رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هل خسرت إيران سوريا؟

ليس هناك أدنى شك بأن إيران سعيدة جداً بالأساطير التي تـحاك حولها على صعيد ابتلاعها للمنطقة وتحولها إلى قوة عظمى إقليمية يخشاها القاصي والداني. ولعمري أن الإيرانيين يشعرون بالنشوة عندما يسمعون بعض العرب يحذرون من تغلغلهم في المنطقة، ووصول نفوذهم إلى المغرب العربي والسودان. ولا نستبعد أن تكون إيران أيضاً سعيدة بالوصف الذي أطلقه العاهل الأردني عبدالله الثاني عام 2004 على مشروعها حين وصفه بـ"الهلال الشيعي".صحيح أن إيران استثمرت طاقاتها المالية في بناء صناعة عسكرية ونووية يفاوضها العالم عليها، لكن امتلاك المشروع النووي الذي لم يصل بعد إلى مرحلة التصنيع العسكري لا يعني أنها أصبحت قوة عظمى، بدليل أن باكستان تمتلك القنبلة النووية، ولم تدخل أبداً نادي الأقوياء. بل على العكس، فمازالت محسوبة على معسكر التخلف والعالم الثالث. أما تركيا التي لا تمتلك الطاقة النووية، فهي تسبق إيران بمراحل على صعيد التنمية البشرية والاقتصادية، لا بل أصبحت من القوى المتقدمة في العالم اقتصادياً. على العكس من ذلك، يعيش أكثر من نصف الشعب الإيراني تحت خط الفقر، بينما تبذر إيران ملياراتها على حماية أذنابها المتهالكة كالنظام السوري، وتحرم شعبها من ثرواته الوطنية.وللتدليل على أن انهيار المشروع الإيراني في سوريا، يذكر المفكر الكويتي المعروف الدكتور عبدالله النفيسي، وهو من أعمق المختصين في الشأن الإيراني، يذكر في مقال بعنوان (الفرق بين الأمس واليوم، إيران بين الخيال والواقع):" يتحدث كثيرون أن إيران الآن تحتل سوريا، وترسل مرتزقتها هناك. وهذا الكلام صحيح، لكن: من قال إن إيران لم تكن تحتل سوريا في السابق، وإن إيران تقريباً كان مخططها يسير إلى نهايته، وبكل سلاسة، وكانت تبتلع سوريا بدون طلقة واحدة، لا بل كان السوريون البسطاء يرفعون صور ملالي طهران في أسواقهم وشوارعهم، وكان حزب الله يشعر بالأمان في دمشق أكثر من الجنوب اللبناني، وكل ما يريده يحصل عليه. هذا ما كان يحدث بالأمس القريب، أو قبل الثورة. أما الآن، فقد صرفت إيران حسب بعض الاقتصاديين عشرات المليارات، وخسرت الألوف من شيعتها ومرتزقتها في سوريا، لا بل خسرت كل الدعم الشعبي، وأصبحت صور ملالي إيران تداس بالأحذية. وصار حزب الله الشيعي اللبناني العدو الأول للسوريين بكل شرائحهم، ومع اختلاف أفكارهم".ويتطابق تحليل الدكتور النفيسي إلى حد كبير مع التقديرات الأمريكية حول ورطة إيران في سوريا، فعندما سألوا الرئيس الأمريكي أوباما قبل فترة قصيرة عن أن إيران بدأت تنتصر في سوريا رد قائلاً: "هذا كلام أشبه بالكوميديا السوداء. كيف تنتصر إيران في سوريا، وحليفها العربي (السوري) الوحيد قد تحطم، وتحول بلده إلى ركام. إن الوضع السوري يستنزف إيران التي تدفع للأسد مليارات الدولارات. أما حليف إيران اللبناني حزب الله الذي كان يتمتع بموقع مريح في لبنان فهو يجد نفسه الآن في مواجهة المتطرفين السنة. وهذا ليس جيداً بالنسبة لإيران. إن إيران تخسر في سوريا مثل الآخرين وأكثر". إذاً، على عكس ما يشاع بأن إيران بعد تدخلها المباشر السافر في سوريا صارت تهيمن على البلاد، فإن إيران الآن، حسب النفيسي، لا تحتل سوريا، بل تريد فقط أن تحافظ على موطئ قدم لها هناك ليس أكثر. وقد خسرت، وهي تعلم ذلك جيداً".ولا يرى الدكتور النفيسي في العنتريات الإيرانية الأخيرة بأن إيران حمت الأسد من السقوط، وأن حدودها تمتد حتى شواطئ المتوسط، لا يرى فيها سوى تعويض إعلامي عن خسارتها الفعلية في سوريا. فالإيرانيون لا يعلنون عادة عن مشاريعهم وتحركاتهم، بل يتحركون بهدوء ودون ضجة. وغالباً ما يعملون في الخفاء والعتمة. فلماذا تصرح إيران الآن بأنها قوية ومنتصرة، وأنها أصبحت على شواطئ المتوسط؟ لا يوجد مبرر لذلك، إلا أنها مهزومة، وتريد رفع معنويات المناصرين لها، وتقول للغرب: تعالوا فاوضوني على شيء لا أملكه إلا إعلامياً، حسب النفيسي.ويحذر المفكر الكويتي الجميع من أن إيران باتت بارعة في الحرب النفسية ضد الآخرين، وأصبح لها باع طويل جداً في الكذب والفوتو شوب. وأكبر برهان مثلاً "الطائرة الإيرانية الصاعقة" التي صدعوا رؤوسنا بها، والقردة التي سافرت إلى الفضاء وكانت سمراء، وعادت شقراء من بعد رحلتها إلى القمر. وقال أحد الصحفيين الغربيين بتهكم: "ربما أنها خضعت لعملية تجميل هناك". ولا ننسى بالأمس القريب أن إيران وجيش الأسد، وكل مرتزقة الشيعة، وعشرات الصواريخ، وقصف الطائرات، والبراميل لم تستطع أن تقتحم حمص القديمة التي لا يوجد فيها إلا ألف أو يزيد من الثوار وبأسلحة خفيفة. وقد خرجوا باتفاق أقرب للهزيمة للنظام الإيراني ومعه الممانع بشار. والغريب، كما يضيف الكاتب، أن من يتشدق بأنه وصل إلى شواطئ المتوسط فرض عليه ألف مسلح من ثوار حمص شروطهم وأيضاً خرجوا بأسلحتهم. فعن أي نصر وعن أي قوة تتحدث أيها الجنرال الإيراني ومن معك من ممانعين ومقاومين. فكروا جيداً، وستجدون أن إيران تعرضت لهزيمة نكراء في سوريا، خاصة أن ثمانين بالمائة من الشعب السوري، ألا وهم السنة، باتوا ينظرون إلى إيران على أنها العدو "الصفيوني" الذي لا يقل خطورة عليهم من العدو الصهيوني.

15272

| 18 مايو 2014

جنرالات الإرهاب!

عندما يجد جنرالات الجمهوريات أنفسهم يواجهون استحقاقات عاجلة للشعوب العربية على الصعيدين الاقتصادي والنهضوي، كالتنمية البشرية وتوفير أبسط المستلزمات من مأكل ومشرب ووقود وطاقة، يلجأون فوراً إلى استحضار بعبع "الإرهاب"، للتغطية على فشلهم وخيبتهم في تلبية حاجات الناس، خاصة التي ثارت، وهدأت مبدئياً بانتظار الإصلاحات التي وعدت بها الأنظمة القادمة.لاحظوا الآن: هناك شعوب أسقطت حكاماً بعد عقود من الطغيان، وهي على وشك اختيار حكام جدد تعتقد أنهم أفضل من الساقطين، دون أن تدري أنهم نسخة طبق الأصل عن الذين أسقطتهم، وربما أفظع وأوحش وأفسد بمرات ومرات، خاصة أن معظمهم قادم من المؤسسة العسكرية البليدة، الفطنة فقط للأذى والطغيان، كما وصفها الشاعر اليمني محمد محمود الزبيري، والتي لم تجلب سوى المصائب والكوارث لبلداننا منذ عقود. والمشكلة أن بعض الشعوب لم يتعلم الدرس بعد. في البداية ثارت الشعوب مطالبة بإسقاط حُكم العسكر بعد ممارساته الفاشية بحق الأوطان على مدى عشرات السنين، وبعد الفشل الذريع في تأمين أبسط مستلزمات الحياة من خبر وماء وكهربا، فما بالك بتحقيق تنمية بشرية أو اقتصادية أو نهضوية يباري بها الدول التي قطعت أشواطاً كبرى على صعيد التقدم والازدهار. لكن من الواضح أن الذاكرة الشعبية في بعض بلداننا قصيرة جداً، فما أن أسقطت الشعوب بعض أنظمة الجنرالات، واحتفلت بسقوطهم، وداست على صورهم في الميادين والساحات والشوارع، حتى عادت تطبل، وتزمر لنسخ جديدة مكررة من هؤلاء الطواغيت لمجرد أنهم داعبوا مخيالها العاطفي ببعض الشعارات "الوطنجية" الممجوجة عبر وسائل إعلام تفننت، ومازالت تتفنن في صناعة الكذب والأساطير والخرافات للضحك بها على ذقون الشعوب المسكينة.لقد نجحت بقايا الأنظمة الساقطة في بعض الدول في استعادة مقاليد السلطة بسرعة رهيبة، أولاً بفعل قوة الدولة العميقة المتغلغلة في أعماق المؤسسات الأمنية والعسكرية والاقتصادية، وثانياً بدعم ماكينات الكذب الإعلامية الرهيبة التي استطاعت بسرعة قياسية تصوير الأسود أبيض، والأبيض أسود وسط تصفيق المغفلين والمضحوك عليهم. لكن مهما طال، يبقى حبل الكذب قصيراً، مهما نجح الجنرالات والمؤسسات العسكرية والأمنية في تطويله والتحكم به. الآن يواجه الطغاة الجدد القادمون من رحم المؤسسات العسكرية والأمنية، يواجهون استحقاقات كثيرة تطلبها الشعوب. ولو نظرنا إلى تلك الاستحقاقات لوجدناها غاية في البساطة، فالملايين من شعوبنا باتت تطالب بتوفير لقمة الخبز، وكأس الماء النظيف، وحبة الدواء، وضوء الكهرباء. لكن على بساطتها، تجد الأنظمة الجديدة التي يقودها جنرالات العسكر والمخابرات، تجد صعوبة كبرى في تأمينها. وبالتالي، فهي تواجه حرجاً شديداً مع الشعوب التي صفقت، وطبلت، وزمرت لها. كيف يواجه الجنرالات مطالب الشعوب التي ثارت، وصدقت وعودهم في بناء مجتمعات جديدة قائمة على العدل والديمقراطية؟ لاشك أن العسكر المتدثرين زوراً وبهتاناً بالثوب الديمقراطي الفضفاض، أضعف من أن يلبوا أبسط الحاجيات، لأنهم يجترون نفس أساليب الحكم منذ منتصف القرن الماضي دون تحقيق أي تقدم على أي صعيد. لكن، يجب ألا تستهينوا بذكاء الجنرالات، فهم أساتذة في فن الضحك على الناس، وتخديرهم، وحرف أنظارهم عن قضاياهم المصيرية وحتى حاجياتهم اليومية. وجدتها، وجدتها: فلنستحضر "الإرهاب". إنه الخدعة والكذبة الأفضل للالتفاف على الاستحقاقات الشعبية. إن القضية الأهم للكثير من بلادنا الآن هي التنمية والنهوض الاقتصادي للوفاء بمتطلبات الشعوب، لكن جنرالاتنا يفبركون الأعذار للتهرب من تحقيق التنمية البشرية والاقتصادية بشكل مفضوح. فبدلاً من تأمين لقمة الخبز، والعيش للناس، يخلقون لهم بعبعاً يخوفونهم به للتملص من مطالبهم. عندما أدرك الطواغيت الجدد أنهم غير قادرين على تحقيق طموحات الشعب، راحوا الآن يصنعون له عدواً داخلياً وهمياً، وبدأوا يجيّشون ضده كل الطاقات، وأخذوا يحاربونه، ويشيطنونه بضراوة شديدة كي يحرفوا أنظار الشعب عن خيبتهم، وعدم قدرتهم على تحقيق أي إنجازات حقيقية للناس. وهذه طريقة سهلة يضحكون بها على الجماهير، فكلما طالبهم الشعب ببعض الاستحقاقات المشروعة، يقولون له: "نحن في معركة ضد "الإرهابيين"، وعليك أن تقف معنا، وعندما ننتهي من معركتنا الأهم ضد الإرهاب، سنحقق لك مطالبك". ولاشك أن هذا الوضع المفضوح سيستمر سنوات وسنوات، وهؤلاء الجنرالات يضحكون على شعوبهم. أما الشعوب فتصمت عن المطالبة بحقوقها مرغمة، خوفاً من اتهامها بمساندة الإرهاب. يعني باختصار، فإن الذين راحوا يتاجرون بـ"الإرهاب" من جديد، ويستخدمونه ذريعة وفزاعة للتهرب من تلبية المطالب الشعبية، هم عملياً يطبقون الشعار القديم الحقير والمفضوح: "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، لكن هذه المرة ضد "الإرهاب والإرهابيين" المزعومين. والشعب ينتظر، ويتألم، ويسكت. وعدوا الشعوب الثائرة بالكباب، فلم يستطع جنرالات الإرهاب حتى توفير التراب، فتذرعوا بمحاربة الإرهاب.

5342

| 11 مايو 2014

أمريكا قادرة أن تصنع من القرد غزالاً إذا أرادت!

تعددت الأسباب التي يسوقها البعض لتبرير عدم وصول الثورة السورية إلى أهدافها رغم تضحياتها غير المسبوقة في العصر الحديث. ولعل أكثر الأسباب إثارة للضحك أن قوى المعارضة السورية فشلت في إدارة الثورة وقيادتها، وأنها مسؤولة بالدرجة الأولى عن تعثر مسار الثورة. وهو بلا شك، تبرير سخيف. لا نقول هذا الكلام دفاعاً عن قوى المعارضة السورية، فبإمكانك أن تقول فيها أكثر مما قاله مالك في الخمر، من حيث تعاستها وتشرذمها وأمراضها السلطوية التي لا تقل بشاعة عن أمراض النظام. قل ما تشاء عن تفاهة المعارضة السورية وتفككها وصراعاتها البغيضة وعدم ارتقائها إلى تضحيات الثورة وبطولاتها، لكن لا تقولوا إنها المسؤولة عن عدم تحقيق الثورة أهدافها حتى الآن. ولا تحملوها وزراً أكبر منها، لأن القائد الحقيقي للمسألة السورية ليس المعارضة، بل القوى الدولية التي تحاول أن تغطي تقاعسها، وتلاعبها، وحتى تآمرها على الثورة السورية، بالحديث عن ضعف المعارضة. لو كان هناك رغبة دولية، أو أمريكية تحديداً لتغيير النظام السوري، ومساعدة قوى المعارضة الحالية لتحل محله، لحصل ذلك خلال أيام قلائل. لكن المسألة أن المعارضة أصبحت شماعة تعلق عليها القوى الدولية المتلاعبة بالوضع السوري عدم جديتها في مساعدة السوريين في بناء نظام جديد. لن نذهب بكم بعيداً، سنأخذكم فقط إلى عام 2003 قبيل الغزو الأمريكي للعراق، فعندما قررت واشنطن تغيير نظام الرئيس صدام حسين فعلاً، صنعت معارضة خلال أيام فقط. هل تذكرون مؤتمر لندن الشهير للمعارضة العراقية الذي نظمته أمريكا؟ لقد كان ذلك المؤتمر المسمار الأخير في نعش نظام الرئيس الراحل صدام حسن. كيف؟ عندما تنوي أمريكا على شيء لن يقف أمام إستراتيجيتها أحد، لا روسيا، ولا مجلس أمن ولا من يحزنون. في ذلك العام وقبل وقت قصير من الغزو العسكري للعراق، استدعت أمريكا كل المعارضين العراقيين الذين كانوا يتسكعون في العواصم الغربية والعربية والإقليمية، ويعيش بعضهم على المعونات الحكومية، أو بيع المسابح والملابس النسائية الداخلية كنوري المالكي، ويمضون معظم وقتهم في تدخين الشيشة، ولعب طاولة الزهر في شارع "أدجوير الشهير" وغيره من الشوارع الأوروبية والأمريكية الشهيرة، استدعتهم أمريكا على عجل إلى المؤتمر "التاريخي" الذي وضع أسس العراق الجديد بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع هذا العراق الجديد، لكن المهم في الأمر أن الإرادة الأمريكية عندما تنوي، تستطيع أن تصنع من القرد غزالاً، ومن الكسيح بطلاً في ألعاب القوى، وبسرعة البرق.ولعل أكثر ما كان يميز المعارضة العراقية آنذاك أنها كانت مضرباً للمثل في تشرذمها، وتناحرها، وتمزقها، وتعدد مرجعياتها السياسية والعقائدية، ومموليها والمتلاعبين بها. فهذا علماني ملحد، وذاك ليبرالجي(لا يعرف من الليبرالية سوى اسمها) وآخر كردي، وغيره من جماعة الولي الفقيه الإيرانية، وهذا قومي، وغيره تركماني أو آشوري، وذاك سرسري لا يشتري كل العقائد والأيديولوجيات بفلس صدئ. لا نقلل هنا أبداً من قيمة توجهات قوى المعارضة العراقية السياسية أو الفكرية أو الأيديولوجية أو العقدية. لا أبداً، فهذا التنوع صحي في الحالة الديمقراطية الحقيقية، لكن ما نريد قوله تحديداً إن قوى المعارضة كانت رمزاً للضعف، والتشرذم، والفرقة، والخلاف، والاختلاف، وعدم التنظيم، وحتى الفقر الاجتماعي. هل كان ذلك سبباً في إعاقة تصنيع معارضة عراقية قادرة على التوجه إلى بغداد فوراً واستلام مقاليد الحكم برعاية أمريكية؟ بالطبع لا.صحيح أن كواليس مؤتمر لندن الشهير كانت عاصفة بالخلافات بين الأعضاء بسبب تنوعهم واختلافاتهم الفكرية والأيديولوجية والعقدية. فكيف تجمع مناصري ولاية الفقيه كحزب الدعوة مع علماني ملحد؟ لا شك أنها مهمة صعبة أن يتوافق هؤلاء المختلفون جذرياً على العمل معاً لقيادة عراق "جديد". وهذا شيء طبيعي، لكنه عسير، ويمكن أن يقضي على أي توافق أو اتفاق. لكن أمريكا كانت بالمرصاد لقتل أي خلاف بين أحزاب المعارضة العراقية في مهده خلال المؤتمر. وعندما وجدت أن الصراع يحتدم بين المجتمعين، تدخلت شخصية أمريكية، وقالت للمعارضين حرفياً:" إما أن تتفقوا فوراً، أو نرسل كل واحد منكم في صندوق كهدية لصدام حسين"، طبعاً كتهديد مبطن، بأن الاتفاق أمر حتمي، ويجب أن تستعدوا لاستلام السلطة في العراق، وإلا فأمريكا تعرف كيف تعالجكم.وانتهى المؤتمر، وكان النظام العراقي الجديد الذي سيحل محل نظام صدام حسين قيد التشكيل. ورأينا كيف أصبح المتسكعون في العواصم العربية والإقليمية والغربية مسؤولين، ووزراء، ورؤساء وزراء في السلطة الجديدة، بسرعة عجيبة. ورأينا لاحقاً كيف أصبح بائع الكلاسين رئيساً للوزراء، لأن هناك تصميماً أمريكياً وإيرانياً لتنصيبه. ليس المهم إذاً مشكلة في نوعية المعارضة، طالما أن هناك إرادة دولية، وأمريكية تحديداً لتسليمها مقاليد الحكم في هذا البلد أو ذاك.وما ينطبق على المعارضات، ينطبق على الأنظمة، فليس هناك مشكلة أن يقوم نظام بذبح مئات الألوف من شعبه، وتهجير نصف السكان، وتدمير معظم مدن البلد، وإعادة البلاد إلى العصر الحجري، وليس هناك مشكلة في أن يترشح للانتخابات، ويفوز، كما هو الحال في سوريا والعراق الآن، طالما أن هناك ضوءاً أخضر أمريكياً وروسياً وإيرانياً لذلك. لهذا رجاءً: كفاكم إلقاء للتهم على قوى المعارضة السورية في عدم تحقيق أهداف الثورة حتى الآن. الثورة السورية لم تحبطها لا قوى المعارضة، ولا الشعب السوري، ولا حتى النظام، بل الإرادات الدولية والإقليمية والعربية التي أغرقت سوريا بكل أنواع الفصائل الدخيلة كي تحرف الثورة عن مسارها، وتحولها إلى قضية إرهاب وجماعات متطرفة عمداً بالتواطؤ مع النظام، لأن نجاحها يشكل خطراً وجودياً على الأقربين والأبعدين، ناهيك عن أن موقع سوريا الاستراتيجي في العالم لا يمكن تركه لنظام وطني جديد يضعه في خدمة سوريا والسوريين. لا أبداً، هذا ممنوع منعاً باتاً، فالمصالح الإستراتيجية الدولية في سوريا أكبر وأهم وأخطر من أن يتركوها في يد شعب ثائر، ونظام وطني حر ومستقل جديد.

6060

| 04 مايو 2014

لا خوف على مستقبل سوريا.. بشرط!

لا يمر يوم إلا وتطالعنا وسائل الإعلام ومراكز البحوث الاجتماعية والاقتصادية بدراسات وإحصاءات متشائمة عن مستقبل سوريا، فبعضها مثلاً يقول إن سوريا بحاجة لثلاثة عقود كي تعود إلى ما كانت عليه قبل اندلاع الثورة. وبعضها يتحدث عن مبالغ خيالية لإعادة الإعمار. وآخر يحاول أن يصطاد في الماء العكر بالحديث عن تمزق النسيج الاجتماعي السوري إلى غير رجعة.لاشك أن الدمار الذي حل بسوريا على أيدي نظامها والمتصارعين على سوريا مرعب بكل المقاييس اقتصادياً واجتماعياً وإنسانياً، وربما تكون سوريا فعلاً مأساة القرن. لكن علينا ألا ننسى أن بلاداً كثيرة مرت بأزمات مشابهة من احتراب داخلي وخراب ودمار وانهيار ثم ضمّدت جراحها بسرعة، وعادت أفضل مما كانت عليه رغم تناحرها الداخلي ومحنها ومآسيها الاقتصادية والبشرية الرهيبة.لقد شهدت الجزائر على مدى عقد كامل من الزمان منذ بداية تسعينيات القرن الماضي حتى نهايته صراعاً أتى على الأخضر واليابس. ونتذكر عندما كنا في هيئة الإذاعة البريطانية أن الخبر الجزائري الكارثي كان الخبر الأول في وسائل الإعلام لسنوات وسنوات. لقد كانت أخبار القتل والدمار والدماء هي السائدة عن الجزائر. من يتذكر تلك الفترة، رغم أنه لم يمر عليها سوى ثلاثة عشر عاماً فقط؟ لقد أصبحت نسياً منسياً، رغم كل مآسيها وفظاعتها. المهم في الأمر أن الجزائر لم تنته كدولة موحدة كما بشّر البعض وهوّل، وتمكنت خلال فترة وجيزة من ترميم بنيانها الشعبي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي بسرعة فائقة. قد يجادل البعض هنا بأن الجنرالات الذين تسببوا في مأساة الجزائر ظلوا مكانهم يتحكمون بالبلاد وشعبها، ولم تشهد البلاد إلا قليلاً من الإصلاحات. وهذا صحيح. لكن العبرة في أن الشعب الجزائري استطاع أن يتجاوز محنته الرهيبة، بغض النظر عمن تسبب بها، وأن يعود إلى الحياة من جديد على أمل أن يكمل تحقيق أهدافه عاجلاً أو آجلاً رغماً عن أنوف جنرالات القمح والأرز والغاز والنفط والسكر. أي أن قانون الحياة أقوى من قانون الموت لدى الشعوب.هل تتذكرون ما حدث في رواندا عام 1994؟ لقد شهدت مذابح وحرباً أهليه لم يسبق لها مثيل، فقد قتلت قبيلتا التوتسي والهوتو من بعضهما البعض أكثر من مليون شخص. لكن رواندا الآن نسيت مأساتها وصراعاتها القبلية الوحشية، وهاهي وقد عادت إلى الحياة، كما لو أن شيئاً لم يكن.وكي لا نذهب بعيداً عن سوريا، فقد شهد جارها لبنان حرباً أهلية حرقت البلاد لمدة ستة عشر عاماً، وتطاحن المسيحيون والدروز والسنّة والشيعة، ولم يبق بيت إلا وفقد عزيزاً. لا بل كان أفراد هذه الطائفة أو تلك يتفاخرون بالتمثيل بجثث ضحايا الطائفة الأخرى. لكن بعد كل ما حصل، هاهو لبنان وقد ضمّد جروحه الطائفية الغائرة، ونسي كل ما حدث، ليعود إلى الحياة من جديد. المهم أنه بعد كل ذلك الخراب والدمار والدماء والانهيار والتطاحن الطائفي استعاد عافيته الاجتماعية والشعبية، وعادت لحمته الوطنية رغم التشظي الطائفي، ورغم كل التهويل والتبشير بتفكك لبنان وزواله. قد يتساءل البعض: كيف تريد أن يكون الحل السوري على الطريقة الجزائرية، حيث عاد الشعب إلى حضن الجنرالات بعد كل التضحيات التي قدمها الجزائريون للتخلص من نير الاستبداد والطغيان ودولة المخابرات الحقيرة؟ معاذ الله أن يعود الشعب السوري إلى حظيرة الطغيان. لم نحاول من خلال الكلام أعلاه القول إن سوريا ستشهد ما شهدته الجزائر من بقاء للطغمة الحاكمة جاثمة على صدور السوريين بنفس الوسائل والأساليب. فالزمن قد تغير تماماً، ناهيك عن أن موقع سوريا وتركيبتها الموزايكية مختلفة تماماً عن طبيعة الجزائر. لم يعد النظام الذي ثار عليه السوريون بأساليبه ورموزه مقبولاً لا داخلياً ولا خارجياً. ولو توافق السوريون على نظام جديد مقبول من كل الأطراف، وهو ليس صعباً، فستبدأ سوريا بالتعافي السياسي والاقتصادي والاجتماعي مثل الجزائر ولبنان، وربما بشكل أسرع. لا أتفق أبداً مع التقديرات التي تقول إن سوريا عادت ثلاثين عاماً إلى الوراء، أو إنها بحاجة لعقود كي تعود إلى ما كانت عليه من سوء قبل الثورة، أو أن نسيجها الاجتماعي قد اندثر. كل هذا الكلام مجرد تهويلات لا أساس لها من الصحة. لو استقرت الأوضاع، وتوافق السوريون جميعاً على قيادة تمثل الجميع، وليس كالقيادة الحالية التي اعترف رئيسها قبل مدة بأنه يمثل فقط مؤيديه، وأنه يعتبر بقية السوريين عملاء وخونة، لو توفرت القيادة التي يُجمع عليها السوريون، لداوى السوريون جراحاتهم على الفور، ولاستعادوا اللُحمة الوطنية، وتعالوا فوق الأحقاد، وتناسوا ضغائنهم، ولنهضت سوريا من كبوتها في وقت قياسي، لاسيَّما وأن الشعب السوري شعب مهني قادر أن يعيد بناء البلد خلال فترة وجيزة، ويجعلها تنبض بالحياة ثانية بأسرع وقت ممكن. أما إذا حدث ما حدث في العراق حيث سيطرت عصابة إيران الطائفية، وأقصت بقية العراقيين، فهذا سيكون وصفة لخراب ودمار وانهيار لعقود وعقود. لاحظوا كيف أن العراق لم يتعاف رغم ميزانيته الهائلة مقارنة بميزانية سوريا الهزيلة. لماذا؟ لأنه ليس هناك قيادة يُجمع عليها العراقيون، بل هناك قيادة طائفية تابعة لإيران استعدت عليها بقية الشعب، فتحول العراق إلى ساحة وغى وتناحر واقتتال وانهيار. ولو حصل ذلك في سوريا، لا سمح، الله، عندئذ يمكن أن نتوقع أن يصبح وضع سوريا أسوأ من وضع العراق بعشرات المرات لأسباب مذهبية وطائفية واقتصادية مرعبة.لكن، لا أعتقد أن السوريين سيسمحون بتكرار النموذج العراقي في بلدهم لأسباب موضوعية، فالسوريون لن يقبلوا بحكم مذهبي على الطريقة العراقية، خاصة أن الغالبية العظمى منهم على عداء مع المذهب الإيراني الذي تم فرضه في العراق بقوة الحديد والنار. وبالتالي، فإن فرص إيران في تثبيت نظام شبيه بنظام المالكي في العراق الطائفي لن تنجح في سوريا، ناهيك عن أنه لم ينجح في العراق بدليل أن وضع العراق يتدهور يوماً بعد يوم منذ تحريره المزعوم عام 2003.لا تقلقوا على سوريا، فلتهدأ الأوضاع، وليتوافق السوريون على قيادة وطنية حقيقية، وليطهروا أرضهم من رجس الغرباء جميعاً، وسترون أن السوريين سيتصالحون مع بعضهم البعض بأسرع مما يتوقع الكثيرون، وستنهض سوريا من تحت الرماد كطائر الفينيق.

7851

| 27 أبريل 2014

أيها العرب: اركعوا تسلموا!

كم كنا مغفلين عندما ظننا أن الشعوب تستطيع أن تثور، وتمسك بزمام أمورها إذا أرادت. كم كنا ساذجين عندما اعتقدنا أن الثورات شأن داخلي لكل شعب. كم كنا رومانسيين عندما ظننا أن العين يمكن أن تقاوم المخرز. لو درسنا جيداً أهداف العولمة وأغراضها الخبيثة لربما فكرنا طويلاً قبل أن نثور. فلم يصنع سادة العالم العولمة جزافاً، بل ليضعوا العالم كله تحت قبضتهم. وبالتالي، فكيف يسمحون لهذا الشعب أو ذاك أن يمسك بزمام أموره، وينفصل عن القطيع المتعولم؟ لا أبداً. لن يسمحوا. ومن يريد أن يشذ عن القطيع، فليحاول! لا شك أنه سيندم على الساعة التي حاول فيها. ولو نظرنا إلى ما حدث للربيع العربي على أيدي سادة العالم لاتضحت الصورة أمامنا بجلاء. تريدون أن تتحرروا أيها العرب؟ لا تحلموا؟ تريدون أن تثوروا رغماً عنا؟ لن نسمح لكم. نحن قادة العالم. نحن من نوزع الأدوار. نحن من نحدد المهمات. نحن من نبقي هذا النظام، ونحن من نزيله متى نشاء. ولو أردتم أن تتصرفوا بعيداً عن إرادتنا، فسنحول ربيعكم إلى جحيم، وسنجعلكم تحنون إلى أيام الطغيان الخوالي. انظروا حولكم لتروا كيف أصبح حال الشعوب التي ظنت أنها قادرة على التمرد على إرادة راعي القطيع. تشردت، خسرت أوطانها، وباتت تحلم بكسرة الخبز، ولتذهب الحرية والكرامة إلى جهنم. إن مصالح القوى الكبرى في منطقتنا أكبر بكثير من أن تترك شعوبها تقرر مصيرها بنفسها، وتختار الحكومات التي تريدها، بعد أن كان الكبار يختارون لها أنظمتها، ويقررون سياساتها منذ عشرات السنين. لا أبالغ إذا قلت إن أي شعب عربي يريد أن يثور من الآن فصاعداً يجب أن يجمع تواقيع الدول الكبرى والإقليمية والمجاورة قبل أن يبدأ ثورته، وإلا حولوها وبالاً عليه، فالثورات لم تعد شأناً داخلياً كما كانت. لا يمكن لثورة أن تمر إلا إذا حصلت على مباركة القاصي والداني. وإلا استخدموا ضدها كل وسائل العولمة الخطيرة ليحولوها نقمة على الشعوب التي قامت بها. لا نقول هذا الكلام انطلاقاً من نظرية المؤامرة، بل بناء على ما نراه من محاولات دولية مفضوحة للعبث بالثورات العربية وحرفها عن مسارها وتجييرها لمصالح القوى الكبرى. هل كانت الثورة السورية لتتعثر، وتتسبب في تدمير معظم البلاد وإزهاق مئات الألوف من الأرواح لو لم تتدخل الدول الكبرى لعرقلتها من أجل الحفاظ على مصالحها الإستراتيجية والاقتصادية في سوريا؟ بالطبع لا. لم يأت الدعم الروسي للنظام السوري سياسياً وعسكرياً واقتصادياً إلا من أجل ضرب مسار الثورة كي لا تتأثر المصالح الروسية والإيرانية في سوريا في حال جاء نظام آخر. وحتى في مصر، لا يمكن أبداً عزل المخططات الغربية عما يحدث هناك. هل تسير الأمور في مصر بعيداً عن التدخلات والضغوط الخارجية؟ لقد اعتبرت صحيفة الجارديان البريطانية الرصينة أن "الثورات العربية المتصاعدة تشكل تهديداً فعلياً للنظام الاستراتيجي العالمي، وأن الغرب لا يكل، ولا يمل أبداً في سعيه للسيطرة على الشرق الأوسط، مهما كانت العقبات، ومعيدة إلى الذاكرة سنوات الاستعمار الغربي للبلدان العربية بعد تقسيمها".وتشير الجارديان إلى أنه ومنذ يوم سقوط حسني مبارك في مصر، ظهر اتجاه مضاد متعنت بقيادة القوى الغربية وحلفائها "لرشوة أو تحطيم أو السيطرة على الثورات العربية". وتربط الصحيفة بين ثورات الربيع العربي والثورات التي حدثت في العالم العربي في بداية ومنتصف القرن الماضي. ومن المدهش أن بعض المصادر الغربية توقعت قبل أكثر من سنة أن يكون مصير الإسلاميين فيما لو وصلوا إلى السلطة مشابهاً لمصير القوميين العرب الذين وصلوا إلى الحكم في بعض البلدان العربية في منتصف القرن الماضي، حيث هددوا المصالح الغربية، فما كان من القوى الاستعمارية إلا أن عملت على إزاحتهم بطرق شتى كما حدث في مصر جمال عبدالناصر وعراق صدام حسين. فقد درج الغرب كما ترى الجارديان مثلاً أن يوصم العرب الذين "يصرون على إدارة شؤونهم الخاصة دون تدخل خارجي بأنهم ثلة من المتعصبين الإرهابيين بقطع النظر عن انتماءاتهم الإيديولوجية والحزبية". وترى الصحيفة أنه حتى لو سمح الغرب بوصول الإسلاميين إلى السلطة فإن "أمريكا وحلفاءها يحاولون ترويضهم - على السياسة الاقتصادية الغربية بدلاً من تفسيرات الشريعة. والذين يخضعون لذلك سوف يتم اعتبارهم "معتدلين، أما الباقي فيسمونهم متعصبين، متطرفين".باختصار شديد يرى كثيرون على ضوء تعثر حركة الربيع العربي في أكثر من بلد بأن الكبار "منهمكون بالفعل في إجهاض مقاصد الثورات العربية من الانعتاق من سيطرتهم على البلدان العربية مؤكدين بأنهم لن يسمحوا بأن تخرج المنطقة العربية عن سيطرتهم"، ناهيك عن وجود إسرائيل فيها. وهناك طبعاً الكثير من الشواهد التاريخية على تدخل الغرب "لإجهاض كل الثورات والانتفاضات العربية ضد سيطرته عبر دعم أنظمة صديقة له. بدءاً بثورة يوليو في العراق بقيادة مجموعة عبدالسلام عارف القومية المتأثرة بالرئيس جمال عبدالناصر على الملكية الموالية للغرب. خذ المرة الأولى التي حاول فيها العرب أن يقذفوا بأنفسهم بعيداً خارج المدار الغربي في خمسينيات القرن الماضي تحت تأثير قومية ناصر العربية. ماذا حدث؟ لقد قام الغرب بدعم انقلاب البعث عليها. ذلك الانقلاب الذي مكّن صدام حسين من الوصول إلى السلطة عام 1963. ولم تتوقف جهود أمريكا وبريطانيا عن مسعاها في استرداد العراق الغني بالنفط منذ ذلك الوقت حتى تحقق لها ذلك في عام2003، حيث تمكنتا من إعادة احتلال العراق بالكامل والسيطرة التامة على ثرواته النفطية". هل سينجو الربيع العربي من مخالب القوى الكبرى، أم إنها في الواقع تمكنت من تحويله إلى صيف حارق ساحق ماحق؟ هل نفهم مما يحدث لثوراتنا أننا نعيش في عالم أسوأ من عالم الغاب، والويل كل الويل لمن يتمرد على إرادة ضباع الغابة البشرية وذئابها؟

12728

| 20 أبريل 2014

إيران تخصب اليورانيوم، والعرب يخصبون الكلاميوم

لم يعد لبعض العرب شغل سوى الشكوى من تصاعد النفوذ الإيراني في المنطقة، خاصة بعد التقارب الأخير بين أمريكا وإيران بعد الاتفاق حول البرنامج النووي الإيراني. لا ندري لماذا استفاق البعض فجأة على الخطر الإيراني، مع العلم أن إيران تبني تحالفاتها ونفوذها في المنطقة منذ عشرات السنين. ألم يبدأ التغلغل الإيراني في لبنان منذ الستينيات ليتم تتويجه في بداية الثمانينيات بإنشاء "حزب الله" الذي أصبح منذ ذلك الوقت ذراعاً إيرانية قوية؟ ألم يتشكل التحالف السوري الإيراني منذ أيام الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد أمام أعين العرب أجمعين، إن لم يكن بمباركتهم؟ ألم يكن الرئيس الأسد على علاقات ممتازة مع العرب ومع إيران على مدى عقود؟ لماذا لم يشتك البعض من ذلك التحالف السوري الإيراني وقتها؟ ألم يكن نظام الرئيس حافظ الأسد بمثابة بيضة القبان في العلاقات الإيرانية العربية؟ ألم يبدأ النفوذ الإيراني في التصاعد داخل العراق بعد الغزو العراقي للكويت مباشرة، أي منذ بداية تسعينيات القرن الماضي؟ ألم يتنام أمام أعين الجميع؟ ألا يتباهى الإيرانيون هذه الأيام بأن العرب يدفعون المليارات لإسقاط هذا النظام العربي أو ذاك، ثم تأتي إيران لتستلم البلد الذي سقط فيه النظام على طبق من ذهب؟ ألم ينفق العرب مبالغ طائلة لإسقاط صدام حسين دون أن يستفيدوا من موطئ قدم في العراق، فجاءت إيران لتهيمن على العراق، ولتحوله إلى منطقة نفوذ حيوي لها؟هل كان التمدد الإيراني في اليمن غائباً عن أذهان العرب، أم أنه كان يجري على قدم وساق أمام أعينهم دون أن تكون بمقدورهم مواجهته بالطرق الإستراتيجية المطلوبة؟لا تلوموا إيران، فإيران لديها مشروع، اتفقنا معها أم اختلفنا. والمشروع الإيراني مبني على دعائم إستراتيجية قوية، وليس مجرد نزعة توسعية مرحلية. فحين بدأت إيران تفكر ببناء مشروعها راحت تبني قوة عسكرية ونووية التفت إليها العالم أجمع. وقد ظل العالم يفاوضها على مشروعها النووي لسنوات وسنوات. وعلى الصعيد العسكري لم تعد تعتمد إيران على التسليح الغربي أو الشرقي، بل أخذت تبني ترسانة عسكرية بسواعد وعقول إيرانية. وهذا ليس جديراً بالإدانة بقدر ما هو جدير بالاحترام، حتى لو اختلف البعض معها سياسياً. وبينما ظل العرب يعتمدون على الحماية الأمريكية المتآكلة، راح الإيرانيون يعتمدون على قواهم الذاتية في التصنيع المدني والعسكري، مما جعل العالم يتعامل معهم كند وليس كتابع. لماذا نلوم إيران بدل أن نواجهها بنفس الإستراتيجيات المبنية على القوة والتخطيط؟ لاحظوا الفرق بين الاستثمار العربي والإيراني في لبنان، فبينما استثمر العرب في بناء الفنادق والملاهي، استثمرت إيران في بناء ذراع عسكرية إستراتيجية رهيبة داخل لبنان، بحيث أصبحت تلك الذراع الحاكمة الفعلية للبنان، فلا مكان لغير القوة ماضياً وحاضراً ومستقبلاً في العلاقات الدولية والمحلية. كم كان البعض محقاً عندما قارن بسخرية بين النفوذ العربي والنفوذ الإيراني في لبنان. قال أحدهم ذات يوم، لو وقع صراع بين أتباع المشروع العربي في لبنان وأتباع المشروع الإيراني، فإن أتباع العرب سيقاتلون بالشيشة، بينما سيقاتل أتباع إيران بأعتى الأسلحة والقوات المدربة تدريباً عظيماً.ليس حلاً ولا إستراتيجية أبداً أن يحاول البعض مواجهة إيران باستئجار مجموعات مقاتلة تتصدى لها هنا وهناك، فهذه حيلة العاجزين. الحل يكمن في وضع الأسس لبناء مشروع تنموي حقيقي على كل الأصعدة العلمية والصناعية والتكنولوجية كما فعلت إيران نفسها منذ انتصار ثورتها عام 1979. الفرق بين العرب وإيران كالفرق بين شخصين، الأول استأجر بيتاً، وظل يدفع الإيجار لمالك البيت (أمريكا) لسنوات وسنوات، فخسر ماله، بينما الثاني أخذ قرضاً، واشترى البيت، وبعد سنوات أصبح البيت ملكه. لاحظوا كيف أن الحنكة الإيرانية استخدمت مواردها وثرواتها لبناء قوة ذاتية على المدة الطويل، بحيث أصبحت الآن قوة يحسب حسابها، وتحمي نفسها كالذي اشترى البيت بدل استئجاره، بينما العرب لم يفكروا بالاستثمار على المدى البعيد في بناء قوة ذاتية، فأنفقوا أموالهم على القوى الخارجية كي توفر لهم الحماية، والآن يجدون أنفسهم على صفيح ساخن، لأنهم لم يفكروا، ولم يستثمروا على المدى الطويل كإيران. ما أحوجنا نحن العرب إلى النفس الإيراني الطويل في الاستثمار والبناء والتخطيط والصبر والمثابرة. وما أشبه الإستراتيجية الإيرانية بإستراتيجية حائك السجاد العجمي الذي تشتهر به إيران عالمياً، فالحائك مستعد أن يمضي سنوات وسنوات كي يحيك سجادة عجمية رائعة بتفاصيلها البديعة دون كلل أو ملل، بينما السياسيون العرب أصحاب نفس قصير جداً، يملون بسرعة ولا يستمرون ويثابرون حتى إنجاز مشاريعهم. لهذا اعتمدوا على الأجنبي في كل شيء، بما في ذلك حماية بلدانهم من الأخطار الخارجية، دون أن يعلموا أن ذلك الأجنبي المتمثل بالولايات المتحدة لن يبقى قوياً على مر الزمان، بل سيضعف يوماً ما، وسيتركهم يرتعدون خوفاً، كما هو الحال الآن، بعد أن بدأت واشنطن تتملص من حماية حلفائها العرب، وتعقد الصفقات مع خصومهم الإيرانيين. هل كانت إيران تحلم قبل خمسين عاماً بأن تهيمن على الكثير من البلدان العربية كالعراق وسوريا ولبنان وقريباً اليمن والكويت ودول أخرى؟ لقد كان ذلك بالنسبة للكثيرين مستحيلاً، لكنه أصبح الآن حقيقة تفقأ العيون، لأن إيران كانت تعمل على بناء مشروع على المدى الطويل، وهذا لا شك يزعج الكثير من العرب، ويجعلهم يحقدون على إيران وتصاعد نفوذها في المنطقة. لكن بدل وضع اللوم على إيران وتجييش الشعوب العربية ضدها على أساس مذهبي، لماذا لا تبنون مشاريعكم العربية الخاصة لتواجهوا بها إيران وتركيا وغيرهما من القوى الصاعدة؟ إيران تخصّب اليورانيوم، ونحن العرب نخصّب معسّل الشيشة.

9851

| 13 أبريل 2014

تعلموا من أردوغان بدل أن تعادوه!

لا شك أن فوز حزب العدالة والتنمية التركي بقيادة رجب طيب أردوغان بشكل كاسح في الانتخابات البلدية الأخيرة وقع كالصاعقة على خصوم أردوغان في الشرق الأوسط خصوصاً والعالم عموماً. ولو كان هناك حنكة سياسية حقيقية لدى الأطراف التي تناصب أردوغان العداء لبدأت تعيد النظر في مواقفها على ضوء الشعبية المتصاعدة للحزب الإسلامي في تركيا رغم كل المؤامرات والشيطنات التي تعرض لها أردوغان منذ أكثر من عام. لا أدري لماذا يستعدي بعض العرب أكثر من نصف الشعب التركي الذي يقف صفاً واحداً إلى جانب حزب العدالة والتنمية؟ أين الحنكة السياسية؟ أين الحكمة؟ وعندما نتحدث عن الشعب التركي الذي يناصر أردوغان بقوة، فنحن لا نتحدث عن شعب متخلف يسوقونه إلى الاستفتاءات كالقطعان كما هو الوضع في الديكتاتوريات العربية المجاورة كي يصوت بالروح والدم للقائد المفدى المفروض بقوة كلاب الصيد والمخابرات، بل هو شعب واع ومتقدم على كل الصعد، وتعلم من تجاربه المريرة في ظل الانقلابات العسكرية الحقيرة، وأصبح ناضجاً ويعرف مصلحته، ويعرف من يختار، على عكس الكثير من شعوبنا التي يمكن للحملات الإعلامية الرخيصة أن تلعب بها كما يلعب اللاعبون بكرة القدم. لا نريد من العرب الذين يكيدون لأردوغان، ويحاولون تشويه سمعته وإنجازاته، لا نريد منهم أن يحترموا الديمقراطية التركية وخيارات الشعب، فربما لديهم أسبابهم الخاصة التي تمنعهم من مباركة نتائج صناديق الاقتراع التركية. ولا نريد منهم أيضاً أن يتحالفوا مع أردوغان وحزبه لأنه أصبح رقماً صعباً في الحياة السياسية التركية، بل نريدهم أن يتوقفوا قليلاً مع أنفسهم، وينظروا بتجرد وعقلانية وحكمة إلى طبيعة وسجل هذا الحزب وزعيمه على مدى أكثر من اثني عشر عاماً.هل حزب العدالة والتنمية التركي بقيادة أردوغان حزب إسلامي متطرف؟ هل هو حزب إرهابي؟ هل فاز في الانتخابات بالبلطجة والتشبيح؟ هل وصل إلى السلطة عبر انقلاب عسكري أو بطرق ملتوية؟ أم أنه حزب إسلامي نموذجي فريد من نوعه أثبت للعالم أجمع أن الإسلام لا يعادي الديمقراطية، ولا المفاهيم السياسية الحديثة، بل هو قادر على تطويعها لخدمة المفاهيم الإسلامية، لا بل إنه قادر أيضاً على تحقيق إنجازات اقتصادية عظيمة لا تحلم بها الأحزاب الديمقراطية التاريخية في الغرب؟ ألا يقيسون نجاح الأحزاب وقادتها في العالم المتقدم من خلال أدائها الاقتصادي بالدرجة الأولى؟ ألم يتفوق حزب أردوغان ذو الطبيعة الإسلامية الحضارية المعتدلة الحديثة على كل الأحزاب التركية العلمانية؟ ألم ينتقل بتركيا إلى مصاف العظام اقتصادياً؟ هل كان ليفوز في الانتخابات في مواجهة أحزاب علمانية شرسة المرة تلو الأخرى لولا أنه أصبح ذا قاعدة شعبية عريضة جداً تترسخ مفاهيمها السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية يوماً بعد يوم؟ لننظر سريعاً إلى إنجازات أردوغان وحزبه منذ توليه الحكم حتى الآن. لقد ارتفعت قيمة الصادرات التركية إلى 152 مليار دولار خلال العام الماضي، أي عشرة أضعاف قيمة الصادرات التركية قبل تولي أردوغان السلطة. ألم ينقل تركيا من المرتبة الـ 111 إلى المرتبة الـ 17 على قائمة أقوى الاقتصادات في العالم، بحسب الأرقام الرسمية الصادرة عن صندوق النقد الدولي؟ ألم تظهر الأرقام وصول الناتج المحلي الإجمالي في تركيا إلى نحو ثلاثة أرباع تريليون دولار في هذه الفترة، أي أنه ثلاثة أضعاف ما كان عليه؟ وقد حدد أردوغان العام 2023 الذي يوافق الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية لتصبح تركيا من بين أعظم الاقتصادات في العالم. لاحظوا أنه عندما تسلم حزب العدالة والتنمية الحكم كان متوسط دخل الفرد السنوي في تركيا 3.5 ألف دولار، بينما أصبح في عهده 10.5 ألف دولار، وهي نقلة نوعية عظيمة. باختصار شديد، لقد التزم أردوغان التزاماً حرفياً بالاسم الذي أطلقه على حزبه، واستخدمه لاحقاً كشعار سياسي. كان شعاره من كلمتين: "العدالة والتنمية"، فحقق العدالة، وأنجز تنمية فريدة من نوعها، بحيث أصبح مضرباً للمثل في الارتقاء الاقتصادي. لقد غدا مثل مهاتير محمد في ماليزيا رمزاً إسلامياً عظيماً ينافس عالمياً بكل ثقة. مهاتير رائد نهضة ماليزيا، وأردوغان رائد نهضة تركيا. وكما يقول حسان الرواد: "ليس لتركيا ثروات العرب، ولا نفطهم، ولا بحارهم ولا أرضهم. كان شعبها كشعوبنا وأقل. كانت من العالم الثالث كنحن، لكنّ الله منّ عليها بزعيم وطني حقيقي ذي يد نظيفة، فنهض نهضة لم تنهضها العرب والعجم في وقت قياسي، فأخلص، وصدق، فتوفق ليصبح عملاق النهضة الإسلامية الحديثة".لماذا إذاً يعادي بعض العرب حزب العدالة والتنمية التركي وقادته؟ أعطونا سبباً مقنعاً واحداً يجعلنا نقف إلى جانبكم في الهجمة الشرسة على أردوغان. لو كان حزباً متطرفاً مثلاً جديراً بقوائم الإرهاب المحلية والدولية لقلنا عادوه وحاصروه، وشيطنوه، لكنه متهم بأنه معتدل إسلامياً أكثر من اللازم في نظر بعض الجماعات والتيارات الإسلامية. ألا يحظى أيضاً بسمعة ديمقراطية عالمية طيبة؟ ألا يقبله العالم المتقدم المتمثل بأوروبا شريكاً ديمقراطياً؟ فلماذا نناصبه إذاً نحن العداء؟لماذا لا نتعلم من حزب العدالة والتنمية التركي كيف ننتقل باقتصاداتنا الهزيلة إلى مصاف الاقتصادات الصاعدة؟ لماذا لا نتقرب منه، ونستفيد من خبراته العظيمة في المجال الاقتصادي والتنمية البشرية، خاصة أن تركيا دولة جارة لنا، ونشترك معها في إرث حضاري وإسلامي كبير؟ ولمن يبني تحالفاته عادة على أسس مذهبية، فحزب أردوغان حزب إسلامي سُني بامتياز، وهو يشترك بذلك مع أكثر من مليار مسلم في العالم.باختصار، فإن حزب أردوغان حزب مثالي للعرب كي يتحالفوا معه على الصعيد المذهبي والاقتصادي والديمقراطي. أليس من السخف أن يشتكي البعض من الخطر الإيراني المحدق بالمنطقة، ثم يعادي في الوقت نفسه الأحزاب الإسلامية السُنية التي يمكن أن تكون سنداً له في مواجهة ما يسمونه بالخطر الشيعي "الرافضي"؟

16475

| 06 أبريل 2014

حرب المائة عام العقائدية في سوريا!

تقول مصادر روسية مطلعة، وعلى اتصال وتنسيق كبيرين مع القيادة الإيرانية، إن إيران لا تخوض في سوريا حرباً جيوسياسية فحسب، بل أصبحت سوريا بالنسبة لها معركة عقائدية مذهبية بامتياز. ليس صحيحاً أبداً أن إيران قوة قومية فارسية تغطي مطامعها التوسعية في المنطقة برداء مذهبي، بل هي في الحقيقة تحمل مشروعاً مذهبياً لا تخطئه عين أصبح أشهر من نار على علم في كل البلدان التي تتمتع فيها بنفوذ، فالحوثيون في اليمن باتوا يرفعون شعارات وصور الولي الفقيه في كل مكان. وقلما تجد مسؤولاً حوثياً دون أن ترى وراءه صورة لعلي خامنئي المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران. وحدث ولا حرج عن العراق الذي باتت شوارعه تزخر بكل مظاهر ولاية الفقيه، لا بل إن بعض الجامعات العراقية باتت مطالبة بتدريس فكر وتوجهات الإمام الخميني بشكل علني. أما في جنوب العراق، تعمل إيران بكل الطرق والوسائل لتحويل المنطقة شعبياً وثقافياً واجتماعياً إلى كيان يشبهها تماماً. وحتى في سوريا ذات الأغلبية السنية، فهناك عمليات تشييع منذ عقود، وبمباركة الدولة السورية. وقد اشتكى بعض السوريين في فترة من الفترات من نقص مادة الأسمنت في البلاد، فتبين لاحقاً أن معظم إنتاج الأسمنت في سوريا يذهب إلى الشركات الإيرانية داخل سوريا المختصة ببناء الحسينيات والمراكز الثقافية الإيرانية الشيعية. وقد تحول سوق الحميدية الشهير في دمشق إلى مكان للتطبير والاحتفالات الدينية الشيعية. أما جامع بني أمية في آخر السوق فقد بات مسرحاً للخطباء الإيرانيين المتطرفين الذين تراهم يتهجمون على معاوية ويزيد بلغة عنيفة داخل الجامع الأموي دون أن يجرؤ أحد على الاقتراب منهم، أو سؤالهم عما يفعلونه في عقر دار بني أمية تحت أنظار وحماية أجهزة الأمن السورية.وحدث ولا حرج عن لبنان، حيث باتت الضاحية الجنوبية التي يحكمها حزب الله عاصمة إيرانية بامتياز في كل مظاهرها الاجتماعية والثقافية، ناهيك عن أن زعيمها حسن نصر الله يعترف منذ اللحظة الأولى التي استلم فيها زمام الحزب بأنه مجرد "جندي في ولاية الفقيه". لا نقول هذا الكلام إلا لنوضح أن إيران لا تخجل من مشروعها ومعاركها العقائدية، فهي صريحة جداً وجريئة وصادقة في خوضها دون وجل. لقد أصبحت المعركة السورية بالنسبة لإيران معركة المعارك، لأنها لو خسرتها ستخسر في العراق وفي لبنان واليمن والخليج. لهذا، فهي مستعدة لبذل الغالي والرخيص للفوز بها، مهما كانت التكاليف المادية والبشرية. ويتحدث أحد المعارضين السوريين داخل البلاد عن ضخ مالي رهيب من قبل إيران، فهي تدفع شهرياً للنظام أكثر من مليار دولار كي يحافظ على نفسه، ويدفع رواتب الموظفين والجيش والأمن. ويؤكد المعارض على أن إيران مستعدة أن تدفع مليارين وأكثر في الشهر الواحد إذا تطلب الأمر، بشرط أن تحافظ على نظام الأسد الذي أصبح بالنسبة لها بيضة القبان في مشروعها العقائدي. ويذكر مسؤول روسي كبير أن إيران خصصت لسوريا شيكاً مفتوحاً كي تكسب المعركة. أما عسكرياً، فإيران باتت تدير المعارك على الأرض بقيادة قاسم سليماني وغيره. وقد دفعت بكل أذرعها العسكرية في العراق ولبنان إلى الداخل السوري، فحزب الله منخرط بكل قواته ونخبه العسكرية في المعركة السورية. وكذلك الميليشيات الشيعية العراقية، وفي مقدمتها لواء "أبو الفضل العباس" وغيره. وتتحدث بعض المصادر أن الميليشيات الشيعية باتت تسيطر على العاصمة دمشق وريفها عن طريق عشرات الألوف من الجنود اللبنانيين والإيرانيين والعراقيين والباكستانيين والمرتزقة السوريين الذين جندتهم إيران. وتتحدث بعض المصادر عن أنه حتى الحراسة الشخصية للرئيس السوري أصبحت إيرانية بامتياز. ولولا الذراع العسكرية الإيرانية لسقط النظام وانهار جيشه. وقد وزع أنصار إيران في سوريا نكتة بعد السيطرة على يبرود تقول "إن حزب الله أرسل رسالة إلى الجيش السوري بعد الاستيلاء على يبرود قال فيها: نحن نحتفل هنا في يبرود بالنصر، ليتكم كنتم معنا"، وذلك للتدليل على أن القوة الضاربة في سوريا لم تعد الجيش السوري، بل الميليشيات الشيعية.إيران لا تخفي أهمية المعركة في سوريا بالنسبة لها، فقد أعلن كبار الآيات مرات ومرات بأن سوريا أهم من العاصمة طهران. وهناك من اعتبرها المحافظة الخامسة والثلاثين من إيران. وقال رجل الدين الإيراني مهدي طائب: "إن سوريا أهم من الأهواز، ولو خسرناها سنخسر طهران". لاحظوا التركيز على مسألة حماية المقدسات الشيعية في سوريا في خطاب إيران وميليشياتها، مما يؤكد على البعد العقائدي الكبير في معركتها السورية.لقد تحولت سوريا إلى ملعب لكل القوى التي تريد فرض مشاريعها في المنطقة. ففي مقابل الهجمة الإيرانية، هناك هجمة مذهبية من الأطراف السنية، لتتحول الأرض السورية إلى ساحة للمعركة المذهبية التي بشّر بها هنري كسنجر قبل عقود بين الشيعة والسنة، والتي قد تمتد عقوداً وليس سنوات فقط. ويدور حديث عن أن أمريكا وإسرائيل سعيدتان جداً بالمعركة المذهبية الرهيبة بين إيران وخصومها السنة في المنطقة. ويرى البعض أن إسرائيل معنية بتشجيع هذه الحرب واستغلالها في إنهاك واستنزاف كل الأطراف لمصلحتها. وهي فرصة تاريخية بالنسبة لإسرائيل لن تدعها تمر دون أن تأخذ مداها كاملاً.فهل تنتبه كل الأطراف المتورطة في هذه الحرب التاريخية، أم أن إيران أخذت على عاتقها الانتصار في تلك الحرب مهما كانت التكاليف والعواقب. ويرى بعض المراقبين أن هناك مصلحة مشتركة بين إيران وإسرائيل في هذه الحرب وتقاسم النفوذ والمصالح بعد الانتهاء منها. لهذا بات مناهضو الحلف الشيعي في المنطقة يطرحون السؤال التالي: ماذا أعد العرب والمسلمون السُنة لمواجهة إيران وحلفها الشيعي في سوريا؟ ألا يرون كيف تعتبرها معركة عقائدية تاريخية فاصلة بالنسبة لها؟ ألا يعني سقوط سوريا تماماً في الهلال الإيراني ضربة قاصمة لكل القوى السنية في المنطقة بما فيها تركيا والسعودية ومصر؟ إلى متى تنشغل تلك القوى السنية بمحاربة الجماعات الإسلامية من أبناء جلدتها، بينما تقاتل الميليشيات الشيعية في سوريا على قلب رجل واحد؟ صدق من قال إن هناك حلفاً شيعياً متماسكاً وفتاكاً، وشراذم سنية متناحرة. وإذا لم تدرك تلك الشراذم خطورة المرحلة التاريخية الحالية ستردد يوماً القول المأثور: "أكلت يوم أكل الثور الأبيض".

8112

| 30 مارس 2014

الثورات العربية بين مطرقة الطغيان وسندان الموروث الثقافي

هل تغيرنا فعلاً، نحن العرب، بعد أن ثرنا على الطواغيت؟ هل ثرنا فعلاً كي نتغير؟ هل يمكن أن نتغير بمجرد الإطاحة بمن كانوا يحكموننا؟ أم أننا نسخة طبق الأصل عنهم، وبالتالي سنستنسخهم مرات ومرات بدل إنتاج ثقافة جديدة؟ ما هو المدى الزمني الذي نحتاجه كي نتحرر فعلاً من الثقافة القديمة التي زرعها في عقولنا وقلوبنا الطغاة الساقطون والمتساقطون؟ لا أحد يستطيع أن ينكر أن كل شرائحنا الاجتماعية والثقافية والدينية والسياسية هي عبارة عن نتاج الأنظمة التي فرضوها علينا منذ عقود وعقود. إننا بلا أدنى شك نتاج الأنظمة التربوية والدينية والاجتماعية والثقافية التي حكمت بها الأنظمة الساقطة والآيلة للسقوط. وبالتالي: هل نحن قادرون على التحرر من تلك الأنظمة، ومتى؟ ألا يخشى أن نعيد استنساخها جيلاً بعد جيل؟ تقول إحدى الكاتبات: "نسمع صوت طبول الحريّة من بعيد. نعتقد أنّنا سنعيش بعد أيام لحظاتٍ لا تنسى، نعوّض فيها عقود القهر والاستبداد. لكن كلّ هذا مجرّد أحلام يقظة ليس إلا، فالمستبدّ مختبئ فينا ريثما تحين له الفرصة، ليخرج المارد من قمقمه ليصول ويجول، مكفّراً هذا بالدّين، وذاك بخيانة القضايا". لا شك أن الكثيرين ينتابهم مثل هذا الشعور بعد انقشاع غبار الربيع العربي، فقد ظن البعض أن مجتمعاتنا ستتغير مائة وثمانين درجة بمجرد تغيير أنظمتها السياسية دون أن يعلموا أن أبسط أنواع التغيير هو التغيير السياسي، أما أصعبها فهو التغيير الاجتماعي والثقافي، فالثقافة التي أنتجت الطواغيت والمستبدين السياسيين يمكن أن تعيد إنتاجهم طالما لم تتغير العقليات والذهنيات الثقافية السائدة في هذا المجتمع أو ذاك. لهذا لا بد أن تترافق التحولات السياسية مع تحولات اجتماعية وثقافية عميقة، حتى لو استغرق ذلك وقتاً طويلاً، خاصة أن العادات والتقاليد تموت بصعوبة بالغة كما يقول غوستاف لوبون في كتابه الشهير "سيكولوجية الجماهير".لقد كان الكثيرون يتصرفون أيام الطغيان على أسس طائفية وعرقية ومذهبية وعشائرية وقبلية مفضوحة، وكانوا يبررون ذلك بأن الطغاة هم من قسّم المجتمعات إلى ملل ونحل متصارعة، عملاً بمقولة: "فرق تسد". ولا شك أن هذا صحيح تماماً. لكن هل الأنظمة السياسية الجديدة تريد فعلاً أن تتخلص من ذلك الإرث السياسي والثقافي البغيض؟ بالطبع لا. ربما تحاول أن تغير في الشكل، لا في المضمون، خاصة أن المجال الثقافي لم يتغير، بل سيبقى على حاله ربما لعقود وعقود. أضف إلى ذلك أن تلك الجماعات السياسية الجديدة التي بدأت تحل محل الأنظمة القديمة ربما تعمل على تكريس الثقافة السياسية القديمة مع تغيير بسيط في أسلوب العمل. ولعلنا لاحظنا كيف أن العراق مثلاً تطور طائفياً، ولم يتطور ديمقراطياً، لأن القيادات الجديدة عملت على تقوية الواقع القديم، لا بل أبرزته إلى السطح بطريقة مقززة من خلال المحاصصة الطائفية البغيضة. هل ستقوم الطبقات السياسية الجديدة مثلاً بإجراء تغييرات جذرية على مناهج التعليم، بحيث تقطع تماماً مع العهود القديمة مرة وإلى الأبد؟ هل ستتحدى الثقافة الاجتماعية السائدة، كما تحدت الأنظمة السياسية؟نستطيع أن نقول ببساطة إن تغيير الرؤوس دون تغيير النفوس بعد الربيع العربي هو أشبه بقطع رأس جبل الجليد الظاهر فوق الماء، والذي لا يشكل عادة سوى خمسة بالمائة من الجبل الذي يقبع جله تحت الماء. إن أول ما ينبغي على الأنظمة الجديدة فعله، إذا كانت فعلاً صادقة في التغيير، ولا تريد فقط إعادة إنتاج الأنظمة القديمة، هو القيام بثورات ثقافية عارمة تقلب رأساً على عقب أنماط التفكير والعقليات الاجتماعية المترسخة، إذا كانت صادقة في التغيير فعلاً. لا بد أن نعلم أن التركيبة الاجتماعية في هذا المجتمع أو ذاك لن تتغير بمجرد سقوط النظام السياسي. ففي كل منطقة من بلادنا العربية نمط ثقافي واجتماعي يعتبره الناس العاديون قبل الوجهاء مقدساً. والسؤال إذاً: ما قيمة التغيير إذا كان إسقاط الرؤوس السياسية مباحاً، بينما إسقاط المقدسات الاجتماعية والثقافية المصطنعة محرماً؟ هل يقبل أعيان تلك المنطقة أو تلك في الجمهوريات العربية التي شهدت تحولات سياسية وثورية أن يتخلوا عن وضعياتهم الاجتماعية؟ هل يسمح أتباعهم بذلك أصلاً؟ بالطبع لا. لقد أكد لوبون في كتابه المذكور أعلاه أن "القادة الحقيقيين للشعوب هي تقاليدها الاجتماعية والثقافية الموروثة" التي لا تتغير بسهولة إلا شكلياً. ويضيف لوبون: "عندما يتيح شعب ما لأعرافه وتقاليده أن تترسخ بقوة زائدة طيلة أجيال عديدة، فإنه لا يعود يستطيع التطور، ويصبح عاجزاً عن التغيير والإصلاح".في الكثير من الجمهوريات التي حدث فيها التغيير السياسي هناك هرمية ثقافية واجتماعية لا تخطئها عين. هل يتجرأ أحد على تحطيم تلك الهرمية الاجتماعية والطائفية والعائلية بنفس الطريقة التي تم فيها تحطيم النظام السياسي؟ للأسف لا، فالموروث الثقافي والاجتماعي يحظى بقدسية أكبر بكثير من الموروث السياسي الذي رأينا الجماهير في أكثر من منطقة تحطمه وتدوس رموزه ببراعة عز نظيرها. السؤال المطروح الآن: هل تريد الجماهير الإطاحة بثقافاتها الاجتماعية الوضيعة، أم أن وقتاً طويلاً سيمر قبل أن تتجرأ على الاقتراب منها؟ ذات يوم سألت مسؤولاً كبيراً: "لقد جئتم إلى السلطة قبل عقود وأنتم تتوعدون الطبقات الاجتماعية والثقافية القديمة بالويل والثبور وعظائم الأمور، لكنكم تحالفتم معها شيئاً فشيئاً، لا بل عززتم مواقعها ووظائفها"، فرد قائلاً: "هذا صحيح، لكن ليس لأننا نريد تكريس وضع قديم، بل لأننا وجدنا أن هناك قطيعاً كبيراً من الناس يسيرون خلفها بشكل أعمى، ولا يريد أن يمسها بأي تغيير، فقلنا لأنفسنا: بما أن القطيع لا يريد التغيير، لا بل من الصعب تغييره هو نفسه، فلنسر وراء تلك الطبقات القديمة التي تقود القطيع، وتتحكم به طالما أنها تحفظ الاستقرار ولا تهدد النظام السياسي". لا شك أن كلام المسؤول أعلاه فيه الكثير من الخبث، فهو استغل تلك الطبقات القديمة للحفاظ على النظام الجديد. وهذا ما يجب على الأنظمة الجديدة بعد الربيع العربي أن تتجنبه، وألا تؤثر الاستقرار على التغيير الحقيقي.لا شك أن الربيع العربي حدث عظيم في تاريخ المنطقة، وهو المقدمة الصحيحة للبدء بالتغيير الشامل. لكن يجب على من يريد التغيير الجذري فعلاً ألا يكتفي بتغيير الأنظمة السياسية، ثم يقول لنفسه: سقط الطغاة وانتهت الثورات. لا لم تنته الثورات بسقوط الطغاة، بل بدأت. وإذا لم تستمر النخب الثورية بمتابعة المسيرة الثورية سيكون من حق المتشائمين أن يقولوا بحسرة: إن الطبقات والهياكل والأطر والعقليات والأشخاص الذين صنعوا العهود الساقطة مازالوا موجودين بيننا بعد الثورات، جاهزين لتطبيق قانون التّخلف والاستبداد مرة تلو الأخرى. إنه صراع مرير بين قوى الرجعية بمختلف أشكالها السياسية والثقافية والدينية وقوى التغيير. ولو نظرنا إلى طبيعة الصراع الآن في بلدان الربيع العربي نجد القوى القديمة تشن ثورات مضادة شرسة اعتماداً على الموروث الجاهز لديها. لاحظنا ذلك من قبل في الجزائر، حيث تمخضت الثورة على مدى التسعينيات عن عودة كاملة متكاملة للنظام القديم بكل أشكاله. وكذلك الآن في مصر، حيث يعود النظام القديم بشراسة رهيبة وسط تصفيق نفس الشرائح التي ثارت عليه. ما أحوجنا إلى ثورات ثقافية عارمة قبل أن نحلم بالتغيير المنشود، وهو للأسف ممنوع حتى الآن!

4225

| 23 مارس 2014

النظام السوري قائد للفوضى ( الهلاكة ) في المنطقة!

استغرقت الثورة التونسية ثمانية وعشرين يوماً فقط، أما المصرية فدامت لثمانية عشر يوماً بالتمام والكمال. صحيح أن الثورة أخذت بعض الوقت في اليمن، لكنها انتهت من حيث الفعل الثوري خلال فترة وجيزة. وحتى في ليبيا التي أخذت شكل الصراع السوري المسلح، انتهت الثورة خلال ثمانية أشهر على الأرض من خلال تدخل دولي. لا شك أن الأوضاع بعد الثورات في تونس ومصر واليمن وليبيا تعسرت في بعض الأحيان، وتفاقمت أحياناً أخرى، لكنها على الأقل انتهت بخسائر مادية وبشرية محددة تبدو مجرد "لعب عيال" بالمقارنة مع ما يحصل في سوريا من أهوال ودمار طال البلاد كلها، وبدأ يطال البلدان المجاورة، وحتى أنه راح يهز المنطقة العربية برمتها جيوسياسياً واقتصادياً. باختصار، لم تكن هناك مصلحة للكثير من القوى استمرار الثورات على الأرض في تونس ومصر واليمن وليبيا. لاحظوا أيضاً كيف وضعوا حداً للأزمة الأوكرانية خلال أسابيع قليلة، فتنحى الرئيس يانكوفيتش منعاً لمزيد من التفاقم. وهنا نتساءل: لماذا سمح العالم لبقية الثورات أن تنتهي بسرعة، بينما ترك الثورة السورية تتفاقم لتصبح وبالاً على السوريين والمنطقة عموماً؟ لا نعتقد أن الأمر مجرد تقاعس، أو إهمال، أو عدم مبالاة.هناك الكثير من المؤشرات والدلائل على أن ترك الثورة السورية تتفاعل، وتأتي على الأخضر واليابس داخلياً، وتهز المنطقة برمتها خارجياً ليس أمراً عرضياً، بل يبدو مدروساً ومتعمداً. فلو كانت هناك نية دولية حقيقية لانتهى الوضع قبل أن يدخل عامه الأول، لكنهم تركوه يدخل الآن عامه الرابع. لاحظوا مثلاً أن أمريكا ترفض تسليح قوى المعارضة بسلاح مضاد للطيران، لا بل تمنع البلدان الأخرى من تقديم ذلك السلاح للجيش السوري الحر منذ زمن. فلو توفر ذلك السلاح على الأقل لتوازن الصراع على الأرض بين النظام والمعارضة، وبالتالي دفع الجانبين إلى مفاوضات حقيقية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سوريا. لكن الواضح أن هناك خطة لإطالة أمد الصراع من خلال تزويد النظام بأعتى أنواع السلاح الروسي والإيراني، وتزويد قوى المعارضة بسلاح يسمح باستمرار القتال فقط، لكنه لا يسمح بحسم الأمور على الأرض، ولا حتى بتحجيم قوة النظام. وهذا لوحده دليل كاف على أن المطلوب في سوريا استمرار الاستنزاف والدمار. لقد غدا واضحاً أن الجيش الحر يدخل منطقة ما، فيحاصره جيش النظام، وتجري المعارك، فتتدمر المنطقة، ويهاجر سكانها، فينتقل الجيش الحر إلى منطقة أخرى، وهلم جرّا. إنه مسلسل تدميري مفضوح يمارسه النظام وقوى المعارضة بنية التدمير المقصود والمبرمج والممنهج.هل كان للكثير من القوى أن تسمح بإغراق سوريا بمختلف الجماعات المقاتلة القادمة من الخارج وتحويلها إلى أفغانستان أخرى، لو أن العالم كان يريد فعلاً حل القضية السورية؟ بالطبع لا. لقد فاقم دخول جماعات مختلفة إلى سوريا الوضع، وفتحه على احتمالات خطيرة للغاية، خاصة بعد دخول القوى الشيعية كحزب الله وغيره إلى ساحات القتال. هنا بدا وكأنه حرب مذهبية مدروسة. لاحظوا أن القتال يجري الآن بين قوى شيعية وسنية بشكل مفضوح. وهناك من يرى أن الحرب المذهبية الحقيقية في المنطقة انطلاقاً من سوريا مازالت في بداياتها، وأن القادم أعظم.لقد انتهى مؤتمر جنيف دون أي ضغط دولي لإحراز أي تقدم. والأنكى من ذلك أن العالم منح الرئيس السوري بعد فشل المؤتمر ضوءاً أخضر لخوض الانتخابات الرئاسية كمرشح أوحد، مما يعني ضمناً إطلاق رصاصة الرحمة على مؤتمر جنيف الذي كان ينص على تشكيل هيئة حكم انتقالية تنتقل بسوريا إلى عهد جديد. أين العهد الجديد بعد أن يفوز بشار الأسد بولاية رئاسية جديدة لسبعة أعوام؟ لاحظوا الآن كيف يتم التحضير لحملة الأسد الانتخابية وسط صمت ومباركة دولية لا تخطئها عين، وكأنها مكافأة دولية للدور الذي يلعبه النظام في خلخلة المنطقة وإعادة تركيبها. لقد تنحى الرئيس الأوكراني بعد مقتل مائة شخص وبضعة أسابيع فقط من المظاهرات، بينما يسمح العالم للرئيس السوري بالترشح والفوز في الانتخابات بعد نزوح ثمانية ملايين سوري داخلياً، وتهجير ستة ملايين خارجياً، وتدمير ثلاثة أرباع البلد، ومقتل مئات الألوف. لا يمكن أن يكون هناك هدف من وراء التعامي عن انتخاب بشار الأسد لفترة رئاسية جديدة سوى استمرار مسلسل التخريب داخل سوريا لتدمير ما لم يُدمر بعد، وإنهاك المنطقة خدمة لمشاريع دولية كبرى. ويرى بعض الساخرين أن الأسد لن يكون فقط رئيساً جديداً لسوريا، بل قائد مُتوج لمشروع الفوضى الخلاقة الأمريكي.ولو عدنا إلى تصريحات بشار الأسد نفسه بعد ستة أشهر على اندلاع الثورة في لقاء مع صحيفة "التايمز" البريطانية لوجدنا أن ما هدد به الأسد من فوضى وقتها يتحقق الآن على أرض الواقع بحذافيره، وكأنه كان يخطط مع قوى كثيرة لإيصال سوريا والمنطقة كلها إلى هذه النقطة الحرجة والخطرة جداً. قال الأسد وقتها: "إن سوريا تقع على فالق زلزالي خطير، وإذا تحرك هذا الفالق، ستخرب المنطقة بأكملها". لقد كان الرئيس السوري في ذلك التصريح يهدد بتنفيذ مشروع "الفوضى الهلاكة" نيابة عن صاحبه الأمريكي. ويبدو أنه أوفى بوعده تماماً. لاحظوا الآن أن الوضع السوري بدأ يشكل خطراً وجودياً على باقي دول المنطقة، فعدد اللاجئين السوريين في لبنان أصبح أكثر من مليون ونصف، وبات يهدد تركيبة لبنان الديمغرافية. وكذلك في الأردن، ومصر، وتركيا. ناهيك عن أن وضع العراق يزداد سوءاً بالتناغم مع الوضع السوري، وهذا بحد ذاته تهديد مرعب للمنطقة. أضف إلى ذلك أن بعض دول المنطقة بدأت تهتز على وقع الزلزال السوري، خاصة تركيا. ولا ننسى كيف بدأ الوضع السوري يستنزف خزائن بعض الدول العربية المنخرطة في الصراع. ألا يرى ضباع العالم هذا الوضع الخطير داخل سوريا وعلى حدودها في الدول المجاورة؟ أم أنها الفوضى الخلاقة التي أرادوها لرسم شرق أوسط جديد، وها هو النظام السوري ينفذها على أكمل وجه؟ يبدو أن هذا هو المطلوب من إطالة عمر الأزمة السورية، فهم يستغلونها، ليس فقط لاصطياد العصفور السوري، بل لضرب عدة عصافير عربية وإقليمية بحجر واحد. من مهازل هذا الزمان أن النظام السوري هو أكثر من هاجم مشروع "الفوضى الخلاقة" الذي أعلنته وزيرة الخارجية الأمريكية غوندوليزا رايس، وهو الذي يقوده الآن بإخلاص منقطع النظير. وسلم لي على "الممانعة والمقاومة".

4279

| 16 مارس 2014

التحالف الروسي - الأمريكي لتدمير سوريا

يتحجج الذين يريدون إطالة أمد الدمار في سوريا بأن القضية ليست مجرد صراع بين نظام ومعارضة، بل إنه صراع دولي على سوريا بين أمريكا وحلفها من جهة وروسيا وأتباعها من جهة أخرى بمن فيهم إيران. لكن لو دققنا في الصراع المزعوم بين الشرق والغرب على سوريا، نجد أنه صراع مفتعل. فلو كان صراعاً فعلياً بين المحور الأمريكي وشركائه والمحور الروسي وشركائه، لما سمحت أمريكا وإسرائيل بدخول حزب الله وإيران وأذنابها بهذه القوة والفجاجة إلى سوريا. ولو كانت أمريكا فعلاً في صراع مع المحور الروسي على سوريا، وتريد أن تنتصر هي ومحورها بما فيه قوى المعارضة السورية لقامت بتسليح حلفائها في الداخل السوري بالسلاح الفتاك الذي يقلب الموازين على الأرض. لكنها حتى الآن تعارض تزويدهم بمضادات طيران. وهو ما يشير إلى أنها ليست حليفة لهم، ولا في صراع مع الروس والإيرانيين الذين يدعمون النظام بالغالي والرخيص. بعبارة أخرى، فإن التردد الأمريكي والغربي والإسرائيلي في حسم الوضع السوري لا يدل على أنهم في صراع مع روسيا وإيران والنظام، فلو كانت المعركة بين الطرفين الروسي والأمريكي في سوريا لكانت معركة كسر عظم، كما كانت في أفغانستان ذات يوم، ولكانت أمريكا زودت المقاتلين السوريين بصواريخ مضادة للطيران، كما فعلت مع المجاهدين الأفغان، وكان لتلك الصواريخ من طراز (ستنغر) الدور الحاسم في إخراج سلاح الطيران السوفيتي وقتها من المعركة وهزيمة الروس. ولا ننسى كيف كانت أمريكا تضغط على حلفائها العرب والإقليميين لدعم المجاهدين الأفغان بمليارات الدولارات. وتذكر بعض المصادر أن دول الخليج وحدها دفعت أكثر من عشرين مليار دولار كمساعدات للمقاتلين الأفغان لدحر الدب الروسي. فهل تدعم أمريكا المقاتلين السوريين الذين يتصدون لنظام الأسد وحلفائه الروس بنفس القوة؟ بالطبع لا. الكل يعلم الآن أنه لو توفر لمقاتلي المعارضة السورية صواريخ مضادة للطائرات لحسموا المعركة منذ زمن، خاصة أن الطائرات السورية تشل قدرة قوى المعارضة بالبراميل المتفجرة وغيرها. إذاً، وعلى ضوء هذا التقاعس الأمريكي في مواجهة الحلف الروسي في سوريا يمكن القول إن الطرفين متفقان، وليسا متصارعين على سوريا. ومن الواضح أن الاتفاق بين الحلفين الروسي والأمريكي هو على تدمير سوريا وتهجير شعبها لأغراض لا يعلمها إلا الله. روسيا تدعم النظام بكل أنواع الأسلحة، وإيران تساعده على الأرض لإحداث أكبر قدر من التدمير، وأمريكا وحلفها يزود المعارضة بسلاح لا يحسم المعركة، بل يجعلها تستمر بغرض استمرار التدمير. بعبارة أخرى: المطلوب في سوريا من الأمريكان والروس استمرار القتال وليس الانتصار، بدليل أنه كلما دخلت قوات المعارضة منطقة حاصرها جيش الأسد، ودمرها، فانتقل مقاتلو المعارضة إلى منطقة أخرى كي يلاحقهم جيش النظام ويدمر المنطقة الجديدة، حتى يأتي الدمار على كل أنحاء البلاد.كم هم سخفاء أولئك الممانعجيون والمقاومجيون وهم يقولون إن الصراع الدائر الآن: في أي حلف يجب أن تكون سوريا، في محور المقاومة والممانعة المدعوم روسياً، أو في المحور الآخر المدعوم أمريكياً. لا شك أنه طرح سخيف، لا لشيء إلا لأن أمريكا وروسيا أقرب إلى التحالف في سوريا منهما إلى الصراع. ويجادل البعض في هذا الإطار بأنه لا يمكن لأي شخص فيه ذرة من العقل أن يتوقع انتقال السيطرة على سورية أصلاً إلى المعسكر الغربي. وهذا الأمر لا تريده أمريكا ولا إسرائيل، لأن سوريا بلد على حدود فلسطين، وأي تغير في جهة التبعية، فهذا سوف يؤدي إلى خلل سياسي كبير. بعبارة أخرى، فإن أمريكا وحلفاءها ومنهم إسرائيل تبارك لروسيا وحلفائها بقاء سوريا ضمن سيطرة قوى الشرق بزعامة روسيا، لأن روسيا هي من أخلص الخدم لإسرائيل، وبالتالي فإن بقاءها مسيطرة على سوريا يعني أنها تبقى محافظة على أمن إسرائيل، وتبقى حالة العداء الصوري لإسرائيل طافية على السطح في السياسة السورية لتبقى صمام الأمان، كالذي يقوم به حلف المقاومة والممانعة.وكي نوضح الأمر أكثر، فلابد للجميع أن يعلموا أن لب الصراع على سوريا مرتبط ارتباطاً وثيقاً بأمن إسرائيل. فحتى لو بقيت سوريا في المحور الروسي الإيراني (الممانع)، فهذا لن يضير أمريكا ولا إسرائيل، لأن روسيا أكبر حليف لإسرائيل، وأكبر وأقوى لوبي في إسرائيل هو اللوبي الروسي، ولا يمكن بالتالي أن تسمح روسيا بأي خطر يهدد أمن إسرائيل. وهذا يعود بنا إلى فكرة أن سوريا ليست في محل صراع بين الشرق والغرب، بل الهدف من الصراع الصوري بين المحورين الروسي والأمريكي على سوريا هدفه تدمير سوريا وإنهاكها كي تنام إسرائيل قريرة العين. إن إظهار روسيا على أنها قوة عظمى في الشرق وحفاظها على حلفائها ودفاعها عنهم في الشرق الأوسط تحديداً هو أصلاً مطلب إسرائيلي أمريكي. فبدل أن تدخل إسرائيل وأمريكا في كل كبيرة وصغيرة في الملفات الساخنة داخل الدول العربية "المعادية" لإسرائيل، تستلم هذه المهمة روسيا التي تظهر على أنها معادية للسياسات الأمريكية في الشرق الأوسط، بينما هي في الحقيقة أكبر حلفاء إسرائيل، وتربطها بأمريكا علاقات مصالح كبيرة خلف الكواليس، بحكم أن اللوبي الصهيوني هو من يدير أمريكا وروسيا في آن معاً. وعندما تحتوي روسيا كل الدول العربية التي لم تظلها العباءة الأمريكية في المنطقة العربية، فهذا يعني أن روسيا تخفف الضغط عن أمريكا وإسرائيل في احتواء هذه الدول ومتابعة كل كبيرة وصغيرة فيها، وتتحكم بسياساتها بما يوافق ويخدم المصلحة الروسية والأمريكية والإسرائيلية معاً.أخيراً، عندما أرى هذا الغرام بين روسيا وإسرائيل أتساءل: كيف يمكن أن تكون روسيا حليفاً "للمقاومين والممانعين"، وفي الوقت نفسه في حلف استراتيجي مع إسرائيل؟

6150

| 09 مارس 2014

من يُضحي بالحرية من أجل الأمن لا يستحق أيّا منهما

كان هناك شخص يعيش مع أولاده التسعة وزوجته وحماته وأمه في بيت مُؤجر مؤلف من غرفة واحدة، وحمام داخلي مساحته متر بمتر، ومطبخه عبارة عن طاولة صغيرة، وكان دائماً يتذمر من عيشته التعيسة، وصغر حجم المنزل، فجاءه صاحب البيت ذات يوم، وطلب منه أن يربي له دجاجتين وديكاً في نفس المنزل الصغير مع العائلة، فثارت ثائرة المسكين، لكنه اضطر للرضوخ لطلب صاحب المنزل كي لا يطرده. وراحت العائلة تعاني من إزعاج الديك ووسخ الدجاجتين. وكي يزيد الطين بلة عاد صاحب البيت بعد فترة، وطلب من المستأجر أن يربي له عنزة في الغرفة ذاتها، فصارت الدجاجتان تلوثان الفراش بالأوساخ، وأصبح الديك يقاتل العنزة، بينما تثغو الأخيرة ليل نهار. ومما زاد في الطنبور نغماً أن صاحب البيت أمر المستأجر المسكين لاحقاً بأن يربي له عجلاً، فزادت محنته معاناة وألماً. لكن صاحب المنزل المتغطرس حن على المستأجر بعد طول معاناة وانتظار، فخلصه من الديك والدجاجتين والعنزة والعجل. فطار المستأجر من الفرح، وراح يحدث أصدقاءه عن بيته الفسيح المريح قائلاً: "من يوم ما راحوا هالحيوانات الملاعين، وإحنا عايشين مبسوطين مبحبحين"، مع العلم أن البيت بقي على حاله طبعاً.وهكذا حكاية الحكومات العربية مع شعوبها، فما أن تتذمر الشعوب من وضعها المأساوي حتى تقدم الحكومات على إجراءات أكثر مأساوية وبطشاً وتنكيلاً، فيلهج لسان الشعوب فوراً بالبيت الشهير: "رُب يوم بكيت فيه، فلما صرت في غيره بكيت عليه".بالأمس القريب ثارت الشعوب للتخلص من الظلم والطغيان وتحقيق الديمقراطية، أو على الأقل من أجل قليل من الأوكسجين، فتكالب عليها القاصي والداني، وجعلها تكفر بالساعة التي ثارت فيها، بعد أن راحوا يحرمونها من أبسط متطلبات "مثلث ماسلو"، كالأمن والماء والخبز والوقود والكهرباء. ومن المعروف أن الإنسان يمكن أن يتخلى عن الكثير من الأمور مقابل أمنه الشخصي، لهذا راحوا ينشرون الفوضى والجرائم في بلدان الثورات كي تتحسر الشعوب على أيام الطغيان الخوالي، وتعود إلى حظيرة الطاعة. لقد أصبح الآن الحصول على أساسيات الحياة الشغل الشاغل للسواد الأعظم من الشعوب التي ثارت، فالأغلبية منشغلة بالبحث عن الأمن وربطة خبز مجبولة بالرمل والقش، ولتر زيت من النوعية العاشرة، وكيلو طماطم نصفه عفن، ورطل أرز مخلوط بالحصى. كم تنطبق كلمات بيرم التونسي على يومنا هذا وهو يشتكي من رداءة السلع وارتفاع ثمنها:الأكل والشرْبْ في أيدْ اللومَنجِيٌهوالطماعين اللي غلوا الملح والمَيٌهْوالغشاشين اللي فاقوا ع الحراميةالشاي بالمفتشر مخلوط ملوخيةوالبن فيه الشعير تسعين في الميةوالعيش برملة وطينة يا مناخليهواللحم معروض بدون أختام رسميةوالميه هيه اللبن ولا اللبن هيهأفاعي متَسيبَةْ من غير رفاعيةودنيا مترتبة ترتيب فلاتيهلكن حتى هذه السلع الرديئة أصبحت صعبة المنال في بعض البلدان الثائرة، خاصة أن ثمن ربطة الخبز ارتفع بشكل مذهل، مما جعل الناس يقولون: لم نعد نريد لا حرية ولا ديمقراطية ولا حقوق إنسان ولا بطيخ. نريد فقط أن نأكل ونشرب. لا بل نحلم بالعودة إلى تلك الأيام الجميلة التي عشناها في الماضي، مع العلم أنها كانت أيام "زفت". لكن ما الذي أجبرك على المر سوى الأمر منه؟ لقد غدت لقمة العيش "اليابسة" والشعور بالأمن أهم من أي شيء آخر.لقد بدأ ملايين العرب يعودون عملياً إلى الدرك الأسفل من «مثلث ماسلو» الشهير الذي يقسّم حاجات الإنسان إلى خمسة مستويات، هي الحاجات العضوية كالماء والغذاء والمأوى والتدفئة وغيرها من الاحتياجات الجسدية، ثم السلامة والأمان، الحب والانتماء، الاحترام والتقدير، وفي النهاية تأتي قمة الهرم، وهي تحقيق الذات، وهي أن تشعر بأنك قد حققت غاية أهدافك في الحياة، وأنك قد وصلت إلى قمة ما كنت تتمناه لنفسك.ولا يمكن لأي مستوى أن يتحقق إلا إذا تحقق ما قبله، فعندما يحقق الناس احتياجاتهم الأساسية يسعون إلى تحقيق احتياجات ذات مستويات أعلى. فإذا كان الإنسان جائعاً، أو عطشاناً، أو أن جسده مختل كيميائياً، فإن كل طاقاته تتجه نحو إصلاح العلة، وبالتالي تظل باقي الاحتياجات الأخرى معطلة لصالح المعتل منها.وتــصنف الاحتياجات الدنيا تحت مسمى "احتياجات العوَّز"، بينما يُصنف المستوى الأعلى تحت "احتياجات النمو". بعبارة أخرى، فإن الحاجات الأعلى في هذا الهرم تدخل حيز اهتمام الإنسان فقط عندما يحقق الحاجات الأدنى منها تحقيقاً مُرْضياً، وبينما تسبب قوى النمو تحركاً باتجاه الأعلى في الهرم، تسبب القوى الانكفائية تحركا للحاجات الغلاّبة نحو الأسفل.ولو طبقنا تقسيمات ماسلو على الإنسان العربي في بلدان الربيع العربي الآن لوجدنا أنه عاد عملياً ليراوح في الدرك الأسفل من المثلث بعد أن غدا همه الأول والأخير إشباع الحاجات الأساسية من مأكل ومشرب وملبس ومأمن. ولتذهب الحرية والكرامة والديمقراطية إلى الجحيم.كيف نتوقع من الشعوب العربية المعدمة أن ترتقي بأنفسها وبأوطانها إذا كانت، حسب التقارير الدولية، كانت قبل الثورات تنفق أكثر من تسعين في المائة من دخلها على حاجاتها العضوية فقط، أي الغذاء، بينما تنفق الشعوب المتقدمة عشرة في المائة فقط على الطعام، ويبقى لها حوالي تسعين في المائة من رواتبها لتطور نفسها ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً. بعبارة أخرى فإن ملايين العرب غدوا مجرد عبيد لبطونهم ولطواغيتهم، هذا إذا استطاعوا أصلاً أن يملأوا بطونهم وسط الانهيارات الاقتصادية المخيفة، والغلاء الرهيب وانحسار الموارد والفوضى الرهيبة المتعمدة التي نشرتها السلطات لإخضاع الشعوب المطالبة بحريتها وكرامتها.لقد قال السيد المسيح:"ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان". وكان يقصد أن الإنسان ليس جسداً فقط، بل روح ونفس أيضاً. وهكذا يحتاج الإنسان، لكي يستمتع بحياته، إلى التوازن بين الاهتمامات الجسدية والاهتمامات الروحية. فلا ينشغل بحاجات الجسد من مأكل ومشرب وملبس وإشباع الغرائز فقط على حساب النفس والروح. لكن ماذا تفعل الشعوب العربية التي تريد أن تحيا بالخبز وحده، لكنها لا تجده الآن بعد أن جعله المتكالبون عليه في الداخل والخارج حلماً بعيد المنال؟ "تريدين الخبز أيتها الشعوب": يصيح طواغيتها وكفلاؤهم في الخارج: "حسناً، سنعطيك الخبز والماء، وأحياناً الكهرباء، لكن بشرط أن تعودي إلى زريبة الطاعة. وإذا ركبت رأسك، فسنقطعه". هذا ما يحدث الآن حرفياً في بعض بلدان الربيع العربي، خاصة سوريا. فإما أن ينجح مخطط التركيع والتجويع والذبح، أو أن الشعوب تفهم اللعبة الحقيرة، وتردد مع بنجامين فرانكلين: "من يُضحي بالحرية من أجل الأمن لا يستحق لا الأمن ولا الحرية".

18370

| 01 مارس 2014

خطاب الشفافية
خطاب الشفافية

خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية...

12153

| 20 أكتوبر 2026

التعليم الجامعي لأبناء المقيمين.. ملف لا ينبغي إهماله
التعليم الجامعي لأبناء المقيمين.. ملف لا ينبغي إهماله

هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ...

10239

| 22 أكتوبر 2026

مؤتمرٌ بلا صحافة وتصنيفٌ بلا معايير
مؤتمرٌ بلا صحافة وتصنيفٌ بلا معايير

تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"،...

3483

| 22 أكتوبر 2026

أين الخلل في منظومتنا الكروية؟
أين الخلل في منظومتنا الكروية؟

نستطيع لـوم اتحاد القدم وإدارات الأندية ووكلاء جلب...

3363

| 22 أكتوبر 2026

المدير الذي لا يقرر.. لماذا ندفع له راتباً؟
المدير الذي لا يقرر.. لماذا ندفع له راتباً؟

لعل كثيراً منا في قطر، سواء كان موظفاً...

1608

| 20 أكتوبر 2026

قطر والغاز الأمريكي.. ما وراء صفقة الشراء؟
قطر والغاز الأمريكي.. ما وراء صفقة الشراء؟

قد يبدو مستغرباً أن تشتري قطر، وهي من...

1176

| 25 أكتوبر 2026

كانو وستة أجيال: قواعد بقاء الشركة العائلية
كانو وستة أجيال: قواعد بقاء الشركة العائلية

حين يطلب أحد أبناء العائلة منصبًا إداريًا في...

1164

| 18 أكتوبر 2026

جريمة على مطار الرياض
جريمة على مطار الرياض

كيف يتحمل القلب مشهد صالة المسافرين رقم (٤)...

984

| 18 أكتوبر 2026

طارش الحويلة
طارش الحويلة

حدث ذات مساء في قرية فويرط المستلقية على...

852

| 20 أكتوبر 2026

رسالة من متقاعد إلى من يمثّل المتقاعدين
رسالة من متقاعد إلى من يمثّل المتقاعدين

أبارك للأخ حمد راشد المهندي على اختياره عضوًا...

642

| 25 أكتوبر 2026

ستر بيوتنا في خطر
ستر بيوتنا في خطر

في أكتوبر 2025 فتحت شركة أمريكية باب الطلب...

615

| 21 أكتوبر 2026

أخرجوا سايكس بيكو من النفوس أولًا
أخرجوا سايكس بيكو من النفوس أولًا

هناك في متحف الإنسان بالعاصمة الفرنسية باريس، تقبع...

603

| 18 أكتوبر 2026

أخبار محلية