رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

كيلا تتكرر كوارث الثورة العربية الكبرى 1916

ليس هناك إنسان بكامل عقله يمكن أن يشكك في مشروعية الثورات العربية، فهي ثورات مستحقة ومطلوبة منذ زمن طويل لتخليص العالم العربي مما لحق بشعوبه من ظلم وطغيان وقهر وقمع. لكن الوقائع تثبت لنا يوماً بعد يوم في كل بلدان الربيع العربي بأن منطقتنا ما زالت في واقع الأمر تتعرض لمحاولات استعمارية تخريبية عن بعد لعرقلة أي مشاريع تنموية نهضوية تنقل شعوب هذه المنطقة من مرحلة التعبية والتخلف إلى مرحل الاستقلال الحقيقي والتحرر. ولعل أكبر دليل على ذلك أن كل الثورات تقريباً تعرضت، وما زالت تتعرض لعمليات تخريب وتشويه لا تخطئها عين لإفشالها ولإعادة الشعوب التي ثارت إلى زريبة الطاعة بوسائل بات يعيها القاصي والداني. وحتى لو لم تكن أيادي الاستعمار واضحة في بلادنا، إلا أن القوى الاستعمارية القديمة ليست سعيدة بأي تحولات حقيقية في هذا الجزء الاستراتيجي من العالم، وبالتالي، ليس من المستغرب أن تلجأ إلى أحقر الطرق والوسائل بالتعاون مع عملائها التاريخيين في المنطقة لضرب أي مشاريع تحررية حقيقية قد تنتج عن الربيع العربي. وقد لاحظنا كيف يتكالب القاصي والداني على الثورات التونسية والمصرية واليمنية والليبية والسورية بشكل مفضوح. والهدف أصبح واضحاً للجميع، ألا وهو تحويل مسارات الثورات العربية من مشاريع تحرر إلى مشاريع دولية تعود بنا إلى المربع الأول، إن لم نقل إلى الصفر الاستعماري، وهي مرحلة تبدو مراحل الطواغيت الذين سقطوا مؤخراً بالمقارنة معها مراحل ذهبية.يحاول الكثير من القوى بالتواطؤ مع أزلامها في منطقتنا منذ بداية الثورات ليس فقط حرف الثورات عن مسارها وإغراقها بالدماء والتطرف، بل بتحويل حياة الشعوب التي ثارت إلى جحيم لا يطاق، بحيث يضغطون على الشعوب كي تكفر بالساعة التي فجرت فيها الثورات. وتحقق القوى الشيطانية من خلال هذه السياسات التخريبية هدفين في آن واحد: الهدف الأول يتمثل في تحبيط الشعوب وإعادتها إلى بيت الطاعة لعقود وعقود، والهدف الثاني يتمثل في إعادة رسم خرائط المنطقة وتقسيم النفوذ بين القوى العالمية الصاعدة. ولعل أكبر دليل على ذلك هذا الصراع الدولي المحتدم على الأرض السورية الذي يعمل ليس فقط على تحويل الثورة السورية إلى جهنم بالنسبة للسوريين، بل يعمل ربما أيضاً على تشطير سوريا، بحيث يقوم بتجزئة المجزأ وتقسيم المقسم. لقد أصبح موضوع التقسيم في سوريا موضوعاً متداولاً على نطاق واسع في الدوائر السياسية والإعلامية، مع العلم أن آخر ما يريده السوريون أن يخسروا وطنهم بعد أن خسروا مئات الألوف من الضحايا، ناهيك عن تهجير نصف الشعب وأكثر.على ضوء التكالب الدولي على الثورات العربية أصبح من الواجب التحذير من مغبة حدوث ما حدث للعرب بعد الثورة العربية الكبرى، عندما خدعتنا القوى الاستعمارية القديمة كفرنسا وبريطانيا وروسيا، وبدل أن تفي بوعودها المعسولة في الحرية والاستقلال، قامت بتمزيق المنطقة الى دويلات وكيانات هزيلة بموجب الاتفاقية الشيطانية الشهيرة "سايكس-بيكو". هل تريد القوى التي تتباكى على ضحايا الثورات وتنادي بتحقق أهدافها، هل تريد لنا الحرية فعلاً، أم إنها تفعل ما فعله أسلافها عام 1916 عندما كان الانجليز يحرّضون العرب على الثورة، بينما كانوا في واقع الأمر يعملون على تقسيم المنطقة بين القوى الاستعمارية المختلفة؟في الفترة الواقعة بين 1914-1918، كان السير هنري مكماهون يحث الشريف حسين في مكة على قيادة الثورة ضد العثمانيين واعداً العرب وقتها بالحرية والكرامة والاستقلال، بشرط أن يساعدوا فريق الحلفاء في إسقاط الخلافة العثمانية. وكلنا يتذكر لورانس العرب الشهير الذي دخل في صداقة شخصية عميقة مع الشريف حسين وأولاده، وخاصة فيصل. لقد أقنع لورانس العرب وقتها بأنه يناصر ثورتهم بحرارة، ويريد لهم فعلاً الانعتاق من نير العثمانيين، بينما كان يدري في الآن ذاته بأن من أرسلوه للشريف حسين كانوا يعلمون من وراء الكواليس على تقطيع أوصال المنطقة وابتلاعها. وفي الوقت الذي كان فيه الإنجليز يدفعون العرب إلى الثورة ويعدونهم بالتحرر، كان سايكس وبيكو الإنجليزي والفرنسي ومعهما روسيا طبعاً، كانوا يقسمون تركة الامبراطورية العثمانية فيما بينهم بطريقة غاية في الوضاعة والحقارة، خاصة وأن سايكس وبيكو لم يزورا المنطقة العربية أبداً، ولا يعرفان شيئاً لا عن طبيعتها، ولا عن طبيعة أهلها وتركيبتها السكانية، مع ذلك قاما بالتعاون مع روسيا بتقسيمنا بطريقة لا يقبلها أي شخص في رأسه ذرة عقل. وليتهم اكتفوا بسايكس-بيكو، بل كانت بريطانيا من وراء الكواليس أيضاً تتفاوض مع الصهاينة على وطن لهم في فلسطين، وهو ما حصل عليه الصهاينة فعلياً عام 1917. نرجو ألا يعيد التاريخ نفسه هذه المرة كمأساة فظيعة، إذ نجد اليوم وضعاً لا يختلف كثيراً، فأمريكا تتظاهر بالوقوف إلى جانب الثورات العربية، بينما في الخفاء يعقد لافروف وكيري صفقات سرية لا يعرف غير الله محتوياتها. ولعل أخطرها ما يسمى باتفاق كيري-لافروف، خاصة وأن البعض وصف ذلك الاتفاق بشأن سوريا والمنطقة عموماً بأنه أسوأ من سايكس-بيكو القديمة. لكن نعود، ونكرر أن هذا الكلام ليس الهدف منه التشكيك في الربيع العربي، فهو ربيع مطلوب، لا بل طال انتظاره، لكن ما أخشى منه أن يتم استغلال هذا الربيع المشروع وتحويله إلى مشاريع دولية قذرة نكون فيها أكبر الخاسرين. اللهم اشهد أني بلغت.

5522

| 23 فبراير 2014

لا بارك الله ببلاد تدمرها فضائيات!

