رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الأسرة في مَهَب الشاشات... كيفَ نوقد دفءَ الحَياة؟

لم تعد بيوتنا تهدّدها الجدران المتصدّعة، ولا ضيق المساكن، وإنما تهدّدها شاشات لامعة تشيّد بين القلوب أسوارا صامتة لا ترى. فكم من أسرة تجلس على مائدة واحدة، ولكن لكلّ فرد منها عالمه الخاص، وكم من أب حاضر بوجهه، غائب بقلبه، وكم من أمّ تقلّب صفحات هاتفها أكثر مما تقلّب صفحات وجوه أبنائها، حتى غدا الطفل يتيم الحوار، وإن كان بين أبويه، وغدت البيوت عامرة بالأجهزة، خاوية من الأنس. دخلت التقنية بيوتنا ضيفا كريما، تحمل العلم والتواصل والمعرفة، ثم ما لبثت أن استأثرت بالمجلس، وكادت تستولي على المشاعر، حتى صار كثير من الناس يحسنون الحديث إلى البعيد، ويعجزون عن الإصغاء إلى القريب. وليس الخطر في الهاتف نفسه؛ فهو نعمة إذا أحسن استعمالها، ولكنّ الخطر أن تتحوّل الوسيلة إلى غاية، وأن يصبح الإنسان أسير إشعار عابر، بينما يؤجّل كلمة محبة، أو نظرة اهتمام، أو حضنا دافئا، كانت كفيلة بإحياء قلب صغير. والأسرة في التصوّر الإسلامي ليست سقفا يجمع الأجساد، بل سكينة تظلّل الأرواح، ورحمة تؤلّف القلوب؛ قال تعالى: ﴿ومن آياته أن خلق لكم مّن أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مّودّة ورحمة﴾، وقال صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله». فلا تبنى هذه السكينة بإشعارات الهواتف، وإنما تبنى بحسن الإصغاء، وجميل الحديث، وتبادل الدعاء، وصناعة اللحظات التي تصبح بعد أعوام أجمل الذكريات. وأشدّ ما يؤلم أنّ الطفل لا يطلب هاتفا أحدث، وإنما يطلب أبا أكثر حضورا، وأمّا تتقن صناعة الذكريات قبل جمع الصور. إنّ الصغار لا يحفظون عدد الألعاب التي اقتنيت لهم، ولكنهم يحفظون من شاركهم اللعب، ولا يتذكّرون ثمن الهدايا، بل حرارة اليد التي احتضنتهم، والكلمة التي رفعت هممهم، والابتسامة التي بدّدت خوفهم. وليس علاج هذه الأزمة في كسر الأجهزة، وإنما في كسر سلطانها على القلوب. فلتعلن الأسرة ساعة يومية للحياة، تطفأ فيها الشاشات وتفتح القلوب، ولتكن مائدة الطعام ميثاقا لا يدنّسه هاتف، وليكن في كلّ أسبوع مجلس أنس عائليّ تتلى فيه آية، أو تروى سيرة، أو يناقش كتاب، أو تمارس لعبة جماعية، أو تنفّذ مبادرة تطوعية يشترك فيها الأبناء؛ فالأعمال المشتركة تشيّد جسور المحبة أكثر مما تصنعه الخطب الطويلة. كما يجدر بالوالدين أن ينشئا ميثاقا أسريّا رقميّا يشارك الأبناء في صياغته، يوازن بين حقّ التقنية وحقّ الأسرة، فينشأ الالتزام عن قناعة لا عن إكراه. إنّ أعظم استثمار ليس في اقتناء أحدث الأجهزة، بل في بناء إنسان مطمئنّ القلب، وبيت تظلّله المودّة والرحمة. فإذا عاد الحوار إلى المجالس، والابتسام إلى الوجوه، والدعاء إلى الألسنة، عادت البيوت تنبض بالحياة، وانكسرت برودة الشاشات، وبقيت الأسرة حصنا للإيمان، ومصنعا للقيم، وواحة يلوذ بها الأبناء كلما اشتدّ صخب العالم.

297

| 06 أغسطس 2026

لغتنا الخالدة والذكاء الرشيد

ليست أخطر الخسائر أن تضعف لغة أمة، وإنما أن يضعف العقل الذي يحملها. فاللغة لا تموت حين تقل مفرداتها، وإنما حين تتراجع قدرتها على صناعة إنسان يفكر، ويحلل، ويبدع، ويستنطق المعرفة بعقله لا بعقل غيره. وفي هذا العصر أصبح سيل المعلومات يتدفق بلا حدود، ويغدو الذكاء الاصطناعي حاضرًا في كل تفاصيل الحياة، لم يعد السؤال: كيف نستخدم التقنية؟ بل أصبح: كيف نحافظ على إنسانٍ يفكر في عصرٍ باتت الآلة تفكر فيه بالنيابة عنه؟ ومن هنا، فإن العربية ليست قضية تراثٍ نحتفي به، ولا مادةٍ دراسية نؤديها، بل هي مشروعٌ تربويٌّ وحضاريٌّ لصناعة العقول، وصيانة الهوية، والارتقاء بالمخرجات التعليمية في عالمٍ تتسارع فيه التحولات الرقمية. وبعد ما يقارب أربعين عامًا في تدريس اللغة العربية، أيقنت أن رسالة المعلم لا تنتهي عند تعليم القواعد، بل تبدأ منها لتكوين عقلٍ ناقد، يقرأ بوعي، ويفكر بعمق، ويميز بين الحقيقة والوهم. وما يبعث على القلق اليوم ليس تطور الذكاء الاصطناعي، بل الإفراط في الاعتماد عليه حتى أصبح بعض الطلاب يكتفي بالإجابة الجاهزة، فتضعف لديه مهارات البحث، والتحليل، والاستنباط، ويقع في أسر الاتكالية المعلوماتية والانكماش المعرفي، فيستقبل ما يُعرض عليه دون تمحيص، غثَّه وسمينه. ولا يعني ذلك رفض الذكاء الاصطناعي؛ فهو من أعظم أدوات العصر إذا استُخدم بوعي، إذ ييسر التعلم، ويختصر الزمن، ويدعم الترجمة، والتحليل، والتدقيق اللغوي، وإنتاج المحتوى. غير أن قيمته الحقيقية تكمن في كونه معينًا على التفكير، لا بديلًا عنه. ولتحقيق ذلك، لا بد من تبني آليات تربوية عملية، من أبرزها: أن يسبق استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي قراءةٌ وبحثٌ ذاتي، حتى يبقى العقل منتجًا للمعرفة لا مستهلكًا لها. وإلزام المتعلم بإعادة صياغة المعلومات بلغته، وتحليلها ونقدها، وربطها بواقعه، بدل نسخها كما هي. وتعزيز مهارات التحقق من المصادر، والمقارنة بين المراجع، واكتشاف ما قد تتضمنه بعض التطبيقات من أخطاء أو تحيزات. كما ينبغي إحياء ثقافة القراءة العميقة، والكتابة الإبداعية، والحوار والمناظرة، لأنها تنمي التفكير النقدي، وتصنع شخصية مستقلة، وترفع جودة المخرجات التعليمية. وفي المقابل، يجب تسخير الذكاء الاصطناعي لخدمة العربية بإثراء المحتوى الرقمي، وتطوير أدوات التدقيق اللغوي، والتطبيقات التعليمية، والمعاجم الذكية، مع تدريب المعلمين والطلاب على الاستخدام الأخلاقي والواعي لهذه التقنيات، حتى تبقى الكلمة الأخيرة للعقل البشري. إن مستقبل لغتنا الخالدة لن تصنعه الخوارزميات وحدها، وإنما تصنعه عقولٌ تحسن الإفادة منها دون أن تخضع لها. فإذا نجحنا في غرس هذه الثقافة في مدارسنا، خرجت أجيال تمتلك العلم، وتحسن التفكير، وتعتز بهويتها، وتوظف الذكاء الاصطناعي لبناء المعرفة لا لاستهلاكها، وبذلك نضمن مخرجات تعليمية قادرة على قيادة المشروع الحضاري للأمة بثقة واقتدار. • مدرب التنمية البشرية وتطوير الذات

