رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عندما سألت جريدة "وول ستريت جورنال" الأمريكية بشار الأسد قبل أشهر من الثورة عن إمكانية اندلاع الثورة في سوريا بعد تونس، قال وقتها إن "سوريا ليست تونس". وقد ظن البعض أن الأسد كان يقصد أن السوريين راضون عن القيادة، وأن النظام يعتبر نفسه قائداً للمقاومة والممانعة في العالم العربي، وبالتالي فلا يمكن أن يثور عليه الشعب. لكن اليوم، وحسب اعترافات وكشوفات جديدة، فإن الأسد كان يقصد شيئاً آخر تماماً، وهو أن نظامه، على عكس النظامين المصري والتونسي، لن يسمح للثورة بأن تنتشر، وتتطور فيما لو اندلعت، وأنه مستعد لسحقها في مهدها بإطلاق الرصاص الحي على كل من يخرج للشوارع، وحتى تدمير المدن فوق رؤوس ساكنيها. ولو عدنا إلى الخطاب الأول للرئيس السوري بعد أسابيع قليلة على اندلاع الثورة، لوجدنا أن الأسد أكد بطريقة أوضح ما قاله لصحيفة "وول ستريت جورنال" من قبل. فقد اعتبر في ذلك الخطاب الشهير أن نظامه انتصر في السابق على كل المؤامرات، وكان دائماً يقلب حركة الدومينو رأساً على عقب. بعبارة أخرى كان يعتبر الثورة منذ اللحظة الأولى مؤامرة، وبالتالي سيجعل أيضاً حركة دومينو الربيع العربي تذهب عكس الاتجاه. أي أن كل ما نراه الآن ليس حدثاً اعتباطياً، بل كان مرسوماً بالورقة والقلم منذ ما قبل بداية الثورة. لقد جادل كثيرون وبطريقة ساذجة أنه لو ذهب الرئيس السوري إلى مدينة درعا مهد الثورة، واعتذر لأهلها عما فعله ابن خالته عاطف نجيب رئيس الأمن السياسي في درعا، من تقليع لأظافر الأطفال وإهانة لأهلهم، لكان انتهى كل شيء، ولما تطورت الأمور، ووصلت إلى هذا الوضع الكارثي في سوريا. بعبارة أخرى، فإن البعض اعتقد أن ما فعله عاطف نجيب بأهل درعا كان خطأ فردياً، وكان يمكن تصحيحه بمجرد اعتذار القيادة عما بدر من نجيب. لكن الاعترافات الأمنية الجديدة تؤكد أن عاطف نجيب كان مجرد عبد مأمور ينفذ حرفياً تعليمات ابن خالته بشار الأسد بحذافيرها دون زيادة أو نقصان، فهو لم يقلع أظافر أطفال درعا، ويعتدي على كرامات أهلهم بمبادرة شخصية، لأن الأطفال كتبوا على جدران المدارس شعارات معادية للأسد، بل كان مطلوباً منه أن يرد على أي حركة، مهما كانت صغيرة، بأشد أنواع العقاب، تماماً كما توعد الأسد في مقابلته مع صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية من أن نظامه ليس كالنظام التونسي اللطيف. قبل اندلاع الثورة السورية بأربعة أشهر استدعت المخابرات السورية شخصيات معارضة مختلفة. وفي أحد اللقاءات هدد توفيق يونس رئيس فرع الأمن الداخلي في دمشق، هدد المعارضين الذين التقاهم بأن لدى أجهزة الأمن أوامر صارمة من الرئيس السوري بإطلاق الرصاص واستخدام كل أنواع السلاح ضد أي سوري يخرج إلى الشوارع. وأن الدولة مستعدة أن تحبط أي ثورة حتى لو دمرت البلد، وقتلت مئات الألوف من الشعب. ولا ننسى ما قاله الأمين القطري المساعد لأحد شيوخ القبائل السوريين في بداية الثورة بأن النظام مستعد أن يقتل نصف الشعب السوري إذا تطلب الأمر. وكيف ينسى السوريون الشعار الشهير: "الأسد أو نحرق البلد"، الذي خرج من القصر الجمهوري، وليس من الشارع. إذاً كان هناك قرار مسبق على أعلى مستوى بسحق الثورة فيما لو اندلعت على طريقة سحق الثورة الخضراء في إيران. ولو عدنا إلى خطاب بشار الأسد بعد شهر على اندلاع الثورة لوجدنا أنه أكد بشكل واضح تهديدات أجهزة الأمن آنفة الذكر في خطابه عندما قال: "نحن مستعدون لمواجهة المؤامرة". وكان يقصد حرفياً سحق الثورة بالحديد والنار.. وهذا ما حصل فعلاً.لو كان عاطف نجيب مذنباً فعلاً وتسبب بمشكلة للنظام، لكان النظام أخفاه وراء الشمس بغض النظر عن صلة القرابة بينه وبين الرئيس السوري. فمعروف عن النظام أنه مستعد أن يسحق أقرب المقربين فيما لو تسببوا له بأذى. لا ننسى كيف تصرف حافظ الأسد مع أخيه رفعت عندما بدأ يقترب من العرش، ولا ننسى كيف أزاحوا علي دوبا وعلي حيدر بسبب كلمة قالها قبل تسلم بشار الحكم. ولا ننسى كيف اغتالوا غازي كنعان ابن النظام المدلل عندما لعب بذيله، ولا ننسى أيضاً كيف اغتالوا آصف شوكت صهر الرئيس عندما أصبح مطروحاً كبديل للأسد في تفجير خلية الأزمة. على العكس من ذلك، مازال عاطف نجيب يدخن السيجار حتى هذه اللحظة في فندق الفور سيزنز في دمشق مع محافظ درعا القديم فيصل كلثوم، لأن النظام اتفق مع إيران قبل الثورة على معالجتها بالطريقة الإيرانية. قال الإيرانيون للرئيس السوري: "نحن استطعنا القضاء على "الثورة الخضراء" عام 2009 خلال فترة قصيرة، ودفنا الثورة إلى غير رجعة، وأنت بإمكانك أن تدفن الثورة السورية بنفس الطريقة". وقد بدا ذلك واضحاً منذ اليوم الأول للثورة السورية، حيث بدأت المخابرات بإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين، ومن ثم كانت تنسبها لما يسمى بالعصابات المسلحة. يعني أن النظام لم يفكر إلا بالحسم العسكري وإخضاع السوريين بالحديد والنار عندما اشتم رائحة الثورات في بعض الدول. فإذا كان النظام لا يريد سوى الحسم العسكري، فكيف نصدق الداعين إلى الحل السياسي الآن من الإيرانيين والروس؟ السبب أن العتمة لم تأت على "قد يد الحرامي"، كما يقول المثل الشعبي. الداعون إلى الحل السياسي الآن يفعلون ذلك فقط لأن مشروع سحق الثورة فشل فشلاً ذريعاً، ولم يعودوا يجدون أمامهم سوى الهزيمة. لهذا كل من يتفاوض مع النظام الآن يخدم النظام، وينقذه من ورطته. لا تنسوا أن بشار الأسد وحلفاءه أرادوا سحق الثورة من اليوم الأول. وبما أنهم أرادوا حسماً عسكرياً، وفشلوا، فلماذا يريد البعض إنقاذهم من فشلهم؟
52038
| 25 يناير 2015
تتخبط المجتمعات العربية في بحر من المتغيرات والزلازل السياسية والثقافية والدينية والاجتماعية المخيفة، بحيث لا تستطيع أن ترسو على بر. لماذا؟ لأنها أولاً محكومة بأنظمة سياسية تابعة وغير مستقلة ولا مستقرة، وتنفذ سياسات وضعها الغير لها، وثانياً لأنها ليست أكثر من مختبرات تجارب، إن لم نقل فئران تجارب. فهي مطلوب منها أن تغير نمط حياتها وثقافتها وتوجهاتها وحتى معتقداتها بين عقد وآخر، كي تتماشى مع المتحكمين بها خارجياً.قبل أكثر من نصف قرن من الزمان - وهي فترة قصيرة جداً في عمر الشعوب - سنّت بعض القوى الكبرى المتحكمة بمنطقتنا جغرافياً وديموغرافياً وثقافياً وإعلامياً، ما يشبه الفرمانات والمراسيم الملزمة لبعض دولنا كي تتبع نظاماً إسلامياً متزمتاً ومناهج تعليمية متحجرة، لأنها وجدت في مثل هذا النظام الوسيلة الأنجع للوقوف في وجه بعض النظم السياسية العربية الناشئة التي قد تهدد مصالحها في المنطقة، كالنظم القومية والاشتراكية التي كانت تابعة بدورها للمعسكر السوفيتي. بعبارة أخرى، فإن المجتمعات العربية ذات التوجه الإسلامي أو الاشتراكي أو القومي كانت بمجملها ضرورات أملتها العوامل الخارجية أكثر منها المتطلبات الداخلية. فهذا النظام أقام دولة "إسلامية" كي يرضي أسياده الأمريكيين والأوروبيين، ويحارب إلى جانبهم، وذاك أنشأ نظاماً اشتراكياً نزولاً عند رغبة أسياده السوفيات، بما ينطوي عليه ذلك من فرض وقهر وتوجهات قسرية مخالفة لطبيعة المجتمع وميوله الإنسانية.وبعد أن تغيرت التحالفات الدولية بعد انتهاء الحرب الباردة وظهور أمريكا كقطب أوحد، كان لابد للمجتمعات العربية أن تتغير مائة وثمانين درجة كي تواكب سادتها الأمريكيين الجدد الذين لم تعد تناسبهم النظم الاجتماعية التي أمروا بقيامها، ودعموها في النصف الثاني من القرن العشرين. لهذا السبب تحديداً نرى أن المجتمعات العربية تتخبط منذ سنوات في بحر من الفوضى والاضطرابات والهزات الاجتماعية والسياسية الرهيبة. لقد دأبت بعض الأنظمة العربية منذ أكثر من خمسين عاماً على بناء ما تزعم أنه مجتمعات إسلامية الطابع، وجندت لها ميزانيات هائلة كي تكرسها، وتقويها، وتثبت أسسها من خلال وسائل إعلام ونظم تعليمية "متأسلمة". وقد كان الهدف من كل ذلك، في واقع الأمر، ليس إقامة مجتمعات إسلامية، بل من أجل صد التغول الشيوعي في المنطقة العربية الذي كان ينافس الهيمنة الأمريكية.وقد تطور هذا المجتمع الإسلامي المزعوم في ذروة الصراع السوفيتي الأمريكي في أفغانستان كي يزود من يسمون بالمجاهدين الأفغان بمزيد من المقاتلين العرب العقائديين من أجل طرد "الغازي السوفيتي". وقد تبين فيما بعد أن الاستخبارات الأمريكية ومعها بعض الأجهزة العربية كانت وراء هذه اللعبة القذرة التي راح ضحيتها الألوف من المضحوك عليهم من السذج العرب الذين تحولوا فجأة من "مجاهدين" إلى إرهابيين في عُرف من صنعوهم.وقد كان الهدف الأول والرئيسي من تلك الحملة "الإيمانية" الملعوبة جيداً طرد المحتل السوفيتي من أفغانستان كي يحل محله الأمريكيون فيما بعد بطريقة منظمة وملعوبة كالشطرنج في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر.لم يعد الإسلام الجهادي مطلوباً بعد أن تخلصت أمريكا من عدوها التقليدي (الشيوعية)، وبالتالي لابد من تفكيك المجتمعات التي عاشت على الأصولية الإسلامية لعقود. ومطلوب الآن تفصيل إسلام جديد يناسب المجتمعات التي يريدها الغرب.لا عجب إذن أن قامت بعض المعاهد الغربية بوضع خطط لتكوين إسلام ناعم يتواءم مع المخططات الأمريكية الجديدة في العالم العربي. وكان لابد للإسلام الجديد أن ينقلب مائة وثمانين درجة على الإسلام الذي كان مطلوباً أيام الحرب الباردة. إنه "الإسلام الليبرالي" الذي يقبل بكل الأطروحات والمفاهيم والقيم الغربية، ويساعد على نشرها وترسيخها في المنطقة.لا عجب أن رأينا بعض "الإسلاميين العرب الجدد" يقودون الحملة الجديدة لتطهير العالمين العربي والإسلامي من الفيروس الأصولي القديم، ويبشرون بـ"التسامح والمحبة والديمقراطية". من هو المخول والقادر إذن على القيام بهذه المهمة التفكيكية للمجتمعات العربية المطلوب إعادة تركيبها؟ إنه الإعلام، وليس أي إعلام، بل الإعلام الترفيهي التجهيلي الهابط المعتمد على إثارة الغرائز ومسح العقول وتغييب الوعي، خاصة أن المهمة أمامه شاقة للغاية، وتحديداً في البلدان التي حملت مشعل الإسلام الأصولي. فليس من السهل تحويل اتجاه المتزمتين دينياً بالاتجاه المطلوب إلا بفضائيات رخيصة تنتشر كالفطر البري في السموات العربية، وتغزو عقولهم وقلوبهم بما لذَّ وطاب من أغان ومسلسلات محلية وأجنبية مدبلجة وأفلام وغانيات كاسيات عاريات وراقصات ومطربات ماجنات واحتكارات فنية شيطانية. في الماضي أرادونا أن نكون متدينين متزمتين. وفي لحظة ما يريدوننا أن نكون راقصات وراقصين وطبالين وزمارين، على أن نكون مستعدين مرة أخرى لنصبح "جهاديين" إذا اقتضت الحاجة.إلى متى نبقى مجتمعات للتركيب والتفكيك عند الحاجة نزولاً عند رغبة هذه القوة الخارجية أو تلك؟ أما آن الأوان لأن تكون لدينا ثقافتنا الخاصة بنا المنبثقة من طبيعتنا وواقعنا وتاريخنا وتراثنا وأحلامنا وآمالنا؟ بالطبع. لكن ذلك لن يتحقق إلا عندما تكون لدينا حكومات وأنظمة مختارة داخلياً وليست مفروضة من الخارج. وعيش يا كديش ليطلع الحشيش!
2804
| 18 يناير 2015
"نظام بشار الأسد تعلم الدرس جيداً من الثورة، وفيما لو بقي في السلطة بعد مفاوضات توافقية مع المعارضة، لن يحكم بالطريقة المخابراتية القديمة". مثل هذه الأكاذيب والترّهات نسمعها كثيراً هذه الأيام من القوى الحليفة لبشار الأسد التي تريد حلاً سياسياً توافقياً بين النظام والمعارضة. وأول الذين يقولون مثل هذا الكلام روسيا وإيران. لكن هل يمكن أن نصدق مثل هذه الوعود؟ بالطبع لا. فكل من يصدقها يجب ألا يلوم غير نفسه بناء على التجارب التاريخية وطبيعة النظام الحاكم في سوريا ونوعية أشخاصه الدمويين الذين استمرأوا القتل والإجرام والدوس على كرامات الشعب السوري منذ عقود. وصدق من قال إن الحمل يجب ألا يأمن جانب الذئب مهما قدم له من وعود معسولة. أيها السوريون: فيما لو عاد النظام إلى السلطة بشرعية جديدة، فاعلموا أنه لن يحكمكم بطريقة جديدة، كما يعدكم بعض المخادعين، بل سينتقم منكم تحت حجج وذرائع عديدة ومختلفة. سينتقم بشكل وحشي مرعب من كل من حمل السلاح ضده. فكيف سيغفر النظام لمن حاربه بالسلاح، إذا كان قد حرق، وصادر، ولاحق الإعلاميين والمعارضين المسالمين الذين عارضوه بالكلمة فقط، فلفّق لهم التهم السخيفة كالإرهاب وتصنيع القنابل الانشطارية وحفر الأنفاق، وعاقبهم أشد عقاب، واعتدى على أهلهم، وصادر أملاكهم، فقط لأنهم أقارب شخص أيد الثورة. وليتذكر السوريون القوانين التي أصدرها حافظ الأسد ضد حركة الإخوان المسلمين التي عارضته، كالقانون 49 الذي أتاح له الاستيلاء على كل أملاكهم في سوريا، لا بل أعدم بموجب ذلك القانون كل من ينتمي إلى الحركة أو يؤيدها بعد أن نجح في إخمادها. والقانون مازال سارياً حتى هذه اللحظة رغم كل ما حدث في سوريا. ولو عاد النظام ضمن صفقة جديدة، فإنه سيصدر عشرات القوانين المشابهة لقانون 49 بحق كل من عارضه ولو بالكلام. وكي لا يبدو ما نقوله جزافاً، يمكن تأكيده من خلال تصريحات رأس النظام نفسه والمحيطين به. فبشار الأسد وحلفه في الداخل والخارج، ورغم كل هزائمه، مازال متمسكاً فقط بالحسم العسكري ضد حاملي السلاح وغيرهم. وهذا ما أكده حرفياً المبعوث الدولي إلى سوريا الأخضر الإبراهيمي الذي قال حرفياً في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية: "إن بشار وجماعته لا يؤمنون بأي حوار مع كل من يخالفهم الرأي، وهم مصممون على دحر كل معارضيهم بقوة السلاح".وقبل أيام فقط قال بشار الأسد لكبار ضباطه في اجتماعه معهم حرفياً: "لقد تعب الجميع، فاصبروا معي فقط حتى نهاية 2015 وبعدها سنبدأ باستعادة موقعنا عبر إزعاج الدول وتهديد مصالحها، فتجبر على إعادة التعامل معنا بعد أن يئست من إيجاد البديل".وقبل أشهر فقط صرح أحد كبار ضباط الأمن في سوريا بأن النظام قادر على الصمود لعشر سنوات قادمة، وهو واثق من الانتصار على الثورة. وعندها سيتهم النظام كل من عارضه بالكلام أو بالسلاح بأنه المسؤول الأول والأخير عن تدمير سوريا، وبأن النظام يستحق الاستمرار في الحكم بطريقة صارمة لأنه انتصر على "الإرهابيين" حسب تصريح المسؤول الأمني الكبير.لهذا كل من يعتقد أن النظام سيعود بروح ونفسية جديدة، فيما لو حصل على شرعية جديدة من خلال تقاسم السلطة مع المعارضة، فإنه يخدع نفسه. وليتذكر السوريون ما فعله نظام تشاوسيسكو في رومانيا بعد أن تمكن من العودة إلى السلطة بعد الثورة. لقد فعل الأفاعيل بالرومانيين، وأذاقهم كل أنواع الانتقام لعقد كامل بعد الثورة. وكي لا نذهب بعيداً، فلينظر السوريون ماذا فعل جنرالات الجزائر بعد أن عادوا إلى السلطة بشرعية جديدة بعد ثورة التسعينيات. ولينظروا أيضاً إلى التجربة المصرية الآن بعد أن عاد نظام مبارك بشرعية ووجوه جديدة. لقد بات الكثير من المصريين يترحمون على أيام مبارك الخوالي. ولو قارنا مساحة الحرية في عهد مبارك قبل الثورة بمساحة الحرية بعد أن عاد نظام مبارك بشكل جديد، سنجد أن المساحة ضاقت إلى حدودها الدنيا. وقد باتت تهمة "الإرهاب" سلاحاً يشهره النظام الجديد في وجه حتى الفنانين الذين يعبرون عن رأي بسيط، كما حصل مع خالد أبو النجا قبل أسابيع، حيث جعلوه يلعن الساعة التي تجرأ فيها على انتقاد النظام الجديد انتقاداً خفيفاً. ولا ننسى قوانين المحاكمات العسكرية الجديدة والمكارثية الرهيبة ضد الإسلاميين أو أي صوت معارض آخر. وما نراه في مصر الآن سيكون مجرد لعب عيال مقارنة بما سيحدث في سوريا، فيما لو تمكن النظام من العودة بشرعية جديدة، خاصة أنه ليس هناك في القرن العشرين نظام يضاهي النظام السوري من حيث الحقد والوحشية والهمجية والفاشية والمكارثية. تذكروا فقط أنه دمر وطناً اسمه سوريا، وشرد شعبه كي يبقى في السلطة، فكيف تتوقعون منه أن يصالح الشعب فيما لو تمكّن من رقبة سوريا من جديد؟.
4251
| 11 يناير 2015
ومن نكد الدنيا على السوريين أن روسيا التي دعمت النظام السوري بكل أنواع السلاح والمال كي يقتل الشعب، ويشرده، ويدمر البلاد، ويقمع الثورة ليبقى حاكماً ولو على حطام الوطن، هي من تتنطع الآن لإيجاد حل للأزمة السورية. إنه العهر السياسي في أحقر أشكاله. لم ينس السوريون، ولن ينسوا السفير الروسي في مجلس الأمن الدولي وهو يستخدم الفيتو، المرة تلو الأخرى، ضد أي تحرك دولي لوضع حد للمأساة السورية. لن ينسوا ذلك الفيتو الذي، وإن كان بالتواطؤ مع أمريكا، إلا أنه كان دائماً يحقن النظام المتهالك بجرعة جديدة من الوحشية ليستمر في صلفه وعناده وهمجيته التي أدت إلى تهجير أكثر من نصف الشعب السوري وتدمير وطن كان اسمه سوريا بدعم روسي لا تخطئه عين. لن ينس السوريون أن روسيا، وعندما وجدت أن النظام قد يتضرر من عقاب دولي بعد استخدامه الفاشي للسلاح الكيماوي، عملت كل ما بوسعها لتسليم السلاح الإستراتيجي السوري لأمريكا لتنقذ رقبة الأسد، وتعطيه مزيداً من الوقت كي يمعن في تدمير سوريا وتشريد شعبها.والآن وبعد أن وجدت روسيا أن خطتها لفرض النظام على السوريين بالقوة الغاشمة قد فشلت، راحت تحاول إيجاد حل لا يحقق مطالب الشعب السوري، بقدر ما يحاول الحفاظ على ما تبقى من النظام، بعد أن وجدت أن جيش الأسد قد تلاشى، وأن وضعها الاقتصادي والسياسي في العالم لم يعد يساعدها كثيراً في الحفاظ على آخر مستعمرة لها في الشرق الأوسط. لا أحد يمكن أن يعارض حلاً مقبولاً للكارثة السورية، لكن لا يمكن لسوري يمتلك قليلاً من العقل أن يثق بالنوايا الروسية الجديدة لحل الأزمة، لأن موسكو تعلم علم اليقين أن ذهاب بشار الأسد سيجعلها تفقد أغلى ما تملك في المنطقة، خاصة أنه منحها عقود نهب الثروات السورية، من غاز ونفط، لربع عقد قادم مقابل دعمه بالحديد والنار كي يبقى في الحكم حتى لو خلت سوريا من شعبها، ولم يبق فيها سوى النظام وعصابته. وبالمناسبة كل عمليات تدمير المدن في سوريا كانت على الطريقة الشيشانية. فلو قارنا عملية تدمير مدينة حمص لوجدناها نسخة طبق الأصل عن الطريقة التي استخدمها الرئيس الروسي بوتين لتدمير عاصمة الشيشان جروزني. ومن يضع الخطط التدميرية لنظام الأسد لا يمكن أن تتوقع منه حلاً يرضي السوريين. واللعبة الروسية الجديدة لا تحاول وضع حد للمحنة السورية بقدر ما تحاول أن تضحك على بعض المعارضين السوريين، وتغريهم ببعض المكاسب الحقيرة كي تمعن في إجهاض الثورة، وكي تستعدي العالم على كل من يحاول لاحقاً معارضة النظام، ولو بالكلام. وإذا أردنا أن نلخص الطريقة التي تتعامل من خلالها روسيا مع المعارضة السورية المزعومة، يمكن أن نسردها في النكتة التالية:يُحكى أن شخصاً التقى بفتاة في الشارع، فأعجب بها، ثم سألها إذا كان ممكناً أن يواعدها، فغضبت الفتاة غضباً شديداً، وبصقت عليه، لكنه سرعان ما عرض عليها ألف دولار كمقدمة، فرفضت رفضاً قاطعاً، ثم عرض عليها خمسة آلاف دولار، فرفضت أيضاً، ثم عرض عشرة آلاف دولار، فرفضت، فقال لها: "ما رأيك بخمسين ألف دولار"، فصمتت الفتاة قليلاً، ثم قالت: "لا بأس". عندها قال لها الشاب: "حسناً، فلنجلس ونتفاوض"، فجلست الفتاة، فقال لها الشاب: "عليك أن تعترفي الآن أولاً أنك قابلة للبيع والشراء، كي لا نقول شيئاً آخر، وبالتالي سأتعامل معك على هذا الأساس، انسي السعر الأخير، وتعالي نحكي بزنس بشكل واقعي". وهكذا يتعامل الروس ويضحكون على بعض "المعارصات" السورية. وعدوا بعض المعارضين وعوداً كبيرة كالتخلي عن الأسد وغير ذلك، وعندما وافق بعض المعارضين على التفاوض، قال لهم الروس ما قاله الشاب لتلك الفتاة في الشارع: يعني بما أنكم قابلون بالتفاوض: تعالوا نتفق على السعر، وانسوا الوعود الكبيرة، التي أغريناكم بها كي تقعوا في شباكنا.هذه هي قصة الوساطة الروسية لحل الأزمة السورية، يريدون الضحك على بعض المعارضين وتصويرهم على أنهم يمثلون الشعب السوري، بينما هم لا يمثلون سوى أنفسهم، ولا يمونون على أحد على الأرض، وقوتهم عسكرياً تكاد أن تكون صفراً. ثم تذهب روسيا إلى الأمم المتحدة لتقول للعالم: لقد وافقت المعارضة السورية على الحل، وبالتالي فإن كل من يعارض النظام، أو يتصدى له على الأرض من الآن فصاعداً هو إرهابي خارج عن طاعة الموالاة والمعارضة، ولابد من تجريمه وتجريم كل من يدعمه بقرارات دولية تحت البند السابع.إن الوساطة الروسية بين النظام السوري والمعارضين السوريين تشبه تماماً الوساطة الأمريكية بين إسرائيل والفلسطينيين. هل كانت أمريكا في يوم من الأيام نزيهة في وساطتها بين ربيبتها إسرائيل والفلسطينيين؟ بالطبع لا، فهي الخصم والحكم بالنسبة للفلسطينيين. وكذلك الأمر بالنسبة لروسيا والنظام، فالعلاقة بين موسكو والأسد كالعلاقة العضوية بين إسرائيل وأمريكا. وبالتالي على السوريين أن يسألوا أنفسهم: ماذا جنا الفلسطينيون من وراء قبولهم بالوساطة الأمريكية بينهم وبين إسرائيل على مدى عقود؟ لا شيء غير الضحك على الذقون. وكذلك السوريون، فإنهم إذا وثقوا بالوساطة الروسية بينهم وبين النظام السوري، فلن يحصدوا سوى الخيبة التي حصدها الفلسطينيون من أمريكا.
4648
| 04 يناير 2015
صحيح أن لكل بلد طبيعته الخاصة، وبالتالي تجربته الخاصة التي لا يمكن أن تنطبق على أي بلد آخر، إلا أن التجارب التاريخية التي سبقت التجربة السورية يمكن أيضاً أن تكون مقياساً لما يمكن أن يكون عليه مستقبل سوريا. البعض توقع أن تنتهي الثورة السورية على الطريقة الجزائرية، ففي الجزائر نجح الجنرالات في إعادة الشعب إلى بيت الطاعة من خلال تخويفه بجماعات إسلامية متطرفة صنعها الجنرالات أنفسهم واستخدموها بعبعاً لإرهاب الجزائريين كي يعودوا إلى حضن المؤسسة العسكرية الحاكمة. وبعد حوالي ربع قرن على اندلاع الأحداث في الجزائر في بداية تسعينيات القرن الماضي، اختفت القوى الإسلامية المتطرفة، وحصل الجنرالات على شرعية جديدة غير شرعية التحرير تمثلت هذه المرة في تخليص البلاد من رجس الإرهاب والتطرف الذي صنعوه هم بأنفسهم كي يعززوا سلطتهم، ويـفشلوا به الانتفاضة الشعبية التي كانت يمكن أن تطيح بنظامهم.لكن ورغم أن النظام السوري يعمل جاهداً منذ اللحظات الأولى للثورة على تكرار النموذج الجزائري بمساعدة جنرالات الجزائر أنفسهم، وتصوير كل من يعارضه بأنه إرهابي جدير بالاستئصال، إلا أن"العتمة قد لا تأتي هذه المرة على قد يد الحرامي" كما يقول المثل الشعبي، فوضع سوريا قد يكون مختلفاً كثيراً عن الوضع الجزائري، ناهيك أن الزمن غير الزمن الجزائري. إذن تعالوا نحتكم إلى أمثلة أخرى، لعلها تساعدنا في استشراف المستقبل السوري.لو افترضنا أن الفصائل الإسلامية المقاتلة في سوريا قضت على فصائل الجيش الحر الذي لم يكن له صبغة دينية، وأصبحت تلك الفصائل وجهاً لوجه في مواجهة النظام: هل سيسمح لها العالم بأن تنتصر على النظام، خاصة أنه يعتبرها متطرفة وإرهابية؟ بالطبع لا. في أفغانستان مثلاً عندما انتصر المجاهدون على نظام نجيب الله الذي كان مدعوماً سوفيتياً، لم يسمح لهم العالم باستلام السلطة، بل ورطهم في حرب ضروس فيما بينهم، فذهبت ريحهم، وتحول الكثير منهم إلى إرهابيين في عيون العالم بعد أن انتهت مهمتهم. ألا يمكن أن يحدث الشيء نفسه في سوريا؟ هل النظام وحلفاؤه منزعجون فعلاً من تقدم الجماعات الجهادية على الأرض، أم إنهم سعداء جداً بتقدمها على أمل أن يتحقق النموذج الجزائري على أيديهم، لأنهم يعرفون أن العالم لن يقبل بتلك الجماعات لاحقاً، وربما يساعدهم في القضاء عليها. وستكون المفاضلة عندئذ بين تلك الجماعات والنظام، بعد أن تمكنت تلك الجماعات من القضاء على الجيش الحر الذي كان يهدد النظام فعلاً، لأنه لم يحمل صبغة إسلامية "متطرفة"، ولاشك أن العالم سيقبل بنظام غير ديني حتى لو ارتكب كل جرائم الكون، فقط لأنه يواجه فصائل إسلامية تـعتبر إرهابية ومتطرفة في نظر المجتمع الدولي. البعض يخشى في هذه الحالة أن يعود السوريون إلى المربع الأول، بحجة أن البديل للنظام هو بديل إسلامي متطرف لا يقبل به أحد، فيعود النظام الخيار الأوحد للسوريين، وكأنك، في هذه الحالة،"يا بو زيد ما غزيت"، ولاشك أن النظام لعب على وتر الإرهاب والتطرف منذ اليوم الأول للثورة.لكن السؤال المهم جداً الذي يمكن أن يقلب الطاولة على الجميع: حتى لو انتهى الصراع في سوريا إلى المفاضلة بين النظام والجماعات الجهادية، من يستطيع القضاء على تلك الجماعات التي اكتسبت خبرة تاريخية في القتال، وسيطرت على الكثير من الأنحاء، وأصبحت أحياناً جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي السوري، خاصة في شمال البلاد وشرقها؟ ألم يفشل الجيش الأمريكي نفسه في القضاء على تلك الجماعات في العراق وأفغانستان والصومال واليمن؟ ألم يكن لدى الأمريكيين أكثر من مائة وأربعين ألف جندي في العراق وحده، لكنهم لم يتمكنوا من القضاء على جماعة الزرقاوي التي لم تصمد في العراق فحسب، بل امتدت إلى سوريا نفسها في هيئة تنظيم الدولة الإسلامية الذي يتمدد بسرعة عجيبة؟ ولا ننسى أن حلف الناتو نفسه قاتل حركة طالبان وأخواتها في أفغانستان لمدة ثلاثة عشر عاماً، ثم خرج مهزوماً، لا بل إن أمريكا راحت تتوسل التفاوض مع طالبان، فكيف إذاً يستطيع الجيش السوري الذي أصبح منهكاً جداً وضعيفاً، ولم يعد قادراً على مواجهة تلك الجماعات حتى بمساعدة عراقية وإيرانية ولبنانية كبرى وقصف قوات التحالف، ناهيك عن أنه فقد أكثر من ثلثي مساحة البلاد لصالح التنظيمات الجهادية؟ لا عجب أن صحيفة الفايننشيال تايمز البريطانية الشهيرة وصفت سوريا بـ"أفغانستان" المتوسط، بغض النظر عما إذا كان ذلك نتيجة تنامي الظاهرة الجهادية، أو نتيجة استراتيجيات أمريكية مدروسة.وبناء على هذا السيناريو والتطورات، فهذا يعني أن سوريا مقبلة على صراع طويل الأمد، كما توقع الجنرال ديمسي قائد هيئة الأركان الأمريكية نفسه، بحيث يصبح الوضع في سوريا أشبه بالوضع الأفغاني والصومالي تحديداَ، حيث تتصارع سلطة ضعيفة مع جماعات مختلفة بين كر وفر لوقت طويل. ولو ظلت الجماعات الإسلامية تحرز تقدماً كالذي تحرزه في الشمال والجنوب والشرق، فلا شك أنها ستصبح القوة الأكثر نفوذاً في سوريا، وربما تدخل العاصمة ذات يوم. من يدري؟ فمن استطاع السيطرة على أعتى المعسكرات في إدلب والرقة ودرعا لن تصعب عليه دمشق لاحقاً. وهذا يعني عملياً سوريا جديدة على الطريقة الصومالية والأفغانية والعراقية، لا سمح الله. إلا إذا حدثت تطورات دراماتيكية لم تكن تخطر على بال، ونجح العالم في تحويل سوريا إلى محرقة لكل تلك الجماعات كما كان الهدف دائماً، حسب رأي البعض. والعلم عند الله.
5267
| 28 ديسمبر 2014
كلنا يعرف أن الطواغيت العرب تاجروا بالإرهاب أكثر مما تاجرت به أمريكا "ما حدا أحسن من حدا"، فقد لاحظنا على مدى السنوات الماضية أن تهمة الإرهاب راحت تحل شيئاً فشيئاً محل تهمة الخيانة والعمالة المفضلة لدى الديكتاتوريات العربية. كيف لا وأن كل من يدّعي مكافحة الإرهاب، حتى لو كان أحقر وأبشع ممارسي العنف في العالم، يحظى فوراً بتأييد دولي لسحق خصومه، لا بل يمكن أن يحصل على مساعدة دولية، طالما أنه يدّعي مواجهة الإرهابيين. وقد لاحظنا أخيراً كيف أن العالم نسي كل ما فعله طاغية الشام بسوريا، وراح ينّسق معه ضد الإرهاب، وكأن قصف الأطفال بالكيماوي وتهجير ملايين الناس وتدمير ثلاثة أرباع البلد عمل وطني مشروع وشريف، بينما ذبح صحفي عمل إرهابي خطير. هل هناك إرهاب حلال، وإرهاب حرام؟ ألا يستوي إرهاب الذبح مع إرهاب التدمير والتجويع والتهجير واستخدام الأسلحة المحرمة دولياً؟من الواضح أن الإرهاب أصبح كلمة السر لدى أعداء الشعوب في الداخل والخارج لإجهاض أي مطالب شعبية والقضاء على أي ثورة. فكما كانوا في الماضي يطلقون صفة "إرهابي" على كل من كان يقاوم الاحتلال ويدافع عن وطنه، ها هم الآن يشهرون سيف الإرهاب في وجه الشعوب الثائرة لإعادتها إلى زريبة الطاعة. والقذر في الأمر أن الجنرالات العرب الإرهابيين يتلقون دعماً من ضباع العالم الكبار الذين يباركون إرهاب الدولة المنظم في وجه كل من يطالب بأبسط حقوقه. ولو نظرنا إلى التاريخ الحديث لوجدنا أن الطواغيت العرب وأسيادهم في الخارج بدأوا يستخدمون بعبع الإرهاب منذ عقود، وليس فقط الآن لإجهاض الثورات وإعادة الشعوب إلى حظيرة الاستبداد. ويتساءل عبد الفتاح ماضي في هذا السياق: "أليست هذه المرة الثالثة على الأقل، في العقود الأربعة الأخيرة، لإعلان الحرب على الإرهاب في أعقاب ظهور مطالب شعبية لإحداث تغيير حقيقي في نمط السلطة في حكومات المنطقة التي لا تعرف إلا الاستبداد والفساد وتكميم الأفواه؟ ألم تكن المرة الأولى بعد أن انتهى دور من عُرفوا بالمجاهدين في أفغانستان؟ ألم يكن هناك حراك سياسي مناد بالإصلاح السياسي في أكثر من دولة عربية رئيسية وقتها، لكن بعض الأنظمة استغلت عودة من عُرفوا بالمجاهدين العرب إلى بلادهم لبدء المعركة ضد الإرهاب، فانتهى الحديث عن الإصلاح؟". ثم لمّا عاد الحديث من جديد عن الإصلاح السياسي، في مطلع الألفية الجديدة، جاءت أحداث 11 سبتمبر 2001 لتقوم الحكومات الغربية والعربية بشن حربها على الإرهاب.. ثم الآن وبعد ثورات الربيع العربي، لاحظوا كيف راحوا يصورون الثورات والنضال من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية على أنه نوع من الإرهاب. ويتساءل البعض هنا: لماذا تدخل حكومات المنطقة في تحالف جديد للحرب على الإرهاب بدل تصالحها مع شعوبها وإجرائها عمليات إصلاح حقيقية تقوم على حكم القانون ودولة المؤسسات والمواطنة التامة والتداول السلمي على السلطة والفصل بين المال العام والمال الخاص؟. ألم يصبح شعار مكافحة الإرهاب الحل السحري لمشاكل الديكتاتوريات العربية؟ فكل طاغية يواجه ثورة شعبية يصرخ فوراً: إرهاب، إرهاب، مع العلم أنه يكون هو نفسه صانعاً للإرهاب. فمع انطلاق الثورة السورية مثلاً، "استخدم النظام ورقته التي طالما أتقنها، وأفرج عن المعتقلين ذوي الخلفيات الجهادية من سجون صيدنايا وتدمر، واعتقل الأطباء والإعلاميين وأصحاب الرأي، وابتدع جماعات إرهابية خاصة، في محاولة لتصيد التناقضات العالمية ووأد ثورة الحرية، وتجديد عقده لاحتلال سوريا بوصفه متصدياً للإرهاب".لقد حاول النظام السوري وحلفاؤه إظهار الثورة السورية منذ أيامها الأولى بأنها مجرد عمليات إرهابية. وقد لجأوا إلى كل الحيل والفبركات والأكاذيب كي يجعلوا الثورة تبدو بأن من قام بها إرهابيون. وبعد أربعة أعوام يبدو أن العالم قد صدّقهم، وراح يتعامل مع الحدث السوري على أنه مجرد إرهاب بعد أن نجح النظام وأعوانه في تحويل الأرض السورية إلى ساحة فوضى ودم ودمار.ليس هناك شك أبداً في أن ضباع العالم الكبار يعرفون الحقيقة كاملة بأن بشار الأسد وغيره من جنرالات الإجرام هم سبب الإرهاب وصانعوه، لكن لا بأس في المتاجرة معهم بسلعة الإرهاب طالما أنها تجهض الثورات، وتقضي على أحلام الشعوب في التحرر من الطغيان، ليبقى الطواغيت في خدمة مشغليهم في موسكو وواشنطن وتل أبيب. القوى الكبرى ترصد دبيب النمل، وتعرف من خلال أقمارها الصناعية كل شاردة وواردة، وتعرف الحقيقة، لكنها تناصر ما يناسب مصالحها. لا يهمها الدم والدمار والفوضى، طالما أن الطغاة العرب يحققون لها مرادها في الهيمنة والنهب باسم مكافحة الإرهاب.لقد راح ضباع العالم وأذنابهم في بلادنا منذ عقود يصورون كل من قال: "الله أكبر" على أنه إرهابي محتمل، فهل يصبح من الآن فصاعداً كل من ينادي بالحرية والكرامة ولقمة الخبز إرهابياً حتى لو كان اسمه "عبد الشيطان"؟.
5972
| 21 ديسمبر 2014
صحيح أن الفارق الزمني بين الثورتين الجزائرية والسورية حوالي ربع قرن من الزمان، إلا أن أوجه الشبه بين الثورتين واضحة للعيان. لهذا بات البعض يخشى، على ضوء المبادرات الدولية والروسية تحديداً، أن تنتهي الثورة السورية على الطريقة الجزائرية البائسة، وأن يعود جنرالات الأمن والجيش إلى تشديد قبضتهم على البلاد والعباد عبر مصالحات زائفة وقوانين الوئام الوطني الكاذبة المفصلة على مقاس القتلة والمجرمين الذين عاثوا في البلاد خراباً وتدميراً وقتلاً. وقد وضع أحد الباحثين الجزائريين أوجه الشبه التي لا تخطئها عين بين الحالتين الجزائرية والسورية. ولو رتبنا الأحداث من البداية إلى النهاية لوجدنا التالي:خروج مظاهرات مطالبة بإلغاء الانقلاب الذي قام به جنرالات الجزائر على نتائج الانتخابات وضرورة إعطاء الجبهة الإسلامية للإنقاذ الفرصة في الحكم. بالمقابل، خرجت مظاهرات شعبية في سوريا مطالبة بتغيير نظام الحكم. وكما تصدى النظام الجزائري للمظاهرات الشعبية بالحديد والنار، أنزل بشار الأسد الجيش إلى الشوارع فوراً للقضاء على التجمعات الشعبية والسياسية. وقد تشابه النظامان في شن حملة مداهمات واعتقالات في صفوف المعارضة واختفاء عشرات الألوف، مما حدا بالمعارضة إلى حمل السلاح للدفاع عن نفسها في كلتا الدولتين، فأصبح صاحب الحق متمرداً في نظر النظامين.وكما ظهرت في الجزائر جماعات متطرفة مجهولة المنشأ، شعارها محاربة النظام وتشويه سمعة المعارضة، برزت على الساحة السورية أيضاً جماعات لم يعرف أحد من أين جاءت. والغريب أن كل تلك الجماعات جاءت باسم الدين وشعارها "الله أكبر". ويعتقد الكثيرون أنها صنيعة أمنية في كلا الحالتين، ولكم القياس. ثم تلا ذلك البدء في حملات التصفية الجماعية لكل من كانت له علاقة من قريب أو من بعيد بالمعارضة الأصلية.لاحظوا أيضاً ظهور المجازر الجماعية بالجملة، والمجرم مجهول، والكل يتبرأ من الجريمة، أضف إلى ذلك الحملة المسعورة لتشويه صورة الإسلام والمعارضة. وكما هرب ملايين الجزائريين للخارج، أصبح العالم الآن يضرب المثل بعدد اللاجئين الذين هربوا من سوريا جراء الصراع الدامي، وقد أصبح كل من الشعبين منبوذاً أينما حل، وصارت صفة الإرهاب ملازمة لهما.لاحظوا أن العالم في ذلك الوقت تحرك، لكن ليس لإنصاف الشعب الجزائري المسكين، بل لإنهاء الصراع لصالح الجنرالات والحفاظ على النظام، لاحظوا أيضاً أن العالم يعيد الكرة الآن في سوريا، حيث تناسى ما حل بالسوريين من كوارث، وأصبح همه الحفاظ على الحكم في دمشق من خلال مصالحات مفروضة على الشعب فرضاً بعد أن ذاق الأمرّين على مدى سنوات من التشرد والجوع والمرض والدمار. وكما دخل الشعب الجزائري وقتها في حالة من الضياع والتيه والحسرة، وكان يتمنى الرجوع إلى نقطة البداية والرضا بالواقع، فإن الكثير من السوريين بات يحن إلى أيام الطغيان الخوالي، ويريد سلته بلا عنب.إلى هنا كل شيء متطابق حرفياً بين التجربتين الجزائرية والسورية. وعلى ضوء ذلك يمكن أن نتوقع الأحداث التالية في سوريا بناء على النموذج الجزائري. أولاً: الدعوة إلى الحوار بين أطراف النزاع برعاية أصحاب المصالح. ثانياً: الدعوة إلى الوئام المدني ووقف إطلاق النار واعتبار الوضع حرباً أهلية، وبالتالي لا أحد سيُحاسب لاحقاً. ثالثاً: الدعوة إلى مصالحة وطنية، وذلك يعني عفا الله عما سلف، وينجو الجميع بفعلته والذين ماتوا، والمجرمون حسابهم عند ربهم ولا عقاب، ولا متابعة، ولا هم يحزنون في الدنيا. رابعاً: بقاء النظام في الحكم، ويتم استبدال الرئيس بشخصية جديدة حسنة السمعة وتـرضي الجميع، لكنه في الواقع تطور يخدم النظام ويدعم قوته، ويعطيه شرعية جديدة لم يكن يحلم بها قبل الثورة. خامساً: عندما ترضى المعارضة بالمصالحة فاقرأ السلام عليها، لأن النظام سيعمل على تلميع صورته وتشويه سمعة الطرف الآخر، ويستحيل بعدها القيام بثورة ديمقراطية في البلد. سادساً: العودة إلى نقطة الصفر، والجميع سيسكت خوفاً من تكرار الأحداث من جديد، وكلما ظهرت بوادر انتفاضة قام النظام بتفجير هنا وآخر هناك، فيهدأ الجميع.ولمن ما زال لديه أمل في الحرية، فإن النظام الذي قتل مليون سوري لا يقيم لك أي وزن ولا أهمية لوجودك، فيما لو تمكن ثانية. لاحظ كيف صمت الشعب الجزائري بعد تلك التجربة المريرة، وانظر إلى أين وصل وضعه الآن. رئيس مشلول، وفساد ليس له مثيل، ومجرمون يمارسون الموبقات على رؤوس الأشهاد، ولا أحد يجرؤ على الكلام، فالجميع خائف. وليعلم السوريون، إذا رجع النظام، فلن يرحم أحداً. وبالتالي، كل من ينخدع بوعود المصالحة المزعومة في سوريا، فلا يلم إلا نفسه. لهذا أمام الشعب أمران اثنان: إما أن ترضوا بالعودة إلى نقطة الصفر وفق الأحداث المتوقعة. وإما أن توحدوا الصفوف، وتحسموا أمركم ضد النظام الحاكم، لأنه في أضعف أحواله، ولو كان قادراً على المواجهة لما بدأ في الدعوة إلى المصالحة أصلاً.فاختاروا مصيركم الآن: إما أن تكونوا أو لا تكونوا.اللهم اشهد أني قد بلغت.أخوكم المحب ابن الجزائر.
7425
| 14 ديسمبر 2014
هناك نموذج مشؤوم للثورات الحديثة كان يجب على كل شعوب وثورات الربيع العربي أن تتعلم منه كي لا تقع في الحفرة التي وقعت فيها الثورة الرومانية الشهيرة في عام 1989، ففي نهاية ذلك العام وبعد حكم ديكتاتوري قل مثيله في التاريخ الحديث انتفض الشعب الروماني على الطاغية سيء الصيت نيكولاي تشاوسيسكو الذي كان صديقاً حميماً لبعض الطواغيت العرب، وتمكن الثوار خلال أيام من إسقاط واحد من أحقر وأعتى الطغاة في القرن العشرين. وانتهت بمحاكمة الطاغية خلال ساعتين فقط بإطلاق الرصاص عليه وعلى زوجته. لقد ظن الشعب الروماني أنه بعد التخلص من الطاغية أن ثورته قد نجحت، وأن نظام تشاوسيسكو قد ولّى إلى غير رجعة، لكن الثوار كانوا ساذجين للغاية، فقد كان لهم الحرس القديم، أو ما يسمى بالدولة العميقة بالمرصاد. فبعد أن ارتدى الديكتاتور الجديد ثوب الثوار، وامتدح الثورة، وهنأ الشعب على ثورته، راح من وراء الكواليس يخطط لانفلات أمني رهيب في البلاد، حيث ﺑﺪﺃﺕ ﻣﺠﻤوﻋﺎﺕ ﻣﻦ ﺍﻷﺷﺨﺎﺹ ﺍﻟﻤﺠﻬﻮﻟﻴﻦ ﻳﻬﺎﺟﻤﻮﻥ ﺑﻴﻮﺕ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻭﺍﻟﻤﻨﺸﺂﺕ ﺍﻟﺤﻴﻮﻳﺔ، ﻭأخذ ﺟﻨﻮﺩ ﺍﻟﺠﻴﺶ ﻳﺘﺼﺪﻭﻥ ﻟﻬﻢ ﺣﺘﻰ ﺃﺻﺒﺤﺖ ﺭﻭﻣﺎﻧﻴﺎ ﻣﻴﺪﺍﻥ ﺣﺮﺏ، ﻣﻤﺎ ﺗﺴﺒب في ﺇﺣﺴﺎﺱ ﺍﻟﻤﻮﺍﻃنين ﺑﺎﻟﻬﻠﻊ ﻭﺍﻧﻌﺪﺍﻡ ﺍﻷﻣﻦ. وﻣﻊ ﺍﻻﻧﻔﻼﺕ ﺍﻷﻣﻨﻰ ﺍﻟﻤﺘﻌﻤد وغياب الخدمات الأساسية، ﺍﺭﺗﻔﻌت ﺍﻷﺳﻌﺎﺭ، ﻭﺃﺻﺒﺤت ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ في غاية الصعوبة والفوضى.في هذه الأثناء، كان الإعلام ﺍﻟﺨﺎﺿﻊ ﻟﻠﻨﻈﺎﻡ يلعب ﺩﻭﺭﺍً ﻣﺰﺩﻭﺟﺎً، ﻓﻬﻮ ﻣﻦ ﻧﺎﺣﻴﺔ ﺳﺎﻫﻢ في ﻧﺸﺮ ﺍﻟﺬﻋﺮ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﺍﻟﺸﺎﺋﻌﺎﺕ ﺍﻟﻜﺎﺫﺑﺔ ﺍﻟﻤﺘﻮﺍﻟﻴﺔ، ﻭﻓي ﺍﻟﻮﻗﺖ ﻧﻔﺴﻪ ﺭﺍﺡ ﻳﻤﻌﻦ ﻓي ﺗﺸﻮﻳﻪ ﺻﻮﺭﺓ ﺍﻟﺜﻮاﺭ. ﻭﺗﻮﺍﻟﺖ ﺍﻻﺗﻬﺎﻣﺎﺕ ﻟﻤﻦ ﻗﺎﻣﻮﺍ ﺑﺎﻟﺜﻮﺭﺓ ﺑﺄﻧﻬﻢ ﺧﻮﻧﺔ ﻭﻋﻤﻼﺀ يتلقون ﺃﻣﻮﺍﻻً ﻣﻦ ﺍﻟﺨﺎﺭﺝ ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﺇﺳﻘﺎﻁ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻭﺗﺨﺮﻳﺐ ﺍﻟﻮﻃﻦ. ومع ارتفاع حدة الهلع وعدم الاستقرار والأزمات الطاحنة، ﺗﺄﺛﺮ ﺍﻟﻤﻮﺍﻃﻨﻮﻥ ﺑﺤﻤﻼﺕ ﺍﻟﺘﺸﻮﻳﻪ ﺍﻹﻋﻼﻣي، ﻭﺑﺪﺃﻭﺍ ﻳﺼﺪﻗﻮﻥ ﻓﻌﻼً ﺃﻥ ﺍﻟﺜﻮﺍﺭ ﻋﻤﻼﺀ. ﻭﻋﻨﺪﻣﺎ ﺃﺣﺲ ﺍﻟﺜﻮﺍﺭ ﺑﺄﻥ ﺇﻳﻠﻴﺴﻜﻮ ﻳﺴﻌﻰ ﻹﺟﻬﺎﺽ ﺍﻟﺜﻮﺭﺓ، ﻧﻈﻤﻮﺍ ﻣﻈﺎﻫﺮﺓ ﻛﺒﻴﺮﺓ ﺭﻓﻌﺖ ﺷﻌﺎﺭ: ﻻ ﺗﺴﺮﻗﻮﺍ ﺍﻟﺜﻮﺭﺓ.. ﻓﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﻣﻦ ﺇﻳﻠﻴﺴﻜﻮ ﺇﻻ ﺃﻥ ﻭﺟﻪ ﻧداء عبر شاشات ﺍﻟﺘﻠﻴﻔﺰﻳﻮﻥ ﺇﻟﻰ من أسماهم ﺍﻟﻤﻮﺍﻃﻨﻴﻦ ﺍﻟﺸﺮﻓﺎﺀ.(ﻻﺣﻆوا ﺗﻜﺮﺍﺭ ﺍﻟﺘﻌﺒﻴﺮ). ﻭﻃﺎﻟﺒﻬﻢ ﺑﺎﻟﺘﺼﺪي ﻟﻠﺨﻮﻧﺔ، ﻭﻗﺎﻡ ﺇﻳﻠﻴﺴﻜﻮ ﺳﺮﺍً ﺑﺎﺳﺘﺪعاء ﺁﻻﻑ ﺍﻟﻌﻤﺎﻝ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻨﺎﺟﻢ، ﻭﺃﺷﺮﻑ ﻋﻠﻰ ﺗﺴﻠﻴﺤﻬﻢ، ﻓﺎﻋﺘﺪﻭﺍ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺜﻮار، ﻭﻗﺘﻠﻮﺍ ﺃﻋﺪﺍﺩﺍً ﻛﺒﻴﺮﺓ ﻣﻨﻬﻢ. لاحظوا أيضاً أن الطاغية الجديد أطلق على عصابته التي انقلبت على الثورة وسرقتها، اسم "جبهة الخلاص أو الإنقاذ الوطني" التي تكونت من قيادات الصف الثاني من الحزب الشيوعي الروماني المنحل. وقد عمدت الجبهة إلى إطلاق العنان لفلول النظام البائد، فبدأت بالجيش، وعقدت صفقات مع جنرالاته. ورغم إعلان الجبهة نيتها عدم خوض انتخابات 1990، وأنها غير طامعة بالسلطة أبداً وأن هدفها فقط إنقاذ رومانيا، إلا أنها أعلنت عن تأسيس حزب سياسي عند اقتراب موعد عقد الانتخابات، واستخدمت وسائل الإعلام الحكومية بكثافة - والتي كانت لا تزال تحتكر الفضاء الإعلامي في البلاد - وقامت بتعبئة الناخبين من خلال شبكات الحزب الشيوعي القديمة في الريف والحضر، فتمكنت الجبهة من حسم أغلبية مطلقة لصالحها في أول برلمان روماني بعد الاستقلال، وهو البرلمان الذي وضع دستوراً يطلق صلاحيات السلطة التنفيذية خصوصا الرئيس. وفي 1992 عقدت أول انتخابات رئاسية خاضها إيون إيليسكو رئيس جبهة الإنقاذ، وأسفرت عن فوزه بأغلبية مطلقة قاربت 85% من أصوات الرومانيين طبعاً عبر عميلة مزورة من رأسها حتى أخمص قدميها. فباتت رومانيا برلماناً ورئاسة في يد كوادر الحزب الشيوعي السابق التي تمكنت من إعادة إنتاج سلطتها بعد التخلص من تشاوتشيسكو، حسبما تذكر الموسوعة السياسية حرفياً.لقد نجحت (جبهة الخلاص أو الإنقاذ الوطني) في إجهاض الثورة الرومانية بعد سنه ونص فقط من قيامها، وفقدت الثورة الكثير من التعاطف الدولي لها، بينما استمر فلول تشاوسيسكو في السلطة لعشر سنوات بعد الثورة الشهيرة.انظروا حولكم في بلاد الثورات العربية، وقارنوا ما حدث في رومانيا بما يحدث في بعض بلاد الربيع العربي، فستجدون أن الدرس الوحيد الذي نتعلمه من التاريخ أنه لا أحد يتعلم من التاريخ، كما قال هكسلي ذات يوم. وسلامتكم!
7517
| 07 ديسمبر 2014
لا أدري، نضحك أم نبكي عندما نسمع وسائل إعلام "المماتعة والمقاولة" وهي تتشدق بصمود بشار الأسد والانتصار على "المؤامرة الكونية" وإفشالها. فإذا كانت المؤامرة قد فشلت، وأدت إلى دمار سوريا وتهجير شعبها، فكيف لو نجحت، لا سمح الله؟ كيف كان سيكون وضع سوريا؟ ربما انتصار آخر ويختفي بلدنا عن الخارطة!يا من تتفاخرون بصمود بشار الأسد وانتصار الدولة السورية، لو عرفتم الحقيقة، لبكيتم دماً على "صموده" المزعوم حتى الآن، فلو سقط، كما سقط حسني مبارك وزين العابدين بن علي، لما وصلت سوريا إلى هنا. بشار الأسد، أيها المغفلون، لم يصمد، بل أراده أعداء سوريا أن يبقى كل هذا الوقت كي يدمروا بلدنا من خلاله وبواسطته. ونجحوا. لاحظوا أن سقوط مبارك وزين العابدين بن علي في مصر وتونس خلال أسابيع أنقذ مصر وتونس من الخراب والدمار الذي حل بسوريا بسبب عدم سقوط الأسد. ولو بقي مبارك وبن علي في الحكم، لكانت مصر وتونس الآن في وضع مشابه لسوريا، لا سمح الله، لكن سقوطهما أنقذ تونس ومصر، وكان نعمة عليهما، بينما كان "صمود" بشار المزعوم نقمة على سوريا والسوريين.لقد بدأ أعداء سوريا، بمن فيهم روسيا وإيران، على تطويل أمد المحنة السورية ودعم بشار الأسد ورفض أي محاولة لتنحيه عن السلطة منذ اللحظات الأولى. لقد تمثلت المؤامرة الكونية الحقيقية على سوريا في الإبقاء على الأسد، لأن بقاءه يضمن المزيد من الدمار والانهيار خدمة للأعداء.بشار الأسد كنز إستراتيجي لإسرائيل وأمريكا من الناحية العملية، فقد نفذ كل ما تريدانه، وربما أكثر بكثير. هو المغناطيس العظيم الذي جذب إلى سوريا كل أنواع الأشرار ليحولوها إلى أنقاض، ماذا يريد أعداء سوريا أجمل من ذلك؟ المنطقة بأكملها على كف عفريت بفضل خدمات بشار الأسد، إنه القائد لمشروع الفوضى "الهلاكة". ولو تخلوا عنه في بداية الأزمة السورية، لما استطاع ضباع العالم إيصال الشرق الأوسط إلى ما هو عليه الآن من فوضى واضطرابات وكوارث وقلاقل؟ ولو أرادت أمريكا وإسرائيل لتكافئانه، لشيدتا لبشار تماثيل من ذهب.ومما يؤكد ذلك أن إحدى العواصم شهدت مؤتمراً هاماً مغلقاً حول سوريا قبل مدة، حضره كبار الإستراتيجيين والمسؤولين الغربيين والدوليين، فسأل أحد الحضور مسؤولاً كبيراً: "لماذا لا تتدخلون في سوريا"، فأجاب المسؤول: "الوضع في سوريا مثالي جداً بالنسبة لنا، فكل السيئين الذين نكرههم يخسرون، ويهلكون في سوريا، كان بإمكاننا أن ننهي بشار الأسد بسهولة، لكن لو أنهيناه، لتوقف الدمار المطلوب، نحن نريد بقاءه مرحلياً، لأنه أشبه بالمغناطيس الذي يجتذب السيئين إلى المحرقة السورية، فيحرقهم، ويحترق معهم". أيها المتشدقون بصمود بشار: لا تتفاخروا إذاً، بل ابكوا على وطن تمزق، وانهار، وشعب تشرد بسبب "صمود" بشاركم، وهو ما يريده أعداء سوريا بالضبط. أمريكا تدعو إلى تنحي بشار، وروسيا ترفض. لعبة مفضوحة منذ سنوات هدفها تمديد فترة الدمار. يوماً ما ستندمون على التصفيق للصمود "المسموم" الذي كلفنا وطناً، وجعل شعبنا طعاماً للأسماك في عرض البحار، وجعلكم أنتم أيها الشبيحة تتسابقون على تقديم طلبات اللجوء في ألمانيا وغيرها.صمود بشار حتى الآن أشبه بالشجرة التي تحجب الغابة، يستخدمونه ستاراً وذريعة مكشوفة للإجهاز على ما تبقى من وطن كان اسمه سوريا.سحقاً لصمود كلفنا وطناً كان اسمه سوريا!
27531
| 30 نوفمبر 2014
كي نكون واقعيين، لابد من توصيف الثورات العربية في تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا، بأنها ما زالت "ثورات تيك أواي"، أي أنها أشبه بالوجبات السريعة التي لا تسمن، ولا تغني من جوع، لأنها لم تمر بالتسلسل والتطور الطبيعي للوجبات والثورات، فالوجبة الحقيقية تمر بمراحل خمس أو حتى أكثر، الشوربة، فالسلطة فالمقبلات، فالطبق الرئيسي، فالأجبان، فالحلويات، ناهيك عن الوقت الذي يستغرقه تحضيرها. لكن لو قارنا الثورات العربية، بالوجبات مكتملة الأطباق، لوجدنا أنها مجرد طبق غير مغذ، عابر، معبأ في وعاء بلاستيكي هزيل يتناوله الناس عادة لملء المعدة، إما لأسباب اقتصادية، أو بسبب العجلة، لأنهم غير مستعدين لتحضير وجبة كاملة، أو دفع ثمنها، أو حتى الانتظار لحين نضوجها.مشكلة الإنسان العربي تاريخياً أنه إنسان عجول، ملول، كما لو أن العرب جميعهم من برج الجوزاء الذي يتميز مواليده بأنهم يتحمسون لأمر ما، لكنهم لا يصبرون لإكماله، فيتوقفون في منتصف الطريق، إن لم يكن في ربعه، وذلك على عكس الشعوب صاحبة النفس الطويل كاليابانيين والإيرانيين، فبينما يمضي حائك السجاد الإيراني سنوات كي ينجز سجادة عجمية رائعة مليئة بالزخارف والتفاصيل، نجد أن الإنسان العربي سرعان ما يترك ما بدأه بالأمس بسبب قلة الجلد والصبر والمثابرة. ومن الواضح تماماً أن هذه الصفة العربية السيئة تركت أثرها السلبي على الثورات العربية، فقد ظنت الشعوب التي ثارت أن الثورات يمكن أن تحدث وتنتهي بكبسة زر على طريقة الوجبات السريعة. فالتونسيون ظنوا أنهم أنجزوا ثورتهم خلال أربعة أسابيع، والمصريون اعتقدوا أن الثورة انتهت بعد ثمانية عشر يوماً، واليمنيون، خلال شهور قليلة، والليبيون، ظنوا أن الثورة تحققت بالقضاء على القذافي. وبدورهم يعتقد السوريون أن ثورتهم ستكتمل بمجرد سقوط بشار الأسد من الحكم.الثورات تاريخياً، يا جماعة الخير، ليست وجبات سريعة، بل تحولات كبرى على كل الأصعدة، ولا تنتهي بمجرد القضاء على رأس السلطة أو الطاغية، فالمستبد كرأس جبل الجليد الذي لا يظهر منه فوق الماء سوى عشره أو حتى أقل. والتخلص من الرأس لا يعني انتهاء الثورة وتحقيق أهدافها. فالثورة الفرنسية استمرت عقوداً، وتآمر عليها كل ملوك وحكام أوروبا، لكنها نجحت في آخر المطاف، ليس في تغيير وجه فرنسا، بل في تغيير وجه أوروبا كلها.على العكس من ذلك، لاحظنا كيف تنحى الثوار جانباً في بعض ثورات التيك أواي، وتركوا الدولة العميقة تعيد ترتيب أوضاعها لتعود بشرعية جديدة أقوى وأشرس بعشرات المرات، كما هو الحال في مصر، حيث عاد العهد القديم بوجوه جديدة أكثر نهماً للطغيان والتسلط والاستبداد. أين هم شباب الثورة المصرية الذين ملأوا الدنيا ضجيجاً، وشغلوها لبضعة أسابيع؟ لقد تبخروا تماماً، لأنهم ظنوا أن الثورة أنجزت أهدافها خلال ثمانية عشر يوماً دون أن يعلموا أن المسار طويل جداً، وبحاجة لمتابعة ونضال أشرس في وجه جذور الاستبداد المترسخة منذ عقود في كل مفاصل الدولة؟ حتى في تونس كما يقول سمير حمدي، "بقي فؤاد المبزع رئيس برلمان زين العابدين بن علي مصدراً للشرعية طوال الفترة الانتقالية، ما منح الفرصة للقوى المضادة للثورة لإعادة التشكل وبناء ذاتها، بصورةٍ منحتها، في فترة وجيزة، قوةً لم تكن لتحلم بها. وفي الوقت نفسه، دخلت القوى الثورية في حالة تنازع حزبي وصراع على كعكة سلطةٍ، لم يتم استخلاصها بعد من أنياب الدولة العميقة". لقد تناسى الثوار التونسيون أيضاً أنك إذا سمحت للعهد البائد أن ينافسك على السلطة، فإنه سيفوز عليك لاحقاً، لأنه يعلم دهاليز السلطة ومنعرجاتها أكثر منك بكثير بفضل خبرته الطويلة في السياسة والتسلط. وهذا ما حصل فعلاً، فبدل بناء دولة جديدة على مدى طويل، قبل الثوار التونسيون بتقاسم السلطة مع بقايا العهد الساقط، مما أدى إلى عودته بقوة بوجوه وأشكال جديدة أكثر خطورة، لأنه، هذه المرة يستمد قوته من صناديق اقتراع حقيقية.بدوره، "شهد النموذج اليمني خروجاً آمنا للرئيس السابق، وبقاء أهله وأتباعه فاعلين في المشهد السياسي، يعطلون مسيرة الإصلاح، ويستمدون القوة من حلفاء إقليميين، لا يريدون لثورة اليمن أن تصل إلى ما يصبو إليه الشعب، من حرية وكرامة وعدل، قبل أن يتم توظيف الطائفية السياسية في أسوأ مظاهرها، للانقلاب على كل التوافقات، وإدخال البلاد في فوضى وعنف". لقد أراد الثوار اليمنيون تناول الوجبة قبل نضوجها، فنزلت في بطونهم جمراً، بدل أن تنزل برداً وسلاماً.وفي ليبيا، بدل أن تستمر الثورة في تنظيف الساحة، وبناء دولتها الجديدة، راح الثوار يتصارعون على الكعكة قبل أن تنضج، فتحولت الثورة وبالاً على الليبيين، ناهيك عن أن فلول النظام الساقط، على هزالتهم، استطاعوا أن ينظموا صفوفهم بدعم خارجي، وعادوا بثورة مضادة من خلال اللواء حفتر وشركائه، لأن الثوار الليبيين، كبقية الثوار العرب، لم يطبخوا ثورتهم على نار هادئة، ولم يعطوها الوقت الكافي كي تنضج.وحدث ولا حرج عن الوضع السوري، حيث تصارعت الجماعات الثورية على جلد الدب قبل أن تصطاده، كما يقول المثل الروسي، مما جعل النظام الفاشي يصمد لسنوات.لا نقول هذا الكلام لتثبيط عزيمة الثوار. لا أبداً، فلكل ثورة كبوات، وليس كبوة واحدة، كما علمنا التاريخ. ويجب على بلدان الثورات أن تعتبر الربيع العربي مجرد "بروفة" للثورات اللاحقة. وهي قادمة لا محالة. لقد خرج المارد من القمقم إلى غير رجعة. وسيكون الجيل القادم أكثر شراسة واندفاعًا وقوة وعزيمة وصلابة من جيل الثورات الحالي بعشرات المرات بعد أن شاهد ما حدث لشباب الثورات. لن تستطيعوا سحق الجيل القادم مهما فعلتم، ومهما تآمرتم. الثورات المضادة مرحلة عابرة، وسيعود السيل الجارف أقوى كثيراً من السيل الذي بدأه البوعزيزي في تونس. لن تكون الثورات القادمة ثورات "جنك فود"، بل كاملة الأطباق. لا شك أنها ستكون مرحلة صعبة ومؤلمة وربما طويلة، لكنها ستنجب مولودًا جديدًا تمامًا ومجتمعات وشعوبًا جديدة.. والأيام بيننا.
11482
| 23 نوفمبر 2014
ليس هناك أدنى شك بأن الثورة السورية واحدة من أكثر الثورات المشروعة تاريخياً، فلم يتعرض شعب في القرن العشرين للقهر والفاشية والإذلال المنظم كما تعرض الشعب السوري على أيدي النظام الأسدي الطائفي الغاشم الذي لم يشهد له التاريخ مثيلاً. وبما أن ذلك النظام بات رمزاً لكل ما هو وحشي وهمجي قذر، لم يقبل حتى بتلبية أبسط مطالب السوريين، فاستبدل قوانين الطوارئ سيئة الصيت التي ثار السوريون عليها بقانون الإرهاب الذي راح يحاكم السوريين بموجبه، ويضعهم أمام محكمة الإرهاب لمجرد التلفظ بكلمة بسيطة. كل من يفتح فمه ضد النظام أصبح حسب القانون الجديد إرهابياً وجب اعتقاله إذا كان موجوداً، أو صدر قرار بحرق منزله أو مصادرة أملاكه إذا كان خارج البلاد. لقد أصبح السوريون بعد الثورة يترحمون على قوانين الطوارئ على بشاعتها بعد "الإصلاحات" الإرهابية التي قام بها النظام بعد الثورة. وعندما أراد بشار الأسد أن يضع دستوراً جديداً للبلاد على سبيل الإصلاح المزعوم، وضع مواد جديدة تجعل حتى سلاطين القرون الوسطى يحسدونه على السلطات التي منحها لنفسه بموجب الدستور الجديد، فهو راع لكل شيء في سوريا، حتى الزبالة والزبالين والقمامة والنخاسين، لم يترك شيئاً إلا ووضعه تحت رعايته.وليت بشار الأسد اكتفى بوضع القوانين القراقوشية للانتقام من السوريين لأنهم ثاروا عليه، بل راح يستخدم كل أنواع الأسلحة المحرمة دولياً كي يثأر من الثورة. والأنكى من ذلك أنه عمل على تحويل سوريا إلى بؤرة تجتذب كل شذاذ الآفاق إليها لإفساد الثورة وجعلها تبدو في نظر العالم مجرد فوضى وحركات إرهابية. كلنا يتذكر كيف أخرج كل المتطرفين من سجونه بعد الثورة، وزودهم بالسلاح كي يقاتلوه، ويحولوا الثورة إلى صراع دموي. وقد لاحظنا كيف كان بشار الأسد في خطاب القسم السخيف يتلذذ ويتشفى وهو يتحدث عن إفشال الثورة وتحويل سوريا إلى ساحة صراع يعبث بها القاصي والداني.وكي يحمي بشار الأسد نفسه ونظامه قدم كل أوراق اعتماده لإيران وروسيا وإسرائيل، وتعهد بأن يكون مجرد بيدق في المخططات الروسية والإيرانية والإسرائيلية، بشرط ألا يسقط نظامه تحت أقدام السوريين، ويكون مصيره كمصير بقية الطغاة الذين قضوا تحت نعال الشعوب. لقد تحول النظام السوري إلى مجرد أداة قذرة ضد سوريا والسوريين، لا بل أصبح حراس قصره من غير السوريين، فالأمر الناهي أمنياً وعسكرياً في سوريا هي إيران وميليشياتها العراقية واللبنانية باعتراف الميليشيات الشيعية نفسها. أما روسيا فقد سلمها بشار الأسد كل ثروات الغاز والنفط من خلال عقود طويلة الأمد مدة بعضها ربع قرن من الزمان.لقد كان النظام السوري يهدف من خلال الارتماء الكامل في الحضنين الروسي والإيراني دفع خصومه أيضاً إلى الارتماء في أحضان القوى المنافسة لإيران وروسيا في سوريا، بحيث تضيع القضية السورية، وتتحول سوريا إلى سلعة دولية يسمسرون عليها من أجل منافع سلطوية حقيرة. فعندما وجدت جماعات المعارضة السورية أن النظام بات يحتمي بمنظومة عسكرية وأمنية واقتصادية روسية إيرانية مفضوحة، لم يجدوا بداً من الارتماء في أحضان المعسكر الآخر لمواجهة النظام. وقد أصبح بعض شرائح المعارضة السورية بدورها، كالعراقية سابقاً، مضرباً للمثل في التسول والسير وراء الآخرين. لا شك أن هناك بعض الجهات العربية والأجنبية التي وقفت إلى جانب المعارضة السورية لتمكينها من مواجهة أكثر الأنظمة فاشية في القرن العشرين، وعملت الكثير على مساعدة السوريين. لكن هناك جهات كثيرة أخرى لا يهمها في سوريا سوى تحقيق مصالحها الضيقة التي لا تمت لمصالح السوريين بصلة.ولو نظرنا إلى الخارطة السورية الآن لوجدنا أن كل طرف خارجي منخرط في الأزمة يغني على ليلاه، ولا يهمه لا سوريا ولا السوريين. هل يعلم السوريون الآن أن كل القوى المتصارعة على سوريا والمتحالفة مع النظام أو بعض فصائل المعارضة لا يهمهما الشعب السوري قيد أنملة. الكل يبحث عن مصلحته في سوريا. إيران تستخدم بشار الأسد كأداة لتوسيع إمبراطوريتها الشيعية الفارسية والوصول عبر الأسد إلى شواطئ المتوسط. وروسيا تريد الحفاظ على قواعدها البحرية في سوريا، بالإضافة إلى نهب الثروات الغازية والنفطية السورية التي أعطاها إياها الأسد مقابل الحماية والسلاح والحفاظ على طرق الغاز والنفط الدولية. وتركيا لا تريد لإيران أن تصبح على حدودها السورية، وتعمل على تأمين الشمال السوري لصالحها. وأمريكا طبعاً تريد تأمين الحليف الإستراتيجي إسرائيل من الخطر السوري واستغلال الموقع الإستراتيجي لسوريا. مع ذلك، يستمر بشار الأسد، ويستمر معارضوه في السمسرة للقوى المتكالبة على سوريا كي تنهش في الجسد السوري، وتحقق مطامعها، حتى لو أدى ذلك إلى تدمير الوطن وتهجير شعبه وتحويله إلى طعام للأسماك في عرض البحار والمحيطات.
4891
| 16 نوفمبر 2014
لا شك أن الأرزاق التي يحصل عليها الإنسان في حياته هي مجرد قرض يقترضه من مالك هذا الكون، بطريقة أو بأخرى، بيسر أو بعسر، ثم إما يعيده له، بعد أن يتوفاه الله، إذا لم يكن عنده ذرية، فيقوم باقتراضه آخرون، أو يتركه للذرية لتعيده، عاجلاً أم آجلاً، إلى ربها أيضاً. بعبارة أخرى، فإن أموالنا وممتلكاتنا الزائدة عن حاجتنا الاستهلاكية ليست لنا أبداً، خاصة، وكما يقول المثل: ليس للكفن جيب نضع فيه مدخراتنا عندما نأوي إلى اللحد دون رجعة. "ما حدش واخد منها حاجة"، مع ذلك يكنز الإنسان المال، ويتهافت على جمعه حتى الرمق الأخير، مع العلم أنه قد لا يستفيد منه، أو يستغله، أو يستمتع به في شيء، أو حتى لا يورثه لأولاده في أحيان كثيرة. كم أشعر برغبة شديدة للضحك المجلجل على عبيد المال والرزق الذين لا همَّ لهم في هذه الدنيا سوى تكديس المزيد من النقود والممتلكات، كما لو أنها ستعيلهم بعد الموت. فهذا العجوز أو ذاك المريض يقاتلك، ويقاضيك، ويحوّل حياتك إلى جحيم من أجل دراهم، مع العلم أنه يمتلك الملايين منها، وليس لديه حتى تَلَد يستفيد منها بعد مماته، مع ذلك نجده يعض عليها بالنواجذ، وهو يعلم أن شهوراً أو ربما أياماً فقط تفصله عن الموت المحتم. أعرف شخصاً ثرياً بلا ذرية يعاني من عشرين مرضاً أو ربما أكثر، وبعضها خطير جداً، وبالكاد يستطيع أن يمشي بسبب الجروح المتقيحة في رجليه بسبب مرض السكر. لكن صاحبنا لا همَّ له سوى ملاحقة سكان البناية التي يملكها ويقطن فيها، وتنغيص حياتهم من أجل الحصول منهم على بعض الدريهمات بطرق ملتوية، فمرة يتهم جاره بأنه وضع مدخنة قريبة من نافذته، ومرة يتهم آخر بفتح ثغرة صغيرة في الجدار للتهوية. وما إن يعرض عليه المُشتكى عليهم بعض النقود، حتى يتوقف عن الشكوى فوراً، وما إن يتوقفوا عن سد "بوزه" بالفلوس حتى تثور ثائرته، فيتوجه إلى السلطات على عكازيه بطريقة هستيرية هزلية كي يشتكي لتحصيل بعض القروش. كم كان بودي أن أعبر عن حالة صاحبنا المَرضية بشكل أكثر كوميدية، لكن لا بأس، فإن الأديب الفرنسي الشهير موليير سخر من هذا الصنف المضحك من البشر بشكل رائع في مسرحية "البخيل". آه كم فسدت حياتنا في عصر الثروة والتحصيل المادي العظيم، الكل في عجلة من أمره، فتجد مثلاً رجل أعمال غارقاً في الثراء حتى أذنيه، يبتلع وقت الغداء سندويشة هزيلة بلا وعي، كما تبتلع الأفعى فريستها، وهو يفكر بالصفقة القادمة أو المرابح المرجوة. صحيح أننا "نأكل لنعيش، ولا نعيش لنأكل"، لكن الله عز وجل نصحنا بأن نأكل "من طيبات ما رزقناكم"، أو بالأحرى الاستمتاع بالطيبات، لكن، للأسف غدونا عبيداً للمال الذي نستقتل كي نجمعه ثم نموت تاركينه وراءنا. كم أتلهف لأعرف كيف يفكر الأثرياء من جنس بني آدم، ما هي نظرتهم للرزق وللحياة والموت؟ ألا يشعرون بغصة مخيفة عندما يتذكرون أن كل ما جمعوه وكدسوه من ممتلكات ستؤول إلى غيرهم بعد سنوات قلائل؟ هل يدركون أن ما يملكونه هو ما يصرفونه فقط؟ هل يعلمون أن ما لا يصرفونه سينتهي في أيدي غيرهم؟ هل يعلمون أن أولادهم قد يبددون كل ما ورثوه في سويعات على أسخف الأمور وأحقرها؟ هل فكروا أن كل ذلك الركض وراء المال نهايته عبثية، وأن كل شيء ينتهي في لحظة؟. كم أضحكني أحد الإقطاعيين المسنين ذات مرة وهو يدلني على ألوف الدونمات التي يمتلكها من الأراضي: "فهذه الهكتارات المترامية الأطراف لي، وتلك أيضاً"، راح الإقطاعي يحدثني متباهياً بأملاكه الشاسعة، لكني ما لبثت أن سألته بنوع من السخرية: "ألا تعتقد أن تلك الفدادين الهائلة من الأراضي ليست ملكك، بل مؤجرة لك إلى حين، أو تكون في عهدتك لفترة محددة لا أكثر ولا أقل، ثم تنتقل ملكيتها إلى شخص آخر بعد سنوات معدودة، وهكذا دواليك، فالملك لله وحده؟"، فصمت الإقطاعي قليلاً، وبدت على وجهه علامات الغضب، كما لو أنني شككت في أحقية امتلاكه لتلك الأراضي، أو نافسته على ملكه الوفير. لكنه سرعان ما اعترف مجبراً بأن الأرض باقية وهو فان قريباً. ربما تذكر حينها بيت أبي العلاء المعري الشهير: "خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجسادِ". وذات يوم سألت ابنتي عن صديقتها الثرية جداً: "كيف تشعرين وأنت تصادقين طفلة غنية جداً جداً، فضحكت بطريقة فلسفية معبرة وقالت: "تصور يا أبي أن صديقتي لديها من الأماكن الخلابة الكثير الكثير، لكن المضحك فيها أنها تمضي وقتها في غرفة نومها بمنتجعاتهم الخاصة وهي تحادث صديقاتها عبر الإنترنت، وبالكاد تستمتع بمناظر المنتجعات من شواطئ ومزارع ومصحّات وقصور وفلل، ومع ذلك فهي وأهلها تطمع بالمزيد والمزيد من الممتلكات!".عجيب أمر هذا الإنسان الذي يفتح عشرات الحسابات البنكية، ويبني القصور والفلل والأبراج الشاهقة وناطحات السحاب، ويقيم المشاريع الهائلة، ويشتري مئات العقارات والمزارع وحتى الجزر هنا وهناك، لكنه لا يجد الوقت كي يستمتع بها، فيمضي لياليه في سرير طوله متران وعرضه متر في حجرة كالزنزانة. فالإنسان مهما امتلك من قصور وأراض شاسعة وعقارات لن يكون بمقدوره سوى النوم على مساحة مترين. وقد لا يجد من بين تلك المساحات مكاناً ليحتضن جثته فيما لو انفجرت به الطائرة أو مات في البحر، ولن يملأ أكثر مما تقدر عليه معدته، ولو كان يتحكم بتجارة القمح في العالم. هل سيتوقف أحد عن اللهاث وراء المال والممتلكات بعد هذا المقال؟ بالطبع لا.. لكن فليعلم اللاهثون، على الأقل، أن المال الذي لا تنفقه ليس لك!
5550
| 09 نوفمبر 2014
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز...
5883
| 23 سبتمبر 2026
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها...
3918
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية...
3129
| 24 سبتمبر 2026
ما لفتني في خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ...
2232
| 23 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص...
1080
| 28 سبتمبر 2026
أخطر التضليل الإداري لا يحتاج إلى تزوير رقم...
1059
| 27 سبتمبر 2026
بعد أيام من رحيل مؤسس الشركة، يجتمع الأبناء...
933
| 29 سبتمبر 2026
كان ظهور جهاز جديد في الماضي يعني أن...
756
| 23 سبتمبر 2026
جاء قرار معالي رئيس مجلس الوزراء الموقر بإعادة...
663
| 29 سبتمبر 2026
-سمو الأمير لخصَ السياسة الخارجية القطريةفي معادلة تجمع...
642
| 27 سبتمبر 2026
يحظى المعلم في دولة قطر بالاهتمام الكبير والتقدير...
495
| 25 سبتمبر 2026
لقد فطر الله تعالى عباده على حب المال،...
465
| 27 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية