رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في عصرٍ يتسم بالسيولة الأخلاقية، حيث تُساق الذرائع لتبرير المواقف وتغليف التخاذل تحت مسمى "مسايرة الواقع"، تعود الجذور التاريخية والنصوص الدينية لتصدم الوعي الإنساني بمرآة حادة. إن القراءة المتأملة في أدبيات التاريخ الإنساني، وقصص الأنبياء في القرآن الكريم على وجه الخصوص، تكشف أن الأزمات الأخلاقية والمواقف الفردية لم تكن يوماً وليدة الصدفة، بل هي خيارات واعية يصنعها المرء بقطع النظر عن محيطه وظروفه. نقف اليوم أمام ثلاث مفارقات تاريخية كبرى، أعيد صياغتها في الوجدان المعاصر لتلخص أزمة الوعي والإرادة؛ مفارقات تضع "العقل المريض" في مواجهة "الفطرة السليمة"، وتنزع عن الإنسان المعاصر أقدم الحجج التي يتستر خلفها: حجة "الواقع والظروف". المفارقة الأولى: عندما تتفوق الغريزة السليمة على العقل المريض تضعنا الحكاية التاريخية لسفينة نوح أمام مقارنة وجودية عميقة؛ نبيٌ يقضي قرابة الألف عام في دعوة بني جنسه من البشر، متسلحاً بالمنطق، والبرهان، والصبر الطويل، كما يصور القرآن هذا الثبات الإعجازي في سورة العنكبوت: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ العنكبوت: 14. لكن النتيجة كانت إصراراً بشرياً على العناد أفضى بهم إلى اختيار الهلاك والغرق. وفي المقابل، نداءٌ واحدٌ وُجّه إلى كائنات غير عاقلة (الحيوانات)، فاستجابت بفطرتها النقية ولبت النداء لتركب سفينة النجاة امتثالاً للأمر الإلهي: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ ۚ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ هود: 40. إنها المفارقة البلاغية التي تخبرنا بأن "العقل" عندما يصاب بكبرياء الوهم والجهل يصبح أداة تدمير ذاتي، بينما تحمي الفطرة البسيطة صاحبها. في عالمنا اليوم، نرى هذا التوازي بوضوح؛ فبينما تدرك الفطرة الإنسانية البسيطة الحق وتتجه نحو النجاة الأخلاقية، تعمد بعض النخب الفكرية والسياسية استخدام "عقولها المريضة" لتبرير المظالم وهندسة الهلاك الجماعي. المفارقة الثانية: سقوط حجة "البيئة والواقع" أحد أكثر المبررات شيوعاً في العصر الحديث للتهرب من المسؤولية الأخلاقية هو إلقاء اللوم على "البيئة المحيطة". يقول لسان حال الكثيرين: "ماذا يمكنني أن أفعل؟ هذا هو الواقع الذي أعيش فيه". لكن التنزيل الحكيم يفكك هذه البروباغندا النفسية من خلال معادلة تقابليّة صارمة، جمعها القرآن الكريم في موضع واحد بسورة التحريم ليكون بياناً حاسماً للبشرية: امرأة نوح: عاشت في بيت نبي يُوحي إليه، في مركز الإشعاع الأخلاقي والدعوي، ورغم ذلك انتكست واختارت الخيانة العقائدية والهلاك: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ التحريم: 10. آسيا بنت مزاحم (امرأة فرعون): عاشت في قعر دار أكبر طاغية عرفه التاريخ، محاطةً بأعلى درجات البذخ، والترهيب، والفساد العقدي. ورغم ذلك، نبتت في قلبها بذرة الثبات على الحق، واختارت جوار الله على عرش مصر: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ التحريم: 11. الرسالة هنا عابرة للقارات والأزمان: الواقع ليس عذراً. إن الصلاح والفساد ينبعان من قرار حر وفردي داخل النفس البشرية. لا يمكن للمحيط الفاسد أن يبرر سقوطك، ولا يمكن للمحيط الصالح أن يضمن نجاتك إن لم تكن مصلحاً لنفسك. المفارقة الثالثة: دراما الطاعة والجحود تصل الذروة العاطفية والأخلاقية في المقارنة بين موقفين لجيل الأبناء؛ موقف يمثل قمة الامتثال وآخر يمثل قمة العقوق: إسماعيل بن إبراهيم: يأتيه والده بخيار يحمل الموت بمقاييس البشر (رؤيا الذبح)، فيأتي رده صاعقاً في بره وطاعته المطلقة كما خلدها القرآن: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ الصافات: 102. امتثالٌ أذهل التاريخ وبات رمزاً للتضحية. ابن نوح: يمد له والده حبل النجاة والحياة في وسط أمواج الطوفان المتلاطمة، فيرفض بدافع الكبر والاعتماد الزائف على الأسباب المادية: ﴿وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ هود: 42-43. هذه الفجوة بين "برٍّ حد الذهول" و"عقوقٍ حد العجب" تعكس الانقسام الحاد في المواقف الإنسانية تجاه الأزمات؛ هناك من يمتثل للمبادئ العليا ولو بدت شاقة، وهناك من يتنكر لها ولو كانت فيها نجاته. الخاتمة: المسؤولية الفردية والمقاطعة الأخلاقية، تتقاطع هذه العبر الثلاث لتصب في مجرى الواقع المعاصر، وتحديداً في قضايا الضمير العالمي الحية اليوم، مثل المقاطعة الاقتصادية والأخلاقية للمنظومات الظالمة. إن الشعار الذي يرفعه الضمير الإنساني اليوم—"قاطع ولا تكن شريكاً في الدم"—هو الامتداد العملي لهذه الدروس التاريخية. عندما يتذرع البعض بأن المقاطعة غير مجدية، أو أن نظام السوق العالمي يفرض نفسه، يأتي الجواب مستمداً من ثبات امرأة فرعون وعصيان ابن نوح: الواقع ليس عذراً، وستسأل وحدك. إن التاريخ لا يعيد نفسه ليتسلى به البشر، بل ليضع كل فرد أمام مرآة مسؤوليته الفردية. في نهاية المطاف، لن يشفع للمرء مجاراة السائد أو الخنوع للواقع؛ فالمركب يتسع فقط لمن امتلك شجاعة الركوب، والنجاة الأخلاقية تبدأ بقرار فردي يرفض أن يكون شريكاً في الجريمة ولو بالصمت.
186
| 06 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها...
4236
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية...
3144
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص...
1095
| 28 سبتمبر 2026
أخطر التضليل الإداري لا يحتاج إلى تزوير رقم...
1074
| 27 سبتمبر 2026
بعد أيام من رحيل مؤسس الشركة، يجتمع الأبناء...
1038
| 29 سبتمبر 2026
كل شيء سيمر، قد تبدو هذه العبارة بسيطة،...
804
| 30 سبتمبر 2026
جاء قرار معالي رئيس مجلس الوزراء الموقر بإعادة...
693
| 29 سبتمبر 2026
-سمو الأمير لخصَ السياسة الخارجية القطريةفي معادلة تجمع...
663
| 27 سبتمبر 2026
يحظى المعلم في دولة قطر بالاهتمام الكبير والتقدير...
498
| 25 سبتمبر 2026
في قلب النهضة الشاملة التي تعيشها قطر، يبرز...
480
| 28 سبتمبر 2026
لقد فطر الله تعالى عباده على حب المال،...
471
| 27 سبتمبر 2026
ما يجري اليوم في مضيقي هرمز وباب المندب...
468
| 29 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية