رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

تركيا: أيديولوجيا و اقتصاد

توفر الجولة الخليجية للمسؤولين الأتراك الفرصة لتسليط الضوء على جوانب من التجربة التركية ومن الدور التركي في المنطقة. بين قطر والكويت تنقل رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان. وفي اليمن كان الرئيس عبدالله غول ووزير خارجيته أحمد داود أوغلو يجول محييا ذكرى الأتراك الذين سقطوا قديما هناك. “الحملة” التركية الجديدة كانت مجبولة برائحة المال حيث كان أكثر من 400 من رجال العمال الأتراك يرافقون القادة الأتراك طالبين تلزيمهم مشاريع كبيرة تقدر بمليارات الدولارات. السياسة التركية نفسها تنسحب على العراق حيث يتركز الجهد التركي الآن على الاقتصاد بعدما انتهت الأزمة السياسية في غير ما كان يتمناه الأتراك. الانفتاح التركي الاقتصادي على العراق لم يستثن شمال العراق الكردي.هناك ينشط عدد كبير من الشركات التركية وتركيا تتطلع لتنال حصتها من الاستثمار في قطاع النفط.الحساسيات العرقية بين الأتراك وأكراد العراق لم تختف. لكنه الاقتصاد على ما كان يقول الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون. عندما جاء حزب العدالة والتنمية إلى السلطة اختلطت الأيديولوجيا بالاقتصاد.مشروع تعزيز الحريات والديمقراطية تبعا للشروط الأوروبية كان يستجيب لشروط السوق الحرة:الجمع بين الحريات السياسية والاقتصادية.من هنا كانت البورجوازية التركية من أهم داعمي مشروع حزب العدالة والتنمية.وهنا لا فرق بين البورجوازية العلمانية والبورجوازية الإسلامية.بل كانت جمعية الصناعيين ورجال الأعمال القوية و“العلمانية” إن جاز التعبير من أقوى الداعمين لسلطة العدالة والتنمية عندما حملت لواء تلبية الشروط الأوروبية لتحديث النظام وحيث أوصلته الحكومات العلمانية السابقة إلى طريق مسدود من جراء مجموعة المحرمات والمحظورات التي كبّلت الحياة السياسية. عندما حصلت حادثة أسطول الحرية استشاط الأتراك غضبا وهذا طبيعي.وقامت الحكومة التركية ببعض التدابير ردا على الحادثة.من ذلك إلغاء بعض الاتفاقيات العسكرية على صعيد المناورات العسكرية وسحبت السفير التركي من تل أبيب وطالبت إسرائيل بالاعتذار والتعويض.لكن الاتفاقيات الأساسية الاقتصادية والعسكرية(اتفاق 1996 مثلا) لم تلغ. ورغم التوتر غير المسبوق بينهما إلا أن الأرقام الاقتصادية بين تركيا وإسرائيل في العام 2010 بلغت أرقاما غير مسبوقة في تطورها. حجم التجارة بينهما ارتفع بنسبة تقارب الثلاثين في المائة وحجم الواردات التركية من إسرائيل ازداد عن العام 2009 بنسبة أربعين في المائة وشملت الزيادة أيضاً الأشهر التي تلت العدوان على أسطول الحرية وليس فقط قبلها. الأمر نفسه ينسحب على العلاقات مع روسيا.الخطاب القومي التركي السابق كان يحول دون توسيع آفاق التعاون مع روسيا العدوة السابقة القيصرية والشيوعية. حزب العدالة والتنمية أسقط الحواجز التاريخية والحساسيات الدينية والعرقية وأصبحت روسيا الشريك التجاري الأول لروسيا وتكاد العلاقات بين الطرفين تصل إلى مستوى إستراتيجي من خلال التمهيد لإلغاء تأشيرات الدخول تدريجيا.كما أن التعاون في مجال خطوط الطاقة قائم على قدم وساق. ورغم تفاوت طبيعة الأنظمة بين تركيا وكل من سوريا والعراق والأردن ولبنان فإن تركيا قادت مشروع إقامة اتحاد رباعي بين هذه الدول (باستثناء العراق) ووقعت على اتفاقيات إقامة منطقة اقتصادية وثقافية واحدة تمهيدا لإقامة اتحاد سياسي من خلال تشكيل مجلس أعلى سياسي. تركيا الآن أصبحت الاقتصاد رقم 17 في العالم وتأمل أن تكون خلال سنوات قليلة ضمن الاقتصاديات العشر الأولى في العالم. الاقتصاد وحده لا يصنع مشروعا وثقلا سياسيا.النموذج الياباني هو الأبرز.كذلك لا تصنع الأيديولوجيا وحدها مشروعا سياسيا ناجحا ولا وزنا مؤثرا على صعيد الدور.لكن عندما تجتمع قوة الاقتصاد إلى أيديولوجيا تحمل من الكثير من محفزات التاريخ والتطلع إلى المستقبل والإرادة بمكان تحت الشمس، وبمعزل عن طبيعة المشروع الأيديولوجية، فإن فرص النجاح ستكون أكبر وهو ما تمثله الحالة التركية الحالية التي إذا نجحت في استكمال حل مشكلاتها الداخلية وقامت بتصفية حساباتها مع تاريخها فإننا سنكون أمام تركيا مختلفة.

612

| 15 يناير 2011

تركيا في العام الجديد: رهانات وتحديات

أنهى المسؤولون الأتراك عام 2010 بمواقف تفوح منها رائحة طموحات عالية ليس أقلها أن تركيا يجب أن تكون في طليعة الدول التي ستؤسس النظام العالمي الجديد. وتأتي مواقف وزير الخارجية أحمد داود أوغلو الأكثر تعبيرا عن التوجهات التركية الجديدة. ورغم أنه قال في لقاء مع صحفيين أتراك إن بوصلة تركيا لم تتغير ولا تزال جزءا من الغرب وأن مستقبل تركيا هو في الاتحاد الأوروبي فإنه أيضاً قال إن تركيا لن تكون أبداً دولة مواجهة مع أي محور ضد محاور أخرى. وأومأ إلى أن تركيا ستكون بنفسها محورا قائما بذاتها. تنتمي تركيا في السنوات الأخيرة إلى فئة الشعوب التي تتوثب وتتحفز وتقفز من مرحلة إلى أخرى، فهناك نمو اقتصادي متسارع رغم الأزمة المالية، ناتج قومي يلامس الثلاثة أرباع تريليون دولار، ارتفاع معدل الدخل الفردي، وحجم تجاري خارجي جيد. أما أرقام البطالة فهي ظاهرة عالمية بازدياد السكان وإن لا يعفي هذا سلطة حزب العدالة والتنمية من العديد من الثغرات التي تتسع مع الاستمرار الطويل لحزب في السلطة وعدم قدرة الاندفاع على ضبط التجاوزات ومكافحة الفساد. ومع أن تركيا حققت إنجازات كبيرة جدا في العام 2010 ولاسيَّما على الصعيدين الداخلي والخارجي من إقرار إصلاحات تاريخية في الداخل وصولا إلى دور متزايد عالميا بعد دور أنقرة ومعها البرازيل في إعلان طهران النووي، غير أن أمام تركيا العديد من التحديات التي يتعين عليها تجاوزها لمواصلة مسيرتها الناجحة. داخليا ستشهد تركيا في يونيو المقبل انتخابات نيابية مهمة. إذا نجح حزب العدالة والتنمية في الفوز بها والانفراد بالسلطة للمرة الثالثة يكون أمام تحدي استكمال الإصلاح من دون أي عذر للتأخر بها. وفي مقدمة هذه الإصلاحات إعداد دستور جديد مدني يطوي صفحة الدستور المعمول به حاليا منذ العام 1982 مع بعض التعديلات. والأهم ما سوف يتضمنه الدستور الجديد من مقاربة لمشكلات تركيا الاتنية ولاسيَّما المسألة الكردية والحريات العامة والدينية ومنها قضية الحجاب في الجامعات. ومع أن تصريحات رئيس الحكومة والحزب رجب طيب أردوغان لا توحي بتغيير النظرة الحالية والمتشددة للمسألة الكردية فإن الوضع قد يتغير بعد الانتخابات خصوصا أن الحزب الآن ليس في وارد تغيير خطابه القومي لحسابات انتخابية. وبقدر ما يكون التحدي أمام أردوغان وحزبه في ضمان حرية الحجاب في الجامعات وربما في غيرها فإن التحدي قائم أيضاً في ضمان الحفاظ على مبدأ العلمانية الذي يعني كل فئات الشعب التركي خصوصا في ظل اتهام العلمانيين لأردوغان أنه يسعى سرا لأسلمة الدولة تدريجيا. ويبدو التحدي الخارجي أيضاً كبيرا خصوصا في ظل التوتر مع إسرائيل والدور الإقليمي التركي الذي يثير حساسيات البعض. فالعدوان على أسطول الحرية التركي ومقتل تسعة أتراك على متنه على يد الجنود الإسرائيليين شكل كابوسا للدور التركي في الشرق الأوسط الذي طرح نفسه وسيطا بين سوريا وإسرائيل كما بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وفي ظل الرفض الإسرائيلي للاعتذار من تركيا والتعويض على الضحايا لا يمكن لتركيا أن تبادر إلى الوساطة. كما أن رفض إسرائيل للوساطة الإسرائيلية يشكل عامل ضغط على تركيا. لذا نجد أن العام 2010 لم يكن ناجحا لأنقرة على صعيد الدور الشرق أوسطي ولا على صعيد المساعدة الفعالة للفلسطينيين حيث بان جليا أهمية التجاوب الإسرائيلي لتسهيل أي دور تركي في المنطقة. كذلك على تركيا أن تذلل الاعتراضات العربية الضمنية من جانب بعض الدول أمام حضورها ودورها حيث تبين أيضاً أن تركيا لا يمكن أن تتجاوز الأدوار العربية الأخرى ولاسيَّما السعودية ومصر أو أن تتصادم معها وهو ما فرض تراجعا في الدور التركي الشرق أوسطي. كذلك يتوجب على تركيا أن تجد حلا يكفل لها استمرار التوازن في علاقاتها بين إيران والغرب ولاسيَّما بعد موافقتها على نشر الدرع الصاروخية الأطلسية على أراضيها في قمة لشبونة في الخريف الماضي. ومن أهم التحديات التي تواجه علاقات تركيا الخارجية هي ما تشكله المشكلة القبرصية من عقبة كأداء أمام تقدم المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي. كذلك على تركيا أن تبرهن أكثر بالممارسة العملية ابتعادها عن السياسات ذات الحساسيات العرقية أو المذهبية سواء تجاه العالم العربي والإسلامي أو في القوقاز وما يتصل بالمسألة الأرمنية. ولعل أهم تحد يواجه تركيا هو أن تخفف من الجرعة الزائدة من الأيديولوجيا في خطابها الخارجي فتكون أكثر واقعية ولا تسقط الآخرين في رهانات غير واقعية على ما يمكن أن تقدمه لهم.

725

| 08 يناير 2011

الخطاب التركي بين الواقعية والوهم

بحثت تركيا مؤخرا عن سبل لتصحيح علاقاتها مع اسرائيل.من ذلك إرسال طائرات لإخماد حرائق جبل الكرمل في شمال فلسطين.وما تلاه من اجتماع ثنائي بين مبعوث إسرائيلي ومدير عام الخارجية التركية في زوريخ. فتحت البادرة التركية بابا أمام إسرائيل للتجاوب مع مطالب تركيا في الاعتذار عن الاعتداء على سفينة مرمرة والتعويض على الشهداء الأتراك التسعة. لم يحدث ذلك.استمرت إسرائيل في رفض الاعتذار مع اقتراح تعويضات بمئة ألف دولار لكل ضحية. تلعب تركيا وإسرائيل لعبة القط والفأر.يشعر الطرفان كلٌّ بالحاجة للآخر. تركيا لا تزال ترى أهمية استمرار العلاقة مع إسرائيل .والذرائع الإنسانية وراء إرسال طائرات إخماد الحرائق إلى إسرائيل واهية. وقول وزير الخارجية التركية إن للناس في الشرق الأوسط دَينا علينا أيضا لا يستقيم مع الإجرام الصهيوني. تنظر تركيا إلى العلاقة مع إسرائيل على أنها شرّ لابد منه.وإلا ما مبرر القيام بمبادرات حسن نية تركية تجاه إسرائيل من دون أن تقدم هذه الأخيرة على أي تنازل وتغسل الدم التركي الذي لا يزال على الطريق في العراء؟. الشعور التركي بمثل هذه الحاجة يعود لعوامل متعددة. من ذلك أن الدور التركي المتنامي لم يكتمل بعد ويحتاج إلى مزيد من الوقت لكي ترتسم كل معالمه التطبيقية. القادة الأتراك رسموا منذ زمن الأطر النظرية للدور لكنهم وجدوا في التطبيق العملي أن ذلك يوصل إلى الاصطدام بقوى لا تزال تشكل عنصرا أساسيا من العلاقات الدولية لتركيا ومن محيطها الجغرافي ايضا. الاصطدام بإسرائيل ليس مجرد مواجهة ثنائية بل هو مواجهة أيضا مع الولايات المتحدة ومع الاتحاد الأوروبي. والواقعية التركية أدركت ذلك مؤخرا وهي عضو في حلف الناتو وذات علاقات عسكرية بنيوية من واشنطن.فضلا عن أن أمريكا هي اللاعب الأساسي في العالم والمحيط الإقليمي لتركيا.والولايات المتحدة هي المعنية مباشرة بالوضع في القوقاز ومشكلته الأرمنية وخطوط الطاقة من باكو وجيهان إلى نابوكو. والاصطدام مع إسرائيل هو اصطدام مع الاتحاد الأوروبي الحامي الرسمي الثاني للكيان العبري بل ذي الحدود المشتركة مع إسرائيل من خلال الجرف القاري في البحر المتوسط بين قبرص اليونانية وإسرائيل. ومؤخرا وقبل ايام قليلة فقط وقعت إسرائيل