رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

كيف دمرت وسائل الإعلام مشاعرنا وأحاسيسنا الإنسانية!

وسائل الإعلام ليست مجرد سلاح ذي حدين أبداً، بل هي سلاح متعدد الحدود، فبقدر ما تمكن الاستفادة منها للتثقيف والتعليم والاطلاع، بقدر ما يمكن أن تكون أداة خبيثة للفبركة والتوهيم والإيهام وخلق عوالم افتراضية لا وجود لها إلا على الهواء. ولعل أكثر دورين يتم تناولهما عند الحديث عن أدوار وسائل الإعلام، هما التنوير والتزييف. لكن الدور الذي لا يقل خطورة يكمن في كون تلك الوسائل أداة رهيبة للتبليد ونزع المشاعر والأحاسيس وتحويل الناس إلى قطعان وماكينات استهلاكية مجردة من الإنسانية. وبما أن وسائل الإعلام تستخدم كل تقنيات علم النفس القديم منها والحديث، فقد نجحت في التلاعب بمشاعر الجماهير، إن لم نقل تمكنت من إزالتها في أحيان كثيرة من الصدور ليتحول ملايين المشاهدين والمستمعين والقراء إلى مجرد قطعان فاقدة الإحساس. لا شك أنها نعمة كبرى أن يتأقلم الإنسان مع أي بيئة جديدة، وأن يتحمل كل المصاعب والمشقات والألم بعد سنوات من العيش الرغيد، وأن يقبل بالعيش في عالم مليء بكل أنواع المآسي بعد أن تعود على العيش في عالم جميل. ومن المعروف في علم النفس أن الإنسان بحكم العادة يتعود على أفظع العادات والتجارب على قساوتها وبشاعتها. صحيح أن الصدمة تكون قوية عندما يشاهد الإنسان منظراً دموياً للمرة الأولى، لكن عندما يشاهده أكثر من مرة يفقد المشهد دمويته ووحشيته، وربما يصبح شيئاً مألوفاً. وذكر لي أحد سكان دمشق أنهم في المرة الأولى التي سمعوا فيها أصوات القذائف بالقرب من مسكنهم كادوا يموتون من الرعب، لكن مع الأيام، بدأ الأطفال يجلسون على شرفة المنزل ويشاهدون القذائف، لا بل يتجادلون بطريقة لا تخلو من المتعة حول فيما إذا كانت صاروخية أو رصاصية أو غير ذلك. وفي أحد المسلسلات الكوميدية اللبنانية، بدأ يشتكي البعض بعد انتهاء الحرب من اضطرابات في النوم، وفي أحد المشاهد يشتكي صديق لصديقه من عدم قدرته على النوم بعد أن هدأت أوضاع البلد، فيقوم الصديق بتشغيل شريط مُسجل من الانفجارات، ويضع آلة التسجيل بالقرب من سرير الشخص الذي يعاني من قلة النوم، فعندما يسمع أصوات الانفجارات يغط في نوم عميق. لقد كنا نتألم ونتضور حزناً لمجرد مشاهدة دجاجة تـُذبح أو عنزة تـُسلخ أو شجرة تـُقلع أو طفل يبكي. أما الآن في عصر "على الهواء مباشرة"، فقد كدنا نفقد أحاسيسنا ومشاعرنا لكثرة ما شاهدناه من فواجع ولحوم بشرية متطايرة وكوارث يشيب لها الولدان. إن أعصابنا في طريقها إلى التبلد فعلاً. لا شك أننا كنا نُصاب بكم هائل من الانزعاج والتوتر والألم عندما كانت الشاشات تنقل لنا مباشرة مناظر القصف والتدمير والفواجع، لكن من سخرية القدر فقد بدأنا نألف الفظائع وسفك الدماء والشواء البشري بعد أن أصبحت مادة يومية لأجهزة الإعلام. لقد كان البعض يفقد شهيته للطعام لأيام بلياليها لمجرد أنه شاهد منظراً مزعجاً، أما الآن فترانا ندخن الشيشة، وننفخ دخانها باسترخاء عجيب ونحن نشاهد بناية كبيرة انهارت فوق رؤوس أصحابها أو زلزالاً فظيعاً ضرب مدناً وقرى فمحاها عن وجه الأرض. لم تعد مناظر الدمار والخراب والبؤس الإنساني تثير فينا الكثير من الألم والأسى حتى ونحن نتناول طعامنا. وقلما تجد شخصاً يتوقف عن تناول وجبته لمجرد أنه شاهد منظراً فظيعاً على الشاشة. ربما يغير القناة، لكنه على الأرجح لن يضحي بصحنه اللذيذ حزناً على ما رآه من أهوال حية ومباشرة. لقد زادت قدرتنا على النسيان بشكل عجيب في عصر السماوات المفتوحة والنقل الحي لمآسي المعمورة. فقد غدا الكثير من الكوارث التي مرت بنا قبل أشهر مجرد ذكريات عابرة. وليس صحيحاً أبداً أن التليفزيون الحديث زاد من قدرة الشعوب على الانتفاض والتحدي والثورة. لقد فعل العكس تماماً كما لو كان مُخدراً عجيباً في بعض الأحيان. كثيرون زعموا أنه لو توفرت وسائل العولمة الإعلامية عام 1948 لما ضاعت فلسطين، ولكان الناس ثاروا وحرروها على الفور، وهذا طبعاً هراء في هراء. لقد نقلت لنا التليفزيونات غزو العراق لحظة بلحظة، وأظهرت لنا هول الفواجع والمآسي والأجساد الممزقة والرؤوس المقطوعة وصور الأطفال المخنوقين بالأسلحة الكيماوية في سوريا وفلسطين، لكننا اكتفينا بالتعلق بالشاشة كما لو كنا نشاهد مباراة كرة قدم بين فريقين لدودين، واستمتعنا بكل ثانية ودقيقة من تلك المبارزة الدموية الجهنمية الرهيبة. لقد غدونا كالعاملين في برادات الجثث في المستشفيات، فعندما يدخل طبيب التشريح أو عامل التبريد غرفة الجثث للمرة الأولى، لا شك أنه يُصاب بشعور مرعب، لكن مع الأيام يصبح هو والجثث أصحاباً، فينام بالقرب منها قرير العين دون أن يرمش له جفن. وهكذا حالنا مع عولمة الفواجع، نرتعب ونـتأسى في البداية ليصبح الأمر روتينياً مع الوقت. ألم تتحول وسائل الإعلام إلى أجهزة إعدام للإحساس الإنساني بامتياز؟

7311

| 10 أغسطس 2014

إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن

ليس هناك شعوب ومجتمعات تتحدث عن الأخلاق وتتشدق بها أكثر من الشعوب العربية والإسلامية. فهي تنظر إلى كل شيء بمنظار أخلاقي ديني، على اعتبار أن الدين ليس منفصلاً عن الحياة في العالمين العربي والإسلامي، بل هو الحياة بحد ذاتها. لا عجب إذاً أن يكثر في بلادنا الدعاة والخطباء والمفتون والواعظون والمرشدون الأخلاقيون. على العكس من ذلك لا وجود للدين في الحياة العامة في البلاد الغربية. وربما انقرض الواعظون منذ زمن بعيد. وقد لا تجدهم إذا بحثت عنهم إلا في الروايات الأدبية المكتوبة في القرون الماضية. لا دور للكنائس إلا ما ندر في الحياة الغربية، ولا يرتادها الناس إلا بأعداد قليلة جداً. هل سمعتم يوماً عن فتاوى دينية تحلل هذا وتحرم ذاك في البلاد المتقدمة؟ بالطبع لا. أما لو نظرت في جنبات البلاد العربية والإسلامية، فلأخذت الانطباع أن الناس فيها تمارس أعلى درجات الأخلاق والسلوك الراقي. كيف لا وهي تحكّم الأخلاق والدين في كل تصرفاتها. ولو استمعت إلى بعض البرامج الدينية في بعض الإذاعات والتلفزيونات العربية لاعتقدت أن الشعوب لا يمكن أن تقترف أي خطيئة حتى لو كانت تذوق نقطة من الخمر. ولطالما سمعنا البعض يسأل هذا المفتي أو ذاك عن تناول دواء فيه بعض الكحول. هل هذا حلال أو حرام؟ ولا بد أن تتعجب عندما تسمع شخصاً يسأل إذا كان من الحلال أو الحرام أن تعمل نادلاً في مطعم وتقوم أحياناً بمجرد تقديم لحم الخنزير للزبائن، أو تقوم بغسل صحون فيها بقايا من لحم الخنزير. من يستمع لمثل هذه الأسئلة يأخذ انطباعاً أن الأخلاق والالتزام بالقيم والمثل والخصال الحميدة في أعلى درجاته في البلاد العربية والإسلامية. لكن الحقيقة على الأرض أنه كلما كثر الحديث عن الأخلاق والمواعظ والقيم في بلادنا وجدنا أنه مجرد اجترار لفظي على عينك يا تاجر، وقد ينعدم في كثير من الأحيان في واقع الأمر. رغم وجود كم هائل من الوعظ والإرشاد والخطباء والقرآن والفقه ومئات المساجد وألوف الوعاظ في بلادنا، ألا أننا في واقع الأمر نعاني من أزمة أخلاق وحسن سلوك. لماذا؟ لأن الإنسان مهما ارتقى أخلاقياً يبقى عرضة للانحراف طالما أن ليس هناك قوانين صارمة تردعه وتلجم تصرفاته. ففي الغرب يكاد يختفي الحديث عن الأخلاق في الكنائس والمدارس والأوساط الاجتماعية، لكن مع ذلك تجد أن الناس هناك رغم عدم تدينهم يسيرون على الصراط المستقيم في تعاملاتهم التجارية والاجتماعية، فلا وجود للغش أو التلاعب أو الاحتيال إلا ما ندر. فلا يمكن للبائع أن يبيعك حليباً منتهي الصلاحية أو طعاماً فاسداً رغم أنه لم يسمع في حياته أبداً بالحديث الشريف: "من غشنا فليس منا"، ورغم أن الخوري في الكنيسة لم يأت أبداً في خطبة الآحاد على أخلاق البيع والشراء. أما عندنا فيمكن أن تجد شخصاً تصل لحيته إلى حضنه، مع ذلك فهو مستعد أن يغش أفراد عائلته، فما بالك بالآخرين. لماذا؟ لأن الأخلاق لا تردع، بل هي مجرد كلام أو وصايا غير ملزمة. وعندما قال الإمام محمد عبده إنه وجد في الغرب إسلاماً بلا مسلمين، فقد قصد بذلك أن القوانين الإسلامية تطبق في الغرب بحذافيرها، بينما تبقى في بلادنا مجرد مواعظ للاستهلاك الديني. الفرق بين المجتمعات العربية الإسلامية والمجتمعات الغربية (الكافرة) بأن الأولى لا تعمل بالقانون، بينما تحتكم الثانية في كل تعاملاتها إلى القوانين الملزمة، لهذا كل شيء هناك يسير بدقة ساعة رولكس، ليس لأن الناس هناك فضلاء، بل لأنهم محكومون بالنظام والقانون. وكل من يخالف القانون يتعرض للعقوبة المادية أو الجنائية. لا أحد يقطع إشارة المرور لأنه يعرف أنه سيدفع الثمن غالياً. ولا أحد يتلاعب بالمواد الغذائية، لأن محله التجاري سيغلق وسيدفع غرامات باهظة، ولا يمكن الصفح عنه لأن قريبه يشتغل في البلدية. لا أحد يمكن أن يستهلك الكهرباء أو الماء بشكل غير قانوني، بل عليه أن يدفع عن كل قطرة ماء يستهلكها، وأن يدفع الضرائب المستحقة على كل ما يجني من مال. والمسألة إذاً ليست أخلاقية، بل قانونية بالدرجة الأولى. ولطالما وجدنا العرب والمسلمين يصبحون مسلمين حقيقيين عندما يعيشون في مجتمعات غربية يحكمها القانون، ثم يعودون إلى طبائعهم العربية عندما يعودون إلى بلدانهم "الأخلاقية" المزعومة بين قوسين طبعاً. الأخلاق والدين لا يمكن أن يصنع مجتمعات فاضلة، القانون هو الذي يصنع المجتمعات المستقيمة، بدليل أن العرب يتعرضون يومياً لوابل من المواعظ والإرشادات الدينية والأخلاقية في وسائل الإعلام والمساجد، مع ذلك فمجتمعاتهم فاسدة ومنحرفة حتى النخاع، بينما الغربيون لا يسمعون أي مواعظ أخلاقية أو دينية، مع ذلك لديهم مجتمعات صالحة وعادلة، لأنهم محكومون بالقانون لا بالأخلاق والمواعظ والفتاوى. وما ينطبق على الشعوب ينسحب على الحكام، فالحاكم الغربي ليس أكثر أخلاقاً من الحاكم العربي، فهو لا يسرق، ولا يستغل منصبه السياسي، ليس لأنه صاحب أخلاق وضمير، بل لأن القانون يمسح به الأرض فيما لو حاد عن التعليمات الملزمة. ولطالما فقد بعض المسؤولين الغربيين مناصبهم بسبب اختلاس بسيط لا يصل إلى بضعة دولارات، بينما مازال الكثير من حكامنا لا يميزون بين المال العام والخاص.مجتمعاتنا وأنظمتنا السياسية ليست بحاجة لمواعظ أخلاقية ودينية وفتاوى شرعية، بل بحاجة فقط لحكم وسوط النظام والقانون، وعندها ستستقيم كحرف الألف. ويقول الماركسيون في هذا السياق: "القانون أقوى من الأفيون"، على اعتبار أن الدين، برأيهم، يخدر الشعوب، بينما القانون يردعها، ويضعها على الطريق الصحيح. أما الإسلاميون فيستشهدون بالحديث الشريف:" إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن".

17474

| 03 أغسطس 2014

جنرالات سوريا على خطى جنرالات الجزائر

حذرنا منذ الأشهر الأولى للثورة السورية من تكرار السيناريو الجزائري في سوريا بحذافيره. واعتمدنا وقتها على معطيات موضوعية صلبة، فالنظامان الجزائري والسوري متشابهان في الكثير من النواحي، فهما يقومان بالدرجة الأولى على المؤسستين الأمنية والعسكرية. صحيح أن كل الأنظمة العربية تعتمد على المخابرات والعسكر، لكن الطبيعة الأمنية والعسكرية للنظامين الجزائري والسوري تنفرد عن البقية من حيث عمقها وتشابكها وصلابتها. ربما يختلف النظام الجزائري عن السوري بأن الرئيس في الحالة الجزائرية هو مجرد واجهة للعسكر والأمن، بينما يظهر الرئيس في سوريا على أنه المحرك والآمر للمؤسستين العسكرية والأمنية. مع ذلك، هناك من يرى أنه حتى ذلك الاختلاف غير موجود، فبعض جنرالات الأمن السوريين يتفاخرون في جلساتهم الخاصة بأنهم هم صانعو الرؤساء، وليس العكس. ويذكر أحد كبار الجنرالات السوريين حرفياً أن المؤسسة الأمنية ارتأت بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد أن يستمر الحكم في شخص ابنه بشار، وكان لها ما ارتأت، وما أرادت. ونظراً لتشابه النظامين السوري والجزائري، فكان لابد من تعاون وحتى تواطؤ بينهما للحفاظ على تلك التركيبة الفريدة في الحياة السياسية العربية. من المعروف للجميع أن النظام الجزائري وقف مع نظام الأسد منذ اللحظة الأولى، وقد شاهدنا ممثل الجزائر في اجتماعات الجامعة العربية يعارض كل الإجراءات التي لجأت إليها الجامعة لمعاقبة النظام السوري. ولم يتوقف الدعم عند الجانب الدبلوماسي والسياسي، بل امتد إلى الجانب العسكري والأمني، بحيث يؤكد بعض العارفين على أن الجزائر قدمت دعماً عسكرياً ومخابراتياً كبيراً للرئيس السوري. والأهم من ذلك أنها ساندته بخططها وألاعيبها الأمنية المجربة منذ تسعينيات القرن الماضي في المواجهة مع الإسلاميين، خاصة أن نظام الرئيس حافظ الأسد كان بدوره قد قدم خبرته في قمع الإخوان المسلمين في الثمانينيات لنظيره الجزائري في التسعينيات. وكان لابد من رد الجميل، ولا يخفى على أحد أن هناك عاملاً مشتركاً آخر يلعب لصالح النظام السوري، فالعلاقات بين الجزائر وإيران لها خصوصية. ولعلنا نتذكر أن الجزائر كانت تقوم برعاية المصالح الإيرانية أيام القطيعة الدبلوماسية بين أمريكا وإيران، مما يجعل نظام الأسد والجزائر وإيران حلفاً واحداً.البعض يحاول أن يفصل بين الوضعين السوري والجزائري بالقول إن ما حدث في الجزائر في بداية تسعينيات القرن الماضي لم يكن ثورة شعبية بأي حال من الأحوال كما هو الوضع في سوريا، وبالتالي، فلا مجال للمقارنة. لكن الحقيقة أن الوضعين متشابهان إلى حد كبير، فما حدث في الجزائر أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ فازت في الانتخابات وقتها بنسبة كبيرة، فانقلب الجنرالات عليها، ولاحقوها ووصموها بالإرهاب، فدخلت معهم في صراع مشروع على اعتبار أنها كانت وقتها تمثل الضمير الشعبي المطالب بالتغيير والانعتاق من قبضة العسكر، فتطور الصراع بين نظام مستبد وحركة شعبية.ولو نظرنا إلى الوضع السوري tسنجد أنه قريب جداً من الوضع الجزائري. صحيح أن الشعب السوري انتفض بشكل عفوي دون وجود حركات إسلامية أو سياسية تقوده، إلا أن النظام عمل لاحقاً على إلباس الثورة لباساً إسلامياً متطرفاً، فأخرج الكثير من القادة المتطرفين من سجونه، وفتح الحدود أمام المتطرفين الأجانب كما يؤكد الدبلوماسي السوري بسام بربندي، وسمح لهم بمقاتلته كي يظهر أمام السوريين والخارج على أنه يواجه جماعات إسلامية إرهابية متطرفة. ولا ننسى كيف تلاقت لاحقاً مصالح النظام مع مصالح "داعش" وغيرها في ضرب الحراك الثوري المتمثل بالجيش الحر، وتحويل الأنظار من الثورة الأصلية إلى الجماعات المتطرفة. لسنا في واقع الأمر بحاجة للكثير من الجهد لرؤية ملامح التشابه في طريقة التعامل مع حركات المعارضة في التجربتين الجزائرية والسورية. عندما أراد النظام الجزائري أن يحبط تحركات خصومه ألبسها ثوباً إسلامياً متطرفاً، وراح يواجهها على أنها إرهاب. لا بل وصل الأمر به إلى تصنيع حركات إسلامية جهادية إرهابية في أقبيته الأمنية، ووجهها للقيام بالكثير من الأعمال الإرهابية حتى ضد مؤسسات الدولة الحيوية، وذلك كي يعطي لنفسه المبرر في سحق الحراك الشعبي أو أي قوى معارضة، بحجة أنها إرهابية. وقد لاقى نظام المخابرات الجزائري وقتها دعماً داخلياً ودولياً كمكافح للإرهاب. من منا لا يتذكر جماعة "الجيا" "GIA" الجماعة الإسلامية المسلحة التي صنعها نظام الجنرالات كي واجه بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ؟ وظل نظام الجنرالات يخوض معاركه ضد خصومه على مدى عقد كامل من الزمان مستفيداً من همروجة الإرهاب، وانتهى الأمر بانتصاره، وفرض شروطه على الخصوم وعلى الشعب الجزائري الذي نسي كل مطالبه السياسية، وقبل بشروط الجنرالات بعد أن أوصلوه إلى وضع كارثي مزر جعله يقبل بالعودة إلى حضن النظام بعد أن قدم له الجنرالات البديل الإسلامي المتطرف على مدى سنوات، وخوفوه به ليل نهار، فتمكن النظام بألاعيبه و"مصالحاته" وحركاته "الوئامية" الأمنية من إعادة البلاد إلى بيت الطاعة دون أن يقدم تنازلاً واحداً من قبضته الأمنية والعسكرية على مقاليد الحكم في البلاد.لاحظوا الآن نفس السيناريو في سوريا، فلا ننسى مثلاً أن النظام الجزائري ترك بعض المناطق تحت قبضة بعض الجماعات، كما يفعل النظام السوري الآن في شمال سوريا. والهدف من ذلك تركها تعاني من التهميش وسطوة المتطرفين بحيث تتوسل العودة إلى حضن الدولة فيما بعد. في الآن ذاته يتكرر السيناريو الجزائري سورياً في لعبة "المصالحات" المفروضة بالحديد والنار والتجويع والتركيع وفرمانات العفو الكاذبة.. قارنوا قانون الوئام والمصالحة الجزائري مع المراسيم السورية الجديدة التي تكاد تكون نسخة طبق الأصل عن الجزائرية. يسمونها مصالحات، وعفا الله عما مضى، بشرط أن يعفو الشعب عن كل ما اقترفه النظام، وألا يطالب بأي تغيير سياسي، وأن يبقى كل شيء على حاله، تماماً كما حدث في الجزائر، حيث بقي نظام الجنرالات كما هو رغم موت مئات الألوف من الجزائريين، وخراب البلاد. لاحظوا أن خطاب القسم للرئيس السوري لم يتضمن تنازلاً واحداً للشعب رغم تهجير نصف الشعب وقتل مئات الألوف وتدمير مناطق بأكملها، ناهيك عن أن العارفين ببواطن الأمور في سوريا يتحدثون الآن عن تقوية الأجهزة الأمنية وجعلها أكثر صلابة، مما يعني أن النظام يريد أن يستمر في نظامه الأمني بشكل أعتى. لكن مع الاعتراف بالكثير من التشابه بين الجزائر وسوريا، فلابد من الإشارة أيضاً إلى أن الوضع مختلف تماماً، من حيث الموقع الجغرافي، والتركيبة الديموغرافية والعامل الإقليمي والعربي والدولي. لكن بما أن النظام السوري يعتقد أن القبضة الأمنية هو علاج لكل شيء، فهو يظن أن التجربة الجزائرية يمكن أن تولد من جديد في سوريا. لكن ذلك لا يعتمد بأي حال من الأحوال على رغباته وخططه، بقدر ما يعتمد على النوايا الدولية، فلو كان هناك نية دولية لإبقائه فسينجح النموذج الجزائري. لكن عندما نسمع أحد منظّري النظام عماد فوزي شعيبي يقول: "لا أحد بالمطلق (بمن فيهم النظام) يعرف كيف سيكون غد سوريا"، عندئذ يصبح تشبيه الوضع السوري بالجزائري كتشبيه المريخ بالبطيخ لمجرد تشابه بعض الحروف.

