رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نحن بارعون في تأجيل الأشياء الجميلة بحجة بسيطة تبدو منطقية: «ليس هذا هو الوقت المناسب». نؤجل رحلة نريدها، وكتابًا نريد قراءته، ولقاءً نشتاق إليه، ومشروعًا نحلم به، وأحيانًا نؤجل حتى كلمة نريد قولها، لأننا ننتظر لحظة أكثر ملاءمة. وكأن الحياة ستمنحنا يومًا خاصًا، أكثر هدوءًا وأقل ازدحامًا، لنبدأ فيه كل ما أجلناه. لكن ماذا لو لم يأتِ ذلك الوقت أصلًا؟ ربما المشكلة ليست دائمًا في الوقت، وإنما في الصورة التي نرسمها له. نتخيل أن الظروف ينبغي أن تكتمل أولًا: أن نستقر، وأن نمتلك المال الكافي، وأن تختفي المشكلات، وأن يصبح مزاجنا أفضل، وأن نجد الفراغ الذي نبحث عنه. غير أن الحياة نادرًا ما تصل إلينا مكتملة الشروط. دائمًا هناك شيء ناقص، أو أمر طارئ، أو مسؤولية جديدة، أو سبب آخر يجعل البداية تبدو مؤجلة. ولهذا قد يتحول «الوقت المناسب» من فرصة ننتظرها إلى عذر نعتاد استخدامه. نطمئن إليه لأنه يسمح لنا بالبقاء في المكان نفسه دون أن نشعر أننا تخلينا عن أحلامنا. فنحن لا نقول: «لن أفعل»، بل نقول: «سأفعل لاحقًا». وبين الكلمتين مسافة طويلة قد تضيع فيها سنوات. ليس معنى ذلك أن نتجاهل الظروف أو نتخذ قرارات متعجلة. فبعض الأشياء تحتاج إلى نضج واستعداد، وبعض القرارات لا يصح أن تُتخذ تحت ضغط اللحظة. لكن هناك فرقًا بين أن ننتظر لأننا نحتاج إلى الانتظار، وأن ننتظر لأننا نخاف من البداية. والأغرب أن بعض ما ننتظره لا يحتاج إلى وقت مثالي بقدر ما يحتاج إلى خطوة أولى. فالكتاب لا يحتاج إلى حياة خالية من المشاغل كي نقرأ صفحاته الأولى، والعلاقة لا تحتاج إلى مناسبة استثنائية كي نقول كلمة طيبة، والفكرة لا تحتاج إلى ظروف كاملة كي نمنحها فرصة. ربما لا يأتي الوقت المناسب بالطريقة التي نتخيلها. وربما لا يأتي أبدًا. لكن الأيام التي نقضيها في انتظاره ليست أيامًا معلقة خارج الحياة؛ إنها حياتنا نفسها. ولعل السؤال الذي يستحق أن نسأله أحيانًا ليس: «متى يأتي الوقت المناسب؟»، بل: ماذا يمكن أن أفعل بهذا الوقت الذي أملكه الآن؟
72
| 02 أكتوبر 2026
قد لا يحتاج الإنسان أحيانًا إلى فكرة جديدة، بل إلى طريقة جديدة لقول الفكرة نفسها. فالكلمات لا تحمل المعاني فحسب، وإنما تحمل معها المشاعر، وتوقظ في النفوس صورًا، وتفتح أبوابًا من التعاطف قد تعجز عنها الحقائق المجردة. ولهذا لم تكن البلاغة في كل الحضارات زينةً للقول، وإنما كانت فنًّا لفهم الإنسان والوصول إلى قلبه قبل عقله. ويُروى أن رجلًا كفيفًا كان يجلس على درج أحد المباني المزدحمة، وإلى جانبه لوحة كتب عليها: “أنا أعمى.. أرجو مساعدتي". كان المارة يعبرون من أمامه مسرعين، فلا يقع في وعائه إلا القليل من النقود. وفي صباح أحد الأيام توقفت امرأة، ونظرت إلى اللوحة، ثم قلبتها وكتبت عبارة أخرى، ومضت في طريقها. ولم تمضِ دقائق حتى بدأ المشهد يتغير. صار الناس يتوقفون أمام اللوحة، ويضعون في وعائه ما استطاعوا من المال، حتى امتلأ بعد أن كان شبه خالٍ. وعندما عادت المرأة في المساء، سألها الرجل: ماذا كتبتِ على لوحتي؟ فقالت: «لم أغيّر الحقيقة، وإنما غيّرت طريقة التعبير عنها". وكانت قد كتبت: "إنه يوم جميل.. لكنني لا أستطيع أن أراه". القصة، سواء صحت تفاصيلها أم كانت من القصص الرمزية المتداولة، تكشف حقيقة يعرفها علماء اللغة منذ زمن طويل: ليست الكلمات سواء، وليست كل الجمل تؤدي الأثر نفسه، حتى وإن حملت المعنى العام ذاته. فالعبارة الأولى قدّمت حقيقة عن صاحبها، أما الثانية فقد جعلت القارئ يعيش التجربة معه، وينظر إلى العالم من عينيه الغائبتين. ولهذا يقرر علماء اللسانيات والتواصل أن اللغة ليست وسيلة لنقل المعلومات فقط، بل هي وسيلة لتشكيل الإدراك وبناء الاستجابة. فالإنسان لا يتفاعل مع الوقائع مجردة، وإنما مع الطريقة التي تُعرض بها عليه. ومن هنا كانت صياغة الرسالة جزءًا من الرسالة نفسها. ونلمس ذلك في تفاصيل حياتنا اليومية. فقد تفتح كلمة بابًا كان مغلقًا، وتغلق كلمة أخرى قلبًا كان مستعدًا للاستماع. وقد ينجح معلم في غرس الثقة في طالب بجملة واحدة، بينما يهدمها آخر بعبارة لا يلقي لها بالًا. وقد يصلح خلاف عائلي بكلمة اعتذار صادقة، كما قد يشتعل بسبب لفظة قاسية خرجت في لحظة غضب. وليس من قبيل المصادفة أن يحتل حسن القول مكانة رفيعة في الإسلام. فالقرآن الكريم يوجّه إلى انتقاء الكلمة قبل النطق بها، فيقول: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، ويقول أيضًا: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. فالمطلوب ليس مجرد قول الحق، بل قوله بأحسن أسلوب، لأن النفوس تفتح أبوابها للكلمة الطيبة أكثر مما تفتحها للعبارات الجافة. وفي زمن تتسارع فيه الرسائل والتعليقات والمنشورات، أصبح كثير من الناس يكتبون قبل أن يفكروا، ويردون قبل أن يفهموا، ويتحدثون قبل أن يختاروا ألفاظهم. ومع هذا الضجيج، تزداد الحاجة إلى استعادة قيمة الكلمة، لا بوصفها حروفًا تُقال، بل مسؤولية تُحمل. إن البلاغة الحقيقية ليست أن نستخدم الكلمات الكبيرة، بل أن نختار الكلمة التي تبلغ القلب بأقصر طريق. فرب عبارة موجزة غيّرت حياة إنسان، ورب خطاب طويل لم يترك أثرًا. والفرق بينهما لم يكن في الفكرة، بل في الطريقة التي صيغت بها. ولعل أجمل ما نتعلمه من تلك القصة أن الكلمات لا تغيّر العالم بالسحر، لكنها قد تغيّر الإنسان، وإذا تغيّر الإنسان تغيّر العالم من حوله. لذلك، قبل أن نتساءل عمّا نقوله، يجدر بنا أن نسأل أنفسنا: كيف نقوله؟ ففي كثير من الأحيان، لا تكون المشكلة في المعنى، وإنما في الأسلوب الذي يحمل ذلك المعنى إلى الآخرين. anaschakkalapadikkal@gmail.com
414
| 30 يوليو 2026
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها...
4614
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام...
3312
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص...
1278
| 28 سبتمبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم...
1149
| 01 أكتوبر 2026
بعد أيام من رحيل مؤسس الشركة، يجتمع الأبناء...
1125
| 29 سبتمبر 2026
كل شيء سيمر، قد تبدو هذه العبارة بسيطة،...
984
| 30 سبتمبر 2026
في الأوقات العادية، قد تبدو الاحتياطيات المالية والاستثمارات...
777
| 04 أكتوبر 2026
جاء قرار معالي رئيس مجلس الوزراء الموقر بإعادة...
756
| 29 سبتمبر 2026
•لكل مجتمع عاداته في مناسبات الفرح والحزن، لكن...
546
| 01 أكتوبر 2026
ما يجري اليوم في مضيقي هرمز وباب المندب...
528
| 29 سبتمبر 2026
لا هاتف في يده، ولا «واي فاي»، ولا...
519
| 29 سبتمبر 2026
في قلب النهضة الشاملة التي تعيشها قطر، يبرز...
501
| 28 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية