رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين يبحث مستثمر أجنبي أو شريك تجاري عن شركتك، فهو لا يتصل بمكتبك ولا يقرأ تقريرك السنوي، يفتح هاتفه ويسأل ChatGPT أو Google AI أو Perplexity. وما يحصل عليه ليس موقعك الإلكتروني الرسمي، بل رأي الخوارزمية فيك، مُركَّباً من موقعك ومن كل ما كُتب عنك في أي مكان على الإنترنت. هنا تبدأ المشكلة موقعك الإلكتروني، إن كنت مثل كثير من الشركات الكبرى في المنطقة، ربما لم يُحدَّث منذ سنوات، ويحمل معلومات ناقصة أو متجاوزة. هذا لم يكن خطراً كبيراً حين كان الزائر يقرأ الموقع بنفسه ويحكم. لكن المشهد تغيّر جذرياً. محركات البحث الذكية اليوم لا تعرض موقعك، بل تُلخّصه وتُحوّله إلى حقيقة جاهزة تُقدَّم بثقة لملايين المستخدمين. والمعلومة الخاطئة في موقعك تصبح خطأً في الذاكرة الرقمية العالمية. تشير تقديرات متعددة صادرة عن جهات متخصصة في تحليل محتوى الذكاء الاصطناعي إلى أن أغلب الشركات الكبرى تحمل خطأً واحداً على الأقل فيما تقوله عنها هذه المحركات، وأن كلفة هذه الأخطاء على الشركات حول العالم تُقاس بمليارات الدولارات سنوياً. والأشد خطورة أن نماذج الذكاء الاصطناعي تُقدّم المعلومة الخاطئة بلغة أكثر ثقة وحسماً من المعلومة الصحيحة. ما يُميّز هذه المسألة عن مجرد إهمال رقمي هو بُعدها الوطني. شركتك، إن كانت من الشركات الكبرى في قطر، ليست مجرد كيان تجاري بل واجهة. حين يبحث مستثمر عن شركة طاقة قطرية أو مقاول بنية تحتية في الدوحة، فإن ما يجده يُشكّل انطباعه عن البيئة الاستثمارية كلها. وقد حدث بالفعل أن بحث مستثمر آسيوي عن شركة قطرية رائدة في قطاعها، فوجدت الخوارزمية موقعها الإلكتروني متوقفاً عن التحديث منذ سنوات، وملأت الفراغ بمعلومات من منتديات عامة لا صلة لها بواقع الشركة. هذا النمط يتكرر أكثر مما يُعترف به. علاوة على ذلك، تُغذّي محركات الذكاء الاصطناعي نفسها مما هو منشور. فإن غاب حضورك الرقمي أو كانت معلوماتك متضاربة، ملأت الخوارزمية الفراغ بما وجدته في منتديات ومواقع مجهولة المصدر، وهذا ما يُعرف بالهلوسة الرقمية، أي توليد معلومات تبدو منطقية لكنها مختلقة كلياً. هل من دولة تُراقب هذا؟ السؤال الجوهري الذي يطرحه هذا الواقع: هل توجد جهة رقابية في أي دولة تُشرف على الحضور الرقمي للشركات الكبرى وتضمن دقته؟ الإجابة اليوم: لا توجد بعد بالمعنى الشامل. لكن الاتجاه واضح. الاتحاد الأوروبي يسير بخطى متسارعة نحو تنظيم محتوى الذكاء الاصطناعي عبر قانون الخدمات الرقمية وقانون الذكاء الاصطناعي. الإمارات أنشأت بيئة اختبار تنظيمية لتقنيات الذكاء الاصطناعي عام 2024 كخطوة استباقية. والولايات المتحدة تُحاسب الشركات التي تُضلّل عبر ادعاءات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي. الفجوة واضحة، والفرصة أوضح. قطر تملك بالفعل الأساس المؤسسي لسدّ هذه الفجوة قبل غيرها. اللجنة الوطنية للذكاء الاصطناعي، التي أُنشئت بقرار مجلس الوزراء رقم عشرة لسنة 2021 وتضم ممثلين من مختلف الوزارات، مخوّلة أصلاً بوضع آليات تنفيذ الاستراتيجية الوطنية والإشراف على مبادراتها. بالتنسيق مع هيئة تنظيم الاتصالات، صاحبة الولاية التنظيمية على الوصول إلى الوسائط الرقمية، تستطيع هذه اللجنة أن تُصدر معياراً وطنياً واحداً محدداً: إلزام الشركات العاملة في القطاعات الحيوية، كالطاقة والبنية التحتية والمال، بتدقيق سنوي لحضورها الرقمي، يُقاس فيه توافق ما تعرضه محركات الذكاء الاصطناعي عنها مع واقعها الفعلي، ونشر مؤشر امتثال علني لكل شركة. هذه خطوة واحدة، قابلة للتنفيذ خلال عام، ولا تحتاج جهازاً بيروقراطياً جديداً بل تفعيلاً لولاية قائمة أصلاً. شركتك التي لا تملك حضوراً رقمياً موثوقاً لم تعد تخسر فقط عميلاً، بل تخسر ثقة عالَم يسأل الخوارزمية قبل أن يطرق بابها.
315
| 22 يوليو 2026
المعنى بلا مبنى شعارٌ يتبخّر، والمبنى بلا معنى جدارٌ أجوف. والسؤال الذي يُسأل عن كل بانٍ ليس: كم بنى؟ بل: ماذا أودع فيما بنى؟ ورحل عنا اليوم رجلٌ لا تُقرأ سيرته إلا بهذا الميزان. لم تكن قطر في مطلع التسعينيات إلا جغرافيا صغيرة على حافة خليج، لا تكاد تُرى على الخريطة إلا بجهد. فجاء البناء متلاحقًا: الغاز، والصوت، والمدرسة، والملعب. لكن الذي ينظر إلى هذه المباني بوصفها منشآت، لم يرَ منها شيئًا. الغاز ليس ثروة، بل هو قدرةٌ على أن تقول "لا" فتُسمَع. والجزيرة ليست قناة، بل هي صوتٌ في أمّة أُلجمت. والمدينة التعليمية ليست حرمًا جامعيًا، بل هي إعلانٌ بأن الأمّة تُستأنَف من العقل لا من الريع. والملاعب ليست إسمنتًا، بل هي أن يأتي العالم إلينا مرة، بعد أن ألِفنا الذهاب إليه دائمًا. جغرافيا ضيقة، ومعنى لا تسعه الجغرافيا. هذه هي المعادلة التي أتقنها الرجل: أن يبني المبنى الصغير، ثم يودعه معنى أكبر منه بكثير. في يناير من عام 2009، وغزة تحترق، دعا إلى قمة عربية طارئة، وقال إن ما يجري جريمة حرب تحتّم على العرب أن يتحركوا. فماذا كان؟ لم يكتمل النصاب حتى تنعقد القمة. فخرجت كلمة من فمه: "إن هذه القمة ما إن يكتمل نصابُها حتى يَنقُص، حسبنا الله ونعم الوكيل".. قصيرة.. بسيطة.. لكنها عميقة.. ومؤلمة. قطع، طيب الذكر رحمه الله تعالى، جدوله وسافر إلى القاهرة في زيارة خاصة لا رسمية، ليقدّم واجب العزاء في بيت معلّمه. ولم يسبقه إلى هذا زعيم. نعم رسم معلمُه بيده أول عملة للدولة، وخطّ أول طابع بريد لها. لكن المعنى الأكبر هو الوفاء. في الخامس والعشرين من يونيو 2013، وفي إقليم لا تنتقل فيه السلطة إلا من فوق سرير أو من تحت دبابة، خرج منه رجلٌ حيّ، صحيح، قادر، في ذروة تمكّنه. وقال في خطابه ما هو أثقل من الخروج نفسه: والله يعلم أني ما أردت السلطة غاية في ذاتها، ولا سعيت إليها من دوافع شخصية. "غاية في ذاتها". هذه هي الجملة التي تختصر عمر الرجل. من جعل المبنى غاية في ذاته فقد أفرغه من معناه، فصار الكرسي وثنًا يُعبد لا أداةً تُستعمل. ومن أدرك أن المبنى وسيلة، استطاع أن يتركه دون أن ينقص منه شيء. ثم غزة مرة أخرى.. أرضُ الرجال هُدم فيها كل حجر، فلم يبقَ فيها إلا المعنى عاريًا. جفاها القريب قبل البعيد، ووقف القادرون خلف الأسوار، ولم يدخلها أحد. وفي الثالث والعشرين من أكتوبر 2012، دخلها هو، أول زعيم عربي يكسر حصارها رسميًا، ومعه زوجه ووفده، لا حماية له إلا ما آمن به. القمم تحتاج نصابًا. وأما المواقف فلا نصاب لها. يقولون إنه ترك إرثًا عظيمًا. وأنا أقول: ترك ما هو أثقل من الإرث. ترك سابقةً. الإرث يُورَّث فيُستهلك، وأما السابقة فتبقى شاهدةً على الجميع، "كان الأول". كان بسيطًا. لا بمعنى السذاجة، بل بمعنى أن المسافة بين ما يعتقده وما يفعله كانت معدومة. وأكثر القادة يملؤون تلك المسافة بالتبرير والتوازن والدهاء. وهو اختصرها حتى انعدمت. ولهذا خرجت منه "حسبنا الله ونعم الوكيل"، الرجل السياسي يُعدّ عبارته، والرجل البسيط تفلت منه حقيقته. والوجدان العربي اليوم ليس متعطشًا إلى قائد أذكى. إنما هو متعطش إلى رجل يفعل ما يقول. ولذلك حين مات، لم تبكِ الملايين إنجازاته، بل بكت اتساقه. الإنجاز يُعجب، والاتساق يُبكي.
444
| 15 يوليو 2026
قطر لن تبدأ من الصفر. في عام 2024 أصدر مصرف قطر المركزي إرشادات ملزمة للمؤسسات المالية تُحمّل مجالس إدارتها المسؤولية الكاملة عن أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتشترط الحصول على موافقة مسبقة قبل نشر أي نظام عالي الخطورة. وفي العام ذاته أصدرت الوكالة الوطنية للأمن السيبراني دليلاً تقنياً شاملاً يُغطي دورة حياة الذكاء الاصطناعي لجميع القطاعات. إنجاز حقيقي — لكنه يكشف في الوقت ذاته عن فجوة لا يمكن تجاهلها. إرشادات مصرف قطر المركزي ملزمة وذات أسنان، لكنها تخص القطاع المالي وحده. ودليل الوكالة الوطنية للأمن السيبراني شامل ومدروس، لكنه طوعي، لا رقابة تفتيشية عليه ولا عقوبة على من يتجاهله. النتيجة: عشرات الوزارات والمؤسسات الحكومية والشركات التي تُقدّم خدماتها للجمهور يومياً، من الصحة إلى التعليم إلى البلديات، تعمل في فراغ تنظيمي كامل. وهذا الفراغ لا يبقى فارغاً، يملؤه الاجتهاد الفردي، وأحياناً الإهمال. في مؤسسات حكومية وشركات كثيرة اليوم، يُلخّص موظفون وثائق حساسة باستخدام أدوات ذكاء اصطناعي أجنبية، وتُصدر أنظمة ذكية قرارات تمس حقوق المواطنين دون أن يعلم أحد بآلية عملها. نماذج الذكاء الاصطناعي تستخدم لغة أكثر حسماً بنسبة 34% حين تُنتج معلومات خاطئة. أي أنها تبدو أكثر ثقة كلما كانت أكثر خطأً. قرار إداري مبني على مخرجات مغلوطة، أو خدمة عامة تعتمد على نظام متحيز، لن تظهر تبعاتها غداً، لكنها ستظهر، وحينها يصعب التراجع. الدول التي انتظرت حتى وقع الضرر دفعت ثمناً باهظاً: غرامات أوروبية بالملايين بسبب قرارات ائتمانية متحيزة، وشركات استشارات ردّت ملايين بسبب تقارير مبنية على مراجع مُخترعة من الذكاء الاصطناعي. والمنطقة المحيطة بقطر لا تخلو من دروس مماثلة. السعودية حوّلت مبادئها الأخلاقية إلى معيار قابل للتدقيق حين حققت شهادة ISO 42001 في يوليو 2024، لكن باحثين يُشيرون إلى أن تشريعاتها لا تزال مُشتّتة بين جهات متعددة مما يُفضي إلى تضارب في متطلبات الامتثال. أما الإمارات، فقد واجهت اختباراً أكثر حدة حين أثار الكونغرس الأمريكي مخاوف جدية حول احتمال وصول بيانات حساسة إلى أطراف خارجية عبر شراكات تقنية لإحدى شركاتها الكبرى، مما اضطرها إلى إطلاق إطار شامل للحوكمة وتعيين مسؤول تنفيذي للذكاء الاصطناعي المسؤول وفرض تدقيق خارجي مستقل. الدرس المشترك: الحوكمة لا تأتي من فراغ، تأتي إما استباقاً أو استجابةً لأزمة. ما المطلوب من قطر الآن؟ البناء القائم جيد، والمطلوب توسيعه في ثلاث اتجاهات: تحويل دليل الوكالة الوطنية للأمن السيبراني من إرشادات طوعية إلى إطار ملزم يشمل المؤسسات الحكومية والشركات التي تُقدّم خدمات عامة. وإلزام كل مؤسسة تستخدم الذكاء الاصطناعي في قرارات تمس الجمهور بتعيين مسؤول واضح وسجل موثّق لأنظمتها وآلية إفصاح للمتضررين. وإنشاء جهة تفتيش محايدة تتحقق من الامتثال، لأن الرقابة الذاتية وحدها لا تكفي حين تتشابك المصالح. قطر أمامها خيار نادر: أن تتعلم من تجارب جيرانها قبل أن تعيشها. وأن تكون نموذجاً إقليمياً لا متأخراً يدفع ثمن التردد.
567
| 08 يوليو 2026
نحن لا نعيش بالعقود والقوانين فقط، بل نعيش أيضًا بسلسلة طويلة من الإشارات الصغيرة التي تحفظ الود بين الناس. اتصال قصير، رسالة تهنئة، زيارة عائلية، تعزية، سؤال عن مريض، حضور مناسبة، أو حتى ابتسامة في وجه قريب أو صديق. هذه الأفعال البسيطة هي التي تجعل العلاقات أكثر دفئًا، وتمنع الحياة من أن تتحول إلى معاملات جافة. لذلك لا يصح أن ننظر إلى المجاملات الاجتماعية نظرة سلبية مطلقة. فالمجاملة في أصلها ليست نفاقًا، ولا تصنعًا، ولا عبئًا دائمًا. بل هي في كثير من الأحيان تعبير عن الذوق، وحفظ للمودة، ومراعاة للخواطر، وإعلان بأن الإنسان لم ينس قريبه أو صديقه أو جاره في فرحه أو حزنه. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول المجاملة من فعل جميل إلى واجب ثقيل. هنا لا يعود الإنسان يسأل نفسه: هل أريد أن أشارك؟ هل أستطيع أن أحضر؟ هل يناسبني أن أتصل الآن؟.... بل يبدأ بسؤال آخر: ماذا سيقول الناس إن لم أفعل؟ هل سيغضب فلان؟ هل سيقال إنني قصّرت؟ هل سيُفهم غيابي على أنه تجاهل أو تغير في العلاقة؟ في هذه اللحظة تتحول المجاملة من معروف اجتماعي إلى عرف ضاغط. والعرف هنا لا يعني العادة البسيطة فقط، بل يعني ذلك السلوك الذي يتكرر بين الناس حتى يصبح متوقعًا، ثم يتحول مع الزمن إلى معيار يحاسِب الناس بعضهم بعضًا عليه. لا توجد ورقة مكتوبة تقول لك: يجب أن تحضر، أو يجب أن تتصل، أو يجب أن تبارك، لكنك تشعر أن ترك ذلك سيكلفك عتبًا أو سوء فهم أو برودًا في العلاقة. وهذا هو الجانب الذي لا نتوقف عنده كثيرًا. نحن نتحدث عادة عن تكاليف الزواج، وتكاليف العزاء، وتكاليف المناسبات الكبرى، لأنها ظاهرة وواضحة. لكن هناك تكاليف أخرى لا تظهر في الفواتير. هناك تكلفة الوقت، وتكلفة القلق، وتكلفة الشعور بالذنب، وتكلفة إدارة العلاقات، وتكلفة أن يظل الإنسان مراقبًا لما يجب أن يفعله تجاه كل قريب وصديق وزميل. قد تكون المجاملة رسالة صغيرة، لكنها أحيانًا تأتي بعد تفكير طويل: من يجب أن أهنئ؟ من قد يزعل إن ما رديت عليه؟ هل تكفي رسالة؟ هل يجب أن أتصل؟ هل يجب أن أزور؟ هذه الأسئلة، حين تتكرر، تصنع عبئًا نفسيًا غير معلن. ولعل من أكثر العبارات حضورًا في هذا الباب عبارة: “حفظ الخاطر”. وهي عبارة جميلة في أصلها. فالمجتمع الذي لا يحفظ خواطر الناس يصبح قاسيًا. لكن حفظ الخاطر يتحول أحيانًا إلى ضغط عندما يصبح مطلوبًا من الإنسان أن يحفظ خواطر الجميع، بينما لا يحفظ أحد خاطره هو، ولا يراعي ظروفه أو تعبه أو مرضه أو ضيق وقته. المطلوب إذن ليس إلغاء المجاملات. فهذا غير ممكن، ولا هو مطلوب أصلًا. المجتمع بلا مجاملات سيكون أكثر برودة، وأقل رحمة، وأضعف صلة. المطلوب هو تهذيب المجاملات، وإعادتها إلى معناها الأصلي: المودة لا المحاسبة،.... المشاركة لا المراقبة،.... المعروف لا الإحراج. نحتاج إلى عرف اجتماعي جديد، أرحم وأوسع. عرف يقبل الاعتذار من غير تفتيش في النوايا. عرف يفهم أن عدم الحضور ليس دائمًا تقصيرًا، وأن الرسالة قد تكفي أحيانًا، وأن الاتصال القصير قد يكون صادقًا، وأن الإنسان لا يستطيع أن يؤدي كل الواجبات الاجتماعية بالطريقة نفسها وفي كل وقت. كما نحتاج إلى تخفيف لغة العَتَب والمحاسبة: لم يتصل، لم يحضر، لم يبارك، بس أرسل برسالة، تغيّر علينا، كبر راسها علينا. هذه العبارات الصغيرة هي التي تجعل الناس يجاملون خوفًا لا محبة، ويحضرون دفعًا للحرج لا رغبة في المشاركة. المجاملة الجميلة هي التي تترك أثرًا طيبًا في النفس. أما المجاملة التي ترهق الإنسان، وتدفعه إلى التمثيل الاجتماعي المستمر، وتجعله يخاف من كل غياب أو تأخر أو اعتذار، فهي بحاجة إلى مراجعة. نحن لا نحتاج إلى مجتمع بلا مجاملات، بل إلى مجتمع أكثر رحمة في فهم المجاملات. مجتمع يحفظ المعروف، لكنه لا يحوله إلى عبء. يقدّر الحضور، لكنه لا يجرّم الغياب. يفرح بالسؤال، لكنه لا يعاقب من منعته ظروفه. فالعلاقات لا تقوى بكثرة المحاسبة، بل بحسن الظن، وسعة الصدر، وقبول أعذار الناس. ولعل أرق ما يختم به هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: “الكلمة الطيبة صدقة”. فالمجاملة حين تكون كلمة طيبة، خفيفة على صاحبها، دافئة في أثرها، صادقة في معناها، تصبح بابًا من أبواب الرحمة، لا عبئًا من أعباء الحياة.
867
| 30 يونيو 2026
وجهتني دكتورة قطرية خبيرة بالتعليم إلى مقال في مجلة London Review of Books البريطانية الرصينة، للناقد والأكاديمي ستيفان كوليني بعنوان «أسراب من الخنازير بتوجيه » (Squadrons of Pigs)، نُشر في عددها الصادر في الرابع من يونيو ٢٠٢٦، - يُشرّحُ فيه أزمةَ الجامعات البريطانية تشريحاً موجعاً؛ ذلك النظام الذي طالما وُصف بأنه «رائدٌ عالمياً». وخلاصةُ ما انتهى إليه أنّ منطقَ السوق حين تَسلّلَ إلى الجامعة حوّلَ الطالبَ إلى «مستهلكٍ» والشهادةَ إلى «استثمار»، فتسابقت المؤسساتُ على المباني البرّاقة والمرافق الفاخرة، وأنفقت على الواجهات ما أنهكت به جوهرَ التعليم والبحث. بقيَ المبنى شامخاً، وانسحبَ المعنى في صمت. وذلك — في تقديري — أبلغُ درسٍ يُهدى إلينا؛ لا لِنُقارنَ أنفسَنا بهم، بل لِنَحذرَ من بابٍ دخلوا منه ونحن بعدُ على عَتَبته. فحين كتبتُ قبلَ أيامٍ عن فرحتنا بالتخرّج، وسألتُ: لأيّ إنسانٍ نُخرّجُ أبناءنا؟ لم يكن السؤالُ ترَفاً. فالشهادةُ مبنىً جميل: روبٌ، وزغاريدُ، وقاعاتٌ تتلألأ. أمّا المعنى فهو الإنسانُ الذي يَحملُها؛ هل نالَ معها البوصلةَ التي تُجيبه حين يَسألُه ولدُه يوماً: مَن نحن (هُوية)؟ وحين كتبتُ بعدها عن فرحتنا بترقية شبابنا إلى مواقع القيادة، نبّهتُ إلى الفراغ الذي قد يَتركه صعودُهم في المختبر ومركز البحث. وهنا أيضاً مبنىً ومعنى: المنصبُ والمكتبُ واللجانُ مبنى، والمعرفةُ التي تُصنع في خفاءٍ معنى. فإذا جمعتُ المقالَين في ميزانٍ واحد، رأيتُهما يقولان شيئاً واحداً من بابَين: أنّ الخطرَ الأكبرَ على أيّ نهضةٍ ليس في نقص المباني، بل في أن تَبتلعَ المبانيَ المعاني. فقد ابتلعت السوقُ معنى الجامعة في بريطانيا، فبقيت الجدرانُ بلا روح. ونحن قد نَبتلعُ المعنى بطريقةٍ أخرى: بكثرة الشهادات بلا كفاءة، وبتعظيم المنصب على حساب البحث، وبالاحتفاء بالواجهة الإدارية حتى يَخلوَ العمقُ ممّن يَملؤه. الصورةُ مختلفة، والداءُ واحد: انتصارُ الشكل على الجوهر. والتاريخُ يُذكّرنا — كما أشرتُ في حديثي عن التابعين — أنّ الفراغَ الذي يَتركه أهلُ ميدانٍ تَملؤه قوىً في ميدانٍ آخر. فحين انشغلَ رجالُ الصفّ الأول بالإدارة والفتح، نَبَتَ العلمُ في بيوتٍ تَفرّغَت له وصبرت عليه، فأنجبت الحسنَ البصريَّ وسعيدَ بنَ المسيّب وعطاء بن أبي رباح (رحمهم الله جميعا). والعبرةُ أنّ المعنى لا يَحيا إلا حين يَجدُ من يَتفرّغُ له ويَحرسُه؛ فإن تركناه بلا حُرّاسٍ ذبَل وإن شَمختِ المباني. ولستُ هنا أنعى، فنحن في قطر نَملكُ ما لا يَملكه كثيرون: إرادةً سياسيةً تُؤمن بالإنسان، ومجتمعاً يُكرّمُ العلمَ، وموارد تَكفي لِنُحسنَ الاختيار. ومن مَلَكَ هذه الثلاثَ يَستطيعُ — إن وَعى الدرسَ — أن يَبنيَ المبنى دون أن يَخسرَ المعنى. وذلك يَبدأ من قرارٍ بسيطٍ في جوهره، عسيرٍ في تطبيقه: ألّا نَقيسَ نجاحَ الجامعة بعدد خرّيجيها، ولا بفخامة مبانيها، ولا بعدد مناصبها العليا؛ بل بما تُنتجُه من معرفة، وما تَغرسُه في خرّيجيها من سؤالٍ وبوصلة، وما تَصونُه في مختبراتها من عقولٍ لم تَستنزفها المكاتب. إنّ المباني تُبنى في سنوات، أمّا المعاني فتُغرَس في أجيال. والأممُ التي أدركت هذا قدّمت المعنى وجعلت المبنى خادماً له؛ والتي نَسِيَته وجدت نفسَها — كما في المشهد الذي رسمه كوليني — تَملكُ صروحاً عاليةً وأرواحاً خاوية. ونحن، بإذن الله، أهلٌ لأن نَختارَ الطريقَ الأحكم: أن يَبقى المبنى لنا، وأن يَبقى المعنى فينا.
660
| 23 يونيو 2026
خلال اليومين الماضيين، تابعنا بكثير من الفرح والاعتزاز حركة واضحة في ترقية عدد من الشباب القطري القيادي في الجامعات ومؤسسات أخرى إلى مستويات أعلى من المسؤولية. وهذا أمر يسرّنا بلا شك؛ لأنه يعكس ثقة الدولة ومؤسساتها في أبنائها، ويؤكد أن الكفاءة القطرية حاضرة، وأن الاستثمار في الإنسان القطري ليس شعاراً عابراً، بل مسار عملي يتجسد في المواقع والقرارات والمسؤوليات. ومن حقنا أن نفرح حين نرى أبناءنا يتقدمون إلى الصفوف الأولى، لا بوصفهم مجرد حضور وطني رمزي، بل بوصفهم كفاءات قادرة على الإدارة، وصناعة الرؤية، وتحمل أعباء القرار. فالأوطان لا تُبنى إلا حين تُفتح أبوابها لأبنائها المؤهلين، وحين يجد أصحاب الطموح والجدارة طريقهم إلى مواقع التأثير. لكن هذه زاوية واحدة من المشهد، وهناك زوايا أخرى ينبغي ألا تغيب عن وعينا ونحن نحتفي بهذه الترقيات المستحقة. في التاريخ الإسلامي درس عميق يمكن أن نستدعيه لا للمقارنة الحرفية، بل لاستخلاص العبرة. حين خرج الصحابة وأبناؤهم في الفتوحات، وانتشروا في الآفاق حاملين رسالة الإسلام، اتسعت الدولة، وكبرت المسؤوليات، وانشغل كثير من رجال الصف الأول بالجهاد والإدارة والسياسة وبناء الدولة الممتدة. ومع هذا الاتساع، نشأت داخل الحواضر الإسلامية فئات جديدة اتجهت إلى العلم والفقه والحديث والتفسير، وكان من بينها عدد كبير من الموالي وأبناء البيوت التي لم تكن في مقدمة المشهد. ومن هذه البيئة خرج علماء كبار، كالحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، وسعيد بن المسيب، وغيرهم من أعلام التابعين الذين أسهموا في تشكيل العقل الإسلامي في مرحلة مبكرة. لقد وجد العلم في هؤلاء أرضاً خصبة؛ لأنهم صبروا عليه، وتفرغوا له، وجعلوه مشروع حياة. بينما أخذت الدنيا، بما فيها من سلطة ومادة ومسؤوليات، تجذب آخرين إلى ساحاتها الواسعة. وهنا لا نذمّ من خاض الإدارة أو السياسة أو الفتح، ولكننا نلاحظ أن الفراغ الذي تتركه حركة الصعود في ميدان ما، قد تملؤه قوى أخرى في ميدان آخر. وهذا هو موضع التأمل في واقعنا اليوم. حين نرفع أبناءنا الأكفاء إلى مواقع القيادة العليا، فإننا نحقق مكسباً مهماً، ولكننا في الوقت ذاته قد نُحدث فراغاً في مستويات أخرى لا تقل أهمية، خصوصاً في الجامعات ومراكز البحث والمختبرات ومناطق الإنتاج العلمي والمعرفي. فمن ينشغل بالإدارة، سينشغل حتماً بالاجتماعات، والتواقيع، واللجان، والملفات اليومية، وهذا جزء طبيعي من العمل القيادي. لكن السؤال هو: من سيبقى في المختبر؟ من سيقود البحث؟ من سيصبر على صناعة المعرفة؟ ومن سيملأ المساحة التي تركها الأكفاء حين صعدوا إلى المكاتب العليا؟ لسنا ضد الترقية، ولا ضد تمكين القيادات القطرية الشابة؛ بل نحن من أكثر الفرحين بهذا المسار والداعمين له. ولكننا نريد أن ننبه إلى أن الفرح بزاوية واحدة لا ينبغي أن ينسينا عشر زوايا أخرى قد تظهر آثارها لاحقاً. فالمؤسسات لا تقوم فقط على المبنى، ولا على الواجهة الإدارية، ولا على كثرة الاجتماعات والخطط؛ بل تقوم أيضاً على ما يحدث في العمق: في قاعة الدرس، وفي المختبر، وفي مركز البحث، وفي الورقة العلمية، وفي المشروع المعرفي الذي لا يراه الناس كثيراً، لكنه يصنع المستقبل بصمت. إن أحد أخطر الأفخاخ التي قد نقع فيها هو أن نعتني كثيراً بالمبنى، ولا خلاف على أهمية ذلك، ثم نترك فراغاً في منطقة العلم والإنتاج. وقد نهتم بالمظهر المؤسسي، والهيكل الإداري، والمناصب الرفيعة، وننسى أن القيمة الحقيقية لأي جامعة أو مؤسسة علمية تقاس بما تنتجه من معرفة، وما تضيفه إلى المجتمع، وما تخرّجه من عقول قادرة على التفكير والابتكار. فالجامعة ليست إدارة فقط، وليست مباني فقط، وليست مناسبات رسمية فقط؛ الجامعة قبل ذلك كله عقلٌ يعمل، وبحثٌ يتراكم، وسؤالٌ علمي لا يتوقف. ولا يعني هذا أن منطقة القيادة وبناء الرؤى أقل أهمية. على العكس، نحن بحاجة إلى قيادات واعية، شابة، مؤهلة، قادرة على الإدارة والتخطيط واتخاذ القرار. لكن ما ندعو إليه هو التوازن. نريد قيادات تصعد، ونريد في الوقت نفسه علماء وباحثين يبقون في الميدان المعرفي. نريد مديراً ناجحاً، لكننا نريد أيضاً أستاذاً متفرغاً للبحث، وباحثاً لا يُستنزف في العمل الإداري، ومختبراً لا يتحول إلى مساحة ثانوية بعد أن يغادره أفضل أبنائه إلى المكاتب. إن صناعة القيادة مهمة، لكنها لا ينبغي أن تكون على حساب صناعة العلم. وإذا كانت الدولة تراهن على الإنسان القطري، فإن هذا الرهان يجب أن يتوزع بعدل بين من يقود المؤسسة، ومن يصنع معرفتها. فالأمم لا تنهض بالقرار وحده، ولا بالبحث وحده، بل تنهض حين يلتقي القرار الرشيد مع المعرفة العميقة. وقد قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، وهي آية تذكرنا بأن رفعة العلم ليست هامشاً في مشروع النهضة، بل أصل من أصولها. لذلك، ونحن نبارك للشباب القطري هذه الثقة، ونفرح بوصولهم إلى مواقع القيادة، ينبغي أن نطرح سؤال المستقبل: كيف نضمن ألا يترك الصعود الإداري فراغاً بحثياً؟ كيف نحمي المختبر والبحث والقاعة العلمية من الاستنزاف؟ وكيف نجعل من الترقية بداية لمسار تكاملي، لا انتقالاً كاملاً من العلم إلى الإدارة؟ الجواب يبدأ من الاعتراف بأن المؤسسة تحتاج إلى قائد، وتحتاج أيضاً إلى عالم. تحتاج إلى من يوقع القرار، وتحتاج إلى من ينتج المعرفة التي يستند إليها القرار. أما حين نبالغ في تمجيد الإدارة وننسى الإنتاج العلمي، فإننا نخسر شيئاً من روح الجامعة. وحين نوازن بين الاثنين، فإننا لا نصنع مؤسسة ناجحة فحسب، بل نصنع وطناً يعرف كيف يقود، وكيف يفكر، وكيف يبني مستقبله على أساس راسخ.
492
| 16 يونيو 2026
في الأسبوعَين الأخيرَين، عاشت ديارُنا في قطرَ أياماً تَغمرُ القلبَ غَمراً. احتفلت جامعاتُنا — كجامعة قطر، وجامعة حمد بن خليفة، ومعهد الدوحة للدراسات العليا، وجامعة الدوحة للعلوم والتكنولوجيا، وغيرها من صروحنا التعليمية — بتخريج دفعاتٍ جديدةٍ من حملة البكالوريوس والشهادات العليا. تلألأت القاعاتُ بأرواب الخريجين، وكتمَ الآباءُ دموعَ الفرح، وأطلقت الأمهاتُ زغاريدَ الإنجاز، واتّسعت الصدورُ لأملٍ يفوقُ أيَّ شهادة. مشهدٌ يُثلِجُ الخاطر، ويُريك زاويةً مضيئةً من تطوّر بلادنا، وأحدَ المقاييس الحقيقية للنهضة الحضارية. الحمدُ لله على ما بَلَغناه، والشكرُ لأهلنا الذين سَهِروا حتى وصلَ أبناؤهم إلى هذه الليالي. وفي خِضَمّ هذا الفرح، يَتسلّلُ إلى الصدر هادئ؛ عتابُ المُحِبّ لا المنتقِد، وعتابُ من يَرى بلادَه أكبرَ مما تُقدِّم له اليوم. لسنا نَنظرُ من الخارج، فنحنُ أبناءُ هذه التجربة وشركاءُ مسيرتها، ومن أحبَّ شيئاً تَجَرّأ على مساءلته. ولعلَّ السؤالَ الذي لم نَجرؤ على طَرحه في حَفل التخرج هو: لأيّ إنسانٍ نُخرِّج هؤلاء؟ أوّلُ ما يُؤرّقنا حَيرةُ البوصلة. نحن في هذه الأمة نَحملُ أثقالاً ثلاثة لا يَحملها سوانا في آنٍ واحد: ثِقلَ سؤالِ الوحي والعقل، وثِقلَ سؤال الأصالة والحداثة، وثِقلَ سؤال الفرد والجماعة. وكلُّ تعليمٍ يَتجاهلها يَظنُّ نفسَه محايداً وما هو بمحايد. نَدخلُ قاعاتِنا فنُدَرِّسُ علوماً وافدةً بمناهجَ وافدةٍ لأرواحٍ نابتةٍ من تُربةِ هذه الأرض. ثم نَستغرِبُ حين يَخرجُ أبناؤنا وقد أتقنوا الأدواتِ، ولا يَدرون لماذا يَستخدمونها. أين السؤالُ الذي يَجمعُ بين ما وَرِثناه وما نريد أن نُورِّثَه؟ يَخرجُ خرّيجُنا فيُحسنُ التعاملَ مع العالم، ولا يُحسنُ الإجابةَ حين يَسألُه ولدُه يوماً: مَن نحن؟ ويَلي ذلك ما هو أوجَع: هَوَسُ الشهادات وفراغُها من معناها. لطالَما كان العلمُ غايةً تُنيرُ حياتنا، وقيمةً مقدّسةً يُسعى للظفر بها ولو في أقاصي الأرض. فمتى تَحوّلت الجامعةُ من مَحضنٍ للفكر إلى مصنعٍ للأوراق؟ ولماذا تَكثُرُ في ديارنا الشهاداتُ — بكالوريوس، وماجستير، ودكتوراه — بينما تَشكو ميادينُ العمل من شُحّ الكفاءة الحقيقية ونستورد الخبراء؟ ثم تلك المأساةُ الصامتة التي نُسمّيها هِجرةَ العقول الداخلية: لا نَخسرُ عقولَنا إلى الخارج فحسب، بل نَخسرُها من المختبَر إلى المكتب. تَستثمرُ الدولةُ الملايينَ في صناعة عالِم ذرّةٍ أو خبير اقتصادٍ أو طبيب، فيعودُ ليُمارس توقيعاً وحضوراً وانصرافاً. وكأنّ النظامَ يَدفعُ لعالِمنا لكي يَترُكَ عِلمَه: فالبَدَلُ الإداري يَفوقُ مكافأةَ بحثٍ رصينٍ استغرق عاماً، وصدرُ المجلس مربوطٌ بالمنصب لا بالرُّتبة العلمية. ومعَ ذلك كلِّه، فنحن — والحمدُ لله — في قطر نَملكُ ما لا يَملكه سوانا: إرادةً سياسيةً تُؤمن بالتعليم، ومجتمعاً يَحترمُ العلمَ ويُكرّمُ أهلَه، وموارد وضعَتها العنايةُ بين أيدينا لِنُحسنَ التصرّفَ بها. ولقد رأينا بأمّ أعيُننا كيف انتقلت بلادُنا في عقودٍ معدوداتٍ من رمالها إلى مراتبَ تُحسَد عليها. فإن صنعنا الجامعةَ والمدرسةَ في يومٍ، فلا يُعجزنا أن نَصنعَ فيها سؤالاً وغايةً ومعنى. والخرّيجُ الذي نَنتظره ليس من نال الشهادةَ وحدَها، بل من نالَ معها البوصلةَ. وإنّ يداً وضعَت قطرَ حيث هي اليوم، قادرةٌ — بإذن الله — أن تَضعَ خرّيجَها حيث يستحقُّ أن يكون: إنساناً قبل أن يكون حاملَ شهادة.
573
| 09 يونيو 2026
في كل عام يعود الحج ليوقظ في القلب معاني التجرّد والمساواة والخضوع لله. لباسٌ واحد، ونداءٌ واحد، ووجهةٌ واحدة، وملايين يقفون في عرفة لا تميّز بينهم الألقابُ ولا الثرواتُ ولا الجنسيات. غير أن الفضاء الرقمي، خصوصًا في منصّاتنا الخليجية، صار يضيف إلى صورة الحج طبقةً جديدة: الفنادق، والباقات، والمخيمات، والبوفيهات، والقرب من الحرم، والخدمات «المميّزة». وليست الرفاهية في الحج مذمومةً في ذاتها. فالتيسير مقصدٌ شرعي، وخدمة ضيوف الرحمن شرفٌ عظيم، والعناية بكبار السن والمرضى ضرورةٌ إنسانية لا ترف. وما حقّقته المملكة في تنظيم الحشود والخدمات والصحة إنجازٌ يستحق التقدير. لكن السؤال الأعمق ليس عن وجود الخدمة، بل عن طريقة عرضها: متى تتحوّل الراحة من وسيلةٍ للعبادة إلى موضوعٍ للتفاخر؟ ولا بدّ هنا من يقظة؛ فالترف داءٌ هزم الأمم، وقد ذمّه الخطاب الإسلامي في مواطن كثيرة. وهو لا يأتي فجأة، بل يتدرّج في انسلاله إلى الحياة خطوةً خطوةً. وفي قوله تعالى «ولا تتّبعوا خطوات الشيطان» إشارةٌ بليغة؛ فالنهي لم يكن عن اتّباع الشيطان فحسب، بل عن اتّباع «خطواته»، تنبيهًا إلى أن الانزلاق يبدأ صغيرًا متدرّجًا. ولعلّ ثقافة الاستعراض في الحج إحدى تلك الخطوات الهادئة. لم يعد بعض ما يُنشر عن الحج يكتفي بتوثيق الطواف والتلبية والدعاء، بل صار يعرض مستوى الفندق، ونوع الطعام، وشكل المخيم، والإطلالة؛ مقاطعُ تبدأ من الغرفة فالبوفيه فالحافلة، وكأن المشاهد أمام مراجعةٍ سياحية لا أمام رحلةٍ إلى ركنٍ جعله الله على من استطاع، لِما فيه من مشقّةٍ لم يذكرها في سائر الأركان. ولسنا نتحدث عن كل الحجاج ولا كل الحملات؛ فهناك محتوى عظيم يشرح المناسك ويذكّر بفضل عرفة. لكن بجانبه يظهر نمطٌ يحوّل الحج إلى مساحةٍ للتميّز الاجتماعي: مَن يسكن أقرب؟ ومَن ينال خدمةً أرقى؟ ومَن يذهب في حملةٍ أكثر خصوصية؟ والمنصّة لا تنقل الواقع فحسب، بل تُعيد تشكيله؛ فهي تكافئ ما يُرى ويُقاس ويُصوَّر: الفندق يُصوَّر، والطعام يُصوَّر، أما الخشوع فلا يُلتقط في لقطة، والتوبة لا تظهر في مقطعٍ سريع، والانكسار بين يدي الله لا يصير محتوًى جذابًا. لذلك يبدو الحج أحيانًا أكثر رفاهيةً مما هو روحانية؛ لا لأن الروح غابت، بل لأن المنصة تكافئ المرئيّ القابل للمقارنة. وهكذا ننتقل من «الحج نسكًا» إلى «الحج تجربة»، وتدخل لغة السوق المجال الديني بمفرداتها: باقة، وفاخر، وخاص، وخمس نجوم. وهنا تكمن الحقيقة الأعمق: إن الوصول إلى معنى العبادة يحتاج تخفّفًا من الدنيا واستغراقًا في العبودية لله. والحج موسمٌ وفرصةٌ نرجو فيها التطهّر من الذنوب حتى يعود المرء أبيض ناصعًا كيوم ولدته أمه؛ وهذا الموقف يستدعي تجرّدًا روحانيًا لا ثقلًا ماديًا. فكيف نطلب نقاء القلب ونحن نُثقله بحساب الباقات والامتيازات؟ والمفارقة أن الحج نفسه يحمل الدواء: فالإحرام يُلغي الزينة، والتلبية تُلغي الأنا، والزحام يذكّرك بأنك واحدٌ بين ملايين، وعرفة تُعيد ترتيب الأولويات؛ فلا قيمة للفندق حين تقف طالبًا المغفرة، ولا معنى للامتياز حين يتساوى الناس في الرجاء والخوف والنداء. ولا ينبغي أن نبالغ في الإدانة؛ فمن يصوّر فندقه ليس متفاخرًا بالضرورة، وقد يكون ممتنًّا أو ناصحًا. لكن المطلوب وعيٌ أخلاقي: كيف نعرض الخدمة دون أن نقتل المعنى؟ وكيف نشكر النعمة دون أن نستعرضها؟ ربما نحتاج إلى «أدبٍ للنشر في الحج» يذكّرنا بأن لكل شعيرةٍ روحًا، وأن الصورة قد تخدم المعنى أو تحجبه. وتبقى المسألة الأكبر أبعد من الحج وحده؛ فما نقوله ليس منفصلًا عن سيلٍ من الترف انساب في مساحةٍ واسعة من حياتنا: في بيوتنا وموائدنا وأسفارنا، حتى صار الاستعراض عادةً، والانسياق وراء الأفخم طبعًا لا نكاد نشعر به. فلسنا نلوم الراحة في الحج لذاتها، بل لأنها صورةٌ مصغّرة من صورةٍ أكبر تغشى المجتمع، والحج بصفائه مرآةٌ تكشف هذا الانسياق أكثر مما تصنعه. والترف لا يقتحم فجأة، بل يأخذنا خطوةً تتبع خطوة حتى ننسى أن الراحة وسيلةٌ لا غاية، وأن الخدمة طريقٌ إلى العبادة لا بديلٌ عنها. سيظلّ الحج رحلةً إلى الله مهما أحاطت به الباقات والمنصات، لكن أغلى ما يعود به الحاج ليس صورةً من فندقٍ قريب، بل قلبٌ عاد أخفّ، وأنقى، وأقرب إلى الله؛ قلبٌ نجا من الانسياق، وعاد كما يُراد له أن يعود.
771
| 02 يونيو 2026
تلقيت دعوة كريمة لحضور إحدى جلسات مجلس الشورى القطري، وكانت هذه زيارتي الأولى إلى قبة المجلس. وقد خرجتُ منها بانطباعات أحببت أن أدونها، لا على سبيل التقريظ، وإنما من باب الشهادة على ما رأيت. المكان والمعنى استوقفني جمال قاعة المجلس وانسجامها مع روح العمارة الخليجية والقطرية. ثمة ارتياح بصري ينساب على الحاضر، وهيبة هادئة تُذكر بأن المكان وعاء لمعنى. ولعلي أتمنى لو امتدت القاعة في طولها وسعتها قليلًا؛ فالامتداد المعماري -كما نلمسه في المساجد الكبيرة- يُولد إحساسًا روحانيًا أعمق، إذ يتسع الأفق البصري فيتسع معه الشعور، ويتحول الفضاء نفسه إلى رسالة قبل أن ينطق فيه أحد. ومن مفردات المكان أيضًا الزي الوطني الذي حافظ عليه الأعضاء، فاللباس وإن تغير في أصله، إلا أن استمساك المؤسسة به يبعث رسالة بليغة: أن للهوية والتراث مكانًا محفوظًا في قلب المؤسسات الحديثة. كذلك حضور التكنولوجيا الهادئ؛ فهي موجودة، لكنها مخفية، لا تُزاحم الإنسان ولا تطغى على المشهد. اللغة وأدب الحوار مما أسعدني استخدامُ الفصحى في جميع المداخلات؛ فالعربية لم تكن لغة مراسم، بل لسانًا تخاطبيًا حيًا، وهذا أمر يُحسب لأعضاء المجلس ولثقافة العمل فيه. وقد تجلى الأدب العام في حفاوة الاستقبال، وفي الانضباط بالوقت والجدية الهادئة في النقاش. وقد يظن بعضهم أن المؤسسات التمثيلية لا بد أن تقوم على الاحتدام، غير أن هذا الانسجام -في تقديري- يعكس عمق الهوية المشتركة، والثقافة الجماعية، لا غياب الرأي. ومن الفضائل الأدبية التي لفتتني، أن سعادة الرئيس حسن بن عبدالله الغانم كان يُعقب على كل متحدث بشكر هادئ، ذاكرًا اسمه الثلاثي كاملًا، دون استعجال ولا إخلال. وهي عادة صغيرة في ظاهرها، عميقة في أثرها؛ ففيها تكريم للعضو في شخصه، ولوالده وعائلته في انتسابه، ودرس في إدارة الحوار، حيث يشعر المتحدث بأن كلمته وصلت وقُدرت. وقد طالت الجلسة وتعددت المداخلات، فما رأيتُ هذا الأدب يتراجع ولا يفتر. أما النظام داخل الجلسة فسهل ممتنع: صارم في جوهره، ناعم في إيقاعه. الأندية الرياضية.. من الإضافة إلى التحويل ناقش المجلس تقرير لجنة شؤون التعليم والثقافة والرياضة والإعلام بشأن تعزيز الدور الاجتماعي والثقافي والقيمي للأندية الرياضية. وجاء التقرير في موضوع بالغ الأهمية، بتحليل جيد ومقترحات موفقة، ولمست في مداخلات الأعضاء حرصًا واضحًا على الهوية والقيم، وكان لسعادة الأخت د. حمدة بنت حسن السليطي، نائب الرئيس، و"وتد المجلس"، أكثر من مداخلة عبرت فيها صراحةً عن أولوية البعد القيمي. وأود -من باب الإضافة لا المراجعة- أن أسجل ملاحظتين: أولاهما، أن النزول إلى المستفيد نفسه (الشباب، الأسر، المدربين، المدارس القريبة من النادي) يمنح الدراسة وضوحًا لا يبلغه الاكتفاء بآراء المسؤولين والمختصين. وثانيتهما، أن السؤال الأدق ربما لا يكون: ماذا نُضيف إلى الأندية من فعاليات؟ بل: كيف نُحول النادي إلى نظام تشغيلي مجتمعي متكامل، له هيكل واضح ومؤشرات قياسٍ حقيقية؟ فالنادي ليس ملعبًا فحسب، بل فضاءٌ يملك المكان، والثقة، والانتماء المحلي، والقدرة على الوصول إلى الشباب والأسرة بصورة قد لا تتوافر بسهولة لمؤسسات أخرى. ولعل المدخل العملي أن يُجرب نموذج محدود في عدد مختار من الأندية، يُقاس أثره لا بعدد الفعاليات، بل بانتظام الحضور، ورضا الأسر، وساعات التطوع، وعدد المبادرات التي يقودها الشباب أنفسهم. انطباع ختامي خرجت من الجلسة مستشعرًا عمق المسؤولية الملقاة على هذه المؤسسة، وثقل الواجب الذي تحمله؛ فالموضوعات متشعبة، والتحديات متلاحقة، خاصةً في عصر العولمة وسيولة الثقافة، حيث يصبح التشريع نقطة البداية لا منتهى الطريق. ولعل ما يطمئن المتأمل في المشهد، أن في القاعة من يحمل هذا الهم بصدق، ويتعامل مع الهوية لا بوصفها شعارًا يُرفع، بل بوصفها أمانة تستوجب صياغة مستمرة.
558
| 26 مايو 2026
تخيل معي هذا المشهد: أنت جالس في مجلس، وأخطأت في معلومة، أو زل لسانك بكلمة. في زمن «السنع» القديم، كان الرجل الحكيم ينتظر حتى ينفض المجلس، أو يهمس في أذنك بستر ولطف: «يا فلان.. الكلمة اللي قلتها ما كانت بمحلها، وأنا أخوك». ستشعر بالامتنان، وتكبر في عينك مكانته، لأنه «شراك» (أي اشتراك بستر عيبك) ولم يبعك للفُرجة. اليوم.. انتقل المجلس إلى «تويتر» (أو إكس)، وانتقلنا معه، لكننا نسينا «أدب الهمس» عند الباب. تخطئ اليوم، فتجد «الناصح» لا يأتيك على الخاص، بل يختار خيار «اقتباس التغريدة» ليكتب نصيحته أمام الملايين! هو لا يخاطبك أنت، هو يخاطب «الجمهور». هو يستخدم خطأك كـ «منصة» ليصعد عليها، ويستعرض عضلاته الثقافية، وأخلاقه العالية، وغيرته على الدين أو الوطن. رسالته الظاهرة: «أنا أنصحك لوجه الله». ورسالته الباطنة: «شوفوني يا ناس.. أنا أفهم منه، وأصلح منه!». لقد تحولت «النصيحة» من هدية مغلفة بالستر، إلى «صفعة» علنية. وفي تراثنا، قيل: «من وعظ أخاه سراً فقد زانه، ومن وعظه علانية فقد شانه». المشكلة في «نصيحة العلن» أنها تستفز «شيطان العزة» في النفس. حتى لو كنتَ مخطئاً 100 %، فإن كرامتك ستجبرك على الدفاع عن نفسك، وربما العناد، لأنك تشعر أنك في «حلبة مصارعة» ولست في «عيادة طبيب». نحن بحاجة اليوم لأن نهدأ قليلاً. قبل أن نكتب التعليق اللاذع، أو الرد «المفحم» أمام المتابعين.. اسأل نفسك بصدق: هل تريد لهذا الإنسان أن ينصلح حاله فعلاً؟ إذا كان الجواب نعم، فـ «الخاص» مفتوح، والهاتف موجود. الكلمة الطيبة في السر تفعل فعل السحر، لأنها تخاطب «القلب» مباشرة دون حواجز «الكبرياء». أما إذا كان هدفك هو «اللايكات» وتصفيق الجمهور، فاكتب ما شئت.. ولكن لا تسمها «نصيحة»، بل سمها «استعراضاً» على حساب كرامة الآخرين. فالنصيحة التي تفضح، لا تختلف كثيراً عن الطعنة، إلا في كونها لا تسيل دماً، بل تريق ماء الوجه.
561
| 20 مايو 2026
تُنفق الحكومات والمؤسسات الكبرى مبالغ طائلة على الاستشارات الإدارية في الخليج، ثم تجد نفسها أمام تقارير مُحكمة الإخراج، خفيفة الأثر. ليس لأن الاستشاريين عديمو الكفاءة، بل لأن ثمة فجوة هيكلية وثقافية عميقة لم تُعالَج بعد. الشركات الكبرى لا تتشابه في طريقة تفكيرها. ماكنزي تعمل باستنباط مسبق — تبني فرضيتها قبل أن تجمع البيانات، ثم تستخدم البيانات لإثباتها. في السياق الاستشارات الإدارية في الخليج، هذا يترجم إلى بيع "اليقين": الوزير لا يشتري حلاً بقدر ما يشتري ختم ماكنزي الذي يوحي بأن أذكى عقول العالم قد بتّت في المسألة. مجموعة بوسطن جروب BCG في المقابل تبيع "طريقة التفكير" لا الحل ذاته، وهو ما يجعلها أكثر تغلغلاً عبر الزمن. أما رولاند بيرجر فتلعب ورقة "الحياد الأوروبي" في القطاعات السيادية الحساسة التي تتحاشى الاعتماد الكلي على الشركات الأمريكية. هذه الفلسفات المختلفة ليست خلفيات أكاديمية - هي أدوات تسويقية تُخاطب نفسية صانع القرار، وكثيراً ما تُنتج حلولاً تعكس ما تؤمن به الشركة أكثر مما يحتاجه العميل. وهي إشكالية بارزة في الاستشارات الإدارية في الخليج. المشكلة الأعمق تكمن في ما يمكن تسميته "العمى السياقي". حين تأتي إحدى هذه الشركات بخطة لإصلاح قطاع التعليم أو الصحة، تبني خططها على افتراض وجود بيروقراطية عقلانية مشابهة لما في الدول المتقدمة. لكن الواقع مختلف جذرياً؛ الهيكل التنظيمي الرسمي غالباً ما يكون واجهة، فيما تكمن السلطة الحقيقية في الشبكات غير الرسمية والعلاقات الشخصية. النتيجة: مشاريع تبدو مثالية على الورق تصطدم بجدار الجمود البيروقراطي بمجرد خروج المستشارين من الغرفة، وهو ما يفسر تعثر كثير من مشاريع الاستشارات الإدارية في الخليج. يُضاف إلى ذلك البُعد الثقافي الذي تكشفه الدراسات الأكاديمية المتخصصة: ثقافة "بُعد السلطة" تدفع الاستشاري — بوعي أو بغيره — نحو إرضاء صاحب القرار لا تقديم التشخيص الحقيقي. التقرير النهائي يعكس ما أراد المدير سماعه، والخسارة الحقيقية لن تظهر إلا بعد سنوات. أما المعمار والتخطيط العمراني فمثال صارخ على هذا الخلل — حين يُصمَّم الفضاء وفق رؤية غربية لمجتمع فردي مفتوح، دون مراعاة قيم مجتمع محافظ يُعلي من الخصوصية والتجمّع العائلي، لا تُنتج المباني إلا فراغاً اجتماعياً. الشركات المحلية الناجحة أدركت مبكراً أن الفجوة الحقيقية ليست لغوية، بل إدراكية. الشركات الكبرى تتحدث لغة مؤشرات الأداء والتآزر والتحسين، بينما يتحدث الموظف الحكومي لغة الصلاحيات والميزانية وتجنب المخاطرة. ما ينقص ليس ترجمة شرائح العرض، بل ترجمة المنطق ذاته. هنا تكمن قيمة وحدة الوساطة الداخلية Intelligent Client Unit (ICU) — كيان متخصص داخل المؤسسة مهمته: تحويل احتياج المؤسسة إلى طلب استشاري واضح، واختيار الاستشاري الأنسب منهجياً وثقافياً لا الأرخص، وتقييم المخرجات بمعايير موضوعية بعيداً عن إرضاء القيادة، وضبط حدود المعلومات التي تُتاح حمايةً للمؤسسة من خطر الانكشاف المعلوماتي. ولعل هذه الوحدة تكون مركزية في مجلس الوزراء لتقديم الخدمة لكل الوزارات. بما يعزز كفاءة الاستشارات الإدارية في الخليج. الإمارات سبقت إلى هذا عبر مركز الإمارات للمعرفة والاستشارات، وشركات عالمية كبرى من IBM إلى Maersk بنت وحدات مماثلة تُثبت يومياً جدواها. النموذج موجود، والحاجة ماسّة. الاستشارة بلا وسيط يفهم السياق المحلي هي رهان مكشوف. والفارق بين مشروع يُغيّر الواقع ومشروع يُزيّن الرفوف ليس في ميزانية الاستشارة — بل في وجود من يعرف كيف يطرح السؤال الصحيح قبل أن يُقدَّم أي جواب.
507
| 12 مايو 2026
لو عاد الزمن بأحد أجدادنا، ودخل بيوتنا اليوم، ورأى ما نحن فيه من نعيم، لظن أننا نعيش في الجنة. مكيفات تحيل الصيف ربيعاً، وثلاجات ممتلئة بأصناف الطعام من مشرق الأرض ومغربها، وسيارات فارهة، وخدم، وسفر. نملك في جيوبنا أجهزة صغيرة توصلنا بالعالم، ونطلب العشاء بلمسة زر ليأتينا إلى باب البيت. نحن نعيش اليوم ذروة ما يمكن تسميته بـ ثقافة الاستهلاك، حيث أصبحت الوفرة أسلوب حياة لا استثناء. بالمقاييس المادية، نحن "أسعد" جيل مر على تاريخ المنطقة. ولكن، بالمقاييس النفسية، هل نحن فعلاً سعداء؟ المفارقة العجيبة والمؤلمة هي أننا جيل "الوفرة"، ومع ذلك نحن أكثر جيل يشتكي من "الضيق"، و"القلق"، و"الاكتئاب". عياداتنا النفسية مزدحمة، وأطباؤنا يرشحون لنا مضادات الاكتئاب أكثر من البندول. بينما كان الجد، الذي عاش على التمر والماء، وكان ينام على الحصير، يملك "راحة بال" وسكينة لو وزعت على أهل مدينة لوسعتهم. ما الذي حدث؟ أين الخلل؟ الخلل يكمن في أننا خلطنا بين "الشبع" و"التخمة". وهو خلط غذّته ثقافة الاستهلاك التي تحيط بنا من كل اتجاه. أجدادنا كانوا يأكلون ليشبعوا، ونحن نأكل لنتسلى. كانوا يشترون الثوب ليسترهم، ونحن نشتري لنتباهى. كانوا يسعون لـ "الرزق"، ونحن نركض خلف "المزيد"، مدفوعين بإيقاع متسارع تفرضه ثقافة الاستهلاك. لقد فقدنا فضيلة "القناعة". والقناعة ليست أن ترضى بالفقر أو الذل، القناعة هي "ذكاء الروح"، هي أن تملك الدنيا في يدك، ولا تجعلها تدخل قلبك، هي أن تستمتع بالنعم العظيمة التي تحيط بك، بدلاً من أن تنشغل طوال الوقت بالتفكير فيما ينقصك. مشكلتنا اليوم أننا مصابون بمرض "التخمة الروحية" وهي أحد أخطر نتائج ثقافة الاستهلاك.. نحن "متخمون" بالصور، وبالمعلومات، وبالمقارنات، وبالرغبات والمشتريات التي لا تنتهي. الإعلانات ووسائل التواصل الاجتماعي تهمس في آذاننا 24 ساعة: "أنت لست سعيداً.. ينقصك هذا الهاتف الجديد.. تنقصك هذه السفرة.. ينقصك جسم مثالي..". أدخلونا في سباق مجنون اسمه "سباق الفئران"؛ نركض، ونشتري، ونستهلك، ونظن أن السعادة تنتظرنا في المحطة القادمة، وحين نصل، نجد أن السراب قد انتقل للمحطة التي تليها. لقد نسينا طعم الأشياء البسيطة. لم نعد نستمتع بـ "كوب شاي" في وقت العصر، لأننا مشغولون بتصويره. لم نعد نشعر ببركة "اللمّة" العائلية، لأننا مشغولون بمقارنة حياتنا بحياة المشاهير. نحن بحاجة اليوم لـ "حمية" (Diet) قاسية. ليس حمية عن الطعام، بل حمية عن "الرغبات المزيفة" التي تروّج لها ثقافة الاستهلاك. نحن بحاجة لأن نتوقف عن الجري قليلاً، وننظر لما في أيدينا، ونقول من أعماق قلوبنا: "الحمد لله". السعادة، يا سادة، ليست سلعة مستوردة تطلبها من "أمازون"، السعادة قرار داخلي، هي أن تدرك أنك "شبعان" بفضل الله، وأن ما عندك يكفيك ويزيد. أما "التخمة" في المقتنيات والرغبات، فهي لا تورث إلا الثقل، وضيق النفس، وحرقة القلب على ما فات. فلتكن جيوبكم ممتلئة، لا بأس.. ولكن لنجعل قلوبنا "ممتلئة" بالرضا أولاً. فمن ملأ الرضا قلبه، كان أغنى الناس، ولو لم يملك إلا قوت يومه.
1011
| 05 مايو 2026
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي،...
12042
| 27 يوليو 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد،...
1872
| 29 يوليو 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن...
1857
| 01 أغسطس 2026
ليس للحلم قيمة إن بقي حبيس الخيال، ولا...
1452
| 30 يوليو 2026
الله يرحم أيام المحكمة الشرعية، حين كانت القضايا...
1419
| 30 يوليو 2026
في كثير من المؤسسات تبدو الأمور واضحة على...
1356
| 29 يوليو 2026
تعمدت في المقال السابق ألا أجيب مباشرة عن...
1008
| 28 يوليو 2026
بعض الكتب تبقى على قيد الحياة طويلا لا...
819
| 28 يوليو 2026
تجاوز السيجار في المجتمعات الخليجية حدود كونه مجرد...
747
| 02 أغسطس 2026
هناك كلمة إذا نُطقت، اعتدل لها القلب قبل...
738
| 31 يوليو 2026
في كثير من المؤسسات، يُحال الموظف أو المسؤول...
729
| 27 يوليو 2026
حين تستثمر الدول في الكتاب، فهي لا تستثمر...
546
| 27 يوليو 2026
مساحة إعلانية