رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

التقدم بين مفهومي المادة والأَصالة

حُصِرَ مفهوم التقدُّم على الماديِّ الملموس، متغلِّباً بذلك على المفهوم الحقيقي لتقدُّمِ الأُمم وهو الإِنسانيِّ، ومرجعُ ذلك إلى الثقافة الرأسمالية، يقول (نعومي تشومسكي) في كتابه «الربح قبل الناس-1999»:»الرأسمالية المتوحشة تعزِّز الَّلاتكافؤ الاجتماعي، فهي لا تهدف إلى تحقيق العدالة، بل إلى تعظيم الأرباح، حتى وإن كان ذلك على حساب الإنسان وحقوقه الأساسية»، ويؤكِّد على مقولته (زيغمونت باومان) في كتابه «الحياة الاستهلاكية-2007» بالقول: «المجتمع الرأسمالي يحوِّل الإنسان إلى كائن استهلاكي بامتياز، لا تتحقق قيمته إلا بقدر ما يستهلك، مما يجعله عالقاً في دوامة لا تنتهي من الرغبات المصطنعة». *من هذه المعايير الرأسمالية أخذت مجتمعاتنا مفهوم «التقدُّم» ليكون معياراً تُقاسُ به حركة الأُمم والحضارات، في حينَ أن تقدُّم الإنسان ذاته لم يعد ذا بالٍ في المعايير الدولية التي تقودها مؤسسات رأسمالية، وقد أوقفني كلامٌ دقيقٍ، ولافت قاله المفكِّر القطري د. نايف بن نهار في لقاءٍ له، يقولُ فيه -بتصرُّف-: «ما يخيفني في النموذج الخليجي هو أني أشعرُ بأنَّ هناك محاولة لإنتاج الإنسان الاقتصادي، بمعنى أنَّ نموذج الإنسان في الخليج المحدَّد الأساس له هو المحدَّد الاقتصادي، حيث تشعر بأنَّ كلَّ شيءٍ يَصُبُّ في إطار تشبيع الإنسان بالقيم المادية؛ كلُّ شيءٍ يتحدَّث عن المادة، المادة، المادة فقط. أما إن سألتَ عن ماهية التقدم، فإنَّ الإجابة هي: الثروات الهائلة في الصناديق الاستثمارية، أو زيادة الدخل الفرد، أو مساحات الأبراج الموجودة، أو المناطق السياحية، وهذا ليس هو التقدم، هذه مؤشرات للغنى وليست مؤشرات للتقدم. لا يوجد انطلاق من الإنسان، وإنما انطلاق من مؤشرات مادية فقط. على أساس أنها هي التقدم، وهي ليست التقدم. إذا كنا نعتقد أن التقدم هو فقط الجانب المادي، فهذا جانب خطير لأنَّ هذا يخلق لك إنسان الغنيمة فهو لا يتحرك إلا وفقاً لمنطقة الغنيمة والمادة؛ فهو يحبُّ الوطن مادام الوطن غنيمة، ويُناصر الوطن مادام الوطن غنيمة ينتفع منه ويكتسب، لكن بمجرد أن يشعر أن الوطن له كلفة سيتهرَّب منه. حينما تغذِّيني بالقيم المادية ماذا تتوقع مني أن أنتج؟ سأكون بهذه الطريقة، حينما تُغيِّبُ مني الروح الاجتماعية والروح الثقافية، تغيِّب مني أصالتي وعمقي التاريخي في هذه الأرض، أنت تفقدني أصالتي. العالم لا ينقصه الدول الغنية، الدول الغنية كثيرة، ولكن ينقصه الدول الأصيلة، دول فيها أصالة، فيها عمق، تشعر بروحك. الإنسان ينتمي للأصالة، لا ينتمي لحالة البهرجة التي يعيش فيها العالم ويندفع إليها». *حينما نتأمل هذا الطرح نجدهُ يعبِّرُ عن قلق عميق لأحدِ أبناء الخليج العربي من تحوِّل النموذج الخليجي إلى نموذج مادي بحت، حيثُ ينتقلُ تعريف التقدم من أصالةِ الإنسان إلى الثراء الاقتصادي، وتلك إشارة إلى أن التركيز المفرط على المؤشرات المادية مثل «الدخل الفردي، الاستثمارات، المباني العالية، والمشاريع السياحية» باعتبارها معايير للتقدم دون اعتبارٍ لعناصر الأصالة التي ترسِّخ عناصر إنسانية الإنسان مثل القيم، والهوية، والروح الاجتماعية. *وإذا كان إنتاج “الإنسان الاقتصادي” الذي يتحرَّك فقط وفق منطق الغنيمة والمصلحة المادية فإنَّه يشكِّلُ خطراً كبيراً؛ لأنه يخلق مجتمعاً هشَّاً في قيمه، حيث الولاء للوطن مرتبط بالمنافع وليس بالهوية والانتماء الحقيقي؛ بمعنى آخر، حينما يصبح الوطن مجرد فرصة اقتصادية، فإن الأفراد قد يتخلُّون عنه إذا أصبح عبئاً أو لم يعد يحقق لهم المكاسب المادية التي اعتادوا عليها. *كما أن الإنسان وفقاً للمفهوم المادي قد أصبح يوزن بحسبِ ما لديه من مال «عندك قرش تسوى قِرش»!، وهذا مناقض للبناء المعياري الإنساني «إن جاءكم من ترضون دينه وخُلقه فزوِّجوه» و»فاظفر بذات الدِّين تربت يداك» كما جاءَ في الحديث الشريف، ومناقضٌ لمفهوم الإنسان الحُرَّ الذي يُعلي مروءته وكرامته فوق الاعتبار المادي إن المفهوم الحقيقي للتقدُّم لا يقاس فقط بالثروة، بل بالأصالة، والهوية العميقة، والروح المجتمعية، والقدرة على بناء مجتمعات متماسكة الوشائج، نبيلة القيم، أصيلة المبادئ، إنسانية العلاقات، وهذا ما يجعل مجتمعاتنا قوية في جوهرها، وذلك فيما يتمثَّلُ من قوة العلاقات الاجتماعية العامرة فيها، ورصانة عاداته، وتجذُّر قيمها، وأصالة عاداتها، ورفعة إنسانيتها، وسماكة روابطها العائلية، وحيوية تواصلها الاجتماعي، والتفافها، وحنوِّها، وتعاطفها على بعضها، وهذه الصورة التي عبَّر عنها الحديث الشريف على صاحبه أزكى صلاة وتسليم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمَّى». *إن مؤشَّر مجتمعاتنا الأصيل لهو ما يتعلَّق بهويِّتنا، والتقدُّم المادي لا يميِّزُ أحداً في شيءٍ، ولكن الهوية هي التي تميِّزُ أُمَّةً عن غيرها، وعلى ذلك فإنَّ على مجتمعاتنا أن تُعيد البوصلة إلى وجهتها الحقيقية ليكون التقدُّم في مفهومها مرتبطاً بالأصالة بما فيها من قيم، وتاريخ، وعادات، وعلائق إنسانية، ومعتقدات إيمانية، وكل ما يتعلق برقي الإنسان الذي يرتكزُ إعمار الأرض بقدرِ ما لديه من قيم عظيمة وليس بقدرِ ما يملكُ من مال وفير!.

822

| 19 مارس 2025

التحدي الأكبر لهُوياتنا

أثناء تجوالي في أحد المعارض الثقافية المقامة في إحدى الجامعات، قالت الطالبة الجامعية وهي تشرح: إن أبرز تحديات الهوية هو العولمة، فلما انتهت، قلت لها: أبرز تحديات الهوية هو نحن، وما يتعلق بنا من أفكار وردات فعل نحو هوياتنا. يرى المفكر «زيجمونت باومان» في كتابه «الحداثة السائلة (Liquid Modernity) أن العولمة تخلق «هوية سائلة»، حيث يجد الأفراد أنفسهم في حالة دائمة من التغيير وعدم الاستقرار، مما يجعل الحفاظ على الهوية المحلية صعبا في ظل الانفتاح الثقافي والتكنولوجي المتسارع. إنما يبقى التحدي الأكبر ليس ما نتلقاه وإنما ما نكون عليه نحن من فهم وإدراك وقدرة على إبداء ردة فعل تنتصر لهويتنا، وهنا أستحضر مقولة المهاتما غاندي: «إنني لا أريد أن ترتفع الجدران من كل جانب حول بيتي، ولا أن يحكم إغلاق نوافذي، إنني أريد أن تهب ثقافة كل أرض حول بيتي بأقصى قدر من الحرية، لكنني أرفض أن تقتلعني ريح أي منها من جذوري»، فقد رحب برياح الثقافات أن تدخل بيته، لكنه - في المقابل - يمتلك القدرة على رفض أن تقتلعه هذه الرياح من جذوره. وأقول: نعم، نحن أنفسنا -في الحقيقة- نشكل تحديا لهويتنا الذاتية، لأن الهوية ليست قالبا ثابتا أو موروثا بالكامل، بل هي عملية مستمرة من التشكل والتفاعل مع العالم، بيد أننا قد نكون نحن سببا مهددا لهويتنا وذلك من عدة جوانب: * أولا: ما يتعلق بالصراع الداخلي بين القيم المتوارثة والقيم المكتسبة، حيث إننا نعيش في بيئات تتغير باستمرار، وهو ما يجعلنا معرضين لمواجهة أفكار ومعتقدات جديدة قد تتعارض مع ما نشأنا عليه؛ هذا الصراع الداخلي بين الماضي والحاضر، بين التقاليد والتحديث، قد يجعلنا في حالة ارتباك بشأن من نكون وما الذي نؤمن به حقا، وهنا تبرز ردود أفعال مختلفة بين الانفتاح غير المنضبط، والانغلاق غير المحمود، والتوسط الوازن بينهما. * ثانيا: السعي لإرضاء الآخرين على حساب الذات؛ ففي كثير من الأحيان، نحاول تشكيل هويتنا بناء على توقعات المجتمع أو العائلة أو الأصدقاء أو حتى الآخر الافتراضي أو الأجنبي الذي لا يعنيه أمرنا، مما يجعلنا نتنازل عن قيم تشكل هويتنا الذاتية لصالح التكيف مع ما يريده الآخرون، وهذا ما قد يؤدي إلى شعورنا بعدم الاتزان، والثبات. * ثالثا: الاستسلام لصورة الذات السلبية؛ حيث نحصر أنفسنا داخل قوالب فكرية تقلل من قيمتنا أو تجعلنا نشكك في إمكانياتنا. وهذه الصورة الأكثر سطوعا حيث يفضل كثيرون على سبيل المثال اللغة الإنجليزية في تحدثهم على العربية لغتهم الأم، ورفع لافتات تجارية بأسماء أجنبية في بلد عربي، وتفضيل اللباس الأجنبي على العربي، وذلك ما ينسجم مع مقولة ابن خلدون : «ترى المغلوب يتشبه أبدا بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتخاذها وأشكالها بل وفي سائر أحواله وانظر ذلك في الأبناء مع آبائهم كيف تجدهم متشبهين بهم دائما وما ذلك إلا لاعتقادهم الكمال فيهم». * رابعا: الخوف من التغيير والتطور، فالهوية ليست ثابتة، بل تنمو وتتطور مع الزمن، بيد أن شعور بعضنا بأن علينا أن نتمسك بكل ما هو موروث دون تطوير أو تغيير يحد من قدراتنا في التغيير والتجديد، ومعلوم أن «ما لا يتجدد يتبدد» لذلك نسيء إلى هويتنا من حيث نظن أننا نحسن إليها. * خامسا: التناقض بين القيم الشخصية والسلوك الفعلي فنحن ورغم ما نؤمن به من قيم مدعومة عقائديا، ومؤصلة تأصيلا روحانيا إلا أننا ولأسباب مختلفة لا ننسجم وفقها أثناء السلوك الفعلي، والتطبيق العملي، وهذا ما ولد الازدواجية في مجتمعاتنا. * سادسا: الانغماس في العالم الافتراضي وفقدان الهوية الواقعية، فثورة التواصل الاجتماعي، وما شهدته من تنوع وسائلها أشعر البعض بأنه يعيش حياة مزدوجة غير واضحة المعالم، إذ قد يظهرون بصورة معينة في هذه الوسائل في حين يعيشون حياة واقعية مختلفة، أو أن كثرة متابعتهم لبعض «المشاهير» ومظاهر البذخ في حياتهم، يصيبهم بعدم الاتزان في حياتهم مما يؤدي إلى ظهور أزمة في هوياتهم الذاتية. إذن نحن بحاجة إلى أن نتغلب على التحدي الناشئ من أنفسنا قبل العوامل الخارجية الأخرى كالعولمة وغيرها وذلك بعدة خطوات: - أولا: أن نعي ونفهم أنفسنا ونحدد ما نؤمن به من قيم تشكل هويتنا الذاتية، فهذا الوعي والوعي يساعدنا على فهم قيمنا وانفعالاتنا وعواطفنا وافكارنا. إن تشكيل هذا الوعي والفهم يحتاج إلى تعميق انتماءاتنا الفكرية والاجتماعية والتاريخية بثقافتنا الأصيلة. - ثانيا: أن نخلق توازنا يتوافق بين ما نشأنا عليه وما نتطلع إليه فهذا سيعيننا على عدم الانجرار وراء تيار الانفتاح غير المنضبط ولا النكوص إلى الوراء. - ثالثا: وعينا بأن الهوية متغيرة عبر الزمن، ولكن الثوابت الأصيلة هي روح الهوية وهي ما يجب أن نحافظ على بقائه. الشاهد من ذلك بأننا نحن الذين نشكل التحدي الأكبر لهويتنا فلا أحد باستطاعته أن يفرض علينا ما لا نقبله، وأضرب على ذلك مثالا بالأقليات الإثنية التي تعيش في بلدان مختلفة عنها استطاعت أن تكون بيئات مستقلة عن المجتمعات التي تعيش وسطها، وذلك لأنها قررت أن تتنصر على هويتها، ورفضت الذوبان في هويات غريبة. لا شك بأننا اليوم أحوج للانتصار لهوياتنا في ظل محاولات مستميتة لتنميطنا، وإعادة تشكيل هوياتنا، لهذا لا يجب أن نلتفت إلى عوامل خارجية وننسى العامل الأكبر الذي يشكل التهديد الأعظم لهويتنا وهو «نحن»!.

831

| 02 مارس 2025

نماذج من المديرين

من الأُمور التي قلَّما يلتفتُ إليها صنَّاع القرارِ في أيَّةِ وحدةٍ عندما يعيِّنون مديراً يحسبونهُ قادراً على القيامِ بمسؤولياته، وقد يكونُ ظنَّهم صحيحاً من الناحيةِ الإِداريةِ، لكن من الناحية العملية فهو لا يمتلك المهارات اللازمة لدفعِ العمل، بمعنى مبسَّط؛ أنَّه قد يستطيع صُنع العربة لكنَّهُ لا يعرفُ من أيَنَ يأتي بالأحصنة لتجرَّ العربة، وإن أتى بها فهو لا يعرفُ كيف يَعْقِدُ وثاقَها بالعربة، وإن عقد وثقاقها فهو لا يدري إلى أينَ سيكون اتجاه العربة!. هنا أستذكر الموقف الذي تحدَّث عنه ستيف جوبز في شركة آبل وذلك في مقابلةٍ أُجريت معه منتصف الثمانينات من القرن العشرين حينما قرروا توظيف ما أسموه «الإدارة المهنية»، أو الأشخاص الذين يعرفون كيفية إدارة الأشخاص، لكنَّ توجُّههم جاء بنتائج عكسية سريعة، يقول ستيف جوبز: «لم ينجح الأمر على الإطلاق». «معظمهم كانوا من البوزو (أي الحمقى)، لقد عرفوا كيف يديرون الأمور، لكنهم لم يعرفوا كيف يفعلون أيَّ شيء”، ويضيف جوبز: «إنَّ الأشخاص الذين لم يتوقعوا أن يصبحوا قادة، انتهى بهم الأمر إلى أن يصبحوا أفضل المديرين على المدى الطويل؛ وذلك لأنهم يمتلكون مجموعةً من المهارات بدلاً من التركيز على الإدارة فقط، وهكذا استطاعوا أن يعلِّموا مرؤوسيهم طرقاً عملية من أجل تحسين العمل. هذا أيضاً يُذكرِّني بتجربة مصريَّة في سنةٍ من السنوات حينما عُيِّنَ (30) مديراً فنيَّاً على رأس الإِدارة في ثلاثين مصنعاً فجاءت النتائج عكسية أيضاً حيث فشل (28) مديراً فنيَّاً، ونجح فقط اثنان منهم لامتلاكهما قدرات إدارية، والمحصَّلة أن الفنيِّ - في الغالب - قد يكون متخصِّصاً خبيراً في مجاله لكنه لا يعرفُ كيف يدير. إِننا نرى نماذج المديرين الذين لا يمتلكون القدرة على فعل شيءٍ ماثلاً في بعض المؤسسات، فهم نوعية من المديرين البيروقراطيين الذين يعتنون بتفاصيل إدارية طويلة لا جدوى من ورائها، ويتقصُّون أموراً يضيعون بها وقتَ موظفيهم ومؤسساتهم، وهم متقوقعون حول دائرةٍ ضيِّقةٍ من الأداءِ المملِّ الذي لا ينتجُ شيئاً جديداً، يحسبونَ أنفسهم منتجون، وفاعلون إدارياً ولكنَّهم يسبِّبون تراجعاً لأداءِ مؤسساتهم وإحباطاً من مرؤوسيهم. هذا النموذج الذي وصفه جوبز بـ (البوزو) أي الأحمق، لا يقدِّم شيئاً للمنصبِ الذي يشغلهُ عدا عن الأداءِ الشكلي الفارغِ من الإنجاز، فإذا نظرت بصورة عامة مقيِّماً قيمة الإنجاز الذي حقَّقه هذا النوع من المديرين لن تجدَ شيئاً يُذكر عدا روتينية الإجراءات وهذه لا تحتاج إلى مديرٍ يديرها، لأن أيَّ موظف يستطيع بتكرار العمل أن يفعلها دون أدنى تفكير فيها!. المديرون الذين لا يضيفون فكراً جديداً للأداء المؤسَّسي، ولا يطوِّرون آليات العمل، لا يستحقون أن يكونوا مديرين، إنَّما هم في الحقيقة يحافظون على الكراسي بأقصى ما يستطيعون، أمَّا المديرون الحقيقيون فهم أولئك الذين يضيفون ما يرقى بعمل مرؤوسيهم نحو ما يحسِّن الأداء بصورة ملحوظة، وملموسة. المديرون الحقيقيون أولئك الذين يصنعون أثراً، لا الذين يثيرون غُباراً، فيكونُ أثرهم محمودٌا يُذكرون به في أثرِ تقدِّم المؤسسة، وارتقاءِ أدائها. وإذا كانت كلمة «المدير» تطلقُ عادةً على منصبٍ يُعزى إلى الإدارة الوسطى، فإنني أقصدُ بالمدير كل من يديرُ أفراداً في الثلاث إدارات؛ العليا، والوسطى، والدُّنيا، وهُنا أُريد أن أقول في شأنِ تعيين مديرين أو رؤساء الوحدات: أولاً: إن الخبرة لا تصنعُ قائداً فمسألة الترقية للمنصب حسب الأقدمية ليست صحيحة في مطْلَقِها بل هي ضارَّة في كثيرٍ من الأحيان، وطاردة للأفكار المتجدِّدةِ، إلا أن يكون صاحبها من المتجدِّدين فكرياً، ومهنياً. ثانياً: المديرُ مُشرفٌ وموجِّهٌ ولا يجب أن يتدخَّل في العمل إلى درجةٍ مَرَضيَّة مؤذية، حيث إن بعضُ المديرين من هذا النموذج يبالغون في ممارسةِ الرقابةِ على موظفيهم، والتدخُّل في شؤونهم، والسيطرةِ عليهم، وتقييد أفكارهم، وتعطيل مبادراتهم، وتقزيم مقترحاتهم، والسطو على أوقاتهم الخاصة، ما يجعلهم غير متقبَّلين من قِبل موظفيهم الذين لا يرون فيهم إلا مجرَّد كاميرات مراقبة، ومجسَّات إنذار، وأجهزة بصمات، لا يرون فيهم الروح الإنسانية التي ترق مشاعرها لهم، ولا العقل الذي يوجههم برشدٍ وبصيرة، وهذا النموذج يعدُّ استمراره وبالاً على المؤسسة. ثالثاً: المدير الحقيقي هو ذلك الذي يعرفُ كيف يعمل، وفي أي اتجاهٍ يقود مؤسسته، وما هي المهارات اللازمة لذلك، وهو ذلك الذي يترفَّع عن صغائرِ الأمور، وتوافه الأخطاء. رابعاً: لا يجب أن يستمرَّ أي مديرٍ غير كفء في أيَّةِ إدارة، لأن استمراريته تعنى إحباطاً متوالياً من موظفيه، وهبوطاً متواصلاً في أداءِ مؤسسته، ولهذا يجب تغييره على الفور. خلاصة القول إنَّ الإدارة مزيج من القدرات الإنسانية والعلمية، وامتلاكٌ للذكاء العاطفي قبل الذكاء المهاري، يتصدَّى لها أصحابُ أُناس متميِّزون يقودون مؤسساتهم بحنكة وحكمة إلى ما يرقى من أدائها، ويحسِّنُ من عملها. أديب وإعلامي عضو مجلس الدولة العُماني

711

| 13 فبراير 2025

حكمة السياسة القطرية

الضغوطات الهائلة التي تحملتها السياسة القطرية أثناء الوساطة لإنهاء الحرب العشواء على غزة، والنتائج التي توصلت إليها المفاوضات بعد ما يقرب من العام والنصف من حرب الإبادة، والمجازر الدموية التي ارتكبها الكيان الإسرائيلي على غزة، وما نتج عنه من قتل ما يقارب الخمسين ألف مواطن فلسطيني من سكانها أغلبهم من النساء والأطفال، وتدمير هائل للمنازل، والمجمعات السكنية، والبنى التحتية، ما جعلها أبشع صورة للحرب العشوائية مورست ضد شعب أعزل في التاريخ، كل ذلك برهن على حكمة السياسة القطرية الهادئة التي ترتكز على الواقعية، والصبر، والعقلانية المترفعة عن الاستفزازات، ودلل على أنها سياسة ذات نفس طويل، أدت في نهاية المطاف إلى نتائج متوخاة، رغم ما اكتنف طريقها من التحديات، والصعوبات، والتعقيدات، والعنت المتواصل من أطراف بعينها!. في أصعب ظروف المفاوضات كان رئيس الوزراء وزير الخارجية أو المتحدث باسم وزارة الخارجية يخرج بهدوئه المتزن ليجيب عن أسئلة الصحفيين بلباقة، وحنكة، وسعة، لكي تتواصل المفاوضات في أجواء يسودها التفاؤل. ولو أن السياسة القطرية قد ركنت للاستفزازات والضغوطات لتوقفت المفاوضات، بيد أنها كانت تستشعر بحجم المسؤولية والأمانة التي وضعتها هي نفسها على كاهلها، حيث إنها تعلم أن كل يوم تتوقف فيه المفاوضات تباد فيه مئات الأرواح البريئة، لهذا واصلت السياسة القطرية إدارة المفاوضات ليلا ونهارا بحكمة بالغة، وحنكة بعيدة الغايات، لتصل في نهاية المطاف إلى اتفاقية لإنهاء الحرب على غزة وفق مراحل محددة، مليئة بالتفاصيل الدقيقة. هذه المشهدية السياسية الحكيمة أظهر قطر كدولة لها قدرات مكينة في إدارة الأزمات، والنزاعات، وإنهاء الحروب وذلك بفضل الخبرات المتراكمة للمفاوض القطري الذي امتلك بفضلها مجموعة من المهارات لإدارة التفاوض بما في ذلك معرفة شخصية الآخر بصورة عميقة في مختلف الجوانب، والقدرة على التعامل معه؛ الأمر الذي يعني امتلاك المفاوض القطري للذكاء العاطفي إلى جانب الذكاء السياسي. ولا شك بأن حكمة السياسة القطرية تكمن وراءها طبيعة الإنسان القطري المتحلي بالهدوء، والاتزان، والانضباط ليستطيع بفضل القيم التي تتسم بها شخصيته من إدارة الملفات السياسية بجلد طويل، وصدر رحيب، وعقلية تتبصر الغايات، من أجل ترسم التوجهات الرشيدة التي تتوخاها. لقد أثبتت هذه السياسة الحكيمة نجاحها في إدارة الأزمات المعقدة التي يفترض أن تدار بواقعية تقيس موازين القوى بدقة، آخذة في اعتبارها القدرات التي يمتلكها كل طرف، وهذا ما اتسمت به السياسة القطرية لتبرز كواحدة من أقوى وأمهر السياسات المتمكنة من إدارة الوساطة وحل المعضلات، وإنهاء النزاعات والحروب وذلك ما يحسب للقيادة القطرية الرشيدة، والفريق السياسي لدولة قطر.

756

| 30 يناير 2025

سلطنة عمان ودولة قطر.. تاريخ مشترك وعلاقات مميزة

تتبادر إلى الأذهان فور الحديث عن العلاقات العمانية القطرية تلك الجذور المتأصلة التي تربط الشعبين الشقيقين، والقيادتين الرشيدتين في أرضية صلدة من جذور الهوية المشتركة، وهي جذور متعاضدة بالقربى والدين، واللغة، والتاريخ، والجغرافيا، والمحبة المتنامية منذ آماد الدهر. علاقة توثقها روابط الحكمة، والرشد، والسياسة الواقعية، والرؤى الطموحة ذات البعد اللامحدود، وتحكمها الأخوة القائمة على الرحم، والأخوة، والمصالح المشتركة، والاحترام المتبادل. هذه العلاقة الوثيقة ترجمت على أرض الواقع بأفعال لها ما يجسدها من الدلائل الماثلة للعيان في مختلف المجالات الاجتماعية والسياسية والاستثمارية. وحيث إن أحد شواطئ السلطنة قد شرف بمسكن دائم لسمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر، حفظه الله، فإن ذلك يدل على أن الدار واحدة، والشعبين أسرة واحدة، لا فرق بين أرض قطرية، وأرض عمانية، كما أن الدلالة العميقة لمسكن أمير قطر - أيده الله - في بقعة من أرض سلطنة عمان يشي بالمحبة والألفة التي يكنها سمو الأمير لسلطنة عمان التي تبادله وشعب قطر الشقيق المحبة والتقدير. وإذا كانت مناسبة الحديث الآنف هي الزيارة العزيزة لحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر، لأخيه حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظهما الله ورعاهما- فإنها تتزامن مع الذكرى الثلاثين لتأسيس اللجنة العمانية القطرية المشتركة التي تأسست في عام 1995م بهدف تعزيز التعاون المشترك، والتواصل الدائم بين البلدين، من أجل نماء مستمر في توطيد العلاقات الأخوية في مختلف المجالات. إن الدواعي السياسية والاقتصادية والأمنية للمنطقة عامة تشكل عوامل دفع لتسريع التعاون بين البلدين الشقيقين في إطار التعاون الخليجي المشترك، من أجل توثيق العلاقات في الجوانب المختلفة التي تضمن الاستقرار والأمن والازدهار. ولا شك أن التشاور بين القيادتين الرشيدتين لكلا البلدين الشقيقين يمثل واسطة العقد في العلاقة الحضارية، إذ إن التشاور في القضايا ذات الاهتمام المشترك بين الدولتين الشقيقتين يكفل مزيدا من توحيد الرؤى، وتنسيق المواقف، الأمر الذي يصب في صالح المنطقة بأسرها، وهو ما دأبت عليها القيادات الرشيدة للبلدين في الماضي. على أن البلدين الشقيقين يتقاربان في النظرة السياسية إزاء حل الأزمات والنزاعات بالتفاهم، والحوار، والسياسة الهادئة، حيث تبرز الكثير من المواقف علامات هذا التقارب المشترك في الرؤى والمرتكزات، ومما لا شك فيه أن هذه الاتجاهات السياسية قد أسهمت في حل الكثير من التعقيدات في قضايا إقليمية ودولية، ما يعني أنها سياسة ناجعة لها مردودها السلمي، وعائدها التنموي، كما أن هذه التوجهات السياسية قد أسهمت في توثيق العلاقات التاريخية وتعميق روابط التواصل بين الدولتين. وإذا كانت كل زيارة كريمة من قبل سمو الأمير المفدى تفتح آفاقا أرحب، وتعمق جذور الروابط بين البلدين فإن الزيارة الحالية التي يحل فيها سمو الشيخ أمير دولة قطر ضيفا عزيزا على سلطنة عمان تعد منعطفا جديدا في مسيرة العلاقات المميزة بين البلدين الشقيقين؛ دافعة لكل المجالات إلى آفاق من التعاون والازدهار، ومهيئة لفرص سانحة في المجالات الاقتصادية والتجارية وهي مجالات تشهد نموا مستمرا، وتصاعدا متواصلا. فمرحى بسمو الأمير -أيد الله خطاه- في بلده الثاني سلطنة عمان، ضيفا كريما وعزيزا على حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق آل سعيد حفظه الله ورعاه، وعلى أهل السلطنة، محفوفا برعاية الله وحفظه وعنايته.

843

| 28 يناير 2025

دروس من مونديال قطر.. (9) السيادة

السيادةُ هي امتلاكُ الدولة لقرارها دون تدخِّلٍ أو إملاءٍ أو فرضٍ من أحد، فالدولةُ التي تملكُ قرارها، تملكُ سيادتها، أما إن سمحت بالتدخل في قرارها، فقد أضرَّت سيادتها، ولقد صانت قطر سيادتها في مونديال كأس العالم من الانتهاك عبر رفض ما لا يتوافق مع قرارها السيادي المبنى على دستورٍ، وأعرافٍ، وقيم، ومعتقدات، وثقافة راسخة. لا شيءَ أثمنُ للدولةٍ ومواطنيها من السيادة التي تحفظُ للوطنِ عزَّتهُ وكرامته، ولقد كان موقف قطر من مسألةِ السيادة حاسماً، لم تقبل فيها المجادلة والنظر، في المقابل فإنَّ الدول الغربية التي كثيراً ما ترفع شعارات الديمقراطية، واحترام سيادة الدول قد مارست ضغوطات شديدة لانتهاك سيادة قطر عبر إملاءات لا تتوافق مع القيم القطرية المحميَّة من قِبل الدستور القطري، فأظهرت تلك الدول وجهها القبيح مكشوفاً للعالم، في حين أثبتت قطر أنها لا تنثني للرياح العاصفة الهادفة إلى ليِّ الأيادي تلبيةً لرغباتها السفيهة، ومطالبها السخيفة. تكشف المواقف على اختلافها مدى قوة السيادة للدول، وهذا الأمر لا يُبنى على مجرَّدِ «ردٍّ كتابي» أو «تصريحٍ إِعلامي» وإنَّما هو مبنيٌّ على ثوابت راسخة، توارثتها الدولة فأصبحت عقيدةً مقدَّسةً لها، وترجمتها في أُطرٍ دستورية، وقانونية، وقيمية تُلزم نفسها بها، وتتمسك بها، وتصونها من أيِّ منتهكٍ أو دخيلٍ في الشؤون الداخلية، فالدولة التي تتمتع بقوة السيادة، وتجعل السيادة مبدأً ومصيراً هي دولةٌ تفرضُ نفسها على الآخرين، وتعزز قيم العزَّة والكرامة والافتخار في مواطنيها. ولقد رأينا كيف أن دولاً تدَّعي احترام القانون الدولي المبني في أساسه على عاملين مهمّين هُما: الاستقلالية والمساواة، تُلقي – كما تفعلُ دوماً – هذا الادعاء الكاذب بعيداً لكي تفرض على قطر سفالاتها، ورذائلها تحت مظلة «حقوق الإنسان» و»صيانة الحريات» وهي شعارات مزيَّفة، فلا حقوق الإنسان تصلُ إلى تفلُّته، وتهتُّكه، ولا الحريات تتجاوز منطق خلقته، وكرامته، لكن هذه الدول مسيطَرٌ على قرارها من قِبل الحركات الوضيعة التي تحرِّك ساستها كالدُّمى، فلما فقدت سيادة قرارها على قيمها الأصيلة، أرادت أن تمارس القوة على الدول الأخرى بأن تسير في ركبها، وتمضي على ذات دربها المنحدر!. يُعرِّف معجم القانون وهو من المبادئ التي يقوم عليها النظام الدولي المعاصر الدولة الحديثة بأن الدولة التي «تكون لها الكلمة العليا واليد الطولى على إقليمها وعلى ما يوجد فوقه أو فيه»، الأمر الذي يعني ممارسة سيادتها على دولتها، وعلى دستورها، ولقد كان أثر انتصار دولة قطر لسيادتها كبيراً، يمكنُ أن نلخِّصهُ في نقاط محدَّدة كما يلي: 1- أسهم في رسوخ القرار السيادي القطري في الجبهتين الداخلية والخارجية. 2- برهن على أن الدول لا تقاس بحجمِ المساحات الجغرافية وإنما بعظمة قرارها. 3- أوصل رسالة إلى دول وشعوب العالم بأن المنتصر الحقيقي هو الذي يحتفظ بسيادته من الانتهاك، والتدخل في شؤونه. 4- أضاف إلى المواطن القطري مشاعر من الافتخار بدولته، والاعتزاز بقيمه، والانتماء لتاريخه وثقافته. لقد قدَّمت قطر في مسألة السيادة درساً يتلخَّصُ في عدم المساومة على السيادة التي تعني الكيان الوطني برمَّته، وكلَّ مكتسباته، فلا تفريط في أيَّة جزئية فيه، ولا تنازل عن أيَّ عنصرٍ من عناصره، وبذلك حفظت قطر هيبتها، ومكانتها، وأكَّدت أنها لا تخضع للإملاءات والتدخلات، وبهذا فما زادتها مواقفها في مونديال كأس العالم إلا قوةً ومكانةً وهيبةً.

624

| 28 فبراير 2023

دروس من مونديال قطر.. بطولة القِيم (8)

إذا كانت بطولة كأس العالم التي أقيمت في قطر منافسة كروية صرفة فهي لا تقل عن كونها منافسة قيمية بين الغرب والشرق خاصة العربي المسلم الذي يعتز بدينه وقيمه، ويحفظ كرامته وعزته وشرفه. بيد أن المرء الرشيد ليتساءل عن هذا الدفع الهائج المجنون للانحلال والتبذل من الغرب، بل وفرضه لما يسميه بقيم الليبرالية الحديثة، وهي قيم تعارض الفطرة الإنسانية، وتعاكس طبيعتها التي خلقت عليها في هذا الوجود الإنساني المكرم من الله في أصل خليقته. قلت في يوم من الأيام لأحد الغربيين: إن الذي ينحدر بمجتمعاتكم إلى الحضيض ألخصه في كلمة واحدة هي «الحرية» التي أسأتم في فهمها، والتعاطي معها، فمع فطنة الساسة والمصلحين في الغرب عن الخطأ المرتكب في هذه الكلمة، فقد سمعت في بدايات القرن الواحد والعشرين خطابا لرئيس الوزراء البريطاني (ديفيد كاميرون) يقول: «لا حرية بدون مسؤولية» ولكن كان مجرد شعار ليس له أثر، ولا قابلية في المجتمع لأن الرباط قد انحل! فحينما سألني أحد الإيطاليين المقيمين في إنجلترا عن العلاج من السقوط المدوي، قلت: الرجوع إلى الدين، وعودة القيم النبيلة، فرد علي: لقد فات الأوان!. لقد سعوا إلى فرض انحلالهم في ترابنا الطاهر، ووسط مجتمعاتنا التي لا تجد لها من رأس مال أعظم من دينها، وقيمها، وشرفها، وتعلم مجتمعاتنا تمام العلم بأن سقوط القيم السامية هو سقوط مذل للهوية، وسقوط الهوية يعني ضياع المصير. لكننا شهدنا الوجه المشرق أيضا من هذا الدفع الغربي المشين لتبني سفالاتهم، وانحرافاتهم، وهو «الفزعة» لنصرة دين الله، وإعلاء كلمة الحق، والاعتزاز بالهوية العربية الإسلامية، وقد أحسنت دولة قطر في استدعاء أشهر الدعاة وعلى رأسهم الداعية الشهير ذاكر نايك الذي جاء بعد سنوات من الإقصاء وهو تلميذ الداعية العظيم أحمد ديدات، وتقاطر الدعاة إلى قطر، وابتدأت البطولة بالقرآن الكريم، ويسرت كافة السبل لفهم الإسلام، وتفنيد الافتراءات، ودفع الأكاذيب التي كرسها الإعلام الغربي المؤدلج في الغرب. الغرب الذي يتجه بصورة سريعة إلى منحدر الإسفاف والضياع الأخلاقي يكتب نهاياته بألسنة العقلاء من أهله، والنبلاء من أعلامه، الذي تهافتوا للتحذير من هذا المنحى المنحرف الذي يعني تلاشى الشعوب برمتها فهي على الرغم من ضآلة النسل فيها، وسقوط مفهوم الأسرة، فإنها تتجه إلى ما هو أشنع وأفظع من ذلك وهو المثلية والتحول الجندري لتنهي بذلك وجودها بعد حين، والمؤشرات واضحة في هذا الصدد. وفوق ذلك يريدون أن يعلموا الآخرين الأخلاقيات، ويفرضوها بالإكراه عليهم في بلدانهم، يقول اليوتيوبر الأمركي Matt Walsh: «هذه قطر، هذه بلادهم، ويأتي غربيون بيض يقولون: أنا لا أحترم عاداتك، لا أحترم معتقداتك، سأفعل ما أريد في بلدك، وسأخبرك كيف تدير بلدك، قوانينك لا تعني لي شيئا لأنني الرجل الأبيض الغربي، وسأكون الحكم في الأخلاق، مصدر الأخلاق، لقد أعدمنا 60 مليونا في الرحم (بسبب الإجهاض)، نحن مرتبكون تماما، نحتفل بالشر والفجور، ثم نعتقد أننا في وضع يسمح لنا بالذهاب لاستعمار الكرة الأرضية أيديولوجيا، وإخبارهم بأنهم يجب أن يكونوا مثلنا، لا أريد أن أكون مثلك»! يقول أحد الأمريكيين وهو طبيب عيون لإعلامي: أتعرف لماذا جئت للعمل والإقامة في المملكة العربية السعودية؟ حكى له كيف أن ابنة جيرانهم الوحيدة التي ضحوا بحياتهم من أجلها لكنها ما إن بلغت الثامنة عشرة حتى ألقت حجابها، وخرجت من بيتها لتعيش في بيت عشيقها وسقطت في مستنقع الغواية، في المقابل تحطمت أمها نفسيا وانزوت في بيتها منقطعة عن العمل وهي تبكي ليل نهار، يقول: هذا الموقف شجعني على قرار السفر إلى السعودية خوفا على ابنتي، مضيفا أنه لا قيمة للمال في مقابل إيجابيات العيش التي لا يمكن حصرها في المملكة العربية السعودية والمدينة المنورة خاصة. أختم مقالي بالقول بما رواه الشيخ محمد راتب النابلسي بعد زيارة له إلى استراليا حين قال له رئيس الجالية هنالك: سلم على اخوتنا في الشام وقل لهم: إن مزابل الشام خير من جنان استراليا. لا أشك أن كل ما يحدث من الغرب من أفعال مقيتة تناصر المنحرفين الشواذ لا يزيدنا اليوم إلا صلابة وقوة بالتمسك بديننا، والاعتزاز بقيمنا، إذ لا يمكن لأي أمة، ولا لأي قوة عظمى أن تفرض على أمة أخرى ما تهوى وتشتهي من تبذلها وانحطاطها، إن كانت الأخيرة ذات شكيمة وعزة وكرامة، وهذا ما كنا عليه، وسنكون بعون الله تعالى القائل في محكم التنزيل «يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم» (محمد/7).

