رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

تكييف الهواء الذي نتنفسه

يوجد ما يقدر بنحو 1.5 مليار وحدة تكييف هواء في العالم اليوم، ويتوقع معهد روكي ماونتن، وهو مركز أبحاث مقره الولايات المتحدة متخصص في كفاءة الطاقة، أن يصل هذا العدد إلى حوالي 4.5 مليار وحدة بحلول عام 2050. ومن المقرر أن يبلغ معدل النمو السنوي للسوق العالمية أكثر من 5٪ في المتوسط ​​خلال العقد الحالي، مع وصول قيمة وحدات التكييف إلى حوالي 260 مليار دولار بحلول عام 2029. ويشهد قطاع التدفئة والتهوية وتكييف الهواء على نطاق أوسع نموًا بنفس المعدل. ويُعدُ ارتفاع مستويات المعيشة في الاقتصادات الناشئة، ونمو السكان، وزيادة التحضر من العوامل التي تساهم في تعزيز هذا الاتجاه. كما يعمل ارتفاع درجات الحرارة في العديد من المناطق، والذي يُعزى إلى الاحتباس الحراري العالمي، على زيادة الطلب على وحدات التكييف بشكل أكبر. فهل يمكن لإمدادات الطاقة العالمية أن تلبي الطلب المتزايد على الطاقة؟ وفقًا للبيانات الواردة عن وكالة الطاقة الدولية، يشكل تكييف الهواء نحو 10% من استهلاك الكهرباء على مستوى العالم. وإذا كانت الكهرباء المولدة لتلبية هذا الطلب الإضافي تأتي من حرق الوقود الأحفوري، الأمر الذي يؤدي إلى إطلاق الغازات المسببة للاحتباس الحراري العالمي، وبالتالي مفاقمة هذه الظاهرة. وتتفاقم هذه المشكلة في الهند، التي شهدت درجات حرارة صيفية قياسية مرتفعة وصلت إلى نحو 50 درجة في دلهي خلال شهر مايو من العام الحالي. وتتسبب درجات الحرارة التي تزيد على 40 درجة في حدوث مخاطر كبيرة للبشر، وخاصة لدى الأطفال الصغار وكبار السن والنساء الحوامل والأشخاص الذين يعانون من حالات طبية، وتُعدُ درجات الحرارة التي تزيد عن 45 درجة مئوية غير مواتية للبشر. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن درجة الحرارة المثلى لجسم الإنسان تقع ضمن نطاق ضيق للغاية يتراوح بين 18 إلى 24 درجة. وبالنسبة للعديد من الأشخاص، يمثل تكييف الهواء ضرورة وليس رفاهية. بالإضافة إلى ذلك، هناك حاجة إلى أنظمة تبريد الهواء لتشغيل أنظمة التخزين الحاسوبية وتلبية غيرها من الاستخدامات الصناعية. وفي الشرق الأوسط، ترتفع درجات الحرارة للغاية في فصل الصيف. وتُستخدم بعض مكيفات الهواء حتى في المناطق الخارجية، مثل الأفنية المغطاة بستائر، حيث يرتفع الهواء البارد عبر فتحات التهوية في المنطقة المرصوفة. وفي بلد مثل قطر، يُعدُ هذا الأمر ممكنًا في ظل رخص تكلفة الطاقة. ويمكن للمدن أن تستفيد من التصميم الأفضل لأنظمة التكييف وتبريد الهواء. ويتمثل نظام تكييف الهواء الطبيعي الفعّال في وجود الكثير من الحدائق المليئة بالأشجار، وزراعة المزيد من الأشجار على جانبي الشوارع لتوفير ظل طبيعي. ويكون لهذه الحدائق والأشجار تأثير تبريد طبيعي بينما يساهم الأسفلت والطوب والخرسانة في تخزين الحرارة وعكسها وتكثيفها. وفي الشرق الأوسط، يمكن أن تكون الصحراء أكثر برودة بالفعل من المدينة في يوم حار. وقد توصلت دراسة نُشرت في مجلة نيو ساينتست في عام 2021 إلى أن الأشجار في المدن يمكن أن تقلل من درجة حرارة الأرض بما يصل إلى 12 درجة؛ ومن المثير للاهتمام أن هذه الدراسة خلصت أيضًا إلى أن المساحات الخضراء الخالية من الأشجار لها تأثير ضئيل على درجة الحرارة. ويمكن أن يساهم الظل الطبيعي وتخضير المدن في تخفيض الطلب على الطاقة. وبالإضافة إلى ذلك، هناك حاجة إلى المزيد من الآلات الموفرة للطاقة. وفي عام 2019، انضمت حكومة الهند إلى معهد روكي ماونتن في الولايات المتحدة لطرح جائزة التبريد العالمية، حيث قدمت مليون دولار لفريق المهندسين القادرين على تحقيق تحسينات سريعة في كفاءة استخدام الطاقة في وحدات التبريد. وأشار المنظمون إلى أن الهندسة الأساسية لوحدة تكييف الهواء التقليدية لم تتغير تقريبًا في المائة عام التي تلت تطوير المخترع الأمريكي ويليس كارير لأول وحدة تكييف في عشرينيات القرن العشرين. وهناك أيضًا إمكانات كبيرة لمساهمة أنظمة الذكاء الاصطناعي في تحسين استخدام الطاقة داخل المباني، حيث يمكن استخدام أجهزة الاستشعار وتحليلات البيانات في تشغيل أنظمة التحكم. وتساعد الصيانة التنبؤية، التي تكتشف أجهزة الاستشعار فيها جزءًا يحتاج إلى الاستبدال قبل أن يتعطل. ويتطلب النمو المستمر تخطيطًا حضريًا أفضل وتكنولوجيا أكثر ذكاءً لمنع الحلقة المفرغة التي تؤدي فيها الآلات التي تبرد مبانينا من زيادة درجة الحرارة المحيطة بنا.

600

| 16 يوليو 2025

المرونة وإدارة الأزمات

في يوم الثلاثاء الموافق 24 يونيو، علقتُ في مطار مسقط بسلطنة عُمان لمدة سبع ساعات في انتظار رحلة العودة إلى الدوحة. وكان المجال الجوي القطري قد أُغلق منذ عصر يوم الإثنين الماضي وحتى ما بعد منتصف ليل الثلاثاء بقليل. وجاء ذلك عقب تحذير من ضربة صاروخية وشيكة من القوات الإيرانية على قاعدة العديد الجوية التابعة للقوات الأمريكية، وقد نُفذت الضربة بالفعل مساء الاثنين دون وقوع خسائر في الأرواح. وكانت الصواريخ قد أُطلقت ردًا على ضربات سابقة شنتها القوات الأمريكية على مواقع يُشتبه بأنها تضم أسلحة نووية إيرانية. وتبعتها دول خليجية أخرى بإغلاق مجالها الجوي، حيث أغلقت البحرين والإمارات والكويت مجالاتها الجوية أيضًا. وكان من المقرر هبوط ما يقارب 100 طائرة تابعة للخطوط الجوية القطرية عند لحظة إغلاق المجال الجوي. وقد تم تحويل مسار نحو 25 طائرة منها إلى السعودية، و18 إلى تركيا، و15 إلى الهند، و13 إلى سلطنة عُمان، و5 طائرات إلى الإمارات، وحُوِّلت رحلة من نيجيريا إلى مصر. أما بقية الرحلات، فقد حُوِّلت مساراتها إلى مطارات مختلفة في الشرق الأوسط وآسيا وأوروبا، بما في ذلك وجهات بعيدة مثل لندن وبرشلونة. ويبدو التعامل مع مثل هذه الاضطرابات في مجال الطيران أمرا معقدا. فعلى سبيل المثال، هناك قواعد صارمة تُحدد الحد الأقصى لساعات الطيران المسموح بها للطيار خلال فترة زمنية معينة. وبالإضافة إلى ذلك، قد يحتاج الطيار إلى التأقلم مع التوقيت المحلي للوجهة. لذا، حتى في حال توافر طائرات جاهزة للإقلاع وطيارين مؤهلين يعملون لدى نفس شركة الطيران وفي نفس المطار وفي نفس الفترة الزمنية، قد تظل هناك حاجة إلى تأخير إضافي. وعلى الرغم من الاضطراب الهائل الذي أحدثه إغلاق المجال الجوي، فقد فعّلت الخطوط الجوية القطرية إجراءاتٍ مُحكمة للاستجابة للأزمات. وكان موظفو الخطوط الجوية القطرية على دراية تامة بالإجراءات الواجب اتباعها، حيث تم تنفيذ خطط مدروسة بعناية ومجربة مسبقًا. وفي غضون ساعات من إعادة فتح المجال الجوي في الساعات الأولى من صباح 24 يونيو، استؤنفت الرحلات الجوية، حيث تم تشغيل ما مجموعه 390 رحلة في ذلك اليوم، تقل أكثر من 11,000 مسافر في صباح ذلك اليوم وحده. وخلال 24 ساعة، كان جميع ركاب الرحلات المحوّلة قد استأنفوا رحلاتهم. وبحلول يوم الأربعاء الموافق 25 يونيو، كانت الخطوط الجوية القطرية قد شغلت 578 رحلة، ولم يتبقَّ أي مسافر عالق على متن الرحلات المحولة. وتتمتع الخطوط الجوية القطرية بخبرة تراكمية كبيرة فيما يتعلق بالتعامل مع الاضطرابات. منذ الأزمة التي أدت الى اغلاق الأجواء خلال الفترة من 2017 إلى 2021، ثم أعقبه تفشي جائحة كوفيد - 19 وما صاحبها من إغلاقات ألحقت أضرارًا بالغة بصناعة الطيران عالميًا. ورغم ذلك، كانت الخطوط الجوية القطرية من بين عدد قليل جدًا من شركات الطيران التي نجحت في مواصلة عملياتها. وهناك درسٌ مهمٌّ يتعلق بتخطيط الأعمال وأولويات الإدارة التنفيذية. ففي السنوات الأولى للعولمة، كان هناك تركيزٌ على إنشاء سلاسل توريد فائقة الكفاءة، استنادًا إلى مبدأ "التوريد في الوقت المناسب" - أي تقليل كمية المخزون المطلوب تخزينه، على سبيل المثال. وقد أدى ذلك إلى تحقيق كفاءات تشغيلية عالية جدًا - ولكن فقط في حالة عدم وجود اضطرابات كبيرة، حيث إن التشغيل التجاري شديد الكفاءة يكون هشًا وضعيف التحمل أمام الأزمات. ومنذ جائحة كوفيد-19، حدثت إعادة تقييم جوهرية في تخطيط الأعمال والنظريات المرتبطة بها، قلّلت من أهمية "الاستجابة في الوقت المناسب" وعززت من اعتماد خطط الطوارئ والبدائل. وبات من المرجح بشكل متزايد منح مفهوم المرونة أولوية مساوية للكفاءة التشغيلية. وهذا لا يعني فقط زيادة المخزون أو الاحتفاظ ببعض الطاقة الإنتاجية الاحتياطية، بل يشمل أيضًا إجراء تخطيط صارم للسيناريوهات وتوفير تدريب مكثف للموظفين لاختبار قدرة الفرق على الاستجابة لمختلف أنواع الأزمات أو غيرها من الأحداث غير المتوقعة. وربما يوجد نوعان من المديرين التنفيذيين للشركات، حيث يضم النوع الأول المديرين الذين يتوقعون تنفيذًا سلسًا لجميع الخطط الاستراتيجية التي يعرضونها في العروض التقديمية، بينما يضم النوع الثاني المديرين الذين يتوقعون حدوث اضطرابات. ودائمًا ما يكون النوع الثاني أكثر ملاءمة للعمليات الفعلية، لا سيما في ظل الفترة الحالية من الحروب التجارية، والتقلبات الجيوسياسية، والهجمات الإلكترونية المتواصلة.