309

| 24 يوليو 2026

الإجازة الذكية.. بين الترفيه والتأهيل

تُمثِّل الإجازات في حياة الأفراد والأُسر محطةً ضروريةً لاستعادة التوازن، وتجديد النشاط، والانطلاق نحو مراحل جديدة بروح أكثر حيويةً وإبداعًا. غير أن النظرة الواعية إلى الإجازة تتجاوز مفهوم الفراغ المؤقت أو الترفيه المجرد، لتجعل منها فرصةً لبناء الإنسان، وتنمية القدرات، وتعزيز القيم، وصناعة أثرٍ يمتد من الفرد إلى الأسرة، ومن الأسرة إلى المجتمع، ثم إلى مؤسسات الدولة كافة.وقد أرشد الإسلام إلى مبدأ التوازن والاعتدال، فجعل للنفس حقًّا، وللجسد حقًّا، ودعا إلى استثمار الأعمار والأوقات فيما ينفع، قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾، فالمؤمن لا يعرف الفراغ السلبي، بل ينتقل من عملٍ إلى عمل، ومن واجبٍ إلى واجب، ومن إنجازٍ إلى إنجاز. ومن هنا، فإن الإجازة الناجحة تقوم على جناحين متكاملين: الترفيه الهادف، والتأهيل البنَّاء. فالترفيه المعتدل يجدد الطاقة النفسية والجسدية، ويخفف ضغوط الدراسة والعمل، ويمنح أفراد الأسرة فرصًا أوسع للتواصل، وإحياء معاني الألفة والتراحم، وبناء الذكريات الجميلة التي تبقى رصيدًا عاطفيًّا للأبناء والآباء على السواء.وفي المقابل، تمثل الإجازات موسمًا مثاليًّا لاكتشاف المواهب، واكتساب المهارات، وتنمية الهوايات، والالتحاق بالدورات التدريبية، والمشاركة في البرامج التطوعية والثقافية، بما يسهم في إعداد جيل أكثر وعيًا، وأوسع أفقًا، وأقدر على مواجهة تحديات المستقبل. ولتحقيق هذا التوازن، يمكن تبني خطة عملية ميسرة تقوم على أربعة محاور:أولًا: البناء الإيماني والقيمي، من خلال المحافظة على العبادات، وتخصيص وقت لقراءة القرآن، وتعزيز صلة الرحم، وغرس قيم المسؤولية والانضباط في نفوس الأبناء. ثانيًا: الترفيه الأسري الهادف، عبر الرحلات، والأنشطة الرياضية، والزيارات الاجتماعية، بما يعزز الترابط الأسري ويحقق الاستقرار النفسي. ثالثًا: التنمية المعرفية والمهارية، بتعلم لغة جديدة، أو تطوير المهارات التقنية، أو ممارسة القراءة، أو صقل المواهب الإبداعية.رابعًا: خدمة المجتمع والعمل التطوعي، لترسيخ روح المبادرة والعطاء والانتماء للوطن. إن ثمار الإجازة المتوازنة لا تتوقف عند حدود الأسرة، بل تنعكس على المدارس ومخرجاتها التعليمية؛ إذ يعود الطلاب أكثر استعدادًا للتحصيل والابتكار، كما يستفيد الموظفون والعاملون في مختلف القطاعات من تجدد طاقتهم النفسية والمعرفية، فتتحسن بيئات العمل، وتزداد الإنتاجية، وتنطلق الطاقات الإبداعية بما يدعم مسيرة التنمية الوطنية. إن الإجازة ليست زمنًا يُستهلك، بل فرصة تُستثمر، وكلما أحسنَّا إدارتها، أحسنَّا بناء الإنسان، والأسرة، والمجتمع، وأسهمنا في صناعة مستقبل أكثر ازدهارًا واستقرارًا للأوطان والأجيال.

