رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

حين يرحل الكبار.. ويبقى الأثر

هناك رجال تصنعهم المناصب، وهناك قادة يمنحون المناصب معناها. وعندما يغيب من الفئة الثانية، لا يكون الحزن مجرد استجابة لخبر رحيل، بل شعور عميق بفقد مرحلة كاملة من الذاكرة الوطنية والإنسانية. هكذا يبدو وقع رحيل فقيد الوطن الكبير صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، الذي ترك في وجدان أبناء قطر والمقيمين على أرضها مكانة صنعتها سنوات من العطاء، ورؤية تجاوزت حدود الحاضر، وقرب من الناس لم يكن يوماً مشهداً عابراً، بل سلوكاً أصيلاً ارتبط باسمه. لم يكن الراحل قائداً يُقاس بما أنجزه من مشاريع فحسب، بل بما أحدثه من تحول في مسيرة وطن آمن بإمكاناته، فانتقل بثقة إلى آفاق أرحب من الحضور الإقليمي والدولي. ففي عهده شهدت قطر نقلة نوعية على مختلف المستويات، ورسخت مكانتها لاعباً مؤثراً في محيطها والعالم، واستثمرت في الإنسان قبل العمران، وفي بناء المؤسسات قبل تشييد المباني، حتى غدت تجربتها التنموية والسياسية محط اهتمام وتقدير على الساحة الدولية. لكن ما يجعل أثر القائد باقياً ليس الإنجاز وحده، وإنما ذلك الخيط الإنساني الذي يربطه بالناس. فقد عرفه أبناء الوطن قريباً من شعبه، يشاركهم أفراحهم، ويقف إلى جانبهم في تحدياتهم، ويؤمن بأن قوة الدولة تبدأ من كرامة الإنسان ورفاهيته. وفي ذاكرة كثيرين، لم تكن صورته صورة الحاكم البعيد، بل صورة الأب الذي حمل هموم وطنه، وأدرك أن بناء الثقة بين القيادة والشعب هو أساس كل نهضة حقيقية. ومن هنا، لم يكن حب الناس له وليد الخطابات، وإنما ثمرة سنوات من الحضور الصادق والحرص على الإنسان، وهو ما جعل مشاعر الفقد تتجاوز حدود الجغرافيا، لتصل إلى كل من عرف قطر، أو عمل فيها، أو لمس أثر نهجها الإنساني ودورها على امتداد العالم. وفي لحظات الوداع، قد تعجز الكلمات عن مواساة القلوب، لكن عزاء الأوطان يبقى في استمرار الرسالة وحفظ الأمانة. ولعل من أعظم ما يبعث على الطمأنينة أن المسيرة التي أسس لها الأمير الوالد، رحمه الله، تواصلت بقيادة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، الذي واصل البناء على ذلك الإرث، محافظاً على ثوابته، ومضيفاً إليه برؤيته وطموحه، لترتقي قطر بثبات نحو آفاق جديدة من التنمية والريادة والحضور الدولي. إن القادة العظام لا يغيبون برحيلهم، لأن ما يتركونه لا يُختزل في صفحات التاريخ، بل يعيش في وجدان الشعوب، وفي مؤسسات الدولة، وفي القيم التي غرسوها جيلاً بعد جيل. وسيظل اسم سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، مرتبطاً بمرحلة فارقة في تاريخ قطر الحديث، وبقصة وطن آمن بنفسه، فانطلق بثقة نحو المستقبل. نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجزيه عن وطنه وشعبه خير الجزاء، وأن يديم على قطر نعمة الأمن والاستقرار، وأن يحفظ قيادتها، ويبارك مسيرتها، ويجعل إرث الخير الذي تركه باقياً في حاضر الوطن ومستقبله.

741

| 18 يوليو 2026

الدبلوماسية الدولية.. بين ميثاق الأمم المتحدة وتحديات العصر الحديث

تشكل الدبلوماسية متعددة الأطراف أساساً مهماً في هندسة العلاقات الدولية، حيث تسعى إلى تعزيز التعاون بين الدول، والمنظمات الدولية، والمجتمعات المدنية لمعالجة القضايا المشتركة التي تتجاوز حدود الدول. ومن خلال هذا النمط من الدبلوماسية، تجتمع الأطراف المعنية على طاولة الحوار، مستفيدةً من آليات تفاوضية وحلول توافقية تهدف إلى تحقيق السلام والأمن والتنمية المستدامة. تُعد الأمم المتحدة النموذج الأبرز للدبلوماسية متعددة الأطراف، إذ تأسست عام 1945 في مدينة سان فرانسيسكو لتكون منصة تجمع بين الدول من أجل تعزيز التعاون الدولي وحل النزاعات. استندت فلسفة ميثاقها التأسيسي إلى مبادئ المساواة بين الدول، واحترام سيادتها، وحل النزاعات بالوسائل السلمية، فضلاً عن حماية حقوق الإنسان وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية. تتميز دبلوماسية الأمم المتحدة بدورها الشامل الذي يجمع بين الحكومات والمنظمات غير الحكومية والمجتمعات المدنية. على سبيل المثال، تلعب وكالات الأمم المتحدة مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) ومنظمة الصحة العالمية (WHO) دوراً محورياً في تعزيز التنمية ومعالجة التحديات العالمية. كما تتيح هذه المنصة للدول الصغيرة فرصة المشاركة في صنع القرار الدولي، ما يعزز من توازن القوى العالمية. تتسم الدبلوماسية متعددة الأطراف بتعدد الفاعلين والمشاركين، بدءاً من الحكومات التي تتفاوض باسم مصالحها الوطنية، مروراً بالمجتمعات المدنية التي تعبر عن تطلعات الشعوب، وصولاً إلى الوكالات الدولية التي تضع الأطر العملية والسياسات المبتكرة لمواجهة الأزمات. ويعمل هذا النظام المعقد ضمن إطار من القواعد المنظمة التي تهدف إلى تحقيق التوافق بين مختلف الأطراف. وتستخدم الأمم المتحدة وسائل متنوعة مثل الوساطة والتحكيم لتسوية النزاعات. ففي حالات النزاع المسلح، غالباً ما يتم اللجوء إلى وسطاء أمميين لفتح قنوات الحوار بين الأطراف المتصارعة. كما تُستخدم عمليات حفظ السلام كوسيلة لضمان تنفيذ الاتفاقات وتحقيق الاستقرار. رغم أن الدبلوماسية متعددة الأطراف توفر حلولاً مبتكرة، فإنها تواجه تحديات كبيرة، مثل تباين المصالح الوطنية، وعدم الالتزام بالاتفاقيات، والتدخلات الخارجية. ومع ذلك، تستمر الأمم المتحدة في لعب دور محوري من خلال تعزيز الحوار وبناء الثقة بين الأطراف. وفي هذا السياق، صرح الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قائلاً: «الدبلوماسية ليست فقط أداة لحل النزاعات، بل هي السبيل الوحيد لبناء مستقبل قائم على السلام والكرامة». هذا التصريح يعكس عمق التزام الأمم المتحدة بالعمل متعدد الأطراف كوسيلة أساسية لإدارة الأزمات وتحقيق الأهداف المشتركة. في عالم يواجه تحديات متزايدة، تبقى الدبلوماسية متعددة الأطراف وسيلة حيوية لتعزيز التعاون الدولي وحل النزاعات بطرق سلمية. ومن خلال أدواتها المختلفة، تستمر الأمم المتحدة في تقديم نموذج ملهم لكيفية تحقيق التوازن بين المصالح الوطنية والصالح العام، مما يجعلها حجر الزاوية في النظام الدولي الحديث.

978

| 28 يناير 2025

اليوم الوطني يجسد العلاقة الفريدة بين قطر وأبنائها

يأتي اليوم الوطني لدولة قطر كل عام ليجسد معاني الولاء والانتماء العميق الذي يجمع الشعب القطري وقيادته. إنه يوم يحمل في طياته أكثر من مجرد احتفالات وطنية؛ فهو مناسبة تعكس التلاحم الاستثنائي بين القيادة الحكيمة وشعبها، وتجسد قيم التضحيات والعمل الجماعي التي قامت عليها الدولة منذ تأسيسها. منذ تأسيس دولة قطر على يد المؤسس الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني «رحمه الله وطيب ثراه»، شكَّلت قيم الوحدة والتكاتف بين القيادة والشعب حجر الأساس لبناء الدولة الحديثة. هذه القيم لم تكن مجرد شعارات، بل ممارسات حقيقية أظهرت القيادة القطرية التزاماً عميقاً بتوفير حياة كريمة لشعبها، والعمل الجاد لتحقيق التنمية الشاملة. وفي المقابل، أظهر الشعب القطري ولاءً راسخاً لقيادته، منطلقاً من إيمان عميق بأن العلاقة بين الطرفين ليست فقط علاقة سياسية، بل علاقة قائمة على الحب والانتماء والتفاهم المشترك. تتميز قطر بعلاقة استثنائية بين شعبها وأميرها، حيث تُعتبر القيادة القطرية رمزاً للعطاء والعمل الدؤوب من أجل رفعة البلاد. إن قرب سمو الأمير المفدى «حفظه الله» من شعبه، وحرصه المستمر على التواصل معهم، يعزز هذه العلاقة ويحولها إلى نموذج يُحتذى به. فسموّه يمثل قائداً يُلهم شعبه بتواضعه وحكمته، ويعكس رؤية واضحة للمستقبل تقوم على رفاه الشعب، وتطوير المؤسسات، وتعزيز مكانة قطر على الساحة الدولية. كما تُولي دولتنا الحبيبة اهتماماً بالغاً بالطاقات الشبابية المبدعة، حيث تستثمر في تطوير مهاراتهم من خلال التعليم النوعي، والمبادرات الابتكارية، والدعم المستمر للمواهب والطاقات الاستثنائية. هذا الاستثمار يعكس رؤية الدولة في بناء مستقبل مزدهر يعتمد على طاقات أبنائها. ويقع على عاتقنا أيضاً رد هذا الجميل بالاجتهاد والمساهمة في بناء وطننا الحبيب، وتعزيز مكانته بين الأمم بروح الإبداع والولاء. يُعد اليوم الوطني مناسبة للتأمل في تاريخ قطر الحافل بالإنجازات، والاحتفاء بمسيرتها نحو التقدم والازدهار. من خلال الفعاليات الوطنية التي تُقام في هذا اليوم، يُبرز الشعب القطري فخره بإرثه وتاريخه، وتجديده للعهد مع قيادته لمواصلة البناء وتحقيق رؤية قطر الوطنية 2030. هذه الرؤية التي تمثل خارطة طريق طموحة للتنمية المستدامة والتطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. اليوم الوطني ليس مجرد احتفاء بالماضي، بل هو أيضاً فرصة لغرس قيم الولاء والانتماء في نفوس الأجيال الجديدة. من خلال التقاليد والفعاليات الوطنية، يتم تعزيز الفخر بالهوية القطرية والتمسك بالقيم التي قامت عليها الدولة. الثامن عشر من شهر ديسمبر من كل عام هو مناسبة استثنائية تعكس الروح الفريدة التي تجمع الشعب والقيادة، وتجسد العلاقة المبنية على التكاتف والتلاحم. إنه يوم لتجديد الولاء للوطن، والاحتفاء بقيم العمل الجماعي، والتطلع إلى مستقبل مشرق تحت قيادة حكيمة تسعى دوماً لتحقيق طموحات شعبها.

666

| 17 ديسمبر 2024

من الأزمات إلى الفرص.. دبلوماسية جديدة لعالم متغير

يشهد العالم اليوم تحولات جيوسياسية متسارعة، تُعيد تشكيل المشهد الدولي وتعزز الحاجة إلى ابتكار استراتيجيات دبلوماسية تتسم بالمرونة والتحولية. التحديات المتشابكة، مثل التغير المناخي، الأوبئة العالمية، الحروب الاقتصادية، والنزاعات المسلحة، تتطلب حلولاً تتجاوز الأساليب التقليدية للدبلوماسية وتؤسس لنماذج جديدة تعكس واقع العولمة والتشابك الدولي. في ظل تعقيد القضايا العالمية، أصبح تعزيز العمل الدبلوماسي التعددي ضرورة قصوى. تحتاج الدول إلى تبني نماذج شراكة مرنة تجمع بين الحكومات، المنظمات الدولية، القطاع الخاص، والمجتمع المدني. هذه الشراكات التفاعلية تتيح معالجة القضايا من زوايا متعددة وتضمن توزيع المسؤوليات بشكل أكثر كفاءة. على سبيل المثال، يمكن للدبلوماسية التعددية المساهمة في صياغة حلول للتغير المناخي عبر إشراك الدول الصناعية الكبرى والدول النامية معاً في طاولة الحوار، مع تضمين القطاع الخاص ومراكز الأبحاث. مع بروز التكنولوجيا كعنصر حاسم في الشؤون الدولية، أصبحت الدبلوماسية الرقمية أداة فعالة لتعزيز القوة الناعمة. الدول التي تستثمر في بناء منصات رقمية تعزز الحوار وتدعم استقاء المعلومات الدقيقة من المصادر الأساسية، قادرة على مواجهة التضليل الإعلامي والتأثير السلبي للخصوم. يمكن لهذه الأدوات أن تسهم أيضاً في تعزيز العلاقات الشعبية عبر الحدود، من خلال برامج تعليمية وثقافية تُعرض على منصات إلكترونية. في عالم يتسم بعدم اليقين، تحتاج الدبلوماسية إلى مرونة تمكنها من الاستجابة السريعة للأزمات. سواء تعلق الأمر بحرب اقتصادية، أو انتشار وباء، أو أزمة لاجئين، تتطلب دبلوماسية الأزمات فرقاً متخصصة تعمل بالتنسيق مع المنظمات الإقليمية والدولية. دبلوماسية الأزمات تعتمد على السرعة والابتكار، بالإضافة إلى التركيز على الوقاية والتخطيط المسبق. تعد الدبلوماسية الثقافية والإنسانية أداة محورية في تعزيز صورة الدول وتعميق علاقاتها مع الشعوب. من خلال دعم المشروعات الإنسانية والمبادرات الثقافية، تستطيع الدول توظيف قوتها الناعمة لتحقيق أهداف استراتيجية طويلة المدى. على سبيل المثال، قامت قطر بتعزيز دورها كوسيط عالمي عبر مبادرات إنسانية ودعمها لمنظمات الأمم المتحدة، ما ساعدها على بناء شبكة واسعة من الحلفاء. التحديات الجيوسياسية المعاصرة تتطلب من الدول التفكير بطرق جديدة وغير تقليدية في ممارساتها الدبلوماسية كما تفعل دولة قطر. من خلال تبني استراتيجيات تحوّلية تجمع بين الابتكار والمرونة، يمكن للدبلوماسية أن تصبح أداة فاعلة لتحقيق الاستقرار العالمي ومواجهة التحديات المشتركة. في هذا السياق، يصبح التعاون الدولي والتكامل بين القوة الصلبة والناعمة أساساً لتحقيق رؤية أكثر توازناً للنظام العالمي.

840

| 10 ديسمبر 2024

سمو الأمير الوالد.. من بناء الوطن إلى تمكين الإنسانية

يشكل سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني "حفظه الله ورعاه" رمزًا بارزًا في تاريخ دولة قطر الحديث، حيث قاد مسيرةً تنموية استثنائية وضعت قطر في منزلة عالية على خريطة العالم باعتبارها دولة ذات تأثير كبير في مختلف المجالات. تولى سموه مقاليد الحكم في فترة شهدت تحولات إقليمية ودولية معقدة، ونجح برؤيته الطموحة وقيادته الحكيمة في تحويل التحديات إلى فرص، مما أسهم في تحقيق ازدهار اقتصادي وثقافي ودبلوماسي غير مسبوق. تحت قيادة الأمير الوالد، شهدت قطر تطورًا شاملًا أرسى دعائم نهضتها الحديثة. فقد حرص سموه على تنويع الاقتصاد القطري ليصبح واحدًا من أكثر الاقتصادات استدامة في المنطقة، مع تعزيز مكانة قطر كأكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم. كما قاد جهودًا طموحة لتعزيز البنية التحتية، بما في ذلك إنشاء مشاريع ضخمة كميناء حمد الدولي وشبكة طرق حديثة ومرافق رياضية عالمية، كانت مقدمة لاستضافة قطر لكأس العالم 2022. لم تقتصر إنجازات سمو الأمير الوالد على التنمية الاقتصادية والبنية التحتية، بل امتدت إلى الجوانب الثقافية والإنسانية. حرص سموه على تعزيز الهوية الوطنية القطرية مع الانفتاح على العالم، عبر الاستثمار في التعليم والثقافة والإعلام. فقد أطلق خلال فترة حكمه مبادرات تنموية وإنسانية دولية تعكس قيم التضامن الإنساني في رؤيته النهضوية، مؤسسًا لعلاقة قطر الوطيدة مع المنظمات الدولية. في خطوة تعكس التزامه الراسخ بقيم العطاء والتنمية، تم الإعلان مؤخرًا عن "مؤسسة حمد بن خليفة الخيرية"، التي تهدف إلى مواصلة نهجه في دعم المشاريع الإنسانية والتنموية داخل قطر وخارجها. تعكس هذه المؤسسة الرؤية التي طالما تبناها سموه، وهي أن التنمية لا تقتصر على بناء الاقتصاد فقط، بل تشمل بناء الإنسان وخدمة الإنسانية جمعاء. يظل إرث سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني شاهدًا على التحول التاريخي الذي شهدته قطر، إذ يمثل حجر الأساس للنهضة التي نعيشها اليوم. إن رؤيته الطموحة وجهوده الدؤوبة لم تكن فقط عاملًا في ازدهار الحاضر، بل وضعت أسسًا متينة تضمن استمرارية هذا الازدهار للأجيال المقبلة. سموه، بما حققه من إنجازات، يجسد شخصية القائد الذي أسهم في بناء دولة حديثة ومتطورة، تجمع بين الأصالة والحداثة، مع التزام عميق بخدمة الوطن وقضايا العرب والإنسانية، لا سيما قضية فلسطين التي تميزت قطر بالوقوف الدائم معها، وكان سموه من القادة العرب القلائل الذين زاروا قطاع غزة قبل الحصار وبعده مجسدا بذلك موقفا عروبيا وإسلاميا وإنسانيا نادرا ومعبرا عن مبادئ "كعبة المضيوم". وعلى خطى سمو الأمير الوالد يقود سمو الأمير المفدى الشيخ تميم بن حمد آل ثاني -حفظهما الله- دولتنا الحبيبة برؤية واثقة، متألقة بتقاليدها العريقة وحداثتها المبهرة، لتبقى رمزًا للإلهام، سائلين المولى عز وجل أن يجعل هذا البلد آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأن يطيل في عمر سمو الأمير الوالد وسمو الشيخ تميم بالصحة والسعادة.

1527

| 03 ديسمبر 2024

قطر والأمم المتحدة.. قصة نجاح في الدبلوماسية التنموية

في السنوات الأخيرة، رسخت دولة قطر مكانتها كدولة رائدة في المجالين الإنمائي والإنساني على الساحة الدولية، وذلك من خلال شراكات استراتيجية مع منظمة الأمم المتحدة. هذه الجهود لا تقتصر فقط على تقديم المساعدات الإنسانية، بل تمتد لتشمل مشاريع تنموية مستدامة تعكس رؤية قطر لتحقيق التنمية العالمية وتعزيز التعاون الدولي. تتبنى قطر نهج «دبلوماسية التنمية» كجزء من قوتها الناعمة لتعزيز صورتها الدولية ودورها الريادي في الساحة العالمية. تسهم هذه الدبلوماسية في تعزيز شراكاتها مع الأمم المتحدة من خلال تمويل المشاريع الإنمائية التي تستهدف تحسين حياة الشعوب في المناطق الأكثر هشاشة. هذه الجهود، وإن كانت إنسانية في ظاهرها، تحمل أبعادًا استراتيجية تمنح قطر مكانة مرموقة بين دول العالم. على سبيل المثال، أسهمت قطر بتمويل مشروع «التعليم فوق الجميع»، والذي بدأ كمبادرة بالتعاون مع اليونيسيف، تهدف إلى توفير التعليم للأطفال في مناطق النزاعات والكوارث. المشروع لم يقتصر على تقديم الدعم المالي فقط، بل ركز أيضًا على تقديم حلول مبتكرة للتغلب على التحديات التعليمية في المناطق المتضررة. هذه المبادرة عززت من صورة قطر كشريك استراتيجي في تحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، خاصة الهدف الرابع المتعلق بالتعليم الجيد. تجدر الإشارة هنا بأن هذه المؤسسة تعتبر ثمرة رؤية صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر «حفظها الله». كما قام سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني «حفظه الله» بدور محوري في ترسيخ مكانة دولة قطر كفاعل دولي في مجالات التنمية والإنسانية. وخلال فترة حكمه، أسس رؤية طموحة لسياسة خارجية تعتمد على القوة الناعمة وتعزيز التعاون مع المنظمات الدولية، بما فيها الأمم المتحدة. تحت قيادته، دعمت قطر مشاريع إنمائية كبرى ووسعت نطاق مساعداتها الإنسانية، مما عزز من مصداقيتها وشراكاتها الاستراتيجية على المستوى الدولي. إرثه هذا شكّل الأساس الذي تستند إليه قطر اليوم في مواصلة جهودها الدبلوماسية والإنمائية لتعزيز السلام والتنمية العالمية تحت قيادة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى «حفظه الله». الشراكات مع الأمم المتحدة لا تعزز فقط السمعة الإيجابية لقطر، بل تفتح لها المجال لتكون فاعلًا رئيسيًا في ملفات الوساطة الدولية. بفضل هذه الجهود، أصبحت قطر دولة تتمتع بمصداقية عالية لدى المجتمع الدولي، مما يتيح لها لعب دور محوري في تسوية النزاعات وتحقيق السلام. تُظهر الجهود الإنمائية والإنسانية لدولة قطر بالشراكة مع الأمم المتحدة قدرتها على تعزيز حضورها الدولي بطريقة تتجاوز إطار الدعم المالي إلى تحقيق تأثير سياسي ودبلوماسي فعّال. هذه المبادرات، إلى جانب الوساطات الناجحة التي قامت بها قطر في ملفات إقليمية ودولية معقدة، رسخت مكانتها كدولة ذات ثقل دبلوماسي عالمي. إن انخراط قطر الفاعل في الملفات الأممية ساهم في بناء شبكة علاقات متينة مع المنظمات الدولية والدول الأعضاء، ما جعلها شريكًا موثوقًا في تحقيق السلام والتنمية. هذا الثقل الدبلوماسي يعزز دورها كدولة صغيرة جغرافيًا، لكنها تمتلك تأثيرًا واسع النطاق، مما يتيح لها المشاركة بفعالية في صياغة السياسات الدولية، والدفع نحو حلول مستدامة للنزاعات العالمية. هذه المكانة المرموقة تُعد مؤشرًا على نجاح قطر في استخدام قوتها الناعمة بذكاء، وتحويلها إلى نفوذ سياسي يجعلها لاعبًا رئيسيًا في المشهد الدولي.

747

| 26 نوفمبر 2024

هل نشهد عصراً جديداً مع عودة ترامب؟

تشهد الساحة السياسية الأمريكية والعالمية نقاشات حادة حول مستقبل الولايات المتحدة بعد فوز الرئيس السابق دونالد ترامب وتهيئه للعودة إلى البيت الأبيض لفترة رئاسية ثانية غير متتالية. يتساءل الكثيرون عن التأثيرات المحتملة لهذه العودة، وما قد تعنيه من تغييرات جذرية في السياسات الأمريكية الداخلية والخارجية. هذا السيناريو، الذي يبدو غير مألوف لكنه ليس غير مسبوق في تاريخ الولايات المتحدة، يعيد إلى الأذهان حالة الرئيس غروفر كليفلاند، الذي كان الرئيس الوحيد الذي خدم فترتين غير متتاليتين. للتذكير، شهد التاريخ الأمريكي حالة واحدة لرئيس خدم فترتين غير متتاليتين، حيث فاز غروفر كليفلاند بالانتخابات الرئاسية عامي 1884 و1892، لكنه خسر في الانتخابات عام 1888 لصالح بنجامين هاريسون، ليعود ويحقق الفوز مرة أخرى في الانتخابات التالية. كانت عودة كليفلاند تحمل معها آمالاً كبيرة من مؤيديه، لكنها قوبلت بتحديات عديدة، إذ واجه كليفلاند مشكلات اقتصادية معقدة، وأزمات سياسية أثرت على فترة حكمه الثانية. الحديث عن عودة ترامب إلى البيت الأبيض يحمل في طياته العديد من التوقعات بشأن توجهاته السياسية، خاصةً أنه عاد بقاعدة جماهيرية قوية ومواقف تتسم بالاستقلالية الحادة. يرى أنصار ترامب أن عودته ستكون نقطة انطلاق لـ»استعادة عظمة أمريكا»، إذ يروج ترامب لخطط اقتصادية وطنية أكثر تشددًا، ولإعادة هيكلة سياسات الهجرة، إلى جانب تعزيز «أمريكا أولًا» في السياسة الخارجية. هذا الشعار، الذي أصبح سمة لفترة حكمه السابقة، قد يشير إلى حقبة جديدة من العزلة الأمريكية عن الشؤون العالمية، أو على الأقل تقليص دورها التقليدي في بعض الصراعات والنزاعات الدولية. * مع عودة ترامب إلى الرئاسة، تشير التوقعات إلى أن السياسة الخارجية الأمريكية قد تشهد تحولاً جذرياً، إذ يركز ترامب على تقليص التدخلات العسكرية الخارجية، مع تعزيز التعاون مع القوى الكبرى، وخاصة روسيا. وفي الوقت نفسه، توقع كثيرون استنادا إلى خلفيته التجارية التنافسية أن موقفه تجاه الصين سيزداد تشددا، مما قد يؤدي إلى مزيد من التوترات في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. وفيما يتعلق بحلفاء الولايات المتحدة التقليديين في أوروبا، يتوقع المحللون أن تتبنى الإدارة بقيادة ترامب موقفاً أقل اهتماماً بالشراكات التقليدية، مركزةً بشكل أكبر على المصالح الأمريكية المباشرة. يُتوقع أن تكون القضايا الاقتصادية والهجرة محور اهتمام ترامب في ولايته الثانية. فقد أعلن ترامب سابقاً عن نوايا لتقليص الاعتماد على الاقتصاد العالمي، ورفع مستوى الصناعة المحلية من خلال سياسات حمائية. كما يُرجح أن تكون سياسات الهجرة قضية محوريَّة في ولايته المقبلة، مما سيعيد النقاشات حول بناء الجدار الحدودي مع المكسيك وتقييد الهجرة بشكل أكثر تشدداً. بعودة ترامب إلى الرئاسة، ستشهد الولايات المتحدة حقبة جديدة وغير تقليدية، تشابه إلى حد كبير حالة الرئيس غروفر كليفلاند. ومع أن التجربة السابقة لترامب في البيت الأبيض كانت مثيرة للجدل، فإن فترة ثانية غير متتالية قد تحمل معها تغييرات جذرية على الصعيدين الداخلي والخارجي. الأكيد أن هذه العودة ستخلق تحديات وفرصاً جديدة للولايات المتحدة، وستغير طبيعة المشهد السياسي العالمي في السنوات المقبلة لا سيما فيما يتعلق بالمنطقة العربية والشرق الأوسط.

1332

| 20 نوفمبر 2024

كيف يؤثر الفكر الفلسفي على صفات القادة العظماء؟

تعتبر القيادة واحدة من أكثر الظواهر المعقدة التي تتجلى في مختلف جوانب الحياة الإنسانية، بدءًا من الأسرة والشركات وصولًا إلى الدول والإمبراطوريات. ولكن ما الذي يجعل بعض القادة العظماء يُحدثون تأثيرًا عميقًا ودائمًا؟ الجواب قد يكمن في الفلسفة. فالفكر الفلسفي، بأسسه الأخلاقية ومفاهيمه الكبيرة وأثره الواسع على الحياة والسياسة، يلعب دورًا حاسمًا في تشكيل سمات القادة العظماء وأسلوبهم في الحكم. الفلسفة تسهم في تحديد المبادئ الأساسية للقائد وتوجيه سلوكياته وقراراته. فالقادة الذين تأثروا بالفلسفة يركزون على المبادئ الأخلاقية والفضائل الشخصية مثل العدالة، النزاهة، والشجاعة. هذه الصفات ليست مجرد عوامل نجاح على المدى القصير، بل هي مقومات تدفع القادة إلى ترك أثر إيجابي عميق في مجتمعاتهم يبقى تأثيره قويا حتى بعد رحيلهم بقرون. قديما يُعتبر سقراط، الفيلسوف اليوناني الشهير، مثالًا بارزًا لقائد تأثرت أفعاله بالفكر الفلسفي، حتى وإن لم يكن قائدًا سياسيًا بالمفهوم التقليدي. سقراط كان يؤمن بأن القائد الفعلي يجب أن يقود بالقدوة، وهو ما جسده في حياته من خلال التزامه بالصدق والشجاعة الفكرية، حتى في مواجهة الموت. بالنسبة لسقراط، القيادة لا تتعلق فقط بالسيطرة أو السلطة، بل ترتبط بعمق بالمبادئ التي تؤدي إلى رفاهية المجتمع ككل. هذه الفلسفة في القيادة لا تزال تؤثر على مفاهيم القيادة الحديثة، خاصةً في مجال «القيادة بالقدوة»، حيث يتم تشجيع القادة على تمثيل القيم التي يروجون لها، ليكونوا نموذجًا يُحتذى به. حديثا نيلسون مانديلا، القائد الجنوب أفريقي الذي قاد بلاده نحو التحرر من نظام الفصل العنصري، يُعتبر مثالًا حيًا على القيادة المتأثرة بالفلسفة التحويلية. مانديلا لم يسعَ فقط إلى تغيير النظام السياسي لبلاده، بل حاول تغيير عقلية الشعب نفسه من خلال الدعوة إلى المصالحة والوحدة الوطنية، رغم الظلم الذي تعرض له. تأثر مانديلا بالفكر الفلسفي للسلام واللاعنف، مستلهمًا أفكاره من المهاتما غاندي وفلاسفة آخرين. هذا التأثير الفلسفي كان واضحًا في قراراته الاستراتيجية، حيث ركّز على أهمية العدالة والمغفرة بدلًا من الانتقام، مما جعله رمزًا عالميًا للقيادة الأخلاقية والتحويلية. في عالم اليوم، يزداد الوعي بأهمية الفكر الفلسفي في تطوير القادة العظماء. يتم تشجيع القادة على دراسة الفلسفة وتمثل قيمها لتطوير رؤى أخلاقية أكثر وضوحًا واتساقًا، مما يعزز قدرتهم على اتخاذ قرارات تؤدي إلى تأثيرات إيجابية على المدى الطويل. الفلاسفة مثل أفلاطون، الذي ركز على مفهوم «الملك الفيلسوف»، يرون أن القائد المثالي هو من يجمع بين الحكمة الأخلاقية والرؤية السياسية لتحقيق الخير العام. القيادة الحقيقية ليست مجرد مهارة إدارية، بل هي فلسفة عميقة تتطلب وضوح الرؤية وثبات المبادئ. القادة العظماء، مثل سقراط ومانديلا، يجسدون هذه الفلسفة من خلال تصرفاتهم وقراراتهم، مما يجعلهم رموزًا للقيادة الأخلاقية في أذهان الناس. اليوم، مع تطور العالم وتزايد التحديات، تظل الفلسفة أداة لا غنى عنها لتشكيل قادة قادرين على إحداث تغيير حقيقي ومستدام.

1302

| 12 نوفمبر 2024

صناعة الوعي واستثماره في المشهد الدولي

لم تعد القوة العسكرية هي الوسيلة الوحيدة لتحقيق النفوذ في عالم السياسة الدولية، بل أصبحت صناعة الوعي وصياغة المصطلحات وسيلة حاسمة في إعادة تشكيل مواقف الدول والشعوب من بعضها البعض. ولذا أضحى لصياغة المصطلحات وترسيخ المفاهيم دور مهم في تشكيل الوعي كما أن التلاعب بالمفاهيم وربطها بالواقع المحسوس أمر في غاية الخطورة، وهذا ما يجعل الدول والمنظمات الكبرى تسعى لتوجيه الإدراك الجماهيري نحو أهداف محددة، سواء كانت سياسية، اقتصادية، أو ثقافية. صناعة الوعي هي عملية معقدة تشمل التلاعب بالأفكار والمفاهيم والقيم لبناء تصورات معينة لدى الشعوب. يتم استخدام الإعلام، والدبلوماسية الثقافية، والتعليم، وحتى الترفيه كوسائل رئيسية لتحقيق هذه الغاية. والهدف الرئيسي من ذلك هو توجيه الرأي العام وتوجيه المجتمعات نحو رؤية محددة، تخدم مصالح الفاعلين الدوليين الذين يسعون لتحقيق الهيمنة. تُعد صناعة المصطلحات جزءًا أساسيًا من بناء الوعي فهي قوة غير مرئية لتشكيل الواقع، حيث تُستخدم الكلمات والمفاهيم الجديدة لإضفاء شرعية أو نزعها عن قضايا معينة. كما تعمل المصطلحات كأدوات فعّالة في ربط الفكرة بالواقع المحسوس. مثلًا، يتم استخدام مصطلحات مثل «الإرهاب»، و»التدخل الإنساني»، و»الديمقراطية»، و»حقوق الإنسان» دون الإسهاب في أمثلة لهذه الكلمات التي تكاد أن تكون راسخة في عقلنا الباطن بالمعنى المتعارف عليه، والتي أتت لتعزيز أهداف معينة أو لخلق تبريرات للأفعال المنافية لهذه المفاهيم. ربط المصطلحات بالواقع المحسوس وتحقيق التأثير المطلوب يأتي على ثلاث مراحل رئيسية، أولاها الأدلة والبراهين المرئية التي تؤكد ضرورة هذا المصطلح وشرعيته الواقعية، ومن ثم بناء قصة وسردية مؤثرة تربط المصطلحات بالواقع بشكل عاطفي، مما يجعلها أكثر قابلية للتصديق والقبول، وتنتهي بالمرحلة الأهم وهي «تكرار المصطلحات» بشكل مكثف في مختلف وسائل الإعلام التقليدي والحديث، مما يؤدي إلى ترسيخها في عقول الناس كحقائق بديهية مما يجعلها أيضاً جزءاً واقعياً من الخطاب العام الذي لا يمكن التشكيك فيه بسهولة. استخدام صناعة الوعي والمصطلحات ليس مجرد عملية فلسفية لغوية، بل هو استراتيجية متعمدة تهدف إلى إضفاء غطاء الشرعية على السياسات الخلافية، وإعادة تعريف القيم العالمية وتشكيلها حسب المعطيات الجديدة. تُعتبر صناعة الوعي وصياغة المصطلحات واحدة من أهم أدوات التأثير في السياسة الدولية الحديثة. بينما تعتمد الدول على هذه الأدوات لتعزيز مصالحها، كما يستخدمها الفاعلون الدوليون أيضًا كوسيلة للسيطرة على الرأي العام العالمي وتوجيهه، يتطلب التعامل مع هذه الأدوات وعيًا نقديًا، وقدرة على التمييز بين الحقيقة والخيال، لفهم الأجندات الخفية التي تُحرك المشهد السياسي الدولي. ختامًا، تُظهر صناعة الوعي وصياغة المصطلحات أهميتها كأدوات رئيسية في تشكيل الإدراك الجماعي وتوجيهه نحو أهداف محددة. هذه الأدوات ليست مجرد وسائل لغوية، بل هي استراتيجية فلسفية متكاملة تهدف إلى التلاعب بالحقائق وإعادة تعريف القيم بما يتماشى مع مصالح القوى المهيمنة. إدراك هذا الواقع يمنحنا القدرة على التفكير النقدي، الذي يُعد بدوره حصنًا منيعًا ضد التلاعب الممنهج، ويسمح لنا باتخاذ مواقف واعية وأكثر دقة تجاه القضايا التي تُعرض علينا في قوالب ومصطلحات مختلفة.

1350

| 06 نوفمبر 2024

الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل مفهوم الأمن القومي للدول

يشهد العالم اليوم طفرة تكنولوجية هائلة يقودها الذكاء الاصطناعي(AI)، مما يجعله لاعبًا رئيسيًا في تحديد مستقبل العلاقات الدولية والأمن القومي للدول. التطور السريع في قدرات الذكاء الاصطناعي لا يقتصر فقط على التأثير في المجال الاقتصادي أو الاجتماعي، بل يطول المجال الأمني والسياسي على نحو غير مسبوق. وهذا ما جعل الدول في تسابق محموم لاستخدام هذه التقنية لتعزيز أمنها الوطني، لكن التحديات التي يفرضها هذا التقدم لا تقل تعقيدًا عن الفرص التي يوفرها. تقليديًا، كان مفهوم الأمن القومي يتمحور حول الحماية من التهديدات العسكرية الخارجية، إلا أن هذا المفهوم شهد توسعًا ليشمل تهديدات أكثر تعقيدًا مثل الهجمات الإلكترونية، والتجسس، والتحكم في البنية التحتية الحيوية، ويلاحظ أن الأمن السيبراني أصبح أكثر حضورا في المؤتمرات الدولية ذات الطابع الأمني للدول والمنظمات الدولية. واليوم أصبح الذكاء الاصطناعي أداة استراتيجية لا غنى عنها في هذا السياق، بسبب قدرته على معالجة كميات هائلة من البيانات وتحليل الأنماط بشكل أسرع وأكثر دقة حتى من البشر. فالذكاء الاصطناعي يلعب دورًا كبيرًا في التصدي للهجمات السيبرانية. التي تشكل تهديدًا رئيسيًا للبنية التحتية للدول، سواء كان ذلك في القطاع المالي أو الطاقي أو حتى النظام الصحي. وتستخدم الدول أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة ومطورة لرصد الهجمات الإلكترونية والتصدي لها في الوقت ذاته. يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي كعنصر محوري في المنافسة الجيوسياسية بين القوى الكبرى، خصوصًا بين الولايات المتحدة والصين. في الوقت الذي تقود فيه الصين السباق في تطوير قدرات الذكاء الاصطناعي للاستخدامات العسكرية والمدنية، تستثمر الولايات المتحدة مبالغ هائلة لتعزيز مكانتها كقوة تكنولوجية رائدة. ويشمل ذلك تعزيز الشراكات مع القطاع الخاص لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي جديدة تستطيع التصدي للتحديات الأمنية التي تفرضها التكنولوجيا الحديثة. هذه المنافسة تجعل من الذكاء الاصطناعي ساحة جديدة للصراع الجيو سياسي. فالصين تسعى إلى تصدير أنظمتها التكنولوجية إلى الدول النامية، بغية تعزيز نفوذها في تلك المناطق، بينما تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها بناء تحالفات تكنولوجية لمواجهة النفوذ الصيني. وبالتالي، الذكاء الاصطناعي لا يعيد تشكيل مفهوم الأمن القومي فحسب، بل يؤثر أيضًا على التحالفات الدولية ويعيد توزيع النفوذ بين القوى الكبرى. رغم الفرص الكبيرة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي للأمن القومي، إلا أنه يثير العديد من التحديات الأخلاقية. على سبيل المثال، استخدام AI في أنظمة المراقبة الجماعية قد ينتهك حقوق الإنسان وخصوصيات الأفراد. كذلك، تطوير الأسلحة الذاتية التشغيل التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي يطرح تساؤلات حول إمكانية استخدامها بشكل غير مسؤول أو غير أخلاقي في النزاعات المسلحة. أحد أبرز المخاوف هو كيفية ضمان عدم استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات «اللاأخلاقية» دون إشراف بشري. هذه التحديات تدفع المجتمع الدولي للمطالبة بوضع معايير وقوانين دولية تحكم استخدام هذه التكنولوجيا في السياقات العسكرية، ولكن حتى الآن، ما زال التقدم في هذا المجال بطيئًا. الذكاء الاصطناعي يعيد صياغة مفهوم الأمن القومي ويشكل تهديدات وفرصًا جديدة للدول. فقدرته على تعزيز الدفاعات السيبرانية وتحليل البيانات الضخمة يجعله أداة أساسية في حماية الدول من التهديدات الجديدة. ولكن في الوقت ذاته، الذكاء الاصطناعي يشكل تحديًا جيوسياسيًا وأخلاقيًا يتطلب تعاونًا دوليًا لمواجهة مخاطره المحتملة. في عالم اليوم، الدول التي تستثمر في تطوير الذكاء الاصطناعي وتعزز قدراتها في هذا المجال، ستكون هي الأقدر على مواجهة التحديات الأمنية المتنامية في المستقبل.

1644

| 29 أكتوبر 2024

الدبلوماسية القطرية.. الاستخدام الأمثل للقوة الناعمة

في عالم يموج بالصراعات المسلحة والتوترات السياسية، باتت الدبلوماسية واحدة من أهم الأدوات التي تلجأ إليها الدول لتجنب الانزلاق نحو مواجهات مباشرة، أو لإيجاد حلول سلمية لأزمات معقدة. تختلف أوجه الدبلوماسية وطرق استعمالها من دولة إلى أخرى، وهي في نهاية المطاف وحسب المتعارف عليه تسعى لتحقيق هدف واحد: الاستقرار والسلام. في هذا السياق، تبرز قطر كدولة استطاعت أن تجعل من الدبلوماسية سلاحاً قوياً، ليس فقط للتأثير على القرارات الدولية، بل للتواجد الفعلي في قلب الأزمات ومحاولة نزع فتيلها. إن الحضور القطري في ساحات النزاعات، سواء كان ذلك في أفغانستان أو لبنان أو فلسطين المحتلة، يعكس نهجاً دبلوماسياً متكاملاً يُعلي من قيم الوساطة الإنسانية والسياسية. الوساطة هي أحد أوجه الدبلوماسية الدولية الأكثر بروزاً، حيث تلعب الدول دور الجسر الذي يربط بين الأطراف المتنازعة ويتيح لها فرصة الحوار. قطر، على مدى سنوات، تميزت بقدرتها على توفير منصات للحوار، ليس فقط بين قوى سياسية متنافسة، بل بين أطراف متصارعة في ساحات الحروب. وساطتها في الأزمة الأفغانية، التي أدت إلى محادثات بين الولايات المتحدة وحركة طالبان، تعتبر واحدة من أنجح المبادرات الدبلوماسية في العقود الأخيرة بالنظر إلى ما كان بين الطرفين المتصارعين من عداء شبه وجودي. وقد أظهر ذلك قدرة الدوحة على إرساء السلام حتى في أصعب البيئات السياسية. ويلاحظ أن الحضور القطري لم يتوقف عند الوساطة السياسية، بل يمتد إلى الدبلوماسية الإنسانية الهادفة إلى التخفيف من معاناة الشعوب المتأثرة بالحروب. في الآونة الأخيرة، كان الحضور القطري الإنساني والسياسي في غزة خلال الحرب الكارثية الجارية قوياً بتواجد جمعياتها الخيرية الرائدة دعما للأشقاء المنكوبين، كما لم تتوان قطر عن إرسال مبعوثيها رفيعي المستوى لتقديم الدعم المعنوي في أسمى صوره، مقروناً بالدعم الإغاثي الإنساني والإعلامي. الدبلوماسية القطرية في هذه الحالات ليست مجرد تحرك سياسي تقليدي، بل أضحت فاعلا دوليا موثوقا يتحرك بمهارة فائقة وسط الصراعات ليعيد ترتيب الأوراق. فعلى الرغم من حجمها الجغرافي الصغير، استطاعت قطر أن تستخدم ثروتها ومواردها ليس فقط للتأثير في الاقتصاد العالمي، بل لوضع بصمة عربية في جدوائية الحوارات السياسية في مناطق النزاع. فحضورها في لبنان وغزة لم يكن لوجستياً أو إنسانياً فقط، بل كانت لها أدوارها الفاعلة في حل أعمق المشكلات السياسية والإنسانية ومحاولة فك شفراتها المعقدة. الدبلوماسية الدولية، في النهاية، هي ساحة تلتقي فيها المصالح الوطنية مع القيم الإنسانية، وقطر تقدم نموذجاً لكيفية التوازن بين الاثنين. بين دعم المشاريع الإنسانية الدولية، والوساطات السياسية الفعالة، ودبلوماسية القوة الناعمة. استطاعت قطر أن تقدم نفسها كفاعل رئيسي في النزاعات العالمية والإقليمية. وفي ساحات الحرب القائمة والصراعات الدامية على مدار العقدين الماضيين، كما أثبتت قدرتها على تقديم حلول تسعى لتحقيق السلام، ليس فقط عبر تقديم المساعدات، بل عبر بناء جسور التواصل التي تفتح آفاقاً جديدة لحل النزاعات. إن نجاح الدبلوماسية القطرية يكمن في قدرتها على المزج بين الأدوار المختلفة للدبلوماسية الدولية، وبين القوة والمرونة. في وقت يزداد فيه العالم انقساماً وقسوة، تقدم قطر أنموذجاً ذهبياً لدبلوماسية تتجاوز التنافس لتبني جسوراً من الحوار، والسلام، والتنمية. وهو دور محوري ويزداد رسوخا لحاجة العالم إليه، ولأنه أحد أركان السياسة الخارجية القطرية المبنية على الموازنة بين المبادئ والمصالح، مع السعي المخلص لصناعة السلام وتوطيد الأواصر بين الشعوب والثقافات بأداء حضاري يجمع ولا يفرق.

2268

| 22 أكتوبر 2024

العودة للمدارس خطأ !!
العودة للمدارس خطأ !!

كل عام وقبل العودة إلى المدارس يبدأ الاستعداد...

4803

| 25 أغسطس 2026

لا تكتمل الجزيرة العربية دون اليمن
لا تكتمل الجزيرة العربية دون اليمن

-تاريخ للعرب والإسلام لا يمكن أن نقرأه ثم...

4443

| 23 أغسطس 2026

هل يمكن صناعة القادة؟
هل يمكن صناعة القادة؟

ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو حاجة...

2220

| 23 أغسطس 2026

حين تتحول الرؤية إلى كفاءة إدارية
حين تتحول الرؤية إلى كفاءة إدارية

بحكم أن أحد أفراد أسرتي يتلقى العلاج في...

1632

| 25 أغسطس 2026

ورحلت الوالدة أسماء بنت علي آل إبراهيم رحمها الله
ورحلت الوالدة أسماء بنت علي آل إبراهيم رحمها الله

رحيل الأم لهو أشد المصائب وفقدها فقدان لكل...

1365

| 20 أغسطس 2026

دورينا بين الآمال وواقع المسؤولية
دورينا بين الآمال وواقع المسؤولية

اليوم تبدأ منافسات دورينا، وتبدأ معها حالة الترقب...

1281

| 20 أغسطس 2026

الغلاء يبدأ من الإيجار!
الغلاء يبدأ من الإيجار!

الاقتصاد سلسلة مترابطة تبدأ من المصدر، وتمر بالنقل...

1239

| 20 أغسطس 2026

الترميز العقاري.. كيف تملك جزءاً من عقار؟
الترميز العقاري.. كيف تملك جزءاً من عقار؟

هل يمكن لشخص يملك عشرة آلاف ريال أن...

1011

| 26 أغسطس 2026

أخلاق الفرسان.. مروءة الخلاف
أخلاق الفرسان.. مروءة الخلاف

في الحياة المهنية، لا تظهر أخلاق الإنسان عندما...

597

| 26 أغسطس 2026

يدي الفارغة!
يدي الفارغة!

أصعب العجز أن يضع أحدهم ثقته في يدي،...

513

| 23 أغسطس 2026

الانضباط الذاتي... كيف نُعيد أبناءنا إلى المدرسة ؟
الانضباط الذاتي... كيف نُعيد أبناءنا إلى المدرسة ؟

مع اقتراب العودة إلى المدرسة، تبدأ الأسر في...

483

| 24 أغسطس 2026

الأزمات فرصة لإعادة اكتشاف الحقيقة
الأزمات فرصة لإعادة اكتشاف الحقيقة

يقول مصطفى السباعي رحمه الله: "وفي المآزق ينكشف...

435

| 22 أغسطس 2026

أخبار محلية