وقبرص اليونانية اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بينهما تمهيدا للتعاون لاستخراج النفط والغاز في المنطقة. وقد اعترضت تركيا على الاتفاق على أساس أن الجزء التركي من قبرص معني بمثل هذا الموضوع لكنه بقي خارج المفاوضات فيما لتركيا أيضا حدود بحرية مع قبرص ككل. يسود شعور واقعي في تركيا أنها مستهدفة من إسرائيل والغرب في دورها الإقليمي والدولي. إسرائيل تمضي في تعزيز علاقاتها الأمنية والعسكرية مع قبرص وبلغاريا واليونان ورومانيا وكلها من الدول الجارة لتركيا.وواشنطن تبتز تركيا من جديد في الملف الأرمني وعرضه أمام الكونجرس. وتحاول تركيا في المقابل امتصاص الغضب الغربي من خلال تقديم تنازلات في بعض الملفات مثل نظام الدرع الصاروخي الذي وافقت أنقرة على نصبه في تركيا رغم أنه موجه ضمنا ضد إيران وسوريا وغيرها من الدول المعارضة للسياسات الغربية في المنطقة. كذلك من خلال بادرة إرسال طائرات إخماد الحرائق إلى إسرائيل. ومع أن تركيا لا تكتفي بتقديم تنازلات إذ تسارع إلى تعزيز علاقاتها مع الدول المشرقية مثل توقيع اتفاقية إقامة اتحاد رباعي اقتصادي وثقافي بين تركيا وسوريا والأردن ولبنان، فإن السياسة الخارجية التركية تشهد بعض التراجع أو ربما الحذر في سلوكها الخارجي لم يكن كذلك في السنوات القليلة الماضية. وليس خارج الواقعية أن تبدّل الدول سياساتها أو تكتيكاتها لتحقيق مصالحها وأمنها على المدى الطويل لكن الخطاب الأيديولوجي المرتفع السقف الذي أطلقته أنقرة خلق أوهاما غير واقعية لدى بعض المجموعات في المنطقة ومنهم الفلسطينيون المحاصرون في غزة الذين يرون أن أحدا ممن دعموهم نظريا ومنهم تركيا لم يستطع مساعدتهم ولا يزالون متروكين في السجن الكبير في العراء للحصار والجوع والموت.وفيما كانوا ينتظرون طائرات المساعدات التركية(والعربية) لتحمل لهم الفرج، إذا بهذه الطائرات تتجه إلى الكرمل!. لقد أحدثت التحوّل في السياسات التركية تجاه المنطقة ومناصرة القضايا العربية ارتياحا واسعا لدى العرب والمسلمين لكن الواقعية كانت تقول بأن للدخول التركي إلى المنطقة حدودا من الواضح أنه لا يمكن له تخطيها. وإدراك ذلك والتحرك على أساسه هو في مصلحة الأتراك( والعرب والمسلمين) بحيث لا تضطر أنقرة لأي مبادرة تظللها علامات استفهام.

573

| 25 ديسمبر 2010

أحمد داود أوغلو:لا تخطئ يا صديقي!

أعرف جيدا أن وزير الخارجية التركية أحمد داود أوغلو مسكون بالتاريخ ويلاحق أحدهما الآخر أينما أتيح ذلك. وفي معظم اللقاءات التي كنت طرفا ثنائيا أو واحدا من جماعة مع داود أوغلو كان الحديث عن التاريخ والروابط المشتركة بين الشعوب السابقة للإمبراطورية يطغى على كلام الوزير التركي. ميزة داود أوغلو أنه جاء إلى السياسة من الحياة الأكاديمية ومن العلوم السياسية ومن التاريخ. ونادرا ما كان المثقف ينجح في الميدان السياسي محافظا على نقائه أو موقفه الفكري السابق على دخوله الساحة السياسية. لبنان مثلا شاهد على عدد من المثقفين الذين سرعان ما تحولوا إلى "بوق" لقوى سياسية معينة بدلا من أن يثروا الحياة السياسية بدم جديد. والأمثلة الشبيهة كثيرة في معظم البلدان. أحمد داود أوغلو استثناء في هذا المجال، كتابه " العمق الإستراتيجي" صدر في أبريل 2001. وهو، إلى كتبه الأخرى، الدليل الأبرز على ما كان يفكر فيه أحمد داود أوغلو، بحيث يمكن لمن يشاء أن يجد دليلا لمحاسبته في حال انتهج إستراتيجية أو سياسات تتعارض مع ما كان مقتنعا به. لم يخيب الرجل "الخطير جدا"، بحسب وثائق ويكيليكس، أمل الداعين أن ينسجم السياسي مع ما كان عليه عندما كان فقط "مثقفا". داود أوغلو كان منسجما مع ذاته وأقنع حزب العدالة والتنمية بنظريته ونظرته إلى واقع تركيا ودورها ومكانتها في محيطها الإقليمي والعالم. نجح "السياسي" في أحمد داود أوغلو في ألا تكون حساباته ضيقة ومحدودة الأفق واندفع يسعى إلى أن تكون تركيا "مركز العالم" لكن بدءا من المحيط الإقليمي لتركيا أولا. نجح الرجل البعيد النظر في أن يصفّر مشكلات تركيا مع جيرانها، حتى في المشكلة الأرمينية أحدث اختراقا غير مسبوق ويا ليته مضى فيه إلى النهاية بدلا من أن ينحني للضغوطات الأذربيجانية. وتصفير المشكلات استتبع بإلغاء تأشيرات الدخول (الفيزا) بين تركيا والعديد من دول جوارها مثل سوريا ولبنان والأردن ومن قبل مع إيران وجزئيا مع روسيا وهكذا دواليك. وسياسة "الحدود المفتوحة" في طريقها للاكتمال مع الاتفاق على إقامة اتحاد جمركي مفتوح بين تركيا وسوريا والأردن ولبنان ليكون نواة لاتحاد أوسع قد يضم العراق وإيران وصولا إلى دول الخليج العربية. وعلى قاعدة "أربع دول بحكومة واحدة" تمضي تركيا إلى إنشاء مجلس استراتيجي عالي المستوى بين هذه الدول. سياسات تركيا الانفتاحية مع دول الجوار العربي والإسلامي رافقها انفتاح أيضاً على دول البلقان من بلغاريا واليونان وصربيا وكوسوفا والبوسنة وما إلى ذلك وفي القوقاز "توأم" تركيا أذربيجان التي أظهرت وثائق ويكيليكس أن رئيسها المهم علييف يكنّ عداء كبيرا لأنقرة. سعي أحمد داود أوغلو إلى التقريب بين شعوب المنطقة هدف نبيل جدا ومطلوب ومرغوب جدا من جانب كل شعوب المنطقة الأصلية التي تواجه محنة التدخلات الخارجية والعدوانات الغربية- الإسرائيلية. لكن ما ليس مرغوبا وليس مفهوما أن يدعو الوزير داود أوغلو إلى إقامة "كومنولث عثماني" يضم معظم الدول الحالية من البلقان إلى الشرق الأوسط إلى القوقاز وآسيا الوسطى. وإلى هنا الفكرة جميلة بما تعنيه من تضامن وتكتل على غرار الاتحاد الأوروبي يستفيد منه الجميع وعلى قدم المساواة. لكن ما تبع فكرة إقامة الكومنولث من قول داود أوغلو أن تركيا تسعى لتكون زعيمة لهذا الكومنولث هو ما يثير الدهشة والاستغراب. فالرجل المسكون بهاجس التاريخ يدرك جيدا أن النجاح في التقارب وربما الوصول إلى التكامل بين مكوّنات ما كان إمبراطورية عثمانية لا ينطلق من الرغبة أو الحنين لدى هذه الدول إلى عثمانية لا قديمة ولا جديدة. بل يشكل مصلحة وطنية و"قومية" إن جاز التعبير لكل دول المنظومة العثمانية السابقة. الجميع يريد الاستقرار والتنمية الاقتصادية والتسهيلات في التنقل والتنسيق في القضايا الكبرى والتعاون لدرء الأخطار الخارجية. أما أن يكون مثل هذا التكتل أداة أو وسيلة لممارسة دور "الأفندي" أو "الباشا" أي السيد على "الرعايا" السابقين للسلطان الجديد فهذا ما لا يمكن قبوله من دول كوّنت مسارا جديدا لها وبلورت هويات "سيّدة" لا تابعة، من البلقان إلى العالم العربي وإيران وصولا إلى الدول التركية في القوقاز وآسيا الوسطى. إن استمرار ظهور نزعة "العثمانية الجديدة" في تركيا منذ عهد طورغوت أوزال وصولا إلى أحمد داود أوغلو أمر يرسّخ الانطباع أن "النزعة الإمبراطورية" خاصية تجري في شرايين شريحة كبيرة من النخب التركية وهذا مدعاة قلق لكل جيران تركيا. وهي نزعة تختلف عن دعوة نجم الدين أربكان مثلا لإقامة اتحاد إسلامي يضم دولا كبيرة جدا لم تكن خاضعة للدولة العثمانية مثل ماليزيا وإندونيسيا وإيران وباكستان. وهنا لا يوجد مكان لـ "زعامة" ما بل الجميع متساوون وذلك بخلاف الدعوة إلى "كومنولث عثماني" حيث القيادة جاهزة لتركيا. وهنا الثغرة الأكبر والأخطر في مشروع الرجل "الخطير جدا". فلا تخطئ يا صديقي أحمد داود أوغلو.

529

| 12 ديسمبر 2010

معاقبة تركيا

تصدرت تركيا الوثائق الخاصة التي نشرها موقع ويكيليكس أكثر من تسعة آلاف وثيقة؛ ما نشر منها حتى الآن لا يتعدى الواحد في المائة. لذا انتظر رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان وقال "لنر ما الذي سيسقط بعد من حجارة من تنورة ويكيليكس". كانت المؤامرة على تركيا واضحة في الوثائق. أولا في عدم صحة بعض الوثائق وثانيا في إثارتها للشكوك في العلاقة بين تركيا وجيرانها العرب وإيران وأذربيجان وثالثا في الجهة المسؤولة عن تسريبها. وصفت الوثائق أردوغان بأنه إسلامي النزعة ومنها ينطلق في حملته ضد إسرائيل نازعة عن سياساته صفة الرسمية والمصالح الوطنية التركية، ظهر كما لو أنه يتحرك بغرائزه، ولا يثق إلا في المقربين منه، لكن الأهم أن الوثائق أرادت أن تطعن أردوغان في نقطة القوة التي يتمتع بها أي نظافة الكف فأعلنت الوثائق أن أردوغان يملك ثمانية حسابات مصرفية في سويسرا. كان أردوغان يريد انتظار ظهور الوثائق الأخرى لكن تحرك المعارضة التركية ولاسيَّما حزب الشعب الجمهوري لاستغلال هذه التهمة وتشويه صورة أردوغان دفع به للخروج عن صمته والانفجار بوجه افتراءات الوثائق متحديا أنه إذا كانت صحيحة فسيستقيل من رئاسة الحكومة ومن النيابة في البرلمان. بل دعا إلى محاكمة الدبلوماسيين الأمريكيين الكاذبين. يكفي أن تكون تهمة الحسابات المصرفية لأردوغان غير صحيحة حتى تلقي ظلالا من الشك على صحة الوثائق الأخرى. وتجهد الوثائق لإظهار علاقة أو نظرة سلبية في علاقة تركيا بجيرانها. تنقل الوثائق عن مدير عام الخارجية التركية أو عن وزير الخارجية التركي أن تركيا منافس بل بديل عن إيران والسعودية أو أن تركيا تسعى لفصل سوريا عن إيران أو أن الوساطة التركية بين سوريا وإسرائيل تزيد من عزلة إيران. كما تنقل أن الرئيس السوري بشار الأسد يرى أن إيران، وليس تركيا، هي الدولة الأهم في الشرق الأوسط تليها تركيا فسوريا. كذلك تنقل الوثائق عن داود أوغلو أو مقربين منه أنه يتطلع إلى الحلم العثماني بقوله إن أنقرة هي مركز العالم. وإذا كان التطلع للعب دور مركزي في المنطقة مشروعا لدى أي دولة ولاسيَّما إذا كانت مثل تركيا ذات التاريخ العريق فإن هذا يجب أن يكون عبر التعاون مع دول المنطقة العربية والإسلامية وشعوبها وليس عبر طرح الدول نفسها منافسة أو بديلا أو ربما خصما لغيرها وهذا ما حاولت الوثائق أن تظهره. وإذا كان من غير الممكن إنكار النزعة الإمبراطورية أو الفوقية لأي دولة فإن العوامل المشتركة والخطوات الإيجابية التي تظهر التكامل بين تركيا وجيرانها ولاسيَّما سوريا وإيران والسعودية ودول الخليج عامة قد لا تتسع لها وثائق ويكيليكس للحديث عنها. تهدف الوثائق إلى رؤية الواحد في المائة الفارغ من الكأس من العلاقات التركية مع جوارها العربي والإسلامي، ولا تريد أن ترى الـ 99 في المائة الملآنة منه. حتى الواحد في المائة هذا يجب أن تعمل الدول المعنية ولاسيَّما تركيا على ملئه لتكون العلاقات فائضة بالثقة المتبادلة التي لا بديل منها لاستمرار التأثير والحضور. أما الهدف من الوثائق ولاسيَّما المتعلقة بتركيا فإن الشكوك التركية كلها تذهب إلى جهة واحدة هي إسرائيل ومن خلفها واشنطن. الرئيس عبدالله غول تساءل عن سبب غياب إسرائيل عن الوثائق قائلا إن هناك نية ما من وراء نشرها. وأشار رئيس البرلمان محمد علي شاهين إلى أن إسرائيل هي المستفيدة الأولى من الوثائق ولا يمكن تسريبها بدون علم وزارة الخارجية الأمريكية. يعكس ما نشر حتى الآن من وثائق حول تركيا أن الهدف منها هي "خربطة" المشهد الداخلي التركي في العلاقة حتى بين أعضاء حزب العدالة والتنمية أنفسهم وإضعاف الحزب عبر اتهامات لأردوغان بالفساد. كما تسعى الوثائق إلى ضرب التقارب التركي مع العرب وإيران. وهذا أفضل وسيلة لكي تنتقم إسرائيل وأمريكا من تركيا على مواقفها من إسرائيل بدءا من وقفة أردوغان في دافوس وصولا إلى أسطول الحرية مرورا بالبرنامج النووي الإيراني والعلاقات المميزة مع سوريا. وإذا كانت الوثائق تكشف الكثير من العلاقات السرية بين البعض والإدارة الأمريكية فإن ما نشر حتى الآن فيما يتعلق بتركيا أعطى نتائج معاكسة لصالح أردوغان وهو ما سوف يدفعه إلى أن يواصل الطريق نفسها التي سلكها حتى الآن ولاسيَّما تعزيز العلاقات مع العرب والمسلمين، وهذا أفضل رد على "المؤامرة".

825

| 05 ديسمبر 2010

alsharq
وثائق إبستين ووهْم التفوق الأخلاقي

عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب...

15186

| 08 فبراير 2026

alsharq
«تعهيد» التربية.. حين يُربينا «الغرباء» في عقر دارنا!

راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة...

1848

| 12 فبراير 2026

alsharq
الرياضة نبض الوطن الحي

يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة،...

1641

| 10 فبراير 2026

alsharq
ماذا بعد انتهاء الطوفان؟

لم يكن الطوفان حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه مع...

852

| 10 فبراير 2026

alsharq
الطلاق.. جرحٌ في جسد الأسرة

الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وهي...

816

| 12 فبراير 2026

alsharq
التأمين الصحي 2026

لقد طال الحديث عن التأمين الصحي للمواطنين، ومضت...

672

| 11 فبراير 2026

alsharq
من 2012 إلى 2022

منذ إسدال الستار على كأس العالم FIFA قطر...

603

| 11 فبراير 2026

alsharq
صعود تحالف الاستقرار في المنطقة ؟

يشهد الشرق الأوسط منذ سنوات طويلة حالة مزمنة...

585

| 09 فبراير 2026

alsharq
الموبايل وإبستين.. الطفولة في خطر

لم يعد هذا الجهاز الذي نحمله، والمسمى سابقاً...

525

| 09 فبراير 2026

alsharq
بين منصات التكريم وهموم المعيشة

في السنوات الأخيرة، أصبحنا نلاحظ تزايدًا كبيرًا في...

522

| 12 فبراير 2026

alsharq
قوة الحضارة الإسلامية

لم يكن البناء الحضاري في الإسلام مشروعا سياسيا...

489

| 08 فبراير 2026

alsharq
الصحة في قبضة الخوارزميات

يستيقظ الجسد في العصر الرقمي داخل شبكة دائمة...

459

| 10 فبراير 2026

أخبار محلية