رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تصادف بعد أيام قلائل مرور 14 عاماً على هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، على كل من واشنطن ونيويورك، التي اتهم فيها تنظيم القاعدة بتدبيرها، والذي يعتبر تاريخاً جديداً من المواجهة غير التقليدية المعتادة مع الولايات المتحدة، ثم قيامه ببعض الهجمات على إسبانيا والمملكة المتحدة بدعوى مشاركتهما في الحرب على أفغانستان والعراق، وهو ما يعني أن المواجهة غير التقليدية قامت لمدة عقد مع القاعدة، وما تزال، وانتهت باغتيال أسامة بن لادن، زعيم التنظيم، وبعض معاونيه، في باكستان منذ عدة أشهر، والحقيقة أن هذه الهجمات كان لها الكثير من الانعكاسات السلبية على العرب والمسلمين في الغرب وفي غيرها من الدول بسبب هذه الهجمات التي أصابت الأبرياء وأحدثت شرخا بين الشعوب بغض النظر عن السياسات التي تنتهجها بعض الدول الغربية ونختلف معها. صحيح أن الإرهاب ظاهرة عالمية، وليست خصيصة إسلامية كما يبدو للبعض من أصحاب الأحكام الجاهزة أو النظرة المسبقة تجاه العرب والمسلمين، خاصة من بعض المحافظين الجدد في الولايات المتحدة ـ في فترة حكمهم ـ الذي حاولوا مع اللوبي الإسرائيلي اتهام الإسلام ذاته وتعاليمه، وتجريم كل المسلمين ووصمهم بالإرهاب والتطرف والغلو مع علمهم أن الإرهاب الذي يطال الأبرياء مدان من غالبية المسلمين وأعلنوا رفضهم وإدانتهم له، وهذا ما حصل لتفجيرات لندن الإرهابية بعد ذلك. والإشكالية أن بعض الغربيين ـ وبعضهم من أصحاب النفوذ في صناع القرار في الغرب ـ استثمروا هذه الأعمال المرفوضة وأصبحوا وركزوا على دين الإسلام نفسه بالتشويه والاتهام والتخويف وهذه القضية تثير التوجس من آراء هؤلاء الخبيثة مع أنهم يعرفون أن هذه الهجمات مدانة من المسلمين وكانوا أيضا من ضحايا هذا الإرهاب في الرياض وجدة والقاهرة وشرم الشيخ وفي أماكن كثيرة حدثت. ويبدو أن هذه التصريحات في اتهام الإسلام التعميم الغريب على أهله لم تنطلق عن جهل بحقائق الأمور، أو عدم القصد، أو زلة لسان، لكنها تصريحات مقصودة لتوصيل رسالة بخلفية أيديولوجية، من خلال الإساءة إلى العرب والمسلمين، في ظل الاتهامات والإشارات الموجهة إليهم بالإرهاب والتطرف والظلامية والأصولية، وهي اتهامات بالطبع ليست جديدة على خلفية تفجيرات نيويورك وواشنطن وكذلك مدريد ولندن، بل إنها قديمة ومستهلكة، لكن يتم استعادتها بسهولة كلما جاءت نازلة هنا وهناك، لكونها نمطية وجاهزة للعرب والمسلمين. وهذا التجريح الإساءة للإسلام وحضارته فهذا ـ كما قلنا ـ ليس جديداً، لكن الإشكالية تكمن في دلالات توقيته المشحون بأزمة التفجيرات وآثارها. وهذا ما يدل على القصدية الدافعة لهذا التصريح. لكن هل هذا هو الرأي الغالب في الغرب تجاه الإسلام وحضارته، وبهذه النظرة الشوفينية والدونية؟ لاطبعا. والدليل على ذلك هو وجود الإسلام نفسه في الغرب كجزء منه منذ أمد طويل، أولاً في إسبانيا، ثم في البلقان، وكذلك مساهمته في حضارة الغرب. والذي يدعو للأسف أننا دائما محل الاتهام، وهو البادئ بالهجوم علينا منذ قرون ليس بغزو واحتلال فحسب، بل أيضاً بتوجيه الاتهامات التي ما أنزل الله بها من سلطان. فهذا الدين في نظره دين عنف وإرهاب، واحتقار للمرأة، وضد الحرية والتعددية، محاربة العقل والإبداع. ولا يعترف بحقوق الإنسان، ويناهض الديمقراطية والرأي الآخر، ويخلط بين الدين والدنيا، وهو ما يجعل التطرف والغلو ينمو عند البعض، مع هذه المعايير والمقاييس غير العادلة واختلط عليها الأمر ولم تعد تفرق بين الصواب والخطأ. وهذه القائمة الطويلة من الاتهامات نجدها منتشرة في الكتابات الصحفية، وعند أقلام الباحثين، وعلى ألسنة السياسيين، ثم يرددها رجل الشارع في الغرب، مما يدل على أنها أيديولوجيا موجهة قوامها الإساءة للإسلام وإسناد أسوأ الصفات به ابتداءً بفولتير وانتهاءً ببيرلسكوني، وما هذه كلمة العقلانية المنصفة إلا لتحجيم هذه الحملة المغرضة التي قد تخلق الكثير من الأحقاد والعداء، وخاصة أن المسلمين أصبحوا بالملايين كمواطنين في المجتمع الغربي. صحيح أن هناك الكثير من الموروث السلبي بيننا وبين الغرب، لكن معظم هذا الموروث خضع لمغالطات وأحكام غير دقيقة سيما من الغرب. لكن المسيحية الكنسية في الغرب وشريحة مؤثرة من مؤسسات صناعة القرار، لا تقابل إلى الآن نظرة العرب والمسلمين للمسيحية ونبيها، بنفس النظرة العادلة والفهم الإيجابي للرسول (ص) والديانة الإسلامية.. والأخطر في الظروف الراهنة هي في تعميم الاتهام للعرب والمسلمين، وتأجيج المشاعر، وترديد مقولات التهديد الإسلامي، واتهامهم بالإرهاب المتأصل في عقلياتهم خاصة على العرب والمسلمين في الغرب الذين أصبحوا تحت المجهر والتوجس والمراقبة وتضخيم ما يقومون به من آراء ونشاطات معينة تندرج تحت الحرية والديمقراطية وقد قرأت لبعض الكتاب العلمانيين مقالة بعنوان (لا حرية لأعداء الحرية) !! وهو ما يعني حرية المسلمين في الغرب أو بعضهم، مع القانون هو الفيصل والذي يستطيع تجريم الأفعال من تبرئتها، والقضاء في الغرب معروف بنزاهته في الغالب الأعم، فأي موقف سلبي يصدر من بعض العرب على وجه الخصوص، وإن كان لا يمثل الغالبية منهم، فإن بعض دوائر ومؤسسات صناعة القرار في الغرب، تستعيد فوراً مقولة الخطر الإسلامي، وحتمية صدام الحضارات التي أطلقها صامويل هنتنغتون في القرن الماضي . فالقتل العشوائي مدان من الكل من حيث المبدأ الذي يتفق عليه الجميع. فإن هذا الفعل لا يقره الإسلام، ولا تجيزه القيم الدينية أو الأعراف الأخلاقية، ولن يحقق أهدافاً إن كان أصحابه يهدفون إلى شيء من فعلتهم هذه. إلى جانب أن هذه الأعمال سوف يضر بالقضايا العربية والإسلامية، ويزيد المتاعب للجاليات والمواطنين المسلمين في شتى أنحاء العالم الغربي. وقد بدأت في المملكة المتحدة الكثير من القوانين واللوائح التي سوف تساهم في تقليل النشاط الدعوي والاجتماعي والحريات العامة نتيجة هذه الأعمال الإرهابية التي نالت الأبرياء، واستفادت منها الدول نفسها لأسباب عديدة، وكذلك اللوبي الصهيوني الذي كان يحذر الغرب من وجود المسلمين على أراضيه، وتحقق لهم ما كان يهدفون إليه. بعد عقد على هذه الهجمات، لابد من المراجعة العقلانية لما حصل بعد هذه الهجمات، فلا استفاد تنظيم القاعدة من هذه الهجمات المرفوضة على الأبرياء، ولا الولايات المتحدة أصابت في حروبها انتقاما من هذه الهجمات، لذلك يجب على أهل العقول النيرة والحصيفة المراجعة في كوكبنا أن تناقض قضايا العدل، التوازن، والحقوق الإنسانية، ففي غياب هذه المعايير فإن الحروب والتوترات ستظل قائمة وستزيد في غيابها وإهماله، لكن للأسف أن التوترات والصراعات لم تعد قائمة بيننا وبين الغرب، فقد أصبحت الصراعات والحروب داخلية بيننا، بفعل التطرف والغلو نفسه اتهمه الغرب، وهذا يعني أن خللا كبيرا لا يزال مستحكما في بنيتنا الفكرية.. وللحديث بقية.
