رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أردوغان بين أوباما ورومني

تجري يوم الثلاثاء المقبل الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة. وإذا كانت هذه الانتخابات تستقطب اهتمام كل العالم كون الولايات المتحدة هي رأس النظام الدولي، رغم كل الجراح والكدمات التي أصابتها من جراء الأزمات المالية والمغامرات العسكرية الفاشلة من أفغانستان إلى العراق، فإن الاهتمام التركي بنتائج هذه الانتخابات يحتل مكانة خاصة نظرا للروابط التركية مع الولايات المتحدة. ومع أن الرابطة التركية مع أمريكا كانت من أبرز ثوابت الحرب الباردة غير أن انتهاء الحرب الباردة لم يخفف من متانة هذه الرابطة. ذلك أن المحيط الجغرافي لتركيا يشغل جزءا كبيرا منه كعالم تركي" يمتد من الادرياتيك إلى سور الصين كما كان يكرر الرئيس التركي الراحل طورغوت أوزال. وكانت المصالح المشتركة التركية- الأميركية تتطلب تعاونا ثنائيا لملء الفراغ السوفياتي في القوقاز وآسيا الوسطى والبلقان. وبمعزل عن نسبة نجاح هذا المسعى ،دخلت العلاقات بين الطرفين مرحلة جديدة مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في تركيا في العام 2002 وتصادف ذلك مع حدثين: وصول الجمهوريين قبل ذلك بعامين مع جورج دبليو بوش إلى البيت الأبيض وأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. وقد ترك هذان الحدثان أثرهما على العلاقة بين أنقرة وواشنطن بحيث شهدت العلاقات مدا وجزرا بل توترات أحيانا نتيجة تضارب الرؤية الجديدة لحزب العدالة والتنمية في تركيا بزعامة رجب طيب أردوغان وبتأثير من مستشاره حينها ووزير الخارجية الحالي أحمد داود أوغلو والتي كانت تولي أهمية للانفتاح على العالم العربي والإسلامي وفقا لنظرية "العمق الاستراتيجي". لذلك عرفت مرحلة أردوغان- بوش على امتداد ست سنوات من العام 2002 حتى انتهاء ولاية بوش عام 2008 طلعات ونزلات في شأن عدد كبير من القضايا. ذلك أن التوجه التركي نحو "العمق" العربي والاسلامي لم يكن على حساب التخلي عن "العمق" الأميركي والأطلسي بل حتى الإسرائيلي أيضا.وهذه ثابتة لم تتغير بتغير السلطة في تركيا من علمانية إلى عسكرية أو إسلامية. وهو ما يوجب أخذه في الاعتبار دائما لدى مقاربة السياسات والمواقف التركية في العالم. ويبقى غزو العراق الشوكة التي هزّت العلاقات التركية- الأميركية بسبب رفض البرلمان التركي مشاركة أمريكا في الغزو. ومع أن واشنطن حمّلت الجيش التركي مسؤولية أساسية في رفض المشاركة في الحرب غير أن هذه القضية انعكست سلبا على العلاقة بين أردوغان وبوش رغم أن أردوغان كان من مؤيدي المشاركة في الغزو واعترف لاحقا أن رفض البرلمان المشاركة في الغزو كان خطأ لأنه أبعد تركيا عن المشاركة في رسم مستقبل العراق. ومع ذلك أمكن ترميم الانكسار في العلاقات مع بوش لاحقا ولا سيما في مجال التعاون ضد حزب العمال الكردستاني وما يسمى "الاسم المعتدل" المصطلح الذي أشاعته واشنطن عن حزب العدالة والتنمية التركي. وعندما حصلت انتخابات الرئاسة عام 2008 كان الهوى الرسمي في أنقرة واضحا لجهة تفضيل وصول باراك أوباما للتخلص من رواسب ما تركته فترة بوش الإبن. منذ أربع سنوات والعلاقات بين حكومة أردوغان وإدارة أوباما ممتازة في مختلف الموضوعات. بل وصف الرئيس التركي عبدالله غول العلاقات مع واشنطن بأنها لم تكن يوما بهذا القدر من الجودة والتعاون. وغالبا ما كان أردوغان وأوباما يتبادلان الاتصالات الهاتفية فضلا عن اللقاءات المباشرة. بل كانت تركيا أول بلد مسلم يزوره أوباما ويطلق منه أول خطاب موجّه إلى العالم الإسلامي. ولم تتنافر العلاقات بين البلدين في معظم القضايا. بل كانت تركيا شريكة للولايات المتحدة في الهجوم الأطلسي على ليبيا للإطاحة بمعمر القذافي وكان أردوغان على تنسيق دائم مع أوباما بشأن تطورات"الربيع العربي". ورغم التعاون الكامل بين أنقرة وواشنطن بشأن الملف السوري ودعم المعارضة السورية سياسيا وعسكريا غير أن الاندفاع التركي للإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد بسرعة، وبقوة التدخل الخارجي العسكري إذا لزم الأمر، كان مسألة خلافية رئيسية بين أنقرة وواشنطن وهو ما جعل أردوغان يتحدث ،مَرّة، بتهكم عن أوباما. وإذا عرفنا أن التحدّي الأكبر الذي يواجه أردوغان هو في سياسته الخارجية تجاه سوريا فإن نجاح أوباما واستمراره في سياسته تجاه سوريا قد لا يريح أردوغان الذي يريد التخلص من الأسد بأي ثمن. وهذا لا يعني أن أردوغان يتمنى فوز المرشح الجمهوري ميت رومني لأن الجمهوريين عموما كانوا يسببون لتركيا من مشكلات وخسائر أكثر مما يقدمون لها من مكاسب وغزو العراق من أكبر الأمثلة على ذلك. تفضل سلطة حزب العدالة والتنمية اليوم فوز أوباما الذي نسجت معه علاقات وتفاهمات واضحة في كل المجالات، ولا تفضل مفاجآت ومغامرات وحماقات وتوريطات الجمهوريين، لكن إذا كان رومني يوفر فرصة للتخلص من النظام السوري فلن يكون أردوغان،على الأرجح، حزينا.

599

| 03 نوفمبر 2012

أنقرة والتحدّي الكردي

يقول عثمان بايديمير رئيس بلدية ديار بكر المنتمي إلى حزب السلام والديمقراطية الكردي والمتمثل في البرلمان بحوالي 36 نائبا،بعضهم، حين انتخبوا نوابا، كانوا معتقلين ولا يزالون، أن رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان هو من القوة بحيث يستطيع أن يحل المشكلة الكردية إذا أراد. ليلى زانا النائبة الكردية التي لها تاريخ من الصراع مع الدولة التركية وقبعت في السجون لسنوات، التقت منذ أشهر أردوغان في خطوة غير متوقعة بعدما تحدثت عن أن أردوغان يمكن له أن يحل هذه المشكلة. في المقابل تتكرر التصريحات من أردوغان نفسه ومن قادة في حزب العدالة والتنمية عن إمكانية حل المشكلة الكردية عبر الحوار مع زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجالان المعتقل في جزيرة ايمرالي ببحر مرمرة. وكان للحكومة عبر قيادة الاستخبارات التركية مفاوضات فعلية مع ممثلين عن "الكردستاني" في مدينة أوسلو النروجية كشف عنها سابقا. وأردوغان نفسه أعاد التذكير مؤخرا بأنه يمكن أن يجدد الحديث مع أوجالان إذا كان ذلك يخدم الوصول إلى حل. في المقابل عكس كاريكاتور في صحيفة ميللييت التركية واقع حال العلاقة بين أردوغان والمسألة الكردية وفيه أردوغان خلف مقود سيارة يحتار في أي اتجاه يسير:نحو حزب العمال الكردستاني أم نحو حزب السلام والديمقراطية الكردي. وفي الواقع أن ذلك يضع الكرة في ملعب أردوغان. ذلك أن حزب السلام والديمقراطية لا يختلف موقفه المبدئي عن وقف حزب العمال الكردستاني. المطالب واحدة وأسلوب العمل فقط يتغير". الكردستاني" يتحرك بالسلاح على الأرض، و "السلام الديمقراطية" تحت قبة البرلمان. لذلك فإن التساؤل هو عن حقيقة موقف أردوغان لا أوجالان ولا حزب السلام والديمقراطية. ومع أن خطوات حكومية اتخذت في السنوات الأخيرة لتنفيس الاحتقان الكردي في البلاد غير أنها لم تكن كافية لبلوغ أهدافها. إذ لامست هذه الخطوات قشورا ولم تدخل إلى عمق المطالب الكردية. وحيرة أردوغان وتردده لا يعكس مجرد ارتباك وتخبط بل إنه يعكس ذهنية تركية تأسست مع أتاتورك واستمرت مع خلفائه من المتشددين من العلمانيين والعسكريين ولم ينجُ من هذه الذهنية الأحزاب الإسلامية بزعامة الراحل نجم الدين أربكان وصولا إلى رجب طيب اردوغان بحيث أن "جردة" بما تحقق للأكراد لا تعكس أي تقدم فعلي على الأرض. يريد الأكراد أن يعيشوا هويتهم في مناطقهم،في إدارات الدولة، في التعلم بلغتهم في المدارس والجامعات، طبعا بموازاة اللغة التركية، وفي أن تكون لمناطقهم صلاحيات مالية وتشريعية يمكن ترجمتها فقط في الحكم الذاتي كحد أدنى.ويريدون أن تكون لهويتهم ضمانات في الدستور التركي الجديد إذا ما تسنى إعداده. إضافة إلى بعض المطالب الأخرى ومن أهمها إطلاق سراح أوجالان وأن يكون هو المخاطب لدى الدولة التركية. في معظم البلدان والكيانات التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى تغلبت النزعة القومية لدى الأكثرية على طبيعة السلطة وممارساتها فكانت سياسة إقصاء الأقليات وتهميشها وصولا إلى محاولة إلغائها بالعنف. والأكراد في تركيا كانوا ضحية سياسة تدميرية غير مسبوقة ولاسيَّما في عهد مصطفى كمال أتاتورك وفي التسعينيات. وتشير جميع الدراسات والتقارير إلى استبداد ذهنية قومية كانت تتقدم على ما عداه ولم تتغير حتى في التفاصيل "الصغيرة" مثل استخدام أحرف للكتابة غير موجودة في الأبجدية التركية. ومع أن أبعاد إقليمية بل دولية أضافت تعقيدات إلى المسألة الكردية في تركيا فإن الكرة أساسا لا تزال وستبقى في الداخل التركي. وليس مقبولا أن يمد حزب العدالة والتنمية غصن زيتون مرة إلى حزب السلام والديمقراطية ومرة يتهمه بالإرهاب. وليس مفهوما كيف يكون أوجالان إرهابيا وتشن القوات التركية الغارات تلو الأخرى على معاقل مقاتليه، فيما تبادر أنقرة أن الحل لا يكون إلا بالحوار معه. لقد أظهرت التطورات الأخيرة في المنطقة منذ حوالي السنة أن المخاطر على تركيا من جراء استمرار المشكلة الكردية تزداد حدة وتعقيدا. وأظهرت في الوقت نفسه أن محاولات التذاكي والتلاعب من جانب السلطة لن يخفي حقيقة أن الحل يبدأ بالاعتراف الكامل بالهوية الكردية وما يترتب على ذلك من خطوات.. مُرّة، ستكون أفضل من استمرار الفتنة وإراقة الدماء أو من.. الانفصال الكامل.

364

| 27 أكتوبر 2012

تركيا واختبار الهوية المستمر

يقول وزير خارجية السويد كارل بيلدت لصحيفة ميللييت التركية إنه كلما تراخت العلاقات التركية الأوروبية وتصاعد التوتر في الشرق الأوسط انعكس ذلك سلبا على تركيا. وقال إن العلاقات التركية الأوروبية ليست في مرحلة انهيار تام لكن التوقعات تراجعت. وقال "إن تركيا انفتحت على الشرق لكن "الأرض الموعودة" لم تظهر لذا فإن أنقرة ستعود بعد فترة إلى الخيار الأوروبي. الجغرافيا شرق الأوسطية قلقة ومهتزة. إن تركيا مبتعدة عن أوروبا ستكون أقل استقرارا وأكثر تعرضا للمخاطر في منطقة صعبة وغير مستقرة مثل الشرق الأوسط. وفي هذه الظروف ستشعر تركيا بالحاجة من جديد لأوروبا". وقال إن تركيا هي في بداية هذا "السيناريو السيئ". يحمل هذا الكلام المهم والنوعي مأزقا تركيا في طريقة التعامل مع النهج المؤدي إلى الحداثة والتقدم وما إذا كان يمثله خيار الاتحاد الأوروبي أم لا. عندما جاء أتاتورك إلى السلطة وأسس الجمهورية في العام 1923 كان حاسما في أن البنى والذهنية العثمانية، الإسلامية، كانت السبب في تخلف الدولة العثمانية وانهيارها. فاختار عكسها وشرع في نهج تغريبي في كل شيء حتى في طريقة الزي الذي يجب أن يرتديه الأتراك مع سنّ قوانين ملزمة بهذا الشأن وأشهرها ما عرف بـ"قانون القبعة"، مع فرض عقوبات على من لا يرتدي القبعة بدلا من الطربوش. حمل أتاتورك محراثه حارثا التربة العثمانية- الإسلامية في إجراءات طالت الأخضر واليابس حتى أنه غيّر الأبجدية العربية للغة وأحل محلها الأبجدية اللاتينية. كان واضحا في رأس أتاتورك ما الذي يريده، قد يكون يريد ضمنا تدمير الإسلام، وقد يكون يعمل على إخراج المسلمين من تخلفهم، كانت تجربة جديدة ورائدة وتحتمل من الخطأ كما من الصواب. أما اليوم مع حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان ومن معه فإن الصورة غامضة إلى حد كبير. وقد تخفي أجندات سرية وقد تكون نتيجة ارتباك وتجريب. الإسلاميون في تركيا كانوا دائما ضد الاندماج بالمؤسسات الغربية وكانوا ضد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. الزعيم الراحل نجم الدين أربكان نفسه كان يصف الاتحاد الأوروبي بخرقة بالية يجب تمزيقها مشيراً إلى خيار الدول الإسلامية وأطيح به من جانب العسكر وواشنطن لهذا السبب في العام 1997. وكان إلى جانبه في قيادة حزب الرفاه كل من عبد الله غول ورجب طيب أردوغان وبولنت ارينتش. وهؤلاء كلهم اليوم هم الذين يقودون تركيا. عندما بدأت فترة سلطة حزب العدالة والتنمية قامت حكومات أردوغان بالتقدم على الطريق الأوروبي إلى درجة جعلت أوروبا توافق على بدء مفاوضات مباشرة مع أنقرة في العام 2005. لكن كل شيء انتهى هنا. ومنذ ذلك الحين تعتبر المفاوضات شبه مجمدة أو مشلولة لشروط أوروبية من هنا ورفض تركي لها من هناك. قبل أيام نشر الاتحاد الأوروبي تقريره الدوري عن مسار العلاقة مع تركيا. وكان تقريرا قاسيا لانتقاداته الكثيرة لسجل حكومة أردوغان خصوصا في مجال الحريات والديمقراطية ولاسيَّما حرية الصحافة. وكانت ردة الفعل التركية الأقوى من جانب وزير الملف الأوروبي ايغيمين باغيش الذي دعا إلى إهمال التقرير ورميه في سلة المهملات! قد يكون كلاما انفعاليا وفي لحظته، لكن لا يبدو أن مثل هذه النظرة التركية إلى الاتحاد الأوروبي مجرد رأي شخصي أو انفعالي بل تبدو نهجا جديدا لدى حزب العدالة والتنمية. ففي نهاية شهر سبتمبر الماضي أي قبل عشرين يوما فقط، ولم يكن التقرير الأوروبي الجديد قد صدر، كان أردوغان يخطب في مؤتمر حزبه الرابع لمدة ساعتين ونصف الساعة. جال الرجل في التاريخ السلجوقي والعثماني ولم يذكر ولو مرة واحدة الاتحاد الأوروبي. بل أعطى من الأمثلة في التاريخ العثماني وقبله السلجوقي ما هو عبارة عن مواجهات عسكرية دامية بين الأتراك والبيزنطيين. فهل يمكن اعتبار مواقف أردوغان في تجاهل الاتحاد الأوروبي مجرد هفوة وانتقاد باغيش للتقرير الأوروبي مجرد زلة لسان أو انفعال؟ من هنا فإن كلام وزير الخارجية السويدي يحمل أهمية خاصة في توصيف العلاقة بين تركيا والاتحاد الأوروبي لجهة أنه إذا كانت تركيا تريد الخروج من تورطها في مستنقعات الشرق الأوسط فعليها أن تعود إلى الخيار الأوروبي. وهذا مرتبط في النهاية في تصور حزب العدالة والتنمية لمستقبل تركيا التي لا تزال "حقل اختبار" لهوية لم تستقر بعد منذ قرن حتى الآن.

585

| 20 أكتوبر 2012

تركيا بين التوجه الشرقي والقرار الغربي

أظهرت التطورات الأخيرة المتصلة بالوضع في سوريا مرة أخرى أن تركيا باتت رهينة تحالفها مع الغرب والتزامها بالضوابط التي وضعتها الولايات المتحدة تحديدا. وكان يقال ذلك دائما عن القوى العلمانية وعن المؤسسة العسكرية. حيث إن التاريخ القريب لتركيا لم يخرج عن كونه أداة في المنطقة للمخططات الغربية ولاسيَّما لضرب النماذج التي حاولت النهوض بالعرب ولاسيَّما التجربة الناصرية. وقد وصل الأمر أن عارضت أنقرة التصويت لصالح استقلال الجزائر في الأمم المتحدة. ولم يختلف الأمر حتى مع بعض القادة الأتراك الذين كانوا ينحون منحى اشتراكيا في الالتفات إلى قضايا العمال ومنهم بولنت أجاويد الذي أنهى حياته المشرقة بتعاون غير مسبوق مع الولايات المتحدة في آخر حكوماته في نهاية التسعينيات وقبل العام 2002. وعندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في العام 2002 لم يخرج نهج الحزب في السياسة الخارجية كثيرا عن الحكومات السابقة. فالحكومة برئاسة عبد الله غول نفسه وفي ظل سيطرة حزب العدالة والتنمية برئاسة رجب طيب أردوغان على البرلمان هي التي طلبت مشاركة أمريكا في غزو العراق عام 2003. وصوّت إلى جانب مذكرة الحكومة 254 نائبا من الحزب لكن تمرد حوالي تسعين نائبا على غول وعلى أردوغان هو الذي حال، بالتعاون مع قوى المعارضة الأخرى، دون نجاح المذكرة في البرلمان في التصويت المشهور في مطلع مارس 2003. ورغم التقارب التركي مع دول الجوار فيما سمي سياسة "صفر مشكلات" ولاقى اعتراضات أمريكية فإن تركيا لم تخرج عن الخط الغربي. فالانفتاح التركي مثلا على سوريا كان يتزامن مع سعي أنقرة للتوسط بين دمشق وتل أبيب للوصول إلى تسوية سياسية. كذلك في ذروة الانفتاح التركي على العرب كان عبد الله غول يعقد في قصره الرئاسي في خريف 2007 اجتماع قمة بين الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز والرئيس الفلسطيني محمود عباس. وفي ذروة التأييد الإعلامي للقضية الفلسطينية خصوصا في واقعة دافوس بين رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان والرئيس الإسرائيلي بيريز فإن أنقرة أبدت دائما اعتراضها على إطلاق صواريخ من قطاع غزة على إسرائيل ولم تساهم في دعم المقاومة المسلحة لحركة حماس. كذلك فإنه رغم مقتل تسعة ناشطين أتراك في حادثة أسطول الحرية على يد القوات الإسرائيلية فإن أنقرة لم تبد ردة فعل متكافئة واكتفت بتخفيض مستوى العلاقات الدبلوماسية مع استمرار العلاقات الاقتصادية بل هناك ازدهار مطرد في حجم التبادل التجاري بين البلدين منذ حادثة مرمرة وحتى الآن بنسبة زيادة سنوية لا تقل عن 35 في المائة. ومع أن أردوغان قد اعترض على خطط الناتو لمهاجمة ليبيا بعد الثورة على معمر القذافي غير أنه بدّل رأيه بعد وقت قصير وصار شريكا في العمليات العسكرية. اليوم تصاعد التوتر بين تركيا وسوريا عبر مجموعة من الأحداث أولها إسقاط سوريا لطائرة حربية تركية في 22 يونيو الماضي. وبعدها تكررت وفقا لأردوغان انتهاكات سورية للسيادة التركية متمثلة بسقوط قذائف على الأراضي التركية. لكن سقوط قذيفة سورية في الثالث من الشهر الجاري ومقتل خمسة مواطنين أتراك كان سببا لرد تركيا المدفعي بل أيضاً استصدار مذكرة من البرلمان بتفويض الحكومة استخدام القوة في عمليات خارج الحدود. مع ذلك فإن الردّ التركي بدا ضعيفا للغاية. ومع أن الأسباب تعود إلى أن عملية مقتل خمسة مواطنين لا تستدعي حربا ولا حتى عملية عسكرية مضادة وهي أمور تحصل في مثل الظروف التي تمر بها سوريا غير أن عدم الرد بعمل عسكري كبير رغم تهديدات أردوغان ورئيس أركانه نجدت أوزيل يعود بشكل أساسي إلى أن قرار الحرب كما السلم في الحالة السورية ليس قرارا منفردا لهذه الدولة أو تلك. وفي الصراعات ذات الطابع الاستراتيجي الدولي تنكفئ الدول المتوسطة القوة والصغيرة عن أن تكون صاحبة قرار حاسم أو مستقل. وقد وجدت تركيا نفسها، في كيفية الرد على سوريا، في مأزق عدم قدرتها على أن تكون بعد دولة مؤثرة في الصراعات الإقليمية والدولية خصوصا في ظل وضع بالغ التعقيد مثل الوضع في سوريا. وهو ما يجعلها أكثر ارتباطا بالقرار الغربي- الأمريكي ويضعف من سعيها لتكون قوة مؤثرة و"لاعبا مؤسسا وطليعيا في شرق أوسط جديد ترسم تركيا ملامحه وتقوده بنفسها"، كما يقول وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو نفسه، وهذا في أساس الحملة المتجددة على داود أوغلو تحديدا الذي رسم سياسات غير واقعية وغير قابلة للتطبيق إلا في الكتب.

344

| 13 أكتوبر 2012

تركيا ومأزق المراوحة مع سوريا

سقوط قذائف سورية داخل الأراضي التركية عند الحدود مباشرة ليس أمرا استثنائيا.فالمواجهات المسلحة بين قوات النظام السوري والمعارضة المسلحة بمحاذاة الحدود التركية السورية متواصلة منذ فترة طويلة واحتمالات سقوط قذائف أو رصاص على الجانب التركي من الحدود قائمة في كل لحظة. سقوط قذيفة على بيت تركي ومقتل خمسة أشخاص ليس نتيجة تستدعي الاستنفار القومي وتنذر بهبوب رياح الحرب بين تركيا وسوريا. ذلك أن كل الظروف المحيطة بالعلاقة بين تركيا وسوريا وفي المنطقة بسبب الصراع في سوريا وعلى سوريا يجعل من الوضع معقدا ومفتوحا على كل الاحتمالات إذا أريد له ذلك والعكس صحيح أيضا. فعلى سبيل المثال قامت إسرائيل بقتل تسعة أتراك مدنيين في عرض المياه الدولية في نهاية مايو 2010 كانوا في سفينة مرمرة في إطار أسطول الحرية.ومع ذلك لم تبادر أنقرة إلى الرد عسكريا على إسرائيل رغم التعمد في قتل الأتراك.ولم تقطع أنقرة العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل بل خفّضتها من رتبة سفير إلى السكرتير الأول.واستمر الازدهار في العلاقات الاقتصادية بين البلدين بحيث سجل سنويا نسبة زيادة عن كل سنة سابقة بلغت 35 في المائة. ورغم ضخامة الحادثة لم تفرض أنقرة من شروط جدية سوى الاعتذار عن الحادثة.وهو الذي لم يحصل حتى الآن. لقد تحولت العلاقات بين تركيا وسوريا منذ بدء الأزمة السورية إلى حالة مختلفة.حيث دائما كان العرب والمسلمون أشداء على بعضهم وأذلاء وضعفاء أمام العدو الحقيقي. لا يزال رجب طيب أردوغان الزعيم غير المنازع لحزب العدالة والتنمية والذي يحظى بتأييد نصف الناخبين الأتراك.لكن هذا يتصل بالشؤون الداخلية. ومن ينظر إلى استطلاعات الرأي الكثيرة والدورية منذ أشهر وحتى الآن يقف تماما أمام معارضة قاطعة تبدأ من 60 في المائة وتلامس الثمانين في المائة لأي تدخل عسكري تركي في سوريا بل ترى هذه النسبة أن سياسة تركيا تجاه سوريا خاطئة.وهذه النسبة لا شك تشمل قواعد في حزب العدالة والتنمية. ذلك أن الأزمة السورية خرجت من ظروفها التي ظهرت في البداية لتتحول إلى حلبة صراع إقليمية ودولية على سوريا.ومنها سترتسم ملامح النظام الإقليمي بل الدولي الجديد وهو ما يفسّر تماما الموقف الروسي الحاد والصلب في عدم خسارة سوريا حتى لو تسبب الأمر بحرب نووية. عندما بدأت الأزمة السورية سلكت تركيا تجاهها خطين متوازيين.في وقت كان وزير الخارجية التركي يقوم بزيارات عدة إلى سوريا لإقناع النظام بالإصلاح كانت أنقرة تنظم المعارضة السورية السياسية وتحتضن ما عرف لاحقا بـ"الجيش السوري الحر".وقد تحوّلت تركيا إلى قاعدة مريحة وأساسية للمعارضة السورية المسلحة لجهة المعسكرات والتدريبات والتسليح.وهو ما أدخل تركيا طرفا مباشرا في الصراع المسلح في سوريا.وهو ما تجمع عليه كل التقارير الغربية والتركية فضلا عن الوقائع الميدانية.وليس الإعلان مؤخرا على أن قيادة الجيش السوري الحر انتقلت من تركيا إلى داخل الأراضي السوري سوى دليل قاطع على صحة تلك التقارير والوقائع. لقد راهنت أنقرة على معادلة وحيدة ويتيمة وهو أنه لا حلّ إلا بإسقاط النظام.وهو رهان ناتج عن عدم تقدير التعقيدات المحيطة بالمسألة السورية ولاسيَّما التركيبة الداخلية السورية والروابط الإقليمية والدولية.وهو ما أوقع أنقرة بمأزق افتقاد زمام المبادرة وبالتالي المراوحة حيث لا يمكنها التراجع عن مواقفها المعلنة ولا يمكنها لأسباب أمريكية وغربية التقدم خطوة إلى الأمام لإسقاط النظام عسكريا. تتعاطى تركيا اليوم مع الأزمة السورية وفق سياسة حافة الهاوية.غرب لا يذهب معها إلى التصعيد فيما هي تحاول أن تأخذ بالتطورات إلى نقطة يمكن جر الغرب إلى مرحلة الخروج من المراوحة.وهذا يختزن الكثير من المخاطر التي يقدّرها "اللاعبون الكبار" أكثر من المستجدين على اللعبات الكبيرة. الحادث الذي أودى بحياة خمسة أشخاص أتراك بقذيفة سورية ليس خطيرا من أي زاوية نظرنا إليه ولا يستدعي كل هذا الاستنفار التركي ولا الاستنجاد بحلف شمال الأطلسي.وهو لا يعادل واحد في المائة من خطورة حادثة مرمرة بين تركيا وإسرائيل.وإذا كانت تركيا التزمت بالهدوء والحل السلمي لقضية مرمرة، فإن الأولى أن تفعل ذلك مع سوريا ليس من أجل تجاوز أزمة "القذيفة" بل كل الأزمة السورية التي لم يقدّر المسؤولون الأتراك مخاطرها على تركيا إلا في الآونة الأخيرة.

438

| 05 أكتوبر 2012

أردوغان: بداية العد العكسي؟

ينعقد غدا الأحد المؤتمر الرابع الكبير لحزب العدالة والتنمية. وهو مؤتمر استثنائي وحساس بكل معنى الكلمة. فالحزب الذي أحدث انقلابات جذرية في مسيرة تركيا داخليا وخارجيا يقف الآن على مفترق. والأنظار ستتجه بالطبع إلى رجب طيب أردوغان زعيم الحزب الذي لا يمكن أن ينفصل اسمه عن الحزب والحزب عن اسمه، حال جميع الأحزاب في تركيا التي تشخصنت إلى درجة أن غياب زعيم الحزب كفيل بأن يرسل الحزب نفسه إلى غياهب الذكر والتاريخ. مؤتمر الحزب غدا محطة غير عادية في تاريخ الحزب الذي تأسس في 14 أغسطس 2001 بعد إغلاق حزب الفضيلة وانقسامه إلى حزبين: العدالة والتنمية بزعامة أردوغان والسعادة بزعامة نجم الدين أربكان من خلف الستار. مجرد أن نشير إلى افتراق الطرق بين أربكان وأردوغان كان يعني الكثير لمنطق النهج الذي كان أردوغان وحزبه الجديد ينويان السير فيه. ببساطة كان أردوغان ومعه رفيق دربه عبدالله غول يريان أن الأسلوب الذي اتبعه أربكان في مواجهة السلطة العسكرية والعلمانية كان خاطئا ولا بد بدلا من المواجهة المباشرة الالتفاف على الواقع بإصلاحات تنسجم مع شروط الاتحاد الأوروبي وعدم إغضاب الولايات المتحدة الحامية والحاضنة للجيش التركي. ونجح أردوغان في إحداث أوسع عملية إصلاح في العديد من المجالات السياسية ولا سيما الاقتصادية حيث كان إنجاز أردوغان الأكبر. وكان إنجازا غير متوقع على صعيد السياسة الخارجية حين انفتحت تركيا على دول الجوار المباشر وعلى روسيا والبلقان. غير أن أردوغان يذهب إلى مؤتمر الحزب غدا الأحد وقد تغيرت معطيات السنوات العشر الأخيرة. فسياسات الانفتاح الداخلية اصطدمت بتصعيد للنزعة القومية أدت إلى عودة الروح إلى المشكلة الكردية التي باتت تشكل الخطر الأكبر على الأمن القومي. ولم تنجح جهود تخفيف الاحتقان في العلاقة بين السنة والعلويين. كما ارتفع صوت الاحتجاج خصوصا في الصحف الغربية على سياسة اضطهاد الصحفيين والتضييق على حرية الإعلام. كما أن المؤشرات الاقتصادية منذ عدة أشهر باتت أيضا تعكس تراجع النمو وعصر الرفاهية خصوصا مع الأزمة المالية العالمية والتوتر في الشرق الأوسط. كما أن النجاح الخارجي لم يدم طويلا وانهارت سياسة العمق الإستراتيجي وصفر مشكلات لتعود تركيا إلى علاقات عداء وتوتر مع معظم جيرانها. يذهب أردوغان إلى مؤتمر الحزب وهو يحمل مخاطرة عالية جدا بالنسبة لمستقبل تركيا ومستقبل الحزب. ذلك أن مركز الثقل السياسي في تركيا هو رئاسة الحزب ورئاسة الحكومة. فيما رئيس الجمهورية لا يمتلك سوى بعض الصلاحيات. زعماء تركيا هم رؤساء الحكومات وليس رؤساء الجمهوريات من عدنان مندريس إلى بولنت أجاويد وسليمان ديميريل وطورغوت أوزال ونجم الدين أربكان وصولا إلى رجب طيب أردوغان . ولا أحد يتذكر اسما لرئيس جمهورية خلا الذين كانوا رؤساء للحكومة وأصبحوا رؤساء للجمهورية. رئاسة الجمهورية تحوّلت مع الوقت إلى مكان للراحة والتقاعد السياسي.لذا كان يطمع رؤساء الحكومات إلى أن ينهوا حياتهم السياسية في رئاسة الجمهورية. هكذا فعل أوزال وديميريل وربما عبدالله غول رغم اختلاف حالة الأخير نسبيا. لم يختلف الوضع مع رجب طيب أردوغان الذي صال وجال وبنى شهرته على ما حققه من إنجازات من موقعه في رئاسة الحكومة وفي رئاسة الحزب. مع ذلك فإن "مقتل" أردوغان هو أن يصبح رئيسا للجمهورية لكن بصلاحيات الآخرين. لذلك فإن مؤتمر الحزب غدا هو الأخير الذي سيكون فيه أردوغان رئيسا للحزب ورئيسا للحكومة حتى العام 2014 موعد انتهاء ولاية الرئيس عبدالله غول. كل المؤشرات تشير إلى أن أردوغان سيكون مرشح الحزب ما لم تطرأ مفاجآت تحول دون ذلك. لكن مشكلة أردوغان الجدية أنه زعيم لا يعرف الراحة ولا التقاعد وبنى مجده على معاركه في الداخل والخارج. لذلك سيصعب عليه أن يكون في موقع ليس الأول في القرار في الدولة. وهنا يسعى أردوغان إلى أن يكون النظام السياسي في تركيا رئاسيا أو نصف رئاسي بحيث يأخذ معه الصلاحيات الأساسية أينما ذهب. وإذا لم يفلح أردوغان في ذلك فإن خطته أن يكون رئيسا للجمهورية لكن أن يكون أيضا المتحكم برئيس الحزب الجديد ورئيس الحكومة المقبل بحيث يكون هذا الأخير بمثابة زعيم للحزب والحكومة "بالوكالة أو بالأمانة" فيما القيادة الفعلية لأردوغان.وهو ما سيضعف الحزب بلا شك وينعكس سلبا على قوته وكوادره وثقة هؤلاء بأنفسهم، كما على قوة تركيا. سيظهر أردوغان غدا في مؤتمر الحزب زعيما حقق الإنجازات لتركيا لكن المخاطر التي تعرضت لها تركيا في السنتين الأخيرتين في الداخل والخارج وسعي أردوغان نفسه لاحتكار كل المواقع أينما كان، قد تجعل من مؤتمر الغد بداية العدّ العكسي لسلطة حزب العدالة والتنمية من جهة ولأردوغان كزعيم سياسي من جهة أخرى.

635

| 28 سبتمبر 2012

مصر تنتزع المبادرة من تركيا

كان من المعبر أن تقترح إيران تشكيل لجنة رباعية أو أكثر لحل الأزمة السورية وأن تتجاوب معها مصر لتظهر اللجنة الرباعية المؤلفة من إيران ومصر إضافة إلى السعودية وتركيا. الاجتماع الأول انعقد في مصر. ليس المهم أن تكون ثلاثة أطراف من لون واحد مقابل إيران. وإيران هنا تدرك ذلك لذلك دعت إلى توسيع اللجنة عبر ضم فنزويلا مثلا عن دول عدم الانحياز. لكن مع ذلك فإن الأهم هو أن الاجتماع دعت إليه مصر وانعقد في القاهرة. موقف مصر من النظام السوري واضح وهو أنه يجب أن يذهب وأن تنتظم الديمقراطية في سوريا.مع ذلك فإن اللجنة هي ترجمة لما كان يرفض الجميع قبوله وهو أن تكون إيران جزءا من اللجنة. وجود إيران في اللجنة يعطي الاجتماع جدية لا تكون له من دونها خصوصا أنها تمثل "الرأي الآخر" في اللجنة بسبب مساندتها للنظام. في الشكل والمضمون تشكيل اللجنة والجهة الداعية لانعقادها ومكان انعقادها هو بكل المقاييس فشل ذريع للسياسة الخارجية التركية التي يقودها الثنائي رجب طيب أردوغان- أحمد داود أوغلو. هذا ما لاحظه جميع متتبعي السياسة الخارجية التركية منذ عدة سنوات. كان "الدور الوسيط" أحد أهم عناصر قوة وصورة تركيا الجديدة في الشرق الأوسط بل وصولا إلى البلقان. فعلت ذلك بين سوريا وإسرائيل وبين إسرائيل والفلسطينيين وبين حركتي فتح وحماس وبين إيران والغرب وبين سوريا والعراق وبين الأطراف العراقية نفسها وفي لبنان. كانت أنقرة قادرة على التواصل مع الجميع. كانت الوحيدة القادرة على ذلك. كانت حقبة ذهبية في السياسة الخارجية التركية. لكن التطورات بعد أسطول الحرية وبعد بدء "الربيع العربي" أدخلت تركيا في مسار جديد من الانحياز لهذا الطرف أو ذاك حتى داخل المعارضة السورية كانت تركيا تنحاز لأطراف دون أخرى. واستحالت سياسة "صفر مشكلات" وحسن الجيرة إلى سياسة "صفر جيران" التي كادت تلامس الحرب مع قبرص وإسرائيل وسوريا والعراق وإيران وروسيا. وفي الأزمة السورية تحديدا رفع وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو ثلاثة خيارات أمام السياسة التركية: إما تأييد النظام أو دعم المعارضة أو البقاء متفرجة.واختارت تركيا دعم المعارضة. لكن خيارات تركيا لم تكن برأينا محصورة بهذه. كان من الممكن أن تعارض النظام وأن تدعم المعارضة وألا تبقى متفرجة. كان من الممكن مثلا عدم قطع الخيوط مع دمشق وعدم الذهاب بعيدا في دعم المعارضة وبالتالي تشغيل محرّك الدور الوسيط وبالتالي عدم دفع الأمور لتصل إلى هذه النقطة من الخصومة الحادة خصوصا أن تركيا دولة مجاورة لسوريا ولها حدود طولها 900 كلم. أي أنها ليست بعيدة مثل السعودية أو قطر أو حتى مصر لتتخذ مواقف متشددة من دون التأثر المباشر بالأزمة وتداعياتها. وهو ما أفضى في النهاية لتواجه تركيا وضعا صعبا وخطيرا ومهددا لأمنها القومي، عبر تصاعد عمليات حزب العمال الكردستاني ونشوء شريط كردي في شمال سوريا، ومهددا لحمتها الاجتماعية عبر استيراد الحساسيات المذهبية التي وجدت لها في تركيا أرضا خصبة. كانت المعارضة التركية أقدر من الحكومة على التقاط فرصة استعادة تركيا لدورها وإعادته إلى توازنه. فاقترحت أن تدعو الحكومة التركية إلى عقد مؤتمر إقليمي دولي في تركيا لبحث الوضع في سوريا. لكن السيف كان قد سبق العذل بالنسبة لأردوغان- داود أوغلو. والموقف القاطع بعدم البحث بأي حل مع النظام السوري وضرورة رحيله أولا أحرق كل العناصر الضرورية لأية مبادرة جديدة. باتت تركيا طرفا ولم تعد ممسكة بزمام المبادرة. باتت تتلقى المقترحات ولم تعد منتجة لأفكار الحل. باتت دولة عادية ولم تعد مركزية ترنو إلى تحركها الأنظار. باتت حامية وحاضنة لمعارضات مهاجرة أو هاربة، سياسية أو عسكرية، في هذه الدولة أو تلك بذريعة أنها لا تريد تكرار موقف الحياد من المعارضة العراقية أيام صدام حسين، فكانت النتيجة اليوم معاكسة. إذ قُذفت بوجه تركيا كل أنواع المخاطر والخسائر في قراءة غير واقعية وغير سليمة لمجمل تعقيدات الوضع السوري. وفي النهاية انتزعت مصر الراية من يد تركيا. ولا أدري ما الذي سيكون عليه شعور وزير الخارجية أحمد داود أوغلو عندما يشارك في الاجتماع المقبل للجنة الرباعية على مستوى وزراء الخارجية في القاهرة على الأرجح وهو يرى أن تركيا افتقدت دورها الوسيط وأفلتت من يدها زمام المبادرة ودخلت مرحلة الانحدار بسرعة لا يحسدها عليها أحد.

384

| 14 سبتمبر 2012

المخاطر الاجتماعية للأزمة السورية على تركيا

تكاد تركيا لا تحصد من الأزمة السورية سوى الخسائر. فبعد أكثر من سنة ونصف على اندلاعها أصبح المشهد التركي أكثر وضوحا مع ظهور عدد كبير من التقارير والأرقام والتحقيقات الميدانية على أكثر من صعيد. وإذا كانت المخاطر الأمنية باتت معروفة وتترجم من جانب حزب العمال الكردستاني بتكثيف الهجمات العسكرية على الجيش التركي في جنوب شرق البلاد وفي داخل المدن مثل غازي عينتاب وصولا إلى أقصى غرب تركيا مثل أزمير. ومع ظهور واقع كردي جديد في شمال سوريا مستغلا حالة الفراغ هناك ليضيف شريطا كرديا آخر مطوقا لتركيا بعد طوق الفدرالية الكردية في شمال العراق، فإن التداعيات الاجتماعية والاقتصادية تبدو ربما أكثر خطورة على البنية التركية. ظهرت أكثر من دراسة اقتصادية تؤكد الانعكاسات السلبية للأحداث في سوريا على الاقتصاد التركي. ومع أن الأرقام الاقتصادية التركية على مستوى البلاد لا تزال مقبولة غير أن اقتصادات المحافظات المحاذية لسوريا تكاد تعلن حالة الإفلاس والموت السريري. سواء لجهة الصادرات والواردات إلى سوريا ومنها أو عبرها إلى الدول العربية ولا سيما الخليجية، أو لجهة حركة عبور الناس في الاتجاهين. وأصيب قطاع النقل في تركيا بضربة قوية بعدما أغلقت تركيا نفسها معبر "جيلفيي غوزي" الحيوي المؤدي إلى حلب والذي كان يعتبر شريان الحياة لمنطقة الاسكندرون(أو هاتاي بالتركية) حيث تكاد تصدأ أكثر من 7 آلاف شاحنة نقل خارجي في مرآباتها. ويقول علي كافاك رئيس اتحاد صادرات البحر الأبيض المتوسط إن حجم تصدير الخضار والفواكه تراجع بنسبة أربعين في المئة لكن الكارثة ستظهر في شهر سبتمبر بسبب أن 90 في المئة من الشاحنات المتوجهة إلى السعودية والإمارات وقطر والأردن تمر عبر سوريا. ويقول إن ربع خضار تركيا تصدرها هاتاي وهي تحتل المرتبة الأولى في تركيا في نسبة شاحنات النقل الخارجي. ويقول روحي انغين أوزمين رئيس جمعية النقل الدولي إن أربعة آلاف شاحنة مركونة اليوم في المرائب. ويقول اوزمين إن الكارثة الكبرى هي أن هاتاي كانت تصدر سنويا حوالي ثلاثة مليارات دولار أما الآن فالرقم صفر. وأعطت دراسة لمركز "تيباف" التركي أرقاما كبيرة تراجعية لاقتصادات المحافظات المجاورة لسوريا. هذا فضلا عن تراجع حركة السياحة إلى نقطة الصفر من سوريا وعبرها. لكن حركة تدفق اللاجئين من سوريا إلى تركيا لم تنقطع. ولكنها حركة بمقياس التأثيرات الاجتماعية كانت سلبية إلى حد كبير. لقد ابتلي هذا الشرق وابتليت المجتمعات الإسلامية منذ قرون بلوثة المذهبية. وهذا "الشرق الأوسط الكبير" لم يبدأ في ترجمة نفسه إلا عبر ضرب الفكرة الأساسية التي نجحت لعدة عقود في توحيد العرب عبر فكرة العروبة وتوحيد الجهود ضد الاستعمار في المرحلة الأولى ومن ثم العدو الأول والوحيد وهو إسرائيل. لكن الغرب وضعف الانتماء الوطني في مجتمعاتنا وجّها ضربة قوية إلى الانتماء العروبي فتفككت لحمة مهمة عندنا وذهبنا إلى مكوناتنا التي سبقت النزعة القومية أي إلى المكونات القبلية والعشائرية والمناطقية. فازداد التفكك والانقسام والفرقة. لكنها كلها تبقى لا شيء أمام تعاظم النزعة المذهبية التي تضرب عميقا في جذور التاريخ ولا يتوانى أعداء الأمة عن إشعالها كلما لاحت لهم فرصة في ذلك. لا أحد ينكر الوجه الإصلاحي للأحداث في سوريا لكنه تراجع مفسحا أمام تقدم وجه بشع هو الوجه المذهبي والاتني فضلا عن صراع المصالح الدولية. ومع أن تركيا دولة علمانية لكنها نفسها لم تنجح في القضاء على النزعة المذهبية في داخلها بين السنّة والعلويين. واليوم ظهرت ظاهرة خطيرة وهي أن عددا كبيرا من اللاجئين السوريين قد حملوا معهم حساسياتهم المذهبية إلى تركيا وشرعوا في ترجمتها من خلال سلوكهم في المقاهي والمستشفيات والفنادق بحيث لا يريدون اختلاطا أو تعاملا مع من يختلف عنهم في المذهب من المواطنين الأتراك. كأن تركيا لا يكفيها ما هي فيه من توترات مذهبية. بقدر ما تطول الأزمة في سوريا بقدر ما تظهر جوانب جديدة من تداعياتها السلبية. وهذا من أهداف الغرب في إطالة الأزمة لكي يستفيد إلى أقصى حد مما تختزنه الأزمة من تأثيرات سلبية على سوريا وعلى جيرانها وكل المنطقة. وتبدو تركيا حتى الآن هي "الأوفر حظا" في تلقي هذه التأثيرات السلبية على أكثر من مستوى كما بينا أعلاه.

406

| 31 أغسطس 2012

تركيا تبتعد أكثر عن الاتحاد الأوروبي

عرفت تركيا في القرن العشرين ثلاث هويات.الهوية العثمانية الإسلامية التي انهارت في الحرب العالمية الأولى. والهوية العلمانية المتوجهة نحو الغرب والتي حاولت أن تنزع الهوية الإسلامية من النفوس والنصوص. أما الهوية الثالثة فهي التي لم تبتعد عن الهوية الإسلامية ولا الهوية العلمانية التي كان رمزها الأساسي عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. مثّل حزب العدالة والتنمية في سنتيه الأوليين في الحكم أي عامي 2003 و2004 الهوية الثالثة. إذ إنه حزب إسلامي ولكنه يتطلع إلى الأخذ بأساليب التقدم والحداثة. وهذا لم يكن ممكنا في الظروف التركية إلا من خلال تلبية الشروط الأوروبية الملزمة لتركيا لكي ترتقي إلى مستوى المعايير المطبقة في الاتحاد الأوروبي. ولقد اجتهد حزب العدالة والتنمية في تلك السنتين لكي يحقق قفزة نوعية تفتح له باب الانضمام اللاحق إلى الاتحاد. ونجح في ذلك عندما وافقت المفوضية الأوروبية على بدء عملية المفاوضات المباشرة مع أنقرة في العام 2005. وبدا أن هذه المسيرة لن تتوقف وأن تركيا بالفعل ستصبح ولو بعد أعوام عضوا في الاتحاد وتبدد كل الشكوك التي تثار وأولها أن الاتحاد الأوروبي هو منظمة مسيحية ولن تجد تركيا المسلمة مكانا لها فيه. وكأنها حلم في ليلة صيف أو سراب في صحراء سحيقة. فجأة انقطع حبل المسار الأوروبي. اتجهت تركيا شرقا. لم تقطع العلاقات مع أوروبا ولكن من الواضح أن توجهها شرقا لم يكن كما يشاع الآن نتيجة خيبة أملها من الاتحاد الأوروبي.لا بل في لحظة ذروة تقدم تركيا وانفتاح أوروبا عليها توقف أو تباطأ المسار الأوروبي لتركيا من دون أي مبرر. كانت نسبة الذين يؤيدون الاتحاد الأوروبي في تركيا قد وصلت إلى الذروة: أكثر من 78 في المائة يؤيدون الانضمام. وهذا رقم معبر لأنه يشمل أيضاً الاتجاهات الإسلامية. وكانت نسبة المؤيدين داخل حزب العدالة والتنمية نفسه عالية جدا. كان الكاتب التركي الإسلامي المعروف والمقرب من حزب العدالة والتنمية فهمي قورو يقول إن خيارات تركيا محدودة إما أن تكون في الاتحاد الأوروبي أو أن تكون جزءا من مشكلات العالم الإسلامي. منذ العام 2005 وحتى اليوم لم يبذل الأتراك جهودا جدية لتسريع مسار التقدم على طريق الاتحاد الأوروبي. كانت الذريعة أن تركيا لا تستطيع ذلك في وقت لم تحل المشكلة القبرصية وبالتالي لا يمكن الاعتراف بجمهورية قبرص اليونانية ممثلة لكل قبرص. في ذلك لا شك وجهة نظر. لكن أيضا لا يمكن أن يفسر التباطؤ بل حتى الجمود بهذا السبب فقط. ما ظهر لاحقا من تطورات سياسية في العالم العربي ولا سيما بعد بدء الحركات الشعبية أظهر تركيا طرفا مباشرا في الصراعات العربية والإسلامية. وهو انخراط أو تورط لم تضع تركيا قبل العام 2002 كما في مرحلة الحرب الباردة نفسها فيه رغم الخلافات التركية مع العديد من الدول العربية ولاسيما في المرحلة الناصرية. كانت تركيا لاعبا من خارج المنطقة لكنها اليوم تحولت إلى طرف في الصراعات الداخلية في مشروع يحمل الكثير من علامات الاستفهام التي تفضي إلى القول إن تركيا لا تريد أن تكون لاعبا عاديا في الساحة الأوروبية وتريد أن تترجم طموحاتها في الزعامة في مكان أكثر ملاءمة وهو الجغرافيا الشرق أوسطية والعربية والإسلامية. وهذا لا شك له محاذيره ومخاطره وتهديداته ولاسيما في ظل الكم الهائل من المشكلات والانقسامات والفتن والصراعات التي تشهدها هذه الجغرافيا والذي يجعل تركيا وأمنها ووحدتها واستقرارها ساحة مثلى للعدوى. الدور التركي الجديد في الشرق الأوسط الذي أخرجها من أن تكون بلدا "مركزا"، كما كان يطمح أحمد داود أوغلو، وأعادها لتكون بلدا "طرفا"، انعكس في خيبة أمل الأتراك من جهود الحكومة تجاه عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وليس أوضح وأخطر من نتائج دراسة جديدة قام بها مركز الدراسة العلمية والتربوية التركي- الأوروبي (تافاك) والذي أشار إلى أن 17 في المائة فقط من الأتراك يعتقدون بأن تركيا ستصبح عضوا في الاتحاد الأوروبي في حين كانت هذه النسبة عام 2004 أي في ذروة التقدم على المسار الأوروبي هي 78 في المائة كما ورد في الدراسة. وأيضا اعتبر 33 في المائة فقط أن الحكومة تبذل جهدا للانضمام. فيما ذكرت النسبة الباقية أن الحكومة إما لا تبذل أي جهد وإما لا تبذل جهدا كافيا. التراجع المخيف في نسبة الذين يثقون في إمكانية انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي يعكس مسارا اجتماعيا وسياسيا غامضا يبعد البلاد عن الأخذ بشروط التقدم والحداثة ولو بحدها الأدنى. ويخرج التجربة التركية من أن تكون مصدرا للاستفادة إذا كان هناك ما يمكن الاستفادة منه.

383

| 26 أغسطس 2012

تركيا في مواجهة المخاطر

ليس هناك من إجماع داخلي في أي دولة على سياسات السلطة فيها. نذكر هنا التباينات الكبيرة بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة وما بين الاشتراكيين واليمين في فرنسا. تدخل تركيا في نطاق الدول التي تواجه مشكلة في عدم وجود إجماع على السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية تجاه التطورات في المنطقة. وفي استعراض لخريطة المواقف يقف حزب العدالة والتنمية وحيدا في مقابل معارضة جميع أحزاب المعارضة دون استثناء. وهو وضع غير مسبوق إذ إنه في الحالات التي تمس البلاد عموما كانت العادة تكاتف الجميع أو غالبيتهم لمواجهة الأخطار. لكن اجتماع مختلف التيارات السياسية على انتقاد سياسة حزب العدالة والتنمية في المنطقة سبب إرباكا كبيرا لدى الحكومة وارتباكا في كيفية مواجهتها التحديات الوطنية والقومية. وكان يمكن لتركيا أن تتخذ المواقف التي ترغبها مع بدء الثورات في تونس ومصر واليمن والبحرين. ذلك أن الأمن القومي التركي لم يكن معرضا لأي أخطار بسبب بعد تلك البلدان عن تركيا. لكن الجغرافيا قدر لا يمكن ردّه. لذا عندما بدأت الأزمة في سوريا في منتصف شتاء 2011 كان واضحا أن النار اقتربت من تركيا. وقد حذّر المسؤولون الأتراك في بداية الأزمة من مخاطرها على تركيا. لكن شراع التطورات لم يكن في الاتجاه الذي ترغبه تركيا. وبمعزل عن النوايا والمواقف والمسؤوليات فإن تركيا اليوم أمام مشهد لا يسر من يريد الاستقرار والأمن في تركيا. أولا: لا يخفى تشابه المكونات الاتنية والمذهبية للمجتمع التركي مع تلك التي يتكون منها المجتمع السوري ومجتمعات المنطقة ككل. وإذ تستعر الفتنة الطائفية في سوريا فإنها تنعكس تلقائيا في الداخل التركي حيث إن تركيا رغم حكم العلمانيين على امتداد ثمانين عاما ورغم حكم الإسلاميين منذ عشر سنوات ومشاركتهم في السلطة أكثر من مرة في السابق فلم تنجح في حل المشكلة المذهبية في الداخل التي كانت تطل برأسها بين الحين والآخر وازدادت حدة بعد انفجار الوضع في سوريا. ثانيا: وجدت تركيا نفسها أمام عودة مناخات التسعينيات في العلاقة مع الأكراد وحزب العمال الكردستاني. فما تشهده مناطق متعددة في جنوب شرق تركيا من اشتباكات واسعة بين الجيش ومسلحي حزب العمال الكردستاني تجاوز ما كان قائما في التسعينيات. وللمرة الأولى يتم خطف نائب تركي من حزب الشعب الجمهوري المعارض من جانب "الكردستاني" في تحدّ واضح للدولة التركية وإظهار أن هناك دولة كردية موازية للدولة التركية على الأراضي التركية. ومثل هذه الاشتباكات الواسعة والمتكررة لم تشهدها تركيا منذ أكثر من 12 عاما وهي تنذر بمخاوف إضافية على الأمن القومي التركي. ثالثا: لعل الوضع الكردي المستجد في شمال سوريا سيكون إحدى النتائج السلبية على تركيا من الأزمة السورية. فسواء بقي النظام في سوريا أو حل نظام بديل أو دخلت سوريا في فوضى أو تقسيم فإن الواقع الكردي في شمال سوريا لن يبقى على ما هو عليه وستكون تركيا أمام "جار جديد" كردي سواء اسمه الحكم الذاتي أو الفيدرالية أو حتى الدولة المستقلة. وستكون تركيا أمام طوق كردي بكل معنى الكلمة يمتد من كردستان العراق إلى كردستان سوريا. وسيكون من الصعوبة على تركيا أن تحول دون استكمال "المسار الكردي" الذي بدأ في العراق ويمتد الآن إلى سوريا ولن يستثني جنوب شرق تركيا من تداعياته السلبية. رابعا: توترت علاقات تركيا مع معظم محيطها المباشر وليس خطف مواطن تركي في بيروت قبل أيام ردا على خطف لبنانيين في سوريا سوى مؤشر على تورط تركيا مع المكونات الاجتماعية والسياسية في المنطقة بعدما كانت إلى ما قبل سنتين خلت موضع ترحيب في المنطقة وفي لبنان. بمعزل عن الأسباب فإن تركيا اليوم أمام مشهد سلبي مختلف عما كان عليه قبل اندلاع"الربيع العربي". ومع أن حزب العدالة والتنمية لا يزال يحظى بشعبية تتزايد في الداخل فإن المحصلة على صعيد الأخطار والتهديدات تبقى معيار النجاح أو الفشل لسلطة حزب العدالة والتنمية في بلد بات استقراره في مهب الريح ووحدته موضع تهديد ودوره إلى انحسار بعدما كان مضرب المثل في التواصل مع الجميع.

399

| 18 أغسطس 2012

تركيا والفتنة المتنقلة

تتقدم منطقة الشرق الأوسط وبالتحديد الجغرافيا الإسلامية نحو قدرها الذي لم تحسن التخلص منه. إذا استثنينا دولة الكيان الغاصب إسرائيل، فإن المعارك والحروب والفتن والمؤامرات المتنقلة تشمل فقط العالم الإسلامي. من أفغانستان إلى العراق إلى سوريا إلى اليمن إلى السودان وصولا إلى جنوب الصحراء الكبرى ولاسيَّما في مالي. تتعدد أسباب "الاضطراب الكبير" الذي يموج في العالم الإسلامي ويهز بنيانه. ولا يقتصر الاضطراب على الدول المذكورة بل تشارك فيه دول أخرى إسلامية منخرطة أو متورطة أو مدفوعة إلى أمكنة لا يجب أن تكون فيها. وآخر مثال على ذلك ما حصل من عملية عسكرية مريبة تبنتها مجموعة إسلامية لا تخدم في هدفها سوى المزيد من تشديد الحصار على غزة وأول الغيث هو سعي القاهرة لتدمير شبكة الأنفاق التي تربط بين غزة ومصر والتي تعتبر شريان الحياة والتي لم تستطع منظمة تضم أكثر من خمسين دولة إسلامية اسمها منظمة التعاون الإسلامية أن تكسر شبرا من الحصار الإسرائيلي على القطاع وأهله. إذا ألقينا نظرة على تطور واقع العالم الإسلامي منذ عدة عقود نجده إلى تراجع. يفتقد المسلمون إلى المناعة لقول "لا" للعالم الخارجي الغربي تحديدا. وتحول المسلمون إلى أدوات وبيادق في رقعة شطرنج تتناوب على التحكم بها قوى كبرى. وبعد أن تقسم العراق إلى فيدراليتين وأصبح السودان دولتين هاهي سوريا أمام خطر حقيقي للتقسيم وفي أحسن الأحوال أمام فوضى تستنزف كل القدرات السورية بمعزل عمن يحكم أو يعارض. دائما كانت عين الاستعمار على تدمير أي قوة إسلامية أو عربية ناهضة. وبعد أن أصبحت الدولة العثمانية رجلا مريضا تنتظر الوقت المناسب لتقاسمها جاء محمد علي باشا ليوحد مصر وسوريا ويدخل البلاد في أول نهضة عربية حديثة وجدية على أكثر من صعيد. ولم تتأخر بريطانيا وبتراخٍ فرنسي في النهاية عن تدبير مؤامرة ضرب هذه التجربة في العام 1840. وفي العصر القريب لم تنم القوى الاستعمارية عن تدبير الخطط لضرب التجربة الناصرية في مصر التي كانت بمثابة النهضة العربية الثانية. ونجحت في ذلك مع عدوان 1967. ومنذ ثلاثين عاما وإيران التي تسعى للاستقلال بقرارها تتعرض لشتى الضغوط والتهديدات ولاسيَّما من الولايات المتحدة وإسرائيل لمنعها من امتلاك التكنولوجيا النووية والقدرات العسكرية. وننظر اليوم إلى سوريا فنجد قوة إسلامية كبرى أخرى تتعرض لمؤامرة غربية رغم أنها عضو في حلف شمال الأطلسي وهي تركيا. فما نراه اليوم من نتائج المعركة على سوريا أن تركيا بدأت تتحسس من أنها كانت موضع توريط في المسألة السورية. فالموقف الإنساني لا يختلف عليه أحد لكن العالم يعترف في النهاية بالنتائج والحصاد على الأرض. وحصاد الموقف التركي اليوم بات سلبيا إلى حد كبير.علاقات متوترة مع كل جيرانها المباشرين دون استثناء في عودة مأساوية إلى ما كان عليه الوضع قبل وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة. لكن الأكثر كارثية على تركيا هو ظهور العامل الكردي في شمال سوريا كامتداد للاعب الكردي في منطقة الشرق الأوسط أو بعبارة أدق في المربع العراقي الإيراني السوري الكردي. وهو عامل بات يضغط يثقل على وحدة الأراضي التركي انطلاقا من أحد لا يمكنه إعادة عقارب الساعة الكردية إلى الخلف. وبات حتى حزب العمال الكردستاني أقوى من أي وقت مضى إذ إن قواعده باتت تمتد من جنوب شرق تركيا، قاعدته الأساسية، مرورا بجبال قنديل، شمال العراق وفي حماية إقليم كردستان العراق، وصولا إلى الشمال السوري. وبهذه الخريطة الجديدة التي تفتح على مخاطر كبيرة على مستقبل تركيا ووحدتها واستقرارها فإن العالم الإسلامي يواصل كونه ساحة للمؤامرات الغربية التي تهدف إلى إضعافه وتفتيته ولو كانت إحدى دوله تخدم حلف شمال الأطلسي ليل نهار مثل تركيا. وبات كل محلل أمام تصور سهل للمخاطر: حيثما تصعد قوة إسلامية فإنها ستكون الساحة المقبلة للفتنة التي يخرج منها رابح واحد هو إسرائيل.

551

| 11 أغسطس 2012

قرن الأكراد!

فرضت التطورات الأخيرة في سوريا أجندة مختلفة نسبيا عن السياق القائم حتى الآن منذ بدء الأزمة قبل سنة ونصف السنة. كانت المسألة الكردية في سوريا هي الحلقة الأضعف في كل ما يتعلق بالأكراد في منطقة الشرق الأوسط.وذلك لقلة عددهم الذي يتراوح بين المليون والمليونين ولضيق الشريط الذي يتواجدون فيه.أما بالنسبة لقوة السلطة المركزية في دمشق فالسلطات المركزية في كل الدول التي يتواجد فيها أكراد كانت قوية. ومع ذلك كانت الحركة الكردية فيها من العراق وتركيا إلى إيران اكثر جرأة وقوة وتعبيرا عن امتعاضها من تجاهل حقوقها من الحركة الكردية السورية. في الأنباء المتواترة والتي نشرتها وسائل الإعلام أن مقاتلي حزب الوحدة الديموقراطي،الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني،قد انتشر بمسلحيه على امتداد الشمال الكردي لسوريا ونشرت صور زعيم الكردستاني المعتقل في تركيا عبدالله اوجالان في المدن الكردية السورية مع أعلام الحزب وأعلام كردستان الكبرى. هذا الانتشار أثار صدمة في الداخل التركي تحديدا لأن حزب العمال الكردستاني هو العدو الأول لتركيا ويخوض حربا ضد الدولة منذ العام 1984 ولا يزال ينشط بقوة داخل تركيا كما من قواعده في منطقة جبال قنديل. وأطلق المسؤولون الأتراك فجأة التحذيرات ورسموا الخطوط الحمر من أن سيطرة حزب العمال الكردستاني على شمال سوريا سيكون سببا لتدخل عسكري تركي ولقصف جوي ومطاردات ساخنة وربما لاحتلال المنطقة وأرفقت أنقرة تهديداتها بإرسال تعزيزات عسكرية من دبابات وصواريخ. إذا استمر الانتشار المسلح للكردستاني في شمال سوريا فسيشكل بالتأكيد تطورا نوعيا في العلاقة بين الأكراد في سوريا والمنطقة مع تركيا كما على صعيد مسار المسألة الكردية في الشرق الأوسط ككل. لا شك أن الأتراك فوجئوا بهذا التطور. فهم كانوا يركزون سياستهم تجاه سوريا منذ بدء الأحداث على إسقاط النظام وراهنوا على سقوطه سريعا. ولم يحسبوا إلى أن الظروف قد تعاكسهم وقد تتولد عن الأحداث ما ليس بالحسبان. ظهور واقع كردي جديد في شمال سوريا أربك الأتراك فلم يعرفوا كيف يتصرفون معه فكانت ردة الفعل الأولى أنهم سيتدخلون لمنع نشوء مثل هذه البنية التي قد تفضي إلى كيان سياسي في وقت لاحق فتجد تركيا نفسها محاطة من الجنوب بشريط كردي طويل جدا على امتداد حدودها مع سوريا البالغة حوالي تسعمئة كيلومتر. أظهر التطور الكردي في سوريا كم هي عالية ومتجذرة "الفوبيا الكردية" لدى أنقرة. المسؤولون أطلقوا أقوى التصريحات بهذا الصدد مهددين فيما لم يردوا مثلا على إسقاط سوريا للطائرة التركية في 22 يونيو الماضي. من النتائج المحتملة لنشوء واقع كردي جديد في شمال سوريا أن تنحرف أولويات الاهتمام التركي من إسقاط النظام في سوريا إلى كيفية مواجهة الخطر الكردي الجديد في شمال سوريا. من الثابت أن الواقع الكردي الجديد في شمال سوريا هو نتيجة سببين: الأول أن الأكراد في سوريا وفي كل المنطقة يستفيدون من أي حالة فوضى أو فراغ في أي مكان ليؤسسوا عليها واقعا جديدا يفيدهم في معاركهم للإعتراف بهويتهم الثقافية حيث يعيشون وحيث تمارس ضدهم كل أشكال التمييز. ومن المنطقي أن يستفيدوا من انشغال الجيش السوري بمواجهة المعارضة المسلحة في حلب وغيرها من أجل السيطرة على شمال سوريا الكردي. أما السبب الثاني فهو أنه بعد تفجير دمشق الذي أودى بحياة أربعة من كبار القادة الأمنيين السوريين فإن الخطوط الحمر سقطت ولم يعد هناك ما يمكن احترامه. تركيا من جهة تأوي وتدرب وتسلح الجيش السوري الحر وسوريا من جهة ثانية تطلق العنان لمسلحي حزب العمال الكردستاني لينتشروا في المناطق المحاذية لتركيا. المعادلة واضحة ومنطقية. و"من دقّ الباب سمع الجواب". لكن في المحصلة فإن الواقع الكردي في شمال سوريا لن يعود إلى ما كان عليه قبل بدء الأزمة في سوريا سواء بقي النظام أم جاءت المعارضة الى السلطة أو عمت الفوضى أو تقسمت سوريا. وتتراوح خيارات أكراد سوريا بين الحكم الذاتي كحد أدنى والفدرالية والدولة المستقلة أو المرتبطة بكردستان العراق كحد أقصى. وفي المحصلة فإن مسارا كرديا متصاعدا تشهده المنطقة. محطته الأولى كانت في فدرالية شمال العراق. ومحطته الثانية اليوم في شمال سوريا. وهو مسار يعكس "دفقا تاريخيا" لا يمكن وقفه وسيواصل مسيرته إلى كل الجوار الكردي من تركيا إلى إيران.لذلك فإن من أخطر النتائج التي أسفرت عنها الأزمة السورية حتى الآن وقبل أن تنتهي، هي ظهور واقع كردي جديد في شمال سوريا سيكون له أكبر الأثر على الواقع الكردي في الدول الأخرى ولا سيما تركيا. وهو الأمر الذي لم يحسب الأتراك له حسابا. بل لم يحسبوا جيدا أيضا أن مسعود البرزاني الذين يعتبرونه اليوم حليفا ضد حكومة نوري المالكي سوف يوقعهم في فخ تأييده للواقع الجديد في سوريا انطلاقا من حلم كردستان الكبرى ومن أن الكردي لن يسفك دم أخيه الكردي. هل يشك أحد أن القرن الواحد والعشرين لن يكون قرن الأكراد في المنطقة؟.

499

| 04 أغسطس 2012

التعليم الجامعي لأبناء المقيمين.. ملف لا ينبغي إهماله
التعليم الجامعي لأبناء المقيمين.. ملف لا ينبغي إهماله

هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ...

11451

| 22 أكتوبر 2026

كرفانات من ذهب
كرفانات من ذهب

هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات...

3852

| 27 أكتوبر 2026

مؤتمرٌ بلا صحافة وتصنيفٌ بلا معايير
مؤتمرٌ بلا صحافة وتصنيفٌ بلا معايير

تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"،...

3705

| 22 أكتوبر 2026

أين الخلل في منظومتنا الكروية؟
أين الخلل في منظومتنا الكروية؟

نستطيع لـوم اتحاد القدم وإدارات الأندية ووكلاء جلب...

3378

| 22 أكتوبر 2026

قطر والغاز الأمريكي.. ما وراء صفقة الشراء؟
قطر والغاز الأمريكي.. ما وراء صفقة الشراء؟

قد يبدو مستغرباً أن تشتري قطر، وهي من...

1422

| 25 أكتوبر 2026

حين يصبح التوظيف بداية الفشل
حين يصبح التوظيف بداية الفشل

قد تبدأ مشكلات المؤسسة قبل أن يتخذ الموظف...

1257

| 27 أكتوبر 2026

مأساة تعز وضرورة تحرك المجتمع الدولي
مأساة تعز وضرورة تحرك المجتمع الدولي

تبدو الحملة العسكرية (الحوثية) والحصار المفروض على مدينة...

921

| 26 أكتوبر 2026

رسالة من متقاعد إلى من يمثّل المتقاعدين
رسالة من متقاعد إلى من يمثّل المتقاعدين

أبارك للأخ حمد راشد المهندي على اختياره عضوًا...

840

| 25 أكتوبر 2026

ستر بيوتنا في خطر
ستر بيوتنا في خطر

في أكتوبر 2025 فتحت شركة أمريكية باب الطلب...

630

| 21 أكتوبر 2026

ما بين الدابة والعصا
ما بين الدابة والعصا

إن من أعظم العِبَر في قصة نهاية مُلك...

594

| 21 أكتوبر 2026

الذكاء الاصطناعي.. هل يتكرر سيناريو الدولار؟
الذكاء الاصطناعي.. هل يتكرر سيناريو الدولار؟

شكّلت هيمنة الدولار وحجب الوصول إلى النظام المالي...

462

| 23 أكتوبر 2026

في المسألة خلاف
في المسألة خلاف

لئن عجت كتب الفلاسفة الغربيين بالجدل حول ثبات...

420

| 25 أكتوبر 2026

أخبار محلية