظام المصري الحاكم وضد الشعب المصري المصر فيما يبدو على تأييد الإسلاميين. أحد هؤلاء عبر مؤخرا عن عزمه السفر للولايات المتحدة الأمريكية لمطالبة نواب الكونجرس بفتح تحقيق في نتائج الانتخابات الرئاسية المصرية بعد أن عبر عن شكوكه في نزاهتها (!) حيث يرى هذا الثائر أن نواب الكونجرس هم أفضل من يؤتمن على هذا الشأن المصري الصميم. ليس هذا فقط وإنما أعلن المناضل الثوري أنه ينوي التباحث مع النواب الأمريكيين حول الاتهامات التي وجهها المرشح الجمهوري إلى منافسه الرئيس الحالي باراك أوباما بشأن ما قيل عن تدخل الإدارة الأمريكية في الانتخابات الرئاسية المصرية لصالح مرشح جماعة الإخوان المسلمين لمساعدتهم في السيطرة على حكم مصر واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في هذا الصدد. وبطبيعة الحال لا يبدو غضب هذا المناضل منصبا على ما يزعم أنه تدخل أمريكي في الانتخابات المصرية، بقدر ما ينصب حول تدخل لصالح خصومه من الإسلاميين وليس لصالح فصيله هو. ثائر آخر من ثوار الطوائف زعم مؤخراً أن كتابة الدستور المصري، وللغرابة الشديدة، ليست شأنا مصريا خالصاً، وأنها على العكس تستوجب دعوة كافة المنظمات الدولية — وعلى رأسها الأمريكية بطبيعة الحال— للمشاركة، أو بالأحرى التدخل، في عملية وضعه وصياغته. ودعا هذا الثائر أمريكا والغرب أن ينتقلا من مرحلة التعبير عن القلق، إلى مرحلة الضغط الفعلي على النظام المصري لإيصال رسالة واضحة للرئيس المصري وقوى الإسلام السياسي مؤداها أن الدعم الاقتصادي والمالي مرتبط بإجراءات بناء الديمقراطية وفي المقدمة منها إنجاز دستور عصري يضمن مدنية الدولة وخضوعها للمعايير الغربية في الفكر والممارسة. رغم صفاقتها، فإن هذه المواقف المغازلة للغرب وأمريكا ليست مفاجئة لعموم المصريين، فعلى لسان نفس هؤلاء الثوار المتغربين فجع المصريون منذ فترة ليست بالبعيدة بعدد من التصريحات الصادمة المشابهة، مثل زعم أحدهم أن مادة الشريعة الإسلامية في الدستور المقترح هي مادة تمييزية لأنها تقرر أن للدولة دينا، وأنها تتعارض مع مبدأ المواطنة، على اعتبار أن المواطنة تعني الحقوق المتساوية للجميع بغض النظر عن الانتماءين العرقي أو الديني أو غير ذلك وهذا ما تجحده الشريعة وفقا له! أو الزعم بإمكانية تطبيق ما يسمى بالزواج المدني في المجتمع المصري بوصفه تجسيدا لحرية الاختيار التي تتيحها الديمقراطية، بحيث يصبح من حق غير المسلم أن يتزوج بمسلمة طالما تم ذلك بالتراضي، حتى لو كان ذلك مخالف لشريعة غالبية أبناء المجتمع وقيمهم الأخلاقية. الغريب أن ثوار الطوائف الجدد لا يخجلون من تسمية الأشياء بغير أسمائها، فهم يعتبرون أن تحريضهم الغرب على ممارسة الضغط على النظام المصري ليس أكثر من تواصل بريء وطبيعي مع مراكز سياسية وبحثية في الغرب، وأن انسلاخهم من قيم مجتمعهم وعقيدته هو تنوير ضروري تحتاج إليه البلاد لتحقيق التقدم والتنمية. أما الأغرب فهو أنهم يعتبرون أي نقد يوجه إليهم علامة على مرض مستعصي على العلاج على اعتبار أنهم فوق مستوى المراجعة، وكيف لا وهم النخبة التي تحتكر الحديث الإعلامي، وتفرغ لها الفضائيات الساعات الطوال يوميا لكي تجود على الناس برؤاها غير المسبوقة وأحكامها التي لا يخالطها الباطل. أما من يتجرأ على التصدي لهم بالنقد فإنه يخاطر بأن يوصف أنه عدو للديمقراطية، ومفتقر إلى قدرات الاتساق الفكري، وممتهن للتنوع والتعددية في الآراء. ليس خافيا أن ظهور ملوك الطوائف القدماء كان إيذانا بانتشار الفتن والدسائس التي انتهت بالحروب الأهلية المدمرة. ثوار الطوائف المعاصرين أقل من أن يثيروا حروبا أو غيره، ولكنهم رغم ذلك نذر شؤم يلوح في الأفق السياسي المصري، ويهدد بعرقلة التقدم في مجال وضع الدستور واستكمال مؤسسات الدولة، من خلال التلويح عند كل منعطف باستدعاء الغرب واستجلاب الضغط الأجنبي، ما يوحي بأن البعض مستعد للمخاطرة بمستقبل وطن بأكمله من أجل تحقيق مكاسب سياسية، تحمل في داخلها رغبة في الانصهار في المشروع الأمريكي، ولا تتصور أن تقوم لمصر هوية مغايرة لما تشربته عقولهم وقلوبهم من منظور وأفكار غربيين.
439
| 03 أكتوبر 2012
بالتزامن مع الإجراءات التي يحاول من خلالها الرئيس محمد مرسي أن يفك الارتباط التقليدي للدولة المصرية بالمؤسسة العسكرية تشن القوات المسلحة حملة موسعة في شبه جزيرة سيناء ضد من تصفهم بالتكفيريين، والذين تنسب إليهم المسؤولية عن مقتل وإصابة عشرات الجنود المصريين عند الحدود قرب مدينة رفح المصرية. وتذهب القيادة السياسية إلى أن الأفكار التكفيرية التي تتركز في سيناء تهدد أمن وسلامة المجتمع خاصة أنها يمكن أن تتسلل منها إلى باقي البلاد، ولهذا فإنها تتعامل معها بشدة وصلت في الأزمة الأخيرة إلى حد استخدام معدات الحرب الكاملة من دبابات وطائرات ومدرعات! فهل يعكس هذا إدراكا لطبيعة الأوضاع في سيناء، وهل يمثل هذا التدخل الأسلوب الأمثل لعلاج أزمة متراكمة شاركت الحكومات السابقة والنظام السابق بجزء كبير من المسؤولية عن تفاقمها. أول ما يلفت الانتباه إلى الطريقة العنيفة التي تستخدم في التعاطي مع هذه الأزمة أنها تأتي متزامنة مع عدد من الإجراءات التي هدفت إلى التقليل من عسكرة الحياة السياسية في مصر، بدأت بإقالة أكبر قيادتين في المجلس العسكري وانتهت بتعيين فريق كامل من المستشارين يخلو تقريبا من أي عسكري. هذه الحملة العسكرية تمثل نغمة شاذة في أداء الرئيس المدني، والذي فضل بدلاً من التدخل بأساليب القوة الناعمة، الاقتصادية والثقافية والتربوية، أن يتدخل بالقوة المسلحة، وأعلن عن مباركته لهذه العملية وإشرافه المباشر عليها، الأمر الذي يثير علامات استفهام حول دلالة اللجوء للحل الأمني في مستهل عهد يعد بالتحلي بالطابع المدني في كل ما يتعلق بقضايا الداخل. صحيح أن التشدد في مواجهة التطرف قد يحقق بعض النتائج الإيجابية على المدى القريب، ولكنه في المقابل سوف يصعب من مهمة النظام والحكومة على المستوى الداخلي في المدى المتوسط، فالخبرة المعاصرة تبين أن جماعات العنف الأيدلوجي لا تتراجع عن مواقفها خوفا من بطش السلطات بها، بل إنها تعتبر الموت في مواجهة هذا البطش استشهادا في سبيل ما تؤمن به. ويمكن في هذا الصدد استدعاء الخبرة الجزائرية، حيث أدى سيناريو الحل الأمني بالبلاد إلى أن تغرق في أتون حرب دامية استمرت لعقد كامل. ولم تهدأ الأمور إلا من خلال صيغة بديلة للوئام المدني، استوعبت طاقة العنف وسمحت للكثير من "المتشددين" بإعادة الانخراط من جديد في صفوف المجتمع كمواطنين عاديين. وحتى لو سلمنا بأخلاقية التصفية المباشرة لهذه الجماعات فإن الأفكار المتشددة التي تتبناها لا يمكن أن تجتث عمليا باستهداف أصحابها، فهؤلاء لا يمكن حصرهم على وجه اليقين، فالأفكار في النهاية هي نشاط باطني لا يفصح عن نفسه على شكل أفعال ظاهرة إلا في حالات معينة، وإذا كانت الحالة السيناوية حالة مواتية لأن معظم من يعتنقون الأفكار المتشددة يقطنون الجبال ومن ثم يسهل استهدافهم، فإن هذا الوضع لا يمثل قاعدة، فليس كل متطرف منعزلا عن جموع الناس، فهل يصبح الحل في المرحلة التالية أن يقوم النظام بعمل محاكم تفتيش تبحث في ضمائر الناس لكي تكتشف من يتبنى مثل هذه الأفكار؟ من ناحية أخرى فإن الخلفية الإخوانية للرئيس المنتخب تزيد من خطورة هذه الإجراءات المغلظة، فحملة على هذا النطاق المتسع يمكنها أن تعمق من الخلاف التقليدي بين الاتجاهات الجهادية وبين جماعة الإخوان، خاصة إذا تمت قراءتها من قبل العناصر المستهدفة من منظور هذا الخلاف الديني، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى غرس قنبلة موقوتة في بنية النظام الجديد، الذي حرص في أكثر من مناسبة أن ينفي عن نفسه ارتباطه بجماعة دينية معينة، وأكد العكس كونه تعبيرا عن كافة فصائل المصريين. العمليات الأخيرة في سيناء تهدد هذه التأكيدات وتوفر تربة مناسبة يمكن أن تستغلها بعض عناصر هذه التيارات لشن حرب مقدسة ضد جماعة تراها لا تعكس صحيح الإسلام من وجهة نظرها. من ناحية أخيرة فإن إسرائيل يناسبها جدا تلك الحالة من التفجر الأمني في سيناء، بل إنها قد تتطوع من جانبها — كي تزيد الأمور تعقيدا على نظام الرئيس مرسي— بتقديم يد المساعدة في هذه الحملة الأمنية. كما حدث خلال الأيام الماضية حينما تدخلت لتصفية مواطن مصري عبر تفجير دراجته البخارية بصاروخ موجه من طائرة من دون طيار، وقد اتهم أفراد قبيلة المجني عليه وشهود عيان الطيرانَ الإسرائيلي باستهدافه نظرا لكونه من المصنفين إسرائيليا كأحد الجهاديين. ورغم أن الناطق باسم الجيش الإسرائيلي قد نفى قيام الجيش بأي "نشاط من هذا النوع" قرب الحدود المصرية، إلا أن هذا لا يغير من الأمر شيئا فإسرائيل أرادت أن ترسل رسالة إلى النظام الجديد مفادها "أننا موجودون، وأن التحرك العسكري المصري باتجاه سيناء سوف يقابل بتحرك إسرائيلي إذا لزم الأمر، وطالما أن هدفنا واحد فلا داعي للقلق من دورنا في هذا الصدد، خاصة أننا سوف نتجنب إحراج الحكومة المصرية بأن نعلن عدم مسؤوليتنا عن أعمال التفجير التي ستطال المتشددين، أما إذا كان التواجد العسكري المصري بأرض سيناء له أهداف أبعد من مواجهة المتشددين فلا بأس من التذكير بأن يد إسرائيل مازالت الطولى والدليل أننا نستطيع أن نخترق الحدود وننفذ عملياتنا من دون أن ترصدنا تجهيزاتكم". لقد كان الجميع ينظرون إلى سلوك النظام السابق تجاه سيناء وأهلها على أنه مسخر لخدمة مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل في المقام الأول، حيث كان يتعمد ألا تصل مشاريع التنمية إلى سيناء وألا تزداد الكثافة السكانية بها بما يتناسب مع مساحتها ومع أهميتها كخط دفاع أول عن الأرض المصرية. الأمر الذي وفر بيئة خصبة لنمو أفكار التشدد والتكفير. ولذا فإن المصريين جميعا، وليس أهل سيناء فقط، يتوقعون اليوم أن تكون تنمية سيناء وأمنها على رأس أولويات النظام الجديد، وآية ذلك أن تمتد مظلة الوطن إلى كل مواطني سيناء بما يشعرهم أنهم جزء أصيل من هذا الشعب، وأنهم مستهدفون بالخدمات وليسوا فقط محلا للملاحقات الأمنية أو الاشتباهات. ويقتضي هذا أن يتبنى النظام في الأزمة الحالية سيناريو يحوي القليل من العنف والكثير من نشر الوعي الديني السليم بين المواطنين، وألا يترك إدارة هذا الملف الحيوي لعناصر النظام القديم التي لا تجيد، فيما يبدو، سوى الأساليب القمعية، وأخيرا فإن من المهم أن يعمل النظام على أن يعيد للمؤسسة الدينية الرسمية (الأزهر) ومن يمثلها من العلماء وضعهم اللائق واستقلاليتهم الفقهية التي تعيد إليهم ثقة الناس، وتقلل من حظوظ نشوء مثل هذه الجيوب التكفيرية في سيناء وفي بقية ربوع مصر.
551
| 28 سبتمبر 2012
تصريح الرئيس الأمريكي بأن مصر ليست حليفا للولايات المتحدة، وعدم ترتيبه للقاء الرئيس محمد مرسي عندما يحل ضيفا على الولايات المتحدة لإلقاء كلمة بلاده بالجمعية العامة للأمم المتحدة يمثل استمرارا لطقوس انتخابية انتهازية بدأت قبل عدة سنوات. ففي مواسم الانتخابات الرئاسية اعتاد المرشحون الأمريكيون التنافس في مهاجمة الجانب المصري والتودد إلى اللوبي الإسرائيلي. وكانت الانتقادات التي توجه إلى الجانب المصري عادة ما تدور حول تراجع سجله في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان. ولكن الغريب هذه المرة أن النقد الأمريكي ليس بسبب التراجع في مجال الديمقراطية كما كان الحال في الماضي، ولكن لأن الانتخابات الديمقراطية قد أتت بمن لا تحبهم إسرائيل ولا تود التعامل معهم من الإسلاميين. والأغرب أن يساير الرئيس الأمريكي هذه الطقوس وينزلق إلى مجموعة من المواقف والتصريحات غير الحصيفة التي يمكن أن تسهم في إضعاف موقفه الانتخابي وإرباك موقف إدارته في الشرق الأوسط. فالرئيس الأمريكي الذي نفى أن تكون مصر حليفا لبلاده لا يبدو أنه يدرك أن النظام المصري لم يكتسب صفة الحليف بشكل رسمي ولكن بوصفه أحد "الأنظمة المعتدلة" التي تعتمد عليها واشنطن بشكل أساسي وذلك لكونها (1) تقبل بمبدأ السلام مع إسرائيل، (2) تقبل بضخ مواردها (النفطية أساسا) إلى الغرب وفق أسعار معقولة، (3) تسمح للولايات المتحدة باستخدام ممراتها المائية وغلافها الجوي، (4) تمتنع عن دعم الأنظمة الراديكالية أو الأفكار القومية أو الدينية المتشددة. وقد شملت هذه الأنظمة في منطقة الشرق الأوسط كلا من إيران الشاه، والأردن، وأنظمة الخليج العربي، فضلاً عن مصر بعد توقيعها معاهدة السلام مع إسرائيل. بهذا المعنى تكون مصر قد احتفظت بصفة الحليف الأمريكي في المنطقة لأكثر من ثلاثة عقود، وعليه لا يمكن حمل التصريح الأمريكي الأخير إلا على أساس أن الإدارة الأمريكية لم تعد تعتبر النظام الجديد في مصر معتدلا بالدرجة الكافية، وأنها من ثَمَّ لن تعتمد عليه في المستقبل، كما كانت تفعل في الماضي، لحماية مصالحها في المنطقة. وذلك لكون هذا النظام يطالب بإعادة النظر في اتفاقيات كامب ديفيد، وإعادة النظر في أسعار تصدير الغاز إلى الكيان الصهيوني، ويرفض التبعية الاقتصادية أو السياسية للغرب، ويدين سياسات الاحتلال والاستيطان، ويطالب أمريكا باحترام تعهداتها بمنح الفلسطينيين حكما ذاتيا. وهذا ليس هو الدور الذي تنتظره الإدارة الأمريكية من حلفائها "المعتدلين". المشكلة الأساسية أن النظام المصري الذي يمارس كل هذه الخروقات— من وجهة النظر الأمريكية، قد وصل إلى الحكم عبر عملية ديمقراطية سليمة. وعليه لا تمتلك الإدارة الأمريكية مبررات كافية لمعاداته. ولولا أحداث السفارة الأمريكية بالقاهرة، وما كان من اقتحام المتظاهرين الغاضبين لها لما توافر لواشنطن الغطاء اللازم لتبني موقفها المتشدد إزاءه من دون أن تبدو أنها ضد التحول الديمقراطي الذي جاء به على رأس السلطة. ولكن هل ستؤدي هذه الأجواء بإدارة أوباما إلى الاستمرار في سياستها المتحفظة إزاء النظام المصري حال فوزها بفترة ثانية؟ الأرجح أن إدارة أوباما تمارس لعبة انتخابية ستنقضي بانقضاء موسم الانتخابات. فمن المفهوم لدى الأمريكان أن تجربة فقدان حليف إقليمي لا ينبغي أن تتكرر، فقد فقدت أمريكا حليفتها إيران بعد قيام الثورة وسبب لها هذا العديد من المشاكل، والآن هي غير مستعدة لإعادة الكرة مع مصر أيا ما تكن التغيرات التي تمر بها. ولعل هذا ما يفسر الرسائل المختلطة التي صدرت عن البيت الأبيض في الفترة الأخيرة، فهو يدين اقتحام السفارة، وإنزال العلم الأمريكي، ويصف النظام المصري بأنه ليس حليفا ولكنه في الوقت ذاته يبعث إليه برسالة شكر عن جهوده اللاحقة في تأمين السفارة، ويصف العلاقة بين البلدين بالشراكة الإستراتيجية. بنفس هذا التحليل يمكن أن نفهم قرار الإدارة الأمريكية الامتناع عن مقابلة الرئيس المصري في زيارته الأولى إلى الولايات المتحدة، فهو قرار تكتيكي يهدف فقط إلى مغازلة الصوت اليهودي. فالرئيس المتطلع إلى ولاية ثانية، يهمه ألا يغضب اللوبي الإسرائيلي، وحلفاؤهم من المحافظين اليمينيين ممن يلتقطون أي تقارب مع الرئيس المصري لشن حملة عداء ضده وإظهاره على أنه يغض الطرف عن المخاطر التي تتعرض لها إسرائيل بعد وصول رئيس ذي مرجعية أيدلوجية معادية إلى السلطة على حدودها. غير أن هذه السياسة الملتوية قد تتمخض عن العديد من النتائج السلبية بالنسبة للرئيس الأمريكي قبل غيره، فمن ناحية فإن أوباما الذي امتنع عن لقاء الرئيس المصري حتى لا يبدو أقل تشددا من منافسه الجمهوري، قد لا ينجح رغم ذلك في استمالة الناخبين العقائديين. وإلا فلماذا يختار الناخب الأيدولوجي أوباما الذي يتظاهر بالتشدد إزاء الرئيس المصري، في الوقت الذي يوفر له فيه ميت رومني نسخة أصلية من التشدد، تؤمن بالهيمنة المباشرة ولا ترضى من حلفائها بأقل من أن يكونوا وكلاء إقليميين. ومن ناحية أخرى فإن عنصر الرياء في السياسة الأمريكية، والمجاملة المفضوحة للوبي الإسرائيلي على حساب أحد أهم رموز الربيع العربي هي من الأمور التي ستزيد من رصيد الكراهية لدى الشعوب العربية للمواقف والسياسات الأمريكية، وهو ما اختبرته أمريكا بوضوح في أعقاب أزمة الفيلم المسيء. الأمر الذي يوحي أن السياسة الأمريكية لا تتعلم من أخطاء الماضي، وأنها مازالت مفتقدة للبوصلة اللازمة للتعامل مع الشارع العربي. وأخيرا فإن مواقف الرئيس الأمريكي المزدوجة يمكن أن تصب في مصلحة الرئيس المصري — المستهدف بكل هذه القرارات السلبية، فهذه القرارات تؤكد الصورة التي يحرص الأخير على تأكيدها لنفسه كزعيم مستقل عن القرار الأمريكي، ومن ثم فإن تخلف أوباما عن لقائه، وإصراره رغم ذلك على الذهاب إلى الولايات المتحدة لحضور اجتماعات الجمعية العامة يرفع من أسهم الرئيس المصري وينفي عنه الصورة التقليدية للرئيس التابع الذي يذهب إلى البيت الأبيض فقط لتقديم فروض الطاعة للإدارة الأمريكية كما كان يحدث في السابق.
393
| 26 سبتمبر 2012
اجتمعت في أزمة الفيلم المسيء كافة العناصر اللازمة لتأكيد نظرية المؤامرة، بما يعني أن الموضوع وما تبعه من ردود أفعال كانوا مخططين من قبل. أما الأطراف المتآمرة فهي كثيرة فهناك عناصر أقباط المهجر ممن يسوءهم استقرار الملف الطائفي في مصر، ويستهدفون الإبقاء على قضيتهم حاضرة في ملفات وزارة الخارجية الأمريكية تحت عناوين الاضطهاد والتمييز الديني. وهناك المحافظون الجدد الذين يرون في مسلك الإدارة الأمريكية الانسحابي ضربة لمشروعهم الرامي إلى تأكيد الهيمنة الأمريكية على منطقة الشرق الأوسط، وهناك إسرائيل التي تخشى أن تقدم راعيتها الكبرى، بعد أن فقدت حلفاءها التقليديين من أنظمة الاستبداد العربي، على التعامل مع الديمقراطيات الإسلامية الناشئة، ولذا فإن تفجير الوضع واستحضار روح العداوة القديمة يفيدها أكثر من أي أحد لكي تحتفظ بموقعها كحليف إقليمي وحيد. ولكن حتى لو كانت هذه الأزمة بالفعل هي مؤامرة مكتملة الأركان، فإن هذا لا يعفي المحتجين المسلمين من المسؤولية عن التردي في مستوى تعاطيهم معها، الأمر الذي كشف عن عدد من الأزمات المرتبطة بحركة الشارع الإسلامي والتي نعرض لبعضها فيما يلي. أول ما أظهرته هذه الأزمة أن كثيرا من المسلمين مازالوا يعانون من داء "القابلية للاستفزاز". هذه القابلية تعطي للآخر المتآمر فرصة ذهبية لكي يحرك الشارع الإسلامي في الوقت وفي الاتجاه الذي يريد. فعندما قرر الآخرون استثارة المسلمين في ذكرى أحداث سبتمبر لم يفعلوا أكثر من إنتاج فيلم رخيص ورديء للحصول على ردة الفعل المطلوبة، وهكذا وبسهولة شديدة تم استدراج المسلمين عبر العالم إلى غضب عارم وعنف غير مسؤول. هذه القابلية للاستفزاز تثير مشكلة كبيرة، فهي تمثل قنبلة موقوتة لا يعلم أحد في وجه من بالضبط يمكن أن تنفجر، خاصة أن أساليب الاستفزاز لا تنتهي، ومتطرفو الغرب يمتلكون أدوات كثيرة للإساءة للإسلام. وإذا ما تكرر نفس هذا الانفعال في كل مرة فإننا سنكون إزاء آلية جاهزة يمكن للمتطرفين استدعاؤها للحصول على ردة فعل فوضوية يوظفونها في الوقت وبالطريقة التي يريدونها. أظهرت هذه الأزمة أيضا أن كثيرا من المسلمين يدمنون الوقوف في موقف رد الفعل الأبدي، ولا يتحركون إلى الأمام إلا قليلا، وإلا فما الذي تغير منذ أزمة الرسوم الدانمركية، غضب يشتعل وسفارات تحترق، ثم تهدأ النفوس من دون أن يتغير شيء على أرض الواقع. بل إن من يحاولون تغيير الواقع من خلال مطالبة الولايات المتحدة أن تعامل المسلمين كما تعامل اليهود فيما يتعلق بتجريم معاداة السامية، لا يبذلون ما بذله اليهود من جهد منظم وضغط سياسي واقتصادي وإعلامي من أجل تحقيق هذه النتيجة. وهذا وإن كان يتعلق في جزء منه بتحيز الإدارة الأمريكية لصالح اليهود، فإنه يتعلق في جزئه الآخر بانصراف الجاليات المسلمة في الغرب والحكومات الإسلامية في الشرق عن ممارسة ضغوط على صانع القرار الأمريكي لاستصدار مثل هذه التشريعات المجرمة للكراهية. أظهرت الأزمة أيضا أنه رغم اختلاف النوايا والمنطلقات إلا أنه من الوارد أن يحدث تحالف موضوعي بين الإسلاميين من جانب وبين المتطرفين في الغرب من جانب، فقد حرص الطرفان على تصعيد الأزمة، كل لأسبابه الخاصة. فمتطرفو الغرب يفيدهم أن يؤكدوا فكرة أن المسلمين يميلون للعنف والتطرف وليس لديهم القدرة على التعايش السلمي، أما في العالم الإسلامي فإن فكرة استحضار الصدام مع الغرب بكونه متآمرا أزليا وسببا في كل الشرور المعاصرة لها أنصارها أيضاً، فهي فكرة تحقق نوعا من التماسك الداخلي إزاء عدو واضح. ولهذا كان منطق كثير من الإسلاميين أنه حتى إذا كان دور الإدارة الأمريكية في الأزمة الأخيرة ضعيفا وشبه منعدم، فإنه لا بأس من استهدافها بالعداء طالما لا يوجد طرف آخر يمكن أن يلعب دور العدو الصريح. وربما يفسر هذا عدم الجدية في السعي لاستصدار تشريعات تدين الكراهية على اعتبار أنه داء موجود في الشرق أيضا. أظهرت الأزمة أن المسلمين رغم أنهم الأمة التي ابتدعت القياس كإحدى أدوات أصول الفقه إلا أن الجيل المعاصر منهم لا يستطيع أن يوظفه كما فعل الأولون، فأيا ما كان الاختلاف حول أسلوب مهاجمة السفارات فإن المرء لا يملك أن يمنع نفسه من السؤال لماذا لم يفكر المحتجون في أن يثوروا لإخوانهم في سوريا بمثل هذا الحماس؟ ولماذا لم تشهد سفارات الصين وروسيا موجات احتجاج مماثلة لتلك التي شهدتها سفارات الولايات المتحدة وألمانيا ؟(!)، رغم علم الكافة أن المواقف المتعنتة لكلتا الدولتين تتسبب في إطالة أمد المعاناة التي يعانيها الشعب السوري. مع العلم أن بعض الأطراف السياسية المتورطة في دعم نظام بشار (مثل حزب الله) وجدت في الدعوة للتظاهر ضد الفيلم المسيء لنبي الإسلام (صلى الله عليه وسلم) فرصة لاسترداد بعض القبول الشعبي الذي افتقدته جراء مساندتها لنظام يمارس القتل الجماعي بحق المسلمين. وأخيرا فقد أظهرت هذه الأزمة كيف يمكن بسهولة أن تخسر قضية ناجحة إذا ما اتبعت أساليب فاشلة، فلقد كان بوسع المحتجين أن يثيروا قضايا ناجحة كثيرة، مثل إدانة استخدام أدوات الإعلام للحض على الكراهية، وإعادة النظر في حدود المسؤولية عن الأعمال مجهولة المصدر التي تبث على شبكة المعلومات الدولية، وتجريم التوظيف السياسي لقضايا التعصب الديني (كما فعل الجمهوري ميت رومني). وكان السعي القانوني في هذه الملفات كفيلا بأن يسحب الهواء من أشرعة من قاموا بإنتاج الفيلم المسيء ووأد ما قدموه من فن رديء في التراب. ولكن الأساليب العنيفة التي استخدمت أدت إلى عكس المقصود منها، وحققت للمتآمرين معظم ما أرادوه خصوصا التأكيد على فكرة أن شعوب الربيع العربي تمتلك فائضا من العنف، الذي يمكن أن يتفجر في أي مناسبة، الأمر الذي يبرر للغرب النظر إلى تحولها نحو الديمقراطية بعين الشك بدلاً من أن يمد لها يد العون.
470
| 19 سبتمبر 2012
تتسابق وسائل الإعلام منذ فترة في تسليط الضوء على تهديدات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير خارجيته أفيجدور ليبرمان بتوجيه ضربة "وقائية" ضد إيران لعرقلة التقدم الذي أحرزته في برنامجها النووي. هذه التغطية الإعلامية المتلاحقة، فضلاً عن شدة اللهجة الإسرائيلية المستخدمة، توحي بأن حربا حقيقية على الأبواب. ولكن التفحص المتمهل لهذه المادة الإعلامية الغزيرة، وقراءتها في ضوء الأبعاد المتداخلة للأوضاع في المنطقة لا تعطي نفس هذه النتيجة. فثمة معوقات كثيرة تحول بين إسرائيل وبين ترجمة تهديداتها إلى أفعال، كما أن أمريكا لن تكون سعيدة حال إقدام حليفتها على مثل هذه الخطوة. فحسابات السياسة الواقعية لدى ساكني البيت الأبيض ترجح عدم مهاجمة إيران في هذه المرحلة، وذلك حفاظا على دورها كمصدر للتهديد في منطقة الخليج. فإيران القوية، المدججة بأسلحة الدمار الشامل، تبرر التواجد الأمريكي العسكري هناك، وتبرر الإنفاق الضخم على التسلح في الدول النفطية التي لا تمتلك عدوا صريحا، بعد اختفاء تهديدات الأنظمة القومية والشيوعية، سوى إيران. توجيه ضربة أمريكية/ إسرائيلية إلى إيران يعطل هذه الميزة الإستراتيجية الهامة، ويحرم أمريكا من مصادر هائلة للدخل القومي، ممثلة في مبيعات السلاح إلى دول المنطقة. الأسوأ من الاحتمال السابق، بالنسبة للولايات المتحدة، أن القضاء على الخطر الإيراني عبر ضربة جوية حاسمة، يجعل المصدر الوحيد للتهديد في المنطقة هو إسرائيل، وهذا من شأنه أن يحرج الإدارة الأمريكية التي تريد أن تحتفظ بمظهر الصديق لأنظمة الخليج مع الاستمرار في دعم إسرائيل. ولا تتحقق هذه المعادلة إلا من خلال بقاء التهديد الإيراني النووي، بما يعفي الولايات المتحدة من عبء تبرير انحيازها المعيب لإسرائيل في الوقت الذي تستمر في التظاهر بالحرص على أمن دول الخليج. أما إسرائيل فهي وإن كانت تخشى من التقدم في البرنامج النووي الإيراني، والذي سيقلل - حال اكتماله - من الميزة النسبية الأساسية التي تتمتع بها كدولة نووية وحيدة في محيط إقليمي خال من السلاح النووي، إلا أن كثيرا من الساسة الإسرائيليين يراهنون على أن براجماتية النظام الإيراني تفوق عقائديته، فإيران تعتبر كل ما من شأنه أن يخدم مصالحهم الإقليمية متوافقا مع موقفها العقائدي، وليس العكس. ويخشى كثير من المسؤولين الإسرائيليين أن أي ضربة ضد منشآت إيران النووية ربما تؤدي إلى تحول في الموقف الإيراني باتجاه توظيف الشعارات العقائدية بهدف دفع العدوان الإسرائيلي، وهذه الإستراتيجية يمكن أن تحظى بتعاطف الرأي العام في المنطقتين العربية والإسلامية، الأمر الذي لن يكون في صالح الإسرائيليين بطبيعة الحال. من ناحية أخرى يدرك الساسة الإسرائيليون أن إيران لم تكن فعليا راغبة في الدخول في مواجهة شاملة مع الدولة العبرية في أي أزمة سابقة. فالهجوم الإيراني اللفظي ضد إسرائيل كان نادرا ما يترجم إلى أفعال، فيما ظل العداء مع إسرائيل مجرد ورقة تستخدمها طهران لمغازلة الرأي العام في المنطقة وللضغط على أنظمة الجوار المحافظة التي تقيم علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، بأكثر مما تستخدمه بغرض إحراج إسرائيل نفسها. ومن هنا يفهم معظم الساسة الإسرائيليين أن التنديد الإيراني المتكرر بإسرائيل هو شأن إيراني داخلي، أما ترجمة هذا التهديد إلى أعمال عدائية فليس من أولويات السياسة الإيرانية التي تحاول دائما أن تحتفظ بسقف منخفض للصراع مع الكيان الصهيوني. ويذهب البعض إلى ما هو أبعد من ذلك بالقول إن الطابع الأيديولوجي الذي يغلف الحرب اللفظية بين إيران وإسرائيل ما هو إلا غطاء لمشاكل لا تتعلق بالضرورة بالأيديولوجيا، فالثورة الإيرانية لم تمنع الساسة الإسرائيليين من محاولة التواصل مع إيران في الأعوام التي تلت الثورة، كما لم تمنع الإيرانيين من التواصل مع المخابرات المركزية الأمريكية ومع الإسرائيليين إبان احتياجهم للأسلحة الأمريكية خلال حربهم مع العراق. وبعيدا عن الاعتبارات الإستراتيجية ووفقا للحسابات العملية البحتة يمكن القول إنه إذا كان من الصحيح أن إسرائيل تملك المقدرة على أخذ قرار الحرب بالإرادة المنفردة، كما حدث خلال حرب 1967 عندما شنت حربها ضد نظام عبد الناصر متجاهلة التحذيرات الأمريكية، إلا أن الاعتبارات العملية لا ترجح قيام إسرائيل بتكرار ذلك مع إيران، فأمريكا هذه المرة ربما لن تكتفي بالتحذير، فتوتر منطقة الخليج يعني إغلاق الخليج العربي بما يعني تعطل الشريان الأساسي لنقل النفط إلى أمريكا والغرب عموماً. كما أن موسم الانتخابات الرئاسية يقلل من احتمال إقدام الإدارة الديمقراطية على دعم مثل هذه الخطوة المتهورة. فالرئيس باراك أوباما لا يريد أن يتورط في عمل من شأنه أن يقلل حظوظه الانتخابية في وجه المنافسة القوية التي يلاقيها من خصمه الجمهوري، خاصة أنها تتعارض مع الخط الذي اختطه لنفسه منذ بداية ولايته، والمتمثل في تقليل التدخل الأمريكي المسلح في الشرق الأوسط، من خلال سحب القوات الأمريكية من العراق، وتخفيض التواجد العسكري في أفغانستان تمهيدا للانسحاب الكامل منها خلال عامين. وأخيرا وليس آخرا تدرك الإدارة الأمريكية أن قيام إسرائيل منفردة بتوجيه ضربة إلى إيران يعني تخفيف الضغط الدولي على نظام الأسد، وهو الملف الذي تحرص واشنطن على تسويته قبل أن يستغله الجمهوريون انتخابيا. فضربة إسرائيلية ضد طهران تعني رد فعل عكسيا من جانب حزب الله في لبنان، وهو ما سيقلل من التركيز على المجازر التي يرتكبها بشار، ويفقد المقاومة في سوريا قدرا كبيرا من الزخم الذي تتمتع به في مواجهة النظام. لكل العوامل السابقة، وغيرها، يبدو الحديث عن ضربة إسرائيلية أو ضربة إسرائيلية/ أمريكية مشتركة ضد إيران مبالغا فيه، ولكن هذا التحليل مبني على اعتبارات السياسة الواقعية التي تفترض أن الدولة فاعل رشيد يقوم على إدارته طاقم عقلاني يتعامل مع القرارات السياسية بمنطق التكلفة والعائد، أما إذا سيطرت اعتبارات الأيديولوجيا أو اللا منطق على قادة نظام ما، كما يرجح البعض أن يكون عليه الحال بالنسبة لنتنياهو وليبرمان في إسرائيل، فإن التحليلات المنطقية قد لا تجدي نفعاً لفهم المسار الذي قد تأخذه الأحداث في المستقبل القريب.
