رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سوريا والشرق الأوسط الكبير

تتركز الأنظار منذ بدء الثورات العربية في بعض الدول العربية على ما يتصل بطريقة الانتهاء من العنف والانتقال إلى عملية بناء الديمقراطية وإقامة مجتمع العدالة والرفاهية والحرية وهو الهدف الذي دونه عقبات كثيرة حتى الآن. وتركزت الأنظار كذلك على ظاهرة صعود الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر وتونس فيما أخفقوا في ذلك في ليبيا أما الوضع في اليمن فلا يمت بصلة إلى كل هذه الطموحات. ولا شك أن الوضع في سوريا اتخذ منحى لا يسرّ عينا وسط حمامات الدم التي تشهدها البلاد وعمليات النزوح الواسعة في كل اتجاه خارج سوريا. ومع أن للوضع في سوريا صلة بمطالب الإصلاح غير أن التطورات اتخذت منحى بات رهينة بيد مصالح الدول الإقليمية والعالمية وتحولت سوريا إلى ساحة حرب كونية لكل هذه القوى. وفي خضم هذه الأحداث بدأ المشهد السوري والإقليمي يتكشف عن احتمالات مهمة ستترك آثارها على كل المنطقة فيما لو تحققت هذه الاحتمالات. لم يكن للجانب الكردي من المسألة السورية أهمية تذكر ولم يكن للأكراد أي ثقل يمكن أن يوظفوه لتوجيه التطورات في هذا الاتجاه أو ذاك. لكن استمرار الحرب الأهلية في سوريا واستنزاف قوات النظام في مناطق شاسعة أفسح أمام خلو الشريط الكردي في شمال سوريا من قوى سواء كانت للنظام أو للمعارضة لانهماكها بالمعارك في مناطق أكثر أولوية. والقاعدة العلمية أن الفراغ لا يبقى كذلك وسوف يجد من يملؤه وبسرعة. والأكراد في شمال سوريا لهم تاريخ من النزاع مع النظام المركزي في سوريا منذ أن أعلن استقلال سوريا في العام 1943. إذ انضم أكراد سوريا إلى أقرانهم من الأكراد في الدول المجاورة في العراق وتركيا لجهة إنكار حقوقهم الثقافية على الأقل. وإذا كان أكراد العراق قد انتهت معركتهم مع بغداد إلى الفيدرالية فيما يستمر أكراد العراق ضحية عمليات الاضطهاد التي لم تنقطع منذ أتاتورك وحتى اليوم فإن أكراد سوريا ما كان لهم أن ينجحوا في تطلعاتهم نظرا لعددهم القليل الذي يقارب المليون ونصف المليون نسمة. الأحداث في سوريا تطورت بطريقة شكلت فرصة أمام أكراد سوريا لبلوغ بعض ما يصبون إليه. لكن المشكلة التي يواجهها أكراد سوريا أن عددهم القليل وجغرافيتهم الضيقة تحول دون أن يكون لهم وضعية انفصالية تامة وهو ما يدفع بالقوى الإقليمية دولا ومنظمات إلى استغلال الوضع لتوجيه الأمور وفقا لمصالحها. إن استمرار النظام الحالي أو تسلم المعارضة للسلطة لاحقا لا يعطي أملا للأكراد بالحصول على ما يريدون إذ إنه حتى المعارضة وفي ذروة حاجتها للدعم الكردي لم تقبل أن تقدم لهم ما يريدون فكيف إذا وصلت إلى السلطة؟ في المستجدات الأخيرة أن المنطقة الكردية في سوريا يتنازعها طرفان: حزب العمال الكردستاني المعارض لتركيا وقوات البشمركة التابعة لمسعود البرزاني رئيس إقليم كردستان. أظهر مسلحو "الكردستاني" أنهم موجودون عبر رفع أعلام الحزب على مواقع مقابلة للحدود التركية. وهو ما استثار الحساسيات التركية وأيقظ مخاوفها. وفي ظل عدم وجود قرار بدخول الأراضي السورية فإن تقاطع المصالح التركية- البرزانية ربما يكون فوّض قوات البشمركة لتدخل إلى شمال سوريا كي لا تقع بيد حزب العمال الكردستاني المتقاطعة مصالحه مع النظام في سوريا. لكن ما قد يغير المشهد الحالي في سوريا وفي المنطقة أن تكون العين الكردية في شمال العراق مصوبة بالكامل إلى شمال سوريا لكي تلحق هذه المنطقة في حال سيادة الفوضى الشاملة في سوريا إلى شمال العراق. وهذا الاحتمال القوي سيتعارض مع مصالح تركيا حتى لو كان يحول دون وقوع المنطقة بيد حزب العمال الكردستاني. إن المشهد العام في سوريا وفي المنطقة مقبل على متغيرات كثيرة ستمس وحدة المنطقة والعلاقة بين مكوّناتها الاجتماعية وتعيد من جديد طرح مشكلة الأقليات ووضعها في الكيانات التي فيها وكيفية حل هذه المشكلات وتأثيرها على تماسك المنطقة التي لا يبدو أن تداعيات انتهاء الحرب الباردة قد وقفت عند تخريب الوحدة العراقية والوحدة السودانية، بل في طريقها لتخريب وحدة سوريا ومن ثم وحدة الدول الأخرى المجاورة ومنها تركيا، وهو الهدف الأساسي لمشروع الشرق الأوسط الكبير الذي وعدت به إدارة المحافظين الجدد السابقة والذي التزمت باستكماله الإدارة الديمقراطية الحالية. والضحية في جميع الحالات الوحدة الجغرافية والاجتماعية والسياسية في المنطقة لتتربع إسرائيل زعيمة وحيدة دون منافس.

544

| 28 يوليو 2012

"الورقة الكردية" في لعبة أنقرة مع بغداد

أفسد "الربيع العربي" علاقات تركيا مع عدد كبير من جيرانها المباشرين وألقى بظلال من الشكوك والخوف مع جيران أبعد. وعلى مدى سنوات تجاوزت العقدين ونصف العقد انشغلت تركيا بدولة واحدة أكثر من غيرها هي العراق. والعراق كان قبل حرب الخليج الثانية وتحرير الكويت الدولة الأولى في تجارته مع تركيا من بين العرب.ونصف تجارة تركيا العربية كانت مع العراق. ولم يبخل الرئيس السابق والراحل صدام حسين في أن يتعاون مع أنقرة منذ منتصف الثمانينيات والسماح للقوات التركية بالتوغل داخل الأراضي العراقية لمطاردة مقاتلي حزب العمال الكردستاني.ولم تتردد أنقرة في استغلال ذلك ولاسيَّما في فترة التسعينيات لكي تمارس رقابة على أكراد شمال العراق.فكانت عاملا تارة في تفريقهم وأخرى في المصالحة بين فصيلي جلال الطالباني ومسعود البرزاني، تبعا لما تمليها عليها مصالحها. عندما غزت القوات الأمريكية العراق عام 2003 كانت تركيا في مواجهة وضع جديد خصوصا أن سلطة جديدة كانت تظهر في تركيا هي سلطة حزب العدالة والتنمية التي انتهجت سياسات تتعارض مع السياسات الأمريكية في المرحلة الأولى من الغزو. فعوقبت تركيا من جراء ذلك بإبعادها عن أن تكون طرفا فاعلا في المعادلة العراقية. حتى "الورقة التركمانية" إن جاز التعبير لم تعد مؤثرة وقابلة للاستخدام من جانب تركيا. لكن مع تقدم العملية السياسية في العراق وإجراء انتخابات وإقرار دستور وإنشاء الفيدرالية واقتراب انسحاب القوات الأمريكية تعاملت حكومة حزب العدالة والتنمية مع الواقع الجديد بواقعية.ووفقا لسياسة جديدة تقول بأن على تركيا ألا تبقى في صفوف المتفرجين ويجب أن تنزل إلى الملعب، انخرطت تركيا في لعبة المصالح ودخلت بكل قوتها الاقتصادية في كل المناطق العراقية من البصرة جنوبا إلى أربيل والموصل شمالا مرورا ببغداد. وفتحت تركيا قنصليات جديدة لها في هذه المناطق. لم يكن التجاوب العراقي ولاسيَّما من حكومات إبراهيم الجعفري ونوري المالكي مع الانفتاح التركي بعيدا عن سياسة أنقرة في تصفير المشكلات مع دول الجوار ولاسيَّما سوريا وإيران. وبلغت ذروة الانفتاح والغزل الاقتصادي والسياسي ذروتها في صيف 2009 عندما وقع رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان اتفاقية مع المالكي شملت أكثر خمسين اتفاقية في خطوة غير مسبوقة وتم تأليف مجلس أعلى إستراتيجي مشترك لإدارة العلاقات بين البلدين. الأمر نفسه كان يحدث بين تركيا وسوريا بعد شهرين من ذلك. أفسد الربيع العربي خطوات التكامل بين تركيا والعراق كما بين تركيا وسوريا. وصول شرارة الثورات إلى سوريا وانحياز تركيا إلى المعارضة ووقوف المالكي إلى جانب النظام السوري كسر الفرصة التي كانت قائمة. وكما تحولت العلاقة التركية مع سوريا من صداقة وشراكة إستراتيجية إلى عداوة دموية خلال أقل من عدة أسابيع، كذلك تحولت العلاقات بين تركيا والعراق وبات كل طرف ينظر إلى الآخر على أنه تهديد. الجديد في الصراع القديم الجديد بين أنقرة وبغداد أن الحكومة التركية بدأت تلعب لعبة حساسة قد ترتد عليها في المستقبل. كانت تركيا تعتبر إقامة دولة كردية مستقلة في شمال العراق "سببا للحرب". اليوم لا توجد دولة كردية مستقلة لكن الواقع الكردي هناك لا يختلف عن أي دولة مستقلة إلا في بعض الارتباطات الدستورية والقانونية بالمركز بغداد. خطة أنقرة الجديدة هي جذب أكراد العراق إلى جانبها في تحالف يهدف إلى الإطاحة بحكومة نوري المالكي.والمفاجأة أن مسعود البرزاني قد وافق على الدخول في اللعبة التركية وتجاوز القوانين التي تحكم العلاقة مع بغداد ولاسيَّما في طريقة تصدير النفط. وإذا كان البرزاني يعتبر أن تصدير النفط مباشرة إلى تركيا خطوة ضغط على بغداد فإن موافقة تركيا على استيراده مباشرة من كردستان العراق دون المرور ببغداد يشكل خطأ قانونيا في العلاقات الدولية ولا يمكن اعتباره خطوة ضغط على بغداد من جانب تركيا. الخطوة التركية قد تقوي البرزاني وموقع أكراد العراق ليس في العراق فقط بل في المنطقة. تقع تركيا بين سندان معارضة المالكي للسياسات التركية في سوريا والمنطقة وبين مطرقة الأكراد الذين يتقدمون لتعزيز وجودهم وتأثيرهم في كل المنطقة.لكن تركيا تخطئ إذا ظنت أن أكرادها لن يستفيدوا من هذه اللعبة الحساسة وعلى حساب وحدة الأراضي التركية ولو بعد سنوات أو عقود.

551

| 21 يوليو 2012

الفشل المتوقع لزيارة أردوغان إلى روسيا

أعلن رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان عن نيته زيارة روسيا والالتقاء بالرئيس الروسي فلاديمير بوتن في 18 يوليو الجاري. الزيارة وصفت في الإعلام التركي بالمفاجئة والمهمة والمتعلقة بالوضع في سوريا. رغم استمرار العلاقات الاقتصادية الجيدة وتدفق السواح الروس إلى تركيا فإن العلاقات السياسية بين أنقرة وموسكو تشهد منذ بداية "الربيع العربي" توترا وبرودة واضحة. بدأت مع الوضع في ليبيا حيث ما لبثت تركيا أن اتخذت مكانا لها في الهجوم الأطلسي على معمر القذافي، فيما اعتبرت روسيا أن استخدام القوة المسلحة لخلع القذافي خديعة وغدر حيث لم يُشر قرار مجلس الأمن حينها إلى هذا الاحتمال. وكان يمكن تجاوز هذا القطع في العلاقات التركية الروسية لو لم تنفجر الأزمة السورية التي شكلت الساحة الرئيسية لتراجع العلاقات بين روسيا وتركيا. منذ البداية افترقت رياح البلدين في الموقف من سوريا. وتصادمت إستراتيجيتا البلدين في موقف من حدث دولي كما ليس من قبل. وشرع الطرفان في اتخاذ إجراءات ضد الآخر مباشرة أو بالوكالة ولا يزال ذلك مستمرا حتى الآن. في لغة المصالح لا يمكن إلا تفهم مبررات الموقف الروسي في دعم النظام السوري. 1- سوريا آخر موطئ قدم لروسيا في الشرق الأوسط. إن ذهب النظام خرجت روسيا من المنطقة.على اعتبار أن أي نظام بديل لن يكون تابعا أو صديقا لروسيا. 2- سوريا آخر ميناء روسي على البحر المتوسط. إن ذهب النظام تقفل المياه الدافئة بوجه السفن الروسية. 3- سوريا سوق رئيسي لبيع السلاح الروسي. 4- إن سقط النظام في سوريا وحل بدلا منه نظام عماده الإخوان المسلمين فسيشجع هذا التيارات الدينية على التمدد إلى روسيا خصوصا أن حزب العدالة والتنمية التركي سيعتبر نفسه منتصرا. وإذا كانت الحركات الإسلامية أداة بيد العلمانيين في سياساتهم من قبل ضد روسيا فكيف الأمر مع حزب العدالة والتنمية الذي تخلى عن سياسات الوسطية وبات يجاهر بنزعاته الدينية. 5- إن خسارة روسيا لسوريا ستكون ضربة كبيرة لقدرتها على المنافسة في سوق الطاقة العالمي حيث يمكن لنفط وغاز الخليج العربي أن ينافسه عبر خطوط الأنابيب عبر سوريا فتركيا إلى أوروبا. إن التوجس الروسي من سياسات حزب العدالة والتنمية بلغت ذروة في قرار تركيا الموافقة على نشر الدرع الصاروخية في منطقة ملاطيا في تركيا. وموسكو تدرك جيدا أن هذه الدرع تستهدفها وتستهدف إيران حليفة روسيا. ولم تكن روسيا تتوقع أن تستمر تركيا بعد انتهاء الحرب الباردة وأن تتحول من جديد إلى منصة تهديد لروسيا. وقد أطلق المسؤولون الروس من سياسيين وعسكريين وعلى أعلى المستويات من التصريحات الواضحة جدا باحتمال ضرب رادارات الدرع الصاروخية في تركيا بل حتى استخدام الأسلحة النووية إذا تعرضت روسيا لتهديد من الدرع الصاروخية. إسقاط الطائرة التركية مؤخرا من قبل سوريا كان أحد آخر مظاهر الصراع بين تركيا وروسيا. فلم تبتعد المؤشرات والدلائل على أن لروسيا دورا في إسقاط الطائرة التركية سواء بالمدفعية أو بصاروخ أو لجهة عملية رصد الطائرة خصوصا أن روسيا نصبت في الأشهر الأخيرة منظومة رادارات ودفاعا جويا صاروخيا متطورا في سوريا وعلى مقربة من الحدود التركية. وقد أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن بحوزة روسيا معطيات عن إسقاط الطائرة التركية يمكن لتركيا الاطلاع عليها. زيارة أردوغان إلى موسكو تأتي بعد كل هذه التطورات ووسط مشهد تركي مرتبك حول كيفية إسقاط الطائرة التركية من قبل روسيا وأسباب هذا الإسقاط. وربما بعد اكتمال التحقيق التركي حول سقوط الطائرة بعد العثور على الطيارين وحطام الطائرة وعدم وضوح ملابسات العملية يمكن لأردوغان أن يستكمل المعلومات التركية وربما الأمريكية حول هذا الموضوع ليبني على الشيء مقتضاه. والزيارة لا شك ستكون مناسبة لكي يقنع أردوغان بوتن بالتخلي عن الأسد أو ما شابه. وما لم تحدث مفاجأة تتصل بتغير الموقف التركي لا الروسي وفي ظل المعطيات التي أسلفنا يمكن توقع أن تكون الزيارة.. فاشلة.

433

| 14 يوليو 2012

"أوهام" أنقرة: من سوريا إلى مصر

لم تكن حادثة إسقاط الطائرة التركية من جانب الدفاعات الجوية السورية سوى ذروة التوتر في العلاقات التركية السورية. وجاءت المقابلة التي قامت بها صحيفة جمهورييت التركية مع الرئيس السوري بشار الأسد لتلقي حجرا ضخما في المياه الآسنة للعلاقات بين البلدين. على امتداد أشهر الأزمة في سوريا لم ينقطع المسؤولون الأتراك عن الانتقاد اليومي وأحيانا على مدار الساعة للنظام في سوريا وأشخاصه.يكاد يجفّ القاموس من الكلمات التي لم يستخدمها رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان ووزير الخارجية أحمد داود أوغلو بحق الرئيس السوري وأركان نظامه.ومهما كانت المبررات ففي النهاية سوريا ليست ولاية تركية وأنقرة ليست معنية مباشرة بمصير الدول الأخرى ولا وصية عليها وليس من مهامها أن تغيّر الأنظمة في مناطق ما وراء الحدود. وحكم نهج الحكومة التركية تجاه سوريا غير مقبول.لأن أنقرة في ظل سلطة حزب العدالة والتنمية ليست أنقرة ما قبل أردوغان- داود أوغلو. وهذا لا يتصل فقط بالموقف بل الرؤية التركية تجاه سوريا بل يطال كل المواقف التركية تجاه دول الربيع العربي وتلك التي لم يحصل فيها هذا الربيع. تركيا في النهاية بلد إقليمي كبير له مصالحه وطموحاته ومطامعه شأنه شأن أي قوة إقليمية ودولية ترى قوتها على أن فيها "فائضا" يجب تصريفه في الخارج. يقول أحمد داود أوغلو إن المجازفة التركية الكبرى كانت في مصر عندما دعا أردوغان الرئيس السابق حسني مبارك إلى الرحيل. وتركيا شاركت في الهجوم الأطلسي على ليبيا بعدما كانت تقف إلى جانب القذافي. الدور التركي لم يعد خافيا على أحد.فتركيا تسعى إلى التفرد بزعامة المنطقة من خلال تنصيب نفسها وصية على حركات الإخوان المسلمين واستخدامهم من أجل مصالحها.من هنا تلك المجازفة التركية لترحيل حسني مبارك والعمل على إسقاط الأسد. وأيضا كلام أردوغان أن صوت تركيا إلى جانب الشعوب يجد صدى له عند الرئيس المصري الجديد محمد مرسي. وتركيا في كل هذه المواقف تمارس سياسة التدخل في الشؤون الداخلية لمصر.وتسعى لتسخير القوة المصرية العظيمة وتحويلها إلى مجرد تابع وملحق لسياساتها.وهو ما يتعارض مع الشخصية المصرية وتاريخ مصر وهوية مصر ودور مصر. لقد قامت الثورة في مصر ليس من أجل إلحاق مصر من جديد في مشاريع الآخرين.لقد ألحق مبارك مصر بالمشروع الإسرائيلي وحوّل مصر إلى دمية لا قرار لها ولا دور.واليوم لا يمكن لمصر أن تلتحق بمشاريع الآخرين وفي المقدمة المشروع التركي.لم يتحرك باني عصر النهضة المصري محمد علي باشا ويخرج السلطة العثمانية من مصر لتعود إليها بعد قرن ونصف القرن بمسميات جديدة. ونقطة ضعف كل المشاريع الخارجية في المنطقة العربية أنها تحاول التغلغل والنفوذ في حقل يحاول أصحابه من العرب أن ينتفضوا على واقعهم والعثور على شخصيتهم وكرامتهم.وهذا كان من أهم أسباب الثورات.وهي انتفاضات على العامل الإسرائيلي وعلى التدخلات الخارجية الدولية وأيضا على كل مشاريع التدخل الإقليمي من أي جهة أتت. لقد سعت تركيا أولا إلى هدم الأنظمة التي تقف عقبة أمام سياساتها ولاسيَّما في مصر.واليوم تسعى إلى مصادرة الثورة عبر وصول "إخواني" إلى السلطة اعتقادا بأنه سيكون خاتما في يدها في مشاريعها الإقليمية.ورغم كل التقاطعات الأيديولوجية بين حزب العدالة والتنمية في تركيا وحركة الإخوان المسلمين في مصر فإن الثورة المصرية لم تكن ثورة دينية والسعي لتشكيل محور أيديولوجي مغلف بيافطة الديمقراطية بين تركيا ومصر كما يقترح داود أوغلو لا يعكس حقيقة أن مصر ليست بحاجة لتكون جزءا من سياسات المحاور بل تحتاج إلى مشروع يستعيد شخصيتها ودورها وتأثيرها كدولة مركز في المنطقة وليست ملحقا وهو ما يستدعي دعوة الإخوة الأتراك لأن يتوقفوا عن اللعب في المصائر الداخلية للدول حتى لا يواجهوا مأزق عدم القدرة على الرد على مجزرة مرمرة على يد الإسرائيليين وإسقاط سوريا للطائرة التركية.ليس لأن تركيا عاجزة عن الرد العسكري بل لأنه في الحسابات الكبرى ينكشف الواقع عن "وهم" اسمه فائض قوة لا يزال يشترط على سبيل المثال،وبلسان رئيس الأركان التركي نجدت أوزيل، موافقة واشنطن ليضرب حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل العراقية.فكيف بالعلاقة مع الدول وممارسة دور الزعامة الإقليمية؟

311

| 06 يوليو 2012

هل تعيد تركيا الاعتبار لقوتها الناعمة؟

في العام 1998 هدد الجيش التركي أولا ومن ثم رئيس الجمهورية آنذاك سليمان ديميرل الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد بحرب شاملة إن لم يخرج من سوريا زعيم منظمة حزب العمال الكردستاني عبدالله اوجالان.وبعد حوالي الأسبوعين من الحسابات والتهديدات والوساطات ومنها وساطة الرئيس المصري حسني مبارك أمكن تجاوز الأزمة بقرار من الأسد بإبعاد أوجالان إلى الخارج فتنقل بين بعض العواصم إلى أن خطف من كينيا وهو الآن معتقل في سجن بجزيرة ايمرالي التركية بالمؤبد بعدما ألغيت عقوبة الإعدام التي استفاد منها. قبل أسبوع قامت الدفاعات الجوية السورية،بصاروخ أو مدفعية، بإسقاط طائرة عسكرية تركية من طراز إف- 4 فوق المياه الإقليمية السورية بعدما اعترف الرئيس التركي عبدالله غول بأنها انتهكت السيادة السورية. وبمعزل عن التراجع عن كلام غول بعد يومين واعتبار وزير الخارجية التركي عبدالله غول أن الطائرة ضربت في الأجواء الدولية لكنها سقطت في المياه الإقليمية السورية،فإن أنقرة لم ترد على إسقاط الطائرة وبالتالي تفادت المنطقة خطر حرب بين البلدين. لكن صورة تركيا بسبب الحادثة اهتزت كما لم يسبق لها. لم ترد تركيا على سوريا بالمثل، تعففا أو درءا لمخاطر الحرب وتداعياتها.ولكن بعد سنة ونيف من بدء الأزمة في سوريا وجدت تركيا نفسها أمام معادلات وحسابات أفقدتها عنصر زمام المبادرة بعدما كانت مركز الجذب الذي تتجه إليه الأنظار وتلجأ إليه القوى الباحثة عن حلول سلمية لمشكلاتها. 1- لم تعد "المسألة السورية" حدثا محليا أو حتى إقليميا بل تحولت سوريا وفق آخر تصريح روسي إلى المركز الرئيسي لرسم ملامح النظام العالمي الجديد.وفي ضوء نتائج الصراع على سوريا سيتجه العالم إما إلى نظام يعزز الأحادية القطبية أو يبدأ مرحلة من التوازن النسبي في توازنات القوة العالمية.ولذلك لم يعد في إمكان تركيا أن تتحرك في سوريا أو تجاه سوريا بطريقة تعرّض الحسابات"الكبرى" للمفاجآت أو تتعارض معها.والردّ على حادثة مثل إسقاط الطائرة التركية قد يعرض المنطقة بل العالم برمته إلى ما لا يمكن التكهن بتداعياته.وهكذا وجدت تركيا نفسها عاجزة عن رد الاعتبار لهيبتها. 2- لقد أدخلت حكومة حزب العدالة والتنمية سياسة تركيا الخارجية منذ بدء سعيها لإسقاط نظام الرئيس السوري بشار الأسد في مواقف ضيقت خياراتها في مواجهة أي حادثة أو تحدّ.فقد أصبحت طرفا مباشرا في صراع داخلي في دولة أجنبية، ولو كانت مجاورة مثل سوريا، بحيث انحصرت خيارات الرد على إسقاط الطائرة إما المجازفة في حرب ثنائية أو إقليمية غير مضمونة النتائج أو الظهور بمظهر العاجز عن الردّ.ولو أن تركيا انتهجت سياسات أكثر مرونة ولو في الشكل وأكثر ذكاء في التعامل مع الأزمة السورية لما وصلت إلى لحظة الخيار بين السيئ والأسوأ ولما وصلت أصلا إلى أن تكون في مثل هذا الوضع الحرج. 3- لقد تصرفت تركيا تجاه الأزمة السورية تحديدا على أساس أنها قوة إقليمية كبرى.ومع أنها كذلك، لكنها سهت عن الأبعاد الدولية للأزمة ودخلت في حسابات قصيرة المدى وقصيرة النظر.فكان أن أحرقت المراكب خلفها وفرضت حزمة من العقوبات الشاملة اقتصاديا وسياسيا ودبلوماسيا على سوريا بحيث فرغت جعبة العقوبات من عقوبات أخرى يمكن استخدامها في لحظة ما.ولم يعد أمامها سوى خيار الرد العسكري على إسقاط الطائرة.ولما كان هذا الخيار محظورا وفق قرارات القوى الكبرى فقد وجدت تركيا نفسها عارية حتى من دون ورقة توت وغير قادرة على الرد.وهو ما تُسأل عنه دوائر صنع القرار ولاسيَّما في الخارجية التركية. 4- أن ذهاب تركيا إلى حرب مع سوريا غير ممكن من دون إجماع داخلي.وسياسة أردوغان تجاه سوريا تواجه بمعارضة شاملة من كل زعماء المعارضة والذهاب إلى الحرب يعارضه 95 في المائة من الأتراك وفقا لآخر استطلاع بعد إسقاط الطائرة التركية. 5- لقد قال رئيس أركان الجيش التركي نجدت أوزيل إن عدم تحرك الجيش التركي لضرب قواعد حزب العمال الكردستاني في جبل قنديل في شمال العراق ناتج عن عدم وجود موافقة أمريكية على ذلك.فإذا كان ضرب حزب في منطقة جغرافية محدودة يحتاج إلى موافقة أمريكية فكيف له أن ينال موافقة على رد عسكري تركي على سوريا يمكن أن يجر إلى حرب إقليمية ودولية وعشية الانتخابات الرئاسية الأمريكية؟ إن حيثيات تركيا كقوة إقليمية،على حدود الكتلة العربية والكتلة الإيرانية وكونها عضوا في حلف شمال الأطلسي ولها علاقات مع إسرائيل، كانت تحتاج إلى استراتيجية مختلفة لمواجهة المتغيرات والتحديات الإقليمية.ومع أن الأمل ضعيف ومستبعد،لعل حادثة إسقاط سوريا للطائرة التركية تدفع أنقرة إلى مراجعة سياساتها السورية والإقليمية بحيث تستعيد تركيا دورها كقوة ناعمة،أساس صعود الدور التركي، لا خشنة فتكسب وتكسب كل المنطقة ولا تجد نفسها مثل نمر جريح ينزف من هيبته وصورته.

344

| 30 يونيو 2012

تركيا والنموذج السوداني

تركت عملية "داغليجه 2" التي نفّذها حزب العمال الكردستاني ضد القوات التركية في منطقة حقاري على الحدود العراقية-التركية دهشة لدى فئة من الأتراك. إذ إن العملية النوعية التي أسفرت عن مقتل ثمانية جنود أتراك، تمت في ظل عدة عناوين: الأول أنها جرت في المنطقة نفسها التي تمت فيها عملية كبيرة في العام 2007 وأسفرت عن قتل 24 جنديا تركيا. أي أن التدابير التي اتخذت بعدها لم تحل دون تكرار العملية وبنفس السيناريو فجر 19 حزيران الجاري. ومدى تورط جهات داخل الجيش التركي أو الاستخبارات التركية في تسهيل قيام الأكراد بالعملية. الثاني أن السؤال ارتفع كما لدى كل عملية عن دور طائرات هيرون الإسرائيلية من دون طيار في العجز عن كشف تسلل المقاتلين الأكراد ومدى تورط إسرائيل في العملية. الثالث أن العملية جاءت وسط تصاعد الشائعات الإعلامية في تركيا عن عودة حزب العمال الكردستاني لاتخاذ سوريا منطلقا لعملياته ولعودة النفوذ السوري الكامل على حزب العمال الكردستاني. وما قيل أن العملية أحد أنواع الرد السوري على تورط تركيا في الأزمة السورية ودعمها العملاني للجيش السوري الحر. والرابع إنها جاءت وسط اتساع السعي داخل تركيا عن حل للمسألة الكردية كما لدى حكومة رجب طيب أردوغان كذلك لدى بعض الأوساط الكردية. وما قيل أن العملية جاءت لتخرّب هذه الجهود. والخامس أن العملية حصلت قبل ساعات قليلة من لقاء الرئيس الأمريكي باراك أوباما مع رئيس الحكومة التركية أردوغان في المكسيك، ومدى ارتباط العملية باللقاء للتأثير على بحث موضوعات أخرى أكثر أهمية. ليس من عامل واحد أتاح إتمام العملية بنجاح في المكان والتوقيت المناسبين. ويمكن تعداد تفسيرات كثيرة تبدأ ولا تنتهي وكلها يمكن أن تكون صحيحة وواقعية. لكن المشكلة الحقيقية في تركيا أن القادة الأتراك على امتداد العقود الماضية حوّلوها إلى سرطان في الجسم التركي وعلاجه لا يكون بالمهدئات والمسكنات. وفي الأساس، من زاوية طبية، إن الكشف المبكر عن الأورام الخبيثة في الجسم، وحده يمكن أن يحول دون استفحال المرض والفتك بالجسم وصولا إلى موته وبألم شديد. والكشف المبكر هنا هو مقاربة هذه المسألة مقاربة علمية وواقعية وتاريخية وإنسانية. والعجز عن مثل هذه المقاربة هو الذي يجعل تركيا عاجزة عن مواجهة مشكلة الأقليات الإتنية والدينية والمذهبية فيها وليس فقط المشكلة الكردية. وبعد ثمانين عاما على محاولة أتاتورك تصفية العرق الكردي في تركيا لم تجد الحكومة التركية مؤخرا سوى أن تجعل اللغة الكردية درسا اختياريا في المدارس لساعتين أسبوعيا. ورغم عشرات الآلاف من القتلى من الجانبين التركي والكردي على امتداد العقود الماضية هل يمكن الاكتفاء بهذه الخطوة التي تشبه إعطاء مريض السرطان حبة أسبرين؟. لم تعد المسألة الكردية تحتمل العلاجات الترقيعية التي تعكس ذهنية استئصالية تسود كل العالم العربي والإسلامي وليس فقط تركيا في مواجهة قضية الأقليات على اختلافها. لا شك أن الاستعمار قد اشتغل على قضية الأقليات من قرنين وأكثر ولكن الغرب لم يخلق هذه القضية بل جاء وهي موجودة في الأساس على امتداد التاريخ العربي والإسلامي القديم والوسيط والحديث. وكل ما فعله الغرب أنه استغل هذه القضية الموجودة وعمل على تعميقها وفق سياسة فرّق تسد. لكن العلة موجودة عندنا. والتساؤل مشروع دائما: لماذا لا تبادر السلطات عندنا إلى منح كل الأقليات حقوقها حفاظا على وحدة الكيانات الوطنية على الأقل؟ وهل العلاج هو استمرار تجاهل وإنكار هذه الحقوق التي اعترف بها الدين الحنيف عندما جاء في القرآن الكريم "وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا"؟ وأليس "تعارفوا" هنا هي معرفة الآخر والاعتراف به وبكل ما يحمله من حيثيات وخصوصيات وهوية؟. وإذا كنا واقعيين ألم يكن تقسيم العراق إلى فيدراليتين والسودان إلى دولتين هو نتيجة حتمية لقهر الأقليات وصهرها فجاءت ردة الفعل نزاعات دامية استمرت عقودا ولم تنته إلى إلا التفتيت؟ أليست هذه هي النتيجة الحتمية لقهر الأكراد وصهرهم في تركيا والتي ستكون واقعا في المستقبل إن لم يتم الاعتراف بالهوية الكردية في تركيا؟ وما هذا التطابق الغريب بين كل أنظمة الحكم، الدينية منها والقومية والعلمانية (الحالة التركية)، في العالم الإسلامي في الموقف السلبي من قضايا الأقليات؟ هل من تفسير علمي لهذا التطابق؟ وأليست الحالة التركية نموذجا لهذا التطابق عندما تلتقي مواقف التيارات الإسلامية والعلمانية والقومية، والتي تعاقبت على السلطة في تركيا منذ تسعين عاما، على إنكار الهوية الكردية؟. وأليس النموذج السوداني والعراقي هو النتيجة الحتمية لهذا الإنكار؟

647

| 23 يونيو 2012

"انقلاب مضاد" في تركيا!

لن يخطئ مراقب دقيق للتاريخ التركي الحديث في القول إن البلاد تمر في مرحلة تحول نوعية قد تفضي في مدى ليس ببعيد إلى تحول جذري في طبيعة النظام العلماني وإن استمرت عناوينه نظريا في الدستور وبعض القوانين. لقد خاض أتاتورك عندما بدأ بتدابيره المثيرة حربا بكل معنى الكلمة مع المؤثرات الإسلامية في المجتمع. ومع أنه خاض حرب التحرير الوطنية وهو يتكئ في جانب منها إلى الروح الإسلامية في الأناضول حتى قال فيه الشاعر الكبير أحمد شوقي: الله أكبر كم في الفتح من عجب يا خالد التركي جدّد خالد العربي فإن باني تركيا الحديثة ذهب في معركة استئصال المظاهر الإسلامية في الدولة والمجتمع حدودا متطرفة محمّلا الطبقة الدينية مسؤولية تخلف الدولة العثمانية وانهيارها. المشكلة مع أتاتورك أنه أسقط العلمانية ومعظم تدابيره الأخرى إسقاطا بحيث عندما لاحت أول فرصة للشعب انقضّ عليها في انتخابات 1950 ومع مختلف الأحزاب اليمينية مثل أحزاب العدالة والوطن الأم واليوم مع حزب العدالة والتنمية. كانت العلمنة في تركيا بمثابة ثياب جديدة على جسم قديم أو قبعة جديدة على رأس ودماغ قديمين. لكن مع ذلك لا يمكن أن نقول إن أتاتورك انتهى فما تركه من تغييرات في المجتمع هو وخلفاؤه كان أحد الأسباب التي حملت ما يسمى بـ "النموذج التركي" كما حملت تغييرات أيضا في صفوف القوى "التقليدية" الإسلامية منها خصوصا. من ذلك وعلى رأسها القبول بالآخر والانخراط بالعملية الديمقراطية، الانتخابية على الأقل، فبات الإسلاميون مثلا، من موقعهم في البلديات وفي الحكومة والبرلمان، أكثر قربا من الناس وقضاياهم اليومية ما أثر على خطابهم الذي بات أكثر اعتدالا وعلى ممارستهم التي باتت أكثر تطرفا. وتعززت هذه النظرة مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في العام 2002 حيث قاد رجب طيب أردوغان ما سمّي بـ "الثورة الثانية". وكانت ذروة التغييرات الجديدة الإصلاحات عامي 2003 و2004 والتي مهّدت لبدء مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في العام 2005. غير أن الثورة توقفت فجأة بعد هذا التاريخ. وباستثناء الاستفتاء على تعديلات دستورية عام 2010 طاولت بشكل أساسي نفوذ الجيش في الحياة السياسية، لم يعد المراقبون يجدون خطوة جذرية واحدة تعزز النظام الديمقراطي والحريات بل شهدت في مجالات عديدة نكوصا إلى الوراء. قدّمت تركيا نفسها نموذجا للعالم الإسلامي عبر عنواني الديمقراطية والعلمنة. ورئيس الحكومة التركية نفسه أثار غضبا إسلاميا ومصريا عليه عندما دعا إلى عدم الخوف من العلمنة. لكن يبدو أن مواقف أردوغان في القاهرة في نهاية صيف 2011 كانت موجهة إلى الغرب وليس إلى العالم العربي أو الإسلامي. ذلك أن حكومة حزب العدالة والتنمية تكاد في عيون المراقبين الغربيين على الأقل جهازاً لـ "انقلاب مضاد" في تركيا يطال قبل أي شيء أسس النظام العلماني لا تعزيزه أو على الأقل المحافظة عليه. ويلفت الجميع تلك الخطوات التي تقوم بها الحكومة والتي تهدف إلى توسيع حضور الحالة الدينية في المجتمع وفي الدولة أيضا. ومع أن الاعتقاد في دولة علمانية خيار فردي فإن رئيس الحكومة أردوغان كان دعا سابقا إلى أن تقوم الدولة بتنشئة جيل متدين وحافظ. وأُخذ على أردوغان أن هذه الدعوة تتعارض مع الدولة العلمانية إذ إن العلمنة تقف على مسافة واحدة من كل الأديان والمعتقدات. وأردوغان بذلك يؤسس كما أتاتورك لما سمّي بـ "جيل محارب": أتاتورك لجيل علماني محارب وأردوغان لجيل ديني محارب. واستمرارا لهذا النهج اتخذ أردوغان وحكومته خطوات انطلاقا من الرغبة في تعزيز النزعة الدينية في الدولة والمجتمع ومنها تعديل مراحل ومناهج النظام التعليمي بحيث يمكن للطالب أو الطالبة في عمر مبكر جدا هو عشر سنوات تقريبا أن يترك المدارس العامة وأن يدخل المدارس الدينية المعروفة بإمام خطيب وهي نفس المدارس العامة مع وجود العديد من المواد الدينية الإضافية. كذلك اتخذ أردوغان مواقف انطلاقا من المعيار الديني ومن ذلك معارضة الإجهاض أو حتى الولادة القيصرية والتحضير لتشريع قانون يمنع الإجهاض. لقد وصف البعض في الداخل التركي أن ما تشهده تركيا اليوم هو "ثورة إسلامية" وعودة إلى ما قبل العلمانية. كما يبدي دبلوماسيون أوروبيون في أنقرة للمرة الأولى تخوّفهم من تنامي هذه النزعة وأثرها السلبي على مستقبل تركيا ودورها ومخاطر انخراطها في تحالفات ذات أسس دينية أو مذهبية خصوصا أن أردوغان نفسه وصف الحضارة المسيحية البيزنطية بأنها حضارة سوداء. وإذا كان لهذه المخاوف أساسها فإن التوازن بين متطلبات الحفاظ على الهوية والخروج من مشكلات العالم الإسلامي المزمنة ضروري لمنع انزلاق البلاد إلى واحد من حدّين: التطرف العلماني أو التطرف الديني.

933

| 15 يونيو 2012

لافروف وتركيا و"المسألة السورية"

دعا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من شنغهاي حيث انعقدت قمة دول المنظمة إلى عقد مؤتمر دولي تشارك فيه أيضا تركيا وإيران لبحث في حل للأزمة السورية. وبمعزل عن الموقع الذي تتمركز فيه روسيا ومعها الصين، من الأزمة السورية فإن الدعوة يجب ألا تحجب حقيقة أنها تضع الإصبع على الجرح وتعكس واقعية في طريقة التعاطي مع الأزمة السورية. لم تعد الأزمة السورية شأنا داخليا سوريا فحسب بل تحولت إلى نقطة تقاطع ومواجهة إقليمية ودولية وهذا ليس بخاف على أحد. وبما أنها كذلك فالمصلحة العامة للجميع هي في أن يجتمعوا ويتفاهموا على طريقة للخروج من هذا المأزق الذي يهدد الجميع. فتركيا مثلا هي الجار ذو الحدود الأطول مع سوريا. وتداعيات الأزمة السورية تضرب عميقا في استقرار تركيا لا سيما أن تركيا وضعت نفسها في موقع المواجهة مع النظام في سوريا وبالتالي بات عليها أن تواجه التأثيرات السلبية للأزمة عليها، سواء إن استمرت المواجهة في سوريا بين النظام والمعارضة المسلحة أو انتقل الوضع فيها إلى حالة فوضى شاملة. وفي الحالتين فإن البنية الاجتماعية والإثنية والمذهبية في تركيا معرضة للصدع نظرا لتشابهها مع تلك البنية الموجودة في سوريا. وبالنسبة لإيران فإن صورتها تعرضت للاهتزاز في العالم العربي نتيجة وقوفها الحازم مع النظام في سوريا وهو ما يعرضها لخسارة المزيد من صورتها. كما أن استمرار الأزمة يبقي سيف الضغوط الغربية على إيران قائما فيما حل الأزمة يفتح أبواب حل ملفات أخرى شائكة بين إيران والغرب وبين إيران وبعض العرب. ولا شك أن استمرار العنف في سوريا ورغبة كل طرف في أن يكسر الآخر دون جدوى حتى الآن، ولا يبدو أن التوازن سيتغير في المدى المنظور، سيكون مبعث أخطار كبيرة على الاستقرار الإقليمي والصراعات بين القوى الكبرى. لا يمكن للقوى المعارضة للنظام في سوريا أن تمضي وخلفها القوى التي تدعمها إلى درجة الإطاحة بالنظام واستئصاله. ذلك أن التوازنات الدولية تحول دون ذلك ولو تفشت الأزمة وتحولت إلى فوضى. وقد بدا واضحا التشدد الروسي والصيني في ذلك. إذ إن سوريا تشكل الآن الموقع الأخير للنفوذ الروسي على المياه الدافئة في المتوسط. وتخشى روسيا من امتداد النفوذ الإسلامي والأصولي إلى أراضيها في حال سقط النظام في سوريا وحل محله نظام إسلامي،إخواني تحديدا. وهو خطر تخشى منه الصين أيضا. كذلك تخشى روسيا من خسارة المواجهة على امتلاك أوراق الطاقة المصدرة خصوصا إلى أوروبا إذا سقط النظام. وقمة شنغهاي بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني عكست العلاقة الجدلية بين قوة روسيا النفطية وفي الغاز الطبيعي وأهمية ذلك للصين. وخسارة روسيا لموقعها النفطي في الشرق الأوسط ينعكس أيضا على الصين. ولا شك أن تحالف إيران – العراق- سوريا وحزب الله في لبنان يدرك خطورة سقوط النظام في سوريا على نفوذه في المنطقة. وهو سيواصل دفاعه عن النظام في سوريا مستخدما كل الأوراق. وفي المقابل ترى القوى المعارضة للنظام السوري من محلية وإقليمية ودولية أنها فرصة قد لا تتكرر للتخلص من النظام السوري لأسباب متعددة ولكل منهم أسبابه المختلفة عن الآخر. ولقد ثبت بعد مرور سنة ونيف من بدء الأزمة أن أحدا لا يستطيع أن يكسر الآخر أو أن ينهي الأزمة لصالحه. توفر دعوة لافروف منطلقا واقعيا للدخول في مساع جدية لحل "المسألة السورية" التي تستنزف وحدة الأمة العربية والإسلامية وطاقاتها ولا يستفيد منها سوى العدو الإسرائيلي. وهي دعوة تعيد التركي تحديدا إلى طاولة الحل بعدما أخرج نفسه منها باتخاذه موقفا منحازا للمعارضة وضد النظام. حيث إن تركيا رغم كل ما حدث لا تزال قادرة على القيام بدور مركزي يحول دون المزيد من اشتعال المنطقة. دعوة لافروف فرصة يجدر أن ينتهزها الجميع رأفة بالمجتمعات العربية والإسلامية قبل أي شيء آخر.

439

| 08 يونيو 2012

تركيا والجوار: من الحرب الباردة إلى الحرب الساخنة

تستعيد تركيا في سياساتها الخارجية حقبة الحرب الباردة مع "بعض الزيادات" غير الهامشية. وبعد التطورات المتسارعة التي حصلت في السنتين الأخيرتين يبدو أن سياسات الانفتاح التي ظهرت بين أنقرة حزب العدالة والتنمية والعديد من دول الجوار كانت مجرد سحابة غيم سرعان ما تبددت ليتوقف المطر عن الهطول وليعود الجفاف إلى شرايين العلاقات التركية مع جوارها في الجهات الأربع. لم تتغير النظرة التركية إلى روسيا على أنها "عدو" منذ الصراع العثماني مع القياصرة إلى الصراع خلال الحرب الباردة مع الشيوعية واليوم إلى المواجهة المكشوفة بين تركيا وروسيا انطلاقا من مشروع حلف شمال الأطلسي نشر الدرع الصاروخية على الأراضي التركية والذي بدأ العمل به منذ أشهر. لم تنتظر تركيا ما يسمى بـ"الربيع العربي" لكي تحدث التحول الجذري في موقفها من روسيا وطبيعة علاقاتها المستقبلية معها ووافقت في قمة لشبونة في خريف 2010 على نشر شبكة رادارات الدرع الصاروخية في منطقة ملاطية في تركيا.تبرعت تركيا للمهمة التي طالما كانت تتولاها وهي أن تكون خزانا عسكريا للحلف سواء لجهة مدّ الأطلسي بالجنود أو لتنفيذ مهام حساسة تتصل بالعدو الخارجي. لا شك أن العدو الخارجي للأطلسي تغير في العقدين الأخيرين من الشيوعية الحمراء إلى الإسلام الأخضر واليوم يتم البحث عن لون للعدو الذي يبدو أنه أصبح متعدد الألوان. قمة شيكاغو لحلف شمال الأطلسي أكدت للمرة الألف أن تركيا بحاجة ماسة للغرب.ولكن تركيا التي رفع وزير خارجيتها أحمد داود أوغلو شعاره الشهير أنها متعددة الأبعاد قد خرجت بصورة حاسمة من هذا الشعار واختارت، على ما مارسته في السنتين الأخيرتين، سياسة الطرف بعدما كانت رائدة سياسة المسافة الواحدة من الجميع. بمعزل عن الأسباب فإن سياسة تركيا الخارجة أشبه بلعبة كرة القدم.ليس المهم من يلعب أحسن في الملعب بل المهم النتيجة ومن يسجل أهدافا وعلى قول المصريين إن "الكرة جوال" (أي أهداف).لقد لعب مثلا برشلونة وفاز تشلسي ولعب بايرن ميونيخ وفاز أيضا تشلسي.واليوم بمعزل عن الأسباب فإن تركيا فقدت جوارها الصديق الذي تحول إلى جار عدو.وليس من المنطق أن يخطئ الجميع وتركيا وحدها التي تلعب دون أخطاء.فإلى سوريا وإيران والعراق، المرتبط توتر تركيا معهم بالوضع في سوريا وأمور أخرى، فإن العلاقات التركية متوترة وغير طبيعية مع روسيا التي لوّحت باستخدام السلاح النووي لعدم تغيير التوازنات في الشرق الأوسط والتي ردّت على قرار قمة شيكاغو نقل الدرع الصاروخية في تركيا إلى العهدة الكاملة للحلف بعدما كان بعهدة واشنطن فقط، بإطلاق تجربة لصاروخ بالستي عابر للقارات ووصفتها صحيفة ميللييت التركية بأنها أكبر تهديد لتركيا حتى الآن على الإطلاق. كذلك يتذكر الأتراك جيدا التهديدات الروسية لتركيا ومن أن رادارات الدرع الصاروخية في ملاطية ستكون هدفا للصواريخ الروسية في أي خلافات مستقبلية. وفي المقلب الجنوبي لم تتردد الخارجية التركية في التهديد بالحرب في حال مشاركة شركات أجنبية التنقيب عن النفط في مناطق قبرصية يونانية تعتبرها أنقرة كلا لا يتجزأ من الحدود البحرية لكل الجزيرة دفاعا عن القبارصة الأتراك. وفي الإطار نفسه كانت الأنباء عن اتفاق بين قبرص اليونانية وإسرائيل لتمركز 20 ألف جندي إسرائيلي في منطقة ليماسول فيما يبدو أنه تصعيد جديد في المواجهة مع تركيا في حال عرقلت التنقيب عن النفط في شرق المتوسط. لا يحسد أحد تركيا على صورتها الحالية التي كانت على حافة أن تكون "عريس" المنطقة إلى ما قبل سنتين قبل أن تتحول إلى عنصر تهديد لكل دول الجوار بمختلف مشاربهم والعمل وفق سياسة تغيير الأنظمة، وهو ما يضع الكرة في الملعب التركي والبحث عن أسباب التخلي عن سياسات تصفير المشكلات السابقة ومراجعة الحسابات التي يبدو أنها كانت خاطئة ولم تأخذ في الاعتبار الحساسيات والتوازنات الاجتماعية والسياسية في المنطقة أو أنها كانت مرغمة على الانخراط والتورط فيها بناء على ضغوط خارجية أمريكية أساسا.. وفي الحالتين فإن النتيجة واحدة: خسارة المباراة.

603

| 26 مايو 2012

أمريكا تقدم تركيا نموذجا للعرب

لم تعد تركيا تنتظر على أحر من الجمر التقارير الغربية ومنها الأمريكية التي تتناول الأوضاع في تركيا.ذلك أن السلطة في تركيا بقيادة حزب العدالة والتنمية الإسلامي حققت خطوات متقدمة على طريق الإصلاح والتنمية الاقتصادية والتحول إلى قوة إقليمية تحتاجها الولايات المتحدة وبالتالي بات لدى حكومة أنقرة الثقة بنفسها وبأنها في وضع قادر على مواجهة التحديات الخارجية. ومع ذلك فإن ما تحقق حتى اليوم في تركيا لا يشكل سوى جزء بسيط مما يريده مثلا الأوروبيون لكي تصبح تركيا في مصاف الدول المؤهلة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. كذلك فإن التطورات التي تعصف في المنطقة والتي أعادت المحيط الإقليمي لتركيا إلى محيط معاد، وتلك التي تعصف كذلك بالمجتمع التركي المنقسم على نفسه شقين متعادلين تجاه الوضع الإقليمي ولاسيَّما السوري، كذلك حول الخطوات اللازمة لإنتاج دستور جديد متوازن، كلها تجعل تركيا في دائرة الخطر خصوصا أنها تنتمي في مكوّناتها الاجتماعية والاتنية والمذهبية إلى العالم الإسلامي أي أن هذه المشكلات لم تجد بعد حلا لها وتهدد بالفعل وحدة البلاد والاستقرار. لذا ليس من مفر أمام الأتراك سوى أن يتابعوا ما ورد في تقرير مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية الذي صدر عن تركيا لاسيَّما أن المجلس مؤسسة بحثية مهمة ويعمل فيها رموز من السياسيين الخبراء في السياسة الخارجية مثل وزيرة الخارجية السابقة مادلين أولبرايت ومستشار الأمن القومي السابق ستيفان هادلي والخبير المعروف ستيف كووك وبالتعاون مع خبراء في معهد بروكينغز. توزعت تقييمات التقرير الذي أعلن قبل أيام عن عدد كبير من الموضوعات. في التقييمات الإيجابية أن تركيا شهدت فترة تغيير كبيرة منذ العام 2002 تاريخ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة حتى اليوم وقامت بإصلاحات شاملة وواسعة. وتركيا التي نعرفها اليوم ليست تركيا التي كانت قبل خمس أو عشر أو 15 عاما. ولفت التقرير إلى أن النظام السياسي في تركيا بات يمثل أكثر القاعدة الشعبية ولاسيَّما في ظل تضاؤل دور العسكر في الحياة السياسية. ولا شك أن النجاح التركي في الاقتصاد كان عنوانا أساسيا في التقرير الذي أشار إلى أن الناتج القومي ازداد ثلاثة أضعاف خلال عشر سنوات والاقتصاد التركي بات بين العشرين اقتصادا الأُول في العالم وفي طريقه ليكون بين العشر الأوائل. وتوقف التقرير بإعجاب عند الدور الفعال الذي لعبته الدبلوماسية التركية خلال العشر سنوات الماضية.أي سياسة خارجية مؤثرة.كما أشاد التقرير بدور تركيا في الاستقرار الإقليمي ومن ذلك الوساطة بين إيران والغرب وتحول تركيا إلى بلد نموذج لدول المنطقة. وأشار التقرير إلى تقاسم النظرة نفسها بين تركيا والولايات المتحدة إلى العديد من القضايا ومنها أفغانستان وباكستان والبلقان وانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. ولكن التقرير لم يهمل الإشارة إلى مشكلات تواجهها تركيا ومن ذلك البطء في إعداد دستور جديد والمضايقات على الحريات الصحفية واعتقال الصحفيين.كذلك عدم تحقيق تقدم لحل المشكلة الكردية.وعلى الصعيد الخارجي التوتر في العلاقة مع إسرائيل.ولفتت إشارة التقرير إلى القلق في العالم الخارجي من التأثير المتزايد للإسلام السياسي في الحياة السياسية. ودعا التقرير إلى مأسسة العلاقات الجيدة بين اردوغان والرئيس الأمريكي باراك أوباما لتكون دائمة وبنّاءة. وقد وصف التقرير العلاقات بين تركيا وأمريكا بالشراكة الاستراتيجية بعدما كان وصفها أوباما في خطاب له في تركيا بعد تسلمه السلطة بـ "الشراكة النموذج". ويرى التقرير أن العلاقة التركية- الأمريكية ضرورية ليس فقط لمصالح البلدين بل كذلك يجب أن تعكس الوضع الجديد لتركيا التي تلعب دورا جديدا في الشرق الأوسط المتغير كما يجب أن تعكس هذه العلاقة النجاح التركي من زاوية اقتصادية وسياسية.ويقول التقرير إن النموذج التركي مهم لما يمكن أن تكون عليه صورة الأنظمة السياسية في الدول العربية التي قامت بها ثورات لجهة المشاركة والتوسع في الحياة السياسية والاجتماعية وتعزيز الديمقراطية والإصلاح الاقتصادي.

773

| 18 مايو 2012

تركيا وحلف شمال الأطلسي

يلفت النظر أن رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردغان بات يكرر من دون ضوابط مقولة إن تركيا قد تلجأ عند الضرورة إلى طلب نجدة حلف شمال الأطلسي لحماية حدودها مع سوريا. في آخر كلام بهذا الخصوص الحوار الذي أجرته معه صحيفة إيطالية وذكّر فيه بالمادة الخامسة من ميثاق الحلف الذي يعتبر أي عدوان على عضو فيه اعتداء على كل الحلف. وكان أردوغان ومسؤولون أتراك آخرون قد لمّحوا بداية ثم عبّروا بصراحة عن نيتهم الاستنجاد بالحلف فيما يتعلق بالأزمة السورية عندما اقترب القتال بين الجيش السوري ومعارضيه المسلحين من منطقة الحدود التركية حيث اخترقت رصاصاتٌ الحدودَ ووصلت إلى مخيم كيليس القريب منها حيث قتل شخص وجرح آخرون. يطرح الاستنجاد بالأطلسي أسئلة كثيرة ويفتح نقاشا حول طبيعة الدور الذي تقوم به تركيا في المنطقة منذ أن انتمت إلى المحور الغربي بعد الحرب العالمية الثانية. فتركيا بعد تلك الحرب انضمت إلى الكتلة الغربية والتزمت بما تطلبه من مستحقات عملية على الأرض. من ذلك مثلا تغيير طبيعة النظام السياسي من سلطة حزب واحد إلى تعددية حزبية في العام 1946.ومن بعدها كان الاعتراف بإسرائيل في العام 1949 أحد أبرز محطات الانتماء التركي إلى الغرب. وفي العام 1952 انضمت تركيا إلى حلف شمال الأطلسي. وما لبثت أن كانت شريكة في العديد من الأحلاف المتعددة الأطراف والمعادية لحركة التحرر العربية وأبرزها حلف بغداد. ومع أن تركيا حاولت اتباع سياسات متوازنة في بعض اللحظات غير أن علاقاتها بإسرائيل والغرب استمرت الراجحة على حساب العلاقات العلاقات مع المشرق بكل أطرافه. ولا يبدو أن علاقة أنقرة بحلف الأطلسي لها علاقة بطبيعة السلطة المسيطرة في أنقرة. فالعلاقة الأطلسية لتركيا استمرت قوية في كل المراحل ولم تشبها شائبة في أي وقت. كان ذلك في عهد المتشددين من العلمانيين وفي عهد الانقلابات العسكرية المباشرة كما في عهد الحكومات المشتركة بين العلمانيين والإسلاميين في السبعينيات والتسعينيات والتي كان رأس الجانب الإسلامي فيها نجم الدين أربكان. وإذا كان يمكن القول أن عدم تفرد أحزاب أربكان بالسلطة كان عامل لجم لتطبيق طروحاته المعادية لحلف شمال الأطلسي،غير أن الوضع مع حزب العدالة التنمية كان مختلفا. فالحزب الذي ترأسه رجب طيب أردوغان والذي طبعته الميول الإسلامية الواضحة نجح في العام 2002 أن ينفرد بالسلطة برلمانا وحكومة ورئاسة جمهورية. وما لبث خلال أعوام قليلة أن غيّر النظام السياسي كلية من خلال تعديل قوانين القضاء والمؤسسة العسكرية فوضع يده عليهما كما فرض نظاما تربويا جديدا يخدم أفكاره. ومع أن النظام السياسي في تركيا برلماني ديمقراطي غير أن الجميع في الداخل والخارج بات ينظر إلى هذا النظام على أنه نظام الحزب الواحد وإن جاء عبر انتخابات ديمقراطية. ومع أن سياسة الانفتاح على العرب والمسلمين أعطت أملا في أن تعيد تركيا النظر في علاقاتها مع الغرب وإسرائيل غير أن الحسابات الجيو استراتيجية لتركيا حالت دون أن تذهب تركيا إلى التخفيف من علاقاتها مع هذا المحور فاستمرت علاقاتها مع إسرائيل وإن شابها أحيانا بعض التوتر فيما تعززت علاقاتها مع الغرب ولاسيَّما مستوى مشاركتها كعضو في حلف شمال الأطلسي. ومن هذه المشاركات الفعالة النوعية عمليات الحلف في أفغانستان رغم أنه لا يوجد قرار من مجلس الأمن بهذا الخصوص. كذلك شاركت تركيا في عمليات الحلف ضد ليبيا للإطاحة بالعقيد معمر القذافي. وجاءت خطوة نشر رادارات الدرع الصاروخي الأطلسي على الأراضي التركي ليشكل المساهمة الأبرز على صعيد تثبيت انتماء تركيا الأطلسي في مواجهة محيطها العربي والإسلامي والروسي والذي اعترته إيران استفزازا لها ونعتت تركيا بشتى النعوت. أما روسيا فقد أعلنت صراحة أنها ستمتلك القوة الضرورية لتدمير الدرع الصاروخي في شرق أوروبا وفي تركيا. وإذا كان مفهوما أن تتحرك تركيا أطلسيا في مواجهة أي تهديد كونها عضوا فيه، غير أن تصريح أردوغان الأخير إلى الصحيفة الإيطالية يثير تساؤلات حيث إن الوضع في سوريا لا يهدد عسكريا تركيا. وحتى إذا كان ذلك فإنه لا يستدعي تدخلا أطلسيا.مع التذكير أن حادثة أكثر خطورة حصلت في العام 1998 عندما هدد الرئيس التركي سليمان ديميريل الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد بأن الجيش التركي سيدخل سوريا من الشمال ويخرج منها من الجنوب إن لم تسلّم دمشق زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجالان وكان له ما أراد من دون أن يهدّد بالاستنجاد بحلف شمال الأطلسي. من مجمل ما تقدم يتبين أن روابط تركيا الأطلسية أقوى من أن يزعزعها تبدل السلطات في أنقرة من علمانية أو عسكرية أو إسلامية. وهو أمر يوجب التعاطي مع تركيا على هذا الأساس بكل ما يمثله حلف شمال الأطلسي من تاريخ وأهداف وعداء للقضايا العربية والإسلامية.

565

| 11 مايو 2012

شركاء لا أجراء

مر التاريخ المعاصر للدول الاسلامية ومنها العربية في محطات بارزة أبرزها حركات التحرر الوطني التي افضت الى استقلال الدول عن المستعمرين. اذا جاز تحديد محطة فاصلة جدا في هذا السياق فقد كان الانفصال العربي عن الدولة العثمانية وانهيار الرابطة العثمانية. الدولة العثمانية لم تكن شبيهة بالدولة الأموية أوالعباسية لجهة انقلاب السيطرة السياسية من داخل الدولة نفسها فتبدلت الأسر الحاكمة. جاء العثمانيون من خارج المنطقة العربية ودخلوا بجيوشهم المنطقة العربية ليس كفاتحين بل ك "غزاة" اذا جاز التعبير حيث خاضوا المعارك لاحتلال المنطقة العربية التي كان يسيطر عليها المماليك في بلاد الشام ومصر.تماما كما جاء المغول وهولاكو واجتاحوا بغداد ودمشق. لذا كان الانفصال العربي عن العثمانيين سهلا نسبيا حيث تباينت النزعات القومية في وقت رفض العثمانيون ولا سيما قادة الاتحاد والترقي تلبية المطالب العربية في ما يشبه الحكم الذاتي والحقوق اللغوية والادارية والسياسية في الدولة. باستثناء حروب التحرير العربية ضد الأتراك العثمانيين والفرنسيين والانكليز والايطاليين، لم تعرف منطقة الشرق الأوسط الاسلامية محاولات جدية وصادقة لتوحيد هوية المنطقة على قاعدة الاعتراف بالآخر المسلم وحقه في التشاور والتنسيق والعمل بفاعلية لخلق منطقة تعاون تجبه التحديات المشتركة. في مواجهة الخطر الصهيوني مثلا، لم ينس الأتراك ثورة الشريف حسين وتعاون العرب مع الغرب لإنهاء الدولة العثمانية.وبعد ثلاثين عاما من الانهيار العثماني أخرج قادة حزب الشعب الجمهوري مخزون الحقد ضد العرب عندما اعترفوا بالكيان الاسرائيلي في العام 1949 كأول دولة مسلمة وساروا بعكس المزاج الشعبي العربي الغاضب.لكن الأخطر ان من أسباب الإعتراف ،كما ورد في كتاب أشرف عليه الكاتب التركي المعروف باسكين اوران، هو رغبة النخبة التركية السياسية الانتقام من العرب لموقفهم الانفصالي عن الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى. على الخط نفسه كان يمكن للشاه الايراني المخلوع محمد رضا بهلوي ان يسير ايضا بعكس التاريخ وينضم للأتراك ويعترف بدولة اسرائيل وينسج معها احلاف تعاون ضد العرب قبل ان يتم خلعه في العام 1979. مع قيام الثورة الاسلامية في العام 1979 والتقارب العربي الايراني،ثم بعد وصول حزب العدالة والتنمية عام 2002 الى السلطة واتباعه سياسات انفتاحية على الدول المجاورة كان يمكن للأمل ببدء تعاون ثلاثي بين المكونات الأساسية للمنطقة اي العرب والأتراك والإيرانيين، ان يتحول الى واقع. لكن تطورات الأمور سارت بخلاف ذلك خلال سنوات قليلة.بعض العرب رأوا في ايران تهديدا لأمنهم القومي عبر زيادة نفوذها ولا سيما بعد الاطاحة بالرئيس العراقي السابق صدام حسين.والأتراك ايضا تحسسوا من النفوذ الايراني فنصبوا رادارات الدرع الصاروخي الأطلسي ليواجهوا هذا الخطر. أما التقارب التركي مع العراق ولا سيما مع سوريا فقد أصبح في خبر كان بعد انهيار سياسة تصفير المشكلات وتحولها الى سياسات اعتبار "الآخر" عدوا. يدرك العرب والأتراك والإيرانيون ان التحديات التي يواجهونها واحدة ومشتركة وما تتعرض له كتلة منهم يترك آثاره على الكتل الأخرى.وقد أثبتت المسار التاريخي للمنطقة ان أحدا لا يمكنه ان يتقدم من خلال العداء للآخر.بل ان اية محاولة لإقامة تحالفات بين أي كتلتين منهم ضد الكتلة الثالثة لن يسفر سوى عن المزيد من الجراح والخراب والخسائر. ولعل الاحساس بإمكانية إلغاء الاخر والتفرد بحكم المنطقة منفردا هو أخطر ما يمكن ان تفكر به كتلة دون أخرى.ولم تسلم كتلة من هذه الكتل الثلاث من لحظات المرور بتفكير إلغاء الآخر كلما توهمت انها تملك القدرة على ذلك. من الأمثلة الأخيرة على هذا التوهم كلمة وزير الخارجية التركي احمد داود اوغلو امام البرلمان التركي قبل أيام والذي أطلق فيه من المواقف"العثمانية" والأمبراطورية ما يجعله يقع في هذا الفخ من الأوهام التي أثبتت الدروس والعبر انه لا مكان له على أرض الواقع. اختصر داود اوغلو تاريخ المنطقة كلها بالقول ان "شرق أوسط جديداً يولد في المنطقة وفكر هذا الشرق الجديد سترسمه تركيا التي ستقوده الى التغيير وفقا لما يريده الأتراك لتركيا نفسها وستكون الناطقة باسمه". العودة الى النص الكامل لوزير خارجية "الدولة العلية" العثمانية،كما وصفه احد ابرز الكتّاب الأتراك،ممتازير توركينيه، أكثر من ضرورية للجميع. خطبة داود اوغلو جاءت لتصب الزيت على النار ولتعلن رغبة تركيا العارمة في التفرد بتزعم المنطقة ماحية ب "شحطة لسان" وجود الكتلتين العربية والايرانية وغيرهما مثل الأكراد. لقد حان الوقت ليدرك الجميع ان هذه المنطقة للجميع ومصيرها يرسمه جميع أبنائها ولا تتحمل التفرد بزعامة أحد.وأن أية كتلة ليست أجيرة عند الكتل الأخرى ولا تابعة."الكل شركاء" يجب ان يكون شعار الجميع قولا وعملا.

937

| 05 مايو 2012

alsharq
شعاب بعل السامة

تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما...

15648

| 23 فبراير 2026

alsharq
(زمن الأعذار انتهى)

الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة...

2613

| 27 فبراير 2026

alsharq
عندما كانوا يصومون

رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة...

2115

| 25 فبراير 2026

alsharq
الدهرُ يومان... يومٌ لك ويومٌ عليك

في رمضان، حين يخفُّ صخبُ العالم وتعلو همساتُ...

1023

| 26 فبراير 2026

alsharq
رمضان.. شهر يُعيد ترتيب الخسائر

رمضان يأتي ليطرح سؤالًا ثقيلًا: ماذا تبقّى منك؟...

798

| 27 فبراير 2026

alsharq
كبسولة لتقوية الإرادة

أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام...

795

| 01 مارس 2026

alsharq
تفاصيل رمضانية

جوهر رمضان هو العبادة، وتخليص النفس للطاعة، والتقرب...

786

| 25 فبراير 2026

alsharq
من الحضور إلى الأثر.. نقلة هادئة في فلسفة التعليم

يشهد قطاع التعليم تطورًا مستمرًا في أدواته وأنظمته،...

666

| 24 فبراير 2026

alsharq
التجارب لا تُجامِل

استكمالا لما ورد في (مقالنا) الذي نُشر تحت...

618

| 24 فبراير 2026

alsharq
سلام عليك في الغياب والحضور

لم أفهم معنى أن يكون للطفولة ظلٌّ يحرسها...

579

| 23 فبراير 2026

alsharq
الإمام بين المحراب والقيادة.. هل تراجعت هيبة المسجد

لم تكن المساجد في صدر الإسلام مجرد مساحةٍ...

549

| 26 فبراير 2026

alsharq
سوريا: المرحلة الانتقالية وإعادة صياغة العلاقات الدولية

بعد مرور عام وشهرين على سقوط النظام السوري،...

537

| 23 فبراير 2026

أخبار محلية