ليس هناك أدنى شك بأن وسائل الإعلام الحديثة كالفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي لعبت دوراً تاريخياً في تحريك الشعوب واستنهاض هممها وتحريضها على الطواغيت والطغيان، ولو لم تلعب وسائل الإعلام هذا الدور، فهي ستكون متواطئة مع الطغاة. لكن رغم تكميم الأفواه على مدى عقود، وتشديد القبضة الأمنية على عنق الإعلام، إلا أن بعض الوسائل شقت عصا الطاعة، وراحت تزلزل الأرض تحت أقدام الديكتاتوريات ومراتع الاستبداد، مما جعل بعض الطواغيت يرتعد خوفاً ورعباً، بعد أن فقد هيبته، وأصبح علكة تتسلى بها الأفواه. لكن الديكتاتور العربي هنا وهناك، وكي يثأر لكرامته المهدورة التي مسح الإعلام بها الأرض، راح هو وإعلامه الخشبي البائد بعد أن هب الشعب في وجهه، راح يتهم وسائل الإعلام الحديثة بأنها تدمر الأوطان، مع العلم أن من أوصل الأوطان إلى الحضيض، وجعلها كيانات كرتونية صدئة هو الطاغية نفسه من خلال سياساته القمعية الوحشية الفاشية، وتبديده لثروات البلاد ومقدراتها على المغامرات السياسية والعسكرية والأمنية الطائشة والمُهلكة، والمشاريع العائلية المفضوحة. لكنه لم يجد سوى الإعلام الحر كي ينتقم منه، ويحملّه آثام عقود من الطغيان والبغاء السياسي. كم تبدو أبواق النظام السوري وأشكاله الرثة بائسة وهي تتهم هذه الفضائية أو تلك، أو هذا البرامج أو المذيع أو ذاك بأنه مسؤول عن تدمير سوريا. يريدون تغطية عين الشمس بغربال هؤلاء التافهون الأفاقون المكابرون، خاصة أنهم ما زالوا يعيشون في غياهب استبدادهم وجهلهم الإعلامي السابق. إنهم يكذبون نفس الأكاذيب التي كانوا يكذبونها قبل الثورات. يحاولون تضخيم الكذبة بحيث يصدقها الشعب دون أن يعلموا أن الشعوب لم تعد تصدق ترهاتهم وخرافاتهم وفبركاتهم. أليس حولهم شخص حكيم يقول لهم إن اتهاماتكم لهذه القناة أو تلك، أو هذا المذيع أو ذاك بأنه دمر سوريا لم تعد تنطلي على أطفال الروضات، فما بالك على الأجيال الصاعدة التي تجوب مواقع الإنترنت على مدار الساعة ببراعة عز نظيرها؟ إن مجرد اتهامكم لوسائل الإعلام بتدمير سوريا يدل على أنكم فعلاً مازلتم تعمهون في عوالمكم الظلامية القديمة، ولم تتعلموا شيئاً من عصر السموات المفتوحة الذي عراكم، وفضح عوراتكم، وجعلكم تتخبطون يمنة ويسرة، وتستأجرون نفس الأبواق البالية التي لم تجلب لكم سوى العار والفضيحة والسخرية على مدى عقود. عندما تزعمون أن قناة أو مذيعاً أو برنامجاً دمر بلداً، فأنتم ترفعون كثيراً من شأن القنوات والبرامج والمذيعين، وتحطون كثيراً من شأن الأوطان والشعوب، وحتى من شأن أنظمتكم. ألم تفكروا بأن يقول لكم أحد إنكم أنظمة كرتونية مهترئة يستطيع صحفي أن يحرقها؟ ما هذا الوطن الذي تهزه قناة فضائية، ويدميه برنامج؟ البلد الذي تستطيع قناة فضائية أو قناتان تدميره لا يستحق أن يكون وطناً أيها المغفلون، فلا ينهار بسرعة البرق إلا بيت العنكبوت. هل بنيتم أوطاناً، أم بيوت عناكب؟ إن المجتمعات المحصنة بالحقوق والوطنية الحقيقية والعلم والتنوير لا يقدر أحد على هزها أو النيل منها. لو فعلاً بنيتم شعوباً ودولاً قوية، لقلتم: "يا جبل ما يهزك ريح"، لكنكم، على ما يبدو، بنيتم قلاعاً من الرمال تذروها الرياح من أول هبة. عندما بدأت الثورة السورية، وراح بعض رجال الدين يبث بعض البرامج الموجهة للشعب السوري من الخارج، أقام النظام السوري الدنيا ولم يقعدها، وهو يهاجم ويشيطن أصحاب تلك البرامج، لأنهم يخربون البلاد، حسب زعمه. ألا تخجلون من هذه الاتهامات الركيكة؟ ألا يدل ذلك على أن رجل دين بسيطاً قادر على أن يهز عروشكم ببرنامج تلفزيوني، ويحول حياتكم إلى جحيم؟ لقد أعجبني أحد السوريين الذي قال: "لا تتهموا بعض رجال الدين بتخريب سوريا، بل اتهموا ما تسمونه حزبكم التاريخي، حزب البعث العربي الاشتراكي الذي فشل على مدى عقود في تحصين الشعب السوري، وجعله يقع فريسة في يدي هذا الداعية أو ذاك". أيعقل أن تخافوا من برنامج ديني، مهما كان تحريضياً، ألا تفضحون أنفسكم بأنفسكم؟ ألا تؤكدون أن مجتمعاتكم هشة بهشاشة عصا سليمان التي نخرها النمل؟ لو كان الإعلام يدمر بلداناً أيها السخفاء لكان الإعلام السوري قد دمر إسرائيل وأمريكا والصهيونية والإمبريالية منذ عقود، لأنه كان يتفنن بشتمها وسبها وشيطنتها ومسح الأرض بها منذ عشرات السنين. فلماذا لم تنهر إسرائيل؟ لماذا لم تدمروها بقذائفكم الإعلامية التي كنتم تطلقونها ليل نهار؟ لأنها دول حقيقية لا تخيفها كلمة، ولا يرعبها برنامج حواري. ولو افترضنا جدلاً أن الهجمة الإعلامية على الديكتاتوريات العربية كانت شرسة جداً، فأين وسائل إعلامكم وإعلاميوكم؟ لماذا فشلوا في التصدي لها ومنعها من تدمير سوريا، كما تزعمون؟ وهل كنتم تعتقدون أنه بمقدوركم وضع كل الإعلاميين الذين يعملون في القنوات الخارجية في سجونكم؟ لماذا ما زلتم تفكرون بمحاربة الإعلام بالطريقة الأمنية البائدة كسجن الصحفيين، وإرهابهم، أو الحجز على أملاكهم؟ على من تعتمدون في استشاراتكم؟ أليس من السخف أن يدير إعلامكم رجال أمن لا يفهمون إلا في فنون التعذيب والإرهاب واستعداء وسائل الإعلام والإعلاميين، بدل مواجهتهم بالطرق الحضارية الحديثة؟ ألا تعلمون أن الحروب الإعلامية لا تمكن مواجهتها بالأساليب الأمنية والعسكرية الفاشية، فلا يمكن مثلاً أن تحارب الإعلام ولا الإعلاميين بالإرهاب والسطو والمصادرات والاعتداء على الأملاك الخاصة، بل بالإعلام الحقيقي المنافس. لقد قمتم بإخصاء الإعلام الوطني والإعلاميين لعقود وعقود ثم رحتم تشتكون من الإعلام الخارجي "المغرض". قال شو قال: الإعلام المغرض دمر البلد. طيب! أين إعلامك يا "زعيطو" كي يواجه الإعلام المغرض؟ لقد حولتم الإعلام والإعلاميين المحليين إلى مطايا ومخنثين، ثم أردتموهم أن يكونوا فحولاً فجأة عندما بدأتم تواجهون الإعلام الخارجي. ألا تعلمون أن العليق لا ينفع عند الغارة؟ البلد الذي يتهم وسائل الإعلام بأنها دمرته يجب ألا يلوم سوى إعلامه، فلو كان لديه إعلام يمكن تصديقه، لما استمع شعبه للإعلام العابر للحدود. لقد كان الإعلام السوري وما زال كالشخص الأعمى الذي أمضى عمره في حفظ وإلقاء ما تلقنه إياه فروع الأمن، والآن يُراد له أن يقرأ ويكتب. تخيلوا كيف ستكون كتابته، يصيح حمزة الملوح. كفاكم رمي قاذوراتكم في ملعب الإعلام الآخر، ومن يتشدق بأنه "قلعة الصمود والتصدي" يجب أن يتعلم كيف يصمد على الأقل في وجه الإعلام، فما بالك في وجه الأعداء. لا بارك الله ببلاد تستطيع أن تدمرها قناة فضائية أو برنامج حواري أو مذيع!

9224

| 16 فبراير 2014

لا تحلموا بترويض الأجيال الصاعدة!

عندما تسمع أبواق الديكتاتوريات العربية الآفلة وهي تتوعد بإعادة الشعوب إلى حظيرة الطاعة بالقبضتين الأمنية والعسكرية، لا شك أنك ستقلب على ظهرك من شدة الضحك لتفاهة هذه التصريحات وسذاجتها ونكرانها للتحولات التي يشهدها الإنسان العربي عموماً والسوري خصوصاً. وكل من يعتقد في سوريا وبقية العالم العربي أن طرق الهيمنة والسيطرة التقليدية مازالت ناجعة في إخضاع الأجيال الصاعدة فهو إما مغفل، أو ابن ستين ألف مغفل. الكثيرون يركزون في تحليلهم لأسباب الثورات، على الفقر والتهميش، لكنهم ينسون سبباً في غاية الأهمية، ألا وهو أن السموات الإعلامية المفتوحة، وأنظمة التعليم الحديثة لعبت دوراً مهماً جداً في إنتاج أجيال وعقليات ثورية جديدة لا يمكن السيطرة عليها بالطرق الأمنية القديمة، لأنها تختلف تماماً عن الأجيال السابقة التي تربت على الخضوع السياسي والاجتماعي والثقافي. لابد من التركيز ونحن نستشرف المراحل القادمة في عالمنا العربي على طبيعة الإنسان العربي الجديد، فهو إنسان لا يمت للإنسان الذي سبقه بصلة، من حيث قدرته على التمرد والعصيان والمواجهة.لقد درج الإنسان العربي التقليدي على العمل بمقولة: "إمش الحيط الحيط، وقل يا ربي السترة"، لأنه تربى على الخنوع والخضوع وتجنب المواجهة، خاصة بعد ما عايشه من قهر سياسي وأمني فاشي ووحشي بامتياز. لكن، لو طلبت من الأجيال الصاعدة أن تسير على الوصفة ذاتها، لضحكت عليك، وسخرت من خنوعك. وإذا أردت أن تتعرف على الفروق بين الأجيال القديمة والجديدة، فقط قارن نفسك إذا كنت من الجيل القديم، بابنك أو بنتك التي ولدت في العقود الأخيرة من القرن الماضي، فستجد أن شتان بين الثريا والثرى. أول ما ستلاحظه أن الجيل الجديد جيل معتد بنفسه وحريته وكرامته، لا يقبل الأوامر، متمرد، ويسخر من كل أنواع السلطة، وأولها السلطة المنزلية. ومن يستطيع أن يُسقط سلطة الأب والأم الديكتاتورية، سيُسقط أعتى الأنظمة السياسية. ويعود السبب في ذلك، بالإضافة إلى التأثيرات التعليمية والإعلامية والثقافية الجديدة، يعود أيضاً إلى أن الجيل القديم الذي تربى على الذل والهوان بات هو نفسه يرفض تربية أبنائه وبناته على الخضوع والخنوع، حتى لو تمردوا عليه، فلا يمكن لمن عانى القمع والقهر بكل أنواعه أن يطلب من ذريته أن تقبل بما كابده وعاناه هو من مذلة وركوع. لا أدري لماذا مازالت الأنظمة الأمنية كالنظام السوري الفاشي وغيره يتجاهل المؤثرات الثقافية والإعلامية والتعليمية الجديدة التي بدأت تصوغ أجيالاً وعقليات جديدة مستعدة أن تزلزل الأرض تحت كل من يحاول تدجينها وإخضاعها. حتى لو امتلكت الدولة الأمنية الساقطة أعتى الأسلحة والأساليب التركيعية الفاشية، فهي لم تعد قادرة على منافسة وسائل الإعلام الحديثة، خاصة مواقع التواصل والفضائيات في صياغة العقليات الجديدة. أتذكر قبل حوالي خمسة عشر عاماً أن المخابرات السورية كانت تعتقل بعض الأشخاص الذين كانوا يشاهدون برنامج "الاتجاه المعاكس" لما يحتويه من آراء وأفكار غير تقليدية وشاذة عن النمط المعتاد، ظناً منها أنها قادرة على ضبط الأجيال الصاعدة وتطويعها بالطريقة القديمة، لكنها أدركت لاحقاً، أنها بحاجة لألوف الفروع الأمنية إذا ما أرادت ضبط الفضاء الإعلامي والتحكم بمشاهدات الشعوب. باختصار، فقد نجح الإعلام الخارق للحدود في تكسير الهيمنة الأمنية على عقول الأجيال الصاعدة، فبدأ يخرج إلى العلن نمط جديد من التفكير يقوم على التمرد والاستقلالية والتحرر والانعتاق. وهذا النمط لا يمكن لأي قوة أمنية أن تخضعه، لأنه أصبح قادراً على المواجهة، وبات يدوس على المثل الشعبي الذي يدعوه بأن "يمشي الحيط الحيط". ويذكر أحد الكتاب أنه قبل سنتين كان معه في السيارة ابنه الذي لم يبلغ من العمر بعد أحد عشر عاماً، فسأله: "ماذا يحدث في ذلك البلد العربي؟ لماذا نشاهد مظاهرات يومية في التلفزيون هناك"، فقال له إن الشعب ثائر على الرئيس، فقال الولد: "لماذا"، فرد الأب كي يبسط له الأمور:"لأن الرئيس اعتاد أن يظلم ويقهر الشعب، ويسجن المعارضين لأتفه الأسباب"، فبدأ الولد يتململ في المقعد الخلفي، وكأنه يستعد لمباراة ملاكمة، ثم أردف قائلاً: "ولماذا لا يقتلون ذلك الرئيس الزنديق الحقير؟ لماذا لا تقترب مجموعة من الأشخاص من قصره وتدمره بالقنابل الحارقة التي نلعب بها في ألعاب "أكس بوكس" و"بلي ستيشن"؟" لاحظوا أن أول شيء فكر به الولد عندما سمع بالظلم هو اللجوء إلى المواجهة مع الرئيس الذي يقهر شعبه. لم يعد رد فعل الأجيال الصاعدة يتسم بالخوف والخنوع والاستكانة، بل لديه ميل جارف للمواجهة والتصدي. ويذكر أحد السوريين في هذا السياق أنه عندما سمع بموت حافظ الأسد على التلفزيون، انطلق مسرعاً ليخبر أباه في الحمام، فدق الباب مرات، حتى خرج الوالد من الحمام مرعوباً، فقال للولد: "ماذا تريد"، فأجاب الولد:" مات حافظ، مات حافظ"، فقال الوالد: "أخفض صوتك أيها الأحمق". تصور أن الأب كان يخشى حتى من سماع خبر موت حافظ الأسد، بينما تجد الشباب السوري الجديد لم يترك صورة أو تمثالاً لا لبشار ولا لأبيه إلا وداسها وحطمه. ومازلنا حتى الآن نرى في سوريا مثلاً أن الأب أو الأم تخشى وضع "لايك" بجانب بوست فيسبوكي، بينما تجد الأولاد يمسحون الأرض بالنظام ورموزه على صفحات مواقع التواصل. لاحظوا أن من أشعل فتيل الثورات العربية وقادها هو الجيل الشاب تحديداً في الساحات والميادين، ثم التحقت به الشرائح القديمة. لهذا تدرك الأنظمة الطاغوتية أن الشباب يشكل تحدياً كبيراً بالنسبة لها، لهذا فهي تعمل على إفراغ بلادها من الشباب، كما يفعل نظام بشار الأسد منذ عقود. ففي بعض المناطق تجد أن أكثر من تسعين بالمائة من الشباب مهاجر بدعم وتسهيل من النظام. وقد لاحظنا أن أحد أسباب تخلف بعض المناطق عن اللحاق بركب الثورة هو عدم وجود العنصر الشبابي فيها. صحيح أن الطبقات السياسية قادرة على تطويع الأجيال الصاعدة وصياغة عقولها عن طريق المال والإعلام، كما تفعل الأنظمة الغربية منذ صدور كتاب "بروبوغاندا" في أمريكا لإيدوارد بيرنيس عام 1922، لكن طريقة التطويع لن تكون عبر العنف والإخضاع المادي كما يفعل النظام السوري وغيره. بعبارة أخرى، فإن الأجيال الجدية مستعدة أن ترد لأجهزة الأمن الإرهابية الصاع صاعات، إذا لجأت إلى أساليبها العنيفة القديمة. وكما نرى الآن، فقد بات الشباب السوري قادراً على مواجهة القبضة الأمنية بالقوة، مما جعل الأجهزة الأمنية تنسحب شيئاً فشيئاً من الشوارع، وتلجأ إلى أساليب العصابات القائمة على مبدأ: اضرب واهرب، لأنها باتت تخشى ردة الفعل في الشوارع. ففي الماضي، كان عنصر أمن واحد قادراً على اعتقال أي شخص من بيته، وترويع الحي بأكمله. أما الآن، فإذا أرادت أجهزة الأمن السورية اعتقال شخص، ترسل له عشرات العناصر المسلحين لاعتقاله، لأنها باتت تدرك أن الزمن الأول تحول.لم أعد أخشى من الاستبداد في بلادنا، فالأجيال الصاعدة لن تسمح للمستبدين أن يسودوا كما سمحت الأجيال السابقة، لهذا فإن الإنسان العربي الجديد سينتج قيادات جديدة قادرة على التعامل مع الأجيال الجديدة بعقلية الأجيال الجديدة. لهذا لا تحلموا أيها الطواغيت بإدخال الأجيال الصاعدة إلى زريبة الطاعة!

4170

| 09 فبراير 2014

لا تصدقوا وعود النظام السوري!

إما أن القوى الكبرى ساذجة، أو أنها تحاول إعطاء مزيد من الوقت للنظام السوري كي يستعيد زمام المبادرة، وينتصر على خصومه، حتى لو كلف ذلك تدمير سوريا وتهجير أغلب سكانها. لنفترض حسن النية لدى القوى الإقليمية والعربية والدولية، التي تحاول التوصل إلى مصالحة وطنية في سوريا، وأنها جادة فعلاً في الحفاظ على ما تبقى من البلاد والحيلولة دون تحولها إلى صومال أخرى في منطقة شديدة الحساسية.. لا غبار على هذا المسعى، لكن المشكلة الكبرى تكمن في طبيعة النظام الموجود في دمشق، والذي لا يمكن، بأي حال من الأحوال، أن يقبل بمصالحة تاريخية مع شعبه. فقد دعا نائب الرئيس السوري فاروق الشرع، قبل أكثر من سنة إلى تصالح تاريخي في سوريا بإشراف دولي، لكن النتيجة أن بشار الأسد أسمعه كلاماً قاسياً جداً، وركنه جانباً، مما حدا بالشرع إلى الاعتكاف والانسحاب من المشهد تماماً. لقد سعى بعض أركان النظام من غير المتنفذين إلى تجنيب سوريا ما وصلت إليه منذ الأشهر الأولى، لكن مصيرهم كان أيضاً الشتم والتقريع الشديد من قبل الأسد، وينقل فراس طلاس ابن وزير الدفاع السوري السابق مصطفى طلاس الذي كان من أقرب المقربين لحافظ الأسد، أن بشار استخدم عبارات قاسية جداً بحق كل من حاول تقديم النصح له.. ومن تلك العبارات التي سمعها الداعون إلى مصالحة وطنية عبارة:" الكلاب بتنضب في بيوتها، وأنا أقرر الإصلاح اللازم". وهذا ليس مستبعداً أبداً، خاصة وأن الأسد أوضح في خطابه الأول، أي بعد أسابيع قليلة على اندلاع الثورة بأنه ليس مستعداً لأي مصالحة، أو تنازلات، بدليل أنه تحدى خصومه بالنزول إلى الشارع للمبارزة، وقد نفذ تهديده بسرعة البرق، حيث تدفقت الدبابات على محافظة درعا بعد الخطاب مباشرة. باختصار، لقد أرادها النظام من البداية حرباً طاحنة مع الشعب والمعارضة، ومن قطع كل هذا الشوط الطويل في المبارزة لا يمكن أن يتراجع في اللحظات الأخيرة، ويقبل بالمصالحة الوطنية التي اقترحها عليه عقلاء النظام في بداية الأزمة، خاصة وأنه تورط هو وحلفاؤه الإقليميون في جرائم لم يشهد التاريخ لها مثيلاً. لايمكن لرئيس فعل كل ما فعل أن يفكر بالمصالحة، وبالتالي، فإن دخوله في مفاوضات مع معارضيه عن طريق مؤتمر جنيف الثاني ليست سوى ضحك على "الذقون" ومحاولة مفضوحة لكسب الوقت كي لا يظهر في عيون العالم على أنه نظام دموي لا يقبل بالسلام في سوريا.عقلية النظام السوري عقلية جنرالاتية تستجيب لأبسط الضغوط من الخارج، لكنها ترفض التنازل قيد أنملة لشعبها، وهي تعتمد دائماً على المماطلة والمراوغة وكسب الوقت، ثم تنقض عهودها، وتنقضّ على خصومها. وفي هذا السياق تذكر مجلة الإيكونومست البريطانية الرصينة، حادثة ذات دلالة مهمة جداً، ولابد من الانتباه إليها من قبل المعارضين الذين قبلوا بالتفاوض مع النظام.. تقول المجلة: "في الثمانينيات انتفضت النقابات في سوريا بمختلف أنواعها، وسببت صداعاً كبيراً لحافظ الأسد، وخشي كثيراً من حراكها الساخن الذي بدأ يهدد نظام حكمه، فلم يلجأ الأسد إلى إخمادها، بل راح يفاوضها، وفعلاً صدّقه قادة النقابات، ودخلوا معه في مفاوضات، ووعدهم فيها بتحقيق كل مطالبهم بشرط أن يوقفوا حراكه، وقد نجح حافظ الأسد بحنكته أن ينزع فتيل النقابات، لكن ما أن توقف الحراك، حتى قام حافظ الأسد بتأميم العمل النقابي في سوريا بشكل كامل، وقضى على الحركة النقابية عن بكرة أبيها، لا بل انتزع منها كل ما كانت تتمتع به من استقلالية، وأنشأ لها مكتباً خاصاً في القيادة القطرية مسؤولاً عن النقابات، بحيث أصبحت النقابات تابعة تماماً لحزب البعث، وفقدت كل استقلاليتها، ولم يتوقف الأمر هنا، بل شنت المخابرات السورية حملة اعتقالات عارمة طالت كل قادة النقابات والنشطاء النقابيين في سوريا، وأودعتهم السجون، وبعد ذلك، تنازلت النقابات عن كل مطالبها مقابل الإفراج عن المعتقلين لا أكثر ولا أقل، لكن حافظ الأسد رفض إطلاق سراح أي معتقل رغم الوساطات التي قام بها كبار المسؤولين العرب. وقد قضّى قادة النقابات عشرات السنين في سجون الأسد، وأصبحت النقابات مجرد ذراع لحزب البعث"، إن لم نقل فرعاً لفروع المخابرات السورية.ولو عدنا إلى بداية الثمانينيات لوجدنا أن أحد أحزاب المعارضة الممنوعة في ذلك الوقت، "التجمع الوطني الديمقراطي"، قد تقدم بمجموعة مطالب تكاد تكون صورة طبق الأصل عن المطالب التي رفعها ممثلو الشعب السوري إلى النظام في مؤتمر "جنيف اثنين" قبل أيام، وجاء في الوثيقة التي تعود إلى 34 عاماً المطالب التالية: "رفع الحصار عن المدن، وسحب الجيش والقوات الخاصة، وسرايا الدفاع إلى ثكناتها الخاصة، وسحب الدبابات من المدن، ووضعها بمواجهة العدو الإسرائيلي، إلغاء حالة الطوارئ التي فقدت مبرراتها، وإلغاء كل ما نشأ على أساسها، وخصوصاً محكمة أمن الدولة، وإطلاق الحريات الديمقراطية للأحزاب والهيئات الاجتماعية، والأفراد، وإطلاق حرية تأسيس الأحزاب، وإصدار الصحف وضمان حرية الحركة للمواطنين، وإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين بلا استثناء، ومن مختلف العقائد والآراء السياسية، أو تقديمهم إلى محاكم علنية عادلة قانونية تضمن لهم الحق المشروع في الدفاع عن النفس، وإلغاء تسلّط أجهزة المخابرات على المواطنين وعلى الدولة، ووقف النمو السرطاني لهذه الأجهزة على طريق تحجيمها، وإعادة النظر جذرياً في تكوينها، وقصر صلاحياتها على الأمن الخارجي، وحصر الأمن الداخلي بوزارة الداخلية وفقاً للقانون الديمقراطي.. وإقامة حكومة وحدة وطنية تحل مجلس الشعب القائم، وتدعو لانتخاب حرّ لجمعية تأسيسية تصوغ دستوراً جديداً للبلاد يقوم على مبادئ الحرية والديمقراطية والمساواة بين المواطنين".. (انتهت المطالب التي تقدم بها التجمع الوطني الديمقراطي عام 1980).. لاحظوا أن النظام وعد بتنفيذ المطالب أعلاه قبل 34 عاماً، لكنه لم ينفذ منها أي مطلب، بل على العكس من ذلك، ازداد تغولاً وتسلطاً وبطشاً وفاشية، وبالتالي، من الخطأ الفادح المراهنة على أي تسويات سياسية مع النظام، حتى لو تغير الزمن، فقد أثبتت الأيام، أنه وبالرغم من كل ما حل بسوريا من خراب ودمار على مدى الثلاث سنوات الماضية، إلا أن النظام لم يتعلم شيئاً، ولم يقدم أي شيء يهدئ من مخاوف السوريين، أو يطمئنهم، فقد توحشت أجهزة الأمن والجيش، وضربت عرض الحائط بأبسط حقوق السوريين، وأصبح قتل الإنسان السوري والاعتداء على ممتلكاته، وتعذيبه حتى الموت مثل شرب الماء بالنسبة لأجهزة الأمن السورية، وهي أس البلاء في البلاد، وكأن النظام يقول للشعب: "مهما حدث، فلن نتغير، لا بل انتظروا ما هو أسوأ وأفظع بعشرات المرات، عندما تستتب لنا الأمور مرة أخرى". ولو تأملت خطاب المؤيدين للنظام لرأيت أنه ليس في وارد أي مصالحة وطنية حقيقية، بدليل أن الأحياء التي تصالحت معه في ريف دمشق يطلق على سكانها وصف "المغرر بهم"، وكأنه يعدهم بعقاب شديد لاحقاً. ويذكر أحد الصحفيين السوريين الذي كان يعمل في إحدى وسائل الإعلام العالمية، أن النظام ضغط عليه كي يترك عمله في الأسبوع الأول من الثورة، فترك الرجل عمله، وجلس في بيته طوال السنوات الثلاث الماضية، لكن قبل أسابيع استدعاه أحد فروع المخابرات للتحقيق، فسألهم: "لماذا تحققون معي، مع العلم أنني تركت عملي في الأسبوع الأول للثورة نزولاً عند رغبتكم"، فقالوا له: "نريد أن نحقق معك حول عملك السابق قبل الثورة".. ويحدثونك عن الإصلاح والمصالحة الوطنية!ويلٌ للساذجين!

13379

| 02 فبراير 2014

باي باي للممانعة والمقاومة: تعالوا نحارب الإرهاب!

لاحظنا في الآونة الأخيرة أن محور "الممانعة والمقاومة" نسي شعاره التاريخي تماماً، فلم نعد نسمع تلك العنتريات القديمة التي تهدد بمحو إسرائيل عن الخارطة، أو بمواجهة "الشيطان الأكبر" وتكسير أنفه. اختفى هذا الخطاب العنتري تماماً، لا بل إن الخطاب الممانع أصبح يتماهى بطريقة مدهشة مع الخطاب الإمبريالي المناهض للإرهاب، فلو قارنت الخطاب الأمريكي الذي يحتل الساحة منذ سنوات بالخطاب السوري والإيراني والحزب اللاتي والعراقي لوجدت أن لا فرق أبداً بين الخطابين، فقد غدت نغمة "مكافحة الإرهاب" واحدة في واشنطن وطهران ودمشق وبيروت وبغداد. وكلنا سمع زعيم حزب الله وهو يتوعد "الإرهابيين التكفيريين" في سوريا بالويل والثبور وعظائم الأمور. ولا شك أم مثل ذلك التصريح نزل برداً وسلاماً على سكان البيت الأبيض، فأومأوا له بأن يمر، ويسير على بركة الله. لم نسمع اعتراضاً أمريكياً واحداً على تدخل حزب الله الصارخ في سوريا. وكيف تعترض واشنطن، والحزب يصرح على رؤوس الأشهاد بأنه أصبح رأس حربة في المشروع الأمريكي الذي يتصدى للإرهاب والإرهابيين في العالم. وفي طهران اختفت الشعارات العالية ضد "الشيطان الأكبر"، لتحل محلها شعارات معادية جداً "للتكفيريين والإرهابيين" الملاعين، فجأة أصبحت إيران حاملة نفس الشعار الأمريكي ذائع الصيت، وحدث ولا حرج عن نوري المالكي في العراق الذي، ما إن حمل سيفه، وهجم على "الإرهابيين" في صحارى العراق حتى انهالت عليه كل أنواع الأسلحة الأمريكية الحديثة لمساعدته في ملاحقة "الإرهابيين" ونسفهم عن بكرة أبيهم. أما في سوريا، فقد أصبح "الإرهاب" النغمة الأكثر سماعاً في الخطابين السياسي والإعلامي السوري على مدى الشهور الماضية. وقد غدت محاربة الإرهاب على الطريقة الأمريكية الشغل الشاغل للقيادة السورية. وقد وصل الأمر بالرئيس السوري إلى التأكيد على أن مؤتمر جنيف الثاني يجب أن يتناسى المسألة السورية برمتها، ويركز على ضرورة مكافحة الإرهاب في سوريا والعالم. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن النظام السوري معروف تاريخياً بعلاقاته الوطيدة مع أمريكا والغرب عموماً في محاربة الإرهاب. وقد كانت واشنطن ترسل له الكثير من المتهمين بالإرهاب للتحقيق معهم وتعذيبهم في السجون السورية، لأن القوانين الأمريكية تمنع التعذيب على الأرض الأمريكية. أضف إلى ذلك أن وكالات الاستخبارات الغربية ظلت على اتصال بالمخابرات السورية في هذا الشأن حتى في عز العقوبات الغربية المفروضة على سوريا. وتتفاخر وسائل الإعلام السورية، وتتغنى، لا بل ترقص فرحاً في الآونة الأخيرة وهي تهلل، وتطبل، وتزمر للاتصالات الكثيرة التي يتلقاها اللواء علي مملوك مدير الأمن الوطني في سوريا من نظرائه الأوروبيين فيما يخص محاربة "الإرهاب". هل يا ترى كانت "الممانعة والمقاومة" مجرد مهمة أوعزت بها أمريكا إلى حلف "المقاومين والممانعين" أن يقوموا بها على مدى العقود الماضية للضحك على شعوبهم ولترسيخ أنظمة حكمهم بموجبها، وقد آن الأوان الآن لاستبدالها بمهمة أخرى بعد أن انفضح أمرها، ولم تعد قابلة للتداول في بورصة السياسات والعنتريات والأكاذيب الدولية؟ الله وأعلم! وفي هذا السياق أريد أن أنقل حرفياً رسالة لكاتب سوري يكتب باسم "حسان السوري" يوجهها لبشار الأسد حول هذا الانتقال التاريخي من مرحلة "المقاومة والممانعة" إلى حقبة محاربة "الإرهاب"."تقول يا سيادة الرئيس إنك تحارب الإرهاب، وهذه الحرب تحتاج لوقت طويل.. يعني سيادة الرئيس: كم سيطول هذا الوقت؟ وكم ولاية تريد أن تجدد لنفسك بحجة الوقت الطويل الذي تحتاجه للقضاء على الإرهاب؟ قبل هذه المرة حكمتمونا ثلاثاً وأربعين سنة بحجة محاربة إسرائيل، واستعادة فلسطين، وتوحيد العرب، والتصدي للمشروع الصهيوني الأمريكي في المنطقة، واستعادة الجولان الحبيب، فكانت النتيجة صمتاً كاملاً استمر ثلاثاً وأربعين سنةً عاشت فيها إسرائيل أزهى عصورها، ومسحت الأرض بكرامة السيادة الوطنية، واخترقت الأجواء السورية لعدة مرات، وقصفت سوريا مراراً، لا بل كانت تحلق الطائرات الإسرائيلية فوق قصركم كالعصافير، وأنتم كالزوج المخدوع: آخر من يعلم. ولم نسمع منكم إلا التنديد، والاحتفاظ بحق الرد، بينما جيشكم الباسل جاهز لتدمير سورية إذا ظن أن فيها معارضاً أعزل، أو تلميذاً مشاغباً. لماذا تتحولون سيادة الرئيس إلى حمل وديع عندما تهاجمنا إسرائيل، بينما تمحون مدناً عن خارطة سوريا بوحشيتكم النازية عندما تطالب فقط بزيادة جرعة أوكسجين الحرية؟.أما فلسطين التي وعدتم باسترجاعها، سيادة الرئيس، فزادت سيطرة المحتل الإسرائيلي على أراضيها خلال الثلاثة وأربعين عاماً. أليست فلسطين بالنسبة لكم مجرد مكياج تضعونه فوق وجوهكم عندما تريدون تمثيل دور عروبي، أو ستر فضيحة من فضائحكم، أو تحويل هزيمة لحقت بكم إلى نصر مبين، فتضعون مكياج فلسطين للحظات، وتقفون على المسرح للضحك على الشعوب، ثم تسارعون لإزالته فور انتهائكم منه؟ هل شاهدت يا سيادة الرئيس صور الجوعى والمحاصرين في مخيم اليرموك الفلسطيني في "قلب العروبة النابض"، دمشق؟ولا ننسى نكتة توحيد العرب، فنشكركم على تفريق الشعب السوري إلى تسعمائة ألف وستمائة وخمسين طائفة وملة وفصيل وشرذمة ومذهب، فما بالك بتوحيد العرب.أين تصديكم للمشروع الصهيو - أمريكي، فحيائي يمنعني من ذكر التسهيلات التي قدمتموها لهم لإتمام مشروعهم بمنتهى الإخلاص. أما الجولان، فلو استعدت سنتيمتراً واحداً منه على مدى ثلاثة وأربعين عاماً لكنت أول من يرفع لك القبعة. ثلاث وأربعون سنة كانت أسوأ حقبة عرفتها سوريا. أين مشروعكم القومي؟ أرجوكم أن تنهوا هذه المهزلة، وصارحونا بأنكم تحكموننا بالقهر كما صارح سيف الإسلام القذافي شعبه، حين قال: "لو أردنا أن نجري انتخابات لفزنا بنسبة مائة وعشرين بالمائة. لا داعي للانتخابات المزورة، فنحن نحكمكم بقوة السلاح". إنها صراحة قذرة.. صحيح، ولكنها أشرف مليون مرة من المتاجرة بالشعارات التي تخرج منكم طيلة ثلاثة وأربعين عاماً. هل مطلوب منا الآن، سيادة الرئيس، بعد أن نزعتم قناع "المقاومة والممانعة" أن نعاني عقوداً أخرى من القهر والقمع والطغيان بحجة محاربة الإرهاب؟ وأخيراً: كيف للإرهابي أن يدعي محاربة الإرهاب؟ هل شاهدتم آلاف صور التعذيب المسربة من سجونكم لآلاف السجناء؟ ألم تصفها وسائل الإعلام العالمية بـ"الهولوكوست السوري"؟

1373

| 26 يناير 2014

إيران تدفع ثمن سياسات الغطرسة والغرور

لا أحد يستطيع أن ينكر أن إيران، وعلى عكس الكثير من الدول العربية، تعمل جاهدة منذ عقود لتكريس نفسها، ليس كقوة بشرية لها وزنها في المنطقة فحسب، بل أيضاً كقوة عسكرية واقتصادية وتكنولوجية صاعدة. ولا يمكن لعاقل إلا أن يحترم هذه العزيمة الإيرانية التي تعمل على طريقة حائك السجاد العجمي البارع الذي لا يكل ولا يمل حتى يحيك سجاداً غاية في الروعة ودقة التفاصيل، حتى لو استغرق ذلك منه سنوات وسنوات. على العكس من ذلك، نجد أن النفس العربي قصير جداً، ولا يمكن أن ينافس الإيراني من حيث الجدية والثبات والمثابرة. لا يمكن لعاقل إلا أن يغبط إيران على صراعها مع الغرب للحصول على الطاقة النووية. وقد استطاعت أخيراً أن تقدم نفسها للعالم على أنها قوة نووية. وبفضل سياساتها الطموحة التي لا تخطئها عين، راحت إيران تمتد في طول المنطقة وعرضها، لا بل إنها تجاوزت حدود المنطقة أحياناً بالتوجه إلى إفريقيا وأمريكا اللاتينية. لكن عيب السياسة الإيرانية الأكبر أن إيران دخلت مرحلة الغطرسة والعنجهية، ويبدو أن الغرور قد بدأ يدخل رأسها سريعاً، لهذا بدأنا نراها تتصرف كمصارع ثيران، لا كلاعب شطرنج. لكن نشوة القوة التي أصابت إيران بدأت تنال منها، وتدفع بها إلى متاهات خطيرة في أكثر من مكان. وبدل أن تعزز مكاسبها الجيوسياسية في المنطقة بدأت تعاني اهتزازات كبيرة في محمياتها، كالعراق وسوريا ولبنان وفلسطين، وقريباً في أفغانستان.في لبنان خسرت إيران كثيراً منذ بدء الثورة السورية، فمن المعلوم أن ذراعها المتمثلة بحزب الله، كان أقوى أوراقها في الشرق الأوسط، فبفضل تصديه لإسرائيل، استطاع الحزب أن يتبوأ مكانة عظيمة في الشارعين العربي والإسلامي، بدليل أن صور السيد حسن نصر الله كانت ترفع في معظم البلدان العربية والإسلامية كقائد مقاومة لا يشق له غبار، ولا ينكر ذلك إلا مكابر. وقد كان ينظر الجميع بإعجاب إلى حزب الله على أنه إنجاز إيراني جدير بالاحترام والتقدير، خاصة أن إيران نجحت أيضاً في احتضان حركات مقاومة فلسطينية أخرى لها شعبيتها في الشارعين العربي والإسلامي، وهما حركتا حماس والجهاد. أما الآن فقد بدأت إيران تخسر نقاط قوتها في لبنان وغيره. لم يعد حزب الله ذلك الحزب الذي يصفق لقائده الكثيرون من المحيط إلى الخليج، بل تحول إلى شريك في سحق الثورة الشعبية السورية المشروعة. وقد بدت إيران وهي تدفع بحزب الله إلى أتون المحرقة السورية وكأنها تطلق النار على قدميها؟ هل يعقل أن تقوم بالتضحية بحركة المقاومة الأشهر في التاريخ العربي والإسلامي الحديث؟ ألا ترى طهران كيف تحول الحزب الذي كان يحظى بشعبية كبرى إلى قاتل في عيون الكثيرين؟ وقد جاء التورط العسكري للحزب في سوريا كمسمار أخير في نعش تلك الحركة التي كان يعلق عليها الكثيرون آمالاً كبرى. لكن كل تلك الآمال تبخرت، وحسب إيران وحزب الله الآن أن ينجوا من سياط الشعوب ووسائل الإعلام العربية التي باتت ترى في حزب الله مجرد بيدق طائفي مفضوح في أيدي من بات يسميه البعض بـ"العدو الصفيوني". والأسوأ من ذلك، أن الكثير من القوى في المنطقة راحت تعمل على إنتاج جماعات لمواجهة حزب الله بالقوة. وقد بدأت تباشير ذلك بالتفجيرات التي تدك ضاحية حزب الله ومناطقه بشكل منظم. من كان يتوقع أن تتعرض مناطق الحزب إلى اهتزازات أمنية مرعبة؟ ومن الواضح أن أول الرقص حنجلة، كما يرى العارفون، فالقادم أعظم، حيث ستشهد الفترة القادمة بروز جماعات سنية ستقض مضاجع إيران في لبنان. ولن يكون وقتها خصوم حزب الله من نوعية "السنيورة" و"الحريري"، بل من نوعيات صادمة جداً. وقد أدى تدهور سياسة إيران اللبنانية بدوره إلى تعميق الشرخ بين إيران والشعب السوري من جهة أخرى، حيث بات غالبية المسلمين السوريين ينظرون إلى إيران وحزب الله على أنه عدو طائفي مقيت بعد اشتراكه فيما بدا على أنها معركة مذهبية مفضوحة.ليس صحيحاً أن إيران تغلغلت في سوريا بعد اندلاع الثورة، على العكس من ذلك، فقد كانت سوريا قبل الثورة مجالاً حيوياً إيرانياً بامتياز، إن لم نقل محمية إيرانية. لكن قبضة إيران في سوريا قد اهتزت كثيراً بعد الثورة بسبب الغطرسة الإيرانية ووهم القوة. لقد كان هناك موقفان داخل القيادة الإيرانية بعد اندلاع الثورة السورية، موقف كان يقوده الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، وموقف يقوده المرشد الأعلى. لقد صرح نجاد في لقاءات كثيرة أنه يعتبر ما يحدث في سوريا ثورة شعبية حقيقية مشروعة، وعلى القيادة السورية أن تتعامل معها كثورة حقيقية بإجراءات إصلاحية حقيقية، بدل مواجهتها بالحديد والنار. لكن المرشد الأعلى كان يصر على مواجهة الثورة السورية بنفس الطريقة التي واجهت فيها إيران "الثورة الخضراء" بالقوة الوحشية. وبما أن الرئيس في إيران بلا حول ولا قوة، فقد انصاع للولي الفقيه الذي راح يدعم حليفه السوري بالغالي والرخيص للقضاء على الثورة. وقد تسببت سياسة العنجهية هذه بأضرار فادحة لإيران في سوريا، فمن الواضح أن طهران تورطت في المستنقع السوري شر ورطة، بدليل أنها راحت تستجلب الميليشيات الشيعية من كل حدب وصوب لإنقاذ وضعها المتدهور هناك. أضف إلى ذلك أنها باتت تستجدي الآن الكثير من القوى والدول في المنطقة لإيجاد حل لورطتها السورية، وقد بدأت تنفتح مؤخراً على الإخوان المسلمين، والحركات السلفية، وبعض الدول على أمل إيجاد مخرج من المهلكة السورية التي أضرت كثيراً بوضعها في المنطقة.ولا يقل الوضع سوءاً بالنسبة لإيران في فلسطين، حيث كانت حركة حماس وإيران على طرفي نقيض فيما يخص الموقف من الوضع السوري. صحيح أن حماس بدأت تعيد علاقاتها مع إيران، لكن الخسارة تعمقت كثيراً بالنسبة لإيران، ولا يمكن أن تعود حماس عن رأيها فيما يخص الأزمة السورية. وهذا بحد ذاته ضربة كبرى لإيران.وحدث ولا حرج عن وضعها في العراق، حيث فشلت سياساتها الطائفية المفضوحة في السيطرة على العراق، ناهيك عن أن المكون السني في العراق بات يرى في إيران عدواً مبيناً. ولا شك أن انتفاضة الأنبار تأتي في سياق الرد على المشروع الإيراني في العراق. لقد أصبح أزلام إيران في العراق في وضع لا يحسدون عليه، بعد أن تحول العراق إلى ساحة يومية للتفجيرات. وهذا سيؤثر كثيراً على وضعها هناك، فمن الأفضل لها لو استطاعت أذرعها أن تحكم العراق بهدوء ودون مشاكل، لكن ذلك أصبح حلماً بعيد المنال بعد أن تحول العراق إلى مرجل يغلي وأرض تمور تحت أقدام من بات العراقيون يسمونهم بـ"العدو الفارسي".وبعودة حركة طالبان إلى السيطرة على أفغانستان، فإن إيران أيضاً مقبلة على مشاكل كثيرة في جوارها.هل يمكن أن نقول بعد كل ما سبق إن إيران في صعود، أم في ورطة حقيقية بسبب عنجهيتها وغرور القوة؟

16773

| 19 يناير 2014

برنامج بشار الأسد الانتخابي " انتخبوا مُدمركم"!

ننتظر على أحر من الجمر كي نطلّع على برنامج الحملة الانتخابية التي سيخوضها بشار الأسد مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية السورية في منتصف هذا العام، فهو يتحدى الداخل والخارج، ويؤكد ترشحه شاء من شاء، وأبى من أبى. لكن غالبية السوريين تريد أن تعرف كيف سيتحرك "سيادة الرئيس" من مخبئه في دمشق للتجوال في أنحاء سوريا، فعلى المرشحين في أي انتخابات حقيقية أن يتجولوا في طول البلاد وعرضها لعرض برامجهم الانتخابية على مختلف قطاعات الشعب. هل يستطيع الرئيس السوري أن يتحرك من مربعه الأمني في دمشق، ويتجول في العاصمة، ناهيك عن الذهاب إلى ريف دمشق المجاور كداريّا، والمعضمية، ومخيم اليرموك، ودوما وحرستا، والغوطة الشرقية؟ هذه المناطق لا تبعد سوى بضعة كيلومترات عن مركزه. فهل يستطيع زيارتها كي يعرض على سكانها برنامجه الانتخابي "العظيم"؟ هل يستطيع الذهاب إلى درعا في الجنوب؟ هل سيذهب إلى حمص التي دمر أكثر من تسعين بالمائة منها؟ ماذا سيقول لشوارع وأبنية حمص التي سواها جيشه "الباسل" بالأرض؟ هل سيعبر حمص إلى ريف حماة المشتعل؟ هل سيتجاوز حماة إلى ريف ساحله السوري الذي هجره أهله بعد أن حرق معظم غاباته؟ هل سيتابع المسير إلى إدلب وريفها الذي لم يبق منه سوى سبعين قرية من أصل أكثر من ألف قرية سوّاها "حماة الديار" بالأرض؟ هل سيزور مدينة حلب وريفها الذي تلقى مئات البراميل المتفجرة من طائراته "المغوارة"؟ وماذا عن محافظة الرقة التي فقد السيطرة عليها تماماً، وتحولت إلى إمارة؟ ماذا عن دير الزور التي يحتاج لخمس سنين وفرق عسكرية جبارة كي يستعيد السيطرة فقط على ريفها؟ فإذا لا يستطيع بشار الأسد أن يغادر "منطقته الخضراء" في دمشق، فكيف يا ترى سيعرض برنامجه الانتخابي على الشعب السوري؟ يتهكم حسان السوري قائلاً: إذا كان بشار الأسد، وهو محصّن بمنصب رئيس الجمهورية، ومحمي بعشرات الآلاف من الحراس لا يستطيع أن يخرج خارج مخبئه ليقضي حاجته دون إذن مسبق، ولا يستطيع الخروج إلى أي مكان إلا بعد أن يتم قطع ٩٩.٩٩٪ من شوارع البلد قبل تحركه بساعات، وبعد تحركه بساعات خوفاً من انتقام ملايين الناس منه، فكيف سيكون حاله إذا خرج إلى العلن، طبعاً خارج الحشود المؤلفة من أفراد المخابرات والمنحبكجية التي يتم ترتيبها قبل ظهوره بأسابيع لتستقبله عادة؟ أعتقد أن ما حصل للقذافي سيكون استقبال خمس نجوم مقارنة بما سيواجهه بشار الأسد، إذ إنه سيتحول إلى بودرة في أفضل التوقعات".ولو افترضنا جدلاً، وهو كحلم إبليس بالجنة طبعاً، أن بشار الأسد استطاع أن يصل إلى "الجماهير المغفور لها"، فماذا سيكون سجلّه الانتخابي الذي سيعرضه عليها؟ ما هي، يا ترى، الإنجازات التي سيذكرها بشار الأسد في برنامجه الانتخابي كي يقنع السوريين بإعادة انتخابه؟هل سيذكّر الشعب بأنه تسبب بموت حوالي نصف مليون سوري، ناهيك عن الذين مازالوا تحت الأنقاض منذ أكثر من سنتين؟ هل سيتحدث عن تسببه بموت أكثر من 155 ألف عسكري سوري، واعتقال أكثر من 3 ملايين، واختفاء قسري لحوالي نصف مليون معتقلين في أقبية المخابرات؟ هل سيبشّر الشعب بمشروع قرار سحب الجنسية من كل المعارضين لنظامه؟ هل سيقوم بتذكير الشعب بتشريد حوالي عشرة ملايين سوري داخلياً وخارجياً، وبإحداث مجاعات جماعية لأكثر من مليون مواطن سوري؟ هل سيعرّج وهو الطبيب على إعادة مرض شلل الأطفال والحصبة والطاعون إلى ربوع الوطن؟ هل سيتحدث عن حرمان جيل كامل من التعليم والدراسة، وتفكك المجتمع السوري بالكامل؟ هل سيتباهى بتوزيع السوريين في أكثر من ٥٠ دولة في العالم مما يهدد سوريا بأن تصبح دولة بلا شعب لكثرة الهجرة منها وليس إليها؟ هل سيتفاخر مثلاً باستيراد قطعان "المتطوعين" الإيرانيين والعراقيين واللبنانيين والباكستانيين، والاستعانة بالشركات الأمنية الروسية لجلب مقاتلين روس لفرض الأمن والانبساط على كل حبة تراب من الوطن؟هل سيتطرق إلى إنجازاته على الصعيد المادي، يتساءل مصطفى كعدي في منشور له على فيسبوك؟ هل سيتباهى بتدمير مليون و750 ألف منزل في كافة أنحاء الوطن؟ هل سيتفاخر بتدمير 70% من البنية التحتية، ورفع الأسعار بنسبة 500%، وخفض سعر الليرة للعملات الصعبة بنسبة 300%، وحرمان السوريين من أبسط الخدمات، كالكهرباء والماء والمازوت والبنزين؟ هل سيتحدث عن خسارة أهم الكفاءات ورؤوس الأموال والخبرات السورية؟ هل سيتفاخر بإعلان سوريا دولة منكوبة؟هل سيحتفل بإنجازاته على المستوى الخارجي؟ هل سيقول إنني ردعت خطر هجوم أمريكي على الوطن بتسليم أمريكا وإسرائيل السلاح الاستراتيجي الكيماوي؟ هل سيذكر في سجله الانتخابي الانتهاك السافر للطيران الإسرائيلي عدة مرات للأجواء السورية دون أن يحرك ساكناً لحفظ ماء وجه السيادة السورية، علماً أن لديه تصريحات سابقة يهدد فيها هذا الطيران بأنه إذا هاجم سوريا، فإنه لن يجد مطارات يهبط فيها في إسرائيل عند عودته؟ هل سيقول إن سوريا صارت محمية إيرانية بامتياز، ولم تعد تمتلك لا السيادة الوطنية، ولا القرار الوطني المستقل؟ هل سيتفاخر برهن ثروات سوريا النفطية والغازية للشركات الروسية كعربون محبة وتقدير للدعم الروسي اللامحدود له في القضاء على وطن اسمه سوريا؟ هل سيتشدق بإغلاق معظم السفارات في سوريا، وطرد السفراء السوريين من معظم دول العالم، وفرض عقوبات على سوريا؟ هل سيتحفنا بالحديث عن الإهانة الكبرى التي تعرض لها منصب رئيس الجمهورية في عهده الميمون على أيدي القاصي والداني، مما جعل ذلك المنصب مدعاة للسخرية بدل أن يكون مدعاة للهيبة والاحترام؟فإذا كان كل ما تم ذكره، وهو بعض من كل، لا يشكل لك أي شعور بالذنب أو المسؤولية، وأنك تعتبر بقاءك على كرسي الحكم هو الانتصار الوحيد على المؤامرة الكونية، وأن ما ذكرناه مجرد شكليات، فاسمح لي، سيدي الرئيس، أن أقول لك: إنك بحاجة لطبيب عيون يقوم بعملية تصحيح بصر لك ولمن حولك، ربما تدرك بعدها بأنك أوصلت البلاد إلى مأساة يستحيل معها الوصول إلى حل. أليس من حقنا عليك كسوريين أن تقدم لنا كشف حساب تشرح لنا ماهية الانتصار الذي حققته خلال هذه السنوات الثلاث الماضية كي تقنعنا بضرورة ترشحك للانتخابات، وكي لا تبدو كمن يضيف إلى جرحنا النازف ملحاً ثقيلاً؟أنتظر ردكم سيدي الرئيس لأن لي الحق بمساءلتكم، حسب الدستور، الذي فصله خياطو الدساتير على مقاسكم بمنتهى الإتقان والدقة. كما أن لي الحق، أنا حسان السوري، بأن أعرف إلى أين بلدي ذاهب. ولي الحق أن أعرف بأي عين تفكر سيدي الرئيس بالترشح لمنصب رئيس ما كان يسمى بالجمهورية العربية السورية؟ هذا تساؤل من مواطن سوري مقهور على بلده الذي تدمر بالكامل في عهدك. وأنا كسوري، لا أسالك عمّن دمره، لأنني أعرف ردك بأنها "العصابات المسلحة" و"التكفيريون" و"الإرهابيون". ولكن يكفيك عاراً وذلاً وخزياً ومهانة بأنه تدمر في عهدك، وفي ظل قيادتك الحكيمة. شكراً سيدي الرئيس ومبروك عليك مقدماً فوزك الكاسح في الانتخابات القادمة، فكلاب صيدك يمتلكون تفويضاً كاملاً من السوريين بانتخابك.

10599

| 12 يناير 2014

هل يستطيع السوريون استرجاع سوريا من أيدي المتصارعين عليها؟

لو نظرت إلى العناوين التي تطلقها وسائل الإعلام المختلفة على ما يجري في سوريا، لوجدت أنه حتى المؤيد منها للثورة لم يعد يسميها ثورة، فقد تكالب القاصي والداني عليها ليحولها إلى أكبر مأساة في هذا القرن. ومخطئ من يعتقد أن النظام السوري لا يحظى بدعم مخفي هائل من الأقربين والأبعدين لجعل الثورة السورية آخر الثورات، فقد أكدها رئيس النظام بنفسه في الخطاب الأول الذي ألقاه في مجلس الشعب عندما قال: "سأقلب حركة دومينو الثورات في الاتجاه المعاكس"، بحيث يتوقف قطارها في سوريا. طبعاً، لن تكون الثورة السورية آخر الثورات، فعجلة التاريخ لا تتوقف في مكان معين، بل تواصل المسير حتى لو تعرقلت مؤقتاً. لكن الأكيد أن النظام، وبمباركة عربية إقليمية ودولية، عمل على إفساد الثورة، وتحويلها وبالاً على الشعب السوري.لا شك أن هناك الكثير من السوريين الذين مازالوا مؤمنين بثورتهم، ويقاتلون مخلصين من أجل انتصارها، لكن أرض الواقع لم تعد تتحدث عن ثورة بالمفهوم الذي انطلقت به الثورة في الخامس عشر من شهر إبريل عام 2011. لا بد من الاعتراف بأن سوريا تحولت إلى ساحة صراع دولي وإقليمي وعربي فاقع المعالم، لا بل يمكن القول إن التاريخ كله استيقظ في سوريا، ففجر مختلف أنواع الصراعات على الأرض السورية، السياسية والعرقية والمذهبية والدينية والفكرية والاقتصادية والإستراتيجية منها. وكان رأس النظام قد هدد بذلك منذ أكثر من سنة في لقاء مع صحيفة "التايمز" البريطانية، حيث قال إن "سوريا تقع على فالق زلزالي خطير، فإذا تحرك تحركت معه كل المنطقة". وهذا ما حصل فعلاً، بحيث أصابت مفاعيل الزلزال السوري كل الدول المجاورة دون استثناء. بعبارة أخرى ، فإن النظام انتقم من الجميع بتحويل الصراع إلى صراع عربي وإقليمي ودولي. لكن نتيجةً لتحول سوريا إلى أرض صراع ومحاور متنافسة وجد السوريون أنفسهم، نظاماً ومعارضة، مجبرين على الانضواء تحت لواء هذا الفريق أو ذاك، دون أن يعلموا أنهم تحولوا إلى مجرد أدوات وبيادق رخيصة، إن لم نقل مرتزقة، في خدمة هذا المشروع أو ذاك، بدل أن يمسكوا بزمام الأمور في بلدهم ولمصلحتهم.لاحظوا الآن كيف أصبح الاستقطاب مرعباً داخل سوريا، فكي يحمي نفسه، حتى لو على حطام سوريا، راح النظام يستعين بالقاصي والداني لمواجهة الطرف المعارض، الذي بدوره استعان، أو فرضت عليه الاستعانة، بكل من هب ودب لمواجهة النظام. وقد وصل عدد الجماعات الأجنبية التي تساند النظام في حربه ضد خصومه إلى ثلاثين فصيلاً من مختلف بقاع العالم. وقد أصبح الشيعي الباكستاني والأفغاني والكوري الشمالي والروسي والإيراني أقرب إلى النظام من أبناء جلدته المعارضين لحكمه. ناهيك عن أن النظام رهن ثروات سوريا النفطية والغازية لروسيا على أمل أن تساعده في البقاء في السلطة. وفي المقابل أصبح الشيشاني والعراقي والقوقازي أقرب إلى مقاتلي المعارضة من أبناء بلدهم المؤيدين للنظام. وهو ما يذكرنا بحروب ملوك الطوائف في الأندلس الذين كانوا يستعينون بالأجنبي على بعضهم البعض، فانتهى بهم الأمر إلى زوالهم جميعاً. فلا يفلح الأرض إلا عجولها، كما يقول المثل الشعبي، ولا يمكن للمرتزقة أن يبنوا أوطاناً أو يحققوا انتصارات وطنية، بل سيتعامل معهم العالم كمطية. ولا يستبعد أن يصبح مصير سوريا كلبنان والعراق بعد أن تحولت إلى ملعب دولي وعربي وإقليمي بعد أن كانت لاعباً رئيسياً. لقد كان لبنان الدولة العربية الوحيدة التي لا تمتلك قرارها الوطني المستقبل، فلا يمكن تعيين رئيس إلا بعد أن تتفق الأطراف الخارجية التي لها مصالح في لبنان. لكن يبدو أن لبنان لم يعد وحيداً في هذا الأمر، فالعراق الذي تحول بدوره إلى لعبة، أصبح كلبنان بالضبط، بدليل أن الأطراف الإقليمية والدولية لم تقبل بتعيين إياد علاوي رئيساً للوزراء بالرغم من أنه فاز في الانتخابات، فعينت إيران وأمريكا وسوريا نوري المالكي بدلاً عن علاوي، لأن القرار العراقي الوطني خرج من أيدي العراقيين بعد أن قبلوا بأن يكونوا مجرد أدوات في مشاريع الخارج. وبدورها أصبحت سوريا التي كانت تتلاعب بسياسات الدول المجاورة، أصبحت هي نفسها كلبنان والعراق بعد أن فقدت قراراها الوطني المستقل. لاحظوا الآن: لا يمكن حل الأزمة السورية بين السوريين أنفسهم، بل عندما تتفق مصالح الدول التي تعبث بسوريا فقط. ولا يمكن تعيين قيادة سورية جديدة إذا هدأت الأمور إلا بتوافق عربي إقليمي دولي.أين تكمن مصلحة بلد تم دفع أبنائه إلى الاقتتال فيما بينهم؟ يتساءل أحد الكتاب. ألم يؤد ذلك إلى دمار البنية التحتية والعمرانية للبلد، وجعل من مؤسسات الدولة خرابات تأوي إليها الغربان، ولا نفع منها. وأياً كان الطرف الرابح في هذا الصراع، فهو خاسر، وأقصد أبناء البلد. أما القوى الخارجية العابثة في بلدنا فلديها الاستعداد أن تحرق سورية أرضا وشعبا لأجل مصالحها. ولا أحد يلومها عندما تجد أبناء البلد الواحد وقد تحولوا إلى ما يشبه المرتزقة في خدمة مشاريع الآخرين، كما يفعل النظام ومعارضوه. إن الأطراف التي تدعي مساعدة السوريين بمختلف فصائلهم الرسمية والمعارضة لا تفعل ذلك لتحقيق مصالح السوريين، بل لتحقيق مصالحها. فالدول ليست جمعيات خيرية، عربية كانت أو إيرانية أو روسية أو أمريكية. ولا بد أن نتساءل الآن: أين مصلحة سورية والسوريين ضمن المصالح الخارجية المتصارعة على أرض سوريا. لا نراها أبداً. للأسف.الآن وقد تحولت الثورة السورية إلى إقطاعيات تمتلكها جهات خارجية عدة متصارعة، على السوريين أن يعملوا جاهدين على استعادة بلدهم من براثن الخارج الذي لا يهمه لا سوريا ولا السوريون، بل يهمه مصالحه في سوريا بالدرجة الأولى كما اعترف نعيم قاسم نائب زعيم حزب الله بنفسه، حينما قال:" نحن ندافع في سوريا عن مصالحنا فقط". وما قاله قاسم ينسحب على المجموعات الأخرى التي تتصارع مع جماعة نعيم قاسم. لهذا على السوريين، شعباً ومعارضة ونخباً وجيشاً وأمناً، أن لا يسمحوا لأنفسهم بأن يبقوا مجرد أدوات في أيدي قوى آخر ما يهمها سوريا. وإذا لم يستطع السوريون بمختلف انتماءاتهم أن يلعبوا دوراً إيجابياً، على الأقل فيجب ألا يستمروا في لعبة المصالح الدولية والإقليمية المتطاحنة على أرض بلدهم في غير صالحهم.

9549

| 05 يناير 2014

alsharq
قراءة في ظاهرة المدير السام

في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات...

2061

| 23 مايو 2026

alsharq
الدوحة تحتفي بالكتاب

​لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ...

1134

| 21 مايو 2026

alsharq
لماذا الديستوبيا في الإبداع أكثر ؟

كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا...

1128

| 21 مايو 2026

alsharq
غريب في البيت

لم تعد الغربة مرتبطة بالأماكن البعيدة، أحيانًا تبدأ...

783

| 24 مايو 2026

alsharq
معرض الدوحة.. كلمات تتحول إلى لوحة فنية

في الرابع عشر من مايو، انطلقت في أرض...

732

| 21 مايو 2026

alsharq
قمة أرمينيا.. آفاق جديدة ولكن؟

في وقت مبكر من شهر مايو الجاري عقد...

636

| 26 مايو 2026

alsharq
يوم عرفة... هوية جامعة عابرة للحدود

منذ بزوغ شمس رسالة الإسلام، ظهرت رسالته العالمية...

612

| 23 مايو 2026

alsharq
لا أحد سيبدأ عنك

كثيرون ينتظرون أن تبدأ حياتهم المهنية بفرصة جاهزة...

603

| 25 مايو 2026

alsharq
حين تُفتح أبواب السماء عشرة أيام

ليست كلُّ الأيام سواء، فبعضُ الأزمنة يفتح الله...

582

| 22 مايو 2026

alsharq
معرض الكتاب.. الاستثنائي

كل عام يختلف بشكل متغاير وبثوب جديد، ليصبح...

582

| 23 مايو 2026

alsharq
قطر والرياضة العراقية.. صفحات من الوفاء

وقفت قطر مع العراق مواقف الأخوة العربية الصادقة...

582

| 26 مايو 2026

alsharq
وللّه على الناس حج البيت

الحج ليس حركة أقدام إلى بقعة مقدسة فحسب،...

555

| 24 مايو 2026

أخبار محلية