569
| 12 سبتمبر 2012
تعتمد معظم الألعاب الرياضية على فكرة الإدارة بالإنجاز، فالمدير الفني لأي فريق يتمتع بصلاحيات مطلقة في تحديد التشكيل الذي يلعب به فريقه والخطة المتبعة في مواجهة الفريق المنافس بهدف الفوز. وطالما أنه يحقق مع فريقه انتصارات متوالية فليس عليه حرج ألا يستشير أحد في قراراته، فالمهم هو إحراز الألقاب وليس المشاركة مع اللاعبين أو المتفرجين في اتخاذ القرارات. الأمر نفسه في عالم الفن، حيث يتمتع مخرج أي عمل فني بصلاحيات واسعة يختار بناء عليها طاقم الممثلين وطريقة أدائهم لأدوارهم، ويصبح المحك الوحيد الذي يقيم على أساسه هو حجم الأرباح الذي يحققه الفيلم أو المسرحية. وبناء على هذا لا يطلب أحد من مخرج العمل أن يبرر اختياراته أو أن يشرح للناس منطقه، فالعبرة بالنتيجة أو بالإنجاز النهائي. لكن كلا من عالمي الرياضة والفنون، مهما كان حجم الاستثمارات التي تضخ فيها أو الأرباح التي تحققها، هي في نهاية الأمر مجالات ترفيهية، وعليه لا يمكن مقارنتها بعالم السياسة الذي يتعلق بمعاش الناس ومصيرهم، ولهذا لا ينبغي أن يكون المعيار المستخدم لتقييم الأداء فيه هو نفسه المستخدم في مجالات الترفيه، أي معيار الإنجاز. فإذا كان المدير الفني في حالة فريق كرة القدم يتعامل مع "لاعبين"، وإذا كان مخرج العمل الفني يتعامل مع "ممثلين"، فإن القائد السياسي يتعامل مع شعب لا يمكنه أن يتخطاه أو أن يتجاهله وهو بصدد اتخاذ القرارات التي تمس حاضر هذا الشعب ومستقبله. ومناسبة هذا التمهيد هو ما استشعرته قطاعات من الشعب المصري مؤخرا من كونها "آخر من يعلم" بملابسات عدد من القرارات التي اتخذتها القيادة السياسية واعتمدت في تمريرها على منطق الإنجاز، أكثر من منطق المشاركة. فعلى سبيل المثال؛ لم يفهم أحد من المصريين ملابسات الإقالة المفاجئة لقيادات المجلس العسكري، ولم يستشر المصريون في موضوع القرض الضخم الذي أقدمت عليه حكومتهم من صندوق النقد الدولي، كما لم يفهم الكثيرون مسوغات استهلال النشاط الخارجي للرئاسة بزيارة كل من الصين وإيران رغم كونهما من الدول المناوئة للربيع العربي على نحو علني. وإذا كانت اعتبارات الأمن القومي وتوازن القوى الداخلي تمنع من أن يتم التصريح بملابسات حملة الإقالات التي جرت في صفوف المؤسسة العسكرية، فإن القرارات الأخرى تبدو أقل سخونة ومن ثم كان من الوارد أن يطلع المصريون على تفاصيلها قبل أن يطالبوا بمباركتها، فمثلاً كان من الطبيعي أن يفهم الناس الأساس الذي تم بناء عليه اتخاذ القرار بالاقتراض الدولي رغم الرفض الذي قوبلت به هذه الخطوة عندما فكرت فيها الحكومات السابقة، كما كان من الوارد أن تقدم الحكومة إجابات عن الأسئلة التي شغلت أذهان الناس بشأن هذا القرض من نوعية: لماذا تستهل الحكومة عهدها بأداء اقتصادي لا يختلف كثيرا عن أداء الحكومات السابقة، وما هو البرنامج الذين ألزمت الحكومة نفسها به من أجل أن تقنع صندوق النقد بإقراضها، وكيف يمكن أن تقيد الحكومة نفسها بشروط تجعل عنقها في رقبة رجال الأعمال والاستثمارات الأجنبية في الوقت الذي تنصرف فيه عن استكشاف إمكانات الداخل؟ الأمر نفسه فيما يتعلق بسجل الزيارات الخارجية التي قامت بها القيادة السياسية واستهلتها بزيارة الصين، صحيح أن ثمة إنجازات قد تحققت من وراء هذه الزيارة؛ تمثلت في الاتفاق على بعض الاستثمارات الصينية فضلاً عن تقديم منحة بقيمة 70 مليون دولار للحكومة المصرية. إلا أن هذه الإنجازات لا تعفي الرئاسة من توضيح منطقها من وراء تغليب المصلحة المادية على الموقف المبدئي الذي كان يتعين عليها اتخاذه إزاء الدعم الصيني لنظام بشار القمعي. وبنفس هذا المنطق يمكن التساؤل عن الأساس الذي تم بناء عليه اتخاذ القرار بزيارة طهران. صحيح أن توابع الزيارة أحدثت هي الأخرى أثراً إيجابيا في الشارع المصري، إلا أن هذا لا يزيل علامات الاستفهام حول مغزى الزيارة على هذا المستوى، في الوقت الذي يتسبب فيه الدعم الإيراني لنظام بشار في إطالة أمد المعاناة التي يعانيها الشعب السوري، وهو الأمر الذي يشغل الرأي العام المصري ربما بأكثر مما تشغله الإنجازات المعنوية التي حققتها الزيارة. إن من المهم أن تدرك مؤسسة الرئاسة أن نجاحها الحقيقي في هذه المرحلة إنما يقاس بمدى قدرتها على التقارب مع الجماهير واستشعارها لنبض الشارع وليس فقط بتحقيقها لإنجازات ذات طابع غير تشاركي. فحتى إذا كان الاستماع لرأي الجماهير متعذرا بفعل الغياب القسري لمجلس الشعب المصري في هذه المرحلة، فليس أقل من أن يخرج الرئيس بنفسه عبر الإعلام بين الحين والآخر لمخاطبة الجماهير وشرح مبررات قراراته السياسية والاقتصادية، وبخاصة في هذه المرحلة الحساسة التي تجمع فيها مؤسسة الرئاسة على نحو استثنائي بين الصلاحيات التنفيذية والتشريعية، الأمر الذي يتطلب منها أن تبذل احتياطات أكبر وهي تتخذ مثل هذه القرارات الاستثنائية. فالسياسة الناجحة لا تقاس فقط بمقدار ما تحققه من إنجازات، وإنما أيضا بما تحدثه من مشاركة مجتمعية واسعة تشعر الجمهور أنه مازال الرقم الأهم في معادلة السلطة والحكم.