289
| 06 سبتمبر 2015
لاشك أن عالم اليوم أصبح قرية عالمية متداخلة مع العوالم الأخرى القريبة منها والبعيدة، ومع الفضاء المفتوح بثورته المعلوماتية الضخمة، ويستقطبها الملايين عبر "فيسبوك" و"تويتر"، والصحف الإلكترونية، والتي أصبحت مفروضة، ولا خيار لنا في القبول بأطروحاتها أو عدم القبول، فإن هذه المرحلة بعيداً عن التعريفات والمصطلحات تعني إلغاء الحدود القومية، وتعميم مفاهيم العولمة، ونقل نطاقها إلى أقصى حد من العمومية دون رقابة أو حجب، وفي فضاء مفتوح ومتاح كونياً للعالم، ومن هذا المنطلق الإعلامي العربي بصورة عامة، والإعلام الخليجي بصورة خاصة سيتأثر بلا شك من هذه التطورات المتسارعة، وذلك أن تقنية الاتصال المعاصرة تسمح للفرد بالانفتاح على مجالات إعلامية وثقافية متعددة دون أن يكون خاضعاً لمشيئة الدولة وسياساتها الإعلامية والثقافية، هذا الانفتاح وما يقابله من تدفق معلوماتي مقصود تجاه المشاهد ـ المستقبلين ـ لا بد أن يؤثر إلى الدرجة التي يمكن معها المستقبل أن يرتبط برصيد معرفي مشترك مع المصدر "الآخر" القوي، مصدر قد يؤثر في سلوكه وتفكيره أكثر من ذلك المتعلق بهويته الأصلية. ولعل أخطر هذه التحولات ما يقوم به الإعلام في تشكيل أنماط معينة من السلوك الإنساني وتهميش أنماط أخرى من خلال لغة الصورة ورموزها، تحولات أدركت بموجبها الدول المتقدمة أهمية الأدوار التي يمكن أن يقوم بها الإعلام كبديل لممارسة الديمقراطية خصوصاً بعد أن احتلت وسائط الاتصال المساحة المخصصة لممارسة الفعل الديمقراطي، إذ أصبحت هذه المساحة هي ذاتها المخصصة للإعلام، ولذلك لم يعد الإعلام يمثل السلطة الرابعة، بل أصبح يشغل المجال الشفاف بين الفعل السياسي والثقافي ورد الفعل الجماهيري ويعتقد العديد من المهتمين بتأثيرات العولمة الفكرية والثقافية أن هذه التطورات الكبيرة في وسائل الاتصال والإعلام سوف تجعل العالم يتغير كثيراً ويتفاعل مع الثقافات الأخرى بحكم هذا التطور المعلوماتي والإعلامي المتسارع. إن التوقعات المقبلة أن يتوسع عالم المعلوماتية وعولمة الإعلام بحيث تنافس الدولة في بعض صلاحياتها لاسيَّما مجال الإعلام وتأثيره في الرأي العام وقدرته وإمكاناته التكنولوجية على الاختراق الكوني حد الانتقاص من السيادة الوطنية، بحيث إن الشبكات الهائلة من علاقات القوة والهيمنة ستعمل من خلال الشركات العابرة للقارات، وغطاء منظمة التجارة العالمية، وغيرها من المؤسسات الاقتصادية على الاختراق السيادي، وعلى الأخص الاختراق الإعلامي المعلوماتي، ويذكر جوزيف ناي ـ وهو مسؤول سابق في البنتاجون وعميد معهد كينيدي في جامعة هارفارد حالياً ـ في مقال كتبه بالاشتراك مع وليم جونز ونشرته مجلة " الشؤون الخارجية " في عدد أبريل من العام 1996 " كيف أنه سيكون من السهل على أمريكا أن تسيطر سياسياً على العالم في المستقبل القريب، وذلك بفضل قدرتها التي لا تضاهى في إدماج النظم الإعلامية المعقدة". ويبيّن صاحبا وجهة النظر الأميركية هذه إلى أي مدى تأثرت مفاهيم السيادة القومية تحت وطأة الاختراق الإعلامي عبر شبكات التلفزة الفضائية والإنترنت. حيث لم يعد بإمكان الدول ذات السيادة التقليدية أن تحجب عن فضاءاتها الغزو الثقافي والإعلامي؛ الأمر الذي كانت توفره إجراءات سيادية تقليدية من مثل إغلاق بوابات الحدود الجغرافية في وجه عمليات الغزو الآتية من الخارج، حتى أن عدداً من الخبراء الإنجليز راحوا يصفون هذه الظاهرة العالمية بـ "القوة الناعمة" التي تستطيع أن تحقق غاياتها الاستعمارية على نطاق واسع دون أن تخلق ردات الفعل الكلاسيكية الثورية من جانب الشعوب التي تتعرض كرامتها القومية للمهانة وسيادتها للانتهاك وأرضها للاحتلال. بل إن البعض من الباحثين يرى أن التأثيرات على السيادة الوطنية لا تتحدد بالمجال الإعلامي والمعلوماتي والاقتصادي، بل يتعدى ذلك إلى مجالات أخرى أكثر خطورة وهي المجال الثقافي والهوية القومية، من خلال القدرة على خلق سلوكيات ومفاهيم جديدة ربما تناقض ما هو ثابت ومستقر.. صحيح أن التكنولوجيا الإعلامية ـ كما يشير الباحث سويم العزي ـ قربت بين أصقاع العالم وسكانه من خلال تزويدهم بالمعلومات والمعطيات، موفرة للجميع فرص التعلم والتثقف ضمن إطار تطوير المجتمع الإنساني. ولتحقيق هذا التطور، تقوم الثقافة التي تنشرها التكنولوجيا برسم وتخطيط الشخصية وهوية الإنسان. ولكونها ثقافة كونية لا تتحدد بإقليم ما أو دولة معينة، فإنها تخلق الإنسان الكوني، فتدخل بهذا الشكل في تعارض مع كل خصوصية أو أصولية، أساس ذلك التعدد والاختلاف في ثقافات الأجناس والشعوب، فتفرض بهذه الطريقة نمط تفكيرها الذي يمكن وصفه بالأحادي البعد. لكن البعض الآخر يختلف مع هذه الرؤى المتداولة ويعتقد أن هذا الجديد الوافد سيصب حتماً في صالح الشعوب الأخرى التي لا تملك الكثير من المقومات الاقتصادية أو الاجتماعية أو التكنولوجية، إلى جانب أن هذا التطور سيساهم في إزالة مشاعر الاختلاف بينها، ويقوي قواعد التضامن الإنساني، إلا أن إيجابية هذا التطور يثير الخشية من موت ثقافات المجتمعات التي تبدو مقارنة بالثقافة الكونية، متخلفة وغير قادرة على إشباع الحاجات الأساسية للإنسان، علماً بأن فعالية أي ثقافة جديدة في إحلال قيمها محل القيم السائدة واتخاذها مصدراً للتصرف، يتوقف على قدرة نظامها الاقتصادي على إشباع الحاجات الأساسية وتزويد الأفراد بالتعويض. ولما كانت الثقافة الكونية ثقافة غربية الأصول، لأن مصدرها الدول الغنية مالكة التكنولوجيا، فإن تغلغل قيمها في عالم الجنوب يبدو أمراً حتمياً، إن لم تحاول ثقافات عالم الجنوب التصدي لها من خلال تطوير قواعدها العلمية والتقنية، ولا شك أن هذه الثورة المعلوماتية والتبادل الحر للإعلام في عالم اليوم سيقلص بشكل أو بآخر من تأثير الدول والحكومات العربية على وسائل الإعلام بصورة كبيرة، وسيسهم في بلورة مفاهيم جديدة لهذا الإعلام المتدفق الحر وإذ كان بمقدور بعض الدول أن تحد في الوقت الراهن وبصورة جزئية من التدفق الإعلامي والمعلوماتي القادم إليها الخارج، فإن هذه القدرة سوف تتراجع إلى حد كبير وقد تنعدم في المستقبل، خاصة في ظل وجود العشرات من الأقمار الصناعية التي تتنافس على الفضاء، كما أن توظيف التكنولوجيا الحديثة في عمليات التبادل التجاري والمعاملات المالية يحد من قدرة الحكومات على ضبط هذه الأمور، مما سيكون له تأثيره بالطبع على سياساتها المالية والضريبية وقدرتها على محاربة الجرائم المالية والاقتصادية. وبالإضافة إلى ما سبق، فإن القوة الاقتصادية والمالية التي تمثلها الشركات متعددة الجنسية، خاصة مع اتجاه بعضها نحو الاندماج والتكتل في كيانات أكبر، إنما تسمح لها بممارسة المزيد من الضغط على الحكومات، وبخاصة في العالم الثالث، والتأثير على سياساتها وقراراتها السيادية، وليس بجديد القول إن رأسمال شركة واحدة من الشركات العالمية العملاقة يفوق إجمالي الدخل القومي لعشر أو خمس عشرة دولة إفريقية مجتمعة، وهو ما يجعل هذه الكيانات في وضع أقوى من الدول، وسيصحب هذا التدفق الإعلامي والمعلوماتي اختلال واضح للتوازن بحكم الفارق الكبير بين قدرات الدول المتقدمة وإمكاناتنا العربية الإعلامية والتكنولوجية، والمخرج الإيجابي الذي نعتقده هو الانفتاح الإعلامي (الرسمي الحكومي) على وجه الخصوص، أن يتفاعل مع الجديد القادم واستيعاب النظم المتطورة وإدماجها في وسائلنا الإعلامية وتأهيل الكوادر الوطنية، وإعطاء المساحة للحرية الإعلامية في مجال التناول والنقاش في قضايانا، وهذا هو الرهان الذي تم الاستناد إليه في مواجهة هذا الاختراق الإعلامي الكبير.
1040
| 30 أغسطس 2015
التغييرات والتحولات الرهيبة التي عصفت بالعالم ولا تزال، والمتغيرات الفكرية في حياة هذه الشعوب جديرة بالتأمل لأنها حقيقة ذات أبعاد كبيرة وانعكاسات ربما تكون إيجابية أو غير ذلك تمشياً مع المفاهيم والمعايير التي تحدد مسار هذه المتغيرات.. فمن كان يتصور على سبيل المثال أنه خلال أقل من نصف قرن من حركة التاريخ، أن ألمانيا ستتوحد مرة أخرى بعد الزلزال الذي حدث في شرق أوروبا في أواخر القرن الماضي، أو أن المتغيرات نفسها في الاتحاد السوفييتي ـ سابقا ـ ستؤدي إلى ما أدت إليه من ظروف تصل إلى تفكك هذه الدولة العظمى وتراجعها عن مكان الصدارة، أو أن الولايات المتحدة ستتعرض لهجمات في سبتمبر 2001 في قلب مدنها الكبرى تقلب الكثير من المفاهيم والأفكار والنظريات في قدرة هذه الدولة المعلوماتية وإمكاناتها العسكرية في القرن الحادي والعشرين. ومن يظن قبل ذلك أن اليابان التي هزمت في الحرب الكونية الثانية ستعود أكثر قوة اقتصادياً وتكنولوجياً من أوروبا المنتصرة في جوانب عديدة بينما تظل أمم أخرى من العالم تعاني من التخلف والتبعية في عالمنا الراهن على المستويين الحضاري والسياسي والفكري ومن كان يشك أن إسبانيا التي ورثت عنفوان الحضارة الإسلامية وأضافت إليها دفعة جغرافية وعسكرية أوصلتها وشقيقتها البرتغال إلى أطراف العالم ووضعت أيديهما على مشارق الأرض ومغاربها ستؤولان بعد عقود عديدة من الزمن إلى أن تكونا في ذيل الحضارة الغربية المعاصرة وفي خطوطها الخلفية بحيث أن أحداً لا يكاد يرى لهما أي دور في ميادين هذه الحضارة، بل من كان يشك في أن الإمبراطورية البريطانية التي عرفت باتساع مستعمراتها المترامية الأطراف وقوتها وامتداداتها في الربع الثاني من هذا القرن ستتراجع إلى الوراء قليلاً في مدى لا يزيد على عقد أو عقدين ثم تدخل في دوامة الأزمات السياسية والاقتصادية المتعددة. من يظن أن الربيع العربي سيعصف بحكام ورؤساء، وسيقلب الأمور رأساً على عقب سياسياً وفكرياً، وستختفي الأنظمة القائمة في العديد من الدول، وتأتي بأنظمة أخرى مخالفة لها في الفكر والرؤى إلخ.. كل هذه الظروف قد تكون خافية على الكثير من المحللين لأنه ليس بإمكان أي مفكر أو باحث أن يحكم سلفاً حكماً إيجابياً يحدد تحديداً جازماً بما ستؤول إليه حضارة معينة أو مجتمع معين في فترة يقدرها حسب توقعاته لأن ذلك أقرب إلى التخمين. يقول الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون في كتابه الذائع الصيت (انتهزوا الفرصة) يجب علينا أن نقلل من أهمية عدم القدرة على التنبؤ بالمجريات.. فالقائلون "بنهاية التاريخ"ـ ويقصد ما قاله فرانسيس فوكوياما في الكتاب الذي أصدره عام 1992ـ قد ثبت أنهم على خطأ فقبل حوالي مائتي عام تكهن "أيما نويل كانت" "بسلام دائم" وشيك كنتيجة لانتشار الديمقراطية في العالم لكن ظهور الشيوعية والفاشية والنازية كانت مفاجأة بلبلت نبوءته نحن لا نستطيع أن نقلل من احتمال أن تفعل الشيء نفسه من جديد كما لاحظ بول جونسون "أن أحد دروب التاريخ هو أنه لا توجد حضارة أبدية وأن خلودها لا يمكن ضمانه وهناك دائماً عصر مظلم ينتظرك عند الزاوية فإذا لعبت أوراقك بصورة سيئة فإنك سترتكب ما يكفي من الأخطاء". لا جدال أن القيم المعاصرة في إطارها الواقعي تركز في موضوعها على العلاقات المصلحية والتبرير "البرجماتي" العملي فحصرت الأهداف والتوجهات في هذه الزاوية وتكاد لا تبرح عن مضمونها حيث نقيم في أسر الحيز والنسبية الأمر الذي يعوق مسيرة الحركة الحضارية وتوازنها الخلاق ويؤول بها إلى التدهور والسقوط. ويقول في هذا الجانب المهم الدكتور عماد الدين خليل "إن القرآن الكريم يرسم خطاً جديداً في تصويره للعلاقة بين الإنسان والعالم خطاً يقوم على الوئام والانسجام وبين الوفاق والتجانس وبين الجبرية والفردية وبين الفعل والتأمل مادام الإنسان مزيجاً معقداً بين الروح والجسد فإن تلاؤم هذين الجانبين وما يتفرع عنهما من قوة وطاقات هو الوضع الطبيعي الذي يمكن الإنسان من بذل الحد الأقصى لطاقاته وقدراته وبالتالي تسيير العجلة الحضارية بسرعة أكبر وإنجاز أبدع وأن الصراع بين هذين الجانبين أمر شاذ يؤول إلى تفكيك وحدة البشرية وتمزيقها الأمر الذي ينعكس بالضرورة على الفاعلية الجماعية فيصيبها بأكثر من خلل يعرقل مسيرتها الحضارية". فلذلك يرى "أنه بمجرد أن نتفهم الأبعاد الحقيقية لمسألة "التوازن" فنضع أيدينا على أحد المفاتيح الأساسية لتفسير جانب كبير من تواريخ الأمم والشعوب والجماعات والحضارات أيضاً أنه حينما افتقد الإنسان فرداً أو جماعة توازنه في أمة أو حضارة ما حيثما حل محله "الانحراف" كبديل لا مفر منه". والولايات المتحدة تسعى إلى صياغة تاريخ جديد للشرق الأوسط وفق رؤيتها وبرامجها وأهدافها من دون أن تستفيد من تجارب التاريخ ومتغيراته الذي عصف بالعديد من دول العالم عندما نهجت أسلوب القسر والفرض على الشعوب. وتلك نظرة قاصرة أثبت عقمها وفشلها، بل ربما يعجل بانهيار النموذج المستبد، وهذا ما تريده الولايات المتحدة، عندما أعربت أن هدفها بعد الانتهاء من حرب العراق السعي إلى صياغة نموذج جديد للمنطقة العربية، ولم تتوقف عند هذا الحد بل إنها أرادت أن تتقبل الدول الأخرى حتى الكبيرة منها ما تريده وما تسعى إليه دون معارضة أو رفض، وما يجري في مجلس الأمن ـ هذه الأيام ـ لهو شاهد على تلك النظرة الأحادية في تعاملها وتعاطيها في المسألة العراقية وغيرها من المشكلات العالقة وإن كانت المياه تجري في غير صالحها حتى في بؤر التوترات!. فهل يعيد التاريخ نفسه؟ أم أن الحضارات هي التي تتراجع وتنكمش لأسباب لا مجال لسردها الآن، ومن ثم تعود أحداث التاريخ بنفس الوتيرة السابقة؟ فنتوهم أن التاريخ يعيد نفسه وهو ليس كذلك، وفي تلك عبر كثيرة جديرة بالتأمل والمراجعة.
437
| 23 أغسطس 2015
يرى البعض أن قضية العولمة والفضاء المفتوح، لا خيار لنا فيها ولا نستطيع الرفض، ولا يمكن إلا بالاندماج والتفاعل مع عوالمها المتعددة، لأنها تمثل في أحشائها جوانب ضرورية وأبعادا تكنولوجية وعلمية لا غنى لنا عنها لعصرنا المتغير، مع الاعتراف أن الكثير من الشروط في بعدها الاقتصادي مجحف للكثير من الدول الآخذة في النمو، والدول ذات المصاعب الاقتصادية لأسباب اجتماعية وسياسية وجغرافية. لكن جدل الهوية والانفتاح الثقافي، قضية مختلفة تماماً ولا تندرج في اعتقادنا في مسائل الاقتصاد والسياسة الخاضعين، لمتغيرات وتفاعلات غير ثابتة ضمن تطور الأمم وتجدد احتياجاتها، وتشابك قضاياها المعاصرة، لكن الخطر المتوقع المقبل، أن العولمة وبإمكانياتها الضخمة من تكنولوجيا متقدمة وسائط معلوماتية هائلة تستطيع اختراق الحدود والسدود، وبلا قدرة على المقاومة أو حتى الرفض ضمن شروط العولمة في جانبها الاقتصادي البحت ! ويتحدث الغرب الآن وبتعال أن الحديث عن الهويات الثقافية والخصوصيات الذاتية أصبح كلاماً بالياً عفا عليه الزمن، ولا يمكن الالتفات إليه كطرح يعتد به وأخذه في الحسبان، وعندهم ـ كما يقول د. إبراهيم الحيدري ـ إن من يرفض "قيم" العولمة وعاداتها الاستهلاكية إنما يريد رفض بضائع المدنية الحديثة ووسائل الاتصال وتكنولوجيا المعلومات التي دخلت البيوت، ومجالات العمل والثقافة والحياة الاجتماعية، ومن مظاهرها تداخل عناصرها وتياراتها وتفاعلها مع بعضها الآخر، بحيث لم تعد التجارة والتكنولوجيا حرة وعالمية فحسب، بل والإنتاج والاستهلاك، وأصبح الحديث عن "الثقافة المصنعة" هدف من أهدافها الجديدة. ولا شك أن العصر الراهن هو عصر الهيمنة والقوة الاقتصادية بلا منازع بما تمثله من انفتاح في التجارة والنشاطات الأخرى الهامة وغيرها من الجوانب، أنه مجتمع المعلومات العولمي المتشابك، وهذا بدوره سوف يجر إلى تغير اجتماعي ونفسي يسير بمعطيات مختلفة عما ألفناها من قبل المتمثلة في زيادة القدرات الوظيفية للأنساق الثقافية العالمية من خلال تطور تقنيات الاتصال الجديدة، كالإنترنت والكمبيوتر والجوال وغيرها من الوسائل المعلوماتية الحديثة، وهذه الوسائل سيكون لها الأثر في تشكيل الوعي لدى المتلقين وخاصة النشء الذين يتلقون هذه الوسائل بدون أن يدركوا أبعادها الفكرية وأثرها الاختراقي على العقل والوجدان العربي. وهذه التقنية أيضاً سوف تدخل كمتغير فاعل ومؤثر في عملية التنشئة الاجتماعية، فمن خلالها لم يعد النشء يستبطن الثقافة المحلية ـ كما يقول الباحث عبد القادر عرابي ـ بل ستدخل في تشكيل ثقافات أخرى، فللثقافة الوطنية، ثقافة الدولة والمجتمع، ستواجه الثقافة العالمية بحيث إننا نجد أنفسنا أمام ثقافتين وعالمين مختلفين أو عوالم ثقافية مختلفة، لا تتفاعل مع بعضها البعض بل يسود بعضها البعض، وسوف تتدخل المؤسسات الأجنبية ـ من خلال شروطها ـ في عالم حياتنـا، وتحاول السيطرة عليه واستعماره