رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تستطع بعد الدول "متوسطة القوة" والساعية لتكون قوى عالمية ولو بعد عقود من أن تلعب على طريقة الكبار. تركيا واحدة من هذه القوى التي تمتلك المقومات المادية لتكون قوة إقليمية وعالمة ذات شأن. بدءا من الموقع الجغرافي الإستراتيجي إلى موقعها الوسطي المتقاطع مع عوالم حضارية متعددة من المسيحي إلى الإسلامي إلى السلافي إلى العالم التركي والمتوسطي وما إلى ذلك. وهي ذات عدد سكاني كبير (73 مليونا) وطاقات بشرية وصناعة معقولة قياسا إلى إلى الدول الصناعية الكبيرة. وهي إلى ذلك وريثة آخر وأكبر إمبراطورية إسلامية لم يمر بعد قرن على انهيارها أي أنها تملك "روحا" إمبراطورية تحفّزها على استعادة الأمجاد العثمانية بل أيضا الإرث السلجوقي وهما النزعتان اللتان يكرر رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان التغني بهما ومحاكاتهما حتى في ديكور غرفة مكتبه الحكومي في قصر الدولما باهتشه في اسطنبول. لكن ما بدا من سلوك تركي في السياسة الخارجية منذ أكثر من سنتين يكاد لا يمت بصلة إلى روح الإمبراطورية التي يطمح الثنائي: أردوغان ووزير خارجيته أحمد داود أوغلو لإعادة بعثها. العلاقات مع الولايات المتحدة كانت النموذج الأوضح على هذا القصور في التفكير المنسجم مع بلوغ الأهداف. منذ لحظة اندلاع الأزمة في سوريا بات كل المحللين الأتراك بمن فيهم المؤيدون لحزب العدالة والتنمية يرون خطأ في التقدير الاستراتيجي التركي تجاه تطورات الوضع هناك. إذ أن سياسة أردوغان - داود أوغلو كانت تتوقع سقوطا سريعا للنظام متجاهلة أو قاصرة عن إدراك عاملين أساسيين: الأول مدى قوة التحالفات الإقليمية والدولية للنظام، والثاني تقدير التوجهات الأمريكية تحديدا، من بين سائر القوى الغربية، تجاه الأزمة السورية. كان داود أوغلو يكرر من وقت لآخر أن تغييرات ستطرأ "قريبا" على الموقفين الروسي والصيني وأن الموقف الإيراني ليس بعيدا كثيرا عن الموقف التركي. لكن تقديرات الوزير المعروف بنظريته عن "العمق الاستراتيجي" لم تصح ولم تكن لا عميقة ولا إستراتيجية إذ كان الموقف الروسي يزداد صلابة في الدفاع عن النظام لألف سبب استراتيجي بمعزل عن موقع الرئيس السوري بشار الأسد شخصيا من المعادلة المقبلة.ولا يمكن أن ينتظر أحد ألا يستشرس الروس في الدفاع عن النظام حتى آخر لحظة ما دامت سوريا آخر موقع لهم في الشرق الأوسط وفي مياه المتوسط. أما في العلاقات مع الولايات المتحدة فلم يكن الحال أفضل في الفشل في تقدير السلوك الأميركي تجاه الأزمة السورية. لقد دعمت واشنطن المعارضة السورية ووفرت غطاء للقوى المعارضة للنظام السوري لكنها لم تكن لحظة مستعدة لتقوم بنفسها بدور مباشر لكي تسقط النظام وإن حاولت ذلك عبر مجلس الأمن. لقد كانت إدارة أوباما الأولى والثانية على نفس الموقف من ضرورة الابتعاد عن التورط المباشر في الوضع في سوريا وبالتالي عدم القيام بتدخل عسكري خارجي. إذ كانت واشنطن خارجة من حرب العراق التي ألحقت أذى كبيرا في صورة الولايات المتحدة الأخلاقية بتدمير بلد بحجج بان كذبها. ولم تكن بالتالي مستعدة لخوض مغامرة جديدة عالمية مسرحها سوريا. وجاءت الأزمة المالية لتحول دون تورط أمريكي جديد بعد تركيز الاهتمام على الوضع الاقتصادي الداخلي ودافعي الضرائب.كما أن الإستراتيجية الأميركية الجديدة باتت أولوياتها في المحيط الهادئ لمواجهة الصين وليس في الشرق الأوسط. أضف إلى ذلك أن أي تدخل عسكري أمريكي في سوريا كان سيعني حربا إقليمية وربما عالمية لم تكن أمريكا ولا تزال غير مستعدة لها. لم ير الأتراك كل هذه الصورة. لكن التراجع عن إستراتيجيتهم الخاطئة في كيفية التعامل مع الأزمة السورية كان قد فات الأوان عليها لأنهم وضعوا خطة واحدة دون أي بديل على أساس ثقتهم الراسخة بأن الاضطراب السوري سينتهي بسرعة وأن النظام سيزول بأسرع منها. لذلك كلما حدثت مشكلة عسكرية أو أمنية بين تركيا وسوريا كانت أنقرة عاجزة أو مكبلة اليدين عن الرد وآخر مثال عليها تفجيرا الريحانية واللذان أوديا بحياة 51 شخصا على الأقل واتهمت أنقرة دمشق بهما والتي سبقت زيارة أردوغان المكبل اليدين إلى واشنطن للقاء أوباما. إن تلافي الفشل في كيفية التعاطي مع أول أزمة كبيرة تواجه السياسة الخارجية التركية مباشرة كان يقتضي السعي لامتلاك فهم أعمق لطبيعة المنطقة التي خرجت منها تركيا في العام 1918 وبقيت خارجها على امتداد عقود وتريد اليوم العودة إليها من بوابة التقديرات، بل أيضا المعلومات، الخاطئة. كما كان يقتضي تواضعا أكبر في وضع أهداف تنسجم مع القدرات ومع خصائص القوى التي تحيط بتركيا ومع متغيرات النظام الدولي والتي لم تعد كما كانت لا أيام السلاجقة ولا أيام العثمانيين.
815
| 18 مايو 2013
تعكس الدساتير عادة التوجهات الأساسية للدول فيما تتضمنه من أحكام أساسية تترك للقوانين والاجتهادات والتعديلات اللاحقة مهمة توضيح وتفسير ما يكتنفها من ثوابت لا تتغير بسرعة أو نادرا.لذا لا توضع الدساتير لخمس أو عشر سنوات بل ربما لعقود. ويُراعى في وضع الدساتير أنها تعبّر عن مناخ عام يتصل بثوابت المجتمع وهويته وبالمصالح الاستراتيجية للبلد.ولا يتغير ذلك بتغير السلطة الحاكمة.وهذه مشكلة كبيرة تواجه الدول التي لا يترسخ فيها نظام ديمقراطي فعلي فتلغى الدساتير بشحطة قلم عند كل انقلاب عسكري أو عند تغير مزاج الحاكم. تركيا عرفت عبر تاريخها الحديث بأول دستور وضع في العام 1876 بجهود الصدر الأعظم المجدد مدحت باشا لكن السلطان عبدالحميد ما لبث أن انقلب على الدستور الجديد بعد عام فقط وحتى العام 1908 عندما اضطر تحت ضغط الحراك الشعبي والسياسي ليعيد العمل به.واستمر الحال على هذا النحو حتى إعلان الجمهورية عام 1923 ومن ثم إعلان دستور جديد حكم البلاد حتى العام 1960 حيث أعد الانقلابيون العسكريون دستورا في العام 1961 استمر حتى إعداد دستور آخر أعده أيضاً انقلابيو 1980 في العام 1982. دستور العام 1982 لا يزال هو الساري الآن رغم مرور أكثر من عشر سنوات على وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة والذي حمل مبدئيا أفكارا جديدة تخالف العديد من ثوابت دستور 1982.