258

| 06 يوليو 2025

الآفاق المختلفة لاقتصادات الحرب

كان الإنفاق العسكري الباهظ أحد عوامل انهيار الإمبراطوريتين الرومانية والإسبانية، واندلاع الثورة الفرنسية، حيث إن خوض حملات عسكرية لا نهاية لها، وغالبًا ما تكون خاسرة، قد يكلف الدولة ثمنًا باهظًا. وقبل القرن العشرين، كان الإنفاق العسكري الباهظ يتسبب عادةً في نفاد احتياطيات الذهب لدى الحكومات التي تخوض حملات عسكرية متواصلة، وهو ما كان يؤدي إلى إغراق الدولة في أزمات مستمرة. أما في عصر العملات الورقية والأسواق المالية المتطورة، باتت الاقتصادات الكبرى تتمتع بقدرة واسعة - وإن لم تكن مطلقة في نهاية المطاف - على الاقتراض لتمويل الحروب. وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، واجهت ألمانيا واليابان قيودًا على قواتهما المسلحة فرضها الحلفاء، ولكن نتيجة لذلك استفاد البلدان من «عائد السلام» بعد الحرب، حيث حققت شركاتهما المصنعة التي تركز على التصدير أرباحًا هائلةً مع تحول الأسواق الاستهلاكية إلى الطابع العالمي خلال سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين. ويختلف طابع اقتصاد الحرب، إلا أنه قد يكون مفيدًا للنشاط الاقتصادي، وإن كان ذلك يعتمد على نقطة البداية، وربما يحدث ذلك على المدى القصير فقط. ويمكن القول إن اندلاع الحرب العالمية الثانية ساهم بشكل كبير في إنهاء الركود الاقتصادي الحاد وارتفاع معدلات البطالة في ثلاثينيات القرن الماضي. فقد أدت الزيادات الهائلة في الإنفاق الحكومي في الاقتصادات الغربية إلى تحفيز الإنتاج الصناعي، وانخفاض معدلات البطالة، رغم أن هذه الاقتصادات كانت قد بدأت في التعافي قبل اندلاع الحرب، بينما ارتفع معدل الدين الحكومي بشكل حاد خلال فترات النزاع. وقد واجهت روسيا حملة عسكرية في أوكرانيا أطول وأكثر تكلفة بكثير مما كانت قد توقعته في عام ٢٠٢٢، وتعرضت لعقوبات صارمة من القوى الغربية. ومع ذلك، ورغم تأثر اقتصادها في بعض النواحي، فقد أثبت قدرًا ملحوظًا من الصمود. وأشار الدكتور ريتشارد كونولي، المتخصص في الاقتصاد الروسي في مقال نشره إلى وجود نقاط قوة معينة في الوضع الاقتصادي الروسي. كما أوضح أن الاقتصاد الروسي لا يتمتع بجميع سمات الاقتصاد الحربي، حيث لم تُجبر البلاد على فرض ضوابط على الأسعار أو السيطرة المركزية على الاقتصاد. وقد حافظت روسيا على إيرادات قوية من صادرات النفط، بينما لا يتجاوز الدين العام 15% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أدنى مستوى بين اقتصادات مجموعة العشرين. وعلى الرغم من ارتفاع معدلات التضخم وأسعار الفائدة، إلا أن العديد من الشركات والأسر يتمتعون بإمكانية الحصول على قروض مدعومة. ورغم وجود نقص في العمالة، إلا أن ارتفاع الأجور المصاحب لذلك، إلى جانب المدفوعات الكبيرة التي تُقدم لعائلات المجندين في الجيش، قد ساهما في تعزيز الطلب المحلي وتقليص التفاوتات الاقتصادية بين المناطق الروسية. كما ساهمت القيود التي فرضت على حركة رؤوس الأموال في التشجيع على زيادة الاستثمار داخل البلاد. وعلى الصعيد السياسي، دفع غزو روسيا لأوكرانيا العديد من الدول الأوروبية إلى زيادة إنفاقها العسكري. ويُعد التطور الأبرز في هذا السياق ما حدث في ألمانيا. فعلى مدى عقود، التزم القادة السياسيون في ألمانيا بسياسات مالية محافظة وبمستويات محدودة من الإنفاق العسكري. إلا أن هذا النهج قد تغير الآن مع موافقة البرلمان على تخفيف القيود الدستورية على الاقتراض. وتُحدث هذه الإجراءات تأثيرًا أشبه بالحافز الاقتصادي. فقد رفعت مؤسسة جولدمان ساكس من توقعاتها لنمو الناتج المحلي الإجمالي في ألمانيا بمقدار 0.2% هذا العام، وبنسبة تتراوح بين 0.5% إلى 1.5% لعام 2026. ومن النتائج الثانوية الأخرى لاقتصاد الحرب الحافز الناتج عن جهود إعادة الإعمار. ويمثل انتهاء الصراع في سوريا فرصة سانحة من هذا النوع. ومن المتوقع أن تحقق شركات البناء التركية، على وجه الخصوص، أرباحًا كبيرةً، بفضل قربها الجغرافي من سوريا. وقد شهدت أسعار أسهم شركات البناء والإسمنت التركية ارتفاعًا كبيرًا في شهر ديسمبر الماضي، عقب سقوط نظام الأسد. وفي عام ٢٠٢٣، أشارت تقديرات البنك الدولي إلى أن تكلفة الأضرار التي لحقت بالبيئة العمرانية في سوريا نتيجة الحرب الأهلية التي اندلعت في عام ٢٠١١ بلغت ١١.٤ مليار دولار. وقال فولكان بوزاي، الرئيس التنفيذي لجمعية صناعة الأسمنت التركية، في أعقاب تغيير النظام، إنه على الرغم من وجود تحديات سياسية ولوجستية قد تواجه عملية إعادة إعمار البنية التحتية السورية، إلا أن «الفرص كبيرة جدًا».

198

| 29 يونيو 2025

تأثيرات التعرفة الجمركية على التجارة العالمية

شهد شهر أبريل تطورات لافتة، أبرزها إعلان الرئيس الأمريكي ترامب عن فرض رسوم جمركية مرتفعة على الواردات قبل أن يعلّقها لاحقًا، مما مهد الطريق لتحولات اقتصادية لاحقة أقل سرعة لكن ذات تأثير كبير على الاقتصادين الأمريكي والعالمي. حيث شهدت المحادثات بين الصين والولايات المتحدة في مايو اتفاقًا على خفض كبير للرسوم الجمركية المتبادلة، حيث خُفضت الرسوم الأمريكية على الصين من 145% إلى 30%، والصينية على الواردات الأمريكية من 125% إلى 10%، مع إعفاء الهواتف الذكية والتكنولوجيا المرتبطة بها من هذه الرسوم. لكن هذه التخفيضات مؤقتة وتستمر فقط لمدة 90 يومًا، ما يعني استمرار الضغط التجاري بين أكبر اقتصادين في العالم. وقد تحول الكثير من الاهتمام إلى الوضع المالي عقب تخفيض وكالة موديز للتصنيف الائتماني السيادي للولايات المتحدة الأمريكية في منتصف مايو من AAA إلى Aa1 وأشارت الوكالة إلى ارتفاع مستوى الدين العام إلى 36 تريليون دولار، مع عدم وجود مؤشرات واضحة على إمكانية كبحه، وإمكانية تعويض الحجم الهائل لهذا الدين بالكامل حتى مع القوة والعمق الكبيرين للاقتصاد الأمريكي والاستخدام العالمي للدولار. وقد وصلت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عامًا إلى 5%. كما ارتفعت العوائد في العملات الرئيسية الأخرى. ويُعد ذلك مؤشرًا على انخفاض الثقة بشكل عام في الإدارة الاقتصادية والمالية. ويفاقم هذا الوضع من صعوبات الإدارة المالية في الولايات المتحدة عبر زيادة النسبة المرتفعة أصلاً من النفقات المُخصصة لخدمة الدين. وإلى جانب هذه الاتجاهات، هناك سمة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بها، وهي ارتفاع معدلات التضخم. وعلى مدار معظم العقدين الماضيين، ظل معدل التضخم في أسعار السلع منخفضًا، وذلك بفضل اندماج اقتصادات شرق آسيا، التي توفر صادرات صناعية رخيصة، في الاقتصاد العالمي. وقد توقف هذا الانخفاض بسبب اضطراب سلاسل التوريد الناجم عن اندلاع جائحة كوفيد-19 والغزو الروسي لأوكرانيا. وبدأ تضخم أسعار السلع في الانخفاض منذ عام ٢٠٢٣، ولكن باتت هناك ضغوطًا متصاعدةً الآن ناجمة عن الرسوم الجمركية والتوترات التجارية، وأصبح التضخم يتسم بنوع من «الثبات» أو «الجمود.» ولم يرتفع التضخم بشكل كبير حتى الآن، حيث سجل ارتفاعًا طفيفًا بنسبة 0.1% ليصل إلى 2.4% في شهر مايو الماضي. ويُعدُ ارتفاع قيمة الأصول المادية مثل الذهب مؤشرًا على ضعف الثقة في العملات الورقية وهو ما يثير التوقعات بإمكانية حدوث ارتفاع في معدلات التضخم. ومن المرجح أن تبقى أسعار الفائدة عند مستوى مرتفع نسبيًا، نظرًا للضغوط الناجمة عن ارتفاع معدل التضخم، مع وجود توقعات برفع أسعار الفائدة. وقد أشار جيروم باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، في خطاب ألقاه في منتصف مايو، إلى احتمال أن «يصبح التضخم أكثر تقلبًا في المستقبل». صحيح أن التضخم الثابت يساهم في تآكل المستوى الفعلي لديون القطاع العام، ويُعادل التخلف الجزئي عن السداد، إلا أنه له تبعاته وتكاليفه، حيث سيجد المسؤولون عن تحديد أسعار الفائدة صعوبة في احتواء التضخم من جهة أو تحفيز النمو الاقتصادي من جهة أخرى، وهو ما يُنذر بخطر حدوث حالة من الركود التضخمي. وفي غضون ذلك، بدأت المسائل العسكرية تطغى على قضايا التجارة والتعريفات الجمركية في المشهد الجيوسياسي. فبعد يومين فقط من محادثات لندن، تصاعد الصراع بين إسرائيل وإيران مع تبادل إطلاق الصواريخ، في ظل قناعة الحكومة الإسرائيلية بأن إيران تُسرّع خططها لتطوير أسلحة نووية. وفي 18 يونيو، وردت تقارير تُفيد بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان يستعد لشنّ ضربة هائلة باستخدام قنبلة «خارقة للتحصينات»، أقوى من أي قنبلة تمتلكها إسرائيل، لتدمير موقع يُشتبه بأنه مخصص لصناعة الأسلحة النووية في إيران. وقد تكون هذه التقارير مجرد ورقة ضغط تفاوضية، حيث أعلن ترامب بعد ذلك بوقت قصير عن تأجيل الضربات لمدة أسبوعين لإتاحة المجال للمحادثات. وقد ارتفع سعر النفط منذ تصاعد الصراع بين إسرائيل وإيران، من أقل من 65 دولارًا للبرميل في نهاية مايو إلى أكثر من 75 دولارًا بحلول منتصف يونيو، وهو ما فاقم من الضغوط التضخمية. ومن المستحيل التنبؤ بحدة هذا الصراع ومدته، ولا بآثاره السياسية والاقتصادية الأوسع نطاقًا على المنطقة والعالم، وهو ما يضيف مزيدًا من الغموض إلى حالة عدم اليقين العالمية المتفاقمة أصلاً.

744

| 24 يونيو 2025

الخطوط القطرية: بين الطموح والهدوء المدروس

في عام 2024، شهد قطاع الطيران الدولي نقطة تحول مهمة حيث تجاوزت معدلات السفر الجوي المستويات المسجلة قبل تفشي جائحة كوفيد-19، مع زيادة حركة النقل الجوي على مدار العام بنسبة 3.8% مقارنة بالمستويات المسجلة في عام 2019، وفقًا للبيانات الصادرة عن الاتحاد الدولي للنقل الجوي. ومع تعافي قطاع الطيران، تستحوذ شركات الطيران والمطارات في الشرق الأوسط على حصة متزايدة من الأعمال الدولية. وتُعد ثروة المنطقة، وموقعها الاستراتيجي القريب من ثلاث قارات، وطموحات شركات الطيران فيها، من العوامل المؤثرة في حدوث ذلك. ويواجه قطاع الطيران الأوروبي ضرائب بيئية أعلى، ولا تستطيع شركات الطيران في القارة التحليق فوق المجال الجوي الروسي بسبب الحرب الروسية الأوكرانية. كما أن أوروبا الغربية مكتظة بالسكان، وهو ما يُصعّب من عملية توسيع المطارات. وقد شهدت شركة الخطوط الجوية القطرية نموًا ملحوظًا في حجمها وسمعتها خلال السنوات الأخيرة. وفي مقابلة أُجريت معه خلال شهر مارس الماضي، صرح المهندس بدر محمد المير، الرئيس التنفيذي، بأن الشركة أجرت محادثات مع كبرى شركات صناعة الطائرات بهدف زيادة الطاقة الاستيعابية للشركة من 50 مليون مسافر سنويًا إلى 80 مليون مسافر بنهاية العقد. وسيتبع ذلك توقف متعمد في أي توسعات مستقبلية. وبحلول ذلك الوقت، ستبلغ الطاقة الاستيعابية لمطار حمد الدولي في الدوحة الحد الأقصى. وفي منتصف شهر مايو، أكدت الخطوط الجوية القطرية طلبية كبرى مع شركة بوينج لشراء ما يصل إلى 210 طائرات بوينج من طراز 777X و787 دريملاينر في صفقة بقيمة 96 مليار دولار، جرى الإعلان عنها خلال زيارة الرئيس دونالد ترامب إلى الخليج. كما أعلنت مجموعة الخطوط الجوية القطرية خلال شهر مايو الجاري عن أقوى نتائجها المالية على الإطلاق، بتحقيقها لأرباح سنوية بلغت 7.85 مليار ريال قطري (2.15 مليار دولار أمريكي) للسنة المالية 2024-2025. ويمثل ذلك زيادة بأكثر من 1.7 مليار ريال قطري (500 مليون دولار أمريكي) مقارنة بالسنة المالية 2023-2024. وسجلت الشركة القطرية للشحن الجوي، إحدى وحدات المجموعة، زيادة في الإيرادات بنسبة 17%. وقال المهندس بدر محمد المير خلال المقابلة التي أجراها مع جريدة الفاينانشال تايمز في شهر مارس الماضي إن جودة الخدمة لدى بعض شركات الطيران الأخرى قد تدهورت مع توسعها السريع، مشددًا على أهمية خدمة العملاء في هذا القطاع. وتسعى العديد من شركات الطيران إلى زيادة قوة وموثوقية اتصالات شبكة الواي فاي للركاب، على سبيل المثال باستخدام شبكة ستارلينك الفضائية. ويعني هذا الالتزام بالخدمة وأحدث تكنولوجيا الاتصالات أن شركة الخطوط الجوية القطرية ستحتاج إلى تشغيل أحدث الطائرات على خطوطها. ونظرًا لحجم أسطولها الضخم، وخضوع طائراتها لصيانة جيدة تتيح لها إمكانية البقاء في الخدمة لمدة 20 عامًا، يتيح هذا الأمر المجال أمام افتتاح ذراع لتأجير الطائرات، حيث يمكن تأجير الطائرات الأقدم لشركات الطيران منخفضة التكلفة. وتُعد الدوحة مركزًا مناسبًا لشركات تأجير الطائرات، حيث تتمتع بأعلى معايير صيانة الطائرات. وفي مجال الطيران، من المتوقع تحسن خدمة العملاء بفضل التكنولوجيا عبر استخدام الروبوتات والذكاء الاصطناعي لتسهيل إجراءات التخليص الأمني في المطارات. ويُعد تفتيش حقائب السفر والجيوب أمرًا مزعجًا للمسافرين، لكن التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي تُتيح إمكانية تحديد المواد المحظورة عبر صور الأشعة السينية، بينما يُمكن لتقنية التعرف على الوجه تحديد الأشخاص المُدرجين على قوائم المراقبة. ولعدة عقود، كانت بوينج وإيرباص الموردَين الرئيسيين للقطاع، ولا تزالان تُهيمنان عليه. فهل سيتغير هذا النمط في المستقبل؟ وقد برزت شركات السيارات الصينية بصفتها أطرافًا مؤثرةً عالميًا، لا سيَّما في سوق السيارات الكهربائية، وقد يطرأ تطور مماثل في قطاع الطيران. وتمتلك شركة كوماك الصينية الحكومية لتصنيع الطائرات طائرات مدنية قيد الاستخدام التجاري. وتُسيّر شركات الطيران الصينية طائرة الركاب النفاثة ضيقة البدن C919 على الرحلات الداخلية، وهي قيد الاعتماد للرحلات الدولية. أما طائرة C929 عريضة البدن، فهي قيد التطوير. وسيكون من المنطقي أن نتوقع نمو الحصة السوقية لشركة كوماك خلال السنوات القادمة. ويشهد مركز الثقل في صناعة الطيران تحولاً من أوروبا وأميركا نحو آسيا، ومن المرجح أن يستمر النمو العالمي، ولكن كما هو الحال مع أي صناعة، من الصعب التنبؤ بالاضطرابات المستقبلية والتطورات الأخرى.

414

| 26 مايو 2025

الخليج في قلب السياسة الخارجية الأمريكية

يتوافق الأسلوب الشخصي للرئيس دونالد ترامب مع أسلوب دول الخليج؛ فهو يفضّل إبرام الصفقات بشكل مباشر مع القادة الأقوياء، ويشعر بالارتياح تجاه الاستثمارات الضخمة. ومن الواضح أنه يشعر بالراحة في هذه المنطقة، التي اختارها لتكون وجهة أول جولة رسمية له إلى الخارج منذ تنصيبه في شهر يناير الماضي. ومع ذلك، سيكون من الخطأ افتراض أن جولة ترامب إلى منطقة الخليج في منتصف شهر مايو الجاري، التي شملت القيام بزيارة إلى قطر، كانت تدور في معظمها حول المظاهر والبروتوكولات أو المجاملات، أو حتى أنها كانت مجرد زيارة لإبرام الصفقات التجارية. فقد ناقش الرئيس الأمريكي قضايا دبلوماسية واستراتيجية حيوية، في الوقت الذي حظيت فيه الصفقات الاقتصادية التي أبرمها مع دول المنطقة بأهمية كبيرة. وكان من بين الأهداف الاستراتيجية للرئيس ترامب تقليص الالتزام الأمني للولايات المتحدة ونفقاتها الخارجية. ولكي يكون هذا الأمر فعالاً، من الضروري وجود شركاء موثوقين للولايات المتحدة. وتُقدّر إدارة ترامب دور القادة السعوديين والقطريين في الوساطة بين الأطراف المتنازعة في إسرائيل وغزة، وبين أوكرانيا وروسيا. وكان من أبرز العناوين الدبلوماسية لهذه الزيارة إعلان الرئيس ترامب عن رفع العقوبات المفروضة على سوريا بعد 45 عامًا، وهو ما أثار أجواء من الاحتفالات داخل سوريا . وقد جاء هذا القرار بعد أن بادرت دول الخليج بالاعتراف بنظام الرئيس أحمد الشرع. وصدر هذا الإعلان بعد محادثات أجراها الرئيس ترامب مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. وكذلك، فإن الصفقات التجارية التي جرى الإعلان عنها خلال جولة الرئيس ترامب في الشرق الأوسط كانت ضخمة. فقد أعلنت الخطوط الجوية القطرية عن طلبية طائرات هائلة مع شركتي بوينغ وGE، تتضمن اتفاقية بقيمة 96 مليار دولار لشراء ما يصل إلى 210 طائرات بوينغ 787 دريملاينر و777X، تعمل بمحركات من إنتاج شركة GE، حسبما أعلن البيت الأبيض. وتُعد هذه أكبر طلبية طائرات عريضة البدن في تاريخ شركة بوينغ، وأكبر طلبية لطائرات 787 على الإطلاق. وكان من الأمور المهمة أيضًا تعزيز الروابط بين الولايات المتحدة ودول الخليج في مجال الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا وثيقة الصلة، فقد رافق الرئيس ترامب خلال زيارته أهم قادة الأعمال في الولايات المتحدة، بما في ذلك قادة قطاعي الاستثمار والتكنولوجيا. وقد وقّعت كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة اتفاقيات تتيح لهما إمكانية الوصول إلى الرقاقات المتطورة التي تُنتجها شركتا إنفيديا وAMD، واللازمة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي المتقدمة. وأكد جينسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، خلال الزيارة أن الشركة ستبيع أكثر من 18,000 من أحدث رقاقات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها لشركة هيوماين السعودية. وتدخل هذه الاتفاقية في إطار الشراكة الاستراتيجية بين الشركتين، حيث تستثمر شركة هيوماين السعودية فيما تصفه الشركتان بمراكز بيانات "فائقة الحجم" تهدف إلى توفير بنية تحتية أساسية لتدريب ونشر نماذج الذكاء الاصطناعي السيادية على نطاق واسع بغرض تمكين الشركات في المملكة العربية السعودية وغيرها من الدول من "تسريع وتيرة الابتكار والتحول الرقمي". وألغت إدارة ترامب قانون التوزيع الذي فرضته إدارة بايدن، والذي كان يقيد تصدير الرقائق المتطورة إلى دول الشرق الأوسط، بهدف الحد من الانتشار المحتمل للتكنولوجيا الأمريكية بين أعداء الولايات المتحدة. وقد تراجع هذا الخطر مع تطور تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والرقائق الصينية بشكل مماثل، واحتمال مساهمة قيود التصدير في حصول دول المنطقة على هذه التكنولوجيا من الصين بدلاً من الولايات المتحدة. وستوفر شركة AMD رقاقات وبرامج لمراكز البيانات في المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية في مشروع بقيمة 10 مليارات دولار أمريكي، وفقًا لإعلان مشترك صادر عن شركتي هيوماين وAMD. وتم الكشف عن المرحلة الأولى من مشروع بناء مجمع للذكاء الاصطناعي بسعة 5 جيجاوات في أبوظبي، وهو المجمع الأكبر خارج الولايات المتحدة. ومن المهم أن الرئيس ترامب جعل دول الخليج وجهته الأولى في زيارته الرسمية، بدلاً من الدول الغربية مثل كندا والمكسيك أو الدول الأوروبية التي كانت من أولويات الرؤساء السابقين للولايات المتحدة. ولم يزر ترامب إسرائيل خلال هذه الجولة، وهو ما يدل على أنه يعتبر دول الخليج ذات أهمية جوهرية، سواء من حيث التحالف الاستراتيجي أو الفرص الاقتصادية.

849

| 19 مايو 2025

بين الطموح والواقع: أين يقف الذكاء الاصطناعي في قطر؟

لا يمكن لأحد أن يشكك على الإطلاق في أن التطور السريع لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي له تأثير كبير على الاقتصادات والمجتمعات، حيث ستُحقق الدول الرائدة في توفير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وكذلك الشركات والأفراد الذين يستخدمون تطبيقاته بذكاء، مكاسب اقتصادية هائلة. وتُعدّ الصين والولايات المتحدة الأمريكية من القوى البارزة في ابتكار حلول الذكاء الاصطناعي. وفي منطقة الشرق الأوسط، يبدو أن دولة الإمارات العربية المتحدة هي الرائدة في مجال استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية وتنظيم العملات المشفرة، بقيادة شركة G42. وفي قطر، لا يوجد منافس مباشر لشركة G42 الناشئة، ولا توجد مؤشرات تذكر على وجود مركز حيوي للذكاء الاصطناعي قادر على إنشاء الشركات المليارية الواعدة «unicorn». فهل هناك خطر ناجم عن تخلف قطر عن الركب؟ الإجابة هي نعم بكل تأكيد، حيث تمتلك قطر بنية تحتية تكنولوجية قوية، واستراتيجية جيدة للذكاء الاصطناعي، لكنها بطيئة في التنفيذ. وتتبنى قطر نهجًا حذرًا، وهو ما ينطوي على بعض المزايا، لكنها تسير بخطوات وئيدة، وربما بطيئة للغاية. ويقود القطاع العام مبادرات استخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بشكل كبير. وعلاوة على ذلك، وُضعت الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي في عام ٢٠١٩ منذ فترة طويلة جدًا في قطاع سريع التطور مثل قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. وللحكومات دورٌ محوريٌّ في رعاية المراكز التكنولوجية، إلا أن نقاط قوتها تكمن في وضع الإطار التنظيمي، وضمان أن تكون سياسات منح التأشيرات مُلائمةً لاستقطاب المواهب، وتعزيز البنية التحتية، وتوفير أو تمكين الاستثمارات. وليس من الأنسب للحكومات أن تكون من المبتكرين، بل يقع هذا الدور على عاتق المُستثمرين، مع أهمية دعم الحكومة السياسي للحصول على التكنولوجيا المتطورة مثل GPUs & IPs من الولايات المتحدة. ويجب تقبل فشل بعض هذه الشركات، وهو ما يتعارض مع قيم القطاع العام التي تركز على الموثوقية والمسؤولية. وعندما لا تحقق الشركة الواعدة ربحًا، فقد تُسهم بعض إنجازاتها في إنشاء شركة أخرى. وللقطاع العام دورٌ حيويٌّ في تطوير مراكز التكنولوجيا. ولا تتبع الولايات المتحدة الأمريكية ولا الصين نهجًا قائمًا على السوق فحسب في تطوير الذكاء الاصطناعي، بل تضع حكومتا البلدين الإطار والبنية التحتية، بالتعاون الوثيق مع الجامعات. وقد طور تقنيون ورواد أعمال حصلوا على الفرصة والدعم ابتكاراتٌ ثورية مثل نموذجيّ ChatGPT وDeepSeek. وتميل قطر للنموذج الأوروبي والسنغافوري في وضع استراتيجية الذكاء الاصطناعي بدلًا من الأمريكي القائم على القطاع الخاص، لكن التحدي في التنفيذ لا الاختيار بينهم. ومن المتوقع أن تساهم مشاركة الوزارات القطرية في ثورة الذكاء الاصطناعي بشكل إيجابي في تعزيز التقدم في مجال استخدام أحدث وسائل التكنولوجيا لتقديم الخدمات العامة بطريقة أذكى. وقد تعاونت الحكومة القطرية مع شركة (Scale AI) التي تتخذ من ولاية كاليفورنيا مقرًا لها في توفير أدوات وتدريب قائم على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي. وفي مارس من هذا العام، أنشأت الحكومة القطرية اللجنة التوجيهية للحكومة الذكية والريادة الرقمية. وتتوافق لوائح تنظيم عمل الذكاء الاصطناعي مع المعايير الأمريكية والأوروبية، لتسهيل التجارة عبر الحدود في التكنولوجيا. ولهذا يجب التركيز على تأهيل وبناء قدرات وطنية في مجال الذكاء الاصطناعي ضمن مختلف قطاعات الدولة، والاستعداد لإعادة هيكلة المؤسسات لجعلها أكثر فعالية. ومن أبرز التحديات غير المعلنة التي تواجه أي استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي في قطر هي مسألة مشاركة البيانات بين الجهات الحكومية وحوكمتها. رغم الحديث المتكرر عن التحول الرقمي، إلا أن تدفق البيانات بين الوزارات والهيئات لا يزال محدودًا، إما بسبب غياب الأنظمة المشتركة أو نتيجة الحواجز الإدارية والتقنية، وأحيانًا لأسباب تتعلق بثقافة العمل نفسها. لكن المشكلة الأكبر تكمن في غياب حوكمة موحدة للبيانات. من يملك البيانات؟ من يحدد من يمكنه الوصول إليها؟ ما المعايير الأخلاقية والقانونية التي تضمن حماية الخصوصية وضمان الاستخدام العادل؟ هذه أسئلة أساسية لم تُطرح بعد بجدية كافية، رغم أنها تشكّل حجر الأساس لنجاح أي مشروع وطني في الذكاء الاصطناعي. حل هذه المسألة لا يتطلب إطارًا قانونيًا فقط، بل يحتاج إلى إرادة سياسية وسلطة تنفيذية تفرض قواعد مشتركة، وترفع ثقافة التعاون بين الجهات والقطاعات الحكومية. وإلا، ستظل البيانات حبيسة الجزر الإدارية، وسيبقى الذكاء الاصطناعي والذكاء الاصطناعي المُوَلِّد مشروعاً طموحاً معزولاً عن الواقع.

789

| 15 مايو 2025

الدولار في مهبّ السياسات المتقلبة

شهد الشهر الماضي تقلبات جيوسياسية واقتصادية غير مسبوقة. فقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشكلٍ مفاجئ عن فرض رسوم جمركية مرتفعة على شركائه التجاريين، ثم علَّق معظمها في استجابة للضغوط المفروضة على عوائد السندات، وفي أعقاب التحذيرات التي صدرت من تجار التجزئة الأمريكيين من إمكانية نفاد المعروضات على رفوفهم بسبب احتمال حدوث صدمة في الإمدادات. ومن المرجح أن تكون هناك عواقب لهذا الأمر على قطاعيَّ التمويل والتجارة، وستكون هناك آثار طويلة الأجل حتى لو تم إلغاء الرسوم الجمركية قريبًا أو في ظل وجود رئيس مختلف. ولعقود طويلة، ظلّ الدولار الأمريكي العملة الاحتياطية المهيمنة والعملة الرئيسية للمعاملات الدولية. وقد وُصف هذا بأنه «امتياز باهظ»، إذ يسمح بالاقتراض بتكاليف منخفضة ويمكّن واشنطن من ممارسة ضغوط سياسية من خلال العقوبات المالية. لكن فريق الرئيس ترامب يرى فيه مشكلة أيضًا، إذ إنه يزيد القوة الشرائية داخل الولايات المتحدة، ولكنه يرفع تكلفة الصادرات، وهو ما يُساهم في حدوث عجز تجاري كبير مع بعض الدول، ولا سيَّما الصين. لذا، هناك مبررٌ لفرض تعريفاتٍ جمركيةٍ مُستهدفةٍ وخفض قيمة العملة. ولكن أسلوب ترامب في تغيير السياسة المُتّبعة منذ زمن، من خلال التهديد بفرض تعريفاتٍ جمركيةٍ باهظةٍ للغاية، وعواقبَ سلبيةٍ أخرى على الدول التي لا تُطيع أوامره، وشن هجمات كلامية على حلفائه السابقين، وإحداث تغييرات مُتكررة في السياسات، قوّض الثقة في المؤسسات المالية الأمريكية. فقد انخفضت قيمة الدولار، الذي يرتفع عادةً في أوقات عدم اليقين، وارتفع سعر الذهب، وهو ما جعل الناس يبحون عن بدائل آمنة. ولا يزال الدولار الأمريكي هو العملة الرئيسية، حيث يُمثل نسبة 57 % من الاحتياطيات الرسمية، وفقًا لأحدث الأرقام الصادرة عن صندوق النقد الدولي، و49% من مدفوعات السويفت الدولية في عام 2024. وهذا يتجاوز بكثير حصة الاقتصاد الأمريكي من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، والتي تبلغ حوالي 26%. وكانت التغييرات التي أحدثتها إدارة ترامب مُزلزلة. ولسنوات طويلة، استغلت الولايات المتحدة امتيازها الباهظ للاقتراض بتكاليف زهيدة وتحفيز النمو، بما في ذلك الارتفاعات الهائلة في قيم الأصول. وقد أدى ذلك إلى إثراء العديد من الأسر والمستثمرين والشركات، لكنه زاد من التفاوت بين من يملكون الأصول ومن لا يملكونها. وتشهد مستويات الاقتراض الحكومية والمؤسسية ارتفاعًا ملحوظًا، مما يُشكل مصدر خطر مُتأصل على الاقتصاد الأمريكي. وعلى الرغم من رغبة الرئيس ترامب في خفض قيمة الدولار، إلا أنه يسعى أيضًا إلى الحفاظ على مكانته المرموقة. وقد هدد بالرد على من لا يستمر في استخدام الدولار كعملة احتياطية. وقد يكون من الصعب تحقيق هذين الهدفين، وهما خفض قيمة الدولار واستمرار الهيمنة المالية في الوقت نفسه، وهناك دلائل على أن سياسة التهديد قد تأتي بنتائج عكسية. ولا يوجد حاليًا بديل واحد مقنع للدولار، لكن هذا لا يعني أن الوضع سيبقى على حاله إلى أجل غير مسمى. وقد يكون هناك إعادة توازن سليمة، مع تزايد استخدام اليورو وغيره من البدائل، مع فقدان دول العالم لثقتها في صناعة السياسات والمؤسسات الأمريكية. لذا، قد يكون هناك خلل تدريجي في هيمنة الدولار، بدلاً من حدوث تحول مفاجئ. وهناك تطوران ناشئان يستحقان المتابعة يعود تاريخهما إلى ما قبل فترة الرئاسة الثانية لترامب، ولكن سياساته قد تشجع على استخدامهما على نطاق أوسع. والتطور الأول هو نظام الدفع بين البنوك عبر الحدود الصيني (CIPS). ويضم هذا النظام 160 عضوًا، وقد زاد حجم المعاملات بنسبة 80% منذ عام 2022. أما التطور الثاني فهو منصة mBridge، وهي عملة رقمية تربط البنوك المركزية في الصين وهونغ كونغ والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وتايلاند. إضافةً إلى ذلك، أصبح اليورو الآن منطقة عملة كبيرة ناضجة، وتُجرى حوالي 22% من المعاملات الدولية باليورو، مع أن هذا يشمل المعاملات داخل الاتحاد الأوروبي. ويُعادل حجم اقتصاد الاتحاد الأوروبي حجم اقتصاد الصين. ورغم أن التهديدات الصادرة عن البيت الأبيض تفوق التشجيع، وتقلبات صنع السياسات، إلا أن الثقة في المؤسسات الأمريكية قد تستمر في التراجع. وقد تساهم سياسات الرئيس ترامب في ابتعاد المزيد من المعاملات التجارية والاستثمارية والاحتياطيات بعيدًا عن الدولار، ليس في موجة مفاجئة، بل من خلال آلاف القرارات الاقتصادية على مدى السنوات القادمة.