477

| 26 يونيو 2026

الاختبارات وصناعة المستقبل

على امتداد سنوات طويلة قضيتها بين أروقة التعليم وقاعاته، رأيت أفواجا من الطلاب يعبرون هذه المراحل كما يعبر المسافر محطات الطريق؛ بعضهم كان ينظر إلى الدراسة بوصفها واجبا مؤقتا ينتهي بانتهاء الاختبار، وبعضهم كان يدرك أن وراء الكتاب والقلم رسالة أكبر، وأن وراء كل جهد يبذله اليوم مستقبلا يصنع وحياة تبنى، وأمة تنتظر منه نصيبا من العطاء. ومن هنا، فإن موسم الاختبارات ليس موسما للقلق والتوتر فحسب، كما يصوره كثيرون، بل هو فرصة تربوية كبرى لإعادة تشكيل وعي الأبناء بقيمة العلم، وإدراك أن النجاح الحقيقي لا يقاس بدرجة تكتب في شهادة، وإنما بما يتركه العلم من أثر في العقل، وما يغرسه من قيم في النفس، وما يصنعه من قدرة على خدمة الدين والوطن والإنسان. لقد هيأت المؤسسات التعليمية اليوم بيئة ثرية بالفرص والإمكانات؛ مدارس متطورة، وبرامج نوعية، ووسائل تعليمية حديثة، ومعلمين يحملون رسالة التربية قبل التعليم. وهذه المكتسبات ليست منحة للترف المعرفي، بل مسؤولية تستوجب من الأسرة والطالب أن يحسنا استثمارها، وأن يدركا أن الأمم التي تتصدر مشهد الحضارة لم تبلغ مكانتها إلا حين جعلت من التعليم مشروعا وطنيا، ومن الطالب استثمارا استراتيجيا للمستقبل. إن أعظم ما يمكن أن تقدمه الأسرة لأبنائها في هذه المرحلة ليس الضغط النفسي ولا المراقبة القلقة، وإنما بناء الثقة، وتعزيز الدافعية، وربط الاجتهاد بمعاني الرسالة والاستخلاف. فالطالب الذي يشعر أن تفوقه اليوم قد يفتح بابا لعلاج مريض، أو تعليم جيل، أو بناء مؤسسة، أو ابتكار حل لمشكلة مجتمعية؛ سيتجاوز حدود الدراسة إلى آفاق الطموح والإبداع. كما أن أبناءنا بحاجة إلى خطاب يوقظ فيهم الأمل لا الخوف، ويستثير فيهم الهمة لا الرهبة. فكم من كلمة صادقة غيرت مسار إنسان، وكم من ثقة منحت لطالب فصنعت منه قائدا أو عالما أو مصلحا. وقد ربط الإسلام بين الإيمان والعمل والإتقان، فقال تعالى: ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم﴾، وقال النبي ﷺ: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه». إن الاختبارات تمضي في أيام معدودة، أما آثارها التربوية فتظل ممتدة في حياة الأبناء. ولذلك فإن واجبنا ألا نخرج طلابا يجيدون الإجابة عن الأسئلة فحسب، بل أن نخرج جيلا مؤمنا برسالته، واثقا بقدراته، قادرا على تحويل العلم إلى عمل، والطموح إلى إنجاز، والفرص إلى صروح تحفظ للأمة مجدها، وتصنع لها مستقبلها المنشود. * مدرب التنمية البشرية وتطوير الذات.

522

| 05 يونيو 2026

القراءة حصن الوعي في زمن الفتن

في سكونِ الليلِ، وعلى قِمَّةِ جبلٍ موحشٍ، كان قلبٌ يتأمَّلُ، وروحٌ تتساءلُ، وعينٌ تترقَّبُ آفاقَ الغيبِ؛ هناك في غارِ حراءٍ، حيثُ يسكنُ الصمتُ ويتهيَّأُ الوجودُ لولادةِ معنى جديدٍ، لم تكن اللحظةُ عابرةً، بل كانت فجرَ تحوُّلٍ عظيمٍ في مسارِ الإنسانِ والتاريخِ. وفجأةً انشقَّ السكونُ عن نداءِ السماءِ الخالدِ: «اقرأْ»، كلمةٌ قصيرةُ المبنى، عظيمةُ المعنى، لكنها زلزلت الوعيَ، وفتحت بوابةَ النورِ الأولى؛ ومنها خرج الإنسانُ من ظلماتِ التشتُّتِ إلى نورِ المعرفةِ، ومن ضيقِ الجهلِ إلى سعةِ الإدراكِ. وهكذا لم تكن القراءةُ حدثًا عارضًا، بل كانت إعلانًا عن ميلادِ أمةٍ قوامُها العلمُ، وسلاحُها الفهمُ، ورسالتُها البناءُ. ثم جاء التوجيهُ الربانيُّ: «اقرأْ باسمِ ربِّكَ الذي خلقَ»، ليؤصِّل أن القراءةَ ليست حركةَ عينٍ على سطورٍ، بل عبادةُ عقلٍ، وتزكيةُ روحٍ، وربطٌ للعلمِ بمصدرِه الأعلى؛ فتصبح المعرفةُ مسؤولةً، والوعيُ منضبطًا، والعقلُ مهتديًا لا تائهًا. ومن هنا كان العلمُ سُلَّمَ الرفعةِ، وكانت القراءةُ مفتاحَه، والحارسَ الذي يصونُه من الانحرافِ حين تختلطُ المفاهيمُ وتضطربُ الموازينُ. ألا ما أحوج الأمة الآن في هذا الزمان الذي تتكاثرُ فيه الشبهاتُ، وتتنازعُ فيه الأصواتُ، وتُزيَّنُ فيه الشهواتُ، أن تجعل القراءةَ الواعيةَ منهجَ حياة وضرورةً وجوديةً لا ترفًا ثقافيًّا؛ إذ بها يُمحَّصُ الخبرُ، ويُوزَنُ الرأيُ، ويُعرَفُ الحقُّ من الزيفِ. وهي التي تُنشئ عقلًا ناقدًا لا تابعًا، وقلبًا ثابتًا لا متقلِّبًا، وشخصيةً متوازنةً لا تذوبُ في تياراتِ العولمةِ الجارفةِ. ولذلك فإن عنايةَ الأممِ بالكتابِ ليست ترفًا حضاريًّا، بل استثمارٌ في أمنِها الفكريِّ وبقائِها الثقافيِّ؛ فالمكتباتُ مصانعُ العقولِ، والمعارضُ مواسمُ الوعيِ، والقراءةُ الجسرُ الذي تعبرُ به الأجيالُ من واقعٍ محدودٍ إلى أفقٍ أرحبَ. إن القراءةَ ليست ملءَ وقتٍ، بل ملءَ حياةٍ، تُوسِّع المداركَ، وتُعمِّق التجاربَ، وتُهذِّب السلوكَ؛ فمن لازمها عاش وعيًا متجددًا، ومن هجرها عاش على هامشِ الفهمِ، عرضةً لكلِّ ريحٍ عابرةٍ. فلْتكنِ القراءةُ في زمنِ الفتنِ حصنًا للوعيِ، وميزانًا للتمييزِ، وجسرًا لبقاءِ الأممِ؛ فبها تحفظُ الهويَّاتُ، وتُصانُ القيمُ، وتستمرُّ الحضاراتُ في النهوضِ مهما اشتدَّتِ العواصفُ.

303

| 22 مايو 2026

ضريبة المشروباتِ المحلاة

في زمنٍ تتسارعُ فيه الإيقاعات، وتتنافسُ فيه المغرياتُ على اجتذابِ الإنسان، لم تعد التشريعاتُ الرشيدةُ مجرّدَ أدواتٍ تنظيمية، بل غدت وسائلَ لبناءِ الوعي وتوجيهِ السلوك. ومن هذا المنطلق، تبرزُ ضريبةُ المشروباتِ المُحلّاة بوصفها فكرةً ذكيّةً، لا تستهدفُ الجيبَ بقدرِ ما تخاطبُ العقل، وتسعى إلى إعادةِ التوازن بين ما يشتهيه الإنسان وما يصلحُ له. إنَّ هذه الضريبةَ تقومُ على مبدأٍ عميق: تغييرُ السلوكِ عبر الاختيار لا عبر المنع. فهي تجعلُ المنتجاتِ الضارّة أقلَّ جاذبيةً بارتفاعِ كلفتها، وتدفعُ الأفرادَ – برفقٍ – نحو البدائلِ الصحية، فينشأُ وعيٌ استهلاكيٌّ جديدٌ قوامُه الاعتدالُ والمسؤولية. وهذا ينسجمُ مع الهديِ القرآنيِّ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾، ومع قولِ النبيِّ ﷺ: «ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرًّا من بطنٍ…»، حيثُ يكونُ ضبطُ الغذاءِ مدخلًا لصلاحِ البدنِ وصفاءِ العقل. وعلى صعيدِ التعليم، تتجلّى آثارُ هذا التوجّهِ بوضوح؛ فالطالبُ الذي يُقلِّلُ من استهلاكِ السكرياتِ الزائدة، يتمتّعُ بتركيزٍ أعلى، واستقرارٍ نفسيٍّ أفضل، وقدرةٍ أكبر على الفهمِ والاستيعاب. ومع تراجعِ مظاهرِ الخمولِ والتشتّت، تنمو الدافعيةُ نحو التعلّم، ويغدو الصفُّ أكثرَ حيويةً وتفاعلًا، وتتحسّنُ جودةُ المخرجاتِ التعليمية. كما تُسهمُ هذه السياسةُ في تنميةِ مهارةِ الاختيارِ الواعي لدى الطلاب، فيتعلّمون الموازنةَ بين اللذّةِ والمصلحة، وهو ما يعزّزُ التفكيرَ الناقدَ والاستقلاليةَ في اتخاذ القرار. وبذلك، لا يقتصرُ أثرُها على الصحةِ الجسدية، بل يمتدُّ إلى بناءِ شخصيةٍ متوازنةٍ واعية. وقد عبّر أبو الطيب المتنبي عن هذه العلاقة بقوله: وَإِذَا كَانَتِ النُّفُوسُ كِبَارًا **تَعِبَتْ فِي مُرَادِهَا الأَجْسَامُ فلا يمكنُ لعقلٍ طامحٍ أن يُبدعَ في جسدٍ مُثقَلٍ بالعاداتِ الضارّة. كما تُسهمُ الضريبةُ في ترشيدِ الإنفاق وتقليلِ كلفةِ الأمراض، بما يحقّقُ حفظَ المال، ويُعزّزُ ثقافةَ الاستثمارِ في الصحة، بوصفِها أساسًا لنجاحِ التعليم. إنَّ ضريبةَ المشروباتِ المُحلّاة ليست عبئًا، بل استثمارٌ في الإنسان؛ تُهذِّبُ السلوك، وتُوقِظُ العقل، وتمهّدُ الطريقَ نحو مخرجاتٍ تعليميةٍ أجود، وجيلٍ أكثرَ وعيًا وحيوية.

