رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الدراسات الاجتماعية عيون الدول

(جون جوردون لوريمر) المسؤول الإنجليزي في الخدمة المدنية الهندية، و في أثناء عمله في الهند عام ١٩٠٣ استدعاه رئيسه ليطلب منه الإصغاء له بانتباه، مطلوب منه برفقة فريق بحثي صغير تجميع معلومات وكتيب عن ساحل الخليج العربي، وعنده من الوقت ستة أشهر لإنهاء المهمة، لوريمر ذهب للمنطقة وبسبب تعقيداتها الكثيرة أدرك استحالة إنهاء المهمة في مدة الأشهر الستة، فالمنطقة مجهولة له والدراسة يجب أن تكون دقيقة، تنقل بحماس بين قراها وبواديها وموانيها، ليستمر في بحثه مدة عشر سنوات ويخرج بعدها أهم مرجع تاريخي عن الخليج العربي والذي إلى اليوم لا يمكن الاستغناء عنه ويعرف باسم (دليل الخليج)، وللعلم فذلك الكتاب السري تسبر به أغوار المجتمع الخليجي ودقائق خصوصيته وجغرافيته والتركيبة الاجتماعية والإمكانيات الاقتصادية لمجتمع غارق في البدائية، دراسة ساعدت بريطانيا العظمى بالتمسك بقوة بالمنطقة، ليطلب فيما بعد من كل مسؤول بريطاني يرسل إليها أن يقرأ ما كتبه لوريمر ليأتي وهو على معرفة تامة بمكان عمله الجديد، لوريمر لم يقف جهده في منطقة الخليج بل تغلغل في عمق المكون البشتوني البالغ الغموض ليصدر كتابا عن القانون العرفي والمدني لدى المجتمع البشتوني، وقواعد اللغة البشتونية ومفرداتها، و من المعلوم أن الإمبراطورية البريطانية مدينة في اتساعها لهؤلاء الرجال العظام أصحاب الهمم الفولاذية، وكذلك المجتمع الإنساني محظوظ بتوفر تلك الحصيلة العلمية الرائعة والتي استمرت في أهميتها حتى يومنا هذا. * نذهب للأمام مع بواكير الاكتشافات النفطية السعودية في نهاية الثلاثينات من القرن الماضي، وبسبب حاجز اللغة أنشأ الأمريكيون الشركاء في شركة أرامكو (شعبة البحوث العربية والترجمة)، الغرض الظاهر من تلك الهيئة ترجمة جميع الوثائق العربية إلى اللغة الإنجليزية ولكن كان لها غرض بحثي مهم جدا، عام ١٩٤٤ استدعت الشركة (الدكتور جورج رينتنز) ليترأس هذه الوحدة، و هو مؤرخ أمريكي وباحث باللغة العربية، في عقده الرابع وله حصيلة أكاديمية رائعة حيث حصل على البكالوريوس في الرياضيات وعمل بشهادته، ليعود مرة أخرى بعد أن استهواه مجال التاريخ ليدرس التاريخ في مرحلة البكالوريوس والماجستير والدكتوراه، انجذب للمنطقة العربية بسبب فترة عمله في سوريا لمدة ثلاث سنوات فدرس اللغة العربية على يد أحد المستشرقين، وكانت أطروحته للدكتوراه في جامعة كاليفورنيا بعنوان (محمد بن عبدالوهاب بداية الإمبراطورية الموحدة في الجزيرة العربية)، جاء للمنطقة ويتملكه شغف كبير وحماس منقطع النظير لمعرفة التشابكات القبلية من خلال معرفة موسوعة القبائل وأنسابها وشخصيات العوائل المالكة تساهم في خدمة منظومته الاقتصادية، فوضع خطة للدراسة تختلف عن ما قام به الآخرون قبل ذلك، واعتمد على مصادر كثيرة في تدوين بحوثه مستلهما من العلماء الناطقين باللغة العربية، والمراسلين السياسيين، والتحدث مع السكان المحليين وزيارة أماكن وجود الناس، لم يغفل عن شيء يعزز دراسته حتى أنه في احد بحوثه والذي حمل عنوان (الروافد الشرقية لمقاطعة الإحساء) قام بحساب الزكاة لمعرفة ثروة دافعها، وخلُص في بحثه إلى أنه إذا أخرج أحدهم زكاة عبارة عن ماعز متوسط الحجم يعني ذلك أن صاحبها يمتلك خمسة جمال بصحة جيدة لا تستخدم في المهام السهلة، لذا من خلال الزكاة عرف بدقة عن الإمكانيات الاقتصادية الموجودة لدى الأفراد، وأخرج بحوثا رائعة أسهمت في تسليط الضوء على جوانب كثيرة في المنطقة، ترك حصيلة معرفية من الدراسات عبارة عن مجموعة أوراق وصور ومراسلات في صندوقين كلاهما بطول ثلاث أقدام وتحتفظ بهم جامعة جورج تاون بعد أن تبرعت بها ابنته للجامعة بعد وفاته عام ١٩٨٧. والغرض من تلك الدراسات الاجتماعية تعزيز قدرة السياسي في واشنطن على اتخاذ القرار الصحيح خاصة فيما يتعلق بالتعامل مع القوى المحلية أو مع الدول الاستعمارية صاحبة الأطماع والنفوذ في بعض أجزاء المنطقة وما يحدث من نقاط تماس بينهم. * عوداً على بدء فتلك الدراسات والتي تنتمي لتخصصات لا نلقي لها بالا اليوم كانت مفتاح نجاح لدول عظمى كبيرة لحفظ مصالحهم، دراسة الخريطة الجغرافية، والتوزيع السكاني وحتى طبائع بعض حكام المنطقة جانب مهم جدا لدول عظمى قررت الاستفادة من الثورة الكبيرة التي انفجرت في المنطقة وموقعها الجغرافي، للعلم تلك الدراسات بقيت ولسنوات في طور السرية وتدفع الرشاوي الكبيرة للحصول عليها إلى أن قام لها أناس أعادوا نشرها مرة أخرى، ولعل قطر كانت لها الريادة في نشر دراسة (دليل الخليج ل لوريمر) فترة حكم الشيخ أحمد بن علي رحمه الله وأعيدت طباعتها زمن الشيخ خليفة بن حمد رحمه الله وأخيراً طُبعت بشكل مميز وإضافات عززت الدراسة فترة حكم الأمير الوالد صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني حفظه الله، وهناك طبعة أخرى قام بها السلطان قابوس رحمه الله ولكنها محدودة بسبب توقف طباعتها.