786

| 06 مايو 2025

بين تراجع أمريكا وصعود أوروبا قطر تتوسط المعادلة

في بداية العام، بدا أنه رغم كون الأصول الاستثمارية الأمريكية، وخاصةً الأسهم، مُبالغًا في قيمتها وفقًا للمقاييس التقليدية، إلا أنه لم تكن هناك بدائل واضحة أو مُقنعة لهذه الأصول. وكان لابد من وجود مُحفز، أو مُحفزات، لتحفيز عملية التحويل الكبير للاستثمارات نحو أسواق أخرى. والآن، برزت هذه المُحفزات وهي: سياسة التعريفات الجمركية والمخاوف المُرتبطة بها فيما يتعلق بالحوكمة المالية الأمريكية. وقد تفجرت هذه المخاوف منذ «يوم التحرير» الذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتاريخ 2 أبريل، والذي تعهد فيه بفرض تعريفات جمركية مرتفعة للغاية على العديد من الدول. وقد تم تعليق العمل ببعض هذه التعريفات، ولكن بشكل عام، لا تزال هذه السياسة حمائية - وغير قابلة للتنبؤ. وفي الأسبوع الثاني من شهر أبريل، دخلت عبارة «التحول إلى الأسواق الناشئة» (EM-ification) قاموس المتداولين الماليين لوصف الاقتصاد الأمريكي، وفقًا لصحيفة الفاينانشال تايمز. وقد بدأت الولايات المتحدة، بسياساتها المتقلبة، وديونها المرتفعة، والتمجيد الشخصي لزعيمها السياسي، تُظهر سمات ارتبطت تقليديًا باقتصاد نامٍ ذي مؤسسات ضعيفة، ويمكن السيطرة عليه من قِبل زعيم يتمتع بشخصية كاريزمية. ولم يعد الاستثمار في السندات أو الأسهم الأمريكية خيارًا محايدًا وآمنًا. ولذلك، رغم أنه من غير المألوف أن يُظهر الدولار الأمريكي ضعفًا، إلا أن الجديد هو انخفاضه بالتزامن مع الانخفاض الأكثر خطورة في أسعار الأصول الاستثمارية، وبالتالي بدأ الدولار في فقد مكانته باعتباره ملاذًا آمنًا للاستثمار. وهذا وضع لم يكن يتوقعه أحد تقريبًا في الأسواق المالية قبل شهرين فقط. ولا يزال الدولار الأمريكي أهم عملة تداول واحتياطي عالمي، لكن بعض السمات التي دعمت هذا الوضع بدأت في التراجع. ولدى أوروبا فرصة تاريخية، بسبب الحاجة إلى تمويل برامج إعادة التسلح، بالنظر إلى ابتعاد إدارة ترامب عن الأمن الأوروبي، والصراع المستمر في أوكرانيا والتهديد الروسي. حيث يستعد أكبر اقتصاد في أوروبا للتوسع المالي والاقتصادي على نطاق أوسع. وقد تحسنت آفاق النمو الاقتصادي في أوروبا بشكل ملحوظ. وردًا على الحرب التجارية، توقفت الصين عن شراء طائرات بوينج، وهو ما يمثل فرصة لصناعة الطيران الخاصة بها ولشركة إيرباص الأوروبية. وقبل أكثر من عقد بقليل، تعرض اليورو لأزمة كبرى، عندما سمحت منطقة اليورو لبعض الاقتصادات، ولا سيما لليونان، بالانضمام إلى نظام العملة الموحدة رغم ضعف التقارب الاقتصادي وضعف الضوابط على الاقتراض. وكانت برامج التقشف التي أعقبت الأزمة قاسية، ولكن تم التغلب على المشاكل إلى حدٍ كبير. ويُضاهي الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي نظيره في الصين. وبالإضافة إلى عملته الفعالة، يتمتع الاتحاد بمؤسسات ديمقراطية وشركات عالمية، لا سيما في قطاعات الأدوية والخدمات المصرفية والفضاء وصناعة السيارات. وقد كان النمو في منطقة اليورو بطيئًا، ولكن من المرجح أن يكون للتحفيز المالي الألماني تأثيره. وقد تخسر الولايات المتحدة الأمريكية رأسمال بشريا ثمينا، بالإضافة إلى إمكانياتها المالية. فقد كان لهجمات الرئيس الجديد على استقلال الجامعات الأمريكية، والتخفيضات الفيدرالية في مخصصات تمويل البحث العلمي، تأثيرٌ بالغ. وكانت الولايات المتحدة الأمريكية قد تبوأت موقع الصدارة في مجال التميز البحثي، وفي استقطاب ألمع العقول من جميع أنحاء العالم، الذين أصبح بعضهم قادة أعمال في مجال التكنولوجيا المتقدمة لسنوات طويلة، ولكن هذا الوضع قد يتجه نحو التراجع. فقد أفاد استطلاع للرأي نُشر في مجلة «نيتشر» العلمية خلال شهر مارس الماضي أن 75% من الباحثين في الجامعات الأمريكية كانوا يفكرون في الانتقال إلى دول أخرى. وكانت الرغبة في المغادرة قوية بشكل خاص بين الباحثين المبتدئين، حيث بلغت النسبة قرابة 80%. وشمل الاستطلاع حوالي 1600 باحث. بالإضافة إلى ذلك، يُثير عداء نظام ترامب تجاه المهاجرين غير الشرعيين شعورًا بالخوف. في هذا السياق العالمي المتغير، تبرز أهمية أن تُعيد الاقتصادات النامية، مثل قطر، تقييم استراتيجياتها الاستثمارية والتجارية. ومع تراجع جاذبية السوق الأمريكية كمركز للاستقرار المالي والبحثي، تفتح هذه التحولات فرصًا لقطر لتعزيز شراكاتها مع أوروبا وآسيا، والاستفادة من التحول الاستثماري العالمي نحو أسواق أكثر تنوعًا وموثوقية. كما أن مكانة قطر المستقرة اقتصاديًا، وسياساتها الداعمة للتعليم والبحث والابتكار، قد تجعلها بيئة جاذبة للمواهب ورؤوس الأموال الباحثة عن البدائل الآمنة في عالم بات أقل يقينًا.