456
| 05 سبتمبر 2012
في الوقت الذي تحتفل فيه شعوب الربيع العربي بأعيادها وهي تتنسم عبير الكرامة والحرية التي منّ الله بها عليها بعد إسقاط رموز الطغيان والاستبداد، مازالت سوريا تعاني من قمع نظام أدمن السلطة وعشق القوة لدرجة أنه قد بات يعتبر أن تخليه عما في يديه استجابة لمطالب الناس بالتغيير هو مما يستحيل عقلا، وهو لهذا يهدي العرب والمسلمين في عيدهم صور القتل لأبناء شعبه والدمار لوطنه، الأمر الذي يشعر المحتفلين أن فرحتهم لم تكتمل ولن تكتمل في ظل وجود مثل هذا النظام على رأس الحكم في سوريا. ولكن الثورة في سوريا رغم ما تعانيه من جراء هذا النظام قد أضاءت الكثير من مساحات الفهم وكشفت العديد من المواقف التي لم تر بمثل هذا الوضوح من قبل. - فقد كشفت الثورة السورية عن ضيق أفق المؤدلجين من القوميين العرب، ممن حبسوا أنفسهم في إطار مقولاتهم الأيدلوجية ولم يمانعوا في أن يستمر سيناريو المذابح والقتل "لكي لا نفقد نظاما عروبيا ممانعا" (بزعمهم)، وكأن ضريبة بقاء الممانعة أن يباد الشعب السوري بأكمله، أو كأن ثمن المقاومة أن تسفك دماء السوريين بديلا عن دماء من يحتلون أرضهم. هؤلاء المؤدلجون من غلاة القوميين مازالوا يراهنون على أن ثورات الربيع العربي ما هي إلا ترجمة لمخطط الفوضى الخلاقة، الذي تتحكم بموجبه أمريكا في كل ما يجري في المنطقة، وترسم خيوط مؤامرة تحيط بكل الأنظمة الممانعة والمقاومة، لتحبط مسعاها الحميد لإسقاط الكيان الصهيوني الغاصب. -كشفت الثورة السورية أيضا عن سطوة المصلحة القُطرية الضيقة حتى لدى الدول العربية التي كانت تلوم الغرب في الماضي بحجة أنه لا يسعى إلا لخدمة مصالحه، فإذا بهذه الدول حفاظا على مصالحها هي الأخرى تؤثر الصمت وتتحرك ببطء هو أقرب إلى الجمود إزاء ما يجري في الداخل السوري من مذابح، أو هي ترفع لواء عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، تماما كما حدث خلال العشرية الدامية في الجزائر حين تردد العرب وتقاعس المسلمون، ودفع الشعب الجزائري في النهاية الثمن غاليا وباهظا من دماء أبنائه. -هتكت الأزمة في سوريا ستر الطائفية البغيضة، وبينت معدن الحركات السياسية التي تعكف على خدمة مصالح طائفية، وتوظف لهذا الغرض كل أنواع الشعارات، فالطائفة عندهم مقدمة على الدولة، والمذهب مقدم على الديانة. ورغم ذلك فإنهم يتسترون بعبارات المقاومة وينصبون أنفسهم أنبياء للممانعة والصمود. أظهرت الثورة السورية إفلاس هذه الحركات، وضعف الأساس الأخلاقي لمشروعها الممانع، وبينت أن مشروعها ما هو إلا توكيل لقوى إقليمية تعطيها الأوامر بالتحرك وقت أن ترى أن التحرك في مصلحتها وتغل أيديها عن الحركة عندما لا تكون المقاومة في مصلحتها. -كشفت الثورة فريقا من المحللين والمثقفين ممن قبلوا بتزييف الواقع الذي يحدث أمام أعينهم، ويسموه بغير اسمه، فعند هؤلاء فإن الثورة السورية ليست بثورة، وإنما هي تمرد أهوج وانفعال شعبي غوغائي بلا نتيجة سوى الدمار الذاتي، وعندهم أن الدماء الطاهرة التي سالت وتسيل في سوريا إنما أسالها النفط والجهل والتعصب الديني. هؤلاء وأمثالهم يدينون الواقع لأنه لم يجر وفق إرادتهم، ولم تسر أحداثه وفق نظرياتهم، فهم ينكرون أن ما يجري على الأرض ثورة فقط لأنهم لم يتعلموا أن تكون الثورات هكذا في الكتب التي قرأوها وحشوا بها عقولهم. -كشفت الثورة السورية أيضا عن عجز معارضة الخارج، التي لا تعرف الداخل السوري إلا بالقدر الذي سمح به ابتعادها عنه، مجموعة المثقفين والأكاديميين الذين انشغلوا بخلافاتهم النخبوية في منفاهم فيما الداخل يحترق، وآلة النظام العسكرية تأتي على الأخضر واليابس، والمعارضة التي لم تحسن الحديث باسم ثورة الشعب السوري ولم تحسن تمثيلها، وتحدثت عن هموم الداخل وفقا للمفردات التي يريد الغرب أن يسمعها، وقدمت من الحلول ما يسمح به الغرب الذي يستضيف مثل هذه المعارضة ويحدد لها السقف الذي لا يجب أن تتعداه في معارضتها وفي اقتراحاتها. -كما تقف الثورة السورية شاهدة على الواقعية السوداء للسياسة الدولية، والتي لا تعترف كثيرا بقيم مناصرة المظلوم، ولا تراوح مكانها كثيرا عندما يتعلق الأمر بتوازنات نظام دولي لا يعبر عن العدالة في شيء ويعطي دولا لا تستحق التمييز حق الاعتراض على إرادة المجتمع الدولي بأكمله، على الرغم مما يتسبب فيه هذا التمييز من مشكلات على مستوى السياسة العالمية والإقليمية. -كشفت الثورة السورية عن أوهام الهيمنة التي تصور البعض أن الولايات المتحدة قادرة على أن تمارسها في عالم أحادي القطب تأتي هي على رأسه. فمنذ قيام الثورة السورية ونحن إزاء دولة عظمى لا تستطيع أن تخضع لإرادتها أطرافا أخرى تعارض هيمنتها بكل جرأة، وتتحدى قراراتها المرة تلو المرة، وترفض أن تنصاع لما تقدمه أمريكا على أنه تفضيلاتها السياسية وخياراتها الإستراتيجية، ولذا لا غرابة في أن تكون الثورة السورية عاملاً محددا لشكل النظام الدولي في مرحلة ما بعد سيادة القطب الأمريكي الأوحد، فأمريكا بعد الثورة السورية ربما لن تكون كما كانت قبل نشوبها. -وأخيرا وليس آخرا فقد كشفت الثورة السورية عن الالتباس في المواقف والارتباك الذي يسود مواقف الدول الكبرى التي لم تحسن قراءة الأزمة منذ بدايتها، وخضعت للعديد من التهويل بشأن طبيعة الأطراف التي تقوم بمعارضة النظام، وترددت كثيرا في تحديد أي الأطراف تدعم، فبدأت بمؤازرة المجلس الوطني السوري، ثم لم تلبس أن أدركت عجزه عن التأثير على الأطراف الداخلية التي تقود النزاع الفعلي ضد نظام الأسد، فبدأت في عقد محادثات مع أفراد من الجيش الحر للتعرف على إمكاناتهم ودراسة كيفية مساعدتهم. وهكذا فإنه باستمرار الثورة السورية تتزايد الخسائر، وترتفع أرقام الضحايا، ولكن في الوقت نفسه ينجلي المزيد من الحقائق، وينكشف العديد من المواقف، الأمر الذي يفصح بشكل لا لبس فيه بأن الثورة السورية سوف تكون ذات تأثير حاسم في تحديد شكل المنطقة وربما أيضا النظام الدولي حال نجاحها في الوصول إلى غايتها النهائية، من تحقيق إرادة الشعب السوري، واستعادته لزمام أموره، وحقه في تقرير مصيره إزاء نظام فاق في بطشه بشعبه كل ما فعله به الميراث الاستعماري البغيض.
633
| 22 أغسطس 2012
شكلت قرارات الرئيس المصري محمد مرسي بإلغاء الإعلان الدستوري المكمل وإقالة وزير الدفاع المشير محمد حسين طنطاوي، ورئيس الأركان الفريق سامي عنان، نهاية مفاجئة لحالة ازدواجية السلطة التي عانت منها مصر منذ تنحي الرئيس السابق. وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تحمي، ولو على نحو مؤقت، الثورة المصرية من تكرار النموذج الأوكراني، حيث كان على الثورة هناك أن تظل مرتبطة برجال الأعمال، الذين وصفوا بشركاء الثورة وحماتها أيضا، الأمر الذي مثل عبئا دائما على البلاد أدى بها إلى أن تعود إلى نقطة الصفر بعد أن نجح ممثلو النظام القديم في استغلال هذه الازدواجية للاستيلاء على السلطة مرة أخرى. ويبدو أنه من المبكر جدا أن يدعي أحد قدرته على تفسير هذه القرارات على نحو شاف، فالأبعاد التي تم على أساسها اتخاذها مازالت مجهولة، ورغم التصريحات التي أطلقها اللواء محمد العصار، والتي أكد من خلالها أن قرارات إحالة القائدين إلى التقاعد تمت بموافقة والتنسيق مع مسؤولي المجلس العسكري، إلا أنه لم تتضح لحد الآن طبيعة الترضية التي حصلت من أجل تمرير هذا القرار، وكيف تمكن الرئيس المصري في استمالة القيادات العسكرية إلى صفه وإقناعهم بقبول التغييرات الجذرية التي أقدم عليها، كما لم يتضح السر الذي جعل اتخاذ هذه القرارات ممكنا في هذه المرحلة وغير ممكن قبل ذلك، مع العلم أن الجيش المصري يخوض في هذه الأثناء عملية ساخنة في شبه جزيرة سيناء متعقبا من قاموا بتنفيذ مجزرة الحدود التي راح ضحيتها 16 مجندا في الجيش المصري. ورغم كل أوجه الغموض التي تحيط بهذه الخطوة، تظل هناك إمكانية لاستقراء عدد من الدلالات والتحديات المهمة التي تولدت عنها، أول هذه الدلالات أن الرئيس المصري يبدو أنه قد استوعب الفخ الذي نصب من قبل للبرلمان المنتخب، والذي تسبب في تآكل دعمه شعبيا قبل أن يتم استهدافه قانونيا بقرار الحل، وكان مضمون هذا الفخ هو إغراق الرئيس في جملة من القضايا الجزئية التي كانت كفيلة —حال تفرغه لها— أن تستهلك كل وقته وتبقيه في المربع رقم صفر، وهذا ما أخطأ فيه البرلمان "المنحل" حينما غفل عن حسم القضايا التي قامت من أجلها الثورة وعلى رأسها تحديد العلاقة مع مؤسسات الدولة العميقة واستئصال الفلول من مواقع التأثير واستغرق في مواجهة القضايا الجزئية التي بدا أنها مصنوعة خصيصا لاستهلاك الوقت والجهد، ثم لكي تكون بعد ذلك الحجة التي تتم إدانته بسببها. أيضاً من الدلالات الإيجابية المرتبطة بقرارات الرئيس أنه لأول مرة يقيم الدم المصري التقييم الذي يستحقه، فحتى إذا كانت خطوة الإقالات قد تمت في إطار توازنات القوى بين الرئيس والمجلس العسكري، فإن هذا لا يحجب حقيقة أن التصرف الجريء من الرئيس المصري جاء كنتيجة منطقية للاعتداء الفج الذي تعرض له الجنود المصريون في سيناء. ليسجل هذا الإجراء المرة الأولى تقريبا منذ ما يزيد على الثلاثة عقود التي يتم فيها التعاطي مع الكوارث الوطنية بمستوى الجدية الذي يستحقه الموقف. فمقتل 16 جنديا مصريا ما كان ينبغي أن يمر دون رد فعل مساو له في الخطورة ومضاد له في الاتجاه، وهذا ما عبرت عنه القرارات الأخيرة. القرارات الرئاسية أيضا أظهرت حجم التأييد الذي يحظى به الرئيس مرسي في الشارع المصري، فبعد أن كان البعض يزعم أن الرئيس يأخذ قرارات تفوق حجمه وصلاحياته (بمناسبة قراراته بإعادة البرلمان إلى الانعقاد وتحصين اللجنة التأسيسية)، يأتي هذا القرار (الأضخم في تأثيره) ليبين أن الرئيس يتمتع بتأييد فعلي من قطاعات واسعة من المصريين ممن تلقوا هذه القرارات بالقبول، حيث شارك الآلاف من المصريين في مظاهرات لتأييد قرارات رئيس الجمهورية، وهتف العشرات في أكثر من مدينة مصرية دعما لها. هذا التعاطي الشعبي يظهر أن قطاعات واسعة من المصريين تقبل أن يكون لسفينة الوطن ربان واحد، وتقبل أن يمارس الرئيس المنتخب صلاحيات استثنائية، بدلا من أن يمارسها مجلس عسكري غير منتخب. أما أبرز التحديات التي يثيرها القرار فهي أن الرئيس الآن أصبح مسؤولاً عن الدولة بشكل كامل، وبخاصة بعد أن جمع إلى جانب صلاحياته التنفيذية الصلاحيات التشريعية، على الأقل لحين البت في موضوع إجراء انتخابات برلمانية جديدة، فضلا عن صلاحية تشكيل جمعية تأسيسية لكتابة الدستور حال تعثر الجمعية القائمة حاليا. وعليه لا يوجد الآن ما يمكن الاعتذار به لتبرير البطء في تحقيق أهداف الثورة. فمنذ الآن فصاعدا لن توجد شماعة المجلس العسكري أو الإعلان الدستوري المكمل. هذه الصلاحيات الواسعة للرئيس من المتوقع أن ترفع من وتيرة الانتقادات التي ستوجه إليه من خصومه والتي ستركز على اتهامه بمحاولة الاستئثار بكافة السلطات فضلا عن الاتهام التقليدي بالسعي إلى أخونة الدولة المصرية (رغم أن أيا من التعيينات الجديدة لا تضم أسماء إخوانية). من ناحية أخرى من المتوقع أن تثير السهولة التي تمت بها إقالة القيادات العسكرية وإلغاء الإعلان الدستوري المكمل الشكوك حول كل ما كان يتداول في السابق بخصوص انخراط المجلس العسكري في مخطط لعدم تسليم السلطة أو إجهاض الثورة. وهذا سيثير بدوره تساؤلات حول ما إذا كان من الأفضل أن يتم تكريم قادته بدلا من الإطاحة بهم على هذا النحو الذي يرى البعض أنه لا يتفق مع دورهم في حماية البلاد طوال المرحلة الانتقالية. ولكن هذا الانتقاد ينبغي أن يوجه في حقيقة الأمر بدرجة مساوية إلى القادة المقالين، فالأمر المؤكد أن قادة المجلس العسكري أثبتوا عدم قدرتهم على كسب ود المصريين أو استثمار حالة التقارب الهائلة التي تلت قيام الثورة، وهذا ما ظهر من خلال حالة الارتياح الشعبي الواسع التي قوبل بها قرار تنحيتهم. وأيا كانت الإيجابيات أو التهديدات التي صاحبت إصدارها تظل هذه القرارات بمثابة حجر ضخم ألقي في مياه السياسة المصرية الراكدة منذ فترة، لتنهي حالة الاسترخاء السياسي التي وسمت الأسابيع الأولى من حكم الرئيس المدني الأول في تاريخ الدولة المصرية، والذي تعلق عليه الجماهير مسؤولية إنقاذ الثورة المصرية والعودة بها إلى طريقها الصحيح.
371
| 15 أغسطس 2012
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق...
10455
| 06 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ...
3483
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات...
2511
| 08 سبتمبر 2026
ألا إن أعظم الفقد فقد الأم، ولن يسد...
957
| 10 سبتمبر 2026
خلال عملي في أجهزة الرقابة المالية، أدركت أن...
930
| 09 سبتمبر 2026
- العمل بمعناه الإنساني أوسع كثيراً من الوظيفة...
792
| 07 سبتمبر 2026
يسأل مستخدم عادي أحد روبوتات الدردشة سؤالاً قد...
726
| 04 سبتمبر 2026
وما وراء جدران الفصول يقف إنساناً عظيماً تُبنى...
711
| 09 سبتمبر 2026
(كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، حديث...
669
| 06 سبتمبر 2026
بين المجمعات التجارية الكثيرة المنتشرة، يبرز أحد المجمعات...
639
| 07 سبتمبر 2026
لا أعرف إن كان قد مرّ عليكم هذا...
636
| 08 سبتمبر 2026
في الثالث من سبتمبر الجاري، نظمت مكتبة كتارا...
498
| 10 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية