رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تحتل القضية الفلسطينية مكانة بارزة في قلب كل تركي منذ عقود من الزمن.بل كان تقسيم الدولة العثمانية قبل قرن وفق سايكس بيكو من أهم الأسباب لتمرير إنشاء الكيان الصهيوني على أرض فلسطين. ورغم أن أتاتورك انتهج سياسات منغلقة على الذات لترتيب الوضع الداخلي في تركيا بعد الحرب العالمية الأولى ورغم عقود من التحالف مع إسرائيل بعد إنشائها بعد الحرب العالمية الثانية لم تتراجع مكانة فلسطين لدى الأتراك. وحتى كان بعض حكام تركيا من العلمانيين والعسكريين ولاسيَّما بولنت أجاويد رمزا للموقف الشريف في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية بل سبق رئيس الحكومة الحالي رجب طيب أردوغان في وصف إسرائيل بأنها دولة إرهابية عام 2002 وكان رئيسا للحكومة. وعندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002 واصل سياسة دعم القضية الفلسطينية لكن مع تميّزه عن سابقيه من الحكومات التركية أنه دخل إلى قلب المعادلة الإقليمية وسعى إلى التوصل إلى تسوية سياسية بين الفلسطينيين وإسرائيل وهو ما طرح تساؤلات كثيرة عن الدور التركي الجديد في الشرق الأوسط وتجاه القضية الفلسطينية تحديدا. وقد سببت بعض المواقف لرئيس الحكومة التركية أردوغان انزعاجا لدى حكومات إسرائيل ولاسيَّما الأخيرة. ومع أن مستوى التواصل المباشر بين زعماء البلدين قد تراجع غير أن العلاقات لم تصل إلى حد القطيعة. وفي نظرة إلى الموقف التركي من فلسطين وإسرائيل نلاحظ النقاط التالية: 1- أثر "الربيع العربي" سلبا على تركيز تركيا على القضية الفلسطينية إذ تحوّل اهتمامها إلى الأزمة السورية التي باتت أولوية لدى تركيا وفي ضوئها تقام حسابات الربح والخسارة في السياسة الخارجية التركية. 2- تراجع الدور التركي في القضية الفلسطينية نتيجة انقطاع التواصل السياسي مع إسرائيل وهو الأمر الذي يدفع بالسلطة التركية إلى التفكير في كيفية إعادة التواصل مع تل أبيب لتتمكن تركيا من القيام بدور وسيط افتقدته خلال العدوان على غزة في نوفمبر الماضي. 3- جاء تقدم الدور المصري أثناء العدوان على غزة سواء في التوصل إلى وقف للنار أو في التفاهم الذي تم التوصل إليه بين الفلسطينيين وإسرائيل، ليحجب أدوار القوى الإقليمية الأخرى ولاسيَّما تركيا. ذلك أن القضية الفلسطينية هي أولا قضية فلسطينية ثم عربية ثم إسلامية. وفلسطين جزء من الأمن القومي المصري وعلى حدود مصر مباشرة، وليست جزءا من الأمن القومي التركي ولا على حدود تركيا.ولم يبرز الدور التركي بين إسرائيل والفلسطينيين ولا بين الفلسطينيين أنفسهم إلا بسبب استقالة مصر أيام حسني مبارك من دورها.وعندما تتحرك مصر تتراجع الأدوار الأخرى.لذا بدا الدور التركي أثناء العدوان على غزة هامشيا وافتقدت تركيا صورة البلد التي تريد أن تكون مؤسسا للعبة إقليمية ونظام إقليمي. 4- مهما علا صوت حكومة حزب العدالة والتنمية في الدفاع عن القضية الفلسطينية فإنها لم تستطع أن تنتقل إلى مرحلة الفعل المؤثر على إسرائيل. فالعلاقات الاقتصادية مستمرة ورغم تراجع 12 في المائة في عام 2012 فإن حجم التجارة المتبادل بقي عند حدود أربعة مليارات دولار بعدما كان في سنة العدوان على سفينة مرمرة (2010) مليارين ونصف المليار دولار.كما تتواصل علاقات التعاون السياسية في أكثر من قضية ومنها مؤخرا رفع تركيا الفيتو على نشاطات إسرائيل مع حلف شمال الأطلسي.كما تستمر العلاقات الدبلوماسية والأمنية والعسكرية والثقافية.ولم تنقطع محاولات التطبيع الكامل للعلاقات في اتجاه الضغط على إسرائيل لتقديم اعتذار واضح لتركيا عن حادثة مرمرة. 5- ويلفت الانتباه في العلاقات التركية الفلسطينية للعام 2012 هو التقارب الشديد بين حكومة أردوغان وحركة حماس على حساب العلاقة بين أنقرة وسلطة محمود عباس وهو ما يجعل تركيا طرفا غير حيادي حتى في العلاقات بين الفلسطينيين أنفسهم.وهو ما انعكس في إمساك مصر بزمام المبادرة في المصالحة بين حماس وفتح وفي القاهرة بعدما كان الأتراك يقومون بهذا الدور سابقا بمفردهم أو بالشراكة مع مصر. 6- إن واحدا من أهم أسباب تراجع دور تركيا في القضية الفلسطينية أنها باتت أكثر أطلسية في سياساتها الإقليمية مع تعاظم دور تركيا في الحلف ولاسيَّما في مواجهة روسيا وإيران وسوريا، واستفادة إسرائيل الكاملة من نظام الدرع الصاروخي في تركيا وهو ما يجعل الاندفاع التركي للاضطلاع بدور عملي ضد المصالح الإسرائيلية ولصالح القضية الفلسطينية مقيدا بالقيود والضغوط الغربية، الأمريكية تحديدا.
1215
| 17 فبراير 2013
وُصفت السلطنة العثمانية على أنها رجل أوروبا المريض. في الأساس تأسست الدولة العثمانية في العام 1299 على فكرة الجهاد ضد الأوروبيين، والعثمانيون لم يتحولوا إلى الشرق إلا بعد أن أكملوا القسم الأكبر من مغامراتهم في أوروبا وأهمها الاستيلاء على القسطنطينية في العام 1453. تحوّلت تركيا إلى جزء من التاريخ الأوروبي، والهوية الأوروبية القومية لم تتشكل في القرون الأخيرة إلا من خلال التحدي التركي. انهارت السلطنة العثمانية في العام 1918 وورثتها جمهورية تركيا التي أسسها أتاتورك في العام 1923. مع أتاتورك كانت تركيا تدخل مرحلة جديدة بالكامل من تاريخها قوامها التحديث على النمط الغربي من القانون المدني إلى اعتماد العلمانية. لكن نهاية الحرب العالمية الثانية شهدت تحولات ضخمة في التوجهات التركية ولاسيَّما على صعيد السياسة الخارجية. انضمت إلى حلف شمال الأطلسي واعترفت بإسرائيل وأصبحت جزءا من المعسكر الغربي. وفي موازاة ذلك دخلت دورة جديدة من الانتماء الثقافي تمثل في طلب الانضمام لتكون عضوا في السوق الأوروبية المشتركة في العام 1959. وبذلك بدأت مغامرة قدّر لها أن تقدم لتركيا تجربة افتقدها العالمان العربي والإسلامي: التحديث الاجتماعي على النمط الأوروبي. ومنذ ذلك الوقت وتركيا تتحرك في الداخل تبعا لقاعدة واحدة هي المعايير الأوروبية. ولا شك أن تركيا استفادت كثيرا من التجربة الأوروبية. صحيح أن تركيا عرفت بالانقلابات العسكرية لكن التجربة الديمقراطية منذ العام 1946 تركت أثرها في تهذيب النظام السياسي في تركيا. كذلك فإن الشروط الأوروبية من أجل أن تتقدم تركيا في مجال الحريات أسهمت في تعزيزها. لكن مع كل ذلك فإنه بعد مسيرة 54 عاما من الانخراط في المسيرة الأوروبية نجد أن تركيا لا تزال خارج البنية الأوروبية ولم تصبح عضوا في الاتحاد الأوروبي. وقد أثار رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان هذا الأمر عبر انتقادات عالية جدا أثناء زيارته الحالية المستمرة لثلاث دول أوروبية. ويقول أردوغان إن تركيا قد صبرت كثيرا وإن أوروبا تلاعبت وناورت بما يكفي ضد تركيا ولكن صبر تركيا له حدود. وفي هذا السياق هدّد أردوغان بالانسحاب من عملية الاتحاد الأوروبي والتوجه لطلب الانضمام إلى منظمة شنغهاي. يرمي أردوغان الكرة في الملعب الأوروبي. وهذا صحيح إلى حد معين بمعنى أن المجتمعات الأوروبية تحمل حساسية تاريخية وثقافية ودينية ضد تركيا التركية والمسلمة. والجذور الثقافية المسيحية لأوروبا كان يشير إليها العديد من المسؤولين الأوروبيين رغم علمانيتهم. لكن المشكلة الأساسية برأينا لا تقع لدى أوروبا بل لدى الأتراك.إذ إن الأتراك لم يتعاطوا بجدية مع الشروط الأوروبية. فالعلمانيون كانوا يريدون استخدام الورقة الأوروبية لاضطهاد التيارات الإسلامية في الداخل فيما أن الإسلاميين كانوا يعارضون الخيار الأوروبي وكان الزعيم الإسلامي الراحل نجم الدين أربكان يرى في الاتحاد الأوروبي خرقة يجب تمزيقها. وعندما جاء إسلاميو حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002 جدّ في السير على طريق الإصلاح الأوروبي لفترة محددة. وعندما تم له التخلص من نفوذ العسكر، العقبة الأساسية أمام توطيد سلطته، تراجع حزب العدالة والتنمية عن الإصلاحات ولم يلتزم بما تبقى من شروط أوروبية. لقد استخدم الطرفان العلماني والإسلامي الخيار الأوروبي لحسابات محلية. ولم يكن الخيار الأوروبي استراتيجيا. ففي السياسة تركيا جزء بنيوي من التوجهات الأوروبية والغربية عبر عضويتها في حلف شمال الأطلسي لكن التقدم في المجال الداخلي لا يزال محدودا ويفتقد الإرادة للإصلاح. ذلك أن الايدولوجيا قد غلبت على سلوكيات المسؤولين الأتراك سواء في عهد العلمانيين أو الإسلاميين. ومشكلة تركيا أنها لا تتقدم على طريق أي إصلاح إلا بربط بعض الحسابات المحلية أو حتى الخارجية فيما أن الإصلاح الجذري خيار استراتيجي غير مرتبط بالعضوية بالاتحاد الأوروبي. وحين يتحول الإصلاح خيارا استراتيجيا فليس مهما أن يكون مرتبطا بعضوية الاتحاد الأوروبي أو غيره من التكتلات الدولية.
485
| 09 فبراير 2013
شغل رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان الرأي العام التركي بموقف مثير وهو أن تركيا تدرس الخروج من عملية الاتحاد الأوروبي والانضمام إلى منظمة شنغهاي للتعاون التي تضم روسيا والصين وكازاخستان إيران وغيرها من دول. يعكس هذا التصريح أولا وأخيرا وقبل أي حساب للمكاسب والخسائر، أزمة الهوية التركية التي لم تنته منذ نهاية الحرب العالمية الأولى بعدما كانت على امتداد تاريخها عثمانية إسلامية الهوى ومعادية للغرب وقيمه ودفعت انهيارها ثمنا لوقوفها بوجه الغرب. وعندما جاء أتاتورك وأسس الجمهورية نحا بالبلاد غربا على صعيد اقتباس القيم الثقافية والحضارية فأسس علمانية معطوفة على مدنية وانتهج سياسات معادية للدين. وبعد الحرب العالمية الثانية حسمت تركيا خيارها السياسي أيضا بانضمامها إلى حلف شمال الأطلسي واعترافها بإسرائيل. وعندما انتهت الحرب الباردة لم تتخل أنقرة عن هذه السياسة. وبعد وصول حزب العدالة والتنمية كانت المفاجأة أنه سرّع من خطى الإصلاح وفقا لمعايير الاتحاد الأوروبي ما قرّب بلاده من عتبة الاتحاد. المفاجأة أن حزب العدالة والتنمية هو حزب إسلامي.لكن من مجريات التطورات اللاحقة بدا الحزب انه فضّل التباطؤ على طريق الإصلاح لأسباب غامضة. ولكن يتبين من متابعة السياسة التركية في الداخل والخارج أن الذهنية التي حكمت الطبقة السياسية سواء كانت علمانية أو عسكرية أو إسلامية لا تختلف لجهة إبقاء الحكم في تركيا في ظل ثنائية "القومية والإسلامية" التي حكمت البلاد منذ وصول حركة الاتحاد والترقي إلى الحكم عام 1909 بعد الانقلاب على خلافة السلطان عبدالحميد. هذه الثنائية التي أرسى عناصرها النظرية المفكر التركي من أصل كردي ضياء غوك ألب كانت تتعارض مع التحديات الإتنية والمذهبية والدينية التي كانت تواجهها تركيا ولا تزال. لذا بدا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي فيما لو حصل بمثابة تغيير جذري في "أصول" الدولة وهوية الأمة التركية في اتجاه تعددية إتنية ودينية وثقافية لا يتحملها العرق التركي والاتجاهات الإسلامية وكان آخرها تصريح نائبة "علمانية"! عن حزب الشعب الجمهوري المعارض أن "الأتراك لا يمكن أن يتساووا مع الأكراد" في نزعة عنصرية كريهة. كثيرون قالوا إن حزب العدالة والتنمية صوّب وجهه شطر الشرق لأنه لاقى صدّا من الاتحاد الأوروبي. وهذا الكلام يمكن أن يكون صحيحا في جانب منه لكن جوهر المسألة أن حزب العدالة والتنمية نفسه لا يريد في الأساس الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وما الإصلاحات التي قام بها في السنوات الأولى من حكمه إلا وسيلة للتخلص ضمنا من أكبر تهديد يواجهه وهو نفوذ العسكر في الحياة السياسية. وعندما تحقق له هذا الهدف على أساس أنه ضمن تعزيز الديموقراطية بدأ أردوغان ينسجم أكثر مع عناوين ما يختزنه هو ووزير خارجيته أحمد داود أوغلو من استعادة تركيا لدور مركزي في محيطها الإسلامي استلهاما من التجربة العثمانية بل السلجوقية. وأكبر مثال على ذلك أن أردوغان في المؤتمر الرابع الاستثنائي لحزب العدالة والتنمية الذي انعقد في الثلاثين من سبتمبر الماضي (2012) لم يشر أبدا ولو بكلمة خلال خطابه الذي استمر ساعتين ونصف الساعة إلى الاتحاد الأوروبي فيما ركّز على التاريخ العثماني والسلجوقي وضرب موعدا للشباب التركي في العام 2071 أي الذكرى الألف لانتصار السلاجقة على الروم البيزنطيين على جيش البيزنطيين في معركة ملاذكرد التي فتحت أبواب الأناضول أمام الأتراك السلاجقة. كلام أردوغان عن إمكانية انضمام تركيا إلى منظمة شنغهاي لا يبدو ابتزازا للإتحاد الأوروبي لكي يضغط عليه ويسهّل انضمام تركيا إلى الاتحاد. وبالتالي فإن إشارة أردوغان إلى شنغهاي تعكس قناعة داخلية إلى أن مكان تركيا ليس في أوروبا بل في الشرق الآسيوي موطن الاستبداد تاريخيا والتمييز وحيث لا أحد يحاسب تركيا أو غيرها على تمييزها ضد هذا العرق أو الدين أو المذهب وتتخلص من عبء الشروط الأوروبية الصعبة لبلد لا يريد قادته أن ينضموا إلى الحداثة بمعاييرها الأوروبية. بموقف أردوغان "الآسيوي" هذا تواصل تركيا مأزقها الحضاري ومأزق أن التحديث فيها لا يمكن أن يتحقق إلا برافعة خارجية. إذا كانت تركيا تريد أن تكون دولة حديثة وذات تأثير حضاري فليس أمامها سوى أن تطبق المعايير الأوروبية حتى من دون أن تصبح عضوا في الاتحاد الأوروبي. فتكون دولة حديثة وقادرة على ممارسة دور تأثيري في كل محيطاتها الإقليمية. وإلا فإن سياسة "النطنطة" ستبقيها غارقة في سؤال الهوية الذي يبدو أنه لا حل له.
507
| 03 فبراير 2013
أنهى مدير عام الخارجية التركية فريدون سينيرلي أوغلو زيارة هي الأولى لواشنطن في ولاية باراك أوباما الثانية. وأهمية الزيارة أنها تأتي أيضاً بعد اتضاح ملامح الشخصيات التي ستتولى وزارتي الخارجية والدفاع في الإدارة الأمريكية الجديدة. وبذلك أمكن لسينيرلي أوغلو تكوين فكرة مبدئية عن المناخ الجديد في واشنطن ولاسيَّما العلاقات مع تركيا. الوزيران الجديدان، جون كيري في الخارجية وتشاك هايغل في الدفاع، يشكلان بنسبة عالية استمرارا لسياسة أوباما الخارجية في ولايته الأولى. الفارق الأساسي بين جورج بوش وأوباما اعتماد الأول الخيار العسكري في مقاربة المصالح الأمريكية في العالم فكانت حربا أفغانستان والعراق، فيما الثاني اعتمد سياسة "النأي بالنفس" (التي اخترعها لبنان تجاه الأزمة السورية). فلم تتدخل الولايات المتحدة بمفردها في ليبيا وتركت لفرنسا تصدّر الواجهة. ولم تدفع في اتجاه التدخل العسكري لإسقاط النظام في سوريا. وبقيت خارج الصورة في التدخل الفرنسي في مالي. وهي تصارع من أجل إيجاد طريقة للخروج من أفغانستان فيما خرجت من العراق مع احتفاظ بقواعد عسكرية. يمكن النظر إلى هذه السياسة على أنها تجسيد لتحولات مفصلية في الإستراتيجية الأمريكية في التعامل مع الأخطار الأساسية التي يواجهها الأمن القومي الأمريكي. إذ إن جميع هذه المشكلات التي وردت تقع في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. فيما الإستراتيجية الأمريكية الجديدة انحرفت إلى اعتبار التهديد الأساسي هو الصين لذا كان التركيز في المرحلة المقبلة على المحيط الهادئ. لا شك أن جانبا من سياسة القوة الناعمة في الشرق الأوسط لا يأتي فقط من تغير الأولويات الإستراتيجية لواشنطن إذ إن وقوف المعسكر الآخر المتمثل في روسيا والصين وإيران ومن معهم، بقوة في وجه واشنطن في سوريا كان من عوامل لجم أوباما من اعتماد خيار القوة العسكرية المباشرة. في إطار هذه السقوف يمكن توقع أن تواصل العلاقات التركية والأمريكية في عهد أوباما الثاني مسارا من التجاذب الذي طبع الولاية الأولى حول أكثر من قضية. يصف المسؤولون الأتراك العلاقات مع إدارة أوباما بأنها" الشراكة النموذج" وهو مصطلح أطلق مع بدء ولاية أوباما السابقة. وفي الواقع لم يدرك أحد حتى الآن وبعد مرور أربع سنوات ماهية هذه الشراكة وعناوينها. تشكل تركيا للولايات المتحدة "ذخرا إستراتيجيا" فهي البلد المسلم الوحيد العضو في حلف شمال الأطلسي والذي لعب ولا يزال يلعب أدوار التغطية الإسلامية لـ "حروب الأطلسي الصليبية". وتركيا كانت ولا تزال، رغم ما يبدو من تباعد حالي، ذات علاقات تحالفية مع إسرائيل في كل المجالات. كما أنها ذات موقع حساس بالنسبة للأمن القومي الأوروبي الذي هو جزء من الأمن الأمريكي. مع أن أنقرة وواشنطن التقتا على كثير من الموضوعات، غير أن أوباما الأول لم يكن يسير على الموجة نفسها مع سلطة رجب طيب أردوغان في العديد من القضايا. ومن هذه العناوين الموقف التركي من إسرائيل ومن التنقيب القبرصي عن النفط والغاز في البحر المتوسط. واتهام أنقرة لأوروبا والغرب بدعم حزب العمال الكردستاني ماليا. غير أن الافتراق الأساسي بين أنقرة وواشنطن كان في الموقف من الأزمة في سوريا. حيث إن واشنطن رغم دعمها الكامل للمعارضة السورية ودعوتها إلى الإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد فإنها لم تكن مستعدة لتدخل عسكري مباشر لتحقيق هذه الغاية وتركت تحمل المسؤولية على عاتق الدول التي تدعم المعارضة السورية وعلى رأسها تركيا. غير أن تعذر تدخل عسكري تركي منفرد في سوريا أدخل المقاربة التركية للوضع في سوريا في مأزق لم تستطع أن تخرج منه حتى الآن. ومع إعادة انتخاب أوباما عبّر الرئيس التركي عبد الله غول عن خيبة أمله من الموقف الأمريكي تجاه سوريا آملا أن يكون أكثر حزما في ولاية أوباما الثانية. لا يمكن أن تتخلى واشنطن عن تركيا ولكن تركيا يمكن أن تكون أمام مرحلة خلافية أكبر مع أوباما الثاني خصوصا في ظل التوجهات المرنة لكيري وهايغل تجاه الملفين السوري والإيراني ما لم تطرأ مستجدات تعدّل من هذه التوجهات.
460
| 27 يناير 2013
بعد أيام قليلة يتوجه الناخبون الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع لاختيار ممثليهم في الكنيست. ولا يبدو أن مفاجآت ستقع إذ هناك إجماع على أن رئيس الحكومة الحالي بنيامين نتنياهو سوف يعود رئيسا لحكومة ائتلاف يمني. ومهما كانت النتائج فإن الخط العدواني للحكومات الإسرائيلية واحد لا يتغير. فليس في إسرائيل يمينيون ويساريون ووسط بل مجموعات تنظر إلى كيفية تحقيق المصالح الإسرائيلية في الاستيلاء على ما تبقى من أراض فلسطينية محتلة وفي قيادة المؤامرات لإضعاف العرب وتقسيمهم وتشكيل رأس حربة لحماية لمصالح الغربية في المنطقة.هذا هو الدور الذي يناط للكيان الغاصب القيام به منذ 65 عاما. غير أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية سيكون لها وقع ما على العلاقات مع تركيا. تركيا كانت منذ السنة الأولى لتأسيس الكيان الصهيوني الداعم المسلم الأول لها في العالم. وشكّل البلدان ثنائيا يطبق على عنق الأمة العربية في أكثر من مناسبة ومنعطف. وقد كان الاعتراف بإسرائيل مثلا في العام 1949 جواز مرور تركيا إلى عضوية حلف شمل الأطلسي بحيث أن عضوية تركيا الأطلسية وعلاقاتها مع إسرائيل وجهان لعملة واحدة ومتلازمان. ولم تختلف في النظرة إلى العلاقة مع إسرائيل أية حكومة تركية سواء كان يسيطر عليها علمانيون أو عسكريون أو إسلاميون. ولم يختلف الأمر كثيرا مع وصول حزب العدالة والتنمية الحاكم الآن ومنذ عشر سنوات في تركيا حيث تحالف البلدان في أكثر من مجال واستمرت العلاقات الاقتصادية حتى هذه اللحظة في التعاظم. المحطة التي تركت أثرا على العلاقات الثنائية كان العداون الإسرائيلي على أسطول الحرية أو ما يطلق عليه الأتراك"حادثة مرمرة الزرقاء" في إشارة إلى إحدى سفن الأسطول التي هاجمها الإسرائيليون في نهاية مايو 2010 وقتلوا تسعة أتراك على متنها. لم تنقطع الاتصالات والعلاقات حتى الدبلوماسية بين البلدين لكنها تراجعت إلى حدود دنيا باستثناء العلاقات الاقتصادية التي استمرت،كما أشرنا قبل قليل،قوية وفي نمو. وتعقدت العلاقات عند مطلب تركيا من إسرائيل الاعتذار عن الحادثة والتعويض. وإذا كان التعويض سهلا غير أن طلب الاعتذار ووجه برفض إسرائيلي ولا يزال.ومنذ ذلك الوقت طرحت صيغ عديدة للاعتذار رفضتها كلها تركيا وطالبت باعتذار واضح وليس مواربا.وغالبا ما يشير الإسرائيليون إلى صيغة الاعتذار الأميركية من الاعتذار من باكستان على مقتل مدنيين باكستانيين في غارات أمريكية على المدنيين الباكستانيين. غير أن الأتراك يعتبرونها تأسفا وليس اعتذارا. وعند هذا الحد لا تزال العلاقات التركية – الإسرائيلية عالقة. مؤخرا سرت أنباء عن لقاء عقده أمين وزارة الخارجية التركية فريدون سينيرلي أوغلو مع مساعد وزير الخارجية الإسرائيلي داني أيالون في واشنطن على هامش زيارة المسؤولين إلى الولايات المتحدة وقد كانا ينزلان في الفندق نفسه. أنقرة نفت حصول أي لقاء لكن المناخ السائد في أنقرة أن تطورا نوعيا قد يحصل بين البلدين بعد الانتخابات الإسرائيلية. وتراهن أنقرة على أن وزير الخارجية الحالي أفيغدور ليبرمان لن يكون ضمن الحكومة الجديدة بسبب محاكمته في قضايا فساد وهو الذي كان أبرز المعارضين لاعتذار إسرائيلي رسمي لتركيا وكان نتنياهو مضطرا لمسايرته نظرا لحاجته إلى أصوات "إسرائيل بيتنا" الذي يترأسه ليبرلمان وله وزن كبير في الداخل. وما يزيد من احتمال حدوث تطور في العلاقات بين البلدين بعد الانتخابات هو رغبة أنقرة في استعادة هذه العلاقات لكن بالطبع ليس على حساب التخلي عن مطلب الاعتذار. ذلك أن تركيا وجدت نفسها في السنتين الأخيرتين أمام انهيار شامل لنظرية صفر مشكلات حتى مع إسرائيل.وأثناء أحداث غزة الأخيرة برز الدور المصري إلى الواجهة فيما كانت تركيا عاجزة حتى عن التحادث مع الإسرائيليين وهو ما دفع بنائب رئيس الحكومة التركية بولنت ارينتش إلى الدعوة لعودة العلاقات التركية- الإسرائيلية. ان عودة تركيا إلى دورها الإقليمي الوسيط يعيد لتركيا بعضا من تأثيرها الذي فقدته لكن المفارقة أن تكون العودة المحتملة لهذا الدور من البوابة الإسرائيلية. وهو ما لا يسرّ عربيا ولا مسلما.
403
| 19 يناير 2013
دخلت المفاوضات بين الدولة التركية وزعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجالان مرحلة جديدة في السعي لمحاولة حل المشكلة الكردية في تركيا. أوجالان المعتقل منذ العام 1999 في جزيرة ايمرالي في بحر مرمرة بات المخاطب الأساس للحكومة التركية بعدما كانت تعتبره رأس "المنظمة الإرهابية" وهو المصطلح الذي تطلقه الدولة التركية على حزب العمال الكردستاني. المفاوضات التي باشرت بها الحكومة عبر رئيس الاستخبارات حاقان فيدان ليست جديدة إذ أن فيدان نفسه باشر بمثل هذه المهمة قبل ثلاث سنوات في مدينة اوسلو النروجية مع مسؤول كبير لحزب العمال الكردستاني في أوروبا من دون أية نتيجة إيجابية. لا أحد يعرف لماذا عاودت الحكومة محاولة التواصل مع أوجالان هذه المرة ولا المغزى من التوقيت. كذلك لا يمكن التنبوء بنسبة احتمالات نجاح المفاوضات هذه المرة. الجديد هذه المرة أن الحكومة أرادت من حزب السلام والديمقراطية الكردي الممثل في البرلمان بأكثر من ثلاثين نائبا أن يكون جزءا من المفاوضات بحيث تشمل أكبر شريحة من الكتلة الكردية في تركيا. وبالفعل فقد ذهب نائبان كرديان احدهما النائب العتيق وصديق أوجالان القديم أحمد تورك إلى زنزانة أوجالان واجتمعا به وكان بحثُ في المفاوضات. وقد خرج تورك بانطباع إيجابي مختلف عن السابق أساسه أن أوجالان يثق هذه المرة بجدية الحكومة التركية للتوصل إلى حل للمشكلة الكردية. واذ يتوقع أن يعاود تورك لقاء أوجالان مرة ثانية وربما ثالثة كما معاودة فيدان للقاء أوجالان، فإن ما تسرب من مقترحات لحل المشكلة يتضمن منح الأكراد العديد من المطالب الأساسية التي يطالبون بها ومنها الاعتراف بالهوية الكردية في مشروع الدستور الجديد والتعليم باللغة الأم في المناطق الكردية ومنح المجالس المحلية في المناطق الكردية صلاحيات أوسع بحيث تقترب من حالة الحكم الذاتي فضلا عن إصدار عفو عام عن المعتقلين المتهمين بتأييد القضية في تركيا والذين يعدّون بالآلاف وهم من المجتمع المدني وليس من المسلحين. في مقابل هذه العروض الحكومية فإن الدولة التركية تريد من حزب العمال الكردستاني وقف العنف والتخلي عن السلاح ومغادرة عناصره المسلحة الأراضي التركية إلى الخارج مثل العراق وإيران وسوريا! لا تزال المفاوضات بين الطرفين في مراحلها الأولى وإن كانت استمرارا لمفاوضات أوسلو السابقة. ورغم التفاؤل الذي يطبع هذه المرحلة غير أن كما كبيرا من التعقيدات الحساسيات وانعدام الثقة تجعل من الصعب إطلاق التفاؤل على عواهنه. إذ أن موقف الحكومة المفاجئ في الانفتاح على المسألة الكردية جاء في سياقات تعارض التفاؤل ومفاجئة. إذ أن رئيس الحكومة رجب طيب اردوغان صرح قبل أيام قليلة فقط من الإعلان عن اللقاء مع أوجالان أن حزب السلام والديمقراطية مجرد حفنة من الإرهابيين تابعة ل"المنظمة الإرهابية". فما الذي جرى ليغير أردوغان رأيه في قضية مزمنة ومعقدة؟ثم إن أردوغان صرّح ومن إفريقيا وبعد بدء المفاوضات أنه لن يكون هناك عفو عام ولا تحسين لشروط اعتقال أوجالان كما أن المعركة العسكرية ضد الإرهاب وعمليات الجيش ضد حزب العمال الكردستاني لن تتوقف في موازاة استمرار المفاوضات. ومع أن المقترحات الجدية تقترب أكثر من قبل مما يريده الأكراد غير أن المشكلة في الصيغة التي ستعتمد في الدستور حول الهوية الكردية ومترتبات ذلك القانونية على مختلف الأصعدة. كذلك لا يعرف مدى قبول الأكراد بصيغة لا ترقى إلى الحكم الذاتي بحيث أن أي ترتيبات لا تلحظ هذا الهدف سوف تفقد الأكراد لاحقا أي أوراق ضغط لتحقيق ذلك. وهنا تبرز عقبة كبرى وهي أن قيادة حزب العمال الكردستاني العسكرية الموجودة في شمال العراق ترفض التخلي عن السلاح،أداة ضغطهم الوحيدة، قبل التوصل إلى اتفاق يلبي التطلعات الكاملة للأكراد. ولا يغيب عن مسرح القضية الكردية في تركيا أنها لم تعد منذ أكثر من ثلاثين عاما صرف محلية بل تداخلت فيها عوامل إقليمية ودولية لا تخص جهة دون أخرى وتتناقض مصالحها ولا يمكن أن يسلك أي حل من دون تذليل عقباتها خصوصا في ظل الوضع المتفجر في المنطقة. ومهما يكن فإن الكرة تبقى في ملعب الدولة التركية التي لم تبرهن طوال عقود أنها تخلت بالفعل عن سياسة إنكار الحقوق الكردية. وما يخشى منه الآن أن تكون مبادرة الحكومة التركية الحالية مجرد مناورة لتحقيق مكاسب سياسية محلية ضيقة تختص بتطلعات أردوغان إلى رئاسة الجمهورية أو برغبة أنقرة تمرير المرحلة الحالية الصعبة من الأزمة السورية بأقل قدر من الخسائر.