885

| 28 أبريل 2025

اقتصاد قطر في مواجهة العواصف التجارية

تتمتع قطر بوضع مالي وتجاري جيد، حيث تُصدّر الغاز الطبيعي المسال، في الغالب إلى الدول الآسيوية والأوروبية. ولذلك، فهي لا تتأثر بشكل مباشر وكبير بزيادة الرسوم الجمركية التي فرضها نظام الرئيس دونالد ترامب، خاصةً بالمقارنة مع اقتصاد قائم على التصنيع مثل الصين وفيتنام. وتواجه دول الخليج رسومًا جمركية نسبتها 10%، وتتمتع بعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة، وهي ليست من كبار مستوردي المنتجات الأمريكية. ومع ذلك، نظرًا لحجم الاقتصاد الأمريكي والزيادة النسبية في الرسوم الجمركية، ستشعر جميع الاقتصادات ببعض الآثار الناجمة عن هذا القرار، حتى بعد الإعلان عن تعليق العمل بهذه الرسوم والإعفاءات الأخيرة، يتجاوز متوسط ​​معدل الرسوم الجمركية 20%. ويُعد النفط والغاز الطبيعي المسال المصدرين الرئيسيين للصادرات في المنطقة، وهما معفيان حاليًا من الرسوم الجمركية الأمريكية، إلا أن الصدمة السلبية الناجمة عن تطبيق نظام الرسوم الجمركية الأمريكي قد أضرت بالتجارة العالمية وآفاقها، وهو ما أدى إلى انخفاض أسعار النفط. وبحلول منتصف أبريل، بلغ سعر برميل خام برنت حوالي 65 دولارًا، بانخفاض من حوالي 80 دولارًا في بداية العام. ويظل هذا أعلى من سعر التعادل لميزانية لدولة قطر، وهو 60 دولارًا للبرميل. ومع ذلك، ووفقًا لوكالة فيتش للتصنيف الائتماني، فإن قطر، التي حصلت على تصنيف استثماري AA، تتمتع باحتياطيات جيدة، ونسبة دين منخفضة قياسًا بالناتج المحلي الإجمالي، حيث تقل هذه النسبة عن 50% مقارنةً بأعلى مستوى لها عند 85% في عام 2020، بالإضافة إلى أصول كافية لتحمل جميع آثار انخفاض أسعار النفط، إلا إذا حدث انخفاض في الأسعار لفترة طويلة. وأشارت وكالة فيتش إلى ارتفاع صافي الأصول الأجنبية السيادية القطرية، والنسبة المرتفعة بشكل استثنائي لنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، ومرونة هيكل المالية العامة. وتتوقع الوكالة أن يبلغ فائض الموازنة العامة للحكومة القطرية حوالي 3.9% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، بما في ذلك دخل الاستثمار المقدر من الأصول الخارجية لجهاز قطر للاستثمار، وحوالي 0.9% بدونه. ومن بين دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى، تبدو البحرين وحدها في وضع هش، بسعر تعادل يتجاوز 100 دولار للبرميل وديون أعلى. بينما يتجاوز سعر التعادل للسعودية 90 دولارًا، لكنها دولة غنية ولديها مجال لخفض الإنفاق الرأسمالي. وقد أحرزت المنطقة بعض التقدم في التنمية الاقتصادية غير النفطية، على سبيل المثال في قطاعيّ الطاقة المتجددة والسياحة. وكانت أسواق الأسهم في دول مجلس التعاون الخليجي قد سجلت انخفاضًا حادًا في أوائل شهر أبريل الجاري ثم تعافت، بما يتماشى مع ما حدث في أسواق الأسهم الأخرى. وترتبط عملات دول الخليج بالدولار، ويرغب نظام ترامب في خفض قيمة الدولار لدعم الصادرات، وهو ما سيدعم أيضًا صادرات دول مجلس التعاون الخليجي، ولكن إذا أدت الرسوم الجمركية إلى ارتفاع التضخم، فقد يرفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة، وهو ما سيؤدي إلى ارتفاع سعر صرف الدولار. ويرتكز معظم القطاع الخاص في قطر على أنشطة خدمية داخلية مثل التجارة، الضيافة، البناء، والسياحة، وهي قطاعات لا تعتمد على التصدير. لذلك، يبقى تأثير الرسوم الجمركية محدودًا على هذا القطاع، خاصة في ظل استقرار الطلب المحلي واستمرار الاستثمارات الحكومية في البنية التحتية وتنمية السياحة الخليجية والإقليمية. أما القطاع العام، فيقود الصادرات القطرية من خلال الغاز الطبيعي، والبتروكيماويات، والأسمدة، وغيرها من المنتجات الصناعية. ومع أن بعض هذه الصادرات غير خاضعة حاليًا للرسوم الأمريكية، إلا أن أي ركود اقتصادي عالمي — خاصة في دول مستوردة رئيسية مثل بنغلاديش والهند وكوريا — قد يؤدي إلى تراجع في الطلب. ومع ذلك، فإن انخفاض مستويات المديونية في القطاع العام يمنحها مرونة عالية وقدرة كبيرة على امتصاص الصدمات الخارجية. وكان رد فعل الصين على النظام المتقلب للتعريفات الجمركية في الولايات المتحدة، ترسيخ مكانتها باعتبارها شريكًا تجاريًا أكثر استقرارًا وموثوقية من الولايات المتحدة. وقد يُسهم تعزيز التجارة بين الصين والاقتصادات غير الأمريكية في منع حدوث ركود عالمي، ومنع انخفاض أسعار النفط إلى مستويات منخفضة مستدامة، إلا أن مستوى عدم اليقين الحالي في عملية صنع السياسات يبدو مرتفعًا. ومن المقرر أن يزور الرئيس ترامب دول الخليج في منتصف مايو. وسيكون من المثير للاهتمام متابعة نتائج هذه الزيارة وأثرها على التجارة بين دول الخليج والولايات المتحدة.

567

| 21 أبريل 2025

من الجمركة إلى الفوضى المنظمة

مع الانخفاض الحاد في أسواق الأسهم عقب إعلان الرئيس دونالد ترامب في 2 أبريل عن فرض رسوم جمركية مرتفعة على الواردات الأمريكية من 185 دولة، وصلت مؤشرات عدم اليقين في السوق إلى مستويات مماثلة لتلك التي أعقبت انتشار جائحة كوفيد-19 وعمليات الإغلاق في أعقاب اندلاع هذه الجائحة. وبعد أسبوع، دخل قرار فرض الرسوم الجمركية حيز التنفيذ، بما في ذلك فرض رسوم إضافية بنسبة 50% على الصين، ليصل معدل الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات القادمة منها إلى 104%. ومع ذلك، بعد ساعات فقط من إصدار إعلانه، أعلن الرئيس ترامب مجددًا عن تعليق معظم الرسوم الجمركية المرتفعة المفروضة على كافة الدول لمدة 90 يومًا، باستثناء الصين، التي فُرضت عليها رسوم جمركية أعلى بنسبة 125%. وأعلنت الصين عن فرض رسوم جمركية انتقامية مماثلة على الواردات الأمريكية واتباع نهج جريء، مؤكدةً أنها «ستقاتل حتى النهاية». وارتفعت أسواق الأسهم مع الإعلان عن تعليق فرض الرسوم الجمركية، مع أن مستوى الرسوم الجمركية الأمريكية، حتى بعد انتهاء فترة التعليق، لا يزال عند أعلى مستوى له منذ ما يقرب من 100 عام، بمعدل فعلي متوسط يبلغ حوالي 20%. وبدأ انتعاش سوق الأسهم قبل الإعلان الرسمي، وهو ما يشير إلى وجود مستوى من التداول الداخليInsider trading. ثم انخفضت الأسهم في اليوم التالي. ويمثل هذا تحوّلاً جذريًا في الاقتصاد العالمي. فقد دعا الرئيس دونالد ترامب إلى وضع حدٍّ لسياسات التجارة العالمية الحرة نسبيًا التي سادت خلال العقود القليلة الماضية. وقبل انتقاد هذه السياسة وآثارها المحتملة، من الضروري الاعتراف بأن هناك مشاكل حقيقية تتعلق بعدم المساواة والتوازن الاقتصادي، والتي تسعى سياسة التعريفات الجمركية إلى معالجتها. وقد تراكمت اختلالات تجارية ومالية هائلة على مر السنين، حيث ارتفع معدل الاقتراض والاستهلاك في الولايات المتحدة، بينما تتبنى الدول المُقرضة، ولا سيَّما الصين، نموذجًا اقتصاديًا قائمًا على التصدير. وقد ازداد ثراء العديد من الأفراد والشركات، لكن الاختلالات وأوجه عدم المساواة ازدادا أيضًا. ورغم أنه من المهم فهم هذه القضايا، فمن غير الواضح ما إذا كانت التعريفات الجمركية الشاملة المرتفعة، وطريقة الإعلان عنها والاستمرار في تغييرها أو تعليقها، ستكون فعالة. ويتضح جليًا عدم فهم آلية عمل التجارة العالمية. ويرى الرئيس ترامب وفريقه أن تحقيق إحدى الدول لفائض تجاري مع الولايات المتحدة يُعدّ غشًا، وأن هذا التوازن أشبه بخسارة مالية في حساب الربح والخسارة، وهذا غير صحيح؛ فلن تكون الولايات المتحدة بالضرورة أكثر ثراءً لو كان لديها فائض تجاري مع جميع الدول. ومن المنطقي أن تتخصص كل دولة فيما تستطيع إنتاجه بكفاءة وفعالية، بناءً على مواردها الطبيعية ومهاراتها وبنيتها التحتية وقدراتها التجارية، وما إلى ذلك، ثم تتبادل التجارة فيما بينها. ويمكن استخدام التعريفات الجمركية الانتقائية والدعم الحكومي للتخفيف من الأثر الاجتماعي عندما يكون للميزة التنافسية لدولة ما تأثير بالغ على التوظيف في دولة أخرى. وهذا نهج مختلف تمامًا عن سياسة الرئيس ترامب. وسيقول البيت الأبيض إن اضطرابات السوق قصيرة الأجل ثمنٌ يجب دفعه مقابل تحقيق مكاسب طويلة الأجل، وأنه نتيجةً لذلك، سيتم استثمار الإنتاج الأمريكي ونقله إلى الداخل. وبالمعنى الضيق، قد يحدث هذا في بعض القطاعات فقط، ولكن السياسة تتجاهل سوق التصنيع والعمالة. وقد انهارت أسواق الأسهم لأن نموذج أعمال العديد من الشركات العالمية متعددة الجنسيات، بما فيها الشركات الأمريكية العملاقة، قد تزعزع بسبب الإعلان عن رسوم جمركية مرتفعة وواسعة النطاق. وهذا ليس رد فعل غير منطقي. وتزدهر الشركات بفعل معرفتها للقواعد ومعدلات الضرائب، وهو ما يُمكّنها من اتخاذ قرارات استثمارية ووضع خطط ميزانيات سنوية. ويُعدّ عدم اليقين في حد ذاته عاملاً من عوامل الركود. كما أن اللجوء إلى التهديدات والإغراءات يُقوّض الثقة. وقد رضخ الرئيس ترامب للضغوط الناجمة عن انخفاض أسواق الأسهم، والتحذيرات بشأن الركود، التي جاء بعضها من قادة الأعمال ومن داخل حزبه الجمهوري. ولعل العامل الأكبر وراء تغيير سياسته هو بيع سندات الخزانة الأمريكية، وما تبعه من ارتفاع في العائدات، مما زاد من تكلفة تمويل عجز الموازنة. ومن غير المألوف انخفاض قيمة الأسهم والسندات الأمريكية في آن واحد، وهو أمر قد يشير إلى تراجع الثقة في الولايات المتحدة. النظام العالمي الجديد الذي فرضه نظام ترامب، الذي يتميز بالارتفاع الواضح في التعريفات الجمركية، والانخفاض في التدفقات التجارية، والتوتر بين القوى العالمية، وسياسة حافة الهاوية، يُنبئ بأن يكون أقل استدامةً وأكثر ضررًا.

1005

| 15 أبريل 2025

اليمين الأمريكي وميلاد الفوضى المنظمة

أصيب المراقبون الذين اعتقدوا أن دونالد ترامب سيكون مقيدًا خلال ولايته الثانية في رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية كما كان الحال في فترة ولايته الأولى بصدمة قاسية. حيث يؤمن جميع أعضاء حكومته إيمانًا راسخًا بأيديولوجية «لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا»، وقد تضمنت أيامه الخمسون الأولى سلسلة من التصريحات تندرج جميعها ضمن النهج المتمثل في التوجه نحو الأيديولوجية الانعزالية والحمائية. ويرى ترامب أن السياسة في المقام الأول عبارة عن مسألة عقد صفقات، باستخدام التهديدات والإغراءات، لا الدبلوماسية أو بناء التحالفات. وينظر إلى التجارة العالمية من منظور الرابحين والخاسرين، لا من منظور الترابط. ولم يتسبب مدى عدائه لحلفاء الولايات المتحدة السابقين، بما في ذلك كندا والمكسيك وأوكرانيا والدول الأوروبية، في حدوث صدمة لقادة تلك الدول والعديد من المراقبين فحسب، بل تسبب في قلب حالة الوحدة النسبية في الدول الغربية التي استمرت لعقود طويلة رأسًا على عقب. وقد أشار بعض المراقبين إلى أن الرئيس ترامب يُعيد عظمة أوروبا بدلاً من جعل أمريكا عظيمةً مجددًا. وقد دفعت سياسته، التي تمثلت في إنهاء التحالف الغربي تقريبًا، إلى اتخاذ خطوات نحو تعزيز التعاون في التمويل، والإنفاق الدفاعي، والسياسات الأمنية المشتركة في جميع أنحاء أوروبا. ويمتد هذا التعاون الوثيق إلى تركيا والمملكة المتحدة، وهما دولتان غير عضوتين في الاتحاد الأوروبي. وقد حدث التغيير الأبرز في سياسة ألمانيا؛ فقد تغيّر نهجها تجاه الاقتراض والإنفاق العام والإنفاق الدفاعي والأمني خلال الشهر الماضي أكثر مما كان عليه خلال الثمانين عامًا الماضية (مع اعتبار ألمانيا الغربية قبل عام ١٩٩٠ وألمانيا ما بعد التوحيد وحدة واحدة، من حيث استمرارية السياسات). وفي بداية شهر مارس، اتفق المستشار الجديد فريدريش ميرتس والحزب الديمقراطي الاجتماعي على إنهاء سياسة كبح الدين التي تُقيّد الاقتراض العام، بهدف تعزيز الإنفاق على البنية التحتية والدفاع. وتتمتع الدول الأوروبية بخبرة واسعة في التصنيع والتكنولوجيا الدفاعية، وإذا تعاونت بفعالية، ستتمكن من بناء قدرات عسكرية ضخمة. لكنها تعتمد حاليًا بشكل كبير على الولايات المتحدة، ليس فقط في المعدات والأفراد المسلحين، بل أيضًا في الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع. ووفقًا لخبراء الدفاع، سيستغرق استقلال أوروبا التام عن الولايات المتحدة في القدرات الدفاعية سنوات، وليس أشهرا معدودة. وفيما يتعلق بالاقتصاد، ليس من المؤكد ما إذا كانت سياسة الرسوم الجمركية تُسهم في إعادة بناء قطاع التصنيع الأمريكي، وبالتالي الاقتصاد الأمريكي. فعلى سبيل المثال، سيُخفف بعض العبء عن منتجي الصلب الأمريكيين، وتبدو الولايات المتحدة مستعدة بشكل أفضل من الدول الصغيرة لمواجهة الحروب التجارية؛ حيث إنها تضم أراضي شاسعة ذات موارد طبيعية هائلة. ومن المفاهيم الخاطئة الشائعة افتراض أن أمريكا كانت دائمًا دولة تعتمد على نظام السوق الحرة. فعلى سبيل المثال، فرضت واشنطن رسومًا جمركية مرتفعة على الواردات في أواخر القرن التاسع عشر وفي ثلاثينيات القرن العشرين. ومن الأمور المُعقّدة في هذه الحالة استخدام الرئيس ترامب للرسوم الجمركية، أو التهديد بفرضها، باعتباره نهجًا في المفاوضات بشأن القضايا غير الاقتصادية. وعلاوة على ذلك، فقد تراجع ترامب عن مواقفه مرارًا، وهو ما يُصعّب من مسألة التخطيط للأعمال. ومن المستحيل التنبؤ بالتأثير طويل المدى لتراجع القوة الناعمة للولايات المتحدة، حيث لا يستطيع الرئيس ترامب تحقيق أهدافه في كل شيء، ودائمًا ما تكون هناك عواقب غير متوقعة للتحولات السياسية الكبرى، وضعف الثقة الناجم عن أساليب الترهيب والرشوة في العلاقات الدولية. ومن المرجح أن تُطوّر الدول المتأثرة بالرسوم الجمركية الأمريكية حلولاً بديلة. ويرغب ترامب في العودة إلى إنتاج الوقود الأحفوري، لكن بقية العالم قد يشتري ببساطة السيارات الكهربائية الصينية التي تعمل بالكهرباء المولدة من مصادر الطاقة المتجددة، وهو ما يحدث بالفعل، إلى حد ما، في دول الشرق الأوسط وبعض الدول الأوروبية. فهل سيبقى نهج ترامب؟ في الخفاء، لا تزال هناك علاقات وثيقة بين العديد من السياسيين الأمريكيين، بمن فيهم الجمهوريون، ونظراؤهم الأوروبيون، وتلوح بعض المؤشرات على كبح توجهات ترامب من حين لآخر. لذا، قد يتبين أن سياسات «لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا» مؤقتة. وحتى لو كانت كذلك، فإن بقية العالم يمضي قدمًا، وقد يجد الرئيس الأمريكي القادم أن بناء التحالفات بات أصعب من تفكيكها.

753

| 24 مارس 2025

alsharq
شعاب بعل السامة

تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما...

1269

| 23 فبراير 2026

alsharq
المتقاعدون.. وماجلة أم علي

في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم...

1026

| 16 فبراير 2026

alsharq
مرحباً بالركن الثمين

مرحبًا رمضان، رابع الأركان وطريق باب الريان. فالحمد...

885

| 18 فبراير 2026

alsharq
التحفظ على الهواتف في الجرائم الإلكترونية

لقد نظم المُشرع القطري الجرائم التي يتم ارتكابها...

834

| 16 فبراير 2026

alsharq
زاد القلوب

كلنا يعلم الرابط القوي والعلاقة المميزة بين القرآن...

657

| 20 فبراير 2026

alsharq
الموظف المنطفئ

أخطر ما يهدد المؤسسات اليوم لا يظهر في...

630

| 16 فبراير 2026

alsharq
قفزة تاريخية في السياحة

كشف التقرير السنوي لقطر للسياحة أن عدد الزوار...

516

| 22 فبراير 2026

alsharq
الجسد تحت منطق «التكميم الرقمي»

انبلاجُ الوعي اليومي لا يقدّم الجسد بوصفه حضورًا...

498

| 19 فبراير 2026

alsharq
بصمة الحضور في المدارس.. بين الدقة التقنية وتحديات الواقع

يشهد قطاع التعليم تحولاً رقمياً متسارعاً يهدف إلى...

483

| 16 فبراير 2026

alsharq
رمضان .. حين يأتي الضوء بهدوء

شهر رمضان ليس مجرد موعدٍ يتكرر في التقويم،...

477

| 17 فبراير 2026

alsharq
قطر ومجلس السلام

تُعد دولة قطر شريكاً محورياً في الجهود الدولية...

456

| 20 فبراير 2026

alsharq
القيم الثقافية والتغير الاجتماعي

تمثل القيم الثقافية منظومة من المعتقدات والأعراف والممارسات...

435

| 16 فبراير 2026

أخبار محلية