870

| 22 فبراير 2023

دروس من مونديال قطر (7) القوة الناعمة

تعد قطر من الدول التي أحسنت توظيف "القوة الناعمة"، وهي قوة أضحى تأثيرها العالمي أشد تأثيرا من القوة العسكرية أو الاقتصادية. ولقد كانت استضافتها لمونديال كأس العالم لكرة القدم وسيلة كبيرة من وسائل تعظيم وتعزيز قوتها الناعمة التي من شأنها تقوية التأثير السياسي الخارجي لدولة قطر، وجذب الاستثمارات، وتعضيد الاقتصاد على المدى البعيد. ومفهوم "القوة الناعمة" صاغه الأمريكي (جوزيف ناي) أستاذ العلوم السياسية والعميد السابق لمدرسة جون كينيدي الحكومية في جامعة هارفارد، ويعني القدرة على الجذب والضم دون الإكراه أو استخدام القوة كوسيلة للإقناع، يقول (جوزيف ناي) في كتابه (القوة الناعمة وسيلة النجاح في السياسة الدولية): "القدرة على ترسيخ التفضيلات تميل إلى الارتباط مع الموجودات غير الملموسة مثل الشخصية الجذابة، والثقافة والمؤسسات والقيم السياسية، والسياسات التي يراها الآخرون مشروعة أو ذات سلطة معنوية وأخلاقية". ولقد سعت الدول الكبرى إلى الاعتماد على القوة الناعمة، وأجلى مثال على ذلك الولايات المتحدة الأمريكية في اعتمادها على "هوليوود" في تسويق الشخصية الأمريكية (المنتصرة دائما)، و(صاحبة الحق في قضايا الصراع)، و(المتحضرة إنسانيا)، وغير ذلك من المفاهيم، ولم يعد الأمر سرا فقد تحدث (روبرت غيتس) أحد وزراء الدفاع الأمريكيين السابقين عن الحاجة إلى تعزيز القوة الناعمة الأمريكية عن طريق «زيادة الإنفاق على الأدوات المدنية من الأمن القومي بالدبلوماسية، والاتصالات الاستراتيجية، وتقديم المساعدة الأجنبية، وإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية»، كما أن الصين هي الأخرى سعت إلى تعزيز قوتها الناعمة بالتزامن مع مشروعها العظيم"طريق واحد حزام واحد" إذ قال في عام 2007: أن الصين بحاجة إلى زيادة قوتها الناعمة. وقطر تمتلك القوة الناعمة قبل استضافتها كأس العالم، وقد اعتمدت عليها في سياستها الخارجية إذ أسهمت في حل العديد من القضايا الدولية منها على سبيل المثال القضية الأفغانية، واللبنانية، والتشادية والفلسطينية، والسودانية، يقول د. ياسر محجوب الحسين: "إن القوة الناعمة التي أجادت قطر استخدامها وتطويعها لا سيما في مجال السياسة الخارجية، قد عززت مكانة الدولة وزيادة قدرتها على تحقيق مصالحها الوطنية، بل ساهمت قوتها الناعمة في زيادة جاذبيتها وجعلها قائدة في منطقتها ونموذجا تسعى الكثير من الدول للتحالف معها وتبني نموذجها". لقد أتاح مونديال كأس العالم 2022 لقطر أن تعزز سياسة "القوة الناعمة" التي تقوم على القيم العربية الإسلامية الأصيلة، من أجل تغيير الصورة النمطية السائدة في الغرب عن الإنسان العربي المسلم، وتجلية حقائق مشوهة كرسها الإعلام الغربي في الذهنية الغربية عن بلداننا العربية المسلمة، وإظهار الإسلام في البيئة الإسلامية وتسويق قيمه النبيلة السامية. كان جليا للعيان كيف استطاعت قطر أن تطوع قوتها الناعمة من خلال المونديال متمثلا ذلك في إظهار القيم الراقية للإنسان القطري المضياف والكريم المتعايش مع الشعوب الأخرى محافظا على هويته، متمسكا بقيمه، مؤثرا على الآخر، محصنا من أية تشويهات مقصودة ومتعمدة للقيم التي تربى عليها، كما تمثلت القوة الناعمة في المشاهد الإنسانية اللطيفة التي تعتني بالإنسان أيا كان اعتناء كبيرا بحكم أنه ضيف على الوطن ويجب مراعاته والإحسان إليه، فأذكر ذلك المشجع الذي تعرض لكسر في رجله كيف تم الاعتناء به اعتناء لافتا، حتى إنه طلب أن يوجه كلمة لإعلام بلده مشيدا بالعناية الصحية التي تلقاها، والاهتمام الذي حظي به وهذه صورة وإن بدت صغيرة إلا أنها قوية التأثير في إطار "القوة الناعمة". وفي إطار التنظيم الدقيق التفاصيل للمونديال فإن القوة الناعمة قد اعتنت بأدق التفاصيل وقد لفتتني تلك الهدايا التي وزعت في كراسي المشجعين الذي حضروا المباراة الافتتاحية داخل حقيبة شملت عددا من الهدايا من أهمها قميص بتوقيع الأمير الوالد - وهي لفتة عميقة لها دلالتها الراقية - وعطور المسك والعود التي هي من الروائح المحببة للإنسان الخليجي، وغيرها من الهدايا التي تنصب في تعزيز "القوة الناعمة"، ولا ننسى الشاب الكيني الذي سمي "رجل المترو" كيف أن قطر قد منحته التكريم والاهتمام جزاء على إحسانه في عمله البسيط والمقتضب في إرشاد المشجعين إلى اتجاه المترو، وهي لفتة ذات مغازٍ إنسانية لطيفة، فضلا عن استضافة العديد من القطريين لمشجعين من مختلف البلدان والثقافات، وإلباس مشجعات أرجنتينيات العباءة ودعوتهن للزيارة من قبل نساء قطريات، ونذكر أيضا تجربة ارتداء الحجاب لكثير من النساء الأجنبيات، وارتداء الشماغ والثوب العربي من قبل الكثير من المشجعين، وإلقاء المحاضرات من قبل العديد من الدعاة على رأسهم الداعية الكبير زاكر نايك الذي أكرمته قطر بالدعوة بعد غيابه لفترة طويلة عن المشهد العام، ولا تغيب عنا مشاهد السجود في الملعب، وقبلات اللاعبين المغاربة لأمهاتهم واحتفالهم معهن فكل ذلك يحسب لصالح تسويق "القوة الناعمة" لمونديال قطر. صور لا تحصى أسهمت في تعزيز "القوة الناعمة" ليس لدولة قطر وحسب بل وللإسلام وأمة العرب، وقدمت بها قطر درسا عظيما في أن "القوة الناعمة" هي أقوى نفوذا من السلاح العسكري المدمر، فهي قوة هادئة تسوق القيم والسياسات بطريقة مؤثرة وفاعلة، ولقد أحسنت قطر في تقديم أروع الأمثلة في القوة الناعمة يفترض أن يجد مكانه في مقررات التعليم لتعرف آثاره ومآثره.