417

| 01 مايو 2026

قَطرُ.. عبقرِيَّةُ الثَّباتِ ورِسالةُ السَّلامِ وبِناءُ الإنسانِ

ها هيَ الحياةُ تعودُ إلى نَبضِها الأصيلِ، وتستأنفُ مسيرتَها الوادعةَ في ظلالِ الأمنِ والأمانِ، بعدَ أيّامٍ أثقلتْها التحدّياتُ، وأرهقَتْها الظروفُ؛ فإذا المدارسُ تُشرِقُ من جديدٍ، وإذا الطُّلَّابُ يعودونَ إلى مقاعدِ الدِّراسةِ عودةَ الرُّوحِ إلى الجسدِ بعدَ فتورٍ، يحملونَ في صدورِهم أملًا متَّقدًا، وفي عيونِهم شوقًا متجدِّدًا، وفي خُطاهم عزمًا لا يَفترُ مع إشراقةِ كلِّ صباحٍ. وإنَّ من أعظمِ ما يُستَقبَلُ به هذا الفتحُ من النِّعَمِ شُكرُ اللهِ تعالى شُكرًا يليقُ بجلالِهِ وعظيمِ إحسانِهِ؛ إذ يسَّرَ الأسبابَ، ورفَعَ البلاءَ، وأعادَ للنُّفوسِ طمأنينتَها، وللمجتمعِ انتظامَهُ واستقرارَهُ. فالحمدُ للهِ حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه، كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى. ثمَّ إنَّ مسيرةَ التَّعليمِ – في كلِّ أطوارِها – لم تتوقَّفْ، بل ظلَّتْ ماضيةً بعزمِ الرِّجالِ، وإخلاصِ القائمينَ عليها؛ سواء أكانَ ذلك عبرَ منصّاتِ التَّعليمِ عن بُعدٍ، أم داخلَ قاعاتِ الدَّرسِ، تماهيًا مع توجُّهاتِ وزارتِنا الرَّشيدةِ – وفَّقها اللهُ وسدَّدَ خُطاها –؛ إذ أدَّى المعلِّمونَ رسالتَهم أداءَ الأمناءِ، ورَعَوا الأمانةَ حقَّ رعايتِها، فكانوا بحقٍّ رُسُلَ علمٍ، وسُدَنَ معرفةٍ، وحُرَّاسَ وعيٍ، لا تثنيهمُ الظروفُ، ولا تُقعِدُهمُ التحدّياتُ. ونحنُ – معاشرَ المعلِّمينَ – على ثغرٍ عظيمٍ من ثغورِ الأمنِ والأمانِ؛ نَحمي العقولَ من ظُلماتِ الجهلِ، ونصونُ القلوبَ من مزالقِ الانحرافِ، ونبني الأجيالَ على القيمِ والإيمانِ والعلمِ الرَّصينِ. فمهمَّتُنا ليست تعليمًا فحسب، بل هيَ صناعةُ إنسانٍ، وبناءُ وعيٍ، وغرسُ رسالةٍ تمتدُّ آثارُها في حاضرِ الأوطانِ ومستقبلِها. وها نحنُ اليومَ – بفضلِ اللهِ – نعودُ إلى قاعاتِ الغرسِ والدَّرسِ، نُعلِّمُ ونُوجِّهُ، ونغرسُ في نفوسِ أبنائنا معاني الجدِّ والاجتهادِ، مقرونينَ بحمدِ اللهِ تعالى على نعمةِ الأمنِ والأمانِ، تلك النِّعمةِ الَّتي لا تُدرَكُ عظمتُها إلَّا عندَ فقدِها، ولا يُحسَنُ شكرُها إلَّا بحفظِها ورعايتِها. ولقد أثبتتْ قطرُ – في كلِّ أزمةٍ مرَّتْ بها – عبقريَّةً فريدةً، وحِكمةً راسخةً، ورؤيةً ثاقبةً؛ إذ واجهتِ التحدّياتِ بثباتٍ، وتجاوزتِ العقباتِ بعزمٍ، فلم تزدْها المِحنُ إلَّا قوَّةً، ولا الضُّغوطُ إلَّا رسوخًا. وما رفعتْ يومًا إلَّا رايةَ السَّلامِ، ولا سعتْ إلَّا في طريقِ الوِئامِ، بل كانت – رغمَ ما أحاطَ بها – يدًا ممدودةً بالعونِ، وقلبًا نابضًا بالمساندةِ، تُغيثُ جيرانَها، وتُسهمُ في تخفيفِ آلامِهم، وتنسجُ بذلكَ نسيجًا إنسانيًّا بديعًا، قوامُهُ الرَّحمةُ، وأُسُّهُ الأخوَّةُ، وسِمَتُهُ النُّبلُ والإحسانُ. فحقيقٌ بنا – ونحنُ نعيشُ هذه النِّعَمَ – أن نُجَدِّدَ العهدَ بالشُّكرِ، وأن نُحكِمَ الصِّلةَ باللهِ تعالى طاعةً واستقامةً، وأن نأخذَ بأسبابِ الحِفظِ والبقاءِ، وأن نقفَ صفًّا واحدًا في وجهِ كلِّ معتدٍ غشيمٍ، يريدُ زعزعةَ الأمنِ أو إفسادَ الاستقرارِ؛ فإنَّ النِّعَمَ تُحفَظُ بالشُّكرِ، وتدومُ بالطَّاعةِ، وتزولُ بالكُفرانِ والنُّكرانِ. فاللَّهُمَّ احفَظْ قطرَ دارًا وأميرًا وشعبًا، واحفَظْ المقيمينَ على أرضِها الطَّيِّبةِ، واجعلها واحةَ أمنٍ وأمانٍ، وسلامٍ واستقرارٍ، وأدمْ عليها نِعَمَكَ ظاهرةً وباطنةً. معلم اللغة العربية مدرسة: أبوبكر الصديق الإعدادية

921

| 27 مارس 2026

لا تكتمل الجزيرة العربية دون اليمن
لا تكتمل الجزيرة العربية دون اليمن

-تاريخ للعرب والإسلام لا يمكن أن نقرأه ثم...

4413

| 23 أغسطس 2026

العودة للمدارس خطأ !!
العودة للمدارس خطأ !!

كل عام وقبل العودة إلى المدارس يبدأ الاستعداد...

3915

| 25 أغسطس 2026

هل يمكن صناعة القادة؟
هل يمكن صناعة القادة؟

ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو حاجة...

2217

| 23 أغسطس 2026

خمس وعشرون دقيقة بين قطرٍ.. وقطر
خمس وعشرون دقيقة بين قطرٍ.. وقطر

بين سوق واقف في قلب الدوحة ومدينة لوسيل...

1959

| 19 أغسطس 2026

حين تتحول الرؤية إلى كفاءة إدارية
حين تتحول الرؤية إلى كفاءة إدارية

بحكم أن أحد أفراد أسرتي يتلقى العلاج في...

1413

| 25 أغسطس 2026

ورحلت الوالدة أسماء بنت علي آل إبراهيم رحمها الله
ورحلت الوالدة أسماء بنت علي آل إبراهيم رحمها الله

رحيل الأم لهو أشد المصائب وفقدها فقدان لكل...

1359

| 20 أغسطس 2026

دورينا بين الآمال وواقع المسؤولية
دورينا بين الآمال وواقع المسؤولية

اليوم تبدأ منافسات دورينا، وتبدأ معها حالة الترقب...

1281

| 20 أغسطس 2026

الغلاء يبدأ من الإيجار!
الغلاء يبدأ من الإيجار!

الاقتصاد سلسلة مترابطة تبدأ من المصدر، وتمر بالنقل...

1233

| 20 أغسطس 2026

حصان طروادة
حصان طروادة

تروي الأسطورة أن مدينة طروادة صمدت سنوات أمام...

849

| 19 أغسطس 2026

قطر.. عطاء إنساني يتجاوز الحدود
قطر.. عطاء إنساني يتجاوز الحدود

في التاسع عشر من أغسطس من كل عام،...

570

| 19 أغسطس 2026

يدي الفارغة!
يدي الفارغة!

أصعب العجز أن يضع أحدهم ثقته في يدي،...

477

| 23 أغسطس 2026

الانضباط الذاتي... كيف نُعيد أبناءنا إلى المدرسة ؟
الانضباط الذاتي... كيف نُعيد أبناءنا إلى المدرسة ؟

مع اقتراب العودة إلى المدرسة، تبدأ الأسر في...

471

| 24 أغسطس 2026

أخبار محلية