1470

| 02 فبراير 2025

زاوية الرؤية بيننا وبين إسرائيل

عبر التاريخ الإسرائيلي القصير كله، وبعد كل حرب تتساقط بعض المناصب كأوراق الخريف سواء في ذلك القيادات السياسية والعسكرية، فيبتهج العرب في الطرف المقابل بذلك ويعدونه دليلاً على الهزيمة والانكسار لعدوهم، لكن حذار أن نخلط بين الأمور، فنحن هنا أمام ثقافتين مختلفتين كلياً في التعاطي مع القضايا: ثقافة الشكل، والأخرى ثقافة المضمون، ونظامين أحدهما يعلي من فكرة المؤسسة والآخر يقدس الفرد. في إسرائيل، هناك مراجعات دائمة وتزداد وتيرتها مع الأحداث، وصحافة وإعلام يعملان باستقلال تام، ومراكز للدراسات، وأصوات قوية تسمع للمعارضة، وانتخابات لا تبقي ولا تذر فتعصف بكل من يحيد عن الطريق، وسقوط الأسماء عندهم مقترن بفشل المؤسسة التي يمثلها، لذا يجب أن يغادر الشخص ويستبدل به من يحقق معايير أفضل للتطور، لا يسمو أحد على الخطأ، رئيسة الوزراء «غولدا مائير»، الزعيمة التاريخية لإسرائيل مع كل ما قدمت من خدمات جليلة للكيان، سرعان ما أقيلت عن رئاسة الوزارة وتم احالتها إلى لجنة تحقيق لأنها فشلت في قراءة القدرة العسكرية المصرية في أكتوبر عام 1973، لم يشفع لها السنوات الطويلة من النجاح المتواصل والانتصارات الباهرة، صحيح أن معركة أكتوبر بالنسبة لإسرائيل لم تغير من الأمر شيئا، ولكن البقاء للأصلح استراتيجية مهمة لبقاء الدولة، باختصار شديد، الانتماء دائما لثقافة المضمون والمؤسسة، وأن لا صوت يعلو على صوت النجاح. في الطرف المقابل، مؤسسة عسكرية أغرقت الناس بالغناء والشعارات وتمجيد القيادات، وأسكتت كل صوت معارض لها وجعلت السجن مثواه الأخير، وصحافة عليها ألف رقيب، هذه القيادة خسرت سيناء عام 1956، تلك المعركة التي تسمى حرب الـ100 ساعة، لأن شبه جزيرة سيناء وهي بمساحة 60 ألف كيلو متر مربع، احتُلت في هذه الساعات المائة فقط، كانت الإشكالية الوحيدة لدى الجيش الإسرائيلي آنذاك في عدد الأسرى الكبير ومخازن الأسلحة، لتفتخر «غولدا مائير» في مذكراتها بأنها استبدلت 50 ألف جندي مصري بجندي إسرائيلي واحد، ولم يفُتها أن تؤكد للقارئ أن أسيرهم إنما وقع في الأسر لأنه ضل في الطريق، نعم، النجاح الوحيد لدى الطرف الآخر كان في وضع القيود في يد جندي إسرائيلي وقع لديهم بالخطأ حين ضل في الطريق، وبعد تفاهمات لفض الاشتباكات بعد المعركة، أُعيدت سيناء للمصريين لتسقط مرة أخرى عام 1967، لكن في هذه المرة احتاج جيش إسرائيل عددا أقل من الساعات لاحتلالها، تمسكت القيادة المصرية بالسلطة أكثر بعد هذا الاحتلال الثاني، والغريب أنه بعد هذا الفشل الكبير للقائد نفسه نجد ان صحافتهم ومع هذه الهزيمة النكراء، بالغت بالثناء والشكر لبقاء القائد، وجعلت نجاة الرئيس معيار الانتصار في المعركة وهزيمة العدو حتى وإن خسرنا الأرض، سحروا أعين الناس بتهميش المهم، مفارقة عجيبة جداً، والأغرب أن هناك من يصدق ويؤمن بهذه الفكرة الإبليسية، مما دفع الجماهير للخروج لتطالبه بعدم تركهم في هذا الوقت العصيب، قد يقول أحدهم إنها مظاهرات مفتعلة من أجهزة المخابرات، ولكن الكثير من المتظاهرين البسطاء السكارى بالإعلام المركز خرجوا صادقين، مؤمنين إيمانا مطلقا أن تحت العباءة شيخا سوف يقلب الطاولة على الجميع في الوقت المناسب، وحتى يومنا هذا، نجد بعض الأكاديميين والمثقفين يؤمنون بتلك القدرات الفذة لذلك الفرد، وان له من الإنجازات حري ان تجّب ما تقدم من فشله وما تاخر، ويرمون كل العثرات والكوارث على الظروف والرجال الذين حوله، ونسوا أن أول بديهيات الإدارة والقيادة هي قراءة الظروف واختيار المساعدين. عودا على بدء، نخلط في الأوراق وفي صوابية اتجاه النظرة حين نعتقد أن تنحي شخص في إسرائيل هو إقرار بهزيمة، شخصياً أجده تأكيداً على نجاح باهر يتمثل في رصانة المؤسسة على حساب الفرد، وأن الأولوية عندهم الإبقاء عليها وإن غادر المئات من الأفراد، لهذا نجد في الدولة العبرية عدداً من رؤساء الوزراء يتغيرون، وصراعات انتخابية وعشرات من وزراء الدفاع والأركان، وصحافة حرة تتحدث بما تراه، يقابلهم أصحاب المناصب في الطرف الآخر ثابتون كثبات الجبال، المتغير الوحيد ألوان شعورهم من الأسود إلى الأبيض، يتغيرون بالموت أو الثورة عليهم، لهذا نجحت «المؤسسة» التي تُسمى إسرائيل، واهتز وانهزم وتلاشى بسهولة ذلك «الفرد» وإن كان على شكل دولة.

786

| 26 يناير 2025

سوريا.. التجربة المخيفة

في ظني تعد أكبر معضلة في الملف السوري عند الكثير من الدول أنها حالة فريدة تحدث لأول مرة منذ نهاية حقبة الاستعمار في الخمسينات من القرن الماضي، وبانهيار الجيش السوري تلاشت التوأمة ولأول مرة منذ زمن طويل بين الجيش والسلطة، وسقط حصان طروادة الذي لطالما وظفوه في إجهاض تجارب ناجحة بدءاً من الجزائر وانتهاء بمصر، فقد ألغى الجيش بقوته خيار الصندوق وإرادة الناس، قبل أن استمرّ في مقالي أود أن أذكر هذه المعلومة ففي عام ١٩٥٢ استقلت اليابان وبعدها بأشهر قليلة حدثت ثورة يوليو في مصر، الفرق بين الحالتين أن الجيش في اليابان خرج من عباءة السلطة، وفي مصر أصبحت المؤسسة هي السلطة وهي من تقود الجميع، اليوم في عام ٢٠٢٥ نشاهد نتائج التجربتين بين الريادة في عالم الاقتصاد والرفاهية للمواطن، وبين مجموعة ما زالت تبحث لها عن بصيص أمل في نفق مظلم طويل من دون خريطة طريق حقيقية. كل تجاربنا الثورية التي قادها العسكر أثبتت حقيقة واحدة، أن الجيش إن لم يكن في مكانه الصحيح فإننا في ورطة كبيرة جدا يدفع ثمنها الجميع، وأن تمركز الجيوش في العواصم هو خطأ على الخريطة وفي الواقع، فمكانه الصحيح على الحدود. في أحيان كثيرة نجد أننا أمام سلاح ضد الوطن لا لصالحه، لذا لا غرابة في أن الهزائم هي القاسم المشترك بين حروبهم الخارجية كلها، أما الانتصارات فقد تحققت على شعوبهم المدنية المجردة من كل سلاح يذود عنهم، وأقرب مثال لذلك ما حدث في سوريا حين انهار الجيش بعد أن حول الوطن إلى ركام وارتكب مجازر يندى لها الجبين، أما القضية التي لطالما تغنى بها وهي فلسطين فقد كان الحارس الأمين على الحدود الإسرائيلية، قصف وبقسوة إدلب وحلب وحماة وحمص والكثير من المدن والقرى واستخدم الأسلحة المحرمة والبراميل القاتلة، في حين لم يوجه رصاصة واحدة نحو الاتجاه الغربي، وجدير بالذكر أن الجيوش تلك في عبثها تتوارى خلف مبررات لشرعنة عملها، ابتداء من تحرير فلسطين وانتهاء بحفظ الوطن ورد المجموعات الإرهابية التي تريد السوء بالوطن على حسب زعمهم، المهم أن يكون له شرعية وجودية يبرر من خلالها كل ذلك التجاوز في القانون وتعطيل التنمية، وقتل الناس وتشريع قوانين الطوارئ، ولعل المشهد الأكثر سريالية كما يقال حين كان الثوار السوريون يخطفون جنوداً إيرانيين لاستبدالهم بسوريين بعضهم أطفال ونساء يحتجزهم جيش النظام السوري الذي يدعي أنه جيش وطني، ويصف نفسه بحماة الديار. * تحج الوفود اليوم إلى دمشق وتدعي أنها مشغولة بإنقاذ سوريا، ويقدمون النصائح وما يفترض أن يكون عليه النظام السياسي، صمتوا دهرا ونطقوا كفرا كما يقال، ويلوحون بعصا العقوبات إن مارس السوريين استقلالهم في اتخاذ القرار، نسوا أو تناسوا أنهم في