14708

| 27 يوليو 2014

بالأمس فككوا الأمة.. واليوم يفككون أقطارها

مقالي اليوم ليس جديداً، بل كتبته في الثامن من الشهر الأول من عام 2007. لكن ما توقعته آنذاك يحدث بحذافيره. ولو أردت أن أوّصف الوضع اليوم لما غيرت كلمة واحدة. إلى المقال القديم الجديد دون زيادة أو نقصان: وكأن ما فعله المجرمان "التاريخيان" البريطاني مارك سايكس والفرنسي فرانسوا جورج بيكو عام 1916 من تقطيع لأوصال العالم العربي وتحويله إلى دويلات ومقاطعات ومحميات وأشباه دول ومزارع وكانتونات، وكأن الجولة الأولى من عدة جولات قادمة أخطر وأعتى لتقطيع المقطــع وتجزئة المجزأ وتقسيم المقسّم، مع الاعتراف بأن المسيو بيكو والمستر سايكس كانا، في اتفاقية "سايكس-بيكو" سيئة الصيت، أكثر رأفة بنا من السايكسبيكيين الجدد، فعلى الأقل لم يقسّما المنطقة على أسس طائفية ومذهبية وعرقية ودينية، فتعايشت الطوائف والمذاهب والأعراق والأديان في الكيانات العربية المصطنعة الناشئة دون نزاعات تذكر، باستثناء الكيان اللبناني الذي خرج على السرب منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي ليخوض حرباً أهلية ذات طابع طائفي بغيض. أما ما عدا ذلك، فقد سمت مكونات المجتمعات العربية فوق تمايزاتها الطائفية والمذهبية والعرقية لردح طويل من الزمن، حتى فكر جورج بوش بشن الجولة الثانية من شرذمة المنطقة طائفياً هذه المرة. ففي الوقت الذي تتشدق فيه أمريكا بضرورة صهر العالم في قرية كونية واحدة في إطار العولمة، فهي ما لبثت تقسم أوطاننا على أسس طائفية ومذهبية جاهلية. كما هو واضح الآن لكل من يمتلك ذرة وعي سياسي فإن السيناريو الجديد يتمثل في إحياء العداوات التاريخية بين شعوب المنطقة وإلباسها ثوباً دينياً وطائفياً ومذهبياً صارخاً، مع العلم أن جل الخلافات والاختلافات بين الطوائف والمذاهب كانت ومازالت سياسية بامتياز مهما حاول البعض إلباسها رداء عقدياً. لقد بدأت عملية تطويف المنطقة من العراق، حيث كان الأمريكيون يتعاملون مع أفراد المعارضة العراقية السابقة على أساس طائفي بحت تحضيراً لتنفيذ المخطط بعد الغزو. وقد اشتكى المفكر العراقي غسان العطية من تعامل الأمريكيين معهم على أساس شيعي وسني أثناء مؤتمرات المعارضة التي كانت ترعاها واشنطن في أمريكا وأوروبا قبل احتلال العراق. وقد عمل المحتل منذ اللحظة الأولى بعد الغزو على دق الأسافين بين الشيعة والسنة، مع العلم أن العراقيين عاشوا مئات السنين دون أن يعرفوا من هو السني ومن هو الشيعي بينهم. فلماذا أصبحوا يقتلون بعضهم البعض على الهوية بعد الاحتلال؟ وقد بانت النوايا الأمريكية التطويفية على حقيقتها من خلال ما سُمي وقتها بـ"مجلس الحكم" سيء الصيت الذي قام على توزيع طائفي بغيض. وليتهم اكتفوا بفدرلة العراق على خطورتها، بل راحوا يذكون نار الفتنة الطائفية بطريقة حقيرة للغاية، حيث سيكون العراق، فيما لو نجحت الفدرلة، أول نظام فيدرالي غريب في التاريخ الحديث يقوم على أسس طائفية. بعبارة أخرى فإنه قد تلبنن. وليس من المستبعد أن تكون دول عربية عديدة في طريقها إلى اللبننة، بحيث يصبح المثال اللبناني هو المعمول به عربياً، خاصة أن الكثير من البلدان العربية يزخر بالطوائف والعقائد التي يمكن وضعها في مواجهة بعضها البعض بسهولة كبرى. ومن المؤسف جداً أن بعض الدول العربية تساعد أمريكا بشكل مفضوح في هندسة مشاريع التفتيت الطائفية الجديدة ووضعها موضع التنفيذ. فهذا يتحدث عن "هلال شيعي" بهدف تحريك النوازع الطائفية الكامنة لدى شعوب المنطقة، وذاك يتهم بعض الطوائف بأنها موالية لجهات غير عربية كي يستثير الطوائف الأخرى ضدها، وذاك يعلن عن دعمه لطائفة معينة في العراق لإذكاء نار الطائفية المستعرة، مع العلم أن معظم الدول العربية التي تلعب بنار الطائفية مهددة بنفس النزاعات الدينية والمذهبية فيما لو أرادت أمريكا وإسرائيل تحريكها. فالكثير من البلدان العربية يمكن أن تتحول إلى عراق أو لبنان آخر، كبر أو صغر. يبدو أنه مطلوب من العالم العربي ألا يتوحد أبداً، وأن يكون في حالة تشرذم وتصارع دائمين، مرة باسم الصراع بين الإسلاميين والقوميين واليساريين، والآن باسم العداء التاريخي بين العرب والفرس، أو السنة والشيعة. ولا أدري إلى متى تبقى هذه المنطقة عرضة للتركيب والتفكيك عند الحاجة خدمة للمخططات والأطماع الاستعمارية في العالم العربي. ولا أدري إلى متى تبقى بعض الأنظمة العربية أدوات في عملية تجزئة المنطقة وتقطيع أوصالها. لكن ذلك لا يعني أن الطرف الآخر بريء من تهمة التحريض الطائفي والتوسع باسمه، كما هو حاصل في العراق، حيث تعمل إيران على تجريد بلاد الرافدين من هويتها العربية وتطويفها لصالح توجهاتها المذهبية والقومية العنصرية، مما يضعها في حالة صراع مذهبي وقومي مكشوف مع العرب والطوائف الأخرى، خاصة أنها أيضاً، كنظرائها العرب، لا تضع من جانبها حداً لناشري البغضاء الطائفية والمحرضين على الطوائف الأخرى، لا بل أطلقت العنان لـ"فرق الموت" و"فيالق الغدر" في ربوع العراق الجريح كي تنشر القتل والدمار والإرهاب على الهوية. بعبارة أخرى قبل أن نلوم الأمريكيين الذين يعملون جاهدين لتفتيت المنطقة على أسس طائفية وعقدية ومذهبية، لابد أن نلوم بعض حكومات الشرق الأوسط التي، إما أنها متورطة في اللعبة الأمريكية برضاها، أو أنها لا تدرك أبعاد المخطط التطويفي الخطير الذي قد تصبح مؤامرة "سايكس بيكو" بالمقارنة معه، مجرد "لعب عيال" لما ينطوي عليه من خطورة بالغة قد تحرق المنطقة وتعيدها إلى عصر ملوك الطوائف، بحيث قد نتحسر على أيام القــطرية التي أمضينا ردحاً طويلاً في محاربتها وذمها. وأرجو ألا يعتقد أتباع أي من الطوائف والمذاهب الإسلامية أن أمريكا تساند الواحدة ضد الأخرى من أجل سواد عيونها، إنما تفعل ذلك لضرب المسلمين بعضهم ببعض من أجل أهدافها الاستعمارية الخاصة. فواشنطن لم تأمر حكومة المالكي العراقية بإعدام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في أول أيام عيد الأضحى المبارك إرضاء للشيعة وكيداً للسنة، بقدر ما تريد دق إسفين بين الشيعة والسنة وجعلهم يذبحون بعضهم على الهوية لزمن طويل، بينما تكون هي في تلك الأثناء تحقق أطماعها في المنطقة. متى تعي شعوبنا وحكامنا أن ضباع العالم يخططون بقدر كبير من الاستمتاع، لإثارة النزعات الطائفية في دائرة الحضارة العربية والإسلامية ليسهل عليهم فرض السيادة والهيمنة إلى أمد طويل بهدف تقسيم هذه المنطقة الحيوية من العالم إلى دويلات طائفية ضعيفة، وليكون الكيان "الإسرائيلي" أقواها نفوذاً وجبروتاً، إن لم نقل ملك الطوائف المتوج؟

6143

| 20 يوليو 2014

لا تحلموا بالديمقراطية: إما حذاء العسكر أو سيف الخليفة

لا أعتقد أن شعباً في التاريخ الحديث تكالب عليه القاصي والداني كي يحول بينه وبين حريته وكرامته كالشعب العربي. ثارت شعوب كثيرة في العقود الماضية، وتمكنت بسرعة من الخلاص من الظلم والطغيان، ففي نهاية ثمانينيات القرن الماضي، أي قبل أقل من ثلاثة عقود، شهد العالم سلسلة من الثورات في الاتحاد السوفيتي وتوابعه في أوروبا الشرقية. ولم يمر وقت طويل حتى انتزعت الشعوب الأوروبية الشرقية حريتها من براثن الاستبداد الشيوعي. ولو نظرنا إلى ثورات أوروبا الشرقية لو جدنا أنها مرت بسلام، فلم يسقط ذلك العدد المهول من القتلى، ولم تتم تسوية بعض المدن والقرى بالأرض، ولم يتشرد الملايين من بيوتهم كي يبقى هذا الطاغية أو ذاك في السلطة. والأجمل من ذلك أن تلك الدول المتحررة من نير الطغيان الشيوعي سرعان من انضمت إلى شقيقاتها في أوروبا الغربية لتنضوي تحت لواء الاتحاد الأوروبي، وقد لاحظنا كيف بدأت الديمقراطية تتجذر في البلدان الجديدة رغم جثومها لعشرات السنين تحت نير الديكتاتوريات الشيوعية الوحشية.لقد عملت أمريكا وأوروبا الغربية كل ما بوسعها لإخراج الأوروبيين الشرقيين من تحت نير الطغيان الشيوعي، ليس فقط حباً بها، بل لأن الشيوعية كانت العدو الأكبر للغرب الرأسمالي على مدى عقود.على العكس من ذلك نجد أن الثورات العربية الأخيرة أصبحت كالأيتام على مائدة اللئام، وليتهم تركوها يتيمة تتدبر شؤونها بأنفسها، لا بل راحوا يتآمرون عليها بشتى الأساليب القذرة كي يعيدوا شعوبها إلى زريبة الطغيان والخضوع بدل الأخذ بأيديها كي تخرج إلى فضاء الحرية والكرامة الإنسانية. فليس هناك أفضل من الطواغيت بمختلف ألوانهم لخدمة المخططات الاستعمارية الجديدة.لاحظوا كيف جعلوا الثورة السورية عبرة لمن يعتبر، فحجم القتل والدمار والتهجير الذي لحق بالشعب السوري كان مقصوداً منه جعل بقية الشعوب العربية تكفر بالثورات والتمرد على طواغيت الداخل وأسيادهم في الخارج، وتفكر ألف مرة قبل الإقدام على أي انتفاضة شعبية، لأنها باتت تعلم حجم العواقب البشرية والمادية عليها، لقد بات شعار الكثيرين: "خليك على قردك كي لا يأتيك الأقرد منه".ولم يكتف المتآمرون على الربيع العربي بتحويل الثورة السورية إلى جحيم كي تكون بعبعاً يرعب بقية الشعوب، بل راحوا يخيرون الشعوب التي ثارت، ويمكن أن تثور بين البقاء تحت نعال الديكتاتوريات العسكرية أو الانتقال إلى ديكتاتوريات دينية لا تقل سوءاً. كل الشعوب تثور على الاستبداد لتنتقل إلى الديمقراطية، أما نحن فالديمقراطية ليست مطروحة كخيار أمامنا، بل علينا أن نختار بين طاغية عسكري وآخر ديني يعمل في خدمة ضباع العالم الذين يشحذون سكاكينهم لإعادة تقسيم المنطقة على أسس جديدة.رغم أن الحركات الإسلامية لم تلعب أي دور في بداية الثورات العربية، حيث كانت الهبات شعبية بحتة دون أي لون سياسي أو عقدي، إلا أن تلك الجماعات، خاصة المتطرف منها سرعان ما ركب الثورات، وراح يلبسها ثوباً دينياً بمباركة من القوى الكبرى وأزلامها وفلول الساقطين والمتساقطين الذين ثارت عليهم الشعوب. لماذا لم تظهر الجماعات المتطرفة إلا بعد الثورات؟ لماذا لم تبرز قبل تمرد الشعوب على الأنظمة ما دامت تحمل راية الإسلام، وتملك سلاحاً وتنظيماً، وترى ظلم وقمع الشعوب؟ لقد نجحوا في سوريا مثلاً في حرف الثورة عن مسارها وتحويلها إلى حركات إرهابية في نظر العالم بعد أن اختفى الجانب الثوري منها، وتحولت بمباركة النظام وحلفائه إلى صراع بين جماعات متشددة والنظام. ومن سوء حظ السوريين أن الكثيرين في العالم باتوا ينظرون إلى الثورة السورية على أنها مجرد إرهاب تمارسه جماعات متطرفة ضد نظام علماني. والهدف واضح جداً، لقد أردوا من وراء دفع تلك الجماعات المتشددة إلى الواجهة تخويف الداخل والخارج بأن بديل الديكتاتوريات "العلمانية" إمارات ظلامية أشد وأنكى. ومن الجلي أن الكثيرين باتوا يتمسكون بالديكتاتوريات العسكرية القديمة كي لا تحكمهم الجماعات الإسلامية المتطرفة، وقد لاحظنا كيف نجحوا في دفع الشعب المصري إلى الثورة على الرئيس المنتخب بعد أن شيطنوه، وصوروه على أنه يقود نظاماً ظلامياً يريد أن يحوّل مصر إلى إمارة إسلامية. ورغم كل الطغيان الذي تعرض له الشعب السوري على أيدي النظام على مدى عقود، إلا أن بعضه بات يفضل البقاء تحت سلطة النظام القديم خوفاً من الجماعات الإسلامية كداعش وحالش وعافش وغيرها. قد لا تكون تلك الجماعات من صنع الطواغيت، لكن هذا لا ينفي أنها نزلت عليهم وعلى أسيادهم وكفلائهم في الخارج برداً وسلاماً، فجعلتم يبدون في عيون شعوبهم والعالم حملاناً وديعة بالمقارنة معها.أيتها الشعوب العربية الثائرة: لا تحلمي بالديمقراطية، بل اختاري بين البسطار العسكري وسيف الخليفة، فهما الأفضل لمساعدتنا في تقطيع أوصال المنطقة وإعادة رسمها بالقلم والممحاة. هكذا يقولون للشعوب. فهل ستقبل الشعوب بأن تبقى على قرودها كي لا يأتيها الأقرد منها، أم أنها ستتخلص من القرود والأقرد منها ومن يحركها من الخارج معاً، وتقرر مصيرها بنفسها عاجلاً أو آجلاً. ألم تصبح ألاعيب مكافحة الإرهاب، وخلق البعابيع الدينية المتطرفة هدفاً مفضوحاً لتنفير الشعوب من الثورات وإبقائها في دائرة الخضوع والسيطرة؟ أليست لعبة استخباراتية مكشوفة من صنع محلي ودولي هدفها إعادة رسم ملامح لعبة الهيمنة على منطقتنا بالدرجة الأولى؟

7580

| 13 يوليو 2014

نعيب الاستعمار والعيب فينا!

لا شك بأن الطامعين بمنطقتنا يسعون جاهدين لإعادة تقسيمها إلى دويلات طائفية ضعيفة وملل ونحل متقاتلة، بعد أن كانت معاهدة "سايكس- بيكو" قد شرذمتها إلى كيانات مصطنعة وأقطار مبعثرة. وكما هو واضح الآن لكل من يمتلك ذرة وعي سياسي فإن السيناريو الجديد يتمثل في إحياء العداوات التاريخية بين شعوب المنطقة وإلباسها ثوباً دينياً وطائفياً ومذهبياً صارخاً حسبما نصت وثيقة "كيفونيم" الإسرائيلية الشهيرة وقبلها الوثيقة الخطيرة التي وردت في كتاب "خنجر إسرائيل" للمؤلف الهندي كارانجيا والتي يتم العمل على تنفيذها الآن بصورة أوضح وأسرع وأعنف وأكثر علانية مما حدث في أي مرحلة سابقة. لكن هل كان للسايكسبيكيين الجدد أن يقدموا على مشروعهم التطويفي الجديد لولا أن الأنظمة العربية مهدت لهم الأرض كي يعيثوا تخريباً وتقسيماً وشرذمة في ربوع هذه الأمة المتشظية؟ في الوقت الذي راحت فيه بقية دول العالم تنفتح على بعضها البعض وتندمج، وتتقارب، وتتخلص من تقوقعها الضيق في إطار الاندماج والتكتل، نجد أن العالم العربي يمعن في التقوقع، على كل المستويات تقريباً. وإذا سلـّمنا بأن التركيبة السياسية التقسيمية التي فرضتها القوى الاستعمارية على العرب بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية قد تجذرت، فإن ما يثير الهلع أن معظم الأنظمة العربية لم تعمل جاهدة فقط على تكريس التقسيم الاستعماري للمنطقة العربية، والتمسك به بأسنانها، بل سعت بدورها إلى نشر ثقافة التقوقع والتشرذم والتشظي والتفتيت المنظم على المستويات الاجتماعية والمذهبية والطائفية وحتى العائلية، مما جعل الحالمين بالوحدة العربية، أو على الأقل التكامل العربي، يترحمون على سفالة سايكس البريطاني وبيكو الفرنسي. إن ما نراه هذه الأيام من ضعف شديد في الوحدة الوطنية في بعض البلدان العربية، وانهيارها السريع في بعضها الآخر من أول هزة، هو نتيجة طبيعية لسياسات الإقصاء والاستئثار والتشرذم والقمع التي غذتها بعض الحكومات العربية، ثم وجد فيها السايكسبيكيون الجدد ضالتهم لتنفيذ مخططات التقسيم الجهنمية الجديدة. صحيح أن القوى الاستعمارية تحاول تجزئة المجزأ، وتفتيت المفتت، إلا أن المسؤول الأول عن هذا التشظي المتزايد على كل الصعد العربية الداخلية تقريباً هو بلا شك بعض أنظمة الحكم العربية التي تسلمت مقاليد السلطة بعد "سايكس بيكو"، أو بعد خروج المستعمر من ديارنا، فبدلاً من رأب التصدعات في البنى الدينية والاجتماعية التي خلقها الاستعمار راحت تغذيها. وكأنها كانت تقول لسايكس وبيكو نحن أفضل منكما في عمليات التقسيم والتفكيك. أنتما يا سايكس ويا بيكو قسمتما العرب على أسس جغرافية مصطنعة، ونحن الحكومات العربية، سنكمل المشوار بحيث يصل التقسيم حتى إلى الطوائف والعائلات والقبائل والعشائر والمذاهب. لقد تشدق رافعو الشعار الإسلامي بتوحيد العالم الإسلامي، وخلق عالم يمتد من إندونيسيا إلى أفغانستان، لكنهم على أرض الواقع كانوا يعملون على تمزيق منظم ليس فقط للعالم الإسلامي، بل حتى للبلدان التي تقع تحت سلطتهم المباشرة. فبفضل طريقة الحكم القائمة على الدوائر الضيقة والمقربين جداً وحرمان الناس من المشاركة السياسية والشعبية، حتى في إدارة البلديات، تمكنت بعض الأنظمة المتأسلمة من تفتيت مجتمعاتها، وقطع معظم الروابط البسيطة التي كانت تجمع بينها. فزاد التعصب القبلي والطائفي والعشائري وحتى العائلي، بحيث أصبحنا ننظر إلى سايكس وبيكو على أنهما ملاكان رائعان، لأنهما، على الأقل، لم يتلاعبا بطوائفنا ومذاهبنا وعوائلنا وقبائلنا ونسيجنا الاجتماعي والثقافي الداخلي، كما لعبت بعض أنظمتنا "الإسلامية". لقد فشلت الأنظمة التي كانت تطمح إلى إقامة عالم إسلامي واحد حتى في الحفاظ على وحدتها الوطنية، إذ يعاني بعضها الآن من مشكلة خطيرة للغاية تتمثل في عدم قدرتها على جمع مواطنيها تحت راية وطنية واحدة. فلم تتحقق الوحدة الإسلامية الموعودة، ولم يتحقق الكيان الوطني المحلي الذي يمكن أن نسميه وطناً أو دولة أمة بلغة التشكيلات السياسة الحديثة. إن الاستئثار الضيق جداً بالسلطة، وحصرها في نطاق أضيق أدى بدوره إلى نشر ثقافة التقوقع والتعصب القبلي والطائفي والمذهبي وحتى العائلي. ولا داعي للتذكير بأن هناك عداء مذهبياً مستحكماً خطيراً بين المذاهب الإسلامية داخل هذه الدولة أو تلك، بسبب تحريضها لطائفة على أخرى، ولكونها ليست دولة لكل مواطنيها. ولا داعي أيضاً إلى الإشارة إلى أن بعض المناطق التي تسكنها طائفة أو أناس من مذهب منبوذ معين تبقى مناطق فقيرة معدومة لا تصلها التنمية أو التطوير. ويكون نصيبها من الثروة الوطنية يسيراً جداً. إنه تمييز قبيح على أساس مذهبي أو طائفي. وفيما نجحت الأنظمة الإسلاموية في جعل شعوبها تحذو حذوها في التقوقع وتضييق دائرة الانتماء، برعت بعض الأنظمة التي رفعت شعارات قومية عريضة في دفع شعوبها إلى الدرك الأسفل من الانزواء، فبدلاً من أن يتحقق الوطن العربي الكبير، أصبح ديدن الكثير من الشعوب التغني بالانتماء الأضيق والتشبث به، فترعرعت الطائفية والمذهبية والعائلية بشكل لم يسبق له مثيل حتى أيام الاستعمار الذي كان يعيش على مبدأ (فرق تسد)، أو على تشرذم المجتمعات التي كان يحكمها. لقد نجحت بعض الأنظمة "القومية" فيما لم ينجح فيه المستعمر، فحولت بلدانها إلى شعوب وقبائل وطوائف وعوائل وأفخاذ متنافرة، فاستفحل التطويف والتمذهب والتفتيت المنظم بعد أن زرعت بذور الفرقة حتى بين منطقة وأخرى وعائلة وأخرى، وأحيت قيم الإقطاع البائدة بشكل مذهل، وفشلت فشلاً ذريعاً في جعل الشعب ينتمي إلى مفهوم الوطن، لأنها لم تعمل أصلاً على إنتاج مواطنين حقيقيين، بل ما زالت تتعامل مع الناس كرعايا ذوي انتماءات وتوجهات فئوية مختلفة. كي تعيش على تناقضاتها ولو نظرنا إلى بعض الأنظمة لوجدنا أنها كانت، وما زالت، إما أنظمة عائلية أو طائفية أو قبلية بامتياز، فهذا يرفع شعاراً عريضاً فضفاضاً للغاية ثم يسلم مقاليد الحكم ومفاصل الدولة الحساسة إلى أبناء قبيلته أو حتى عشيرته أو مذهبه وطائفته، بحيث يصبحون الحاكمين بأمرهم، إن لم نقل شعب البلد المختار. ويحدثونك عن المشاريع الكبرى، وهم الذين فتتوا مجتمعاتنا، وقطعوا أوصالها إرباً إرباً، بحيث وصل التفتيت إلى أصغر نواة في التركيبة الاجتماعية. فابشروا إذن أيها السايكسبيكييون الجدد، فإن "ملوك الطوائف" بطبعتهم العربية الأخيرة سهــّلوا لكم مهمة التطويف والتفتيت والشرذمة وتقطيع أوصال أوطاننا وإعادة رسمها، بحيث لم يعد أمامكم سوى وضع أختامكم على التقسيمات الجديدة.

8885

| 06 يوليو 2014

لماذا اعترف أوباما بأطباء الأسنان ممثلين للشعب السوري؟

إذا كانت أمريكا قد بدأت تتملص من التزاماتها مع حلفائها التاريخيين في المنطقة الذين تربطها بهم معاهدات ومصالح كبرى تعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي، فلا عجب أبداً أن تستخدم حلفاءها الطارئين في المعارضة السورية كعتلات صغيرة لتحقيق مشاريعها عن بعد، وفي أحسن الأحوال كفئران تجارب. قبل أيام قلائل أطل الرئيس الأمريكي أوباما علينا بتصريح من العيار الثقيل، فبعد سنوات من الدعم اللفظي لقوى المعارضة السورية، وبعد عنتريات إعلامية مكررة ضد النظام السوري، صرح أوباما على حين غرة بأن المعارضة السورية التي تقاتل النظام مجرد ثلة من المزارعين وأطباء الأسنان الذين لا يمكنهم أبداً أن يهزموا نظام الأسد. والسؤال الأول الذي يطرح نفسه على أي شخص يفهم ألف باء السياسة: هل كان الرئيس الأمريكي يحتاج إلى أكثر من ثلاث سنوات كي يتوصل إلى هذا الاكتشاف "المذهل" بأن الجيش الحر الذي طبلت أمريكا والغرب له ردحاً طويلاً من الزمن هو عبارة عن ثلة من البسطاء والمقاتلين غير المحترفين الذين لا يمكنهم بأي حال من الأحوال التصدي لجيش نظامي متدرب منذ عقود وعقود ومدجج بكل أنواع السلاح؟ لماذا عملت أمريكا إذاً على توريط الفلاحين ومعلمي المدارس في حرب مع جيش خاض الكثير من المعارك ضد الداخل والخارج؟ لماذا لم تقل لممثلي جيش المعارضة "الخـلبي" هذا الكلام الذي قاله أوباما قبل أيام منذ بداية الأزمة؟ لماذا استلم سفيرها في دمشق روبرت فورد الملف السوري منذ بداية الثورة، وكان يمضي معظم وقته مع قادة المعارضة من السياسيين والعسكريين، ويرشدهم إلى أفضل الطرق لمواجهة النظام؟ ماذا كان يفعل سفير أوباما في تركيا مع ممثلي أطباء الأسنان والمزارعين على مدى أكثر من ثلاث سنوات؟ ألم يقل فورد لسيده الرئيس وقتها إن قوات المعارضة السورية بدائية وغير مدربة، ولا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تبلي بلاء حسناً في وجه قوات النظام؟ هل يعقل أن السفير الأمريكي الذي كان يدير قوات المعارضة السورية كان يعمل لحسابه الخاص، ولم يكن يرسل تقاريره للخارجية الأمريكية أو البيت الأبيض أو وكالة الاستخبارات الأمريكية؟ هل علم أوباما فقط في الأسابيع الأخيرة أن قوات المعارضة التي تقاتل الجيش السوري وحلفاءه بلا فائدة عسكرية تـذكر؟لماذا صدع الرئيس الأمريكي رؤوسنا وهو يدعو الرئيس السوري إلى التنحي إذا كان يعلم أن قوات المعارضة التي ستحل محل الجيش السوري مجرد ثلة من المزارعين والنجارين والحدادين؟ ماذا كان سيحصل لسوريا لو وصل أطباء الأسنان والفلاحون إلى سدة القيادة السورية سياسياً وعسكرياً؟ هل كانوا قادرين على إدارة البلاد سياسياً، وحمايتها عسكرياً؟ أم إن أوباما كان يعمل على تكرار النموذجين العراقي والليبي في سوريا، بحيث تنهار القيادتان السياسية والعسكرية دون أن يكون لها أي بديل سياسي أو عسكري يمسك بزمام الأمور في البلاد؟والسؤال الأهم الذي لابد من توجيهه للرئيس الأمريكي بعد تقزيمه لقوات المعارضة السورية إلى ثلة من المساكين: لماذا يا سيادة الرئيس كنت تستقبل أنت وسفراؤك ووزارة خارجيتك ودفاعك ممثلي أطباء الأسنان والمزارعين السوريين الذين تسخر منهم؟ لماذا اعترفت بممثلي القوات التي تتهكم عليها كممثل وحيد للشعب السوري؟ ألم تعترف بائتلاف قوى المعارضة السورية على أنه الممثل الشرعي للشعب السوري؟ ألم تمنحه قبل أسابيع فقط مكتب ممثلية دبلوماسية، بينما قمت بإغلاق السفارة السورية؟ لماذا قدمت لهم كل تلك الخدمات الدبلوماسية والإعلامية واللوجستية إذا كانوا مجرد ممثلين لجوقة هزيلة من المزارعين البائسين الذين لا يمكن أن يحموا بيوتهم، فما بالك أن يقاتلوا جيشاً من أقوى جيوش المنطقة؟ واضح من خطتكم الأمريكية في سوريا على مدى أكثر من ثلاث سنوات يا سيادة الرئيس أوباما أنكم لا تريدون لطرف أن يحسم الوضع في البلاد، بل تريدونها حرب استنزاف منظمة تنهك كل أطراف الصراع السوري، لا بل محرقة للجميع. وعندما تشعر الأطراف المتورطة في الصراع بأنها فقدت قدرتها على الاستمرار في القتال، تتدخلون أنتم، وتفرضون مشاريعكم التي تعملون عليها منذ عشرات السنين. يبدو أنكم اقتربتم من تحقيق هدفكم في الاستنزاف والإنهاك للسوريين جميعاً، لهذا اعترفتم فجأة بضعف المعارضة التي كنتم تستخدمونها فقط كوسيلة إنهاك واستنزاف للطرف الآخر، فإذا ضعف طرف قمتم بتقويته كي يستمر في عملية الاستنزاف تحضيراً لعام 2018، حيث يكون قد مر على معاهدة سايكس-بيكو 100 عام، ولابد عندها من إعادة رسم خارطة المنطقة من جديد.صدق من قال: المتغطي بالأمريكان عريان.

18573

| 29 يونيو 2014

هل تلتهم النار الطائفية والمذهبية منطقتنا؟

يتواتر الحديث مجدداً عن أن العديد من بلادنا العربية دول لا تاريخية، أي أنها، كما وصف هنري كسنجر بعضها، مرسومة بالقلم والممحاة، وبالتالي، تمكن إعادة رسمها بالقلم والممحاة. هذه النغمة ترتفع وتيرتها هذه الأيام تزامناً مع الخطر المحدق ببعض الدول العربية، كالعراق وسوريا وليبيا واليمن ولبنان، التي تواجه خطر التفتيت والتفكيك بطريقة لا تخطئها عين. ولعل أفضل وسيلة لإنجاز تقسيم المقسّم وتجزئة المجزّأ هو اللعب على وتر الطائفية والقومية والمذهبية والمناطقية. لقد أصبح التحريض المذهبي والطائفي في المنطقة أسهل من شرب الماء، مع العلم أن الدول التي تحترم وحدتها الوطنية سنت قوانين غاية في الصرامة لحماية نسيجها الوطني من مجرد تلميح عرقي أو طائفي. قبل بضع سنوات، فقدت الوزيرة البريطانية آن وينترتون منصبها كمتحدثة باسم رئيس حزب المحافظين لشؤون الزراعة بسبب نكتة سخيفة. فقد روت الوزيرة أثناء تناولها الغداء مع مجموعة من الأصدقاء والصحفيين في أحد الأندية الرياضية، روت نكتة تسيء للجالية الباكستانية في بريطانيا، لكن النكتة أطارت الوزيرة من منصبها. فبعد ساعات فقط من وصول النكتة إلى وسائل الإعلام كان رئيس حزب المحافظين إيان دنكين سميث وقتها على الهاتف ليخبر الوزيرة بأنها مطرودة من حكومة الظل التي يرأسها. وقد برر سميث قراره السريع والحاسم بأنه يُمنع منعا باتاً التلاعب بالنسيج العرقي والاجتماعي في بريطانيا. أو بعبارة أخرى فإن الوحدة الوطنية في البلاد خط أحمر لا يجوز لأحد تجاوزه مهما علا شأنه، وأن أي مس به سيعرّض صاحبه لأقسى العقوبات. وقد سنت الحكومة البريطانية وغيرها من الدول الأوروبية قوانين صارمة جداً لمكافحة العنصرية والطائفية والتحزب العرقي والديني، بحيث غدا النيل من الأعراق والطوائف والإثنيات في البلاد جريمة يُعاقب مرتكبها بأقسى العقوبات. إن الشحن الطائفي والعرقي والإثني والمناطقي والديني ممنوع منعاً باتاً في الغرب، وأن أي محاولة لشق الصف الوطني أو إضعاف التلاحم الاجتماعي جريمة لا تغتفر في الأقانيم الغربية. إن الوحدة الوطنية في أوروبا وأمريكا شيء مقدس والويل كل الويل لمن يحاول التلاعب بها.لقد حاولت الحركات الانفصالية في أوروبا كثيراً الاستقلال، لكنها فشلت فشلاً ذريعاً في بريطانيا وفرنسا وإسبانيا وغيرها. فرغم لجوء منظمة الجيش الجمهوري الأيرلندي إلى العنف لعدة عقود من أجل فصل أيرلندا الشمالية عن بريطانيا، إلا أنها لم تنجح، وقد وجدت نفسها مضطرة أخيراً للتفاوض مع التاج البريطاني والتخلي حتى عن سلاحها. صحيح أن منظمة الباسك الإسبانية ما زالت تحاول الانفصال، لكن الحكومة الإسبانية لن تحقق لها مرادها على ما يبدو، وكذلك الأمر بالنسبة للكورسيكيين في فرنسا. ولا ننسى أن هناك ولايات أمريكية تسعى منذ زمن بعيد للاستقلال عن واشنطن كولاية كاليفورنيا، لكن الاستقلال ما زال حلماً بعيد المنال بالنسبة لها. لكن في الوقت الذي تحافظ فيه الدول الغربية على نسيجها الوطني واللحمة الداخلية وتحميهما من التفكك بضراوة عز نظيرها نجد أن التلاعب بالوحدة الوطنية في العالم العربي أصبح موضة، فقد قام الغزو الأمريكي للعراق في المقام الأول على سياسة "فرق تسد" التي كما هو واضح الآن حولت العراق إلى ملل ونحل وطوائف ومافيات متصارعة ومتناحرة بعد أن كان العراق يفخر بأنه لم يعرف التمييز بين عرق وآخر أو طائفة وأخرى على مدى أكثر من ثمانين عاماً. ويواجه العراق الآن خطراً ماحقاً، بعد أن فقد كل عوامل العيش المشترك، أولاً بسبب الغزو الأمريكي، وثانياً بسبب الحكم الطائفي الذي زرعه في العراق بالتواطؤ مع إيران. ولا ندري إذا كان العراق يستطيع أن ينجو من خطر التمزيق الذي بات قاب قوسين أو أدنى.وحدث ولا حرج عن سوريا التي تعاني وحدتها الوطنية الآن من هشاشة لم يسبق لها مثيل بعد أربع سنوات من الصراع الداخلي الذي كاد أن يقضي على الوحدة الوطنية، ودق أسافين بين المكونات الوطنية لا يعلم غير الله متى يمكن أن تزول.وبدورها تواجه ليبيا خطر التقسيم على أساس إقليمي، ولا ننسى أن بعض المناطق تحاول أن تستقل عن الوطن الأم منذ بداية الثورة، خاصة إقليم برقة، ولا ندري إذا كانت ليبيا بدورها ستنجو من خطر التفتيت. ولا يقل الأمر خطورة في السودان، فلم يكتفوا بسلخ الجنوب، بل هناك كلام عن تقسيم البلاد إلى دويلات.ولا يقل الوضع قتامة في اليمن الذي بات عبارة عن إقطاعيات متناحرة.متى يتوقف الشحن المذهبي والممارسات الطائفية والعرقية والقبائلية في المنطقة على كل الصعد الرسمية والمعارضة والإعلامية؟ يجب أن ترتفع الأصوات في كل مكان لفضح الطائفية، وملاحقة المروجين لها، وتحذير الحكومات والشعوب على حد سواء بأن سيطرة طائفة على طائفة لم تعد ممكنة، لا بل أصبحت تهدد وحدة الأوطان، وربما تؤدي إلى تشظيها. أليست ثورة العراق المحتدمة الآن سببها الرئيسي الحكم الطائفي الذي خلفه الغزو الأمريكي والإيراني؟ طوبى لمن يرفعون أصواتهم لفضح الطائفيين، وسحقاً لمن أوصلونا بأفعالهم وأنظمتهم الطائفية والمذهبية إلى ما نحن فيه الآن من دمار وخراب وانهيار.

5430

| 22 يونيو 2014

ما أحقر الراقصين على رُكام سوريا!

أعتقد جازماً أن قسماً من السوريين سيدخلون التاريخ أو موسوعة جينيس للأرقام القياسية لأكثر الشعوب تلذذاً بمصائبها وكوارثها وعذاباتها، فلم يحدث في تاريخ العالم أن أناساً تلذذوا بالرقص والدبكة والغناء على حطام وطنهم كما فعل، ويفعل بعض المغفلين، إن لم نقل المنحرفين السوريين. فقد أنفق بعض السوريين الموالين للنظام ما قيمته ملايين الدولارات من الرصاص قبل أيام احتفالاً بفوز بشار الأسد بمنصب الرئاسة لفترة رئاسية ثالثة. وقد قدر بعض المعلقين المبالغ التي صرفوها على رصاص الاحتفال بأنها يمكن أن تعيد بناء مئات المدارس والمشافي المدمرة. والأغرب من ذلك أن مئات السوريين سقطوا بين قتيل وجريح نتيجة الرصاص المتطاير بشكل عشوائي مجنون في كل حدب وصوب. وأقام البعض الآخر الأفراح والليالي الملاح في المناطق التي يسيطر عليها النظام للغرض نفسه. ولو تابعت وسائل الإعلام السورية، خاصة فضائيات السلطة، لأخذت انطباعاً أن سوريا انتصرت على أمريكا، وهي تتربع الآن على عرش العالم، وليست بلداً مُدمراً. ربما يغفر البعض للذين ملأوا سوريا ضجيجاً احتفالياً في الأيام الماضية، على اعتبار أن ما فعلوه ليس احتفالاً في واقع الأمر، بل تعبير فرويدي عميق عن حالة القلق والرعب والخوف التي تنتاب المحتفلين المؤيدين للنظام. وبالتالي فإن مظاهر الاحتفال ليست سوى تغطية نفسية على القلق القابع في نفوسهم. ولو أردنا أن نشبه حالة الاحتفال والرقص الجنوني التي اجتاحت بعض السوريين المؤيدين، لربما شبهناها بحالة الشخص الخائف الذي يسير في الظلام وهو في حالة رعب شديد، فيقوم بالغناء بصوت عال جداً كي يطرد الخوف من نفسه، وكي يخيف من قد يحاول أن يتعرض له بأذى. لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نعتبر حالة الجنون المرضي التي اجتاحت بعض السوريين في الأيام الماضية إلا بأنها أشبه بمرض نفسي لا يمكن أن تخطئه عين. فليس هناك ما يدعو للاحتفال في سوريا، بأي حال من الأحوال، لا للمؤيدين ولا للمعارضين، وهو ينم عن انحراف اجتماعي لم يشهد له العالم مثيلا. فمن المعروف اجتماعياً في بلادنا أن الناس تحاول أن تتضامن مع جيرانها فيما لو تعرضوا لمكروه، لهذا إذا كان بعضهم على وشك أن يحتفل بمناسبة زفاف، فيقوم على الفور بتأجيلها إذا توفي أحد الجيران في الحارة، وذلك احتراماً لمشاعر المكلومين، أو على الأقل يقوم بالتخفيف من مظاهر الاحتفال بالمناسبة كي لا يؤذي مشاعر الجيران المنكوبين بحادثة وفاة أو مكروه عظيم. لكن الذين احتفلوا بنتيجة الانتخابات المعروفة سلفاً لم يرمش لهم جفن وهم يتراقصون على ركام وطنهم وآلام ملايين المنكوبين من أبناء جلدتهم.كيف يحتفل المؤيدون في بلد نزح فيه حوالي ثمانية ملايين من بيوتهم التي تعرضت للدمار، وأصبحوا عالة على المدن والقرى الأخرى، ولا يستطيعون الآن تأمين رغيف الخبز لأطفالهم، فما بالك الدواء. وحدث ولا حرج عن حوالي خمسة ملايين لاجئ في الخارج يفترشون الطرق والأرصفة، ويتسولون لقمة الخبز في لبنان والأردن وتركيا ومصر وبقية الدول العربية والأجنبية، كيف يحتفلون وقد خسرت سوريا بنيتها التحتية تماماً؟ كيف يحتفلون بعد أن تحولت معظم مدن وقرى سوريا إلى أنقاض يرزح تحتها أكثر من مليون جثة لا أحد يعرف مصيرها؟ وكيف نسوا أن سوريا خسرت صناعتها ومصانعها ومصدر رزقها وآبارها النفطية، بينما تحولت معظم أراضيها الزراعية إلى أرض محروقة؟ كيف يحتفلون وقد غدا بلدهم ساحة صراع يحارب فوقها كل من هبّ ودبّ من معظم أنحاء العالم؟ إنها قمة المازوخية، ذلك المرض العقلي الذي يصور حالة الذين يتلذذون بمصائبهم وعذاباتهم. والأنكى من ذلك أن المحتفلين ومن يقف وراءهم يحاول أن يصور نفسه على أنه منتصر دون أن يدري أن كل من يتحدث عن انتصارات أو إنجازات أو صمود في سوريا، نظاماً أو معارضة، يضحك، أو يسلي نفسه بحكايات خرافية. فطالما بقي النظام في دمشق، فهذا انتصار للنظام وهزيمة للمعارضة، لكن طالما بقيت المعارضة في المناطق التي حررتها، فهذه أيضاً هزيمة كبرى للنظام، لا يمكن للنظام أن يعلن النصر النهائي إلا عندما يستعيد السيطرة الكاملة على كل حلب وإدلب ودير الزور والرقة والحسكة والقامشلي وريف اللاذقية وريف حماة وريف حمص وريف دمشق ودرعا. وهذا طبعاً أصبح مثل حلم إبليس في الجنة على المدى المنظور، وبالتالي، من المضحك أن يتفاخر النظام ومؤيدوه بالنصر، ويرقصوا، إذا كانت مناطق شاسعة من سوريا خارج سيطرة النظام.وبالمقابل، طالما بقي النظام مسيطراً على العاصمة ومراكز العديد من المدن، فلا يمكن للمعارضة أن تتحدث عن نصر. الوضع في سوريا أصبح عبارة عن عملية تقاسم نفوذ، وهذا ما يجب أن يفهمه المحتفلون الأغبياء. وقد حذر المبعوث الدولي الأسبق إلى سوريا الأخضر الإبراهيمي من أن سوريا مقبلة على "صوملة" من النوع الخطير، مع العلم أن الصوملة وقعت، وترسخت في سوريا منذ سقوط الكثير من المناطق تحت سيطرة قوى المعارضة، وتحولها إلى إمارات وإقطاعيات. غالباً ما يحتفل الناس الأسوياء بتحرير الأرض، لا بسقوطها في أيدي الأعداء، كما يفعل المؤيدون للنظام السوري. بكل الأحوال، لا يحق لأحد، لا معارضة ولا نظاماً، أن يحتفل في سوريا بعد كل ما حل ببلدهم من خراب ودمار وهلاك. كيف يحتفلون بعد أن وصفت الأمم المتحدة الكارثة السورية بـ"مأساة القرن"؟ ما أحقر الراقصين على حطام الوطن!