أو على الأقل تشكيله، وسيقود هذا التدخل إلى مشكلات وتحديات تربوية ونفسية تهدد عمليات التفاعل المفترضة بين الثقافات. وإذا كانت الدولة الوطنية قد احتفظت بخصوصيتها الثقافية إلى حد ما، فإن مجتمع المعلومات قد ضيق هذه الخصوصية والهوية الذاتية، إذا لم يكن ينذر بالقضاء عليها، فالدولة لم تعد في المستقبل هي المصدر الوحيد للمعلومات، كما أنه من المتعذر عليها السيطرة على تدفق المعلومات الهائل وضبطها. وإذا كانت التنشئة الاجتماعية عبرت في الغالب عن علاقة مباشرة بين شخصين أو أكثر، فإن التنشئة اللاشخصية ـ كما يقول عرابي ـ تزداد من خلال تطور تقنيات الاتصال الجماهيري، وتعتبر وسائل الاتصال العالمية وسيلة من وسائل التنشئة الاجتماعية الجديدة التي صارت تنافس الوسائل الأخرى كالأسرة وأولياء الأمور والمدرسة والبيت، وغيرهم من وكلاء التنشئة الاجتماعية، وقد تكون أحياناً أكثر أثراً منهم على الطفل، إذا ما ازداد تعرض الطفل لها، ومع أن الدراسات حول هذه الظاهرة ما تزال قليلة جداً في مجتمعنا العربي، إلا أن أثرها واضح في بناء الشخصية وعالم الطفل ومفرداته اللغوية، وتحصيله الدراسي وفعله الاتصالي وسلوكه الاجتماعي، وآرائه وقناعاته ومواقفه وسلوكه الاستهلاكي، فالساعات الطويلة التي يقيها الطفل في مشاهدة تقنيات الاتصال العالمية تجعل منها مصدراً هاماً لإمداده بالمعلومات ولتكوين اتجاهاته ومعتقداته، وقد تحوله إلى مجرد مستهلك سلبي، الشيء الذي يقف حائلاً دون تطوير قدراته وطاقاته الإبداعية. لقد كانت الدولة في الماضي ـ إلى حد ما ـ هي المصدر الوحيد للمعلومات، أما الآن فإن تطور تقنيات الاتصال ستجعل الثقافة العالمية تنساب عبر الحدود، الأمر الذي يجعل من المتعذر السيطرة على تدفق المعلومات الهائل ومراقبتها. أما التحديات التي تترتب على العولمة الثقافية بالنسبة للمجتمع فخطيرة جداً، ذلك أن المجتمع يعرف نفسه من خلال الثقافة والتاريخ، وتكوين مرجعية ثقافية، تشكل أساساً لشعور الجماعة والنسق القيمي. وهذا سيشكل تحدياً كبيراً من خلال الاختراق الثقافي وتعدد العوالم الثقافية، وانسياب المعلومات في اتجاه واحد هي التي تضع الرأي العام وتؤثر في تشكل وعيه، لكن البعض يقلل من خطر العولمة ويعتبر هذا التدفق المعلوماتي ظاهرة إيجابية في معظم أنساقها الثقافية، ويمثل جانباً هاماً من انفتاح الثقافات العالمية على بعضها البعض. إن هذه المقولات التي تسوّق لثقافة العولمة، وتبشر بمزاياها والتقليل مــن مخاطرهــا، ليس مقنعاً في أغلب جوانبه بالنظر إلى الكثير من الآراء والأفكار التي يطرحها سماسرة العولمة نفسها. وللتدليل على ما نراه مخالفاً حول ما قيل آنفاً إن هناك أصواتاً في الغرب قوية ومؤثرة تتحدث عن مخاطر العولمة في جانبها الثقافي أيضاً.. ناهيك عن البعد الاقتصادي ومشاكله في أوروبا نفسها، وما حدث في سياتل وفي غيرها من المدن الأوروبية منذ سنوات أكبر مثال على مدى الرفض والقلق من مخاطرها الكثيرة. وأصدق مثال على ذلك أن فرنسا لا تزال إلى الآن تنتقد العولمة الثقافية والتي تسميها "الإمبريالية الثقافية الأمريكية" وتبذل جهوداً كبيرة للمحافظة على "الفرانكفونية" في فرنسا، وفي بعض الدول الإفريقية، ومما قاله وزير ثقافتها في أحد المؤتمرات الدولية مهاجماً الولايات المتحدة: إن تلك الدول علمتنا قدراً كبيراً من الحرية، ودعت الشعوب إلى الثورة على الطغيان، أصبحت لا تملك اليوم منهجاً أخلاقياً سوى الربح، وتحاول أن تفرض ثقافة شاملة على العالم أجمع، ومضى يقول: إن هذا هو شكل من أشكال الإمبريالية المالية والفكرية، لا يحتل الأراضي، بل يصادر الضمائر ومناهج التفكير وطرق العيش. ومن أجل ذلك رفضت فرنسا ـ وهي إحدى الدول الكبرى الصناعية في العالم كما معروف ـ أن توقع على الجزء الخاص بالسلع والمواد الثقافية في اتفاقية الجات، وهي تشمل: السينما والتلفاز والفيديو وما يشابهها، وقد نجحت فرنسا في الحصول على تأييد 46 دولة فرانكفونية في محاولاتها الحصول على "استثناء ثقافي" يشمل تلك السلع والمواد، وقد أدرج في الاتفاقيات الدولية الخاصة بحرية التجارة (الجات). فإذا كان موقف فرنسا بلد الحرية والنور والإشعاع الثقافي في الغرب ، ترفض ثقافة الولايات المتحدة وتعتبرها إمبريالية ثقافية. فماذا يجب أن يكون موقفنا نحن من هذا الاكتساح الثقافي والاقتصادي ، وغيرها من الأبعاد الأخرى في هذا الإطار؟ وإذا كانت العولمة الثقافية تعني هيمنة ثقافية واحدة بأفكارها وقيمها وسلوكياتها، وإزاحة الثقافات والهويات الأخرى الذاتية، فما جدوى الحديث عن تعددية الأفكار والثقافات الإنسانية؟ وماذا بقي من شعار الديمقراطية وحقوق الإنسان وهما من أسس الحرية الثقافية والفكرية في ظل هذا التحول المعادي للتعددية الثقافية ؟ وإذا كان البعض يردد مقولات تقلل من محاذير ومخاطر العولمة الثقافية، والحديث عن التبادل والتفاعل الثقافي بين الثقافات، من خلال تقنيات الاتصال وغيرها من الوسائل الحديثة، فإننا نعتقد أن هذه الآراء تفقد مصداقيتها كما قلنا بالتدريج، ذلك أن التبادل الثقافي بين ثقافات غير المتكافئة محسومة سلفاً، وعدم التكافؤ يلغي عملية التفاعل والتبادل المفترض بين ثقافات الشعوب، وأن عدم الاعتراف بالتعددية الثقافية في إطار العولمة ربما يمهد الطريق إلى حضارات وثقافات مغلقة، والانغلاق ربما يجر إلى انقسام الحضارات، وهذا الانقسام سيعزز للأسف نظرية هنتنغتون في "صدام الحضارات" التي تدعي أن فكرة التصادم والانقسام في المستقبل لن يكون أساسه الأيديولوجيا، بل الثقافات والهويات عند خطوط التماس هذه الحضارات!! لكننا نعتقد أن هذا ليس صحيحا، لأنه ضد واقع التعايش والتفاهم والتواصل، الذي هو أصل الحضارات الإنسانية، منذ ظهورها بداية التاريخ .
722
| 16 أغسطس 2015
لم تحظ فكرة إنسانية عظيمة بالاهتمام والتأصيل والانشغال منذ فجر التاريخ وحتى اليوم، مثلما حظيت قضية الحرية، باعتبارها قيمة كبيرة في الفكر الإنساني ارتبطت بحياة الإنسان ووجوده وكيانه ارتباطا وثيقا، فقد كافح الإنسان وناضل عبر التاريخ لاستعادة حريته وكرامته كإنسان من أسر العبودية والاستغلال والاسترقاق التي عانت منها شعوب كثيرة عرفها التاريخ الإنساني عبر قرون مديدة وعندما جاء الإسلام برسالته التوحيدية السماوية كانت دعوته ناصعة واضحة في مسألة الحق في الحرية الإنسانية ومنطلقاتها، وفي إعطاء الإنسان، باعتباره إنسانا، الحق في الحرية والكرامة بما أرساه الإسلام من مفاهيم أوجبت هذا الحق لكل بني البشر دون تمييز أو إقصاء، ومنحهم حق الاختيار في الاعتقاد، ولم يكره أحداً على اعتناق هذا الدين، وهذا ما تحقق في قوله تعالى: "أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين، ولو شاء ربك لآمن من الأرض كلهم جميعا" (يونس 128/69). كما كانت مقولة الخليفة عمر ابن الخطاب رضي الله عنه في حق الحرية ناصعة مدوية في قضية الحرية في الإسلام: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟، فكانت هذه المضامين، الثمرة والترجمة المثالية والعملية للدين الذي ينشد تحرير الإنسان من كل ألوان القيود والعبودية لغير الله تعالى الخالق، والذي أقام الوجود الإنساني على أساس الكرامة الإنسانية، فقال الله تعالى: "ولقد كرمنا بني آدم، وحملناهم في البر والبحر، ورزقناهم من الطيبات، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً" (الإسراء: 17/70)، وقال سبحانه: "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم" (التين: 95/4). وهذا يدل على أن الحرية ليست مجرد حق، بل هي واجب متعيّن أوجبه الله تعالى لعباده في الأرض. وصف ابن تيمية، رحمه الله، الحرية، بأنها العبودية الخالصة لله تعالى، تجمع بين كمال الحب، وكمال الذل لله. وهذه القيمة العظيمة التي أرساها الإسلام للحرية أسهمت في تحرر الفرد عن طريقها من الخوف والذل والشعور بامتهان الكرامة، وأصبح الناس سواسية لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى والجهد والعلم والدين. كما جعل الإسلام الاعتقاد والإيمان خاصاً بالإنسان واختياره بحريته، دون إجبار أو قهر في أن يعتقد ما يشاء ويؤمن عن بيّنة وإدراك واقتناع من ذاته، فمفهوم الحرية في الأساس "يدور حول معنى أساسي، وهو ممارسة الإنسان اختياراته ومراداته دون إكراه، والإسلام دين الفطرة يحمي في الإنسان حريته واختياره، وأكرم ما يشرف العقل من اختيار هو تبني عقيدة سليمة وإن قصر عقل الإنسان عن ذلك ليس لأحد أن يجبره على تبديله أو تغييره". كما فرض الإسلام على الجماعات الدينية أن يحترم بعضها الآخر، ومنع أن تنقص كل منها من قدر أئمة الآخرين وزعمائهم، أو أن تلحق بهم الإهانة والسباب وما إليها وقد ورد ذلك في القرآن الكريم أمراً لازماً يعلمنا احترام معتقدات الآخرين، وكفل الإسلام حماية أصحاب العقائد الأخرى الذين يعيشون في الدولة الإسلامية والإحسان إليهم، قال تعالى: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم". وألزم كذلك المسلمين بحماية عقائدهم والدفاع عنها فقد أمر المسلمين بالهجرة عند التضييق على معتقداتهم من قبل الأعداء. قال تعالى: "إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا". (النساء: 4/97). وقد تناول الإسلام قضية الحرية انطلاقاً من حقيقة أن هذا الدين أتى باعتباره إشراقة تحرر للفرد من كل خوف، وسما على كل شرك، فأصبح الناس سواسية، لا فضل لأحدهم على سواه إلا بقد ما أصاب من تقوى في الدين والعلم بأموره والإحاطة بأحكامه. ولذلك أشار الإسلام إلى حرية الإنسان في أن يعتقد ما شاء ويؤمن بما أراد عن بينة وإدراك لما أقدم عليه من داخل النفس، دون جبر ودون قهر أو إكراه، فكان أساس الدعوة استقلال الفكر وحرية الفرد من منطلق المساواة، بلا تمييز بسبب اللغة أو اللون أو الجنس. وقد اهتم الإسلام، السابق للثورات الحضارية بأكثر من أحد عشر قرناً من الزمان بحقوق الإنسان التي تعتبر جزءاً لا يتجزأ من كيانه، والذي شيد بها الحضارة وبنى على أسس منها ـ ومن تحقيقها ـ صرح مبادئ اجتماعية وسياسية ثابتة على مر السنين والعصور. ولقد قام الإسلام رؤيته إلى قضية الحرية على أسس راسخة منذ نشأته، مرتكناً فيها إلى تكريم الإنسان وإعلاء شأنه وتحقيق الاستقرار له في حياته، كما كفل له ممارسة نشاطاته على مختلف صورها وشتى مصادرها، فجاء بذلك متماشياً مع رغبات الحياة ـ حقيقة كيان الفرد وحسب الفطرة التي فطرها الله عليها (فطرة الله التي فطر الناس عليها)، وكفل الإسلام منطلق الفكر العقلي، محققاً للفرد حريته في ذاته وفكره وتجاربه. ولم يترك الإسلام الإنسان لنفسه، بل حباه بما كرّمه الله به من إنارة الطريق وبيان سبيل الرشد وطريق الشرك، ليفكر ويحكم عقله ويختار بين أي الطريقين يسلك. كما أن ما تضمنته أحكام الإسلام من أسس ومبادئ تعد من أعظم صور ممارسة الحرية ما دامت لا تحض على الشر أو تنشر الشرك، فهي مكفولة طالما حققت السلام للإسلام والأمان للمجتمع، وصالحه العام والمشترك بين أفراده، وهذه أهم أركان النظام العام بمفهومه العصري (والدارس لأصول الفقه وأحكام الشريعة تتجلى أمامه ولأول وهلة، حقيقة واضحة وهي أن الإسلام هو دين الحرية ومناطها وموئل عزها وأملها الكافل لممارستها المدعم لشتى صورها والداعي لها من خلال نظام محكم يفوق غيره من النظم التي سارت قبله أو تلك التي عاصرته في أقطار أخرى). فقد نادى الإسلام بمبادئ الحرية الفردية وكفل المساواة ومعها الحرية الاجتماعية، وتحققت منه ذلك قبل عدة قرون مضت قبل أن يطرح الفكر المادي والمذهب الاشتراكي لجنبات فكره على الدنيا. ولا شك أن الفكر بمعناه اللغوي هو إعمال النظر في جانب حركة الذهن لتحصيل المعلومة، وترتيب أفكارها بمنهج العقل للوصول إلى المعرفة من خلال حرية التفكير والنظر. ومن هنا فإن الإسلام حرص على حرية الفكر وشدد على فتح الآفاق الفكرية بصورة رحبة في جوانب التعبير، والنظر والتفكير، والتداول والاستدلال، فانطلقت حضارته العظيمة في كل أرجاء الدنيا وفي كل شتى المعارف الإنسانية، في الوقت الذي تراجعت الحضارات الأخرى، وانزوت على نفسها بأفكار التخلف والجهل والاستبداد. وحينما تتاح حرية الرأي في مستوى الإعلان والحجاج، فإن العقل ينفتح على الرأي المخالف والمعطيات المضادة، وتتم في نطاق الحوار المقابلة بين الآراء، فيسقط الضعيف ويصحّ القوي، وذلك أمر بيّن بالمشاهدة. أما الكبت والمنع من التعبير والمحاورة فلا يثمر إلا الانغلاق على الرأي الواحد، والتشبث به والتعصّب له، فلا يكون العقل ناظراً إلى الأمور إلا من زاوية واحدة قد تخطئه الحقيقة أحياناً كثيرة، ولا غرو حينئذ أن ينمو التعصّب للآراء والتشبث الأعمى بها في كل مناخ تصادر فيه حرية التعبير، وأن تنمو المرونة العقلية، وتقبّل التصويب في كل مناخ تشيع فيه هذه الحرية. وما أروع التربية النبوية في هذا الخصوص، فقد انتهجت نهج الانفتاح على مضادات الآراء بما أتاحته من حرية القول والاحتجاج والنقد، وقد اتخذ النبي (صلى الله عليه وسلم) شعاراً له "أشيروا" عليَّ أيها الناس، وهو شعار تربوي يهدف إلى تربية المسلمين على الفكر النقدي المقارن بإتاحة الحرية الواسعة في القول والحجة، وإلا فإن الحق بائن لديه، إذ هو المؤيد بالوحي المعصوم من الخطأ. وكذلك الأمر بالنسبة لحرية الرأي في مستوى التعبير والمناظرة، فإن من شأن الإعلان عن الرأي والدعوة إليه أن يكشف بما يصير إليه من الحوار عن عناصر الذاتية فيه، تلك التي قد تكون لصيقة الطبع الإنساني فيغفل عنها العقل لذلك، أو تكون وليدة القصد لتحقيق المآرب، فالحرية من خلال الحوار، قد تكشف كل ذلك، وتعيد الأنظار في بحث الموضوع إلى معطياته الحقيقية من واقعه الموضوعي. وإننا لنكتشف في كثير من الأحيان أن أحكاماً نصدرها في قضية ما هي في حقيقتها من صنع الذات وإنما نسقطها على القضية إسقاطا، وذلك حينما نطرح تلك الأحكام في ساحة الحوار، ولذلك أباح الإسلام الحرية للنقد وتعدد الآراء واختلافها من أجل الاقتناع بالرأي الصائب وهذا لن يحصل إلا بتعددية الآراء وتنوعها واختلافها.
3862
| 09 أغسطس 2015
بعد قيام الدولة الوطنية، وانحسار الدولة التقليدية في فترة الاستعمار، وما تلاها من كوارث وأزمات وإخفاقات على مختلف الأصعدة، ولدت على السطح الكثير من والنظريات والتحليلات والأفكار لتفسير ظاهرة الأزمة وفهمها. بعض هذه النظريات أرجع السبب في ذلك إلى النظام الأبوي (البنية البطركية) للمجتمع العربي، والبعض الآخر أرجع تخلفنا وهزائمنا المتواصلة إلى ما يعتبره بـ(جذور الاستبداد) الذي تحفل به الدولة المشرقية تاريخياً. وجاءت تحليلات الماركسيين أيضاً، لفهم تخلفنا وتراجعنا ـ وهم يعتبرون أنفسهم آباء التحليل السياسي الاقتصادي! وقالوا بأن أصل بلائنا يكمن في الاقتصاد الريعي، أو النمط الآسيوي للإنتاج وعدم وجود نظام الطبقات في المجتمع. ويقترب بعض المنظرين من هذه الأفكار بقدر ما يبتعد، لكنه يرجع هذا التخلف وأسبابه، إلى طبيعة الفكر السياسي العربي التقليدي، وغياب النظرية السياسية العلمية، وسيطرة الطوباوية وتسلطها على الوعي العربي الإسلامي. وهناك الكثير من أشكال هذه الأفكار التي تحلق بنا في فضاء وهمي لا يمت إلى الواقع بصلة، كالتي سردناها آنفاً. لكنها ـ هذه التحليلات والنظريات ـ تلتقي في منظومة واحدة وهي التنظير لأنفسنا من واقع غيرنا! وافتراض ـ كما يقول د/ خلدون النقيب أن المجتمع العربي يجب أن يستجيب لقوانين التطور الأوروبي. وهذه الإشكالية هي التي أثمرت فكراً مضطرباً غير متماسك من الناحية الواقعية والاستدلالية، في دراسة واقعنا العربي، والمقاربة في حل إشكاليته المزمنة، وأصبح من المستغرب ـ كما يقول د/ برهان غليون ـ " استخدام المفاهيم والمقولات الحديثة مثل الأمة والطبقة والحزب والفرد والقانون، في الحديث عن السياسة في المجتمع العربي والإسلامي المعاصر. ومن آثار هذه النزعة وتفرعاتها أيضاً العودة بمناهج في المجتمعات الإسلامية والعربية إلى المذاهب الاستشراقية التقليدية المتمحورة حول الفيلولوجية، واستنتاج سلوك المجتمعات وممارستها التاريخية ونشاطها، وصراعاتها وتناقضاتها، من المصطلحات والمفردات وما تخفيه من معان متنوعة، متناسقة أو متناقضة، وجعل الكشف عن محتواها المعجمي الكلاسيكي، المدخل الرئيسي إلى فهم سلوك العرب السياسي الحاضر وإدراك مغزاه، وكأنه يشير إلى آراء د/ محمد جابر الأنصاري التي طرحها عن ظاهرة " اللادولة " في القسم الأول من كتابه (التأزم السياسي عند العرب) " مدلول أزمة المصطلح " فيقول: وهكذا حاول أن يفسر البعض مشاكل الدولة العربية الحديثة وضعف بنيتها المؤسسية من خلال إرجاع مفردة الدولة إلى مصدرها المعجمي وهو دال، أي تغيّر. ويستنتج من ذلك سلوكاً عاماً ولا تاريخياً ثابتاً للعرب في علاقتهم بالدولة هو النظر إليها كتغيّر وليس كثبات، ويكتشف بالتالي سبب غياب مفهوم المؤسسة ووجودها معاً في ممارسة السلطة. وهذا يعني أن تاريخ الدولة العربية لا ينبع من مراحل تكوينها الفعلي والملابسات والسياقات الجيوسياسية والاجتماعية، الداخلية والخارجية، التي نشأت فيها، ولكن من المفردة التي ارتبطت بها. وهذا يعادل قولنا مثلاً إن عقل العربي غير قادر على الحفظ والتركيز، لأن مصطلح الإنسان يعني عند العرب كما يقال عادة النسيان، أو أنه جاء من النسيان. والحقيقة أنني أستغرب من هذه الاستنتاجات التي طرحها البعض لواقعنا العربي في العصر الحديث، وتجاهل أخطاء الزعامات والنخب السياسية العربية، التي امتلكت الفعل والقرار واتخاذه، في الوقت الذي تم تغييب الشعوب من المشاركة في هذا القرار السياسي أو ذاك، سواء عبر المؤسسات البرلمانية التي