3237

| 24 يناير 2023

تغيير الصورة النمطية (6)

ضمنَ الأَهداف السَّامية لدولة قطر في استضافتها لبطولة كأس العالم هدف "تغيير الصورة النمطية" للعربِ والمسلمينَ عامَّة، وهي صورة شابها التشويه بسبب عدم مصداقية الإِعلام الغربي، وتصويره الشخصية العربية المسلمة بأنها متخلِّفة تفتقدُ أُسس ومعايير (الإِنسان المتحضِّر) التي يُزعمُ حيازة الإِنسان الغربي لها دون غيره!، ويصوِّرها بأَنها شخصية لا تمتلك القدرة والكفاءة لمضاهاة الإِنسان الأُوروبي والأمريكي في المستوى الحضاري الذي وصلَ إليه، لهذا كَتب (صامويل هنتغتون) أُطروحته (صراع الحضارات) عام 1993 التي وصف فيها الإسلام بقوله إنَّ: «حدوده دموية وكذا مناطقه الداخلية»، وقبله كَتب تلميذه فرانسيس فوكوياما مقاله (نهاية التاريخ) في مجلة National Intrest عام 1989، وتلخَّصت أُطْروحَتهُ "أن الديمقراطيَّة الليبراليَّة بقِيَمها عن الحرية، الفردية، المساواة، السيادة الشعبية، ومبادئ الليبرالية الاقتصادية، تُشَكِّلُ مرحلة نهاية التطور الأيديولوجي للإنسان وبالتالي عولمة الديمقراطية الليبرالية كصيغةٍ نهائيةٍ للحكومة البشرية" (ويكيبيديا). مثلَ هذه الأُطروحات فيها استنقاصٌ من الإِنسان (غير الغربي)، وهي راسخةٌ في ذهنية الإِنسان الغربي، ولا يجدُ غضاضة أو خجلاً في الكشف عنها، وآخر المفصحين عنها (جوزيب بوريل) مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي الذي قال "أوروبا حديقة، لقد بنينا حديقة، أفضل مزيج من الحرية السياسية والرخاء الاقتصادي والترابط الاجتماعي استطاعت البشرية أن تبنيه، لكن بقية العالم ليس حديقة تماما، بقية العالم... أغلب بقية العالم هو أدغال". لقد كان هدف قطر (تغيير الصورة النمطية)، ونُدرك وضوح هذا الهدف في تصريح حسن الذوادي الأمين العام للجنة العليا للمشاريع والإرث خلال حواره في برنامج "للقصة بقية"، على قناة "الجزيرة"، إذ تحدث الذوادي عن الصورة النمطية المغروسة في العالم الغربي حول العرب غير المتحضرين، الذين يملكون إيجابية واحدة هي المال فقط، وكم كان صعبًا الوصول لمرحلة يُدرك فيها المجتمع الغربي أن قطر فازت في منافسة شريفة خاضتها ندًا لند وليس هبة، في ظل استنكار واستهجان واسع لفكرة فوز دولة عربية على دول كبرى؛ مثل: الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك على قارة أستراليا. ولا شك أنَّ الصورة النمطية السائدة عن البيئة العربية هي مجرَّد صحراء قاحلة تحفّها الجبال وتكثرُ فيها كثبان الرمل وهي مجرَّدُ خيامٍ وجَمال وحظائر مواشٍ، لكنها تتدفَّقُ نفطاً وغازاً لا يستحقهُ إِنسانها، أمَّا الرَّجل الشرقي فهو جاهلٌ، متخلِّف لا همَّ له سوى الزواج من أكثر من زوجةٍ، وإنجاب ما لا يحصى من الأبناء، وهو رجلٌ يتخذُ من العنفِ أُسلوباً له في الحصول على ما يريد، غيورٌ حدَّ الإفراط، في حين أن المرأة الشرقية فهي في إطار الصورة النمطية لا كيانَ لها ولا قرار سوى أنها تابعة مطواعة للرجل، غير متعلِّمة، لا تُدرك ما يحدثُ في العالم، يغمرها القماشُ الأَسود من رأسها إلى أخمص قدميها..!! هذه الصورة النمطية السائدة في عُمق الذهنية الغربية في العموم بحكم أنَّ الإنسان الغربي متمركزٌ في عوالمه الخاصة تنقصه الكثير من المعلومات حتى عن بلده. لقد أرادت قطر أن تُغيِّر هذه الصورة النمطية السائدة في الغرب عن الوطنِ، والإِنسان، والحياة في بلدٍ عربيٍّ مسلم، وقد تحقق لها ذلك. تدفَّقت الآلاف من الجماهير المشجِّعة للفرق من مختلف قارات وبلدان العالم وهم يحملون صورةً نمطية منقوصةً، وغامضةً، بل ومستخفَّة إلى قطر، حتى إذا وصلوها صدموا بمستويات العيش فيها، والبناءِ العصري الراقي، ووسائل النقل وطرقه المنظمة جداً، والتنظيم عالي المستوى في جميع المجالات فأقرَّ بعض من حضر بطولات سابقة أنَّه لم يشهد مثل هذا المستوى العالي من التنظيم المعتني بأدقِّ التفاصيل، ثم فوجئوا بالإِنسان القطري (العربي المسلم) في أجلِّ قيمه الإنسانية يستضيفُ، ويرحِّبُ، ويُكرمُ، ويعاملُ بالحُسنى، ويعتني بضيوفه عنايةً فائقةً، ثم فوجئوا بالمرأة القطرية، والعربية المسلمة عامة وهي إِنسانةٌ ذات تعليم عالٍ، وثقافة واسعة الاطلاع، وأناقة باذخة، تشاركُ أخاها الرجلُ في التنظيم، وإقامة الفعاليات، وتشتركُ في جميع مفاصل بطولة كأس العالم. لقد أحدث تغيير الصورة النمطية ما يسمى بـ (الصدمة الحضارية cultural shock) لدى الآخر الذي إما كان يحملُ صورة مشوَّهةً، أو صورةً غامضةً عن الإنسان العربي المسلم، حتى غادروا وهم مندهشون ابتداءً من سماحة الإسلام، وكرم الإنسان العربي، وروعة البيئة الخليجية العربية، إلى آخر تفاصيل الدهشة المتمثلة في (الشطَّاف). هُنا كان الدرسُ القطري في أنَّ تغيير الصورة النمطية لا يتمُّ بمجرَّد الكلام، وحشد الكتابات، وصراع الأقلام وإنَّما بالأفعالِ والتعايش والتواصل، وهذا ما أوضحه أمير قطر، حفظه الله، في افتتاح بطولة كأس العالم بقوله: "المهرجان الكروي الكبير في هذا الفضاء المفتوح للتواصل الإنساني والحضاري، سوف يجتمع الناس على اختلاف أجناسهم وجنسياتهم وعقائدهم وتوجهاتهم هنا في قطر". لقد كلَّف هذا الدرس أموالاً باهظةً، لكنَّه خلَّفَ أثراً عظيماً في تغيير الصورة النمطية للإِنسان العربي المسلم سيمتدُّ آماداً بعيدة، وستكونُ له نتائجه الإيجابية الكبيرة.

1917

| 23 يناير 2023

دروس من مونديال قطر (5) تجلية الحقائق

حينَ تَسمقُ الإنجازات الماثلةُ أمام الأعين، يصبحُ الوقتُ مواتياً لتجليةِ الحقائق، لأنَّ الزَّمن الفائت كانَ زمنَ عملٍ متسارعٍ، وبناءٍ دؤوب حتى تكتمل الإِنجازات، وتهدأ وتيرة العمل، ويخفت صخبَ الحِراك البشري المتواصل، ويصمتُ هديرُ الآلات الذي شكَّل معزوفة عذبة خلال السنوات الماضية. أمَّا وقد برزَت الإِنجازات، فقد حانَ الوقتُ لتُجلى الحقائق، وتُفنَّدَ الأقاويل، ويُردُّ على الافتراءات التي طالت قطر منذ فوزها بتنظيم بطولة كأس العالم، مما عرَّضها "لحملة غير مسبوقة" حسب وصف سمو أمير البلاد الشيخ تميم بن حمد – حفظه الله ورعاه - وقد كان جلياً وواضحاً أنّ ظاهر الحملة الظالمةِ غير باطنها، وأنَّ افتراءاتها مردودٌ عليها بيدَ أن الوقتَ لم يكن مناسباً. تابعتُ المؤتمرَ الصَّحفي لرئيس الفيفا (جياني إنفانتينو) قُبيل انطلاق البطولةِ بساعات، بدا لي هذا الرجلُ واضحَ العبارة، دقيق الطرح، جليَّ الرد، بليغ الخطاب، واثق النفس، صريح التفنيد للحقائق، شجاعاً لا يأبه بما سيأتيه من انتقاد، جريئاً لا يكترثُ بما يقوله الغربيون عنه، مقداماً لا يعنيه من يثير غضبه. لقد تبع قول الفنان مارك توين: "عند قول الحقيقة ليس عليك أن تتذكر أي شيء" فقد كانت تعنيه تجلية الحقائق بالدرجة الأُولى، تلك الحقائق التي طالتها الافتراءات، وشابتها الأكاذيب، ولطَّختها المزاعم، وهي في منأى عنها. كان لحديث رئيس الفيفا قيمته المهمة بل والضرورية قبل انطلاق بطولة كأس العالم 2022، فالرَّجلُ يرأسُ أكبر منظمة رياضية لها كلمتها النافذة يأتي محلُّها في الوسطِ بين دولةٍ تنظِّم بطولة كأس العالم وبين بقية الدول والاتحادات الأعضاء في المنظمة، فهو لا ينتمي في مقامه هذا لأحد إلا للمنظمة التي يرأسها، ولا يُحسَبُ على أحدٍ سوى لانتمائهِ لوظيفته في "الفيفا" وعلى ذلك فإن ردَّه على كل ما حُشِد من افتراءات ومزاعم ليس دفاعاً عن قطر وإنَّما دفاعاً عن الحقائق التي شُوِّهت وزوِّرت، بأباطيل وتزويقات وأغلاط تأتي من أمكنةٍ بعيدةٍ عن ميادين العمل، والإنجاز، لهذا كانت التلفيقات سهلة، والتزويرات يسيرة في ظلِّ إعلامٍ متحيِّزٍ، ونوايا خبيثة، وأغراضٍ تحوَّلت إلى أمراض..! لقد أجلى (إنفانتينو) الحقائق، وفنَّدها واحدةً تلو أُخرى، بل إنَّه ذهبَ بعيداً وجريئاً في قوله الصريح: "على الأوروبيين أن يعتذروا للشعوب قبل إعطاء الدروس" وقد كانَ صادقاً، فالأوروبيون محمَّلون بتاريخٍ استعماري مستبدٍ العنصرية، متغطرس السياسات، لم يعتذروا عنه للشعوب والبلدان التي دمروا مقدراتها، ونهبوا ثرواتها، وأخَّروا تقدمها وحضارتها، ثم هُمُ اليوم يتصايحون بفوقية متكبِّرةٍ عن قضايا لا دخل لها في عالم الرياضة، التي سيَّسوها بالعقوبات الرياضية على الرياضيين الرُّوس بسبب الحرب الروسية الأُوكرانية، على عكسِ ما تنصُّ عليه المواثيق الرياضية، ثم ها هم اليوم يسيِّسونها بفرض مسالكهم المنحطَّة على دولةٍ عفيفةِ العرض، طاهرة الأرض، بُغْية نشر المفاسد والرذائل على نحوٍ واسعٍ، وإعلاءِ شعارات السفالة والانحطاط، وإكسابِ سقوطهم الأخلاقي مبرراً حقوقياً..! يردُّ عليهم بثقافتهم حين كانت مستقيمة، يوم أن كانت الفطرة الإنسانية فيها نزيهة عن الانحراف، إذ كانت قوانينها وتشريعاتها تمنع الشُّذوذ والانحراف، أمَّا وقد انحدرت أخلاقياتها إلى مستنقع الغوايات والخزايا والسَّفالات فليس لها الحق في أن تفرضها على مجتمعاتٍ نزيهة الأخلاق، وثقافات ذات قيمٍ أصيلةٍ، وشعوب ذات مُثلٍ سويَّة كي تُبيحَ انتشار آفاتها ومسبَّاتها ومقابحها..! يردُّ عليهم بما يفعلونه هم باللاجئين الذين يموتون على شواطئهم، وأسوارهم، ومعسكراتهم التي لا تتوفر فيها أدنى الوسائل التي تحفظ الكرامة الإِنسانية، أما الإنسان فلا يعنيهم، فقد قتلوا بآلاتهم المدمّرةِ، وأسلحتهم الفتَّاكة ملايين البشر بذريعة (نصر) الديمقراطية والحقيقة هي (قهر) الشعوب، والحفاظ على مصالحهم، وترسيخ نظم الحكم التي توافقُ سياساتهم. يردُّ عليهم بنفاقهم في حقوق الإنسان، فيذكر أن عدد الصحفيين في مؤتمره الصحفي يناهز الأربعمائة صحفي، في حين يتجاهلون فعاليات ذوي الاحتياجات الخاصة!! يردُّ عليهم بأنَّ: "قطر دولة لها سيادة ولا تحتاج إلى نصائح أو تدخلات حول حقوق العمال" وأنَّ "على أوروبا أن توقف الانتقاد وتركز على تحسين أوضاع المهاجرين لديها". لقد كان الوقتُ مواتياً لتجلية الحقائق قبل صفارة البدءِ بيومٍ واحد، واحتفظت قطرُ برزانتها، وهيبة شخصيتها في عدمِ الدخول في المناكفات، فالأعمال والإنجازات والشواهد هي وحدها من يردُّ على كلِّ سليطِ لسانٍ، حاقدِ قلبٍ، بليدِ عقل، أمَّا من يُجلِّي الحقائق فهو الشاهدُ المنصفُ المنتَصِف الذي لا يُحسبُ قولهُ على أحدٍ عدا الحقيقة، ولقد كانَ الوقتُ ملائماً، والشاهدُ حازماً، والدليلُ قائماً. تعلِّم قطر درساً هو أنك وإن كُنتَ تمتلكُ الحقائق، وتحوزُ الحق إِلا أنَّك يجب أن تختار الوقت الملائم لتجليتها، فالحقائقُ تحتاجُ إلى ما يعضدها، ولا يكونُ ذلك بغيرِ الأَعمال الجليَّةِ الظاهرة التي تدافعُ بنفسها عن الحقيقة بلسانٍ مبين تُلجمُ به أفواه الكائدين الحاقدين. وتابع: "لنتوقف عن النفاق لأن الاتحاد الدولي لكرة القدم حقق في مجال حقوق العمال ما لم تحققه منظمات أخرى".

1134

| 14 يناير 2023

دروس من مونديال قطر الرحلة العظيمة (4)

ما أن رفعَ رئيس الفيفا في عام 2010 الورقة التي كُتب فيها "Qatar" فيُعلنَ فوزها بتنظيم بطولة كأسِ العالمِ 2022 أي بعد (12) عاماً، حتى شُمِّرت السَّواعد، قبل أن ترتفع رافعات البناءِ، وسَمَت الهِمم قبل أن تتحرَّك الآلات في كلِّ الأَنحاءِ من أرضِ قطرِ الغرَّاء. لقد بدأت الرحلة، ولا مجالَ لإضاعةِ دقيقةٍ واحدةٍ من الوقتِ الذي أضحى ثميناً جداً، لقد تقسَّم الزَّمنُ إلى ثلاث مراحل: الأولى مرحلةُ الحلم، والطموح، الثانية: مرحلةُ العمل الدؤوب، أما الثالثة: فمرحلةُ الإنجازِ والحصاد. وهُنا في المرحلة الثانية يقعُ أعظم الحِمل، وأكبرُ المسؤوليات، وأدقُّ التفاصيل، فلا اغترار باثني عشر عاماً، ولا استهانة بــ(4380) يوماً، فالوقتُ نهرٌ تيَّارهُ عاتٍ، لا يتوقَّفُ أبداً، ولا يمكنُ استثماره إلا بالإنجاز الذي يحتويه، أما غيرُ ذلك فضياعٌ لا يغتفر. رحلةُ العمل الشاق قد بدأت مباشرةً بعد إِعلان الفوز بالتنظيم الذي أصبحَ فيه حلم التنظيم حقيقة لا مواربةَ فيها، والطموح العالي قد وضعَ خُطاهُ في طريق الألف ميل، بيدَ أن كل ذلك يحتاجُ إلى هممٍ لا تعرفُ الكلل، ومعنويات لا تضيقُ بالتذمرُ والضجر. بدأت الرحلة للاستعداد العظيم وبدأ معها الزعيقُ والنقيقُ والنهيقُ من الحسَّادِ الحاقدين، والحقودين الغيورين، يتهكمون، ويستهترون، ويستخفُّون، فلم يراعوا دبلوماسية الكلمة، ولا رزانة الفعل، ولا أدبَ الكلام، بل أظهروا فوقيتهم المتعجرفة التي قاموا في الأساس عليها ثم حجبوها بشعارات الديمقراطية التي ما لبثت أن تساقطت أوراقها لتكشف سواءتهم، وتفضح خططهم، وتٌفصح عن نواياهم، لكنَّ قطرَ اتخذتَ من قيم الهدوءِ، والرزانةِ، والإِعراضِ عن السُّفهاء، ومواصلة العمل بعظم الهمَّةِ، ومضاءِ العزيمة، منهجاً وسبيلاً لا تحيد عنه، ورغم الأسهم التي ترشقها من كل حدب وصوب كانت سفينتها تمضي وهي تشقُّ عبار البحرِ في ثقةٍ وصلابةٍ دون أن تَحيدَ عن طريقها المرسوم؛ لقد اتخذت قطر قرارها إزاء ذلك الصخب الحاقد، والضجيج الساخط: أنَّ الردَّ لن يكون بالمناكفةِ في الكلام، وإِنما بالإقدامِ في السَّعي نحو الهدف، والإلجامِ حين يتحقق المنجز، يقول الشاعر العربي: لو كلُّ كلبٍ عوى ألقمتُه حجرًا .. لأصبح الصخرُ مثقالاً بدينارِ وليت الرحلة كانتَ قصيرة فتُخرسَ قطر الأفواهَ الحاقدة وينتهي الأمر، وإنَّما كانتَ اثني عشر عاماً، ولا يمكننا أن نخفف من وطأةِ الثقل فيها نحنُ الذين لم نعشِ كلَّ لحظةٍ فيها، لكن يمكنُ أن يلمس الواحدُ منا ذلك العناءُ والضنى في نَفس الذين عاشوا كل تفاصيل هذه السنين الثقال، على أنَّ شخصية الإنسان القطري الإيجابية تعاطت مع وطأة الرحلة بصبر وحكمة وحنكة وبصيرة، ساعدها على ذلك قيادة حكيمة تحلَّت بسياسة حصيفة استطاعت أن توجِّه دفَّتها برشدٍ، وسدادٍ، وفطنة. لم تكن البُنى التحتيةِ للمونديال الكبير بمعزلٍ عن رؤية قطر، وبُعد نظرتها، وشمولية البناءِ والتنمية فيها، خلال العقود القادمة لهذا فإنَّ الإنجاز الذي سيتحقق مع استضافة بطولة كأس العالم لن يكون مجرَّد مبانٍ وشوارع وملاعب ستتلاشى من الأرضِ بعد انتهاء المونديال وإنما ستبقى بُنى تحتيَّة لقطر؛ مشكِّلةٍ إضافةً مهمَّةً للجوانب السياحية والاقتصادية والاجتماعية والترفيهية والثقافية، الأمر الذي يعني أنَّ كلَّ ريال قطري صُرف للمشاريع العملاقة إنما تكون عوائده أضعافَ قيمته. رحلةٌ أثبتت فيها قطر أن الأعمال الماثلة للعيان هي أقوى رد يُلجم الألسنة، ويخرس الأفواه، وأكَّدتْ بها قطر درساً حصيفاً بأن الطموحات العظيمة تحتاج إلى عزائم أعظم، وأنَّ الإنجازات لا تصنع بالشعارات، وأنَّ الأحلامَ لا تتحققَّ بالكلام، وإنَّما بالعمِل والإِقدام. يقول المتنبي: على قدر أهل العزم تأتي العزائم .. وتأتي على قدر الكرام المكارم وتعظم في عين الصغير صغارها .. وتصغر في عين العظيم العظائم رحلة استغرقت (4380) يوماً لأجل (28) يوماً، هي رحلةٌ مستحقة لإنجازٍ عظيم حيثُ يقال:"يستغرق الأمر عشرين سنة، ليتحقق النجاح في ليلة أو ضحاها".

1014

| 10 يناير 2023

دروس من مونديال قطر الطموح العالي (3)

بِقدرِ ما تكونُ الهِممُ يكون الطموح، وبذلك يُعرف الإِنسانُ، وبه يُكشفُ شخصه، ويبينُ معدنه، يقول الفيلسوف الروماني ماركوس أوريليوس: «قيمة أي إنسان لا تتعدى قيمة طموحه»، فالمتقاعسون الكسالى لا يطمحون لأُفق أعلى من رؤوسهم، بل إنهم يطأطئون رؤوسهم مخافة النظر إلى أَعلى، أمَّا أصحابُ الهِمم العُليا فأولئكَ الذين يحوزون السَّبقَ في المعالي، والفضلَ في المكارم، فهم يملكون نفوساً وثَّابة لا تكادُ تقعُ في مقامٍ، حتى تطمحُ لما هو أعلى وأعظم منه، يقول عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه: «تاقت نفسي إلى فاطمة بنت عبدالملك، فتزوّجتهَا، وتاقَت نفسي إلى الإمارة؛ فَولّيتهَا، وتاقت نفسي إلى الخلافة؛ فأدركتُها، وقد تَاقَت نفسي الآن إلى الجنّة، فأرجو أنْ أُدركهَا، إنْ شاء الله عزَّ وجلّ». الطامحون إلى المجدِ والعلياء هم الذين غيَّروا العالم لأنهم لا ينظرون إلى مواطئ أقدامهم، بل ينظرون إلى الأُفق البعيد، هنالك حيث تكون طموحاتهم العظيمة، يقول أبوالطيب المتنبي: إِذا غامَرتَ في شَرَفٍ مَرومٍ فَلا تَقنَع بِما دونَ النُجومِ ويقول عنترة بن شدَّاد: ما زِلتُ مُرتَقِياً إِلى العَلياءِ حَتّى بَلَغتُ إِلى ذُرى الجَوزاءِ فَهُناكَ لا أَلوي عَلى مَن لامَني خَوفَ المَماتِ وَفُرقَةِ الأَحياءِ ولقد كان لدولة قطر طموحها العالي، ذلك الطموح الذي رآهُ البعضُ ضرباً من المستحيل، ورأته قطر ضرباً من الممكن، فالمستحيلُ لا يسكنُ إلا في العقول البليدة، والقلوب الضعيفة، أما الممكن فموطنه العقول الفطنة، والبصائر الأريبة. وإذا شئنا أن نتعمَّق في الدوافع التي كانت تتوخاها قطر من صناعة الطموح العالي من وجهةِ نظرنا لوجدنا جملةَ دوافع قيِّمة ومن ذلك: أولاً: أن قطر قد كوَّنت قناعةً بأن التاريخ لا تصنعهُ الطموحات المتواضعة، لأنها لا تكادُ تحرِّكُ ساكناً، ولا تحدثُ تغييراً مُلفتاً، أما الطموحات الكبيرة فهي التي تُحدث انعطافاً مُلفتاً في سيرورة التاريخ، وتغييراً مؤثراً في حياة الناس، لهذا اتخذت قرار «الطموح العالي» ليصنع تاريخاً لا يكون ما قبله كما بعده. ثانياً: أن قطر تملكُ من القدرات والكفاءات المميَّزة التي حباها الله بها، ولن يكون لهذه النِّعم من قيمةٍ إن لم توضع لها المطامح العُليا التي تختبرُ مدى مَكنة قدراتها، وميزةِ كفاءاتها، فالمطامح العُليا هي التي تبرهنُ على مستوى القدرات والكفاءات والإِمكانات، وهي التي تدلل على الروح العالية لاجتيازِ الصعاب، والعقبات، فالانطواءُ والعجزُ والانزواء والمشي في الظل إنما هي سمةُ الخاملين، وصفة العاجزين الذين لا يملكون حلماً، ولا طموحاً، وهذا يفقدهم سبب الحياة كما يقول الأديب الإنجليزي برنادشو، وأولئك سيعيشون في هوامش الحياة. يقول أبوالقاسم الشابي: وَمَنْ لا يُحِبّ صُعُودَ الجِبَـالِ يَعِشْ أَبَدَ الدَّهْرِ بَيْنَ الحُفَـر ثالثاً: أن قطر أرادت أن تؤسس قيماً لأبنائها، والأجيال المتلاحقة من الثقةِ بالنفس، والاعتداد بالعزيمة، والتطلُّع إلى معالي الأهداف، والجرأةِ في الإِقدام، فهذه القيم هي التي تُعلي القامات، وتُسمي التطلعات، وتشحنُ النفس بالعزائم والطاقات، ولا شك أن طريق المجد الرفيع وعرٌ وصعبٌ، ولكن النفوس الكبيرة تعرفُ ذلك يقيناً، وتؤمنُ به أكيداً، وفي ذلك يقول أبوالطيب المتنبي: وَإِذا كانَتِ النُفوسُ كِباراً تَعِبَت في مُرادِها الأَجسامُ رابعاً: أن قطر كانت تملكُ القناعة بأن عليها أن تغيِّرَ صورةً مكرَّسةً في الغربِ والشرق تعبِّرُ عنها مقولة ميخائيل نعيمة: «الغرب رمز الطموح، والشرق رمز القناعة» فَلِم لا يكون الشرقُ رمز طموحٍ يضاهي به الغربَ بل يفوقه؟ هكذا كرَّست إيمانها بأنَّ عليها أن تغيِّر تلك الصورة النمطية التي ترسَّخت عند الغربي والعربي، وآمنت بقول الشاعر العباسي سلم الخاطري: مَن راقَبَ الناسَ ماتَ غَمّاً وَفازَ بِاللّذَّةِ الجَسورُ وها هي قطر بسببٍ من جسارتها في الطموح العالي فازت بلذة الإنجاز والنجاح الباهر لتنظيم أعظم مونديال كروي في التاريخ، لا يهم ما بُذل من مالٍ وجهدٍ وطاقات ولكن يهم الوصول إلى المطمح العظيم، يقول الشاعر المصري فاروق جويدة: «أصحاب الأحلام الكبيرة لا تهمهم متاعب الرحلة ولكن المهم أن يصلوا».

1215

| 05 يناير 2023

خطاب الشفافية
خطاب الشفافية

خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية...

8745

| 20 أكتوبر 2026

الخطاب الأميري... مسؤوليتنا جميعًا
الخطاب الأميري... مسؤوليتنا جميعًا

حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده...

2619

| 16 أكتوبر 2026

محترفون بالاسم فمن المسؤول عن الاختيار؟
محترفون بالاسم فمن المسؤول عن الاختيار؟

في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة...

2367

| 15 أكتوبر 2026

المدير الذي لا يقرر.. لماذا ندفع له راتباً؟
المدير الذي لا يقرر.. لماذا ندفع له راتباً؟

لعل كثيراً منا في قطر، سواء كان موظفاً...

1542

| 20 أكتوبر 2026

كانو وستة أجيال: قواعد بقاء الشركة العائلية
كانو وستة أجيال: قواعد بقاء الشركة العائلية

حين يطلب أحد أبناء العائلة منصبًا إداريًا في...

1137

| 18 أكتوبر 2026

كبار القدر بين التكريم والتصنيف
كبار القدر بين التكريم والتصنيف

شخصيًا ما زلت أرى ضبابية وعدم وضوح في...

1074

| 15 أكتوبر 2026

جريمة على مطار الرياض
جريمة على مطار الرياض

كيف يتحمل القلب مشهد صالة المسافرين رقم (٤)...

957

| 18 أكتوبر 2026

طارش الحويلة
طارش الحويلة

حدث ذات مساء في قرية فويرط المستلقية على...

765

| 20 أكتوبر 2026

أخرجوا سايكس بيكو من النفوس أولًا
أخرجوا سايكس بيكو من النفوس أولًا

هناك في متحف الإنسان بالعاصمة الفرنسية باريس، تقبع...

570

| 18 أكتوبر 2026

ستر بيوتنا في خطر
ستر بيوتنا في خطر

في أكتوبر 2025 فتحت شركة أمريكية باب الطلب...

540

| 21 أكتوبر 2026

رحل محمد... وبقي حبّه عطاءً
رحل محمد... وبقي حبّه عطاءً

16 اكتوبر هو ذكرى ميلاد ابني محمد رحمه...

495

| 19 أكتوبر 2026

الناس أمام الابتلاءات
الناس أمام الابتلاءات

لم يخلق الله عز وجل هذه الدنيا لنخلد...

492

| 15 أكتوبر 2026

أخبار محلية