ويكفي أن دستور 1982 يوصف بدستور الوصاية العسكرية لندرك حجم الصعوبات التي تواجه إعداد دستور جديد. لقد أدخلت تعديلات كثيرة جدا على دستور 1982 وأهمها تلك التي حصلت باستفتاء شعبي في 12 سبتمبر 2010 والتي وضعت حجر الأساس لإنهاء نفوذ العسكر في السياسة. ومع ذلك فقد كانت خطوة في السياسة أكثر منها في الثوابت التي تحكم النظرات الأساسية لكل مكونات المجتمع التركي. وبعد ولايتين من حكم العدالة والتنمية بدأت ولاية ثالثة بعد انتصار الحزب في انتخابات 2011 ونيله ما يقارب الخمسين في المائة من الأصوات مقابل خمسين في المائة نالتها أحزاب المعارضة مجتمعة. وكان شعار رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان أثناء الحملة الانتخابية هو إعداد دستور جديد يعكس تركيا الجديدة. لكن بعد مرور سنتين على ذلك الوعد لم تسفر اجتماعات لجنة صياغة الدستور الجديد المكوّنة من كل الأحزاب عن نتائج عملية ولا يزال الخلاف قائما فيما بينها. الرئيس التركي عبدالله غول ربما كان قاسيا بحق جهود إعداد دستور جديد لكنه كان عارفا بصعوبة ذلك عندما قال إنه حزين لأنه لم يعد من وقت لوضع دستور جديد قبل وصول مواعيد استحقاقات ثلاثة كبيرة تحول دون العمل على دستور جديد في خضم الصراع السياسي وهي انتخابات رئاسة الجمهورية في العام المقبل وقبلها الانتخابات البلدية وبعدها في العام 2015 الانتخابات النيابية. العقبة الأساسية أمام دستور جديد هو غياب شبه الإجماع بين المكوّنات السياسية المعبرة عن الشق التركي من تركيا مقابل الشق الكردي الموحد خلف رؤية سياسية يمثلها حزب السلام والديمقراطية الكردي الممثل في البرلمان ومعه حزب العمال الكردستاني الذي يخوض حربا عسكرية ضد الدولة منذ ثلاثين عاما توقفت نهائيا مؤخرا. ذلك أن الحزبين الرئيسيين في المعارضة وهما حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية يمثلان ما لا يقل عن أربعين في المائة من الناخبين وهما يعارضان صيغ الدستور الجديد كما يقترحها حزب العدالة والتنمية ليس فقط من منظور سياسي بل أيضاً من منظور قومي يتصل بإعادة تحديد الثوابت التي وضعتها الدساتير السابقة ولاسيَّما مبادئ تعريف الهوية التركية والعلمانية وما إلى ذلك. يقف حزب العدالة والتنمية فيجد نفسه محروما من دعم نصف المعبّرين عن الهوية التركية وهو ما لا يعطيه حق التصرف بمفرده بمستقبل هؤلاء. ولقد حاول حزب العدالة والتنمية أن يغامر بالدخول بصفقة منفردة مع حزب السلام والديمقراطية الكردي لطرح دستور جديد على البرلمان لكنه يدرك جيدا حجم المخاطر من جراء تجاوز قسم كبير من القوى المعارضة له وسط المجتمع التركي نفسه. وقد يفعل حزب العدالة والتنمية حسنا،وإن مرغما، بعدم فرض دستور جديد على الشعب وسط هذه المعارضة لأن من شأن ذلك أن يبقى التوازن قائما وألا تتفرد قوة سياسية واحدة بمصير البلاد لعقود مقبلة حتى لو نال أي دستور جديد نسبة تفوق الخمسين في المائة.إذ أن الدول التي تحترم نفسها تفترض وجود شبه إجماع على دستورها إذا كان لها أن تنشد الاستقرار وألا تتغير الدساتير كما تتغير القوانين بسهولة وبسرعة. إن أكبر عقبة أمام الدستور التركي الجديد هو تحديد هوية تركيا ومجتمعها في ظل المتغيرات الحاصلة ولاسيَّما منها المسألة القومية المتعلقة بالأكراد والمسألة الديمقراطية وموقع العلمانية منها في ظل وجود حزب إسلامي التوجه في السلطة.وهو ما يجعل مهمة التوصل إلى دستور جديد كما قال عبدالله غول ميؤوسا منها في المستقبل القريب.
381
| 11 مايو 2013
ليس استشراس النظام السوري في الدفاع عن نفسه وقوة المحور الذي ينتمي إليه وليس إصرار المعارضة على الذهاب إلى النهاية لإسقاط النظام هي فقط من العوامل التي تطيل الأزمة في سوريا وتجعل من البلاد ذات الموقع الحساس والدور الاستراتيجي هدفا منهجيا للتدمير.بل إن من أهم الأسباب لاستطالة الحرب في سوريا هو غياب طرف ثالث موثوق من طرفي الصراع. ذلك أن الحرب في سوريا جعلت من جميع الدول والقوى المعنية بها طرفا مباشرا إما مع هذا الجانب أو ذاك.لم يعد للحياد مكان. الجميع متورط ومنغمس حتى أخمص قدميه.ولم ينفع روسيا أنها الوحيدة الآن القادرة على التحدث مع الجميع إذ أنها طرف حاسم أيضاً في المعركة الجارية في سوريا وعلى المنطقة وعلى مستقبل النظام الدولي. ما يذكر هنا أن تركيا كانت في السنوات التي سبقت الأزمة السورية بلدا يستطيع بدبلوماسيته أن يتنقل كالسندباد بين القوى المتصارعة في هذه المنطقة أو تلك من العالم على أساس دورها الوسيط في عدد كبير من النزاعات ومنها بين سوريا وإسرائيل.ولكن أنقرة عادت وانقلبت على مبادئ سياستها الخارجية وتحولت إلى طرف مباشر في الصراع الدائر في سوريا فباتت في مواجهة مع كل المحور الذي تنتمي إليه سوريا فيما هي أخذت مكانها في المحور الذي يريد إسقاط النظام بل بنت كل رهاناتها على حتمية سقوط النظام. لا يمكن تقرير المواقف نيابة عن الآخرين فربما تركيا ترى أن ذلك يوائم أهدافها ومصالحها القريبة والبعيدة.ولكن ما يتبين بعد عامين ونيف أن الوقائع لم تكن متطابقة مع الآمال والتمنيات. نترك من هنا ولاحقا الكلام لتقرير "مجموعة الأزمات الدولية" التي تضم رؤساء حكومات ومسؤولين عالميين،غربيين أساسا، كانت لهم خبراتهم ويجتمعون دوريا ويقدمون رؤيتهم و "نصائحهم" حول العديد من القضايا الساخنة في العالم ومن هنا جاء اسم المجموعة ذات الصيت العالمي الإيجابي. المجموعة أصدرت قبل أيام تقريرا مطولا خاصا بالموقف التركي من الأزمة السورية وكان لافتا تطابق التقرير مع العديد من التوصيفات التي قدمناها سابقا حول الدور التركي في سوريا بل أي دور لتركيا يمكن أن تلعبه لو أنها بقيت على صلة بكل أطراف الأزمة السورية ولم تتحول إلى طرف. يبدأ التقرير بالحديث عن مشكلة اللاجئين السوريين في تركيا والتي تحولت من مصدر اعتزاز إنساني إلى عبء لا يمكن لتركيا وحدها أن تتحمله بعدما قارب عدد اللاجئين في تركيا النصف مليون لاجئ بكلفة بلغت حتى الآن حوالي المليار ونصف المليار دولار. وإذا كانت الكلفة المالية يمكن تجاوزها نسبيا بدعم دولي فإن المشكلات المترتبة على وجود هؤلاء اللاجئين لا يقاس بالمال إذ لمشكلاتها انعكاسات أمنية واجتماعية وإتنية ومذهبية في المناطق التي هم فيها. وينتقل التقرير للحديث عن الخسائر التي تعرضت لها تركيا من جراء استطالة الأزمة السورية وهي ضرب التجارة وقطاع النقل في المحافظات الحدودية وغير الحدودية مع سوريا والعراق وكذلك قطاع السياحة في تلك المناطق. ولكن بيت القصيد في تقرير المجموعة هو الجانب السياسي من الموقف التركي حيث ترى المجموعة أن الموقف التركي الذي استجد لاحقا والقائم على "دعم الشعوب" والذي كان سببا لدعم المعارضة السورية لم يتحقق على الأرض. إذ لا يزال النظام موجودا ولا يبدو،وفقا للتقرير، أنه سيسقط قريبا في ظل الاستقطاب العالمي الحاصل.ويرى التقرير أن أسوأ مثال على فشل سياسة "صفر مشكلات" مع الجيران الذي رفعته تركيا كان المثال السوري. وعند الانتقال إلى التوصيات كانت المفاجأة أن المجموعة أوصت تركيا بأن تتخلى عن اعتقادها بإمكانية حل الأزمة السورية قريبا بل أن تتخلى عن أن تكون طرفا في الأزمة.وفي إشارة إلى أن تركيا لا تقدم الدعم للحلول السلمية ولا تزال تراهن على إسقاط النظام السوري بالقوة أوصى التقرير تركيا بأن تدعم مساعي البحث عن حل للأزمة عن طريق الحوار والمفاوضات. لم يكن مطلوبا من تركيا أن تقف إلى جانب النظام وهذا ما فعلته، ولا أن تتخلى عن دعم المعارضة وهذا أيضا ما فعلته.لكن انخراط تركيا سياسيا ودبلوماسيا وعسكريا على هذا النحو في الأزمة السورية لم يكن مبررا وكان حائلا دون أن تمارس تركيا دورا فقدته وكان من أسباب نجاحاتها في المنطقة وهو الدور الوسيط الذي تفتقده كل الدول وهو من أهم أسباب استمرار الأزمة السورية خصوصا في ظل عجز أي طرف من حسم الحرب العسكرية لمصلحته وانعكاسات ذلك السلبية على الدور التركي ومكانتها الإقليمية والدولية.
806
| 04 مايو 2013
يكاد يتفق معظم المحللين في تركيا على أن التوصل إلى حل للمشكلة الكردية في تركيا سيشكل انقلابا في موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط. ذلك أن هذه المشكلة عمرها يقارب أكثر من قرن وإن بدأت بالتمظهر على الأرض بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وتقسيم المنطقة العربية وفق اتفاقية سايكس بيكو في العام 1916. ومع أن المشكلة الكردية ظهرت في كل الدول التي يوجد فيها أكراد ولاسيَّما إيران والعراق وسوريا، غير أنها وصلت إلى مستويات عالية من الحدّة والاضطهاد وسفك الدماء في تركيا تحديدا بعد إعلان مصطفى كمال مباشرة تأسيس الجمهورية التركية. ومنذ ذلك الوقت عانى الأكراد كثيرا على يد النظام التركي فأنكرت هويتهم القومية وقتلوا وهجَّروا من أماكن سكناهم وأحرقت قراهم وعومل الكردي بأسوأ ما تكون عليه المعاملة. ومع تأسيس حزب العمال الكردستاني عام 1978 وما تلى ذلك من تطورات أدخلت القضية الكردية في تركيا مرحلة جديدة خرجت من أن تكون مجرد قضية محلية لتكون جزءا من اللعبة والصراعات الإقليمية والدولية وهو ما كانته فعلا أيضا المشكلة الكردية في العراق. كلما اشتد الصراع الإقليمي والدولي وظهرت التوترات كان العامل الكردي محط اهتمام واستخدام القوى المعنية. وهذا كان من عوامل عدم التوصل إلى حل للمشكلة. والجميع رأى كيف سقطت الحركة الكردية التي قادها مصطفى البرزاني في العراق على مذبح التواطؤات الدولية بعدما تفاهم شاه إيران مع النظام العراقي حينها.كما رأينا بالعين المجردة كيف أثمرت هذه التقاطعات الدولية نفسها ظهور الفيدرالية الكردية في شمال العراق بعد الغزو الأمريكي في العام 2003. اليوم تدخل القضية الكردية في المنطقة ككل دائرة الاستخدامات الدولية في هذا الاتجاه أو ذاك. الذي يبدو حتى الآن أن الاضطرابات التي تعيشها المنطقة منذ سنتين أكثر أعادت التركيز على القضية الكردية كعامل مؤثر وربما حاسم في إدارة وجهة التطورات. من هنا ظهرت فجأة إمكانية حل المشكلة الكردية في تركيا كمدخل لوضع كل أكراد المنطقة تحت المظلة الأمريكية إذا أمكن لواشنطن ذلك. والخطة الأمريكية هي أن تقدم أنقرة للأكراد في تركيا بعضا من حقوقهم الثقافية فتفتح أمام دخول أكراد سوريا في حلقة التفاهم هذه وأمام شراكة اقتصادية - سياسية بين أنقرة وإقليم شمال كردستان الكردي. لكن السعي لتشكيل تحالف تركي - كردي في المنطقة يعيد خلط الأوراق في العمق على أكثر من مستوى ويحدث انقلابا في خريطة المنطقة وأبعد من الحسابات الظرفية التي قد تنظر من خلالها تركيا. إذ إن ظهور الأكراد كقوة وكتلة موحدة يعني إعادة فرز خريطة المنطقة ليست فقط الجغرافية بل أيضا القومية والحضارية على أسس جديدة خصوصا أن الأكراد ليسوا قلة بل يقاربون مجتمعين ما لا يقل عن 25 مليونا في الشرق الأوسط.. ولهذه المتغيرات تداعيات إستراتيجية على مستوى العالم الإسلامي. لا يمكن لتركيا مثلا، أن تتجاهل هذه الحقيقة وهي أن المسار الكردي قد بدأ ولن ينتهي هكذا بحل وسطي.المارد الكردي الذي طالما سعت كل القوى لـ "ضغطه" وإدخاله في قنينة صغيرة قد خرج من القمقم ولا يمكن إعادته إلى حيث كان. إن النزعة القومية المتشددة عند الأتراك لا يمكن أيضا الركون إلى انتهائها.حتى رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان الذي يقود الحل الآن كان إلى أسابيع قليلة فقط يطلق ذروة مواقفه المعادية للأكراد ولحقوقهم الثقافية ويطالب بإعدام عبدالله أوجلان نفسه زعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل في تركيا منذ العام 1999. إذا نظرنا أيضا إلى مواقف الأحزاب السياسية الأخرى في تركيا فإنها جميعا تنطلق من نزعة قومية. وما يلفت هنا أن حزب العدالة والتنمية نفسه الذي يقود الحل كما ذكرنا هو نفسه لم يعلن بعد تفاصيل خريطة الطريق للحل. ويقول القيادي في حزب العمال الكردستاني دوران قالقان أن الحكومة التركية ليس عندها تصور محدد للحل.. وهذا يجعل من الصعب الاقتناع بأن أردوغان سيمضي بكل تصميم للحل. وهو على ما يبدو يقع بين حدّي الرغبة في كسب الأكراد كحلفاء سياسيين في معركته ضد خصومه في الشرق الأوسط وبين عدم الرغبة في إعطاء الأكراد من الحقوق ما يجعل من الحفاظ على وحدة تركيا أمرا صعبا ومفتوحا على خطر أكيد. إن تغيير خريطة المنطقة والتوازنات السياسية فيها بإعادة تموضع العامل الكردي لن يكون بمنأى عن نتائجه المدمرة لوحدة الكيانات السياسية القائمة الآن.وهي بيت القصيد فيما يمكن أن تكون عليه المواقف في المرحلة المقبلة.
494
| 26 أبريل 2013
بعد سنتين ونيف على بدء "الربيع العربي"،يكاد المشهد "الثوري" يعاكس ما كان يؤمل منه.ليس من بلد عربي عرف حراكات شعبية إلا ودخل في آتون انقسامات وفوضى والمزيد من الضعف والبلبلة والقلق على مستقبل وحدته ومصير مجتمعه. إذا كان المثال المصري نموذجا للتفتت الاجتماعي والسياسي والنموذج اليمني قابلا لتشرذم إضافي على الواقع القبلي والجهوي والمذهبي،فإن عدم الاستقرار ميزة ما تبقى من دول الثورات ومن ذلك الوضع في تونس والبحرين، فضلا عن اندثار الدولة في ليبيا الغنية بالنفط والتي لن يسمح لها بالقيام في ظل الأطماع الغربية الشديدة في نفط بات في متناولها على طبق من ذهب وبأقل جهد عسكري أطلسي. غير أن الوضع في سوريا يبدو الأخطر من بين النماذج التي ذكرنا،حيث تقاطعت تعقيدان محلية وإقليمية ودولية عكست مدى الأهمية القصوى للموقع السوري في الاستراتيجيات كافة وهو ما كان معروفا من قبل اندلاع الأحداث فيها ولكن ليس بالدرجة الكافية. إذ إن أحدا لم تصح حساباته في إمكانية سقوط النظام السوري بسرعة وفي إمكانية انهيار الجيش وانقسامه عاموديا والانقلاب على النظام.كما لم تصح توقعات بتحوّل في الموقف الروسي أساسا ومن ثم في الموقف الصيني.لقد ظهرت سوريا على أنها رقم محوري في السياسة الإقليمية والدولية. لكن استطالة عمر الأزمة كان سببا في دخول البلاد مرحلة قاسية من التدمير الممنهج لكل مقومات وحدة الأرض والمجتمع ووجود الدولة بحد ذاته.وانسحب التحلل السوري على كل ما يحيط به من دول ومجتمعات مجاورة فامتد إليها مهددا بدوره التماسك،الهش أصلا فيها.وهو ما اختبره ولا يزال كل من لبنان والأردن والعراق. يتيح"الربيع" في حركات المجتمعات ما يتيحه الربيع في الطبيعة من أمل وتفاؤل.غير أن نظرة إلى واقع الكتلة العربية واضطرابها وانقسامها وتفتتها يحيلنا إلى خلاصة قاتمة ومؤسفة لم يسبق للعالم العربي أن شهدها.وليس من مراء أن الرابح الأكبر هو العدو الإسرائيلي وقوى الهيمنة الغربية التي تجدد استعمارها للمجتمعات ونهبها للثروات بأشكال جديدة. وإذا انتقلنا من "العرب" إلى كل من إيران وتركيا لا نواجه صورة مختلفة كثيرا. فإيران التي تسعى لتكون قوة إقليمية عظمى تواجه حصارات متعددة ومتوالية اقتصاديا وعسكريا وحتى جغرافيا. وبقدر ما تستمر الاضطرابات في العراق وسوريا ولبنان تواجه إيران وضعا حرجا وصعبا يستنزف قدراتها ويقلص من إمكانية أن تلعب دورا كبيرا على الساحة الدولية بما يتناسب مع حجم الطموح الذي تتطلع إليه.ولا شك هذا مكسب إسرائيلي وغربي كبير. أما تركيا فإنها ورغم ما يبدو ظاهريا من أنها تغرد خارج السرب ولاسيَّما على صعيد التنمية الاقتصادية،غير أن معايير الربح والخسارة مما يجري في المنطقة منذ سنتين وحتى اليوم تضعها في الكفة نفسها حيث العرب وإيران.فلقد اختلت علاقات تركيا بالعديد من الدول التي دخلت معها في علاقات استراتيجية مثل لبنان وسوريا والعراق وإيران وروسيا.ومع أن تركيا في الأساس تعرّفت على جراثيم الانقسام الإثني والمذهبي قبل غيرها من الدول العربية والإسلامية ومنذ حوالي القرن فإنها تتأثر جدا بما يجري في سوريا والمنطقة العربية والإسلامية وتعرّض وحدتها ولحمتها الاجتماعية،الهشة جدا في الأساس، لمخاطر كثيرة.ونرى تركيا تُستنزف بمواردها وطموحاتها لتكون في تنافر مع أشقاء عرب ومسلمين فيما تنجح واشنطن في إعادة العلاقات إلى مجاريها بين تركيا وإسرائيل. لقد استنزف "الاضطراب الكبير" في المنطقة العربية – الإسلامية القوى الثلاث الرئيسية فيها وهي الكتلة العربية وإيران وتركيا.وهو ما يؤثر سلبا على إمكانية قيامها بأدوار مؤثرة أو حاسمة على صعيد رسم صورة المنطقة بما يخدم تطلعات شعوبها في الحرية والرفاهية والاستقلال الوطني الكامل. وإذا كان من رابح أول وأوحد فهو إسرائيل التي لم يجد الرئيس الأمريكي باراك أوباما لدى زيارته لها مؤخرا أي قلق أو حرج من تجديد الشراكة الأبدية معها من دون أن يجد من يعترض عليه ولاسيَّما في الجانب العربي. لقد استنزفت تطورات "الربيع العربي" وتكاد تحطم كلية، الأدوار التاريخية لكل من العرب وتركيا وإيران،وهم المكونات الأصلية للمنطقة في مقابل اطمئنان إسرائيل،نتيجة لتراجع تلك القوى، إلى دورها الذي لا ينازعها عليه أحد.وهو ما يجعلنا نقول أن الشعوب العربية والإسلامية لا تزال تبحث،منذ أكثر من قرن ونصف القرن، عن يقظتها التي تحييها وتجعلها رقما مؤثرا في الساحة الدولية، ولم تعثر عليها حتى الآن.
414
| 20 أبريل 2013
لا يمكن فصل التطورات المتعلقة بالمشكلة الكردية في تركيا عن التقدم في العلاقات التركية- الإسرائيلية بعد تقديم إسرائيل اعتذارا إلى تركيا. تدل هذه التطورات على مسألتين: مركزية الأزمة السورية في الصراع الإقليمي والدولي ومركزية الدور التركي في أكثر من قضية إقليمية. لقد اتبعت تركيا في العقود الماضية سياسة التحالفات من دولة إلى دولة واكتفت بالانخراط بالسياسات الأطلسية في المنطقة عبر تحالفات إقليمية ودولية مثل حلف بغداد والتعاون مع إسرائيل. غير أن الرؤية التركية إلى المنطقة تبدّلت جذريا مع وصول حزب العدالة والتنمية الذي اختار سياسة الانخراط المباشر بالصراعات ولو كانت داخل الدول. وهو ما يفسر تلك الخلافات الكبيرة التي ظهرت خلال الثلاث سنوات الأخيرة بين حكومة حزب العدالة والتنمية وعدد كبير من دول المنطقة وخارجها. وبقدر ما كانت تركيا تنغمس بمشكلات المنطقة بقدر ما كانت عرضة لمواجهة مخاطر متعددة في علاقاتها مع هذه الدول. لقد شكلت المشكلة الكردية عقدة مزمنة للأتراك. وكانت عاملا في عدم استقرار البلاد وإعاقة نموها. ومع أن النمو الاقتصادي عرف طفرة كبيرة في السنوات الأخيرة فإنه كان ليكون أكبر لو كانت المشكلة الكردية محلولة. لم تكن العلاقات التركية الغربية في أي وقت مضى قوية إلى الدرجة التي هي عليه الآن وهو ما يفسر الدور المتزايد الذي تضطلع به تركيا في المنطقة على أكثر من جبهة من سوريا إلى العراق وإيران وصولا إلى إقليم كردستان العراق. وما كان ممكنا للذهنية القومية في تركيا التي كانت تنظر إلى الأكراد على أنهم قوم من الدرجة الثانية وعاملتهم كأسوأ ما تكون عليه المعاملة الإنسانية أن تعيد النظر بهذه المعاملة وتفكر بحل ما لتخفيف ثقل المشكلة الكردية لو لم تكن دوافع التوجه نحو الحل مرتبطة بالمخططات الغربية للمنطقة التي تستخدم تركيا في مرحلة أولى أداة لتمرير السياسات الغربية ومن ثم تنقلب على تركيا نفسها على أساس أن الغرب يستخدم الآخرين وعندما تجف المياه في عروقهم يلفظهم مثل جيفة دون أسف. إن مخطط الغرب لتقسيم المنطقة لم يتوقف عند سايكس بيكو. فهاهو السودان ينقسم إلى دولتين مستقلتين وهاهو العراق يواجه المصير نفسه، ولن تتوقف حلقة التقسيم عند الشكل الجغرافي بل ستأخذ،حيث يتعذر التقسيم الجغرافي، شكل التقسيم الاجتماعي داخل البلد الواحد فيعيش في دوامة عدم استقرار دائمة كما هو الحال في لبنان. إن أفضل ما تقوم به تركيا أن تسعى إلى حل المشكلة الكردية تبعا للمصالح التركية وحاجة البلد للاستقرار والاعتراف بالآخر والعيش معه سواسية وليس وفقا لسيناريوهات غربية تطوّع أي حل لغايات لا تخدم سوى الغرب. في السياق ذاته دفع الرئيس الأمريكي باراك أوباما إسرائيل للاعتذار من تركيا لإزالة آخر عقبة أمام عودة العلاقات بين البلدين إلى طبيعتها علما أنها لم تتراجع ولاسيَّما على الصعيد الاقتصادي لحظة رغم كل الخلافات. لقد صرّح رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو أن الاعتذار الإسرائيلي مرتبط بالوضع في سوريا. أي إن مصلحة إسرائيل أن تعتذر من تركيا لكي تضمن مصالحها في سوريا خصوصا أن مسؤولا إسرائيليا قال: إن وصول الأصوليين الإسلاميين إلى السلطة(أي جبهة النصرة) هو أفضل لإسرائيل من بقاء النظام الحالي في سوريا. إن أي قضية تكون إسرائيل طرفا فيها يدفع إلى التخوف منها والتشكيك بنواياها، خصوصا إذا كان هذا متصلا بوضع في أحد البلدان العربية. وهو ما يجر إلى الحديث عن التعاون التركي الإسرائيلي في مجال الطاقة بعدما باتت إسرائيل بلدا منتجا للنفط والغاز ومصدرا لها واستعداد تركيا للتعاون معها لنقل الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا عبر خط يمر عبر تركيا. وهذا يعني تعطيل ألغام التوتر في شرق المتوسط مع كل من إسرائيل وقبرص اليونانية من جهة وتحويل شرق البحر المتوسط إلى حوض تركي- إسرائيلي بالتشارك من جهة أخرى. تكفي نظرة إلى المشهد العربي والإسلامي لندرك مدى بؤس هذا المشهد وانعدام المناعة في الجسمين العربي والإسلامي تجاه الخارج الغربي الذي لم يكتف بزرع إسرائيل غدة سرطانية فينا بل يريدنا أن نكون مساعدين له على نشر هذا الورم بحيث لا تقوم لنا قائمة.
585
| 13 أبريل 2013
عندما تُسأل بعض الأوساط الكردية في تركيا عن الأسباب التي تحول حتى الآن دون إيجاد حل للمشكلة الكردية في تركيا رغم مرور ثلاثين عاما على الثورة المسلحة وتسعين عاما على بدئها رسميا مع تأسيس الجمهورية يكون الجواب أن الأكراد لا يحاربون فقط تركيا بل النظام العالمي الذي يقف وراء تركيا. الأمر نفسه ينطبق على القضية الفلسطينية. الفلسطينيون مروا بفترات مد وجزر وقدموا تضحيات لا يقدر عليها أحد. لكن في المحصلة النهائية نرى أنه ليس فقط فلسطين 1948 قد باتت من الماضي بل أيضاً تستمر إسرائيل في الاستيطان وابتلاع الضفة الغربية وتهويد القدس وليس من يقدر على وقفها. لا الفلسطينيون بفتحهم وحماسهم ولا العرب وجامعتهم المتآكلة ولا منظمة التعاون الإسلامي التي تفتقد لأبسط خطوات التعاون والمساندة رغم أن عدد الدول المسلمة أكثر من ربع دول العالم في الأمم المتحدة. في العام 1973 وكانت الحرب الوحيدة التي حقق فيها جيشا سوريا ومصر بعض الإنجازات جاءت الدبابات الأمريكية إلى العريش وفي داخلها أطقمها الأمريكية البشرية لمنع انكسار إسرائيل. وعلى هذا تواصل إسرائيل سياسة الاحتلال والقضم والهضم ولا من "دولة" فلسطينية ولا من يحزنون. عندما نتناول المسألة الكردية في تركيا نضع أمام أعيننا التمييز بين مسار الأكراد في كل دولة هم فيها عن الدولة الأخرى. الأكراد في العراق مثلا قدموا تضحيات كبيرة ولكنها، لدى المقارنة، لم تكن بالقدر الذي قدمه أكراد تركيا. في إيران أيضاً الحلقة الأضعف للقضية الكردية وفي سوريا عددهم القليل(حوالي المليونين) ربما يحول دون أن يمارسوا دورا مؤثرا. ومع ذلك فقد نجح أكراد العراق في الحصول على فيدرالية تكاد تكون دولة مستقلة. وفي سوريا بعد بدء الأحداث فيها ربما يأمل الأكراد أن يكون لهم وضع خاص(حكم ذاتي مثلا) في الخريطة المستقبلية للبلاد. أما في تركيا فإن عدد الأكراد لا يقل عن 12 مليونا وربما أكثر وهم تقريبا يعادلون مجموع أكراد العراق وإيران وسوريا. وقد خاضوا حرب العصابات المسلحة الأخطر والأكبر والأصعب والأشرس. ومع ذلك لم يحقق أكراد تركيا حتى اليوم أي مطلب مهم لهم. فلا اعتراف بهويتهم في الدستور ولا تعلّم في المدارس بلغتهم الأم ولا منح بلدياتهم ومحافظاتهم ما يمكن أن يكون حكما ذاتيا. فضلا عن استمرار اعتقال الآلاف من أنصار القضية الكردية في السجون التركية وعلى رأسهم عبدالله أوجالان. وكلمة السر في أن تركيا،الأطلسية، مثل إسرائيل حاجة غربية لا تعوض ولا يمكن المس بوحدتها أو بما يمكن أن يؤثر على استقرارها على الأقل لسنوات كثيرة مقبلة. منذ مطلع العام الحالي تقريبا تكثفت المساعي والمفاوضات بين الدولة التركية وزعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل في جزيرة ايمرالي من أجل التوصل إلى حل للمسألة الكردية. التفاؤل سيد الموقف وليس من طرف يريد أن يظهر بأنه غير جد. لكن ما يرشح لا يعكس بأن التوصل إلى اتفاق نهائي وتطبيقه ممكن. ذلك أن الغموض لا يزال يحيط بموقف الحكومة التركية من تفاصيل المطالب التي يريدها الأكراد بحيث يخشى الأكراد أن يكون الأمر مجرد تقطيع للوقت وضمان تهدئة كردية في انتظار جلاء المسألة السورية. ويشيرون إلى ذلك بإبعاد رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان، البرلمان التركي عن القيام بدور مركزي في المفاوضات ومواكبة ما تتطلبه من مواقف وتشريعات وتغيير قوانين واضطلاع البرلمان بدوره هو مطلب مهم للأكراد في هذه المرحلة. وينتقد قادة حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل تشكيل ما سمي "لجنة حكماء" من قبل أردوغان لتواكب عملية الحل وهي مؤلفة من شخصيات إعلامية وأكاديمية وفنية ونقابية، ويرون أنها منحازة وتعمل على الترويج لخطاب وذهنية حزب العدالة والتنمية. كما أن هذه اللجنة لا صلاحية لها تقريرية فيما المطلوب دخول البرلمان على الخط. ليس واضحا ما ستقدمه الدولة للأكراد وليس محسوما أن حزب العمال الكردستاني يمكن أن يمضي حتى النهاية في أي انسحاب لمقاتليه من داخل تركيا من دون ضمانات قانونية. وإذا كانت كل خطوة ستستغرق أشهرا ويتم الدوران حولها دون توقف فإن الآمال التي علقت على عملية الحل الجديدة قد لا تكون في محلها خصوصا أن صحيفة "أوزغور غونديم" الموالية لحزب العمال الكردستاني والصادرة باللغة التركية في تركيا شككت في مقالة لأحد كتابها بنوايا حزب العدالة والتنمية وقالت إن الحزب لا يريد حل المشكلة الكردية في تركيا بل حل حزب العمال الكردستاني. ويمكن لأنقرة، بمعزل عمن هو في السلطة، أن تساوم وأن تماطل وأن تؤخر ما تشاء حل المشكلة الكردية ما دام النظام العالمي الأمريكي وراءها، كما هو وراء إسرائيل، وقد تزداد الأمور تعقيدا على الأكراد بعد المصالحة التركية الإسرائيلية والأسوأ أن يفرض على الأكراد في تركيا حل لا يلبي الحد الأدنى من تطلعاتهم فتذهب تضحياتهم أدراج الرياح ولو لفترة محدودة. مع ذلك فإن "دفق التاريخ" لن يتوقف على المسار الكردي في الشرق الأوسط ومنه في تركيا، قبل ظهور "كردستان الكبرى" ولو بعد قرن.
367
| 06 أبريل 2013
الثابت في العلاقات التركية- الإسرائيلية هو التعاون والتنسيق والتحالف فيما الاختلاف والخلاف والتباين هو الاستثناء. الاعتذار الإسرائيلي لتركيا قبل أيام برعاية الرئيس الأمريكي باراك أوباما أظهر المدى المحدود الذي يمكن أن يذهب فيه أي توتر بين البلدين. ولو استعرضنا باختصار وفقا لرسم بياني العلاقات بين البلدين لوجدنا أنها الأقدم بين إسرائيل وبلد مسلم.وفي حين كانت تركيا مثلا تخفض مستوى تمثيلها الدبلوماسي عام 1956 في تل أبيب من رتبة سفير إلى رتبة سكرتير أول كانت العلاقات الأمنية والعسكرية والاقتصادية تصل إلى ذروتها في تلك الفترة.وحين كان رئيس الحكومة التركي نجم الدين أربكان يحمل فكرا معاديا لإسرائيل كانت تركيا وإسرائيل توقعان في العام 1996 الاتفاق العسكري الأضخم والأخطر بين البلدين. وحين كان رئيس الحكومة الحالي رجب طيب أردوغان يصف ممارسات إسرائيل بإرهاب الدولة كان الرئيس التركي عبدالله غول يتيح لبيريز ليكون أول رئيس إسرائيلي يلقي خطابا أمام البرلمان التركي.ورغم حادثة مرمرة التي كانت في أساس الاعتذار الإسرائيلي الأخير كانت العلاقات الاقتصادية تعرف صعودا من مليارين ونصف المليار دولار عام 2009 إلى أربعة مليارات ونصف المليار دولار عام 2011 ولا تزال قوية حتى الآن. إن أحد أبرز الأسباب التي تجعل العلاقات التركية الإسرائيلية قائمة وثابتة ومزدهرة ومشتركة في المصالح والأهداف أن الجيوبوليتيك التركي بعد انتهاء الدولة العثمانية في العام 1918 قد تم الإمساك به من جانب القوى الغربية.لقد صارع مصطفى كمال أتاتورك وتحت الراية الإسلامية بين عامي 1919 و1922.ولكن عندما كانت المفاوضات في لوزان تدخل مراحلها الحاسمة كانت تركيا المولود الذي يخرج إلى الحياة بحدوده الحالية، فقط بفضل "القابلة" الغربية، الإنجليزية تحديدا.ورغم تعاقب حكومات مختلفة على السلطة في تركيا بعد الحرب العالمية الثانية لم يتغير المسار العام للسياسة الخارجية التركية لتكون في الموقع نفسه مع السياسات الغربية والإسرائيلية ولا يغير من هذه الحقيقة بعض المواقف العاطفية التي لا ترقى إلى مستوى الفعل والمواجهة.وسواء كان الحكم في تركيا عسكريا أو علمانيا أو إسلاميا فإنه لم يستطع أن يعيد تركيا إلى هويتها المشرقية. لقد نجح الغرب في فرض شروطه على تركيا لدى نشوئها في العام 1923 وبعد الحرب العالمية الثانية كبّلها بأكبر قيد عرفته حتى الآن وهو العضوية في حلف شمال الأطلسي. ومن ثم رمى لها صنارة الاتحاد الأوروبي.ولقد صاغ الغرب الايدولوجيا التركية في اتجاه أن تكون على نزاع مع محيطها.فالعلاقات مع روسيا علاقات تنافس وتوتر وكذلك مع إيران أما مع سوريا فكانت الحكاية الأكثر إثارة.من بلد عدو على مدى نصف قرن إلى شريك استراتيجي لسنوات أربع أو خمس لتعود سوريا في صيف العام 2011 بلدا عدوا. يأتي الاعتذار الإسرائيلي عن حادثة سفينة مرمرة ليعيد العلاقات بين تركيا وإسرائيل إلى طبيعتها بعد توقف قسري امتد لسنتين ونيف.ولكنه توقف سياسي وليس أمنيا ولا عسكريا ولا اقتصاديا.اعتذار واحد كاف ليعود التعاون الاستراتيجي إلى ما كان عليه على امتداد ستين عاما.ومع أن البعض يرى في الاعتذار هزيمة معنوية لإسرائيل غير أنه لا يمكن اعتباره كذلك أبداً على أرض الواقع.فمقابل اعتذار معنوي تكسب إسرائيل عودة علاقات استراتيجية مع دولة مسلمة كبيرة وقوية وموجودة في منطقة تشكل المجال الحيوي الرئيسي لإسرائيل أي الشرق الأوسط وشرق المتوسط وفي لحظة إقليمية ودولية ساخنة جدا. وإذا كان الأتراك يعوّلون كثيرا،بعد الاعتذار وعودة العلاقات مع إسرائيل، على إمكانية التأثير على الحكومة الإسرائيلية في الشأن الفلسطيني،فإن جميع العرب والمسلمين سيكونون ممتنين لتركيا إذا استطاعت أن تحصل من إسرائيل تراجعا ولو قيد أنملة لوقف الاستيطان وتهويد القدس والانسحاب من الضفة وفك الحصار(وليس مجرد تخفيفه) عن غزة،وإطلاق سراح الأسرى الذين يعدون بالآلاف.لكن الخوف،وهو في محله، أن يكون الاعتذار الإسرائيلي بداية مرحلة من التعاون العميق بين تركيا وإسرائيل يكون ضحيته،في لعبة الأمم، العرب والفلسطينيون أولا وأخيرا والتاريخ لا يكذّب ذلك.
621
| 30 مارس 2013
يتقدم الأكراد في تركيا بحماس شديد إلى مرحلة إقامة سلام مع الدولة التركية. ولم يسبق لهم أن كانوا على هذا القدر من التفاؤل، وهم ربما يكونون في رهان قد لا يتكرر. رسالة "السلام المشرف" التي أطلقها بالأمس زعيمهم عبد الله أوجالان من ديار بكر، والتي تليت عنه كونه مسجونا منذ العام 1999 كانت تعبيرا عن الرغبة العارمة في أن يشهد المجتمع الكردي سلاما وطمأنينة افتقدها لسنوات، بل لعقود. لم يتعب الشعب الكردي في تركيا من الحرب والدم، ولكنه لا يريد أن يفوت فرصة الخروج من هذه الدوامة. الفرصة التي تلوح هي استعداد رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان وبالتالي حزب العدالة والتنمية لتلبية بعض مطالب الأكراد مقابل تخلي حزب العمال الكردستاني عن السلاح وتفكيك بنيته المسلحة وعدم الانفصال في كيان سياسي عن الدولة، كما حدث في العراق بالنسبة لشمال كردستان. المقايضة المقترحة قد تبدو معقولة وقابلة للتطبيق إذا ما التزم بها الطرفان في مراحل تطبيقها. أردوغان يريد من وراء هذه المقايضة أمرين أساسيين، الأول هو تعديل الدستور لإقامة نظام رئاسي يمكنه من أن يستمر في حكم تركيا لعشر سنوات مقبلة، كرئيس للجمهورية هذه المرة، ليستكمل التغيير الذي بدأه ويحسم نهائيا الصراع مع العلمانيين ويؤسس لتركيا مستقرة قادرة على القيام بأدوار إقليمية وعالمية وتعديل الدستور غير ممكن دون دعم النواب الأكراد كون الأحزاب المعارضة الأخرى ترفض الانتقال إلى نظام رئاسي. والهدف الثاني هو تعطيل العامل الكردي من أن يكون عامل ضغط على تركيا في هذه المرحلة الحساسة والخطيرة من التطورات في المنطقة وفي سوريا تحديدا. بل إن أي تسوية مع أكراد تركيا ستتيح تأثيرا على أكراد سوريا ليلتحقوا بركب هذه التسوية كون الغالبية العظمى من أكراد سوريا تؤيد أوجالان وتلتزم بتعليماته. لكن مفارقة تبدو حتى الآن وهي أن الأكراد ولاسيَّما عبر أوجالان بالذات يتكلمون كثيرا ومنذ أكثر من شهر حول توقعاتهم من الدولة التركية وما يمكن أن يكون خريطة طريق لحل المشكلة الكردية. فيما تلتزم الدولة التركية ما يشبه الصمت أو يكتفي أردوغان بتصريحات عامة غامضة من قبيل أنه سيحل المشكلة الكردية حتى لو تجرع سم الشوكران، وهو نبات شديد السمومة، من دون أن يوضح لا هو ولا أي من مسؤولي الحكومة أي تفاصيل عن ذلك. قد يكون التزام الصمت أحد شروط نجاح المفاوضات، لكن تصريحات أوجالان قبل يومين من مهرجان ديار بكر الذي أعلن فيه وقف النار والدعوة لسلام تاريخي ومشرف قد لا تجعل مسار المفاوضات والتطبيق مضمونا. فأوجالان يقول إنه أخذ على عاتقه ما يتوجب لحل المشكلة، لكن على البرلمان والحكومة القيام بما عليهما وألا يفوتا هذه الفرصة. مردفا: إن حزب العدالة والتنمية قد غير من رؤيته إلى المسألة الكردية وأصبح أكثر جديا لكن في الوقت نفسه "لست واثقا تماما مما سيفعله". لا شك أن عدم الاطمئنان الكامل هذا أمر طبيعي لمشكلة عمرها من عمر الجمهورية، أي منذ العام 1923 وعانى منها الأكراد على يد الدولة التركية ما لم يعانه شعب في التاريخ ما عدا الفلسطينيين، على يد الكيان اليهودي الغاصب. لذلك من الطبيعي وجود شكوك لدى الأكراد والتحذير من أفخاخ يمكن أن تنصب لهم وتحملهم مسؤوليات فشل المفاوضات أو أن تكون المفاوضات مجرد جس نبض من الطرفين لمعرفة إلى أي مدى يمكن أن يصل إليه الطرف الآخر في تقديم التنازلات حتى إذا لم تناسب تطلعاته قام بتعطيلها ونسفها لسبب أو لآخر. تحتاج تركيا وكل المنطقة العربية والإسلامية إلى السلام والاستقرار واعتراف كل هوية بالهويات الأخرى بعيدا عن لغة الدم والعنف والإنكار والتطهير العرقي والديني والمذهبي. تحتاج تركيا وكل المنطقة إلى ميثاق سلام وتعايش ديمقراطي حقيقي لتكون سيّدة نفسها وفي منعة كافية لمقاومة سياسة الهيمنات الغربية وإسرائيل على مقدراتها. وكلما كان البيت الداخلي قويا سهلت مقاومة الخارج بكل أطماعه. وتتسع هذه الأرض لجميع مكوناتها الأصلية وأقلياتها، وفي مقدمتهم الأكراد الذين يستحقون الحياة بكرامة وحرية ومساواة. الكرة كانت دائما لدى أنظمة الإنكار والصهر، واليوم أيضا الرسالة من ديار بكر، لكن الكرة في ملعب أنقرة.
612
| 23 مارس 2013
بادر حزب العمال الكردستاني بالأمس إلى تسليم ثمانية من الموظفين الأتراك الذين كان اعتقلهم في العام 2012 في خطوة ملموسة ومحددة لما يتداول حول سيناريو حل تم وضع بعض ملامحه في المفاوضات بين الدولة التركية وزعيم الحزب المعتقل في جزيرة إيمرالي عبدالله أوجالان. الخريطة المتوقعة هي أن يعلن أوجالان في الأسبوع المقبل وربما بنفسه وبالصوت والصورة إعلان تجميد العمليات العسكرية بمناسبة عيد النوروز لدى الأكراد.ويلي ذلك خطوات مقابلة من الدولة التركية مثل إقرار تعديلات في القوانين تتيح إطلاق سراح بعض المعتقلين الأكراد.وفي النهاية تتحقق خطوات متتالية ومتزامنة تتضمن بنود الحل المقترح وهو انسحاب المقاتلين الأكراد من الداخل التركي إلى شمال العراق.وإعلان ترك السلاح نهائيا مقابل إطلاق سراح كل الأكراد المعتقلين وإجراء تعديلات دستورية تعترف بالهوية الكردية والتعلم باللغة الأم ومنح ما يشبه الحكم الذاتي للأكراد وإقرار الانتقال في الدستور الجديد إلى نظام رئاسي يتيح لأردوغان أن يصبح رئيسا للجمهورية في العام 2014 بصلاحيات مطلقة لخمس سنوات قابلة للتجديد.تتوج العملية بإطلاق سراح أوجالان ليقود النضال الكردي سلميا هذه المرة وبالتفاهم الكامل مع رجب طيب أردوغان. التفاؤل سيد الوضع في تركيا.وليس من مواقف يمكن اعتبارها استفزازية أو مخربة للعملية.لكن الأسئلة كثيرة فيما إذا كان الأتراك مستعدين فعلا لتلبية ما يريده الأكراد؟ أم أن الشيطان يكمن في التفاصيل؟وهل الأكراد بدورهم مستعدون للقبول بالمتيسر على قاعدة أن القليل خير من الحرمان؟ قد لا يهم الأكراد كثيرا شكل النظام السياسي في تركيا أكان برلمانيا أو رئاسيا فما يعنيهم هو حصولهم على حقوقهم وهي فرصة تاريخية لهم لتحقيق مطالب مزمنة. لكن مما يظهر حتى الآن أنه ليس من خريطة طريق محددة ونهائية.وأن الاحتمال مفتوح على خطى السلم والحرب.فليس واضحا ماهية الحكم الذاتي الذي سيمنح للأكراد هل هو فعلا حكم ذاتي أم مجرد توسيع لصلاحيات البلديات والمجالس المحلية خارج أي "كيانية" سياسية ما.وهل ستكون اللغة الكردية(إلى جانب التركية) لغة أساسية في التعلم أم أنها ستدرج بصفتها اللغوية الصرف فيما يبقى التعليم فقط باللغة التركية؟وهل سيدرج فعلا الاعتراف بالهوية الكردية في الدستور أم سيتم التوصل إلى صيغة سلبية لا تشير إلى الهويتين؟ وفي المقابل هل يوافق الأكراد على التخلي عن السلاح ومحاربة الدولة مقابل تسوية لا تلبي بالكامل مطالبهم المزمنة؟أم أنهم سيقبلون بما تيسر على قاعدة القليل خير من الحرمان وعلى أساس إطلاق سراح أوجالان والمعتقلين المؤيدين له؟ وعلى أساس أن التسوية المقترحة هي محطة في مسار طويل سينتهي إلى الدولة المستقلة على غرار دويلة أكراد العراق؟وهل سيقبلون أن يكونوا مجددا بيدقا في اصطفافات إقليمية ودولية تعرضهم لمخاطر من هنا وهناك؟أم سيولون مصالحهم القومية أولوية ويرفضون أن يكونوا أداة في أي لعبة على ظهرهم؟ وما هو دور وموقف المعارضة التركية العلمانية والقومية؟وهل يضمن أردوغان ألا تتحول خطة التسوية المقترحة إلى حالة انفصالية ولو بعد سنوات أو عقود فينقلب السحر على الساحر؟وما هو دور القوى الدولية وفي مقدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل؟وإذا كان الغرب وواشنطن تحديدا تقدّر دور الحليف التركي في تطبيق السياسات الغربية في المنطقة، فهل ستسمح له بتجاوز السقوف المرسومة لدوره؟خصوصا أن تركيا دولة مسلمة؟أم أن واشنطن قد تغطي هذا المشروع إذا كانت متأكدة من أنه يستهدف في النهاية إضعاف النفوذ الإيراني؟وما هو موقف القوى الإقليمية من مجمل ما يجري؟أسئلة كثيرة ليس من إجابات حاسمة عليها وتترك "عملية إيمرالي" في دائرة من الغموض والتجاذبات والمفاجآت و... شيطان التفاصيل في "لعبة كبرى" جديدة تشهدها المنطقة.
384
| 16 مارس 2013
المفاوضات التي تجري بين الدولة التركية وزعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان والتي تعرف بـ"عملية إيمرالي" نسبة لاسم الجزيرة في بحر مرمرة التي يعتقل فيها أوجلان، تواكبها موجة كبيرة غير مسبوقة من التفاؤل لدى الطرفين التركي والكردي. ولعل السبب الأساسي لهذا التفاؤل أن الحكومة التركية تقارب المسألة الكردية ولو نظريا حتى الآن للمرة الأولى بطريقة تتجاوب مع قسم كبير من المطالب الكردية الأساسية المتصلة أساسا بالهوية الكردية. لقد كانت الكرة دائما عند الدولة التركية فهي الجهة القادرة والتي تمسك بزمام المبادرة. ولكن لا يمكن إغفال العديد من المخاطر والمحاذير التي تحفّ بعملية إيمرالي بشكل يخشى أن يكون تشييع هذا القدر من التفاؤل أمرا مقصودا لتحويل الفشل في حال حصوله إلى كارثة على جميع الأطراف. ذلك أن مقاربة الحكومة التركية الجديدة مفاجئة وتحمل على شكوك كثيرة. إذ لا يمكن أن تغير الحكومة نظرتها هكذا خلال أيام معدودة من عداء ورفض كامل للمطالب الكردية إلى قبول شبه شامل لها. وهي ليست قضية تتصل بسعر الصابون أو الخبز أو حتى النفط لتتغير النظرة وفقا لتغير المعطيات. بل هي قضية إستراتيجية تتصل بشعب وهوية شعب وبحساسيات تاريخية ومخاطر جغرافية وأبعاد إقليمية ودولية وتعقيدات على أكثر من مستوى. إذ كيف يمكن خلال أسبوع واحد أن تتغير نظرة رئيس الحكومة من رفض التعليم باللغة الكردية وإنكار وجود قضية كردية والمطالبة بإعدام أوجلان واعتبار حزب السلام والديموقراطية الكردي امتدادا "لإرهابيي" حزب العمال الكردستاني ، إلى موقف نقيض بالكامل؟ لقد شاع أن أردوغان مستعد لمثل هذه التسوية- الصفقة من أجل تمرير تبني نظام رئاسي يحتاج إلى أصوات النواب الأكراد لكي يحال التعديل الدستوري إلى استفتاء شعبي. فهل يمكن أن تبلغ "الحسابات الإستراتيجية" المتصلة بقضية بالغة الحساسية من أجل تمرير نظام رئاسي تمكّن أردوغان من الاستمرار زعيما لتركيا عشر سنوات أخرى كرئيس للجمهورية بصلاحيات مطلقة؟ إلى ذلك فإن الموقف الغربي والأمريكي تحديدا موضع تساؤل. صحيح أن الأمريكيين أطلقوا إشارات دعم لعملية إيمرالي لكنها لم تكن حاسمة وأحيانا كثيرة غامضة. فالجميع يعلم أن الموقف الأمريكي من القضية الكردية في تركيا مهم جدا إذ أن الاستخبارات الأمريكية كانت شريكة في اعتقال أوجلان عام 1999 لكن واشنطن نفسها حالت دون أي محاولة تركية لتصفّي حزب العمال الكردستاني في منطقة جبل قنديل في شمال العراق، واللجنة الثلاثية التركية- الأمريكية – العراقية لمكافحة الإرهاب لم تتقدم بوصة واحدة في مسألة تواجد الحزب في قنديل على امتداد عشر سنوات من وجود الاحتلال الأمريكي في العراق. هذا الكلام لا يفيد أن حزب العمال الكردستاني موجود بإرادة أمريكية. لكن معظم اللاعبين حتى في الداخل التركي ينظرون إلى حزب العمال الكردستاني على أنه ورقة يمكن استخدامها في أكثر من اتجاه. لا شك أن الحزب يستفيد من تناقض مصالح القوى الأخرى ليرسخ وجوده ومعركته ضد الدولة التركية لكن طبيعة المشكلة الكردية في تركيا مرتبطة جدا بطبيعة التحالفات الإقليمية والدولية. هنا بالذات يكتسب الموقف الأمريكي أهمية إذ أن التباين في المواقف بين واشنطن وأنقرة بات يتسع في أكثر من ملف بحيث لا يمكن أن تساعد الولايات المتحدة في حل ملف المسألة الكردية في وقت يستمر الخلاف بين تركيا وإسرائيل حيث امتعاض أمريكي من عدم التقدم لتطبيع العلاقات بين البلدين وقد ازداد الانزعاج الأمريكي من تصريحات لأردوغان حول الصهيونية واعتبارها جريمة ضد الإنسانية وكانت سببا في فشل محادثات جون كيري في أنقرة الأسبوع المنصرم الذي لم يعكس تأييدا واضحا لعملية إيمرالي. كذلك لا تبدي واشنطن ارتياحا لموقف تركيا من حكومة نوري المالكي وإتباع أنقرة سياسات لا تحترم وحدة العراق وحكومته المركزية. كذلك هناك تباين في كيفية معالجة الأزمة السورية حيث تدفع تركيا في اتجاه الحسم العسكري فيما أمريكا مترددة كثيرا قبل وضوح البديل المستقبلي وحتى لا تقع سوريا في قبضة قوى أصولية تعتبرها واشنطن تهديدا لها. أكثر ما يخشى أن يكون تغير موقف الحكومة التركية من أوجلان والأكراد عموما هو لحسابات سياسية محلية ضيقة وليس لقناعة بضرورة إقامة دولة المواطنة الفعلية. ذلك أن عدم الاندفاع في حل لا يحمل تغييرا استراتيجيا في الرؤية وما يتطلبه من تعاون القوى الإقليمية والدولية يدفع في اتجاه القلق من انعكاسات أكثر خطورة لأي فشل يمكن أن تواجهه عملية إيمرالي وتدفع تركيا ثمنه من وحدة أراضيها.
802
| 09 مارس 2013
تذكّر المفاوضات الجارية الآن بين الدولة التركية وعبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل في جزيرة ايمرالي التركية والتي يطلق عليها اصطلاحا "عملية ايمرالي" بتلك التي جرت قبل عشرين عاما بالضبط بين أوجلان نفسه وكان لا يزال مقيما مع مقاتليه في لبنان وبين الرئيس التركي الراحل طورغوت أوزال. حينها أعلن أوجلان من طرف واحد في مارس من العام 1993 وقف إطلاق النار لمدة شهر ما لبث أن أعلن تمديده شهرا آخر قبل أن توافي المنية المفاجئة أوزال الذي يعتقد أنه مات مسموما. واعتبرت تلك المفاوضات والإجراءات بداية مرحلة جديدة لحل المسألة الكردية خصوصا أن أوزال كان منفتحا على حل المسألة الكردية واتخذ بعض الإجراءات النفسية مثل السماح ببث وبيع أغان باللغة الكردية خصوصا أن والدة أوزال كانت كردية بما يعني أن دما كرديا كان يجري في عروقه. لكن "الدولة العميقة" كانت أكبر من أوزال الذي كان حزبه خسر السيطرة في البرلمان والحكومة ولم يتبق له سوى رئاسة الجمهورية المحدودة الصلاحيات. انهار وقف النار وعاد الصراع المسلح في التسعينيات التي شهدت أسوأ مراحل تركيا الدموية. اليوم مع "عملية ايمرالي" تختلف الظروف من دون أن تختفي التساؤلات والحذر. رجب طيب أردوغان اليوم ملك تركيا بدون منازع. يسيطر حزبه على كل الدولة: البرلمان والحكومة ورئاسة الجمهورية ويهيمن على كامل المؤسسات القضائية والتعليمية والاقتصادية. والأهم أنه لا توجد "دولة عميقة" بعدما فكك أردوغان غالبية عناصرها وأهمها تفريغ الجيش من صقوره وتعيين قيادة طائعة. أي أن الكرة اليوم من الجانب التركي في ملعب أردوغان وبناء لإشارته تتقدم الأمور أو تتراجع. والنقطة المهمة الثانية أن العرض الذي يقدمه أردوغان لحزب العمال الكردستاني يختلف جذريا عن عرض أوزال الذي كان مجرد أفكار غائمة. اليوم يعد أردوغان الأكراد بأنه سيعطيهم حق التعلم باللغة الأم في مناطقهم وصلاحيات إدارة محلية واسعة وضمانات في الدستور للاعتراف بالهوية الكردية. وتلبي هذه الوعود جانبا لا بأس به من المطالب الكردية مع تنازلات في عدد من النقاط أولها أن الأكراد لم يعودوا يطالبون بالفيدرالية ولا بالحكم الذاتي التقليدي وهو ما ورد في الرسالة التي بعث بها أوجلان من سجنه قبل يومين إلى قيادة الحزب في جبال قنديل في شمال العراق. ويكتفي الأكراد بما تنص عليه الاتفاقية الأوروبية للإدارة المحلية حيث لا هوية أو كيانية سياسية من علم وحكومة وبرلمان وما شابه. وهو لا شك تنازل كبير من جانب الأكراد. كذلك فإن الأكراد وافقوا على أن ينسحب مقاتلوهم من الداخل التركي إلى شمال العراق وهذا يعني أنهم لن يبقوا في بلادهم وهذه ثغرة كبيرة في السيناريو المحتمل. وفي المقابل فإن الأكراد تعهدوا بوقف إطلاق النار وسحب المقاتلين إلى جبال قنديل ومن ثم التخلي عن السلاح. وكل ذلك في انتظار التطبيق العملي لما اتفق عليه وفقا لمنهج"خطوة من هنا وأخرى من هناك" إلى أن تكتمل عمليات التنفيذ المتبادل المتوقع أن تنتهي قبل نهاية الصيف المقبل بعد أن تكون بدأت في 12 مارس الجاري بنداء لأوجلان لتجميد العمليات العسكرية. أما مكاسب الدولة التركية فلا شك ستكون ثمينة جدا إذا ما نجحت العملية برمتها وأولها أن تركيا ستنتهي من أعقد مشكلة واجهتها منذ تأسيس الجمهورية في العام 1923 حتى الآن والتي قابلت القضية الكردية بنزعة عنصرية. وهو ما سيجلب لتركيا استقرارا داخليا يدفع بخطط التنمية خطوات إلى الأمام. ويفتح أمام إقامة علاقات طبيعية لتركيا مع أكراد المنطقة الآخرين في العراق وسوريا باعتبار أن تركيا حلت مشكلة أكرادها ولم يعد عندها خوف مما يجري في محيطها الإقليمي ما دامت قد حصّنت بيتها الداخلي. وأن انفتاح أردوغان على حل المشكلة الكردية وبموازاة تنازلات كردية بدافع رغبة أوجلان في رؤية السلام قبل أن يموت لأنه، على حد قوله، بدأ يشيخ، سيحقق له(لأردوغان) مطلبا أساسيا يرنو إليه وهو موافقة الأكراد في البرلمان على الدستور الجديد الذي سيتضمن انتقال تركيا من نظام برلماني هو القائم حاليا إلى نظام رئاسي تنحصر فيه كل السلطات بيد رئيس الجمهورية وهو ما سيتيح لأردوغان الذي سيترشح لرئاسة الجمهورية في العام المقبل ليكون ملكا بكامل الصلاحيات لعشر سنوات(خمس سنوات قابلة للتجديد). وهكذا تكون تركيا أمام معادلة: الهوية الكردية مقابل النظام الرئاسي.أولوية الأكراد تعزيز الشعور بهويتهم فيما أولوية أردوغان ترسيخ سلطته أطول مدة ممكنة. كل المؤشرات تشير بأن هذا التواطؤ قد ينجح ولكن السؤال هو: أليس من احتمالات بتكرار سيناريو أوزال-أوجلان في التسعينيات وانهيار العملية الحالية لسبب أو لآخر خصوصا أن للورقة الكردية أبعادا إقليمية ودولية؟
606
| 02 مارس 2013
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات...
8739
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات،...
3027
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين...
2838
| 30 أكتوبر 2026
قد يبدو مستغرباً أن تشتري قطر، وهي من...
1527
| 25 أكتوبر 2026
لم يكن الخبر عادياً بالنسبة لي، بل كان...
1515
| 29 أكتوبر 2026
قد تبدأ مشكلات المؤسسة قبل أن يتخذ الموظف...
1380
| 27 أكتوبر 2026
كل مشروع جديد في قطر يحتاج إلى أيدٍ...
1365
| 29 أكتوبر 2026
* كثيرًا ما تسألني بعض السيدات: هل يمكنني...
1179
| 29 أكتوبر 2026
تبدو الحملة العسكرية (الحوثية) والحصار المفروض على مدينة...
1038
| 26 أكتوبر 2026
أبارك للأخ حمد راشد المهندي على اختياره عضوًا...
870
| 25 أكتوبر 2026
تواصل دولة قطر ترسيخ حضورها في ميدان التعليم...
774
| 30 أكتوبر 2026
قد تحقق مؤسسة جميع مؤشرات الأداء التي وضعتها...
630
| 01 نوفمبر 2026
مساحة إعلانية