حالة «تكويع» كبرى، أتذكرون حين خرج وزير خارجية دولة عظمى في بداية الثورة ولم يخف معاضدته للسلطة خشية أن يصل السنة العرب إلى السلطة في دمشق نعم بهذه الفجاجة والوضوح، لو كنت من سكان القمر لظننت أن السنة ٨٪؜ فقط من السكان والعلويين ٩٠٪؜ وليس العكس، والغريب أن يصدر التصريح من دولة نسبة المسلمين فيها تقارب الـ ٢٥٪؜ وليس لهم أي وجود سياسي مؤثر فيها. * الخوف من التجربة السورية ليس البعد الإسلامي لقادته ولتجربتهم الراقية جداً التي أذهلت الجميع في الثورة والحرية فحسب، ولكن أكثر ما يخشاه أعداء الحرية تقديم نموذج تنموي ناجح حقيقي، وطن متميز يعرف كل شخص فيه مكانه المناسب و يسهم في تطور بلده بحق، سوريا البلد الحضاري الرائع، صاحب التاريخ الناصع البياض، لطالما استخدم اسمها فزاعة في أيدي الكثيرين لتخويف من حولهم، «انظروا إلى سوريا، هل تريدون أن تصبحوا مثلها»، كل الإخفاقات الإدارية والسياسية تنتهى بكل سذاجة بذكر هذا المثل، باختصار هم يقصدون ارتضوا بالأمن الذي نوفره لكم وانسوا كل شيء، ذلك التوجيه يخاطب به الشعوب الجائعة والمحرومة من كل حق سياسي واجتماعي واقتصادي، اليوم تحول السلاح ضدهم وصارت سوريا مثلا لتجربة فريدة يطمح إليها كل حر، لم يعودوا يكررون هذا الاسم فقد اقترن هذا الاسم بالتغيرات الكبيرة، ما يفزعهم اليوم التفاتة شعوبهم تجاه دمشق والتماس أي خبر حول ما سيحدث فيها، لذا محاولة وأد التجربة تجرى على قدم وساق وسيبذل من أجلها الغالي والنفيس لأنها بقانون السياسة الذي يتفق مع قانون الغابة «صراع البقاء». * عوداً على بدء وبعد سنوات طويلة من عسكرة الدول، ووصول الجنرالات لسدة الحكم، نحن اليوم أمام مشهد لشجرة زرعت من سنوات طويلة ولكنها تترنح أمام عواصف التغيرات، زرعت من سنوات طويلة بيد دول لها أطماع في المنطقة، قبل أن أنهي أشير إلى أن هناك هدفا معنويا غاية في الخبث، فتلك المجموعات الساذجة في تفكيرها والمعدومة في القدرات الاقتصادية والإدارية التي قادت الدول لسنوات طويلة، تجعل الكفة راجحة لصالح طرف آخر لطالما كان هو الراعي الرئيسي لمثل هذه التجارب، يقول السياسي الكبير الفلسطيني إدورد سعيد: وقد نجحت إسرائيل على مدى طويل، لأن المساواة مع دولة إسرائيل أمر غير وارد على الإطلاق، وبأنه لا سلام إلا بالشروط التي تمليها إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، وقد ساعدت حالة التردي العربية الشاملة على ترويج هذه الأكذوبة، حيث امتصت سنوات الحروب الفاشلة، والجماهير غير المعبأة، وانتشار الفساد، حيوية مجتمعاتنا، وهي مجتمعات معوقة أصلاً بسبب غياب الديمقراطية والمشاركة، والأمل الذي تخلقه هذه المشاركة في نفوس الجماهير، ليختم إدورد ويقول: هذا الفشل اللامحدود مسؤوليتنا جميعا.

1509

| 19 يناير 2025

تجارب نجاح تم إفشالها

عام 1988 شهدت الجزائر انتفاضة كبيرة سببها عدم وجود أفق سياسي، بالإضافة إلى صعوبات اقتصادية، بعد سقوط عدد كبير من الضحايا في المواجهات، خرج الرئيس الجزائري (الشاذلي بن جديد) ليعلن أنه لن يستقيل ولن يتخلى عن السلطة، وعد في كلمته بإصلاحات عميقة ودستور جديد يسمح بالتعددية السياسية، تلك الوعود أدت إلى إنهاء سيطرة الحزب الواحد التي استمرت منذ عام 1962، بعد ذلك، انهمك المشرّعون في ترجمة خطاب الرئيس إلى واقع، مما نتج عنه دستور جديد عام 1989 سمح لأول مرة منذ الاستقلال بتعددية الأحزاب. الجبهة الإسلامية للإنقاذ وُلدت نتيجة ذلك الالتزام الدستوري، كانت مجموعة من الشباب ذوي النزعة الإسلامية الذين قدموا تصورًا لما يمكن أن يكون عليه المجتمع، قدموا خطة عمل نجحوا من خلالها في إقناع الناخب الجزائري في أول انتخابات بلدية محلية عام 1990، ليحصل الحزب على 953 مقعدًا من أصل 1539، نجاحهم نال رضا الجميع وزاد من شعبيتهم، بعدها دخل الحزب أول انتخابات تشريعية في التاريخ المعاصر لحزب ذي توجه إسلامي عام 1991، ليكتسح الجميع، بما فيهم الحزب الحاكم. الحزب فاز ضمن استحقاق ديمقراطي وبرقابة الدولة، وكان من المفترض أن ينصاع الجميع لذلك، وأن يكون الخاسر أول المصفقين للفائز حسب قوانين اللعبة الديمقراطية، لكن ما حدث كان هجومًا إعلاميًا داخليًا وتخويفًا دوليًا من ذلك الفوز، قام الرئيس بن جديد بإلغاء تلك النتائج، وقدم استقالته، وخوّل السلطة لقائد الجيش خالد نزار، بعدها، تم اعتقال قيادات المجموعة الفائزة، بل وصلت الأمور إلى اعتقالات عشوائية حتى أصبح كل ملتحٍ يخشى الخروج من منزله، حسب تعبير أحد المراسلين الأجانب، دخلت الجزائر عشر سنوات يُطلق عليها “العشرية السوداء”، سقط فيها الكثير من الضحايا. أغرب ما في القصة أن الكثيرين يحملون الإسلاميين مسؤولية ما حدث، عندما أقرأ تلك التحليلات، يرد في ذهني سؤال: هل توجد جريمة في هذا الوجود اسمها “الفوز بالانتخابات”؟ في شتاء عام 2012، احتشد المصريون لأول مرة في تاريخهم في انتخابات حقيقية، حيث كان لكل صوت قيمة، تنافس فيها طرفان: أحدهما يمثل سلطة حكمت منذ عام 1952، والآخر يمثل حزبًا أقام في السجون منذ الأربعينيات من القرن الماضي، الجو العام لثورة يناير دفع قيادة الجيش إلى الانحناء للعاصفة والقبول بذلك الاستحقاق الانتخابي. فاز محمد مرسي، وهو من حزب الإخوان المسلمين، وبرلماني سابق، وأكاديمي عمل في إحدى الجامعات الأمريكية لفترة من حياته، الفوز جاء بنسبة 52%، وهي نسبة لم تُشاهد في مصر لا قبل ذلك ولا بعده، مارس مرسي سلطته لمدة أقل من سنة، حاول خلالها تقديم وجه جديد لم يعتده المجتمع، سمح بالنقد العلني لعمله، ومارس الإعلام حريته المطلقة لدرجة التهكم على شخص الرئيس، وتقرّب من كل طبقات المجتمع، بمن فيهم الفنانون، وأرسل رسالة للجميع بأن القانون هو الفيصل. لكن أجهزة الدولة العميقة لم تتعامل معه ووضعوا العراقيل في طريقه، ومن أبرزهم الداخلية والقضاء والجيش، ارتفع صوت النقد تدريجيًا حتى وصل إلى المطالبة بإزالته من السلطة، تمت محاصرته بدعاية إعلامية ضخمة لترويع الناس من القادم ومن سيطرة الحزب الديني على الحكم، خرج الجميع خوفًا على ديمقراطيتهم الوليدة، ليتم منح الجيش الشرعية للعودة إلى المشهد، وإعادة القبضة الحديدية على الجميع، لتصبح الحرية سحابة صيف تلاشت سريعاً. تم القبض على مرسي، وعاد المصريون إلى سلطة حكمتهم منذ 1952، أصبح مرسي سجينًا، نفس المعادلة، وشاهدنا عبر الشاشات تعنيفه من القاضي وهو يحاول الدفاع عن نفسه، ليُعزل بحاجز زجاجي يمنع صوته، وفي النهاية، سقط صريعًا في إحدى جلسات المحاكمة، هنا، على خلاف التجربة الجزائرية، سأضع إجابة وليس سؤالًا: سبب كل ما حدث له هو فوزه بانتخابات نزيهة. التجربة السورية مختلفة، ويجب النظر إليها بعيدًا عن التجربتين الجزائرية والمصرية، في سوريا، وصل الثوار إلى عاصمتهم وهم يحملون بنادقهم، ولا يزال السلاح في أيديهم، تلاشى بنيان الجيش وهربت عناصر الدولة العميقة، السوريون يمتلكون كل مقومات النجاح، والأمر بأيديهم دون مزاحمة من أحد. في الجزائر ومصر، كانت سلمية الحراك عاملاً رئيسيًا في إحداث العاصفة التي أجبرت عناصر الدولة العميقة والجيش على الانحناء مؤقتًا، لكن ما إن هدأت العاصفة، عادوا ليعيدوا الجميع إلى المربع الأول، في سوريا، الوضع مختلف تمامًا. الكثير ينظر إلى التجربة السورية من خلال خبرته في الأحداث السابقة، ولا يُلامون في ذلك، الخوف عليهم من تكالب الأطراف الخارجية بسبب النزعة الدينية كان مبررًا، لكن مع مرور الوقت، تغيّر الوضع، بعد 14 عامًا من الكفاح، ومع تفويض دولي للنظام القاتل، وبعد أعداد الشهداء والجرحى والمهجرين التي وصلت إلى أرقام فلكية، ومع استخدام الأسلحة المحرمة، اكتسب الثوار نضجًا كبيرًا، أصبح لديهم خريطة طريق أذهلت الجميع، رغم الأخطار الداخلية والخارجية التي تحيط بهم. عودًا على بدء، فإن عداء العالم لأي تجربة سياسية ناجحة تقوم على مبدأ واضح لا يتغير، وليس بسبب المظاهر الدينية التي تظهر هنا أو هناك، هو حقيقة ثابتة، انحياز العالم لبشار الأسد وأبيه، رغم خمسين عامًا من القمع والفساد، وتوجيه الاتهامات للثوار في أول أيام حكمهم دليل على ذلك. بشار الأسد، بكل صوره التي لا تنتمي إلى الإنسانية، لا يزال خيارًا مفضلاً لدى الكثيرين، هذا على الرغم من جبنه، ومنظومة فساده، وانهيار جيشه، لذلك، فإن محاولة إفشال السوريين في بناء دولتهم بدأت منذ 14 عامًا، وازدادت حدتها عندما شعر السوريون بحريتهم وانتصارهم، اللحظة التي صدحت فيها التكبيرات من مآذن دمشق معلنةً نهاية كابوس أسرة الأسد. نحن أمام مجموعات تستفزها حرية شعوب الشرق الأوسط وبناء دولهم على أسس حقيقية، هذا العداء يمتد منذ 1446 عامًا، ولا يزال مستمرًا، السبب الحقيقي ليس في صلاة طلاب في حرم جامعة، أو صعود رئيس وزراء على منبر مسجد، أو استهلال رئيس خطابه بآيات من الذكر الحكيم، السبب أعمق من ذلك بكثير، والعاقبة لمن يتمسك بمبادئه ويسعى لتحقيق الحرية والكرامة لشعبه.

1095

| 29 ديسمبر 2024

لماذا تفشل الخطط الجيدة عند التنفيذ؟
لماذا تفشل الخطط الجيدة عند التنفيذ؟

في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع...

8991

| 20 سبتمبر 2026

كيف يكسب رجل الأعمال ثقة الناس قبل الصفقات؟
كيف يكسب رجل الأعمال ثقة الناس قبل الصفقات؟

قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل...

4902

| 22 سبتمبر 2026

خليجي جدة وصوت الإعلام الرياضي
خليجي جدة وصوت الإعلام الرياضي

نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز...

4296

| 23 سبتمبر 2026

من حمد الطبية إلى القطاع الخاص.. والحلقة المفقودة؟!
من حمد الطبية إلى القطاع الخاص.. والحلقة المفقودة؟!

جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية...

2955

| 24 سبتمبر 2026

الاقتصاد في خطاب سمو الأمير.. الاستقرار قبل الأرقام
الاقتصاد في خطاب سمو الأمير.. الاستقرار قبل الأرقام

ما لفتني في خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ...

2211

| 23 سبتمبر 2026

باب المندب.. خطر يحدق بالعالم
باب المندب.. خطر يحدق بالعالم

لا تكمن خطورة ما يجري في منطقة باب...

1350

| 20 سبتمبر 2026

عودة أصالة إلى سوريا
عودة أصالة إلى سوريا

شهدت دمشق الأسبوع الماضي حدثًا ثقافيًا وفنيًا استثنائيًا،...

753

| 21 سبتمبر 2026

حين تصنع الأرقام رواية أخرى
حين تصنع الأرقام رواية أخرى

أخطر التضليل الإداري لا يحتاج إلى تزوير رقم...

729

| 27 سبتمبر 2026

شرائح دماغية.. كي نلحق بالركب
شرائح دماغية.. كي نلحق بالركب

كان ظهور جهاز جديد في الماضي يعني أن...

714

| 23 سبتمبر 2026

هل آن أوان المشروع العالمي للصم؟
هل آن أوان المشروع العالمي للصم؟

في الثالث والعشرين من سبتمبر، لا يحتفل العالم...

510

| 22 سبتمبر 2026

هل تنجح دول التعاون في إنهاء حرب أمريكا وإيران؟
هل تنجح دول التعاون في إنهاء حرب أمريكا وإيران؟

الحاقا لمقالي الأسبوع الماضي في الشرق -" مستقبل...

447

| 20 سبتمبر 2026

بركة المعلّم حاضرة في أبنائه
بركة المعلّم حاضرة في أبنائه

يحظى المعلم في دولة قطر بالاهتمام الكبير والتقدير...

441

| 25 سبتمبر 2026

أخبار محلية