رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

لماذا أصبحت التعددية نموذجا للصراع الطائفي؟

لاشك أن التعدد الثقافي قيمة عظيمة في الحضارات الإنسانية باعتباره صيغة للتعايش والتواصل الحضاري الإنساني من خلال التعددية الثقافية، سواء داخل الحضارة الواحدة، أو مع غيرها من الحضارات والثقافات الأخرى، لكن للأسف انزلقت هذه القيمة الرائعة، إلى طائفية مقيتة في بعض دولنا العربية، والبعض للأسف جعل من التعدد والتنوع مدعاة للاختلاف والتحارب والتصارع بين الطوائف، وتحول هذا التعدد والتنوع إلى ما يشبه الانقسام، ع أن هذا التنوع والتعدد المذهبي والفكري لا يعني التنافر والتحارب، ولا يعني النفي والإقصاء المتبادل، وإنما يعني أنه مع الإيمان بضرورة التعدد والتنوع ضماناً للحركة الفكرية الاجتهادية في الجزئيات، فإن ثمة ضرورة للفهم العقلاني لتأكيد تكامل الأفكار التي تتوحد حولها الأمة، أو العامل المشترك الإنساني الأشمل، وفي هذا تلتقي وحدة الأمة في القضايا العامة، وتبقى الفروع مجال حركة بين جميع المدارس الفقهية، كل يستقي منها ما يراه مناسبا لفهمه ومدرسته، ولذلك فإن التباين في هذا الشأن ليس عامل اختلاف وتنازع، بل هو حافز لحركة قائمة على التفاعل في إطار فهم منطقي في الأمور الفرعية.ولا شك أن هذا التنوع والتعدد في الفروع والجزئيات الذي هو مجال ثراء وإبداع حضاري وفكري، تحول ـ كما أشرنا آنفا ـ عند البعض إلى احتراب وتنازع واقتتال، هذا هو الخطر المحدق بأي أمة تتنازع فيما بينها في القضايا الفرعية الفكرية والسياسية، وعلى أسس طائفية، صحيح أن الآخر المختلف، أسهم في هذا في تعميق التوتر، وشجع الانقسام الاثني والعرقي في بعض مجتمعاتنا، بطريقته الاستعمارية المعروفة (فرّق تسد)، لكننا نحن نتحمل الجزء الأكبر من تعميق هذا الخلاف.كما أن التنوع يعد حقيقة سسيولوجية قائمة في الفكر الإنساني، سواء كان هذا التنوع ضمن الحضارة الواحدة أو الحضارات المتعددة. ولذلك فإن قيم المجتمع نفسه تنظر إلى ثقافات الآخرين تلك النظرة المتسامحة بعيدًا عن الإقصاء والنبذ والكراهية. ولا يعني أن القبول بالتنوع والتعدد الثقافي، سواء داخل الحضارة الواحدة، أو مع غيرها من الحضارات الأخرى، التقاطع مع "الانتماء الوطني ـ كما يشير محمد محفوظ، حيث يسعى كل تنوع إلى الانفتاح على الدائرة المنسجمة معه تاريخيا وفكريا، حتى لو كانت خارج الوطني. وبالتالي من الضروري التمييز بين الانتماء والانفتاح. إن انتماء الدوائر الاجتماعية هو إلى الإطار الوطني، والقيم الوطنية التي تحفظ العيش المشترك والوحدة الوطنية. وهذا لا يناقض بأي شكل من الأشكال انفتاح هذه الدوائر مع الخارج، فالانتماء إلى الوطن ضرورة وطنية ومصيرية، كما أن الانفتاح على الخارج ضرورة مجتمعية.وإذا عرجنا تاريخيًّا في فضاء الحضارة الإسلامية، وكيف تعاملت مع التعدد والتنوع في الدولة الإسلامية، فسنجد أن المسلمين عندما شيدوا هذه الحضارة، عملوا على وحدة قائمة على التنوع والقبول به باعتباره من سنن الفطرة الإنسانية. والدين الإسلامي اعتبر هذا التنوع والتعدد خلقة إلهية و"سنة" أزلية أبدية، قد فطر الله عليها جميع المخلوقات.. فلم ولن يكون الناس نمطًا واحدًا أو قالبًا فردًا، وإنما كانوا ولا يزالون مختلفين (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم)، (هود) 118، 119.وإذا كانت الإنسانية والبشرية قد بدأت بآدم وحواء ـ أمة واحدة، في الدين والشريعة ـ فإن تحول هذه الأمة الواحدة إلى أمم قد اقتضى التعددية في شرائع الرسل بتعدد أمم الرسالات، فكانت سنة التعددية منذ فجر تاريخ الإنسان.. (فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيًا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم)، (البقرة: 213) (15).وهذا الاختلاف والتنوع والتعدد في الفكر والثقافة جاء لحكمة ربانية بالغة الدلالة، لأن هذا التنوع والتعدد في الثقافة والميول والاتجاهات يعد دافعًا "للتنافس والتدافع والاستباق، انتصارًا من كل فريق لما به يتميزون، وما فيه يختلفون عن الآخرين.. ولو لم تكن هذه التعددية وهذا التنوع والاختلاف لما كانت حوافز الاستباق ودواعي التدافع وأسباب التنافس بين الأفراد والأمم والأفكار والفلسفات والحضارات، ولكانت الحياة سكونًا آسنًا، ومواتًا لا حيوية فيها، ولما استطاع الإنسان تحقيق مقاصد الأمانة التي حملها بالاستخلاف لاستعمار الأرض وعمران هذا الوجود.. فالإيمان بالتنوع والتميز والاختلاف هو الحافز على الإبداع والتدافع في ميادين التقدم والعمران والارتقاء.. بينما الاعتقاد بوحدة النموذج الفكري والحضاري هو باب التقليد والتشبه، ومن ثم السكون، وذبول ملكات الإبداع. وهذه سنة طبيعية في البشر أن يتباين الناس في رؤاهم الثقافية والفكرية والسلوكية. وهذا الاختلاف نتيجة لتعدد الأفهام والمدارك والعقليات، والبيئة الفكرية والثقافية التي تعيش فيها الأمم والشعوب، وتستقي منها معارفها ومعطياتها وتراكم خبراتها الإنسانية. لذلك لا ضير من هذا التعدد والتنوع الثقافي، سواء ضمن الحضارة الواحدة أو الحضارات المتعددة، وهذا كما أشرنا عامل من عوامل الإثراء والإبداع والتقدم، الأمر الذي يؤكد ـ كما يقول محمد صادق الحسيني على دلالة "لا لبس فيها، وهي أن إعمار الكون ومنه الأرض وما عليها من رطب ويابس وحي وجامد، لم يكن ليتم كما هو حاصل لو أن البشر خلقوا سواسية في كل شيء، ذلك أن نتائج أفعالهم وممارساتهم وصنعتهم ومحصولهم لم يكن بالإمكان أن يأتي بمثل هذا التنوع المشهود والتمايز المعروف، ولخلت الأرض وما عليها من كل أشكال التزاحم والتنافس والتعارض الذي نعيشه بكل جوارحنا على امتداد طول حياتنا وعرضها". ومن هذه المنطلقات فإن الحضارة الإسلامية اعترفت بهذا التنوع وأعطته المساحة الواسعة من التحرك والانطلاقة إلى آفاق رحبة ومتقدمة للتبادل مع الثقافات والحضارات الأخرى، ولذلك فإن الحضارة الإسلامية شجعت على التفاعل مع الثقافات والحضارات جميعًا. وإذا نظرنا إلى الإسلام من حيث مبادئه وتعاليمه الأصلية، نجد أنه هو أرقى الأديان في تحقيق مبدأ التسامح الذي هو القاعدة الأولى للتفاعل الحضاري.وهذا في حد ذاته اعتراف بالآخر والقبول بالتنوع الثقافي والتعدد الفكري والديني. وقد يعتقد البعض أن التنوع والتعدد مدعاة للاختلاف والتنازع والاحتراب، لأن هذا التعدد ـ كما يعتقدون ـ يعني التباين، ويربطون بين هذه الفكرة الخاطئة، وبين ما يحصل في بعض البلدان من مشكلات إثنية وعرقية ومذهبية. وهذا في اعتقادنا من التصورات الخاطئة لمفهوم التنوع والتعدد، حيث إن هذا التنازع كان لأسباب ومسببات أخرى مختلفة، كالاحتقانات السياسية والقمع والإقصاء.. إلخ، لكن التنوع الثقافي لا يعني "التنافر الإنساني المطلق، ولا يعني النفي الوجودي المتبادل، وإنما يعني أنه مع الإيمان بضرورة التعدد والتنوع ضمانًا للحركة، فإن ثمة ضرورة للفهم العقلاني لتأكيد تكامل عنصر أو عامل التكافل الإنساني الأشمل، ووحدة الجوهر الإنساني... إن التباين ليس عامل هدم، بل حافز حركة قائمة على التفاعل في إطار فهم عقلاني ووحدة إنسانية.. ومن ثم يكون ضروريًّا أن ندقق النظر في كيفية ترابط الناس بعضهم ببعض داخل مجتمع ما. ولذلك نحن نعتقد التنوع والتعدد سبق إليه الإسلام والحضارة الإسلامية من قرون خلت، ولم تكن فكرة التنوع والتعدد جاءت من الغرب الديمقراطي الليبرالي.والإشكالية أن الكاتب يتهرب من الغوص في المشكلات العرقية والمذهبية والاستعمار، ويتناسى أن هذه المشكلات جلها، إن لم يكن أغلبها، من صنع الاستعمار والاحتلال والاحتقان السياسي والبعد عن الديمقراطية الحقة.. صحيح أن بعض النخب السياسية أخطأت في كيفية التعامل مع هذه المشكلات، وقللت من أهميتها حتى استفحلت، وأصبحت أوراقا في يد من هم يودون أن تشتعل المنطقة العربية وتتحول إلى كيانات وكانتونات وأعراق ليس لها انتماء أو لون أو طعم والمستفيد الأكبر معروف ويشار إليه بالبنان.

1157

| 22 مارس 2015

التسامح الذي نريده من الآخر المختلف

دافع أحد الكتاب منذ فترة عن الباحث الأمريكي في قضايا الإسلام والمسلمين (برنارد لويس)، وقال إنه رغم تقديمه استشارات للبيت الأبيض حول الشرق الأوسط، إلا أنه يعارض أن يوصف الإسلام كدين عنف، وقد نشر مقالة في (الناشيونال بوست) أبريل 2003، يجعل فيها النظام العراقي الديكتاتوري استيرادا للأيديولوجيا الأوروبية، ويبّرئ الإسلام كدين من هذا النظام". والحقيقة أنني لا أجد مبرراً لهذا الدفاع عن هذا المستشرق المعروف عنه التعصب والعداء غير المبرر، فكتابات لويس في مجملها ـ كما قلت آنفاً ـ تكشف مواقفه العدائية تجاه العرب والمسلمين بعيداً عن المنهجية العلمية، والحياد الأكاديمي الذي يفترض أن ينطلق منها هذا الباحث المتخصص.. ففي دراسته الشهيرة ـ البذرة الأولى في الكراهية والتعصب والداعية لصراع الحضارات ـ (جذور السخط الإسلامي) أو (جذور الغضب الإسلامي) يقول لويس "هناك شيء ما في الثقافة الدينية الإسلامية" وهذا الشيء ـ كما يقول لويس ـ خاصة في "حالة الجيشان والتمزق حينما يثور الغضب ـ الوسيلة لخليط ممزوج من الكراهية والمقت " الذي يدفع حتى الحكومات العريقة والمتحضرة، وحتى المتحدثين باسم ذلك الدين العظيم أن يناصروا أعمال الخطف والاغتيال ويحاولوا أن يجدوا في سيرة نبيّهم استحساناً وسوابق لأعمال كهذه. إن غريزة الجماهير الفطرية في غزو المنابع الجوهرية لهذه التغييرات العنيفة والمفاجئة إلى الغرب، وفي غزو سبب تمزق حياتهم القديمة إلى الهيمنة الغربية والتأثير الغربي والمثال والقدرة الغربيين، هذه الغريزة ليست بالتأكيد أمراً زائفاً". ولم يتوقف برنارد لويس ـ الذي يدافع عنه هذا الكاتب ـ عند هذا الحد في جعل العنف لصيقا بالثقافة الإسلامية، بل إن لويس قال في الفقرات التالية لتلك الدراسة، مما هو أكثر تعصباً وتحريفاً للإسلام والفكر الإسلامي: "إذا كان المقاتلون في سبيل الإسلام ـ الحرب المقدسة في سبيل الله ـ يقاتلون من أجل الله، فإن ذلك يستتبع القول إن خصومهم يقاتلون ضد الله. وبما أن الله هو المهيمن ومصدر السلطات من حيث المبدأ، وهو أيضاً القائد العلوي للدولة الإسلامية، والنبي (وخلفاؤه من بعده) وكلاء مباشرون عنه، فإن الله إذن هو راعي الجيش وقائده. الجيش هو جيش الله، والأعداء هم أعداء الله، فواجب جنود الله إذن هو إرسال أعداء الله بأقصى سرعة ممكنة إلى حيث سيتولى الله بنفسه معاقبتهم وتأديبهم، أي إلى الآخرة. ويعرف لويس ـ وإن لم يكن منصفاً ـ أن الحرب في الإسلام دفاعية وليست هجومية ـ والجهاد في الإسلام هو للدفاع عن الدين وليس فرض الدين على الناس أو إجبارهم لدخول الإسلام كما يقول لويس آنفاً!!والدليل الذي نؤكده أن اليهود والمسيحيين بقوا في ديار الإسلام منذ انبثاق الدعوة إلى الآن ولم يجبرهم أحد على الدخول في هذا الدين أو محاربتهم وهناك الكثير من الوقائع التي تشهد للمسلمين أنهم أكثر تسامحا وانفتاحا من الغرب نفسه في مواقف كثيرة، وهذا يعني أن لويس يحرّف الحقائق ويشوّه الوقائع للوصول إلى مآربه، وهي معروفة سلفاً. وعندما يتطرق لويس إلى التسامح الإسلامي في هذه الدراسة، فإنه يقول بـ"التسامح النظري" وهي عبارة ماكرة، ومعنى ذلك أن هذا التسامح في الأقوال لا في الأفعال والمواقف!! وإذا جئنا إلى كتاب برنارد لويس: (أين مكمن الخطأ) الذي أشار إليه د/رضوان في العديد من كتاباته، وجعل هذا الكاتب متكئاً بسبب الترجمة للتفريق بين هذا الكتاب وكتاب أحد المشايخ، فإن هذا الكتاب يدور في الفلك نفسه من التحريف والتحامل غير المبرر على الإسلام وأهله، ولا يوجد به ما يغير رأينا في هذا المستشرق الكبير!! أما كتابه الأكثر حداثة وغرابة وتعصبا ًلبرنارد لويس والذي سنتوقف عنده قليلاً وهو كتاب " أزمة الإسلام: الحرب المقدسة والإرهاب غير المقدس" الذي صدر بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. فهذا الكتاب الأكثر تناقضاً وتبسيطية لقضايا العالم الإسلامي فهو يقول في ثنايا الكتاب بأن الإسلام محكوم بوعيه التاريخي وفكرته الجهادية المتأصلة المعادية للغرب والمسيحية ـ لكنه ينتبه إلى مغالاته التي طرحها قبل قليل ويقول بأن "الإسلام أحد أعظم الديانات العالمية، وأن الحضارة الإسلامية، كانت الأكثر إبداعاً في كل مجال من مجالات النشاط الإنساني " لكن هذا القول سيتبعه بعد ذلك أيضا، الكثير من الآراء المتعصبة والتبسيطية والمتجنية في بعض الأحيان، حتى يخيل للمرء أن هذا الباحث المتخصص في الشرق الأوسط كما يعرف عنه وكأنه لا يملك الكثير من المعلومات العميقة عن دين الإسلام وثقافة المسلمين إلا إذا كانت هذه المعلومات ترسـل كتقارير!.وهناك الكثير والكثير من الآراء والأقوال التي لا يتسع المقام لذكرها، والتي تجمع على تحامل لويس في كتاباته عن الإسلام والمسلمين، وأعتقد أن كتاب إدوارد سعيد (الاستشراق) قد كشف خفايا الاستشراق ورموزه، ومنهم برنارد لويس، وكفى الكثير عن الرد والتعقيب والمقارعة والمحاججة فيما قالوه في بحوثهم وكتاباتهم.

891

| 15 مارس 2015

ماذا يريد الحوثيون بعد مأزقهم السياسي؟

كانت تحركات الحوثيين في اليمن بمناطقهم المعروفة، كما قالوا، حماية المذهب الزيدي في اليمن من الاختراق السلفي الكبير في كل أنحاء اليمن، وقد لاقت هذه الدعوة صدى لدى بعض اليمنيين من الشباب، وقد حصلت الكثير من الصراعات والخلافات، بل والاقتتال حول مسألة المذهب، مع أنه من المعروف، وقد لاحظته في زياراتي لليمن، أنك لا تستطيع التفريق بين من هو الشافعي والزيدي، بحكم التقارب والتداخل بين المذهبين، وهذه ميزة كبيرة، كما المذاهب السنية، ترجع لبعض علماء الزيدية، ومنهم على سبيل المثال، العلامة الإمام محمد بن علي الشوكاني، والإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني، والكثير من العلماء الذين، كما يقال، تركوا التقليد المذهبي، وتقاربت الآراء بين العلماء في القضايا الكلية، لكن الصراع احتدم بين الحوثيين والحركة السلفية، خاصة مع الشيخ مقبل الوادعي، الذين كان زيديا، ثم أصبح سلفيا، وحاداً في خلافاته مع الذين يخالفونه في المنهج، وتصاعد إلى صراعات واشتباكات عديدة. وفي عام 1986م تم إنشاء اتحاد (الشباب المؤمن)، للمحافظة ـ كما قيل- على المذهب الزيدي من الاختراق السلفي، ويهدف هذا الاتحاد، كما يقول د/ راغب السرجاني، إلى تدريس المذهب الزيدي لمعتنقيه، كان بدر الدين الحوثي - وهو من كبار علماء الزيدية آنذاك - من ضمن المدرِّسين في هذه الهيئة.وفي عام 1990م حدثت الوحدة اليمنية، وفُتح المجال أمام التعددية الحزبية، ومن ثَمَّ تحول اتحاد (الشباب المؤمن) إلى حزب الحق الذي يمثِّل الطائفة الزيدية في اليمن، وظهر حسين بدر الدين الحوثي - وهو ابن العالم بدر الدين الحوثي - كأحد أبرز القياديين السياسيين فيه، ودخل مجلس النواب في سنة 1993م، وكذلك في سنة 1997م، تزامن مع هذه الأحداث حدوث خلاف كبير جدًّا بين بدر الدين الحوثي وبين بقية علماء الزيدية في اليمن حول فتوى تاريخية وافق عليها علماء الزيدية اليمنيون، وعلى رأسهم المرجع مجد الدين المؤيدي، والتي تقضي بأن شرط النسب الهاشميّ للإمامة صار غير مقبول اليوم، وأن هذا كان لظروف تاريخية، وأن الشعب يمكن له أن يختار مَن هو جديرٌ لحكمه دون شرط أن يكون من نسل الحسن أو الحسين، رضي الله عنهما.اعترض بدر الدين الحوثي، كما قال د/ السرجاني، على هذه الفتوى بشدَّة، خاصة أنه من فرقة "الجارودية"، وهي إحدى فرق الزيدية التي تتقارب في أفكارها نسبيًّا مع الاثني عشرية. وتطوَّر الأمر أكثر مع بدر الدين الحوثي، حيث بدأ يدافع بصراحة عن المذهب الاثنى عشري، بل إنه أصدر كتابًا بعنوان "الزيدية في اليمن"، يشرح فيه أوجه التقارب بين الزيدية والاثني عشرية، ونظرًا للمقاومة الشديدة لفكره المنحرف عن الزيدية، فإنّه اضطر إلى الهجرة إلى طهران، حيث عاش هناك عدة سنوات.ورغم ترك بدر الدين الحوثي للساحة اليمنية، إلا أن أفكاره الاثني عشرية بدأت في الانتشار، خاصة في منطقة صعدة والمناطق المحيطة، وهذا منذ نهاية التسعينيات، وتحديدًا منذ سنة 1997م. وفي الوقت نفسه انشقَّ ابنه حسين بدر الدين الحوثي عن حزب الحق، وكوَّن جماعة خاصة به، وكانت في البداية جماعة ثقافية دينية فكرية، بل إنها كانت تتعاون مع الحكومة لمقاومة المد الإسلامي السُّنِّي المتمثل في حزب التجمع اليمني للإصلاح، ولكن الجماعة ما لبثت أن أخذت اتجاهًا معارضًا للحكومة ابتداءً من سنة 2002م.إلا أن الكثير من المحللين يرون أن الحركة الحوثية، ليست حركة زيدية لحماية المذهب، بل هي حركة سياسية هدفها إعادة الإمامة المتوكلية، والقضاء على النظام القائم، باعتباره نظاما مغتصبا لحكم آل البيت، وهي الثورة التي قامت في 26 سبتمبر 1962، وهي ثورة قامت ضد المملكة المتوكلية اليمنية في شمال اليمن عام 1962 وقامت خلالها حرب أهلية بين الموالين للمملكة المتوكلية وبين الموالين للجمهوريّة العربية اليمنية، واستمرت الحرب ثماني سنوات من عام 1962 إلى 1970، وقد سيطرت الفصائل الجمهورية على الحكم في نهاية الحرب وانتهت المملكة وقامت الجمهورية العربية اليمنية. ولذلك فإن الحركة الحوثية، تريد استعادة نظام الإمامة، وهذا ما برز من خلال تصريحات زعيم الحوثيين، عبد الملك الحوثي الذي اعتبر ما حدث في 21 سبتمبر بأنها (ثورة شعبية بامتياز) على النظام القائم الفاسد، كما قال، وليست مطالب معينة من الحركة الحوثية للتصحيح، وهو ما جعلهم يفرضون شروطهم ويغلون الدولة بالكامل، بالتعاون مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح، وبعض القيادات العسكرية في بعض المدن اليمنية.وفي ضوء الأحداث السابقة، كما يرى المحلل السياسي الأمريكي أشير أوركابي، تشير إلى هدف من قبل الإمام الزيدي الأخير، فقد سيطر "الحوثيون" على العاصمة وأمامهم هدف واضح وهو تحدي الجمهورية اليمنية. والصور التي تظهر حالياً عن رجال القبائل الحوثيين مرتدين اللباس اليمني التقليدي وملوّحين بالأسلحة والذخيرة ومقتربين من بوابات المدينة، تحاكي مثيلاتها من حصار عام 1968. وفي الواقع، يعود تراث الحصار على المدينة إلى القرن الخامس، عندما قامت الإمبراطورية الساسانية بمثل هذا الحصار. والأمر المركزي أيضاً في تراث استهداف العاصمة كوسيلة لإسقاط الدولة هو الإذن الممنوح لرجال القبائل الموالين، عند النصر في المعارك، بنهب المدينة كجزاء لخدمتهم العسكرية.الحركة الحوثية أخطأت في طريقة أسلوبها للحصول على المكاسب السياسية في الدولة اليمنية، فأسلوب السيطرة، وفرض القوة والقمع، وسجن المخالفين، واعتقال المعارضين، أسلوب فاشل، يجعل المتعاطفين، يتحولون إلى معارضين لهم، وهذا قاله العديد من اليمنيين، الذين كانوا يتكلمون عن حقوق الحوثيين ومظالمهم من قبل النظام السابق!!، لكنهم ـ أي الحوثيين ـ لم يدركوا أن الأحلام أحيانا لا تتحقق بقوة السلاح، والقسر والفرض على الشعوب دون رغبتهم، وهذه عين الخسارة والتراجع.

1202

| 08 مارس 2015

هل وقع الحوثيون في المأزق السياسي الخطير؟

عندما ظهرت قضية الحركة الحوثية في محافظة صعدة كجماعة منظمة ومسلحة، وبداية صراعها العسكري مع الرئيس المخلوع، علي عبد الله صالح لعدة سنوات، ثم القتال الذي جرى بينها وبين القوات السعودية في تلك الفترة، على الحدود، وقد تحدث البعض أن الحركة الحوثية تعاني من التهميش والقمع، وكذلك شعور الجماعة الحوثية ـ كما قيل ـ بخطر القضاء على المذهب الزيدي في اليمن، من الاختراق السلفي الكبير للمذهب في الكثير من المدن اليمنية، وأن الحوثيين يريدون رفع الظلم والتهميش عن مدنهم، وأن مناطقهم محرومة من التنمية إلخ.. واعتقد البعض أن هذا الرأي يمكن قبوله، وأن من حقهم قبولهم في العملية السياسية، وأن هذا الشباب (المسمى آنذاك بالشباب المؤمن)، يستحق احتواءه، وإتاحة الفرصة له في الحياة. لكن الغريب أن الحركة الحوثية، لم تلجأ إلى السلمية، كطريقة مدنية ودينية، وأن العنف ليس طريقا مقبولا في المطالبة بالحقوق، وأنا أحد هؤلاء الذين كنت أقول إن إتاحة الفرصة لهم في المشاركة السياسية، هو الطريق الصحيح لإبعاد الصراع معهم، لكنني بعد ما جرى منهم، بعد الهجوم على المدن اليمنية والسيطرة عليها، لفت نظري أن هؤلاء يريدون فرض أنفسهم بالقوة، وليس من خلال الوسائل المعروفة مع كل التيارات في اليمن، إلى جانب، وهو الأخطر، أسلوب القمع والعنف والقتل الذي استخدمه في السيطرة على المدن اليمنية، المدنية والعسكرية، وإنهاء الدولة القائمة، وسجن الرئيس بطريقة غير لائقة، وهو رئيس منتخب، إلى جانب اعتقال بعض المسؤولين البارزين، ومنهم رئيس الوزراء، إلى جانب الممارسات السلبية في التعامل مع المعارضين لطريقتهم في ضرب الصحفيين والطلاب الذين ينتقدون طريقتهم العنيفة، وهذا يبرز أن هؤلاء لديهم مخطط عسكري قمعي خطير معد، ولا يؤمنون بالتعدد والتنوع، وقبول الآخر المختلف، وهذا ما أزعج كل التيارات اليمنية!والغريب أن الحركة الحوثية ـ تحالفت معه بعد الثورة 2011، كما يقول د. أحمد محمد الدغشي: كتابه (لحوثيون.. ومستقبلهم السياسي والعسكري والتربوي)، فبعد" غادرت الساحات بعد مرور بضعة أشهر من اندلاع الثورة، وبالتحديد في أواخر شهر رمضان 1423هـ، الموافق أواخر شهر أغسطس 2011م، وهو الوقت الذي تردّد فيه على نطاق نيّة النظام (العائلي) في اقتحام ساحة التغيير بصنعاء من كل الاتجاهات، متزامناً ذلك مع ضربات مباغتة لتدمير مقدرة الفرقة الأولى مدرّع، التي أعلن قائدها اللواء علي محسن الأحمر ولاءه للثورة منذ وقت مبكّر، ومسؤوليته عن حماية الثوار وساحتهم في صنعاء – بوجه خاص – وذلك بهدف شلّ فاعليتها، إما في الأيام الأخيرة لشهر رمضان 1432هـ، وإما في اليومين الأولين من أيام عيد الفطر المبارك على أبعد تقدير، ولكن يشاء الله أن تحدث جملة متغيّرات داخلية، أهمها: اكتشاف الجيش المناصر للثورة المخطط في وقت مناسب، وأخذ كافة الاحتياطات اللازمة لمواجهة ذلك. وعوامل خارجية يأتي على رأسها سقوط النظام الليبي على ذلك النحو (الدراماتيكي) المدوي في أواخر أيام رمضان المبارك، مما انعكس بالإحباط النفسي على النظام السياسي (العائلي)، في مقابل منح ذلك دفعة معنوية عالية للثوار والجيش المساند لهم، ويبدو أن ذلك قد أسهم في إحباط المخطط إلى حدّ بعيد، أو إرجائه إلى وقت لاحق! كما أن لذلك دوراً من الجانب الآخر – فيما يبدو – في عودة الحوثيين ثانية إلى الساحة.وبحسب مراقبين فإن انسحاب الحركة الحوثية من الساحة الرئيسية بصنعاء ابتداءً قد أتى في أجواء ذلك المشهد (السيناريو) السابق، وبعدما أدركت الحركة الحوثية استحالة سيطرتها على الساحة. وقد يَرِد انسحابها في سياق تنسيق – لم يعد مستغرباً بعد كل ما انكشف في حجّة بوجه خاص – مع النظام السياسي حينذاك، والذي تردّد أنه عد الحركة بتسليمها محافظات بأكملها، في حال وقف معه لإجهاض الثورة الشبابية الشعبية التي يقودها – بحسب اعتقاد الطرفين – خصم مشترك لهما معاً، هو (التجمع اليمني للإصلاح)، وحليف الإصلاح الأكبر اللواء علي محسن الأحمر. وقد أثبتت التطورات اللاحقة أن مسألة التنسيق والتعاون والدعم غير المحدود ممن تبقى في النظام من أفراد العائلة وسواهم للحركة الحوثية أمر بات في حكم المقطوع به، بشهادة كثير من المراقبين المتابعين، وبإقرار بعض الأفراد المشهود لهم بالرزانة والموضوعية، كالدكتور ياسين سعيد نعمان.وإن بعض من كانوا على تعاطف شبه تام مع الحوثيين، كما يقول الدغشي، قبل هذه التطورات، ولو لم يكن من دلائل هذا التحالف إلا ذلك الصمت المريب للحوثيين عن جرائم النظام البائد ورموزه، في مقابل تركيز كل الاتهامات، وحشد كل الطاقات لمواجهة أكبر مكوّنات الثورة الشعبية السلمية، وهو (التجمع اليمني للإصلاح)، وحاميها العسكري اللواء علي محسن الأحمر، وأحد أكبر داعميها الماليين ذي الثقل القبلي الشيخ حميد بن عبدالله الأحمر، الخصوم الأشد لدادة للطرفين معاً!وأمّا عودتها إلى ساحة التغيير الرئيسية بصنعاء ثانية ـ كما يشير في هذا الكتاب ـ فيرجعه بعض المراقبين إلى التطورات الفعلية على الأرض التي أشارت إلى قرب زوال النظام السياسي برمته، وهو ما يجعل من كل مشاركة الحركة الحوثية طيلة المرحلة السابقة تذهب هباء إذا ما تم الإعلان عن ذلك في غيابها، ولكنها حين يئست من تحقيق أعلى قدر من السيطرة على الساحة المرة بعد الأخرى، وتأكد لها أن مسار الثورة لم ولن يأتي وفق أجندتها، راحت تشتط يمنة ويسرة، وتكيل الاتهامات لهذا الطرف وذاك. وتبقى المفارقة الأكبر في أن هذا الموقف المتمثل في الرغبة بالانسحاب من الساحات لم يواجه باتهامات من قبل اللجنة التنظيمية للثورة أو سواها من المكونات الأخرى المختلفة مع الحوثيين، كتلك الاتهامات التي كالها الحوثيون للجنة التنظيمية وأحزاب (اللقاء المشترك) – وفي مقدمتها الإصلاح – من مثل الخيانة والتآمر على الثورة وأنهم شركاء النظام السابق، بعدما أعلنت هذه الأخيرة بداية شهر يونيو 2012م خطوة إعادة ترتيب الساحة الرئيسية في العاصمة صنعاء، عبر رفع بعض الخيام الخاصة بالثوار القادمين من بعض المحافظات، وذلك بعد أن أمضوا عاماً ونصفاً من البقاء فيها بعيداً عن أهاليهم، ولبعض الاعتبارات الموضوعية الأخرى.وبحسب حديث الشيخ الحسن أبكر عضو (مجلس شورى الإصلاح) ورئيس (هيئة الشورى) بالمحافظة فإن الحوثيين على اتصال بالسلطة، ويتلقون دعمهم بالسلاح منها، وأنّه لما أدرك رأس النظام السابق علي صالح وأفراد عائلته النافذون حتمية مغادرتهم السلطة، راحوا يعقدون الصفقات المشبوهة مع الحوثيين، وقال أبكر – في ثنايا حوار صحفي – وقد سئل عن أدلتهم على ادّعائهم – أي الإصلاحيين – أن الأمن القومي يدعم الحوثيين، فقال: (هناك أدلة كثيرة، منها أن قيادات المؤتمر وأعضاءه في مديرية المتون هم من يقومون بتوزيع الذخيرة والسلاح على الحوثيين..) وعندما توسّط الشيخ الحسين الضمين، اتصل به الرئيس، وقال له: (ما الذي ذهب بك إلى أبكر؟ اتركهم، دعهم يتقاتلون)، فغضب الشيخ الضمين وأغلق الهاتف في وجه الرئيس، فاتصل الرئيس بخالد عبد الوهاب الشريف؛ ليقنع عمّه الحسين الضمين بترك الوساطة بين أبكر والحوثيين والرجوع إلى صنعاء. وأخبر (يقصد الشيخ الضمين) أن الرئيس اتصل بعبد الملك الحوثي، وقال بالحرف الواحد: (خذ اللواء من الإصلاحيين).لكن لماذا أرادت جماعة الحوثي الاستفراد بالحكم باليمن؟ والهيمنة على الجيش والأمن؟ وهل ستنجح في ذلك؟. وللحديث بقية.

1129

| 01 مارس 2015

لماذا نسمي نضال الشعوب في سبيل حقوقها عنفا وإرهابا ؟!

منذ فترة قال أحد الكتاب في نقده لقضية العنف والإرهاب: في المجتمعات العربية من الظواهر الكئيبة والمذمومة ما لا يعد ولا يحصى، شأنها في ذلك شأن معظم المجتمعات العالمثالية. إلا أن ما يبعث على القلق وينذر بتداعيات كارثية هو ظاهرة انجرافها بوتيرة متسارعة وبصورة غير مسبوقة في كل تاريخها المعاصر نحو تبني العنف والموت والكراهية ثقافة لا تعلوها أي ثقافة".والحقيقة أنني تفاجأت بهذا الطرح من هذا الكاتب عندما خص ثقافة العنف والتطرف والكراهية بالعرب وحدهم دون غيرهم من خلق الله تعالى في هذا الكوكب، فلّم أصدق في البداية هذا التخصيص، فأعدت قراءة مقالته مرة أخرى لعلني تجاوزت بعض فقرات المقال، أو لم أتمعن مقصده في عمومه، حيث إن مسألة التطرف وثقافة العنف والإرهاب قضية الساعة في وقتنا الراهن، وفيها الكثير من الالتباسات والإسقاطات التي تحمل الكثير من المفاهيم الملتبسة في أحايين كثيرة، لكنني للأسف وجدت أن هذا الكاتب ثابت على فكرته من أن ثقافة العنف والإرهاب ملتصقة بالعرب دون بقية الأمم الأخرى. والواقع أن هذا الطرح يخالف الحقائق ويتجاوز الوقائع عبر الصيرورة التاريخية التي تكشف وتبرز أن العنف والتطرف والإرهاب والكراهية مارسته شعوب كثيرة وصاغته فلسفات عديدة وبرره فلاسفة ومفكرون وكتّاب كبار، ولا تزال أفكارها تعشش في جماعات كثيرة!.وكان بودي أن يكون هذا الكاتب عادلاً ومنصفاً بالنسبة للمجتمعات العربية التي خصها وحدها بثقافة العنف والتطرف، ولم يفرق بين الإرهاب الأعمى الذي تمارسه بعض الجماعات السياسية وبين نضال المناضلين الذين يسعون لنيل استقلالهم والدفاع عن حقهم المشروع الذي أقرته الشرائع السماوية والقوانين الوضعية مثل حق الشعب الفلسطيني وهذا الحق للأسف تصنفه بعض الدول بالعنف والإرهاب، وهذا تجني لا يستطيع أحد أن ينكره. فلماذا هذا التخصيص وعدم التفريق بين هذا وذاك؟ أيضاً الشعب العراقي احتلته قوى أجنبية منذ أكثر من أربعة أعوام، ومن حق هذا الشعب الدفاع عن أرضه وعرضه في الحرية والاستقلال مع رفضنا للممارسات الأخرى التي تقوم بها بعض الجماعات في قتل المدنيين وخطف الأبرياء وترويعهم والدعوة للفتن الطائفية، وقد اعترف الرئيس بوش بحق الشعب العراقي في النضال من أجل الاستقلال، وفال فيما معناه لو كنت مكانهم لسعيت لهذا الأمر.. فلماذا هذا التعميم في وصف كل مقاومة أو كل سعي بكل الطرق الممكنة بما فيها القتال لنيل الحرية بثقافة العنف؟!.ويعرف المنصفون أن ثقافة العنف صناعة إسرائيلية مسجلة منذ عقود، وقد مارست العنف بأبشع وأعنف ما عرفه التاريخ المعاصر لطرد شعب بأكمله، من أرضه وهو الشعب العربي الفلسطيني، وهذه الثقافة لم تمارسها جماعات هي أقرب إلى الأسطورة كأبو مصعب الزرقاوي في العراق قبل اغتياله، وإنما مارسه ساسة كبار في تاريخ إسرائيل المعاصر كمناحيم بيجن، وشامير وتوليا ـ كما نعرف جميعاً ـ أرفع المناصب وأخطرها في تاريخ هذا الكيان الغاصب.. فلماذا لا نعدل في أحكامنا وفي كتاباتنا ونحدد ما هو عنف أعمى، ونضال تكفله القوانين والشرائع.فإسرائيل منذ احتلالها لأراضي فلسطين في 1948 م، مارست الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ضد أهل الأرض الأصليين، شتى أصناف الرعب والإرهاب، التي لا يختلف اثنان على أنها كذلك، فقامت بطرد الفلسطينيين من منازلهم ودمرتها على رؤوسهم وطاردتهم ونفذت فيهم عمليات القتل والاغتيال داخل وخارج وطنهم، وصادرت الأراضي وسممت المياه ومارست قواتها كل أعمال القمع والعنف ضد المواطنين العزل، من تكسير للأذرع، وتهشيم للأضلع على مرأى ومسمع من عيون وآذان العالم، ولم يتوقف الإرهاب الإسرائيلي عند هذا الحد، بل تعداه إلى الأضرار بالمقدسات والشروع في حرقها وتدميرها وطمس معالمها، كما حصل للأقصى الشريف أكثر من مرة، ناهيك عن أعمال القتل والتدمير التي طالت أراضي عربية أخرى في لبنان والجولان السورية المحتلة، تلك الأعمال الإرهابية مورست بأمر وتوجيه من أعلى سلطات الاحتلال الإسرائيلي بحجة الأمن الإسرائيلي، أليست هذه الأفعال الفظيعة تمثل قمة ثقافة العنف والإرهاب؟وليس أقوى داعم للإرهاب وثقافة العنف مثل تجاهل أسبابه الكامنة والموضوعية لقيامه وانتشاره في المجتمعات الحديثة، خاصة في عصر الثورة المعلوماتية والعولمة في جانبها السلبي، فإن التطرف والإرهاب سوف يعشش ويقتات من هذه السلبيات التي تزداد بازدياد أنظمته العالمية الجائزة والمجحفة في تعاملها الاقتصادي وفق النظرية الدار ونية البقاء للأقوى " بدل البقاء للأصلح!.أيضاً من السلبيات التي تسهم في انتعاش ثقافة العنف الازدواجية والمعايير في السياسة الدولية، والكيل بمكيالين عند التعاطي معها، والتي أصبحت ظاهرة تؤرق العالم، والشعور بالظلم إزاء بعض القضايا التي باتت تستعصي على الهضم والتقبل، مثل معاناة الشعبين والفلسطيني العراقي، والكوارث الإنسانية التي يلاقيها هذان الشعبان من جراء الاحتلال وتوابعهما. فالتعاطي بالازدواجية في الكثير من القضايا، أثمر الكثير من الكراهية غير المبررة في بعض الأحيان، ومنها الإرهاب المرفوض الذي تعاني منه الإنسانية، لذلك فإن أفضل الخطوات لوقف هذا الإرهاب واستئصاله، هو البحث الجاد عن أسبابه وإيجاد المخارج المنطقية والعقلانية لتجفيف منابعه بالحكمة أولاً، ثم بالتعاطي العادل مع مسببات هذا الإرهاب.وتاريخ أمريكا مليء بثقافة العنف ضد الآخرين ويكفي أن الهنود الحمر تعرضوا للكثير من العنف والإبادة وهم السكان الأصليون في هذه القارة!ويعرف هذا الكاتب وغيره، إن الإرهاب وثقافة العنف والتطرف أيضا مارسته الكثير من الشعوب في قارة آسيا ضد بعضها البعض، وحدثت الكثير من الفظائع التي ارتكبت في تلك القارة، وما فعله هذه الشعوب ضد بعضها في القرن الماضي يبرز جانباً مهماً من ثقافة العنف والقمع والإرهاب. المهم أن ثقافة العنف والإرهاب لا تقتصر على شعوب ذي مواصفات معينة فهي قضية عالمية، ومن هنا كان يفترض من كل كاتب أن يعدل في هذه المسالة الشائكة. ومن حقه أن ينتقد بعض الممارسات الإرهابية، لكن هناك بعض الأعمال العنيفة، لكنها مشروعة كمقاومة الاحتلال والاستعمار الاستيطاني، مهما تذرع هذا المحتل بأفكار ونظريات للتضليل والتمويه.. إلخ.

2070

| 15 فبراير 2015

الإنصاف المفقود في النقد عند الاختلاف الفكري!

اطلعت منذ فترة على حوار مع الناقد والأكاديمي السعودي د. عبدالله الغذامي، وقد لفت نظري في هذا الحوار المتعدد الجوانب والقضايا أحد الأسئلة المطروحة حول النهوض الثقافي ومعوقاته وانحصاره في الحيز الثقافي النخبوي، وعدم وصوله إلى المجتمع. فجاء الرد من الدكتور الغذامي في بعض فقرات رده أن الإشكالية أو المأزق اللغوي الخطير ـ كما قال ـ تقع " من الصيغة التي رسمها جمال الدين الأفغاني لفكرة "المستبد العادل" أنه مفهوم أحدث تخريباً عميقاً في أفكار المثقفين الذين قبلوه حتى من دون جدال حوله. فكرة "المستبد العادل" ظلت سائدة ولا تزال، ووجد كل زعيم نفسه مجسداً لها، سواء كان من زعامات ما قبل الانقلابات أو بعدها". ويضيف في فقرة أخرى من هذا الرد أن "المثقف هو الذي نظّر لها وللسلطات التي ارتبطت بها، وقبلها مستنداً إلى مفهوم المستبد العادل على نسق جمال الدين الأفغاني" ولا أدري كيف اهتدى الغذامي إلى هذا الاتهام وصاغه تلك الصياغة التحويرية الاتهامية من خلال تعليق كل مشاكلنا الفكرية والثقافية والتراجع النهضوي إلى مقولة جمال الدين الأفغاني [ المستبد العادل!!]. والواقع أن جمال الدين الأفغاني لم يكن بتلك الصورة من النظرة الاختزالية التي أطلقها البعض من الكتاب لأسباب إيديولوجية وفكرية ـ وهذا قبل أن يقولها الغذامي ـ ونحن هنا سوف نناقش هذا المفهوم ومدى صحة اتهام الأفغاني ـ والشيخ محمد عبده أيضا ـ الذي اتهم البعض أيضا بمقولة المستبد العادل وفق المفهوم الغربي للاستبداد.منذ القرن المنصرم ردد البعض من الكتاب العرب إن الاستبداد بنية كامنة في الفكر العربي الإسلامي ولذلك فإن دعوات الإصلاح لا تستقيم وهذه المفاهيم المستبدة، في إشارة إلى المقولة الشائعة "المستبد العادل" التي أطلقت على سيرة الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) في الحكم والإدارة، ولكنها ـ كما نعتقد ـ جاءت هذه المقولة محرفة عن معناها بحيث لا تعبر عن المفهوم المتعارف عليه في التراث العربي الإسلامي وهو "الحزم" و"عدم التردد في اتخاذ القرار" وإنما بمعنى الاستبداد وفق المفهوم الغربي وهو الانفراد بالرأي والسلطة دون أن تكون هذه السلطة خاضعة للقانون ودون النظر إلى رأي المحكومين إلخ.. فكيف انتقل هذا المفهوم "الاستبداد" بمضامينه وحمولته الفكرية الغربية إلى المفهوم العربي الإسلامي؟ ومن هو قائل هذه العبارة؟ وهل قصدت عبارة المستبد العادل بمعناها الغربي بتلك المضامين السلبية؟ شاعت مقولة الاستبداد في القرن التاسع عشر والقرن العشرين بين الإصلاحيين الإسلاميين من خلال بعض كتابات ومقالات مختلفة ومن هؤلاء عبد الرحمن الكواكبي في كتابه (طبائع الاستبداد)، وجمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده من خلال مجلتهما مجلة "العروة الوثقى" ويورد د/ إمام عبد الله الفتاح إمام أن مقولة "المستبد العادل" انتقلت من أوروبا إلى الشرق.. فالحل الذي أرتاه جمال الدين الأفغاني لمشكلات الشرق إنما هو "المستبد العادل" الذي يحكم بالشورى وقال ما نصه: "لن تحيا مصر، ولا الشرق بدوله، وإماراته، إلا إذا أتاح الله لكل منهما رجلاً قوياً عادلاً يحكمه بأهله على غير تفرد بالقوة والسلطان. وهذه المقولة التي قالها الإمام جمال الدين الأفغاني لا تعني أنه أيد الاستبداد بمضامينه المعروفة، إنما تعني الحزم والقوة والعدل في ظل الظروف التي يعيشها العالم الإسلامي في فترة تكالب الدول الاستعمارية للسيطرة عليه. فهذا القول لا يؤكد أنه يؤيد الاستبداد السلبي بمفهومه الديكتاتوري المتسلط. كما أورد الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه [ المشروع النهضوي العربي.. مراجعة نقدية ] أن الشيخ محمد عبده تحدث عن نموذج "المستبد العادل" وقال ما نصه "إنما ينهض بالشرق مستبد عادل"، مستبد "يتمكن به العدل أن يصنع في خمس عشرة سنة ما لا يصنع العقل وحده في خمسة عشر قرناً. الواقع أن مقولة "المستبد العادل" التي قالها الشيخ محمد عبده، أو الحاكم القوي العادل عند جمال الدين الأفغاني في مناسبة واحدة فقط لا تعبر عن موقف ثابت من مسألة الاستبداد من هؤلاء الإصلاحيين المسلمين، حتى وإن كان مفهوم الاستبداد الذي قصداه يتوافق مع مفهومه في الغرب أو ربما جاء الطرح قبل أن يتكشفا الآثار الوخيمة للاستبداد، أما إذا كان مقصدهما الاستبداد بمعناه العربي الإسلامي كما أشرنا فإن المسألة واضحة وتتقارب مع كتاباتهما ومقالاتهما الإصلاحية. وهذا أيضاً لا يستقيم ـ إن كانت الإشارة ـ المستبد العادل ـ قصد بها سياسة اتبعها الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) وهذا ما يعد مخالفاً لسياساته ومواقفه وأعماله العظيمة في الشورى والعدل والمواقف الإنسانية الأخرى التي تخالف مفاهيم الاستبداد وتطبيقاته العملية. ففي كتابات الإصلاحيين الإمام جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده الكثير من الآراء الناقدة للاستبداد ومخاطره على الأمة والنهضة والتقدم. فقد كتب جمال الدين الأفغاني في مجلة العروة الوثقى العديد من المقالات هاجم فيها الاستبداد هجوماً عنيفاً واعتبر أن الاستبداد أساس بلاء الأمة وشقائها ومما قاله "إن الأمة التي ليس في شؤونها حل ولا عقد، ولا تستشار في مصالحها، ولا أثر لإرادتها في منافعها العمومية، وإنما هي خاضعة لحكم واحد إرادته قانون، ومشيئته نظام، يحكم ما يشاء، ويفعل ما يريد، تلك أمة لا تثبت على حال واحد، ولا ينضبط لها سير". ويعلق د/ عبد الإله بلقزيز على طرح الأفغاني بقوله: إن "نقد الاستبداد في الفكر الإصلاحي الإسلامي الحديث.. جرى الاعتناء ـ في الأولى ـ بالكشف عن جذور هذا الاستبداد في أزعومة الحق الإلهي، التي قامت عليها فكرة السلطة الدينية في الإسلام، وكان الاستزراع بها من قبل الحكام طريقاً لهم إلى إطلاق يدهم في الدولة وحقوق الرعية. أما في الثانية، فجرى الانصراف إلى تعيين أشكال الاستبداد السياسي المختلفة، والكشف عن نظامه أو عن نمط اشتغال آلياته (بلغة عصرنا)".وفي مقالة الأفغاني حملت عنوان "الحكومة الاستبدادية" نشرت في جريدة [ مصر ] عام 1879 قال فيها جمال الدين:"إن من يساسون بالحكومة الدستورية تستيقظ فيهم الفطرة الإنسانية السليمة التي تحفزهم للخروج من حياتهم البهيمية الوضيعة لبلوغ أقصى درجات الكمال والتخلص من نير الحكومة الاستبدادية التي تثقل كواهلهم".كما أن جمال الدين الأفغاني ـ عند المنصف الأمين كما يشير د/ محمد عمارة لا يدع مجال للشك في انحيازه إلى مبدأ "الأمة هي مصدر السلطات" في سياسة المجتمع "بما يعنيه ذلك من ضرورة" استمداد السلطة الزمنية قوتها من الأمة"، والتزامها بتحقيق مصالح الأمة وحقوقها، خاصة "في الأمن.. والعدل".. وذلك بالمبدأ القائل ـ وفق ألفاظ الأفغاني ـ:"إن الإرادة الحرة للشعب الحر هي القانون"!.. وفي هذه المعاني المحددة والواضحة يقول جمال الدين: "إن السلطة الزمنية، بمليكها أو سلطانها، إنما استمدت قوتها من الأمة لأجل قمع أهل الشر، وصيانة حقوق العامة والخاصة، وتوفير الراحة للمجموع بالسهر على الأمن، وتوزيع العدالة المطلقة، إلى آخر ما في الوازع والسلطان من المنافع العامة. ولم يتوقف إيمان جمال الدين الأفغاني بالحكم الدستوري ـ النيابي بل واصل دعوته القوية المزلزلة فيقول: "لا تحيا مصر ولا يحيا الشرق، بدوله وإماراته، إلا إذا أتاح الله لكل منهم رجلاً قوياً عادلاً، يحكمه بأهله، على غير طريق التفرد بالقوة والسلطان، لأن بالقوة المطلقة: الاستبداد، ولا عدل إلا مع القوة المقيدة. وحكم مصر بأهلها إنما أعني به: الاشتراك الأهلي بالحكم الدستوري الصحيح. وإذا صح أن من الأشياء ما ليس يوهب، فأهم هذه الأشياء: (الحرية) و(الاستقلال).

2116

| 08 فبراير 2015

ماذا بقي من حياد العلمانية؟ (2)

عندما جاء عصر التنوير ـ كما سمي آنذاك ـ في النصف الثاني من القرن الثامن عشر كان أهم ما اتسم به تفجر النزاع حول حق الرجل العادي في النظر بنفسه في أمور الدين والعقيدة. فقد كانت ثمة تفرقة واضحة جلية بين رجل الدين وبين غيره، كان على رجل الدين وحده واجب الإلمام الواسع بالعقيدة وتفاصيلها وما كان أحد لينتظر من غيره التبحر فيها أو يطالبه بأكثر من فكرة بسيطة عن الأركان الأساسية للدين أما غير ذلك من المسائل التي لا يحيط بها علمه ولا طاقة لقدرته على الفهم بها فعليه بصددها أن يذعن لرأي الكنيسة، وأن يطيع أوامرها طاعة عمياء، وقد رضيت الكنيسة بهذا الوضع منذ نشأتها ورضي به الرجل العادي واستقر الاعتقاد بأنه لا مناص من أن يكون هذا الرجل العادي جاهلاً إلى حد كبير بالشؤون الروحية. فالصراع والتناقض أوجدا معايير تنافر بين الكنيسة ودعاة التنوير والتجديد أو كمحاولة توفيق بين متناقضين كل تناقض يقطع الآخر، فكان ـ كما يقال ـ كمن يركب حصانين أحدهما أمام العربة والآخر وراءها، فهما متقابلان، فهذا يجرها إلى الأمام وذلك يجرها إلى الخلف، فكانت أوروبا بطبيعتها المتحمسة تنطلق بشدة إلى الأمام، وكانت المسيحية نتيجة الآراء والأساطير والرهبانية والعزلة تدفع العربة إلى الخلف، لكن في نهاية هذا الصراع والتنافر وجدت الكنيسة أنها خسرت السباق والتنافس مع دعاة التنوير والتغيير في أفكار الكنسية وتراجعت إلى الخلف مع ازدهار العلوم ووسائل البحث العلمي وانصراف الكثير من الناس، خاصة الطبقة المتعلمة عن الوصاية الروحية الكنيسة وتعلقهم بمنجزات العلم وحده لكونه حقق الكثير من آمال ومتطلبات التقدم والرخاء والسعادة المادية. لذلك أسهم رواد التنوير في القرن الثامن عشر وما بعده في زيادة الهوة بين الدين والعلم، ليس على أسس علمية بل لعوامل وكوامن نفسية ونقائض فلسفية أسهمت الكنيسة في ترسيخه في الوعي الأوروبي، وأرادت أن تعممه على كل دين وملة بهدف تشويه النظرة إلى العقائد بعدما نسفوا هم مرتكزات قيم الدين المسيحي.وهكذا ربطت فلسفات التاريخ كما يقول د. محمد عابد الجابري، والتي عرفت رواجاً واسعاً في أوروبا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بين "المستقبل الماضي "و"المستقبل الآتي" في صيرورة واحدة تبلغ قمتها، وكمال سيرورتها في أوروبا، وهي لم تعمل في واقع الأمر إلا على استعادة المشروع البابوي بإنزاله من سماء العناية الإلهية إلى صيرورة التاريخ البشري مع الإفصاح عن مضمونه العنصري القومي بربطه بأوروبا عامة وشعوب الشمال خاصة. وهكذا ترسخت في الوعي الأوروبي ظاهرة التمركز حول الذات فصار ينظر إلى أوروبا على أنها وحدها "الأنا" أما باقي العالم فبمجرد " آخر " موضوع لها.صحيح أن الغرب عندما انقلب على الكنيسة وجردها من سلطاتها وأزاحها من مكانتها الكبيرة في المجتمع الغربي، لكنه لم يتنازل كلية من طموحات هذه البابوية وذاكرة المركزية الأوروبية وإنها محور الإنسانية وتاريخها وإقصاء الآخر وتهميشه فكرياً وثقافياً وتأسيس ذاكرة ثقافية محور "الأنا" الغربي وتميزه وتفوقه بصفات وخصائص يفتقدها الآخر عقلياً وحضارياً وعرقياً.. وهذه عقلية بقيت راسخة حتى بعد سقوط البابوية وتأسيس "العلمانية" وطرح الأفكار التنويرية في التسامح وحقوق الإنسان وغيرها من الشعارات المصاحبة لها. وإذا كان فلاسفة التاريخ "العلمانيون" سيسلكون في تقرير هذا المشروع مسلكاً فلسفياً عقلياً يجتهد في إخفاء خلفيته البابوية والتنكر لأصوله الدينية، فإن المؤسس الفعلي لفلسفة التاريخ في الثقافة الأوروبية لم يتنكر لتلك الأصول ولا لتلك الخلفية، بل بالعكس اعتمدها اعتماداً صريحاً.. إنه الأسقف الفرنسي بوسيه (1627 ـ 1407). وفلسفة بوسيه التاريخية تقوم كما أبرز ذلك مؤرخ مختص على فكرة "أن الإنسانية إنما خلقت من أجل الكنيسة"، إنها نفس المسلّمة التي قامت عليها فلسفات التاريخ "العلمانية" مع تعديل بسيط يتمثل في إحلال كلمة أوروبا أو "الغرب" محل "الكنيسة"، إن فلسفة التاريخ في الثقافة الأوروبية مبنية كلها فعلاً على هذه المسلمة، مسلمة "أن الإنسانية إنما خلقت من أجل أوروبا".وقد عبر عن هذه الأيديولوجية الغربية في نظرتها للآخر المخالف أصدق تعبير ما قاله البروفيسور "روبرت سولمون" في كتابه (ثقافة الهيمنة) عندما تناول أيديولوجيا الهيمنة والثقافة المهيمنة ويدين إفراطاتها وادعاءاتها. ويركز على فترة ساحرة من التاريخ والثقافة الأوروبيين الحديثين (1750 ـ 1850) عندما بدأ المثقفون الغربيون ينظرون إلى التقاليد والقيم الثقافية الغربية على أنها المنقذ والمرشد للحضارة الإنسانية بأكملها، ومن خلال دراسته لأهم الفلاسفة والمفكرين والفنانين الغربيين البرجوازية المتعالية باسم "الإنسانية" يخلص سولومون إلى أن الوقت قد حان لكي يدرك الغرب كم كانت حضارته متجذرة ليس في كونيتها وإنما في ادعاءاتها بهذه الكونية، وإن على الثقافة الأوروبية والغربية بشكل عام أن تدرك أنها مجرد واحدة من الثقافات المتعددة، وأن مفهومها للطبيعة الإنسانية ليس إلا أسطورة من أساطير متعددة. ويختتم سولومون كتابه بالقول: إن هذه الأساطير الهوميرية التي يحبها فلاسفة من أمثال روسو وكانط وهيجل وماركس قد انتهت أو يجب أن تنتهي، وأن الوقت قد حان لكي تبدأ الحضارة الغربية بالاستماع إلى الشعوب والحضارات والثقافات الأخرى بشكل جدي". فليس من قبيل المصادفة البتة، بل على العكس ومن باب الانسجام الفكري أن يكون أعظم حامل لهذه الأيديولوجيا مؤسس المدرسة العلمانية "جول فري" هو في الوقت نفسه المحرض على الغزو الاستعماري في مدغشقر في تونس والفيتنام.. هذا المفكر الواضح كان في فرنسا المنظر الأعنف للاستعمار، مثلما كان في إنجلترا شيوارت ميل وهو تلميذ آخر من تلامذة وضعية "أوجوست كونت" ففي خطابه يوم 28 يوليو 1885 أمام مجلس النواب أعلن: "أجل نحن نتبنى سياسة توسع استعماري قائمة على نظام وهذه السياسة الاستعمارية تقوم على ثلاث قواعد: اقتصادية.. إنسانية وسياسية".وفي فقرة أخرى قال: "لا أتردد في القول إن هذا ليس من السياسة ولا هو من التاريخ، إنه من الميتافيزيقيا السياسية. أيها السادة لا بد من القول بصوت أرفع وبحقيقة أكثر، يجب القول بصراحة إن للأعراق العليا حقاً عملياً على الأعراق السفلى.. وقد لاقت الكثير من النظريات والفلسفات النقد والاتهام من فلاسفة أوروبيين ناقشوا الكثير من الآراء والمنطلقات البعيدة عن مفاهيم القيم الروحية ومنهم الفيلسوف الألماني "شبنلجر" في كتابه: "انهيار الحضارات" ود. أليكس كاريل في كتابه (الإنسان ذلك المجهول) و"جوليان هكسلي" بدراسته الفلسفية المعارضة "للداروينية" وقد طرح هؤلاء وغيرهم أن المقياس الحقيقي لعظمة الإنسان هو مقدار تأثير إبداعاته المادية في مشاعره وعواطفه وكيانه النفسي، فإذا استعملها للسمو بالإنسانية فهي مظهر عظمة صادقة. وإن استغلها في سبيل الفتك والقهر والأثرة والأنانية والاستغراق في الملذات فهي مظهر انحطاط وانهيار.وحاولت العلمانية بعد مزاحمتها للكنيسة في التأثير والمكانة في المجتمع الأوروبي أن تستعيد الذاكرة السلطوية لرجال الدين في التميز والهيمنة من خلال الادعاء "بالكونية" والفرادة للغرب ومن منظور الفلاسفة أنفسهم وشجعوا حتى الاستعمار، وهذا الموقف المزدوج للعلمانية في الغرب جعلت البعض يتشكك في مصداقية مقولاتها عن الحرية والتسامح تجاه الآخر، الذي اعتقد أن عصر "الأنوار" هدم مفهوم "الحرب الصليبية" الذي كان هدفها في الأساس سياسي، وليس دينيا، وأقام نظاماً جديداً يقوم على حرية المعتقد وحقوق الإنسان وغيرها من مقومات عصر النهضة وما تلاه من أسس ومبادئ فـي الإخاء ـ والمساواة والحرية. وهذا ما خالفته الحكومة الفرنسية بقرارها بمنع الحجاب في المدارس الحكومية، ثم الإساءات عبر بعض الصحف للإسلام ورموزه مع أن حديث العلمانية عن الحياد لا يكف في أدبياتهم.

715

| 01 فبراير 2015

ماذا بقي من حياد العلمانية؟ (1)

بعد قضية الرسوم المسيئة، وما حصل للصحيفة الفرنسية بسبب هذه الرسوم كما نشر، فإن هذه الصحيفة نفسها كررت الإساءة بعد الحادثة، فإن الكثيرين، يستغربون من الإساءة إلى دين الإسلام، والمساس برموزه، مع أن مفهوم العلمانية ـ كما قيل ـ هي الحياد التام، واحترام العقائد، لكن الذي يلاحظ أن الحملة والإساءة استهدفت الإسلام ونبيه، دون أن تكون هناك مبررات، عدا شعار حرية التعبير!! في الوقت الذي سنت القوانين واللوائح (في ظل العلمانية)، لمنع الإساءة للسامية، ومعاقبة من ينكر أو يشكك في (الهولوكوست)؟! فلم يسبق أن واجه مصطلح فكري فلسفي معاصر التباين والتناقض الحاد في مفاهيمه ومحدداته كما واجه مصطلح "العلمانية" ولا يزال كذلك منذ بروز حركة التنوير في أوروبا في القرن السادس عشر إلى عصرنا الراهن ضبابياً وفضفاضاً تعريفاً وتعاطياً مع مفرداته ومحدداته.. وأحياناً انتقائياً ومفصلياً بهدف تسويق هذا الفكر ليكون عمومياً وكونياً تحت منطلقات في ظاهرها الرحمة مثل "وحدة الحضارة" وحدة الثقافة العالمية" استهدافاً لتذويب ثقافة الآخر وفكره واحتوى مقدراته. لكن هؤلاء تناسوا أن هذا الفكر المذهبي له دلالات تاريخية عميقة الجذور في الفكر المجتمع العربي.. وبالصراع الذي قام بين الكنيسة والمذاهب الوضعية الفلسفية في أوروبا وهو تاريخ طويل من الصدام التصوري حول تحديد الرهان الفكري والديني القائم آنذاك ولمن تكون له الغلبة في خضم هذا الصراع بين السلطة الدينية والسلطة الدينية التي عرفتها أوروبا في تلك الحقبة، وتمخضت عنها مفاهيم ونظريات مناقضة لأفكار وتصورات الكنيسة كردة فعل لهذا الصراع.. فما هي هذه العلمانية؟ جاء مصطلح العلمانية تحديداً في القرن السابع عشر الميلادي بعد تجاوزات سلطات الكنيسة وتسلطها، ومن ثم أتى معبراً عن مضمون تلك الظروف والملابسات التي حدثت في الغرب.. "فالعلمانية" تعني كما جاءت في القواميس الإنجليزية (secularism) "المذهب الدنيوي" أو"اللادينية" وهي صيغة نشأت أصلاً كمقابل للمقدس أو الخارق للطبيعة أو الجمود والتقليد.. ويصفها البعض "باللايكية" أي المدنيون المنسوبون للشعب الذي يقيمون المجتمع المدني.. أو الفصل التام بين الدين والحياة، ولذلك نجد أن دائرة المعارف البريطانية عرفت العلمانية بأنها "حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بالحياة الدنيا" وهذا المبدأ كما حددته الفلسفة الوضعية لحركة التنوير القرن السابع عشر الميلادي عند نزاعها مع سلطة الكنيسة يقوم على فصل السلطة المدنية عن السلطة الدينية وإقصاء الكنيسة عن أن يكون لها دور في تنظيم المجتمع وإدارة شؤونه، بحيث تصبح الدولة "لا دينية" في نظمها وتوجيهها لحياة الناس بعيداً عن سلطة الدين وقواعده.وجاء في قاموس أكسفورد شرحاً لكلمة "SECULER" بأنها تعني: "دنيوي" أو "مادي" ليس دينياً ولا روحياً ـ السلطة اللادينية ـ الحكومة المناقضة للكنيسة.والغريب أن بعض مترجمي مصطلح "العلمانية" اللاتيني نسبها إلى العلم تحريفاً، وهي ليست كذلك، فلا صلة مطلقاً بين العلم والعلمانية، لا من قريب ولا من بعيد، فهي تعني "العالمانية " نسبة إلى العالم الدنيوي بفتح اللام، أما العلم فيطلق عليه باللغة الإنجليزية (SCIENCE)، والمذهب العلمي يطلق كلمة (SCICNTISM)، وقد أوضح جون راندال كما يشير بعض الباحثين في كتابه (تكوين العقل الحديث) "أن العلمانية ظهرت في أوروبا في بداية القرن السابع عشر وأخذت عبر التاريخ عدة مفاهيم فكانت تعني فصل الدين عن الدولة في القرن السابع عشر والثامن عشر، ثم تحولت إلى إبعاد الدين عن الدولة في القرن التاسع عشر، ثم حدث تغير طفيف في القرن العشرين بعودة السلطة الزمنية للكنيسة الكاثوليكية سنة 1929م بإعادة قيام الدولة الفاتيكان بعد أن أدمجت من قبل سنة 1870م الولايات البابوية في مملكة بريطانيا، ويشمل التغيير أيضاً السماح بقيام أحزاب مسيحية دول أوروبا، وتبني الأهداف السياسية المسيحية في أكثر من دولة. بدأت الفلسفة الوضعية في أوروبا بتبني العلمانية في القرن السابع عشر وبعده، وتفاوتت في طرحها لهذه الفكرة ودرجة بعدها عن الكنيسة والدين تبعاً للفلسفة التي تطرح نهجها ومفاهيمها تجاه معطيات واستجابات المجتمع الأوروبي الذي صدم في اضطهاد الكنيسة وقسوة ردود فعلها على العلوم والمخترعات.. لكن هذا التفاوت ـ كما يقول د. محمد عمارة ـ لا ينفي إمكانية تحديد طورين ومرحلتين مرت بهما العلمانية في الفكر الأوروبي:الأولى: تلك التي تعني فيها عزل الدين والكنيسة عن شؤون المجتمع وسياسة أحساب بناء الدولة البورجوازية وفي سبيل دعمها.. والسعي لتصفية اللاهوت المسيحي وتنقيته مما هو غير عقلاني من مثل عقيدة التثليث والطبيعة الإلهية للمسيح.. والعمل على رفع الوصاية الدينية عن التعليم تمكيناً للفطرة الإنسانية من الاختيار!.وهي المرحلة التي استهدفت فيها هذه "العلمانية الثورية" هدم الدين وتخليص الدولة الاشتراكية من تأثيراته، وذلك لحساب العدل الاجتماعي ـ الاشتراكية فالشيوعية (مع العلم أن هذه الأفكار والأطروحات مجرد لم تنجح النجاح المأمول ولعل سقوط الشيوعية في معظم دول المعسكر الشرقي أكبر دليل على ذلك).أما العقلانية ـ العلمانية ـ المغلفة بالحياد والبعد عن التشدد الفكري فقد أوقعت ذوي الإيرادات الخيرة وما تنفك توقعهم في الحيرة والارتباك والفراغ لأن الانتقال من "اللاأكليركية" إلى الأيمان بسيادة العقل .فالفلسفة العقلانية كحركة إصلاحية تنويرية لتقويم دور الكنيسة المدينة الانطلاق بالأسس الإصلاحية الدينية إلى مستويات إيجابية تفتح آفاق المعرفة العلمية، ونزع الوصاية اللاعقلانية التي أسهمت في تكبيل العقول واتهام المخترعين بالهرقطة والمروق من الدين. لكن الأمر انقلب إلى هجوم على الدين نفسه وأحيانا بطرق غير علنية وغامضة. وهذا ما عبر عنه جورج كلمنصو "أن حربنا ليست في المسالك الوعرة الملتوية. بل هي في المدرسة " وتعليمات جول فري للمعلمين: "تكلموا بكثير من التحفظ والاحتراس كلما تعرضتم للمشاعر الدينية التي لا شأن لكم بها.. لا تحاولوا أبداً أن تمسوا لدى الولد وجدانه الحساس الرهيف" بينما فضح فيفياني غاية العلمانيين من فكرة الحياد .العلمانية إذا مصطلح ومضمون له حموته الفكرية المغايرة عن الواقع العربي الإسلامي، ولم تنجح عندما طبقت قسرا على مجتمعات وبيئات غير حاضنة لها فلم تنتج لا ديمقراطية صحيحة، ولا ترسخت حقوق إنسان حقيقية، ولا طبق معها مجتمع مدني فاعل، بل إن العلمانية شايعت كل الإيديولوجيات وتناغمت مع كل النظم بما فيها الاستبدادية.. وللحديث بقية.

673

| 25 يناير 2015

كيف تتحقق المقاييس العادلة في مسألة الإرهاب؟

في المسيرة الضخمة التي نظمت في باريس قبل أيام تنديدا بالهجوم الذي وقع على الصحيفة الفرنسية، وقتل في هذا الهجوم بعض الرسامين بالصحيفة، وبعض رجال الأمن الفرنسيين، بينهم رجل الأمن الفرنسي/ المسلم أحمد مرابط، واللافت في هذه المظاهرة الكبيرة ظهور بنيامين نتنياهو يتقدم الصفوف، وكأن الإسرائيليين أبرياء من الإرهاب، وفي دولة مغتصبة، اغتصبت وقتلت وانتهكت القوانين الدولية التي صاغتها الدول الكبرى نفسها!! ولا شك أن الإرهاب الإسرائيلي، معروف ولا يحتاج إلى كشف، لكن الإشكالية أن المعايير الدولية للأسف مقلوبة، وهناك نفاق دولي، وكأن الإرهاب ماركة مسجلة باسم العرب والمسلمين، وهذه قضية تظل ملتبسة، ولن تحل مشكلة التطرف والإرهاب، مادامت المقاييس غير عادلة للتعاطي مع قضية الإرهاب باعتبارها قضية عالمية، وليست تقترن بشعب أو أمة بعينها، للأسف إن البعض يريد أن يجعل الإرهاب في العرب والمسلمين دون غيرهم! المشكلة الأشد التباساً وغموضاً في عالم اليوم هي عدم التفريق بين الإرهاب كظاهرة مرفوضة وبين حق النضال المشروع.. فمن غير المفهوم تركيز الانتباه كله على حادثة مرفوضة بينما يتجاهل جرائم أو كوارث تقع على أمم بأكملها ولا تلقى نفس الاهتمام والوصف على مرتكبيه، فالإرهاب يتم استخدامه بشكل انتقائي عشوائي وفق تكييف محدد لتمييز الأعمال غير المرغوب فيها والتي يقوم بها خصوم المرء على الساحة الدولية وبهذه الصفة فإن عدداً من الجرائم المحددة جيداً يتم تصنيفها بـ(الإرهاب الدولي) وهي تختلف عن ذلك التصنيف السابق فالإرهاب الإسرائيلي سبق وأن مورس منذ قيام إسرائيل وسلسلة الجرائم والمجازر التي ارتكبت ضد العرب أكثر من أن تحصى لكن شواهدها لا تزال ماثلة كمجزرة قلقيلية ومذبحة الحرم الإبراهيمي ومجازر دير ياسين وكفر قاسم وقانا وغزة مؤخراً، وذلك بهدف ترهيب السكان وترك أراضيهم ومنازلهم، واعترفت بيانات وتقارير جمعية حقوق الإنسان ومقرها شيكاغو بهذه الجرائم الإرهابية، فإرهاب الدولة العبرية فاق كل التصورات ومع ذلك تسمى أفعالها بأنها دفاع عن النفس!. ولعل أصدق تعبير في هذا التوصيف في تسمية (الإرهاب) ما قاله السياسي اللبناني د/سليم الحص في معرض حديثه قبل سنوات، عن مسألة الخلط والتحريف في تعريف الإرهاب.. "إذا كانت مصادر القرار في الغرب تصر على اعتبار نضال المقاومين الأبرار إرهاباً أو تصر على جعل كل أعمال العنف في سلة واحدة فلا تعترف بالفارق بين إجرام المجرمين ونضال الشرفاء فعلينا بتذكير الدول الغربية بتاريخها، وقد حفل في لحظات مفصلية بحروب تحررية، وكيف يفسرون حقيقة لا مراء فيها وهي أن الشعب الفلسطيني لم يكن متهماً بالإرهاب قبل خمسة وعشرين عاماً ولا كان الشعب اللبناني متهماً بالعنف قبل ستة عشر عاماً، ليسألوا أنفسهم عما حصل ليجعل من هذين هدفاً لمثل هذه الاتهامات. عند ذلك سيكشفون أسباب الظاهرة التي يشكون منها وعند ذلك يستطيعون وصف الدواء الناجع الذي يضمن الحول دون انتشار الطاعون لا بل والقضاء عليه في منشئه. فالإرهاب كما تحدده المصطلحات السياسية هو أسلوب من أساليب الصراع الذي يقع فيه ضحايا بصورة جزافية أو رمزية كهدف إيقاع أذى أو عنف فعال لطرف آخر، دون أن يكون هناك هدف أسمى للعمل الإرهابي. لكن الإشكالية التي تسهم في غموض هذا المصطلح وجعله أكثر التباساً، هو عدم التفريق الدقيق بين الإرهاب كظاهرة عالمية، غير محدد بدولة أو بشعب أو بعقيدة، وبين كفاح الشعوب ونضالها لنيل حقوقها المشروعة في التحرير ومحاربة المحتل والمستعمر. وهذه بلا شك قضية محورية يجب أن توضع في مكانها الصحيح، وتنضبط وفق مقاييس دقيقة وثابتة بعيداً عن الأهواء والميول والاتجاهات الأيديولوجية واختلافها. فمصطلح الإرهاب يستخدم أحياناً بطريقة انتقائية وتلصق أحيانا على أعمال لا تندرج ضمن مفهوم التعريف المشار إليه آنفاً، وهذه مسألة تثير الارتياب في تعريفات بعض الدول للإرهاب ومنها الولايات المتحدة على وجه التحديد.والذي يدعو إلى الأسف أن مصطلح الإرهاب لا يزال ورقة يتلاعب بها الكثيرون ويتقاذفون بها كالكرة فيما بينهم، وكل يوصم الآخر بالإرهاب وكل مشكلة داخلية يعانيها بلد ما، ترفع التهمة الجاهزة على البعض الآخر بالإرهاب، وبدلاً من اتخاذ الوسائل السلمية والقوانين المرعية، وحقوق الإنسان لحل هذه المشكلات ـ والتي تختلف من بلد إلى آخر ـ فإن شعار الإرهاب بات الآن سيفاً مسلطاً بلا معايير دقيقة لتقييده، وهذه إشكالية ربما تساعد في ازدهار الإرهاب لا في استئصاله، ورغم أن الإرهاب قضية عالمية إلا أنه بقي خارج دائرة الاتفاق لجهة تعريفه، رغم ما تضمنته قواميس اللغة وكتابات الفقهاء من اجتهادات للتعبير عن الظاهرة، لكنها لم تفلح جميعها في وضع ضوابط ومعايير محددة للفصل بين الفعل الإرهابي وما سواه، الأمر الذي أدى حتى بأولئك المهتمين بدراسة هذه الظاهرة، إلى مواصلة بحوثهم ودراساتهم دون الاكتراث بتعريفها، وعدم الاتفاق على تعريف محدد للإرهاب نابع بالدرجة الأولى من تسييسه، ووضع الاعتبارات القانونية خارج الحسبان، رغم هويته القانونية في الأساس، وقد أدى ذلك بدوره إلى اختلاط الأوراق وتباعد المواقف، فلم يعد مستغرباً أن نشاهد حكومات، أو جماعات ترتكب حماقات وتقوم بأعمال الإبادة البشعة بحق الإنسان، باسم مكافحة الإرهاب، ولم يعد خافياً أن يستخدم الإرهاب جسراً لتحقيق أهداف ومكاسب شخصية أو حزبية أو قومية أو إسلامية. وليس أقوى داعم للإرهاب وثقافة العنف مثل تجاهل أسبابه الكامنة والموضوعية لقيامه وانتشاره في المجتمعات الحديثة، خاصة في عصر الثورة المعلوماتية والعولمة في جانبها السلبي، فإن التطرف والإرهاب سوف يعشش ويقتات من هذه السلبيات التي تزداد بازدياد أنظمته العالمية الجائزة والمجحفة في تعاملها الاقتصادي وفق النظرية الدارونية البقاء للأقوى، بدل البقاء للأصلح. فظاهرة الإرهاب والتطرف ظاهرة مركبة ومعقدة ومن الأنصاف أن تكون النظرة إليها شاملة ومتوازنة ولا تقف عند عامل واحد فقط ونغض الطرف عن الأسباب الأخرى التي ربما تكون هي العامل الحاسم في هذه المشكلة أو الظاهرة التي تجتاح العالم كله وليس عالمنا العربي والإسلامي فقط، فالبعض يرجع قضية الإرهاب والتطرف إلى الجهل وقلة العلم والفهم بأمور الدين والدنيا، والبعض الآخر أيضا يراها نتيجة من نتائج الفقر والبطالة في العديد من المجتمعات العربية، والبعض الآخر أيضا يراها نتيجة من نتائج القمع السياسي والاستبداد وغياب الحرية والديمقراطية ويراها البعض الآخر مشكلة نفسية واجتماعية وأسرية.. إلخ.الخلاصة أن الإرهاب والتطرف قضية أكبر من أن تختزل في قضية لوحدها معزولة عن الأسباب الأخرى، ومن الإنصاف أن تتم دراسة كل ظاهرة بما تستحقه من التعمق والبحث والاستقصاء حتى تكون المعالجة والتقييم شافيا وناجعا من آثارها ومؤثراتها.

949

| 18 يناير 2015

هذا الفعل يخالف الإسلام ويناقض مبادئه!

الهجوم على الصحيفة الفرنسية قبل عدة أيام من قبل بعض المسلحين المسلمين كما تذكر الأنباء، ومقتل ما يقرب من17 شخصا يعملون بهذه الصحافة، وغيرهم من القتلى بعد المطاردة العسكرية الفرنسية لهم، ليس من الإسلام في شيء أبداً هذه الأفعال، بل وتخالف للإسلام ونصوصه الشرعية، لأن القتل العشوائي دون دليل، ودون وجه حق، يرفضه الإسلام تماما، وليس له مبرر على الإطلاق، وهذه الأفعال وغيرها من أفعال المتطرفين الجهلة تخالف الدين والواقع حيث يعيش في الغرب عشرات الملايين من المسلمين، وهذه الأفاعيل غير المقبولة، تضر الإسلام في الغرب الذي يعتبر أكثر الأديان انتشارا بالكلمة الطيبة والسلوك الحسن، والحقيقة هذا الفعل سيجر على المسلمين في الغرب الكثير من المتاعب والمشاكل، كما جرت أفعال سابقة كلنا نعرفها، إن صح أنه من فعل المسلمين. البعض ممن تابع هذا الحادث يقول: إن الصحيفة التي تمت مهاجمتها من قبل هؤلاء المجموعة، نشرت رسوما مسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم قبل فترة! فقلت لهم لنعد قليلا إلى العصر الأول الإسلامي لنرى ما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام، عندما تمت الإساءة إليه؟ حيث قالوا عنه إنه مجنون، وقالوا ساحرا، وكاذبا، وقالوا إن الآيات تملى عليه بكرة وأصيلا، وآذوه بكل أنواع الأذى، كما تذكر الإخبار المؤلفات في هذا الصدد، وآخرها الطرد من مكة وغيرها من الأفعال لا يتسع المقام لذكرها وشرحها، وعندما فتحت مكة بانتصار الإسلام على الشرك، وجاء الرسول (صلى الله عليه وسلم) إليها، ماذا قال: قال قولته الشهيرة عليه الصلاة والسلام (فاذهبوا فأنتم الطلقاء) هذه هي قيم الإسلام، وهذه هي أخلاق النبي القدوة، الذي يجب أن نسير على هداه في سيرته وقيمه التي أرساها هذا الرسول الكريم.. ولا يجب أن نزايد على قيم الإسلام.. ونتجه للانتقام، ونخالف ما وضعه هذا الدين من قيم وسلوك في كل جوانب حياتنا.صحيح أن الغرب من خلال بعض مؤسسات صناعة القرار في الغرب استغلت بعض الممارسات الخاطئة من بعض المسلمين وحاولت ولا تزال أن تلصقها بدين الإسلام نفسه وقالوا ـ بعض هؤلاء ـ صراحة إن الإرهاب والتطرف يكمن في تعاليم الإسلام، وإن الإرهاب الذي حدث في 11 سبتمبر 2001 ـ كما قالوا ـ ينبع من هذا الدين الذي يحث على الكراهية وعلى العنف ضد الآخر وهذا القول مجانب للحقيقة فلم يسبق لدين من الأديان أن تعامل مع الآخر بإنصاف وانفتاح مثل الدين الإسلامي وباعتراف الكثير من الباحثين الغربيين أنفسهم. والغريب أن ما حدث للشعب البوسني في أواخر القرن الماضي من قتل وتنكيل وإرهاب وفظائع رهيبة لم تشهده الإنسانية من قبل الدولة الصربية، فإنه لم يقل أحد إن الديانة المسيحية أو الكنيسة الأرثوذكسية هي السبب في هذا الإرهاب والقتل والتنكيل في الشعب البوسني المسلم، بل قيل إن الصرب هم الذين قاموا بهذه المجازر وهم الذين مارسوا هذا الإرهاب وبرئوا الديانة المسيحية من هذه الأفعال. إلا في حالة الدين الإسلامي، فإذا ما تحرك حجرٌ إلا قيل وراءه الإسلام ودين الإسلام؟!وما قاله الشيخ د. يوسف القرضاوي صحيح في كتابه القيم (فقه الجهاد) بأن فقه هؤلاء "فقه أعوج، وفهم أعرج، يعتريه الخلل والخطل من كل جانب. ويحتاج من فقهاء الأمة إلى وقفة علمية متأنية: لمناقشتهم في أفكارهم هذه، والرد عليهم فيما أخطأوا فيه، في ضوء الأدلة الشرعية من القرآن والسنة وإجماع الأمة.فهناك خلل في فقه الجهاد والنظرة إلى غير المسلمين، واعتقادهم في وجوب قتال كل الكفار، وهناك خلل في فقه تغيير المنكر بالقوة، وماله من شروط يجب أن تراعى. وهناك خلل في فقه الخروج على الحكام.ولقد حذر رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم ـ كما يشير د. القرضاوي ـ من الأعمال الطائشة والتصرفات الرعناء، التي قد يقوم بها بعض الناس الطيبين، بنوايا حسنة، وبواعث نبيلة، دون أن ينظروا في مآلاتها، ويفكروا في وخيم عواقبها، وذلك لقصر نظرهم، وضيق أفقهم، فما لم يتنبه المجتمع لهم، ويأخذ على أيديهم، ويمنعهم من الاستمرار في تفكيرهم الأخرق، فإنهم سيودون بالمجتمع كله، وينتهي بهم طيشهم إلى هلاكهم وهلاك الجماعة كلها معهم.ولذا حذر الرسول الكريم الجماعة – ممثلة في أهل البصيرة وأولي العلم والحكمة – أن تتيقظ لهم، وتأخذهم على أيديهم، وتمنعهم من تنفيذ ما فكروا فيه، وعقدوا عليه العزم، حفظاً لوجود الجماعة كلها، وحرصاً على حياتها وحياتهم معها".إن للتكفير مخاطر عديدة ومحاذير جمة، كما يقول الشيخ حسن الخشن، "وانعكاسات سلبية على المكفر والمكفر، الأمر الذي يستدعي التروي في الإقدام عليه والخوض فيه، فبالإضافة إلى أن إخراج شخص من الدين ورميه بالكفر هو معصية كبيرة وذنب عظيم لا يرتكبه المسلم الذي يريد الاحتياط لدينه، فإن له مضاعفات عديدة على الشخص المكفر وعائلته وذويه، لأنه – أعني بالتكفير – يستتبع الحكم بارتداده وإهدار دمه وماله والتفريق بينه وبين زوجته، ومعاملته معاملة الكفار لجهة الميراث والزواج وغيرهما بما في ذلك ترك الصلاة عليه بعد موته ومنع دفنه في مقابر المسلمين، وذلك سيؤدي إلى محاصرته وعزله نفسياً واجتماعياً ونبذه من قبل المسلمين وترك التعامل معه، وتزداد عزلته إذا قلنا بنجاسته وحرمة ذبائحه وترك مؤاكلته كما عليه جمع من فقهاء المسلمين.***كنت في حوار على مواقع التواصل الاجتماعي أمس، وللأسف البعض تقصه فهم الإسلام الصحيح، وقالوا فيما معناه إن هؤلاء ردوا على الرسول صلى الله عليه الإساءة، وقلت وإن صح ذلك، فهذا ليس من حق آحاد من الناس، أن يقول بهذا العمل، وليس هناك دليل شرعي، يجيز لهم أن يقوموا بهذا العمل بل هو مخالف، وافتئات على من له الحق في ذلك، هذه الفوضى في الأفعال الخاطئة جرت وتجر على المسلمين الكثير من المتاعب والمشاكل، وأول هؤلاء ـ كما أشرت المسلمون في الغرب ـ الذين عانوا وسيعانون من أفعال هؤلاء الكثير والكثير، ونرجو من العقلاء والعلماء التركيز على قضايا الفهم الصحيح للإسلام، هناك مفاهيم خاطئة الإسلام، وهؤلاء بأفعالهم يخدمون أعداء الإسلام، ويسهمون في إدخال أمة الإسلام في صراعات هي في غنى عنها، ومنها ما جرى مؤخرا في العاصمة الفرنسية باريس.

1756

| 11 يناير 2015

الاجتزاء والانتقاء في غياب النقد العادل

كتب أحد الكتاب منذ فترة تعليقاً على كتاب المفكر الراحل د. محمد عابد الجابري: (في نقد الحاجة إلى الإصلاح)، أنه يمثّل هذا النص للجابري أنموذجا للالتباس المفهومي في الخطاب السياسي العربي الراهن، إذ يعمل تصور ملتبس لمفهوم ما على إعادة تشكيل "الشبكة المفهومية بالكامل تشكيلاً ملتبساً تختلط فيه المعاني والأهداف والتصورات وتضيع البوصلة الموجهة للرؤية الأيديولوجية والفلسفية الكامنة في المفهوم ذاته، وما تنطوي عليه من مبادئ وأحكام واستنتاجات ملازمة". فهل كان الطرح العلماني بالفعل عبّر عن حاجات معيّنة بمضامين غير متطابقة مع تلك الحاجات؟ وهل العلمانية مقرونة ضرورة بالإلحاد؟ وهل يمكن الفصل بينها وبين الديمقراطية؟ويضيف هذا الكاتب في فقرة أخرى: "ولكي تكون ثمة ديمقراطية، يجب أن تتوافر شروط ومبادئ أساسية أغفلها موقف الجابري، وأولها الاعتراف بالفرد الإنساني وبمركزيته السياسية والاجتماعية. وثانيها قيام النظام السياسي على عقد اجتماعي يختاره أفراد المجتمع بإرادتهم ويلتزمون به طوعياً. وثالثها المساواة التامة بين أفراد المجتمع في المواطنية والحقوق والواجبات، بصرف النظر عن الجنس أو الدين أو المذهب أو الطائفة".لقد فات الجابري أن هذه الشروط والمبادئ التي تشكل جوهر الديمقراطية لا يمكن تحققها دون العلمانية التي تفصل بين الفضاءين الديني والسياسي.والحقيقة أن المرء يستغرب أشد الاستغراب أن يكون الطرح النقدي من هذا الكاتب بهذه الرؤية والاجتزاء غير الدقيق لقضية العلمانية الغربية.والذي لا يختلف عليه أحد أن العلمانية قضية غربية لمشكلة تقع في صميم الفكر الغربي المسيحي والديانة المسيحية التي تفصل بين الدين والدولة، أو الدين والحياة، وهذا ما عبر عنه القول المأثور المعروف للسيد المسيح أو أحد أتباعه في العصر الأول الميلادي، "دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر"، وهذا يعني أن هذه دعوة واضحة للفصل بين الدين والدولة أو السلطة. وعندما حاولت الكنيسة الغربية أن تستأثر بالدين والدولة وتتدخل في قضايا الحياة والكون، كانت الثورة على الكنيسة وأفكارها وتم عزلها وتحجيم دورها الذي كان سلبياً ومناقضاً للعلم والتطور والتقدم.والذي أود قوله على ما قاله الكاتب كريم، أن عزل الكنيسة وفرض العلمنة ليس خروجاً على الدين المسيحي أو إلحاداً، وإنما هو عودة إلى المنابع الأولى للديانة المسيحية التي ترى أنه يجب "أن ندع ما لله لله وما لقيصر لقيصر".. صحيح أنه حدث رد فعل على تجاوزات الكنيسة وتدخلها، وطالت الدين نفسه، ولنا في أفكار وكتابات بعض فلاسفة التنوير العلمانيين ما يغني عن الشرح.لكن هذا المبدأ لا ينطبق على الإسلام كلية، فالإسلام لا يفصل بين الدين والدولة أو الدنيا، لكن هناك تمييز بينهما ضمن أطر ومحددات وضعها الفكر الإسلامي، وتلك مسألة تحتاج إلى طرح آخر.القضية الأخرى التي أشار إليها هذا الكاتب هي قضية ارتباط العلمانية بالديمقراطية، وأنه لابد من العلمانية لكي تطبق الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة... إلخ.والحقيقة أن هذا الرأي يخالف الكثير من تطبيقات العلمانية التي تختلف تطبيقاتها باختلاف الفلسفات والأفكار التي يحملها أصحابها وهذه مسألة معروفة، سواء الفلسفة الليبرالية، أو النظم الشمولية، وحتى لا يعتقد الكاتب أننا نقول كلاماً جزافاً مرسلاً، فإن العلمانية تغاضت عما طبقته الأنظمة القمعية، كالفاشية والماركسية والكولونيالية في مراحل مختلفة لا يسمح المقام بشرحها، لكنها لا تخفى على المتابع الحصيف!!وهذا ما يفسّر ـ كما يقول د. صبحي الصالح ـ في كتابه [الإسلام ومستقبل الحضارة]، "لماذا سايرت العلمانية وما انفكت تساير عدداً من الأيديولوجيات، ولماذا تقف أحياناً كثيرة إلى جانب اليمين، بل حتى اليمين المتطرف، وإن توهم الناس أنها لا تلتقي إلا مع أقصى اليسار! ".ولذلك فإن العلمانية لم تكن حركة منافحة عن الديمقراطية، وإنما كانت أقرب إلى الفكرة الانتهازية التي تبرر ما يفرضه الواقع القائم، ودليلنا على ذلك أن العلمانية في تركيا الكمالية، غير العلمانية في أوروبا التي خرجت منها أساسا، وعلمانية الولايات المتحدة، غير علمانية روسيا وشرق أوروبا، بل إن العلمانية في بريطانيا غير العلمانية في فرنسا، والشواهد متوافرة لا يتسع المقام لسردها.في مقال الكاتب أيضاً إشارة إلى أن محمد عابد الجابري، ربط العلمانية بالإلحاد، وقوله إن العلمانية إنما "أريد بها التعبير عن حاجات معيّنة بمضامين غير متطابقة مع تلك الحاجات"، لكن هذا الاقتباس مخالف، مفهوما وطرحا، لما قاله هذا الكاتب، فالجابري يقصد أن نزعة التتريك قابلتها ردة فعل من جانب المسيحيين العرب بالدعوة إلى العلمانية. والجابري يرى أن مطالب الاستقلال موضوعية، لكن أن تتوجه إلى الديمقراطية والعقلانية، وليس إلى العلمانية، لأنه لا توجد كنيسة في الإسلام لفصلها. ولا أدري لماذا قوّل هذا الكاتب محمد عابد الجابري ما لم يقله أبداً، سواء في هذا الكتاب أو في كتبه السابقة التي أشار فيها أيضا إلى قضية العلمانية. بل إن هذا الكاتب اجتزأ بعض الفقرات وترك بعضها الآخر، فالجابري يقول بعد الفقرة التي اقتبسها: "إن الحاجة إلى الاستقلال عن "الترك" في إطار هوية قومية واحدة، والحاجة إلى الديمقراطية التي تحترم حقوق الأقليات، والحاجة إلى الممارسة العقلانية للسياسة، هي حاجات موضوعية فعلاً، إنها مطالب، كانت ولا تزال، مطالب معقولة وضرورية في عالمنا العربي، ولكنها تفقد معقوليتها وضروريتها، بل مشروعيتها أيضاً عندما يعبّر عنها بشعار ملتبس، كشعار "العلمانية"، من أجل هذا نادينا، منذ الثمانينيات من القرن الماضي بضرورة استبعاد شعار "العلمانية" من قاموس الفكر العربي وتعويضه بشعاري "الديمقراطية" و"العقلانية"، فهما اللذان يعبّران، تعبيراً مطابقاً، عن حاجات المجتمع العربي". فأين هي مقولة الجابري للعلمانية بأنها مرتبطة بالإلحاد؟!التجربة الإسلامية إذن مختلفة تماما عن تلك التجربة في الغرب، فالإسلام كما يشير الباحث حسين أحمد أمين في كتابه [دليل المسلم الحزين]، (وهو بالمناسبة لم يكن يعادي العلمانية في كتاباته)، قال إن الإسلام في صدره لم يعرف كنيسة أو نظام رجال الدين، ولا كانت في دولته وقتها طبقة منهم متميزة عن غيرها. فالأمور الدينية والدنيوية واحدة لا تمايز بينها. وإمام الجماعة في الصلاة هو قائدها في الحرب. ولا اختلاف في زي يحكمه اختلاف المنصب، والقرآن كتاب مفتوح، بلسان عربي مبين، بوسع الكافة أن تقرأ فيه. ولا كان ثمة من ادعى أن التفسير حكر عليه. وكان النظر في علوم الدين مرحبا به، مشجعا عليه. كما كان الاجتهاد في أموره متاحا لكل من قدر عليه، كذلك كان الإسلام أكثر الأديان اتفاقا مع المنطق والعقل وطبائع البشر، وكانت تعاليمه أقل التعاليم حاجة إلى الدخول في صراع مع النتائج التي تتوصل إليها العلوم. وبالتالي فإن السلطة في دولته لم تسع إلى الحد من حرية العلماء في أبحاثهم، ولا كانت تتكل بهم دعوى خطر ثمار علمهم على العقيدة".فليس صحيحاً أو منطقيا أن تربط العلمانية بالديمقراطية، فالعلمانية مسألة غربية تاريخية لظرف الصراع بين الكنيسة ورجال التنوير، لكن عالمنا العربي الإسلامي لم يوجد فيه مثل هذا الصراع تاريخيا ولم تشن حرب على العلم والتطور والتقدم، وتلك قضية تستحق الفرز والانتقاء والمراجعة.

1622

| 04 يناير 2015

حركة التاريخ وتحولاته وغياب التحليل العميق

الأحداث والتحولات الرهيبة التي عصفت بالعالم ولا تزال، والمتغيرات الفكرية في حياة هذه الشعوب جديرة بالتأمل، لأنها حقيقة ذات أبعاد كبيرة وانعكاسات ربما تكون إيجابية أو غير ذلك تمشياً مع المفاهيم والمعايير التي تحدد مسار هذه المتغيرات.. فمن كان يتصور على سبيل المثال أنه خلال أقل من نصف قرن من حركة التاريخ، أن ألمانيا ستتوحد مرة أخرى بعد الزلزال الذي حدث في شرق أوروبا في أواخر القرن الماضي، أو أن المتغيرات نفسها في الاتحاد السوفييتي ـ سابقا ـ ستؤدي إلى ما أدت إليه من ظروف تصل إلى تفكك هذه الدولة العظمى وتراجعها عن مكان الصدارة، أو أن الولايات المتحدة ستتعرض لهجمات في سبتمبر 2001 في قلب مدنها الكبرى تقلب الكثير من المفاهيم والأفكار والنظريات في قدرة هذه الدولة المعلوماتية وإمكاناتها العسكرية في القرن الحادي والعشرين.ومن يظن قبل ذلك أن اليابان التي هزمت في الحرب الكونية الثانية ستعود أكثر قوة، اقتصادياً وتكنولوجياً، من أوروبا المنتصرة في جوانب عديدة بينما تظل أمم أخرى من العالم تعاني من التخلف والتبعية في عالمنا الراهن على المستويين الحضاري والسياسي والفكري ومن كان يشك في أن إسبانيا "التي ورثت عنفوان الحضارة الإسلامية وأضافت إليها دفعة جغرافية وعسكرية أوصلتها وشقيقتها البرتغال إلى أطراف العالم ووضعت أيديهما على مشارق الأرض ومغاربها ستؤولان بعد عقود عديدة من الزمن إلى أن تكونا في ذيل الحضارة الغربية المعاصرة وفي خطوطها الخلفية، بحيث إن أحداً لا يكاد يرى لهما أي دور في ميادين هذه الحضارة، بل من كان يشك في أن الإمبراطورية البريطانية التي عرفت باتساع مستعمراتها المترامية الأطراف وقوتها وامتداداتها في الربع الثاني من هذا القرن ستتراجع إلى الوراء قليلاً في مدى لا يزيد على عقد أو عقدين ثم تدخل في دوامة الأزمات السياسية والاقتصادية المتعددة.من يظن أن الربيع العربي سيعصف بحكام ورؤساء، وسيقلب أمورا رأسا على عقب، سياسيا وفكريا، وستختفي الأنظمة القائمة في العديد من الدول، وتأتي بأنظمة أخرى مخالفة لها في الفكر والرؤى.. إلخ.كل هذه الظروف قد تكون خافية على الكثير من المحللين، لأنه ليس بإمكان أي مفكر أو باحث أن يحكم سلفاً حكماً إيجابياً يحدد تحديداً جازماً بما ستؤول إليه حضارة معينة أو مجتمع معين في فترة يقدرها حسب توقعاته، لأن ذلك أقرب إلى التخمين.يقول الرئيس الأمريكي السابق ريتشارد نيكسون في كتابه الذائع الصيت "انتهزوا الفرصة" يجب علينا أن نقلل من أهمية عدم القدرة على التنبؤ بمجريات... فالقائلون "بنهاية التاريخ"ـ ويقصد ما قاله فرانسيس فوكوياما في الكتاب الذي أصدره عام 1992ـ قد ثبت أنهم على خطأ فقبل حوالي مائتي عام تكهن "أيما نويل كانت" "بسلام دائم" وشيك كنتيجة لانتشار الديمقراطية في العالم، لكن ظهور الشيوعية والفاشية والنازية كانت مفاجأة بلبلت نبوءته، نحن لا نستطيع أن نقلل من احتمال أن تفعل الشيء نفسه من جديد كما لاحظ بول جونسون، "أن أحد دروب التاريخ هو أنه لا توجد حضارة أبدية وأن خلودها لا يمكن ضمانه وهناك دائماً عصر مظلم ينتظرك عند الزاوية فإذا لعبت أوراقك بصورة سيئة فإنك سترتكب ما يكفي من الأخطاء".لا جدال أن القيم المعاصرة في إطارها الواقعي تركز في موضوعها على العلاقات المصلحية والتبرير "البرجماتي" العملي فحصرت الأهداف والتوجهات في هذه الزاوية وتكاد لا تبرح عن مضمونها، حيث نقيم في أسر الحيز والنسبية، الأمر الذي يعوق مسيرة الحركة الحضارية وتوازنها الخلاق ويؤول بها إلى التدهور والسقوط.ويقول في هذا الجانب المهم الدكتور عماد الدين خليل: "إن القرآن الكريم يرسم خطاً جديداً في تصويره للعلاقة بين الإنسان والعالم، خطاً يقوم على الوئام والانسجام وبين الوفاق والتجانس وبين الجبرية والفردية وبين الفعل والتأمل ما دام الإنسان مزيجاً معقداً بين الروح والجسد، فإن تلاؤم هذين الجانبين وما يتفرع عنهما من قوة وطاقات هو الوضع الطبيعي الذي يمكن الإنسان من بذل الحد الأقصى لطاقاته وقدراته وبالتالي تسيير العجلة الحضارية بسرعة أكبر وإنجاز أبدع وأن الصراع بين هذين الجانبين أمر شاذ يؤول إلى تفكيك وحدة البشرية وتمزيقها، الأمر الذي ينعكس بالضرورة على الفاعلية الجماعية فيصيبها بأكثر من خلل يعرقل مسيرتها الحضارية".فلذلك يرى "أنه بمجرد أن نتفهم الأبعاد الحقيقية لمسألة "التوازن" فنضع أيدينا على أحد المفاتيح الأساسية لتفسير جانب كبير من تواريخ الأمم والشعوب والجماعات والحضارات أيضاً، أنه حينما افتقد الإنسان فرداً أو جماعة توازنه في أمة أو حضارة ما حيثما حل محله "الانحراف" كبديل لا مفر منه".والولايات المتحدة تسعى إلى صياغة تاريخ جديد للشرق الأوسط وفق رؤيتها وبرامجها وأهدافها دون أن تستفيد من تجارب التاريخ ومتغيراته الذي عصف بالعديد من دول العالم عندما نهجت أسلوب القسر والفرض على الشعوب. وتلك نظرة قاصرة أثبت عقمها وفشلها، بل ربما يعجل بانهيار النموذج المستبد، وهذا ما تريده الولايات المتحدة، عندما أعربت أن هدفها بعد الانتهاء من حرب العراق السعي إلى صياغة نموذج جديد للمنطقة العربية، ولم تتوقف عند هذا الحد، بل إنها أرادت أن تتقبل الدول الأخرى، حتى الكبيرة منها ما تريده وما تسعى إليه، دون معارضة أو رفض، وما يجري في مجلس الأمن ـ هذه الأيام ـ لهو شاهد على تلك النظرة الأحادية في تعاملها وتعاطيها في المسألة العراقية وغيرها من المشكلات العالقة وإن كانت المياه تجري في غير صالحها حتى في بؤر التوترات. فهل يعيد التاريخ نفسه؟ أم أن الحضارات هي التي تتراجع وتنكمش لأسباب لا مجال لسردها الآن، ومن ثم تعود أحداث التاريخ بنفس الوتيرة السابقة؟ فنتوهم أن التاريخ يعيد نفسه وهو ليس كذلك، وفي تلك عبر كثيرة جديرة بالتأمل والمراجعة.

903

| 21 ديسمبر 2014

الخطاب الأميري... مسؤوليتنا جميعًا
الخطاب الأميري... مسؤوليتنا جميعًا

حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده...

2535

| 16 أكتوبر 2026

محترفون بالاسم فمن المسؤول عن الاختيار؟
محترفون بالاسم فمن المسؤول عن الاختيار؟

في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة...

2322

| 15 أكتوبر 2026

حين تصبح الأمانة واجباً قانونياً
حين تصبح الأمانة واجباً قانونياً

قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره...

1191

| 11 أكتوبر 2026

خطاب سمو الأمير.. ما وراء استمرار الحياة
خطاب سمو الأمير.. ما وراء استمرار الحياة

قد يكون من أهم إنجازات الدولة خلال الأزمات...

1092

| 14 أكتوبر 2026

كبار القدر بين التكريم والتصنيف
كبار القدر بين التكريم والتصنيف

شخصيًا ما زلت أرى ضبابية وعدم وضوح في...

1041

| 15 أكتوبر 2026

عتابٌ من الجهة الأخرى!
عتابٌ من الجهة الأخرى!

أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين...

681

| 12 أكتوبر 2026

كانو وستة أجيال: قواعد بقاء الشركة العائلية
كانو وستة أجيال: قواعد بقاء الشركة العائلية

حين يطلب أحد أبناء العائلة منصبًا إداريًا في...

603

| 18 أكتوبر 2026

قبل أن يولد الطفل الثالث
قبل أن يولد الطفل الثالث

■تكوين الأسرة والإنجاب في الخليج يبدآن من الزواج...

600

| 13 أكتوبر 2026

من مكتبة الإسكندرية إلى مكتبة قطر الوطنية
من مكتبة الإسكندرية إلى مكتبة قطر الوطنية

-الأمير الوالد كان يتطلع إلى مكتبة وطنية تليق...

588

| 11 أكتوبر 2026

جريمة على مطار الرياض
جريمة على مطار الرياض

كيف يتحمل القلب مشهد صالة المسافرين رقم (٤)...

528

| 18 أكتوبر 2026

الدروس الخصوصية… وتأثيرها على الحصص الدراسية
الدروس الخصوصية… وتأثيرها على الحصص الدراسية

يُفترض أن تكون الحصة الدراسية المكان الأول الذي...

483

| 11 أكتوبر 2026

الناس أمام الابتلاءات
الناس أمام الابتلاءات

لم يخلق الله عز وجل هذه الدنيا لنخلد...

468

| 15 أكتوبر 2026

أخبار محلية