6185

| 15 يونيو 2014

أيها القابعون في أسفل مثلث ماسلو: ما الفرق بينكم وبين الحيوانات؟

يقسّم عالم النفس الشهير أبراهام ماسلو، حسب هرمه أو مثلثه الشهير بـ"مثلث ماسلو"، يقسّم احتياجات الإنسان إلى خمسة احتياجات أساسية على شكل تسلسل هرمي، ابتداء من قاعدة الهرم وانتهاء برأسه، أو قمته. ويقبع في أسفل الهرم احتياجات الإنسان الفيزيولوجية، ثم تليها الاحتياجات الأمنية، فالاجتماعية، فاحترام أو تقدير الذات، ثم في أعلى الهرم، يأتي تحقيق الذات. وهذا يعني أنه كلما تدنت الاحتياجات في موقعها من الهرم، تصبح، على أهميتها الحيوية، أقرب إلى الحاجات الحيوانية. ومن المعروف أن الحيوانات تحتاج فقط إرضاء متطلباتها الفيزيولوجية فقط.ولو نظرنا إلى تاريخ الإنسان العربي على مدى نصف قرن أو أكثر من الزمان، أي منذ الاستقلال وتسلم ما يسمى بالأنظمة الوطنية مقاليد الحكم في البلاد، لوجدنا أنها حصرت اهتمامات الشعوب ضمن أسفل "مثلث ماسلو". بعبارة أخرى، فلم تهتم إلا بتأمين الحاجات الفيزيولوجية بالدرجة الأولى، ومن ثم الحاجات إلى الأمن والاستقرار. وبما أن كل الأنظمة العربية أنظمة أمنية مخابراتية بامتياز، فقد أهملت الاحتياجات الإنسانية العليا التي يتضمنها "مثلث ماسلو"، وركزت على الجانب الفيزيولوجي نسبياً، وكثفت اهتمامها بالجانب الأمني، لتصبح الحياة بالنسبة لملايين العرب مجرد أمن واستقرار، ولتذهب الحاجات الإنسانية الأسمى، كاحترام الذات وتحقيقها أمراً ثانوياً بالنسبة لدولة المخابرات العربية.لقد زرعت الأنظمة الأمنية الفاشية في عقول الشعوب وأذهانها وحتى في أعماقها فكرة أن الأمن الدائم هو أهم شيء في حياة الإنسان، ولتذهب بقية الحاجات إلى الجحيم، مع العلم أن "الأمن الدائم" شعار يصلح فقط لأبواب المقابر، فالسكون الدائم لا يحدث إلا في أماكن سكن الموتى. ومن المحزن أن الدولة الأمنية نجحت نجاحاً باهراً في إقناع الشعوب بأن الشعور بالأمان هو أهم هدف في الحياة، وما عداه لا قيمة له أبداً. لهذا نجد أن مجتمعاتنا تحولت إلى مستنقعات آسنة لا تتحرك فيها المياه أبداً، ففسدت وتعفنت. عجباً لأمة يقول دستورها، القرآن الكريم: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض"، عجباً لماذا ضحكت عليها الدولة الأمنية وحولتها إلى بلاد أشبه بالمقابر من حيث سكونها وخنوعها وتلذذها بالصمت والاستقرار المزعومين. لقد أصبح الإنسان العربي، وبعد عقود من الترهيب والتخويف والتدجين، أصبح مهووساً بالأمن، إلى حد أنه مستعد للتخلي عن باقي احتياجاته الإنسانية الأخرى والعيش على الكفاف مقابل أن يعيش بأمان. لا عجب أن تسمع الكثيرين بعد أحداث الربيع العربي التي هزت الاستقرار المفروض بالحديد والنار الذي كان يتمتع به الإنسان العربي، لا عجب أن تسمعهم يحنون إلى أيام الطغيان الخوالي، حيث كانت الناس تأكل وتشرب وتعيش بأمان، وكأن الحياة مجرد استهلاك حيواني للطعام والشراب بصمت وطمأنينة وراحة بال. وطبعاً طالما ظل الإنسان العربي يعتبر الأمن أهم من كل شيء في حياته، سيظل عبداً لمن يوفرون له الأمن، ويجردونه من باقي حرياته وحقوقه. لا يمكن للإنسان أن يتطور دون المجازفة والمغامرة. ويقول وليام شَد: "السفن آمنة جداً وهي في المرفأ، لكن السفن لم تـصنع كي تبقى في المرفأ". وكذلك الإنسان لم يُخلق كي يكون عبداً للأمن والأمان، بل لا بد من أن يناضل، ويتحدى ويقاوم، ويجازف كي يتقدم، كما فعلت كل الأمم الحية. ولو عرف الذباب أنه سيقع في شبكة العنكبوت لما طار. ولعلكم تذكرون أن الدول المتقدمة التي سبقتنا بسنوات ضوئية على كل الصعد تعلّم أبناءها كل أنواع الألعاب الخطرة والمغامرات العنيفة الرهيبة. ولو نظرتم إلى ألعاب "بلي ستيشن" و"إكس بوكس" لرأيتم أن الأمم الحية تحض أبناءها دائماً على المغامرة والمجازفة وحتى الاندفاع القاتل، لأنها تعمل بالمبدأ الأصيل الذي يقول: "في الحركة بركة"، حتى لو كانت الحركة خطرة ومميتة. وكي لا نظلم العرب جميعاً، لابد أن نميز بين الثوار الذين أشعلوا فتيل الربيع العربي، وضحوا بكل ما يملكون كي يحركوا المياه الآسنة في أوطاننا، وهم قلة، وبين الذين ما زالوا يتحسرون على أيام العلف المخابراتي والعيش بأمان في ظل دولة الرعب والخوف. النوع الأخير من العرب يريد فقط أن يأكل، ويشرب، ويعيش بأمان، بغض النظر عمن يحكمه. أما النوع الثاني، وهو طليعة التحرر والتقدم، فهو يريد أن يأكل، ويشرب، ويعيش بأمان، ويبدع، ويرتقي بحياته، ويحقق ذاته بحرية وكرامة، لا أن يكون مجرد مستهلك للعلف الذي يوفره له الحاكم مقابل سلب حريته وحقوقه وكرامته. إنه يريد أن يرتقي إلى أعلى هرم ماسلو المذكور آنفاً، لا أن يبقى قابعاً في أسفله، خائفاً على علفه وأمنه، وعبداً لغرائزه الحيوانية الأساسية. الفرق بين النوعين كالفرق بين القاع والقمة، حيث الإنسان في ذروة إنسانيته، وليس مجرد مستهلك للطعام على حساب الحرية والكرامة الإنسانية التي تميز الإنسان عن الحيوان. أيها القابعون في أسفل مثلث ماسلو: ليس بالعلف والأمن وحدهما يحيا الإنسان. لماذا استمرأتم العيش في قاع القاع؟صدق الرئيس الأمريكي بنجامين فرانكلين عندما قال: "من يُضحي بالحرية من أجل الأمن لا يستحق لا الأمن ولا الحرية". ونحن نضيف: "من يضحي بالحرية والكرامة الإنسانية من أجل الخبز لا يستحق لا الخبز ولا الكرامة ولا الحرية".

10713

| 08 يونيو 2014

هل كانت أمريكا غافلة عن التغلغل الإيراني في المنطقة؟

في اللحظة التي وصل فيها الإمام الخميني إلى السلطة في إيران في نهاية سبعينيات القرن الماضي قادماً من بلاد الغرب "اللعين"، رفع فوراً شعار محاربة الشيطان الأكبر، ألا وهي أمريكا وكل الجهات المتحالفة معها في الشرق الأوسط. وبالتالي كانت إسرائيل على رأس قائمة الجهات التي استهدفتها القيادة الإيرانية الجديدة التي استلمت مقاليد الحكم بعد الثورة. وكلنا سمع وقتها كيف بدأ الإيرانيون الجدد يرفعون شعار تحرير القدس وإغراق الصهاينة بالماء. وقد دعا الخميني حينها كل المسلمين لكب سطل ماء فقط على إسرائيل فتغرق إلى غير رجعة. ولا ننسى هجوم الطلبة الإيرانيين على السفارة الأمريكية في طهران واحتجاز طاقمها لفترة طويلة، ناهيك عن إغلاق السفارة الإسرائيلية في طهران وتسليمها لمنظمة التحرير الفلسطينية. باختصار، لابد وأن أمريكا وإسرائيل استلمتا الرسالة الإيرانية عن كثب، وهي أن العهد الإيراني الجديد بعد الثورة اتخذ من إسرائيل وأمريكا العدو الأول للجمهورية الإسلامية. وبالتالي، كان لابد لواشنطن وتل أبيب أن تتخذا كل الاحتياطات، وترصد كل التحركات الإيرانية الجديدة لحظة بلحظة خوفاً من حملة الثأر الإيرانية الرهيبة التي أطلقها الخميني ضد الشيطان الأكبر وربيبته إسرائيل.لكن لو نظرنا إلى التغلغل الإيراني في المنطقة بعد سنوات قلائل على الثورة الإيرانية، لوجدنا أن إيران وصلت فوراً إلى الحدود الإسرائيلية بلمح البصر بعد تهديداتها النارية للإمبريالية والصهيونية. في بداية الثمانينيات، وبعد ثلاث سنوات أو أقل، ظهر فجأة إلى الوجود "حزب الله اللبناني" كأول طليعة وذراع عسكرية لإيران في المنطقة. ولو ظهر ذلك الحزب مثلاً في بلد عربي بعيد عن إسرائيل، لبلعنا القصة. لكن الذي حصل أن إيران أسست حزب الله على الحدود مباشرة مع ما تسميه وسائل الإعلام الإيرانية "الكيان الصهيوني" بعد أن قضت بالتعاون مع النظام السوري على كل الفصائل اللبنانية والفلسطينية والوطنية واليسارية والإسلامية وغيرها في لبنان التي كانت تخوض حرب العصابات ضد إسرائيل.فجأة ظهر حزب الله ليرفع شعار تحرير القدس من على الحدود مع إسرائيل مباشرة، وليس من طهران. صحيح أن التغلغل الإيراني في لبنان، ومنطقة جبل عامل تحديداً بدأ منذ الستينيات، لكن العلاقة بين إيران الشاهية وكل من إسرائيل وأمريكا في ذلك الوقت كانت سمناً على عسل، وكان التحالف على أشده بين "السافاك" الإيراني و"الموساد" الإسرائيلي، ناهيك عن أن أمريكا في مرحلة ما قبل الخميني كانت تعتمد على إيران كشرطي لضبط المنطقة بأكملها. وبالتالي، لم تكن إسرائيل أو أمريكا تخشيان من أي تغلغل إيراني في لبنان أو غيره طالما أن الطرفين حليفان ومشتركان في إدارة المنطقة برمتها. أما بعد تولي الخميني مقاليد الحكم في إيران ورفعه شعارات تقطر عداء لإسرائيل وأمريكا، فكان لابد للمرء أن يتساءل: كيف سمحت إسرائيل وأمريكا لذراع عسكرية إيرانية ضاربة أن تنشأ على حدود إسرائيل مباشرة مع لبنان بعد فترة قصيرة جداً من وصول الخميني إلى السلطة، وبالتالي أن تهدد "الصهاينة" من على مرمى حجر؟ بعض الساخرين يتهكم قائلاً: يبدو أن أمريكا وإسرائيل اللتين تراقب أقمارهما الاصطناعية دبيب النمل في المنطقة، كانتا نائمتين في تلك اللحظات التي ظهر فيها حزب الله على الحدود مع إسرائيل، فنشأ الحزب ونما، ودجج نفسه بالسلاح الإيراني والسوري بلمح البصر، وعندما استفاقت أمريكا وإسرائيل وجدتا أن هناك قوة عسكرية إيرانية ضاربة على الحدود الإسرائيلية، فأسقط في أيديهما، وندمتا على الساعة التي أخذتا فيها غفوة، فاستغلتها إيران في إنضاج حزب الله، وجعله سيفاً مسلطاً على رقبة إسرائيل بين ليلة وضحاها.وبما أن النظام الإيراني الجديد رفع منذ بداية الثورة شعار القضاء على الصهيونية، فكيف سمحت له إسرائيل وأمريكا أن يتغلغل في سوريا جارة "الصهيونية" المباشرة بهذا الشكل الرهيب، بحيث أصبحت سوريا على مدى عقود بعد الثورة الإيرانية (عدوة الامبريالية والصهيونية)، أصبحت مربط خيل إيران في المنطقة. يبدو أيضاً أن الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية أثناء التغلغل الإيراني في سوريا والهيمنة عليها كانت نائمة، ربما بسبب التعب، أو بعد تناول وجبة ثقيلة من الأسماك، فاستغلت إيران الغفوة أيضاً، ووصلت إلى حدود "الكيان الصهيوني" لتهدده مباشرة. وهاهو الحرس الثوري الإيراني الذي يريد أن يدمر الصهاينة يصول ويجول الآن في سوريا حتى وصل إلى تخوم الجولان، وإسرائيل "المسكينة" غافلة عنه. يا سلام.وليت أمريكا أخذت غفوة فقط في لبنان وسوريا، فاستغلتها إيران. لا أبداً، فقد اقترف الأمريكيون "الغفوة" نفسها في العراق، فذات ليلة استيقظ الغازي الأمريكي في بغداد بعد عشاء دسم وقليل من المسكرات، فوجد أن إيران سيطرت على العراق، وهيمنت على كل مفاصله الحيوية. ولم يكن بمقدور أمريكا وإسرائيل عندئذ إلا أن تسلما بالنفوذ الإيراني في العراق كما سلمتا به على حدود لبنان وسوريا مع إسرائيل بعد غفوة أمريكية وإسرائيلية قصيرة أيضاً.لقد قال الشيخ محمد بن راشد حاكم دبي نقلاً عن الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد: "لا يمكن أن تطلق إيران طلقة واحدة على إسرائيل، لأننا نعرف أن أمريكا وإسرائيل لن تبقيا حجراً على حجر في بلادنا". هذا هو الموقف الإيراني الحقيقي من إسرائيل وأمريكا، أما ما نسمعه من عنتريات إيرانية فهو لذر الرماد في العيون والضحك على الذقون. لم يبق لنا إلا أن نصيح قائلين ونحن نعاين الخلطة السرية للعلاقات الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية: "أسمع كلامك أصدقك، أشوف عمايلك أستغرب‏".

5551

| 01 يونيو 2014

لماذا باتت الكهرباء ترفاً في بعض البلدان العربية؟

لو سألت حتى بعض سكان بلدان العالم الثالث غير العربية عن الطاقة، لاستفسروا منك: أي نوع من الطاقة تعني، القديمة كالكهرباء، أم الحديثة كالطاقة النووية وغيرها؟ بعبارة أخرى، فقد أصبحت عملية توفير الكهرباء شيئاً من الماضي، لا بل تحصيل حاصل، لأن الكثير من الدول تجاوزتها إلى ما هو أرقى وأحدث. أما في العديد من بلادنا، خاصة العراق وسوريا ومصر ولبنان واليمن وغيرها، فما زالت الكهرباء نوعاً من الرفاهية، وليست مادة عادية يستهلكها الناس دون أن يهتموا بكيفية الحصول عليها.من أكثر البلدان العربية التي تعاني من أزمة كهرباء منذ عقود هو لبنان. صحيح أن العدوان الإسرائيلي المتكرر كان سبباً رئيسياً في تعطيل شبكات الكهرباء وتخريبها، لكن في الوقت نفسه لا تمكن تبرئة الحكومات اللبنانية المتعاقبة والفاسدة التي تاجرت بمحنة الشعب اللبناني ومعاناته المزمنة في تأمين التيار الكهربائي. لم تستطع الحكومة اللبنانية، رغم المساعدات العربية السخية، أن تصلح مصلحة الكهرباء، بحيث أصبح اللبنانيون معتادين على انقطاع الكهرباء المتكرر والمزمن، لا بل إن الكثير منهم راح يعتمد على نفسه في شراء المولدات لتأمين خدمة أساسية بسيطة تؤمنها عادة الدولة والشركات التي تحترم نفسها في كل أصقاع العالم. وتعود أزمة الكهرباء في لبنان إلى الفساد المزمن في هذا القطاع الحيوي وغيره من القطاعات اللبنانية التي تحولت إلى إقطاعيات يتاجر بها الحيتان المتحكمون بلقمة عيش الشعب اللبناني وحياته.صحيح أن سوريا جارة لبنان كانت أفضل حالاً، لكن الكهرباء تشكل للشعب السوري صداعاً منذ عشرات السنين، خاصة في فصل الصيف، حيث يزداد الطلب على الكهرباء بسبب الحر. وقد اعتاد السوريون منذ سنوات على سياسة التقنين التي تحرمهم من الكهرباء لساعات وساعات. لكن أزمة الكهرباء في سوريا تفاقمت مرات ومرات بعد اندلاع الثورة، حيث أدت العمليات الحربية إلى الإضرار بشبكات الكهرباء، ناهيك عن أن الحكومة السورية راحت تقطع الكهرباء معظم الوقت عن الكثير من المناطق لتعاقبها على الانتفاض في وجه الدولة. وتعاني سوريا الآن من أزمة كهرباء الأسوأ من نوعها منذ عقود. ومن الواضح أن الشعب السوري سائر على خطى الشعب اللبناني في الاعتماد على نفسه في تأمين الطاقة بعد أن فشلت دولته في تأمين هذه الخدمة التي أصبحت متاحة للبلدان الأكثر تخلفاً وفقراً في العالم.وحدث ولا حرج عن العراق الذي فشلت حكومته، ليس في تأمين الكهرباء فقط، بل أيضاً في تأمين الوقود الذي يُعتبر العراق ثاني أغنى بلد منتج له في المنطقة. ويعيش العراق أزمة كهرباء مرعبة منذ أكثر من عشر سنوات، أي منذ التحرير المزعوم. فقد فشلت الحكومات العراقية المتعاقبة منذ سقوط النظام السابق في تأمين الطاقة للشعب العراقي رغم ميزانيتها العظيمة. فقد أنفقت الحكومة العراقية منذ عشر سنوات أكثر من ثلاثين مليار دولار لإصلاح شبكة الكهرباء، لكن المواطن العراقي مازال يعاني من انقطاعات متكررة، مما جعله يعتمد على نفسه في تأمين تلك الخدمة الأساسية. أين ذهبت المليارات التي خصصتها حكومة المالكي لإعادة تأهيل القطاع الكهربائي؟ طبعاً ذهبت في جيوب المسؤولين الفاسدين. ولو قارنا السرعة التي كان يعيد فيها نظام الرئيس صدام حسين الخدمات للشعب بعد تعرضها للعدوان الأمريكي بسرعة الحكومات التي جاءت بعده لوجدنا الفرق شاسعاً. لقد كانت الحكومة السابقة قبل الغزو تعيد بناء المرافق المدمرة والجسور والطرق بلمح البصر، بينما لم يستطع المالكي وشركاه تأمين أبسط أساسيات الحياة للعراقيين رغم توفر ميزانيات عملاقة.وقد انضمت مصر مؤخراً لركب البلدان العربية التي تعاني من نقص الطاقة الكهربائية، مع العلم أنها كانت متوفرة بشكل معقول في عهد الرئيس السابق حسني مبارك. وقد تدهور وضع الكهرباء في السنة التي حكم خلالها الرئيس محمد مرسي. وقد ظن البعض أن حكومة مرسي هي المسؤولة، لكن الأيام أثبتت أنها مشكلة كبرى تؤرق الحكومة التي جاءت بعد الانقلاب على حكم الرئيس مرسي. وتواجه مصر الآن أزمة كهرباء كبرى، خاصة في قادم الأيام، حيث يزداد الطلب على الكهرباء في الصيف. وقد أصبحت الكهرباء الشغل الشاغل للشعب المصري بعد أن كانت خدمة اعتيادية بالنسبة للمصريين.هل يعقل أن العديد من بلداننا بات يعاني الآن من أزمات عالجتها حتى البلدان النامية منذ عقود؟ هل يعقل أن الدول الآن تنتج أنواعاً جديدة من الطاقة، بينما عدنا نحن إلى نقطة الصفر في تأمين التيار الكهربائي؟ هل يعقل أن الكثير من البلدان دخلت عصر الطاقة النووية، بينما لم تستطع بلداننا أن تؤمن الطاقة العادية لشعوبها التي يضطر بعضها لتحطيم الأشجار كي يصنع من خشبها وقوداً للتدفئة وطهي الطعام، كما يحدث في سوريا وغيرها؟ ألا تخجل تلك الدول من نفسها؟ هل يعقل أن الكثير من شعوبنا باتت تشحذ الطاقة وهي تنادي: كهرباء يا محسنين كهرباء!

6612

| 25 مايو 2014

ميري وكومار
ميري وكومار

كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين...

9345

| 06 أكتوبر 2026

نهج: من يقود من؟
نهج: من يقود من؟

نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت...

1326

| 09 أكتوبر 2026

حين تتمدد الصلاحية وتنكمش المسؤولية
حين تتمدد الصلاحية وتنكمش المسؤولية

في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً...

1113

| 06 أكتوبر 2026

أزمة هرمز.. كيف نخرج منها باقتصاد قطري أكثر مرونة؟
أزمة هرمز.. كيف نخرج منها باقتصاد قطري أكثر مرونة؟

في الأوقات العادية، قد تبدو الاحتياطيات المالية والاستثمارات...

1083

| 04 أكتوبر 2026

حين تصبح الأمانة واجباً قانونياً
حين تصبح الأمانة واجباً قانونياً

قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره...

585

| 11 أكتوبر 2026

هل ما زلت نسختك القديمة؟
هل ما زلت نسختك القديمة؟

نحن نعيش في وسط يتغير بسرعة، وتتسع فيه...

507

| 07 أكتوبر 2026

جنون طائرة «فلاي دبي» أم بروباجندا الإرهاب؟!
جنون طائرة «فلاي دبي» أم بروباجندا الإرهاب؟!

في مشهد يحبس الأنفاس، أقرب إلى جنون أفلام...

504

| 04 أكتوبر 2026

الراتب الأول
الراتب الأول

الراتب الأول لحظة مهمة، وأتذكر كثيرًا من الفتيات...

453

| 07 أكتوبر 2026

دلالات الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية من العراق
دلالات الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية من العراق

في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001، دشّنت الولايات...

447

| 05 أكتوبر 2026

اللغة العربية والعالم الرقمي.. هل ينصف العرب لغتهم؟
اللغة العربية والعالم الرقمي.. هل ينصف العرب لغتهم؟

- إذا كانت التقنية الحديثة قد أثبتت قدرة...

429

| 04 أكتوبر 2026

كثيرٌ من الإبراق... قليلٌ من الإرعاد
كثيرٌ من الإبراق... قليلٌ من الإرعاد

يُحكى أن أحد الحكماء كان يعتقد في الصغر...

414

| 04 أكتوبر 2026

وضوح السريرة في فضاء التأويل
وضوح السريرة في فضاء التأويل

ثمة مرتبة من مراتب النبل الروحي تتجاوز حدود...

414

| 06 أكتوبر 2026

أخبار محلية