810
| 12 يناير 2013
بعد عشر سنوات على وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة يبدو الحلم الأوروبي موضع شك كبير لأكثر من سبب منها وأولها أن حكومات حزب العدالة والتنمية تراخت في عملية الإصلاح بعدما بدا لها أن تحقيق التطلعات ممكنة في مكان آخر من الشرق عوض اللهاث خلف أضغاث أحلام أوروبية لن تتحقق في المستقبل. والسعي للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي كان هدفا استراتيجيا لكل من العلمانيين والإسلاميين على حد سواء لكنه كان مجرد شعار لتسويغ سياسات إلغاء الآخر داخل تركيا قبل أي غرض آخر. وإذا راهنت سلطة حزب العدالة والتنمية على أن تكون رائدة في منطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي فقد تباطأت كثيرا في المضي في الإصلاحات في عدد كبير من الموضوعات منذ العام 2005.وقد حفلت تقارير الاتحاد الأوروبي بمواطن النقص والتعثر في عملية الإصلاح التركية ومع ذلك فقد كان لتركيا نظرتها الخاصة التي رفضت تحاملات التقارير الأوروبية ووضعت الكرة في ملعب أوروبا. لذا للمرة الأولى تقدم الحكومة التركية على وضع تقرير خاص بها حول مدى تقدمها على طريق الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. المشرف على التقرير وواضع ملاحظات تقييمية لمقدمته هو وزير الدولة لشؤون الاتحاد الأوروبي ايغيمين باغيش الذي اختصر تقييمه بالقول إن تركيا في نهاية العام 2012 أظهرت أنها أكثر قربا من أي وقت مضى من الانضمام إلى الاتحاد وأنها أكثر بلدان الاتحاد تقدما في عمليات الإصلاح. التقرير التركي طويل جدا ويتألف من 270 صفحة. يدافع التقرير عن الإصلاح في القضاء ويقول إن نسبة المعتقلين انخفضت إلى 23 في المائة عما كانت عليه وأن 33500 شخص قد أطلق سراحهم. وذكر التقرير في إشارة إلى مطالب الأكراد إلى أن اللغات واللهجات المحلية أدرجت في المناهج التعليمية كلغة اختيارية.وسمح لذوي المعتقلين بالتحدث معهم باللغة الأم.كما سمح بالدعايات الانتخابية بلغات مختلفة.وذكر التقرير أنه أعيدت لأصحابها أملاك الأوقاف التابعة لمجموعات دينية مختلفة.كما صدرت تشريعات تمنع العنف ضد المرأة.كما دخلت تركيا طرفا في العديد من الاتفاقيات الأوروبية الحامية للأطفال واستغلالهم. يذكّر المحلل التركي المعروف إحسان داغي بأن حجر الزاوية لتركيا المستقبل هو المسار الأوروبي الذي يجب تذكير حزب العدالة والتنمية بأنه هدف استراتيجي لتركيا وهو يشكل المخرج لمآزق تركيا التي بدأت تواجهها من جراء التطورات الإقليمية الضاغطة على تركيا. ويكتب كريم بالجي في صحيفة زمان أن عضوية الاتحاد الأوروبي ليست فقط ضمانة ضد النخب العسكرية القديمة بل أيضاً ضمانة للنخب الجديدة الصاعدة من أن تفقد شفافيتها وتتراخى مع الوقت وضمانة لكي لا تملأ هذه النخب الفراغ الذي تولد من تصفية الدولة العميقة القديمة. يقول بالجي إن أهم دروس التجربة التركية مع الاتحاد الأوروبي أن تركيا لا تستطيع بمفردها أن تصبح ديمقراطية ولا أن تحمي مكتسباتها الديمقراطية.ويرى بالجي أنه رغم كل أزماتها فإن أوروبا تبقى الضمانة الوحيدة لتقدم تركيا على طريق الحداثة.وحزب العدالة والتنمية استخدم الاتحاد الأوروبي في بداية سلطته ليتمكن من الإقلاع في الإصلاح.وانتهى بالجي إلى تقييم مهم جدا وهو "أن الإصلاح ليس فقط حاجة داخلية بل إن الابتعاد عن الإصلاح كان سببا في ارتكاب الأخطاء تلو الأخرى في سياسات تركيا الخارجية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وفي مكافحة الإرهاب وفي احترام التوازنات العالمية". لقد أوقفت تركيا كل تعاملاتها مع الاتحاد الأوروبي خلال النصف الثاني من العام 2012 بسبب ترؤس قبرص اليونانية الرئاسة الدورية للاتحاد.ويأمل مؤيدو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أن تكون رئاسة أيرلندا الدورية للاتحاد في النصف الأول من العام الجديد 2013 بارقة أمل لكي تستعيد تركيا "حساسية " الإصلاح الأوروبي.لكن مما يبدو فإن انغماس حكومة حزب العدالة والتنمية الكامل في توترات المنطقة العربية والشرق أوسطية والسعي لتغيير الخرائط والتوازنات لن يتيح لأنقرة فسحة كافية لكي تعيد التفكير والاعتبار للمسار الأوروبي وهو أمر لا يصب لا في مصلحة تركيا ولا في مصلحة شعوب المنطقة الغارقة حتى أذنيها في فتن الدم التي تنتهي.
598
| 04 يناير 2013
قبل الربيع العربي وقبل حزب العدالة والتنمية لم يكن أحد يتحدث عن النموذج التركي بإيجابية. كل الأدبيات العربية والإسلامية، لمن يريد التذكر والمراجعة، كانت تنظر إلى تركيا على أنها بلد العلمانية المعادية للدين وأنها بلد الانقلابات العسكرية وأنها بلد التحالف مع إسرائيل والغرب وحلف الناتو تحديدا. فقط عندما جاء حزب إسلامي إلى السلطة في تركيا في العام 2002 هو حزب العدالة والتنمية بدأت النظرة إلى "النموذج" التركي تتغير ولو ببطء. غير أن التحول الأكبر جاء مع بدء الثورات العربية وبدء قطف أحزاب الإسلام السياسي نتيجة الثورات في صناديق الاقتراع فكانت انتصار الإخوان المسلمين في تونس أولا ومن ثم في مصر وبعد ذلك في المغرب الذي كان خارج الثورات لكنه كان ضمن حصادها عبر حزب العدالة والتنمية المغربي. وفي سوريا كان الثقل ولاسيَّما من الجانب التركي ليكون تنظيم الإخوان المسلمين الأساس في الثورة وبالتالي في حصد نتيجة أية انتخابات ديمقراطية في المستقبل هذا إذا وصلت سوريا إلى هذه المرحلة. كيف يمكن لبلد كان نموذجه عنوانا للسوء في البلدان الإسلامية أن يصبح نموذجا يراد له أن يجد تطبيقا في العالم العربي والإسلامي؟ لقد سال حبر كثير عن مواءمة النموذج التركي للعالم العربي والإسلامي. ومن طليعة المروجين لذلك هو الغرب نفسه باعتبار أن العلمنة في تركيا نمط يساعد على تهذيب النزعات الإسلامية المتطرفة في المجتمعات الإسلامية. وقد ازدادت قناعة الغرب بذلك بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر2001 ومن هنا كان الدعم الأمريكي القوي لسلطة حزب العدالة والتنمية في تركيا لتكون نموذجا "معتدلا" للعالم الإسلامي وكانت الإدارة الأمريكية مستعدة حتى لتصفية نفوذ الجيش في السياسة التركية من أجل إرساء النموذج التركي. هنا تنبغي الإشارة إلى مسألة مهمة وهي أن حزب العدالة والتنمية في تركيا، كما كل سابقيه من الأحزاب الإسلامية التي لعبت دورا في تاريخ تركيا الحديثة وكان رمزها ومؤسسها نجم الدين أربكان، قد انخرطوا في نموذج قائم في الأساس ووجدوا أنفسهم قد ورثوه. وهم يدركون جيدا أن هذا النموذج لا ينسجم مع المعتقدات الإسلامية ولا مع الثوابت الموجودة في الشرع الإسلامي. فلا العلمانية من الإسلام بشيء وتتناقض مع أن الإسلام دين ودولة وأنه لا يمكن فصل الدين عن الدولة وليست الديمقراطية بمعناها الغربي المعروف ممكنة التداول في المجتمعات الإسلامية لأن أحد أهم أسس الديمقراطية هو العلمانية وتحييد النزعات الدينية وهو غير ممكن في العالم العربي والإسلامي. إن البحث عن نموذج ديمقراطي في المجتمعات الإسلامي لا يمكن إلا أن يكون نتاجا خاصا بالمسلمين وليس محاكاة للنظام الغربي. لقد عرف حزب العدالة والتنمية انتشارا في العالم العربي على الأقل لأنه بدأ يتطلع إلى الشرق وينتهج سياسات إسلامية جعلته طرفا في الصراعات الإقليمية والداخلية في كل بلد. وكانت لزعمائه مواقف واضحة من الثورة في مصر فعارضوا حسني مبارك، ومن سوريا حيث دعوا إلى إسقاط النظام، ومن الوضع في العراق حيث تحول حربا على رئيس الحكومة العراقية وتحالفوا مع أكراد شمال العراق. لكن اللافت في مسيرة حزب العدالة والتنمية أنه في وقت يعزز علاقاته العسكرية مع حلف الناتو ويؤكد مسؤولوه أن حدود تركيا هي حدود الأطلسي وهذه سابقة في اعتبار حدود بلد مسلم حدودا للأطلسي، فإنه بدأ يتراجع في مساره الحداثي بالنسبة للاتحاد الأوروبي. لقد ورث العدالة والتنمية كما ذكرنا النموذج بشقيه العلماني والديمقراطي وبقدر ما يقدم الحزب أولوية لنزعة أيديولوجية تستند إلى الدين الإسلامي في التعاطي داخليا ومع المنطقة، بقدر ما تتراجع نزعة التحديث في تركيا. وهو ما حذّر منه ألكسندر غراف لامبسدورف نائب رئيس الكتلة الليبرالية في البرلمان الأوروبي والمكلف بكتابة التقرير الخاص بالتقدم التركي مع الاتحاد، الذي قال لصحيفة زمان التركية إنه "بمقدار ما تبتعد تركيا عن القيم الأوروبية تفقد احترامها العالمي ولولا المسار الأوروبي لتركيا لما كان أحد يتحدث عن النموذج التركي بعد ظهور الربيع العربي وبالتالي إن لم يكن المسار الأوروبي فلا إصلاح في تركيا". وهذا، برأينا، هو التحدي الأكبر أمام حزب العدالة والتنمية، حيث لا تمكن المواءمة بين الحداثة الغربية والقيم الإسلامية وأي خيار بينهما سيكون على حساب الآخر. فيما البحث عن طريق ثالث عبث بعبث.
761
| 29 ديسمبر 2012
إذا كان معيار "الربيع العربي" هو وصول تنظيم "الإخوان المسلمين" إلى السلطة في مصر وتونس والمغرب وليبيا وتصدرهم المشهد السياسي في سوريا فإننا أمام حالة سبقت هذا الربيع بعشر سنوات وهي وصول حزب العدالة والتنمية،"الإخواني"، إلى السلطة في تركيا في نهاية العام 2002. ورغم أن الفارق في عمر التجربة بين تركيا ومصر يقارب العشر سنوات غير أن المؤشرات التي ظهرت حتى الآن من حكم "الإخوان" في مصر برئاسة محمد مرسي تسمح بإجراء مقارنة تعكس التشابه في السلوك والأهداف. جاء حزب العدالة والتنمية محملا بشعارات الديمقراطية وتعزيز الحريات. وقد جدّ بالفعل على هذه الطريق لمدة سنتين عامي 2003 و2004 ما أهّله لبدء مفاوضات العضوية المباشرة لدخول الاتحاد الأوروبي. لكن الأمور وقفت هنا وبدا أن تلك المرحلة القصيرة كانت المعبر لتغييرات كبيرة في النظام السياسي لا تزال تستكمل في اتجاه المزيد من إحكام قبضة الحزب الحاكم على مفاصل الحياة السياسية والمؤسسات العسكرية والأمنية والقضائية والتربوية بحيث انقلبت الصورة من وصاية عسكرية- علمانية لدولة عميقة إلى وصاية دينية لدولة عميقة جديدة مع استمرار الذهنية التفردية والإقصائية وهو ما انعكس تقييدا كبيرا للحريات ولاسيَّما الصحفية وعدم التقدم في حل أي مشكلة إتنية أو مذهبية. وفي مصر جاء الرئيس مرسي مع وعود باحترام العملية الديمقراطية والمشاركة. لكنه ما لبث أن أطاح، بحركة انقلابية، بالمجلس العسكري وغلّب التفوق العددي في الهيئة التأسيسية لكتابة الدستور وشكل حكومة من الإخوان المسلمين فقط وهكذا جمع في يده ويد حزبه كل ما أمكنته قدرته على ذلك ناكثا بكل الوعود السابقة. في تركيا يقدّم اليوم حزب العدالة والتنمية اقتراحا لتعديل الدستور وإقامة نظام رئاسي بحيث تنحصر كل الصلاحيات بيد رئيس الجمهورية بما فيها حلّ البرلمان. وهو مشروع يعدّ ليناسب رئيس الحزب رجب طيب أردوغان عندما يترشح لرئاسة الجمهورية عام 2015 واحتمالات فوزه كبيرة جدا لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد خمس سنوات أخرى أي يمكن أن نكون أمام زعيم أوحد لتركيا منذ العام 2002 وحتى العام 2025 أي ربع قرن تقريبا. وهي فترة تتعدى كثيرا أحلام الدكتاتوريين حتى في بلدان العالم الثالث. "الإعلان الدستوري" الذي أصدره الرئيس محمد مرسي وحصر في شخصه كل صلاحيات المؤسسات بما فيها القضائية هي نسخة أخرى عن مشروع النظام الرئاسي في تركيا. وكأن أي رئيس "إخواني" لا يستطيع أن يحكم إلا وفق صلاحيات مطلقة وليست المرحلة الديمقراطية أو الشعبية سوى مرحلة عبور لتجديد الاستبداد وتأبيده. وجه آخر للمقارنة المتشابهة وهو حقل السياسة الخارجية. فرغم كل انفتاحات تركيا على جيرانها والعالم العربي والإسلامي فإنها انتهت إلى أن تعلن أن حدودها "أطلسية" ونقطة على السطر. حاسمة بذلك تموضع تركيا كبلد أطلسي ينفّذ بالتالي سياسات غربية في منطقة الشرق الأوسط. وفي مصر ورغم كل الآمال التي علقت على تحوّل في السياسة الخارجية المصرية على الأقل تجاه إسرائيل فقد أعلنت مصر مرسي أنها ملتزمة قولا وفعلا باتفاقية كمب ديفيد ولم تسعف الايديولوجيا الرئيس مرسي ليجد عبارات جديدة في رسالته الشهيرة إلى "الصديق الوفي" شمعون بيريز وسعت مصر خلال حرب غزة الأخيرة إلى التهدئة ك "وسيط" خارج أي خطوة للمبادرة إلى دعم غزة بالسلاح والمتطوعين. إن المقارنة بين الحالتين والتجربتين التركية والمصرية تعكس أن الربيع العربي لم يؤثر على تركيا بل إنه تركيا هي التي أثرت على تجارب الربيع العربي في اتجاه سياسات تحتكر السلطة في الداخل وتنسجم مع التوجهات الغربية في قضايا المنطقة والعالم. وهو ما يتعارض مع روح المجتمعين التركي والمصري. وإذا كان تبرير السياسات التركية الخارجية ممكنا بتراث من التبعية للأطلسي والغرب وحتى إسرائيل، وإن كان من غير المقبول الاستمرار فيها، فإن الأمر غير ذلك في مصر خصوصا أن لمصر تقاليد من النضال ضد المستعمر وضد إسرائيل من أحمد عرابي إلى سعد زغلول إلى جمال عبد الناصر ولاسيَّما أن قضية فلسطين، التي لا تزال تحت الاحتلال، لم تحل بعد وهي جزء من الأمن القومي العربي والمصري وهي بحاجة لكل مساندة من مصر فيما تركيا بعيدة عن القضية الفلسطينية ولا تشكل أي تحدّ لها. لذا ليس غريبا أن ينتفض "الميدان" مجددا في مصر على التسلط والتفرد. وعلى مصر،هنا، أن تعرف أنها غير تركيا وأن مشكلاتها والتهديدات التي تتعرض لها والتحديات التي تواجهها مختلفة كليا عن تركيا وبالتالي على الإخوان المسلمين في مصر ألا يستنسخوا التجربة التركية التي لا تناسب لا تاريخ مصر ولا مستقبلها بل ربما تقع على نقيضها.
606
| 30 نوفمبر 2012
أعلنت وزارة الخارجية التركية أن أنقرة تقدمت بطلب رسمي إلى حلف الناتو لنصب صواريخ الباتريوت على الأراضي التركية وفي مواجهة سوريا بالذات. ولا شك أن تركيا ما كانت لتقدم هذا الطلب رسميا لو لم تكن متأكدة من أن الحلف سيستجيب للطلب بل إن مصادر صحفية تقول إن عملية نصب الصواريخ مرفقة بخبراء ألمان، قد بدأت بالفعل ولا تنتظر إجابة قيادة الحلف. وبالتأكيد ستكون هذه الخطوة موضوع سجال سياسي ساخن في الداخل التركي في الأيام المقبلة حول طبيعة التوجهات الخارجية للسياسة التركية. لا تنفصل خطوة نصب الصواريخ ضد سوريا عن خطوة سابقة قريبة العهد وهي نصب رادارات الدرع الصاروخي الأطلسية في منطقة كوريجيك بملاطية منذ حوالي السنة. ونظام الدرع الصاروخي نصب في منطقة مؤاتية لكشف الصواريخ الإيرانية والروسية التي قد تستهدف أوروبا وإسرائيل. ودائما يكرر المسؤولون الأتراك أن رادارات ملاطيا هي للدفاع وليس فيها صواريخ. لكن خطوة نصب صواريخ الباتريوت تكمل خطوة رادارات ملاطيا. تعكس خطوتا الدرع الصاروخي والباتريوت تحولات جذرية في طبيعة أهداف السياسة الخارجية التركية في اتجاه المزيد من الالتصاق بحلف الناتو والانسجام مع السياسات الغربية في المنطقة. وقد كانت تركيا ولا تزال الدولة المسلمة الوحيدة في الحلف منذ انضمامها إليه في عام 1952 وهي خطوة لا تنفصل عن مسار غربي اتبعته أنقرة قبل ذلك بثلاث سنوات عندما كانت أول دولة مسلمة تعترف بإسرائيل عام 1949 قبل أن تلحق بها مصر في عام 1979 في معاهدة كامب ديفيد. وإذا أجرينا قراءة لمحطات العلاقة التركية مع الغرب ومع إسرائيل أيضا فنلاحظ أن طبيعة العلاقة معهما لم ترتبط يوما بطبيعة السلطة السياسية الحاكمة. بمعنى أن هذه العلاقات لم تكن تقوى بوجود أحزاب علمانية أو نفوذ قوي للجيش التركي في السياسة أو تضعف مع وصول أحزاب لها توجهات إسلامية. بل كانت سياسة ثابتة. بل يمكن القول إن أقوى الارتباطات التركية بالغرب تحققت في ظل حكومات لها توجهات إسلامية. فعدنان مندريس رئيس الحكومات التركية في الخمسينيات كان إسلامي الهوى وفي عهده حصل "الإحياء الديني" بعد هزيمة حزب الشعب الجمهوري الأتاتوركي في الانتخابات عام 1950. في عهد مندريس انضمت تركيا إلى حلف الناتو وإلى حلف بغداد وكانت أراضيها منطلقا لتدخل الطائرات الأمريكية في لبنان. وفي عهد طورغوت أوزال الذي كان الأكثر تطبيقا للتعاليم الدينية في الثمانينيات كان الانفتاح التركي الأوسع على إسرائيل واليهود. واليوم مع حزب العدالة والتنمية الأكثر إسلامية من كل من سبقه، وفي ظل شطب النفوذ السياسي للجيش التركي، نصبت تركيا الدرع الصاروخي والآن تنصب صواريخ الباتريوت. وخارج طبيعة النزعة الأيديولوجية للسلطة الحاكمة في تركيا فإن خطوتي الدرع الصاروخي والباتريوت تضع تركيا في أتون الصراعات الإقليمية وتطوي نهائيا سياسة "صفر مشكلات" التي باتت في ذمة التاريخ مع تحوّلها إلى سياسة "تصفير العلاقات" مع معظم الدول والقوى المحيطة في تركيا. ورغم أن الجيش التركي من أقوى جيوش المنطقة وداخل حلف شمال الأطلسي غير أن استنجاد تركيا بالحلف لحماية حدودها يظهّر ثابتة جديدة للحلف وهي أن أمن تركيا من أمن حلف الناتو وأمن الناتو من أمن تركيا. وهذا يطرح مرة أخرى تساؤلات جدّية وعميقة حول مدى إمكانية انسجام التوجهات الأيديولوجية ولاسيَّما الإسلامية مع حلف أَحَلّ، بعد انتهاء الباردة، الإسلام محل الشيوعية عدوا له وكان مسرح عملياته الجغرافيا الإسلامية ولاسيَّما بعد أحداث 11 سبتمبر 2011؟ وفي كل الأحوال فإن وصول الباتريوت إلى تركيا بعد خطوة رادارات الدرع الصاروخي واعتراف تركيا نفسها أن السبب هو الأزمة في سوريا يفتح على احتمالات تفاقم الصراع في سوريا والمنطقة وعلى سوريا والمنطقة. كما يدفع، على صعيد آخر، المؤرخين والباحثين إلى عدم إمكانية قراءة الدور التركي في المنطقة بل العالم أيضا وفهمه من دون الأخذ في الاعتبار "العروة الوثقى" التي تربط أنقرة بالناتو.
388
| 23 نوفمبر 2012
من أبرز نتائج الأحداث التي تعصف بسوريا منذ أكثر من عشرين شهرا، ظهور"واقع كردي" في شمالها. الأكراد السوريون كانوا الحلقة الأضعف في كردستان الكبرى.إن كان من ناحية العدد أو التواصل الجغرافي بين مناطقهم. أكراد سوريا قد لا يتجاوزون المليونين وشريطهم الجغرافي طويل على امتداد الحدود مع تركيا مع انقطاع في شمال حلب، لكنه ليس بالعمق الكافي ليحتمي من محاولات تقطيعه جغرافيا من الشمال إلى الجنوب أو بالعكس. ولقد عانى أكراد سوريا مثل سائر الأكراد في الشرق الأوسط من ظلم أنظمة الدول التي يعيشون في ظلها. ولا يرتبط الظلم بطبيعة السلطة القائمة. فهو مستمر منذ بداية الاستقلال السوري ومرتبط أيضا بالذهنية المتشددة للنخب القومية العربية في مرحلة ما بعد الاستقلال. وقد ساهمت قلة عدد الأكراد في سوريا إلى تأخرهم في التعبير عن هويتهم بصورة قوية. الأحداث السورية وفرت هذه الفرصة، خصوصا عندما بدأت أوصال سوريا تتقطع وتدخل في مرحلة فوضى وحرب استنزاف بين قوات النظام ومسلّحي المعارضة. قبل عدة أسابيع طرأ تحول مهم في الواقع الميداني في المناطق الكردية في سوريا. الجيش السوري يخلي العديد من المناطق الكردية ليتفرغ للقتال ضد المعارضة في مناطق أخرى محتفظا بوجود محدود في بعض المراكز الأمنية والعسكرية الحساسة. هذا هو الوجه الأول من التحول. الوجه الثاني أن عناصر من حزب الاتحاد الديموقراطي(السوري) التابع لحزب العمال الكردستاني التركي الذي يحارب الدولة التركية قد ملأ الفراغ المستجد. فرفع أعلام حزب العمال وصور زعيمه عبدالله أوجلان في المدن الكردية في سوريا. بات المشهد جديدا وبدا كما لو أن "كردستان سوريا" أصبحت واقعا وحقيقة. وكما كان متوقعا كانت تركيا هي المعنية الأولى بهذا المتغير. وبالفعل أطلقت أنقرة تحذيرا قويا جدا بأنه إذا تحولت مناطق الشمال الكردي السوري إلى قاعدة لحزب العمال الكردستاني على غرار تمركزه في جبل قنديل في شمال العراق فإن تركيا لن تتردد في اجتياح سوريا لمنع نشوء هذا الخطر. لم تهدد تركيا بالتدخل في سوريا عسكريا طوال الأزمة لكنها فعلت ذلك مع دخول العامل الكردي على الخط. كان من أسباب الخلاف التركي الأمريكي على العراق قبل الغزو عام 2003 هو الموقف من مستقبل الخريطة العراقية ومعارضة أنقرة إقامة فدرالية هناك وتهديدها بأن إعلان دولة مستقلة كردية سيكون سببا للحرب. لكن كل شيء مر وفقا للمخطط الأمريكي. أُنشئت الفدرالية بل اعترفت بها أنقرة لاحقا ولن تعارض تركيا أي دولة كردية مستقلة في المستقبل لأنها لم تعد تستطيع وقف هذا المسار. الآن لا تريد تركيا أن تواجه في شمال سوريا ما واجهته في شمال العراق ليكتمل "الطوق" الكردي جنوبا. لذلك كان التهديد باجتياح تلك المنطقة. ومع أن الحشود التركية على الحدود مع سوريا ترتبط بدعم المعارضة السورية المسلحة وتوفير خط دعم خلفي لها لمواجهة قوات النظام فإن من بين أهدافها الأساسية مساعدة "المعارضة المسلحة للسيطرة على المناطق الكردية لمنع حزب العمال الكردستاني من السيطرة عليها. وليست مستغربة الأنباء التي تشير إلى أن الآلاف من المسلحين الذي استهدفوا منطقة رأس العين في شمال سوريا قبل أيام ويتقدمون في اتجاه القامشلي كبرى المدن الكردية قد جاءوا من تركيا وفقا كل المعطيات الميدانية والتقارير الغربية والتركية. حرب تركيا الاستباقية تهدف ، كما لمواجهة حزب العمال الكردستاني، كذلك لتقطيع أوصال المنطق الكردية في شمال سوريا وتهجير سكانها لمنع وجود حالة كردية مادية على الأرض خصوصا أن عمليات القتل والتهجير قائمة على قدم وساق في سوريا وليس من فرصة أفضل من هذه لتركيا لتقضي على ما تعتبره خطرا مستقبليا عليها وهو ما يذكر بسياسات تطهير الدولة التركية في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي للأكراد في مناطق جنوب شرق تركيا. وبمعزل عن نتائج هذا التورط فإن تركيا تخطئ إذا كانت تعتقد أن منع نشوء واقع كردي في شمال سوريا سيخرجها من مأزقها الأساسي في الداخل وهو أن كتلة من 12 مليون كردي لن تقبل، كحد أدنى، أقل من الحكم الذاتي.
369
| 17 نوفمبر 2012
لم يكن وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في تركيا عام 2002 مجرد تناوب روتيني على الحكم بين أحزاب متنافسة.فعشر سنوات حتى الآن كانت كافية لتلمس مدى التحول الكبير الذي أحدثه الحزب في الداخل وفي علاقات تركيا الخارجية ودورها. ولا أحد إلا ويشير إلى الإنجازات على الصعيد الاقتصادي التي نقلت الاقتصاد التركي إلى مرتبة متقدمة هي الـ 17 حتى الآن في العالم.وارتفع متوسط الدخل الفردي إلى 11 ألف دولار سنويا ووصل الناتج القومي غير الصافي إلى 800 مليار دولار.ورغم بعض التراجعات في الآونة الأخيرة ومنها انخفاض النمو من تسعة سابقا إلى ثلاثة في المائة حاليا فإن وتيرة التقدم الاقتصادي مستمرة. وفي الداخل تتضارب التقييمات.من جهة إنجازات لا بأس بها على صعيد الحريات وتعميق النزعة المدنية،ومن جهة ثانية لا يزال الحزب عاجزا عن حل المشكلتين الكردية والعلوية كما ازدادت كثيرا موجة التضييق على الحريات الصحفية. أما في الخارج فالصورة مشوشة مع إجماع على أن سياسة تصفير مشكلات قد ماتت وباتت عناوين السياسة الخارجية التركية غير ما كانت عليه.اختفى مصطلح القوة الناعمة لصالح القوة الخشنة التي تهدد بالحرب مع قبرص وإسرائيل وسوريا وتتوتر مع روسيا وإيران وأرمينيا والعراق.وبات الدور الوسيط في ذمة التاريخ ولم تعد أنقرة على مسافة واحدة من دول وقوى المنطقة وباتت جزءا من المشكلات بعدما كانت جزءا من الحل. لكن كل هذا لم يقلل من نسبة التأييد لرجب طيب أردوغان وسط الجمهور العريض حيث إن استطلاعات الرأي تعطيه نسبة لا تقل عن خمسين في المائة وهي النسبة التي نالها قبل عام ونيف في الانتخابات النيابية.ولا شك أن هذه النسبة ترجع أساسا لعوامل داخلية اقتصادية من جهة واستقطاب أردوغان للأصوليين الإسلاميين الذين رحّبوا بخطابه الديني والقومي المتشدد في الداخل والخارج رغم أن تركيا بلد علماني وديمقراطي(!).ولم تقدم السياسة الخارجية أي إضافة إلى أردوغان حيث إن أكثر من ستين في المائة من الرأي العام وثلاثين في المائة من قواعد حزب العدالة والتنمية تعارض سياسته تجاه سوريا والجيران. نقدم هذه الصورة للانتقال إلى ما قدّمه حزب العدالة والتنمية قبل أيام قليلة اقتراحا بتعديل النظام السياسي في تركيا من نظام تعددي برلماني إلى نظام رئاسي. وهذا ينقل إلى الذهن فورا مركزية رجب طيب أردوغان في المشهد السياسي التركي.وتغليب صورة الزعيم والقائد على صورة المؤسسة التي تنطبع بها الأحزاب في الغرب ولاسيَّما في الولايات المتحدة حيث بالكاد يتولى الرئيس حكم الأمريكيين أربع سنوات يمكن أن تصل في حدّها الأقصى إلى ثماني سنوات ومن بعدها يتفرغ لحياته الخاصة أو السياسية لكن خارج إطار الحزب والإدارة والقرار.وربما هذا هو سر حيوية الديمقراطيات في الغرب التي لا تنغلق على شخصية واحدة على امتداد عقود. إذا استعرضنا التاريخ التركي منذ العام 1923 لوجدنا أنه عبارة عن تاريخ الزعماء السياسيين لا الأحزاب.يتقدم الزعيم لقيادة حزب ثم يؤلف حزبا آخر ثم ينتقل من رئاسة الحكومة إلى رئاسة الجمهورية في مجموع قد يتعدى النصف قرن ما لم تفاجئه المنّية. اليوم، تقديم اقتراح بتحويل النظام في تركيا إلى نظام رئاسي هو تفصيل للتشريع على قياس الأشخاص، لا مصلحة الدولة والتحديث، وهدفه الأول والأخير أن يتولى أردوغان رئاسة الجمهورية بصلاحيات كاملة وتهميش دور البرلمان والحكومة.وهكذا بعد عشر سنوات ستصبح 12 سنة في العام 2014، سوف يترشح أردوغان لرئاسة الجمهورية ليمكث فيها خمس سنوات قابلة للتجديد خمس سنوات وبالتالي ستكون مدة أردوغان الافتراضية في الحكم 22 سنة كاملة من العام 2003 حين أصبح رئيسا للحكومة إلى العام2025، نهاية الفترة الثانية من رئاسته للبلاد هذا إذا افترضنا أنه لا خطط أخرى له بعد العام 2025. إذا كان من معنى لهذا السيناريو فهو أن المجتمع التركي لا يزال بعيدا عن سر نجاح الغرب وتقدمه وهو تداول السلطة مهما كانت عبقرية الحاكم.وهي رسالة ليست فقط إلى تركيا بل إلى كل المجتمعات الإسلامية.
335
| 10 نوفمبر 2012
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية...
12210
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ...
11127
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"،...
3699
| 22 أكتوبر 2026
نستطيع لـوم اتحاد القدم وإدارات الأندية ووكلاء جلب...
3375
| 22 أكتوبر 2026
لعل كثيراً منا في قطر، سواء كان موظفاً...
1629
| 20 أكتوبر 2026
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات...
1524
| 27 أكتوبر 2026
قد يبدو مستغرباً أن تشتري قطر، وهي من...
1404
| 25 أكتوبر 2026
قد تبدأ مشكلات المؤسسة قبل أن يتخذ الموظف...
1185
| 27 أكتوبر 2026
حدث ذات مساء في قرية فويرط المستلقية على...
867
| 20 أكتوبر 2026
أبارك للأخ حمد راشد المهندي على اختياره عضوًا...
837
| 25 أكتوبر 2026
تبدو الحملة العسكرية (الحوثية) والحصار المفروض على مدينة...
729
| 26 أكتوبر 2026
في أكتوبر 2025 فتحت شركة أمريكية باب الطلب...
621
| 21 أكتوبر 2026
مساحة إعلانية