همّشت من الفاعلية الديمقراطية، أو غيرها من مؤسسات المجتمع المدني التي كان من الممكن أن تلعب الدور الإيجابي، لو كان لها صوت مسموع، لا مقموعا في المجتمع، هذا بافتراض وجود مثل هذه المؤسسات، أما في حالة غيابها، فسيكون تحميل الجذور المجتمعية والخلل السوسيولوجي "القاع"، بالمجتمع العربي خطأً بيّناً، يقع فيه الباحث من خلال هذا الاستنتاج، فالقرار السياسي العربي بيد هذه النخبة أو الزعامة، واختيار القرار الصائب أو "الخائب" إرادة وفعل، تستطيع وتملك البدائل للتعامل مع القضايا والإشكالات، ومقومات النهوض، وأسباب الإخفاق، وكوامن الضعف وعوامل تحقيق التقدم والمكاسب الحضارية، ومن غير الممكن أن تختار الزعامة السياسيّة، الاستبداد، والقهر، والتسلط ثم تفتش عن الأخطاء، من خلال تحميل الجذور التاريخية المترسبة في هذا المجتمع أسباب وإخفاقات هذه الزعامات. لقد استوردت الدولة التقليدية، ثم الدولة الوطنية بعد الاستقلال، النظم، والأفكار، والبرامج الغربية، وبعض هذه الدول طبقت العلمانية في جانبها القهري الاستبدادي، ولذلك "فإن الطابع القمعي للدولة العربية القائمة ليس التعبير الصريح أو المبطن، عن بقايا تراث الاستبداد الشرقي الذي تجسده الدولة السلطانية، وأقل من ذلك الثمرة المباشرة لإرادة الأشخاص أو العقائد والبرامج السياسية والاجتماعية المرتبطة بمجموعات الحكم المتبدلة، إنه بالعكس من ذلك، التعبير عن التحول البطيء في طبيعة الدولة الحديثة ذاتها أو دولة التقدم والتحديث. ومن هذه المنطلقات أثمرت هذه السياسة فكراً مغايراً لثقافة الأمة وموروثها الحضاري، ونشأ عن ذلك اضطراب سوسيولوجي، بعد إقصاء المرجعية الذاتية والهوية الوطنية، وتهميش دورها في صياغة نموذجها الفكري والسياسي، النابع من ذاكرتها الحضارية في الميادين المختلفة، ونتج عن ذلك فشل ذريع في البرامج والخطط في مستويات عدة. وما نشاهده من مظاهر التقدم والتنمية التي تحققت نسبياً في بعض هذه الأقطار العربية "ما هي إلا أمور سطحية لا تمس الجوهر أو الذات الفاعلة، وأقصد بذلك الإنسان العربي على اختلاف مستوياته الثقافية وطبقاته الاجتماعية، وذلك لأن مثل هذه التنمية وذاك التقدم، هي أمور تابعة ومرتبطة بالمركز الحضاري الغربي، سواء كنا نتكلم بنيوياً أو ثقافياً ـ أيديولوجيا". فمثقفونا يمارسون أحلام يقظة في أسر الكلمات والمفاهيم والأيديولوجيات المجردة، مما يسقطهم في مزالق الاغتراب وهوة العزلة الاجتماعية واللافاعلية كنتيجة لكل ذلك. وطبقاتنا الاجتماعية ليس لديها وعي بكينونتها الطبقية في المقام الأول، فتمارس وظيفتها الاجتماعية عشوائياً وفق نمط فردي غارق في الغيبوبة الاجتماعية، تتقاذفه شتى الاتجاهات ومختلف أنواع الوعي الزائف، وكلها لا تعبر عن وعي يتمثل بحقيقتي الزمان والمكان، وبالتالي، تتحول إلى كم بشري هامشي لا أثر اجتماعياً فعلياً له. الأمة العربية بحاجة إلى المراجعة، وإلى الوحدة، وإلى الرؤى المنطقية في القضايا الملتبسة والمعقدة للخروج من هذه الأزمات وإزاحتها من الصدارة، وإلا سنبقى أسرى الأزمات والتوترات والكوارث التي تتم استعادتها بين الفينة والأخرى.
442
| 02 أغسطس 2015
عندما أصدر فرانسيس فوكوياما كتابه الذائع الصيت (نهاية التاريخ وخاتمة البشر)، في نهاية العقد الماضي، قال ما خلاصته: إن التاريخ قد أغلق تماما أمام الأيدلوجيات المغايرة للرأسمالية الغربية.. لكن البروفيسور صموئيل هنتنغتون ناقض زميله في هذه الأطروحة، وأصدر بعد هذه الأطروحة الشهيرة المثيرة للجدل "صراع الحضارات" قال فيها إن الصراع المقبل سيكون صراع حضارات وتنبأ أن القوى الصاعدة والتي ستشكل خطرا على الغرب ستكون من التحالف بين الحضارة الإسلامية والكونفوسشية! وهذا معناه ـ كما يعبر هنتنغتون ـ أن التاريخ لن يتوقف عند الديمقراطية الليبرالية بل سيبدأ من جديد في صراع آخر ليس أيدلوجيا هذه المرة كما كان سابقا. بل سيكون بين حضارات وهويات وثقافات. وساد الهلع والاعتراض على نظرية هنتنغتون في الأوساط العالمية والأكاديمية على وجه الخصوص وجاءت مئات الردود على هذه المقولة الخطيرة. واستغربت الأوساط الأكاديمية من تزاحم الأطروحات ومناقضة بعضها للبعض وكلها صادرة من مراكز بحثية ومؤسسات صناعة القرار السياسي في الولايات المتحدة. فهل تريد هذه المؤسسات والمراكز البحثية أن تنبه الغرب لصعود بعض القوى في القرن القادم وعدم الاستهانة بقدراتها؟ أم أن ذلك مجرد افتراضات وتوجسات من المتغيرات التي قد تطرأ على العالم. وهو ما نتج عنه سقوط الاتحاد السوفيتي "سابقا" والمعسكر الاشتراكي عموما؟. لكن الأغرب أن مقولة "نهاية التاريخ" ومقولة "صراع الحضارات" تتناقضان تماما مع مصطلح "العولمة" إلى حد التنافر. فالديمقراطية الليبرالية التي طرحها فرانسيس فوكوياما في كتابه "نهاية التاريخ" تتقاطع مع مفهوم العولمة حيث إن الأخيرة لا تعترف بالخصوصيات والهويات للشعوب وتطبق مفاهيمها قسرا شاء الآخرون أم أبوا. أما مفهوم التصادم والمناطحة بين الحضارات التي وضعها صمويل هنتنغتون فإنه يخالف مصطلح العولمة التي جاءت ـ كما يقول أنصارها ـ بهدف تخليص البشرية من تعاسة التطبيقات الأيديولوجية وانتشال المجتمعات من مشكلات التخلف والتراجع الحضاري والمعاناة الاقتصادية والاجتماعية والتقنية. وهذا الطرح الذي يهلل له البعض وتصوير العولمة بأنها جنة العصر وأنها البديل النهائي لكل الأفكار والأيديولوجيات والصيغ الحضارية قصد منه ـ كما يقول د/ سويم العزي ـ "خلق شعور لدى أفراد مجتمعات الجنوب بالدونية المرتبطة بثقافاتهم. يرد منه تصديع ثقة الفرد بذاته وتهيئته للقبول بما يفرض عليه ". ولعل أخطر هذه الآراء وأقواها في مناقشة ظاهرة العولمة ما طرحته الأديبة الفرنسية "فيفيان فورستر" في كتابها المثير للجدل "الإرهاب الاقتصادي" والذي آثار ضجة في أوروبا وترجم إلى 10 لغات عالمية. وعبرت أن الهدف من إصدار هذا الكتاب هو رفع صوت الاحتجاج ضد نظام يمتص الناس حتى النخاع. وترى بأن هناك مؤامرة دولية عالمية يحاول رجال السياسة والاقتصاد والمال والمنظمات الدولية إخفاء الحقائق عن الناس. وأن "الإرهاب الاقتصادي" هو نتيجة للمجتمع المادي الذي يهدف إلى الربح فقط. كما أنه نتيجة للمجتمع المادي لتقنية "الاوتوماتية" و"العولمة" الاقتصادية التي تقوم على فكرة إنتاج المزيد من السلع والمنتجات بأقل عدد ممكن من اليد العاملة البشرية. وهذا بلا شك إحدى نتائج أثار عولمة الاقتصاد بصورة عالمية. فالانفتاح الاقتصادي بلا ضوابط أو معالم محددة تحده في انطلاقته العالمية. وسوف يجلب معه الكثير من المشكلات والتحديات ليس على مستوى العالم النامي بل العالم كله. وهذا ما برز في مقولة [ روبرت رايخ ] عندنا قال إن "أربعة أخماس البشرية ستدفع إلى براثن الفاقة على يد قوى العولمة". لكن هذا لن يعني أن الخمس الباقي سيزدهر كله، فقط النخبة فيه المرتبطة بديناميات العولمة ستفعل ذلك، ويجب أن ننتظر نشوء عالم ثالث داخل العالم الأول". والإشكال القائم الآن هو أن البعض يشكك في مصداقية هذا الفضاء الاقتصادي وسياسة الأبواب المفتوحة. التي قد تعني أن هذا الفضاء لا يعرف إلا معايير المردودية المباشرة والأرباح وجني الثمار. دون الالتفات إلى الظروف الإنسانية ولا للفوارق المتباعدة بين إمكانات الدول الاقتصادية وقدرتها للمنافسة. فقبل خمسة وعشرين عاما مضت كان النظام الرأسمالي محصورا في أوروبا الغربية وشمال أمريكا والعديد من دول العالم الثالث. معظمها في إقليم شرق آسيا. هذه الدول تشكل 20% من عدد سكان العالم.. وهناك ثلث آخر من عدد سكان العالم كانوا تحت قبضة الحكم الاشتراكي. أما البقية ومعظمها في الدول النامية فقد كانت تحكم عن طريق نظام ثالث خليط بين الرأسمالية والاشتراكية. كل ذلك تغير فجأة دون أن يكون هناك وقت كافٍ لاستيعاب هذه التحولات الكبيرة. وبحلول الثمانينيات دخلت معظم الأنظمة غير الرأسمالية في حالة من الإفلاس تسببت فيها هذه الأنظمة نفسها. وكرد فعل طبيعي لذلك فقد لفظت هذه الدول إستراتيجيتها الاقتصادية الفاشلة وبدأت في تقليد الأنظمة الاقتصادية الليبرالية. ونتيجة لذلك ـ تقول هذه التحليلات ـ دخل العالم في عهد جديد ومعقد من الرأسمالية العالمية.. رأسمالية ستقدم دون شك فرصا عظيمة للنمو. لكنها تخلو أيضا من المخاطر والمشكلات المقلقة. لكن البعض يخالف هذه الآراء ويرى أن "الكثير من الدول التي انتفعت بالفعل من الانفتاح الاقتصادي المنظم والمسؤول استطاعت حقا أن تضيق الهوة بين الأغنياء والفقراء وتحدث نقلة نوعية في مجتمعاتها. وهذا التأييد لسياسة الانفتاح وإسهاماته الإيجابية والهامة في عصرنا الراهن مقبول وصحيح في جوانب عديدة إذا ما تم هذا الانفتاح بآليات وبرامج منظمة ودقيقة. لكن العولمة ودخولها ميدان الاقتصاد والتجارة والتكنولوجيا والنظم المعرفية. ظاهرة تختلف عن سياسة الانفتاح الذي يمكن أن تسيطر عليه الدول وتوجيهه الوجهة التي تلائم مصلحتها وتطبيقاتها. فالعولمة شيء مختلف عن الانفتاح الذي استفادت منه بعض الدول في السبعينيات مثل الصين وبعض دول شرق آسيا.. فهي أي العولمة شكل جديد ومغاير عما عرفته السياسات الاقتصادية خلال نصف قرن ويرجعها البعض إلى نموذج الرأسمالية التي طبقت في القرن التاسع عشر. وهناك من الأصوات المحذرة من ظاهرة العولمة المقبلة لا تقتصر على العالم النامي بل تتعداه إلى العالم المتقدم. وتطالب هذه الأصوات بإعادة التفكير في هذه السياسات القائمة على الربحية والمنافسة. والقفز على واقع وظروف اقتصادات الدول الأخرى بالمعاهدات والاتفاقات الملزمة، خاصة العالم العربي الذي لا تزال اقتصاداته في طور النمو والتدرج المتواضع قياساً باقتصادات الدول المتقدمة. والسؤال الذي يقفز إلى الأذهان ـ كما يقول د/ الشاذلي العياري ـ هو إلى أي مدى يمكن للوطن العربي ككل أن يواجه تيارات العولمة الزاحفة بنجاح.. أي أن يتمكن من الاستفادة من مزاياها الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية والتنظيمية في كنف العدالة الاجتماعية مع الحفاظ على الذاتية العربية. وهذا هو التحدي الجديد. ذلك أن الاستفادة من مزايا العولمة لا يلغي تيارها المقتحم ونموذجها المتكامل المعزز بتقنية الاتصال، ونظرية البقاء للأقوى، ومنطق المنافسة الشرسة، وتنميط البشر والمجتمعات على منطق واحد أوحد. ومن القضايا المثارة الآن في هذه الظاهرة أنها ـ أي العولمة ـ لا تؤمن إلا بمعايير الإنسان العالمي وفق مواصفات وقيم معينة يجري غرسها وتطبيقها. وتجري في سياقات عديدة متقاطعة مع الهويات الثقافية للشعوب، فالعولمة في رأي د/ علي حرب " تطال الثقافة بالذات بما هي منظومة من الرموز والقيم يخلع بواسطتها الإنسان معنى على وجودة وتجاربه ومساعيه. فالثقافات بما هي مرجعيات للدلالة وأنماط للوجود والحياة، خاصة بكل أمة أو دولة أو مجتمع، تجد نفسها عارية أمام تدفق الصور والرسائل والعلامات التي تجوب الكرة الأرضية ". وهذه هي الإشكالية التي ستواجهها الإنسانية في هذا القرن، إذا ما فرضت العولمة كبديل للتنوع الثقافي وعملت على اكتساح الهوية الحضارية للشعوب. فهل ستنجح العولمة فيما عجزت عنه الأيديولوجيات في هذا القرن في فرض نماذج قسرية على الشعوب والمجتمعات؟ هذا هو السؤال الذي يصعب الإجابة عليه راهناً.
5636
| 26 يوليو 2015
قبل أسابيع قليلة مرت الذكرى الخامسة لرحيل الأكاديمي والمفكر العربي المعروف، د. محمد عابد الجابري، بعد حياة حافلة بالجهد العلمي المعرفي والفلسفي، على وجه الخصوص، وأهمها مشروعه الكبير (نقد العقل العربي) بأجزائه الأربعة، إلى جانب عشرات المؤلفات والبحوث في الشأن المعرفي الرزين، وقد لاقى د/ الجابري، حملات كبيرة من البعض، ظهر فيها في بعضها الخلاف الشخصي، أكثر من الخلاف المعرفي والموضوعي، لكن يظل الجابري قامة كبيرة، أراد البعض، أم لم يرد، فهو أحد المفكرين القلائل الذين حفروا في الصخر، ليكتبوا قضايا كبيرة، بقدر مكانة هذه الأمة وميراثها الكبير في التراث والثقافة، وبقدر اختلافي مع الجابري في بعض آرائه، لكن لا يجد المرء مناصا من احترام الرجل وتقديره، على سعة علمه وأخلاقه وتواضعه، كما عرفته وقابلته في مناسبات عدة، وكما قالها الكثيرون من الباحثين والمهتمين، الذي عرفوا د. محمد عابد الجابري، وتعايشوا معه عن قرب، لا سيما من المغرب العربي، وعندما أصدر الجابري مشروع (تفسير القرآن الكريم) ومهّد لذلك بكتاب سماه [مدخل إلى القرآن الكريم]، ثم تبعه بثلاثة أجزاء من تفسير القرآن الكريم سماه (فهم القرآن الكريم.. التفسير الواضح حسب ترتيب النزول) واجتهد الرجل في هذا التفسير وفق منجهية بعض العلماء السابقين أن القرآن يفسر نفسه بنفسه، لكن البعض قال إن تفسير الجابري لم يأت بجديد وفق هذه المنهجية، لكنه كما نعتقد كان يريد بعد تقاعده من العمل الأكاديمي أن يقدم شيئا إسلاميا يؤجر عليه رحمه الله.بعد صدور كتاب د/ محمد عابد الجابري [مدخل إلى القرآن الكريم - الجزء الأول .. في التعريف ] تعرض الجابري للكثير من الانتقادات والاتهام بسبب بعض آرائه حول جمع القرآن الكريم، عندما أشار إلى بعض الأقوال عن الزيادة أو النقصان في بعض الآيات.والواقع أن الجابري لم يقل هو بذلك، إنما عرض بعض الآراء التي ذكرت عنه من بعض المفسرين والمحدثين، وجاءت بعضها كردود على آراء بعض الغلاة أو المشركين أو غيرهم، لكنه يقول في ص (222) من الكتاب، أن كل الآراء التي قيلت في هذا الجانب "مرفوضة بإجماع المسلمين". وهذا تأكيد من د/ الجابري بأن ما قيل عن التحريف أو النقصان في القرآن، ليس له عند كل المسلمين ومذاهبهم أية قبول ومرفوض منذ العصر الأول حتى الآن. ويبقى الاختلاف في مسألة التأويل أو في القراءات السبع أو التفسير.... إلخ. وهذا ما أكد عليه في نفس هذا الكتاب بقوله ليس ثمة "أدلة قاطعة على حدوث زيادة أو نقصان في القرآن كما هو في المصحف بين أيدي الناس، منذ جمعه زمن عثمان". وهذا الكلام للدكتور محمد عابد الجابري ليس جديداً في مسألة القرآن عدم تحريف أو نقصانه، ففي كتابه: [ المسألة الثقافية ] الذي صدر منذ 15 عاماً وقاله كرد غير مباشر على مشروعات محمد أركون الملتبسة حول نقد العقل الإسلامي أو اللاهوتي كالذي عرفته أوروبا بعد عصر الأنوار على المسيحية فيقول الجابري "أما من يفكر في النقد اللاهوتي على غرار ذلك النقد اللاهوتي الذي عرفته أوروبا، فهو يجهل أو يتجاهل الفرق بين الدين الإسلامي والدين المسيحي. الدين الإسلامي له كتاب مقدس لم يلحقه تغيير ولا تحريف منذ أن جمع في عهد عثمان، وليس هناك دليل قاطع على أن نوعاً من التحريف أو البتر أو التغيير قد حدث في فترة ما بين نزول القرآن وجمعه، لقد كانت هناك اتهامات متبادلة لاحدود لها وصلت إلى حد التكفير وإلى الفتنة والقتل، لكن لم نسمع عن أي واحد من خصوم عثمان يتهمه بأنه جمع القرآن مبتورا أو أحدث فيه هو أو غيره تغييرا".( ص278، 279)وقد أكد الجابري على هذا القول بعد صدور كتابه [ مدخل إلى القرآن الكريم ] في عموده الأسبوعي ( في الصميم) بمجلة المجلة السعودية بتاريخ 23 فبراير 2008 يقول الجابري وكأنه رد على ما قاله البعض عن كتابه هذا "لا نستطيع الشك في صحة النص الذي بين أيدينا اليوم. إنه نفس النص (المصحف) الذي جمع ورتب وأقر كنص رسمي زمن الخليفة الثالث عثمان بن عفان. وكما هو معروف فلقد كان للنبي كتاب يكتبون الوحي, أي القرآن. وكان هناك حرص شديد على أن لا يكتب غيره من كلام النبي حتى لا يقع اختلاط. وعندما تم الوحي وتوفي النبي صار لكل من كتاب الوحي "مصحف" يتكون من مجموع ما كتبه من الآيات، وكان نزول القرآن قد استمر مدة 23سنة، إذ كان ينزل منجما مقسطا حسب ما تقتضيه الظروف والأحوال. ويتحدث المؤرخون عن عمليات تمهيدية لجمع القرآن تمت زمن أبي بكر وعمر. ومهما كان فإن الثابت تاريخيا هو أنه في زمن عثمان شكلت "لجنة" من كتاب الوحي لجمع ما عند هؤلاء الكتاب من القرآن ومقارنة مصافحهم بعضها مع بعض والخروج بنسخة واحدة رسمية هي المصحف المتداول منذ ذلك الوقت إلى اليوم. أما النسخ الأخرى، أعني ما كان قد جمعه كتاب الوحي أو غيرهم. فلم يسجل بينها كبير اختلاف ماعدا بعض الفروق على صعيد ترتيب السور وقراءة بعض الآيات وقد أخذ ذلك بعين اعتبار، وجمع منها مصحف واحد، رتبت سوره على أساس حجمها من الطويل إلى القصير، ووزع على الأمصار كمصحف "إمام" وصدر الأمر بإحراق المصاحف الأخرى لتجنب هذا الخلط".. مضيفاً في فقرة أخرى من مقاله "أن المسلمين والصحابة أنفسهم قد اختلفوا وتنازعوا وقامت بينهم حروب.... إلخ.. ومع ذلك لم يتهم أي منهم طرفا ما بالمس بالقرآن كنص.إن عملاً من قَبِيل ما أنجزه الجابري لا يُمكن أن نتساءل بعد سنوات قليلة من غيابه، ونقول هل ما يزال متفاعلاً وفاعلاً في بِنْيَة المجتمع والثقافة العربيتين؟ إن اقتناعنا بحرصه الشديد على الوفاء لقيم التحديث السياسي، وانخراطه السياسي في معترك الدفاع عن قِيم الديمقراطية والعدالة والمساواة، وهي القيم التي يتطلع إليها الجميع اليوم، يجعلنا ندرك نوعية الحضور الفاعل الذي تتمتع به أعماله في الثقافة العربية. كما أن وعينا بمزايا مواقفه من التراث وسط التوظيفات العقائدية، التي تستعيد اليوم جوانب من التراث بطرق تغفل تماماً مقتضيات التطور التاريخي في عالم جديد، يجعلنا ندرك قوة النقد الذي صوَّبَه لأخلاق الطاعة وقيم الاستبداد في الجزء الثالث والرابع من أطروحة نقد العقل العربي.. ومن الواضح أن مواقف عديدة في الخيارات التي انحاز إليها ودافع عنها، تلتقي اليوم مع تطلعات الأجيال الجديدة نحو مجتمع المواطنة وقيم التاريخ. رحم الله محمد عابد الجابري رحمة واسعة.
969
| 19 يوليو 2015
اهتم الإسلام بحرية الفكر اهتماماً كبيراً ولم يضع قيوداً على حرية الفكر إلا لحماية الدين باعتباره من المقومات الأساسية للمجتمع الإسلامي من التشويه والهدم، وللفرد بعد ذلك أن يفكر كما يريد وأن يتفكر في أوسع المجالات وأهمها من الناحية العلمية أو العملية، وله بل عليه أن يتفكر في خلق السموات والأرض وفي خلق الله جميعاً وأن يعرض ذلك على عقله وأن يتناوله من أوسع الجوانب ومن أدق تفصيلاتها، ويكفي للدلالة على اتساع المجال الفكري لدى المسلم أنه ليس أمامه محظورات فكرية عديدة حماية لمصالح متعددة قابلة للنقاش بطبيعتها. ويمكن أن ترجع حرية الفكر والرأي في أصلها الإسلامي إلى آيات عديدة في القرآن الكريم كما نجد في السنة النبوية أحاديث كثيرة تقطع بهذا الأصل. فقد احتوى القرآن الكريم على عشرات الآيات التي تدعو إلى التفكر والتدبر والتي تستنكر الوقوف عند مشاهدة الظواهر المحسوسة فحسب دون تدبرها والتفكر فيها.ومن الحريات التي ضمنها الإسلام واعترف بها "الحرية الدينية والفكرية"، ويستدل على ذلك من القرآن الحكيم في قوله تعالى (لا إكراه في الدين). وعن هذه الآية الكريمة يقول "سيد قطب":"إن حرية الاعتقاد هي أول حقوق الإنسان التي يثبت له بها وصف إنسان، فالذي يسلب إنساناً حرية الاعتقاد، إنما يسلبه إنسانيته ابتداء.. وإلا فهي حرية بالاسم لا مدلول لها في واقع الحياة. والإسلام ـ وهو أرقى تصور للوجود والحياة، وأقوم منهج للمجتمع الإنساني بلا مراء ـ هو الذي ينادي بأن "لا إكراه في الدين"، وهو الذي يبين لأصحابه قبل سواهم أنهم ممنوعون من إكراه الناس على هذا الدين. فكيف بالمذاهب والنظم الأرضية القاصرة، المتعسفة وهي تفرض فرضاً بسلطان الدولة، ولا يسمح لمن يخالفها بالحياة؟! والتعبير هنا يرد في صورة النفي المطلق:"لا إكراه في الدين" نفي الجنس كما يقول النحويون، أي نفي جنس الإكراه، نفى كونه ابتداء فهو يستبعده من عالم الوجود والوقوع، وليس مجرد نهي عن مزاولته. والنهي في صورة النفي ـ والنفي للجنس ـ أعمق إيقاعاً وأكثر دلالة". والواقع أن حرية الرأي والفكر من الضرورات المهمة للبحث المعرفي والفكري عموماً، والتي من شأنها أن تفتح لآفاق النظر والابتكار والإبداع للعقل الإنساني الذي منحه الله عز وجل للبشر، منطلقاً لاستجلاء الحقائق ومعرفة الحق من الباطل باقتناع ومصداقية داخلية. والاختلاف حالة طبيعية، متناغمة مع نواميس الوجود الإنساني.ويظل هذا الاختلاف المنتج للتنوع إيجابياً ومفيداً، ما دام نابعاً من تلك الفروق الفطرية، وعن التباين الموضوعي في البحث عن الحق وهذا الاختلاف في حدوده الطبيعية هو أصل الوحدة، ومنبع التقدم والتطور، وما علينا إلا أن ننزع من أذهاننا روح التشاؤم، ونعمق روح الثقة بالعقل والإنسان. عندئذ يصبح الحوار ـ ونحن مختلفون ـ ممكناً، ويصبح الاحترام المتبادل شرطاً لاستمرار هذا الحوار. فالاختلاف في حدوده الطبيعية ليس مرضاً يجب التخلص منه والقضاء عليه، بل هو محرك الأمم نحو الأفضل، ومصدر ديناميتها، وهو يقود بالإدارة الحسنة إلى المزيد من النضج والوعي والتكامل.والعقل أيضاً قرين الحرية، فلا عقل فعال دون حرية، ولا حرية مستديمة دون عقل يمارس التفكير والسؤال والمساءلة، ويتحرك دائماً نحو تجديد أفق المعارف والتصورات، وحرية تؤسس للشروط اللازمة لممارسة العقل سلطته ووظيفته الجوهرية. ومن خلال الصلة الوثيقة بين العقل والحرية، تتجدد أدوات المعرفة، وتتطور أنماط الإنتاج العقلي والمعرفي. ووفق هذا السياق نتمكن من القول، بأن الخرافة والتقليد الأعمى للآخرين كلها مضادات للحرية.. بمعنى أن سيادة الخرافة يعني تراجع مستوى الحرية، كما أن شيوع حالات التقليد الأعمى يعني ضمور مجالات الحرية. فلا يمكن أن تلتقي الحرية مع الخرافة، كما أنه لا يمكن أن تنسجم حالات التقليد الأعمى مع متطلبات الحرية. والإسلام كفل حق الاختلاف، واعتبره من النواميس الطبيعية، وجعل التسامح والعفو سبيل التعاطي والتعامل بين المختلفين. وحق الاختلاف لا يعني التشريع للفوضى أو الفردية الضيقة، وإنما يعني أن تمارس حريتك على صعيد الفكر والرأي والتعبير، وتتعامل مع الآخرين وفق نهج التسامح والعفو. وبهذا لا يخرج الاختلاف عن إطاره المشروع، وفي الوقت نفسه يمارس دوره الحضاري في حفز الهمم والبحث عن الحقيقة، والتعاطي مع جميع الآراء والتعبيرات بعقلية حضارية في حفز الهمم والبحث عن الحقيقة، والتعاطي مع جميع الآراء والتعبيرات بعقلية حضارية تنشد استيعاب الآراء، وتستفيد منها جميعاً في بناء واقعها ومسارها. فالاختلاف لا يساوي الرذيلة والإثم والخلل، وإنما هو ناموس كوني وجبلّة إنسانية. الخلاف والتشرذم والتفرقة، هي التي تساوي الإثم والخلل. وعلى هذا ينبغي أن نجدد رؤيتنا للاختلاف، ونتعامل معه وفق عقلية جديدة، لا ترى فيه إثماً ومعصية، وإنما قدرة إنسانية مفتوحة ومتواصلة لإثراء الواقع والحقيقة. وتبرز لنا في هذا الصدد علاقة الردة والحرية ومسألة قتل المرتد، كما ورد في بعض الأحاديث مثل حديث "من بدل دينه فاقتلوه" ـ رواه البخاري ـ لكن بعض العلماء يرون أن لا علاقة بين حرية المعتقد والارتداد عن دين الإسلام، فالارتداد ـ كما يراه بعض العلماء المسلمين القدماء وبعض المعاصرين ـ دون الدخول في تفاصيل تعدد هذه الآراء التي تباينت أحيانا في كيفية التعاطي مع هذه القضية، فبعض الفقهاء يرون أن معاقبة المرتدين في النظام الإسلامي، لا يعني رفض حرية الاعتقاد، بل يرون أن هذا الارتداد هو خروج على النظام العام، وتهديد كيان الدولة بما يصل إلى الخيانة العظمى. فالردة كما يراها هؤلاء "جريمة لا علاقة بها بحرية العقيدة التي أقرّها الإسلام، وأنها مسألة سياسية قصد بها حياطة المسلمين، وحياطة تنظيمات الدولة الإسلامية من نيل أعدائها، وأن ما صدر من النبي - صلى الله عليه وسلم - في شأن الردّة إنما هو باعتبار ولايته السياسية على المسلمين، وبذلك تكون عقوبة المرتد تعزيراً لا حداً. وأنها جريمة سياسية تقابل في الأنظمة الأخرى بجريمة الخروج بالقوة على نظام الدولة ومحاولة زعزعته، وتعالج بما يناسب حجمها وخطرها من معالجات. إذ يختلف الأمر كما لاحظ د.عبد الحميد متولي بين ردّة نصراني قد أسلم من أجل الزواج بمسلمة، ثم رجع إلى دينه لما تصرمت العلاقة، وبين حالة أو ظاهرة وراءها تخطيط وتنظيم واستعداد للانقضاض المسلح لتغيير نظام الدولة.. فرق بين آحاد من الناس تهتز عقائدهم بفعل ظروف طارئة أو تأثير غزو ثقافي، فيعالج الأمر بما يناسبه من توعية وتربية وتحصين، وبين تبشير منظّم ومخطّط لنسف الإسلام ودولته، وبالتالي، فرق في المعالجة ولابد بحسب اختلاف الأحوال.
1418
| 12 يوليو 2015
حضرت قبل فترة إحدى الندوات التي تناقش قضية التكفير والتطرف، طرح فيها العديد من الباحثين، رأيهم في هذه القضية الشائكة التي وصل فيه هذا التكفير إلى حد التفجير والقتل في المساجد والأسواق ومقرات الجنود لجرد الاختلاف الفكري والمذهبي، والحقيقة أن العديد من الباحثين في هذه الندوة، تجاهلوا الأسباب الحقيقية مجتمعة لهذه الظاهرة، واختزلها في قضايا محدودة وهامشية، لا تسهم في مناقشة هذه الظاهرة المركبة والمتعددة الأسباب والقضايا. وهذا يذكرني بآراء سبق أن طرحها أحد الباحثين في مناسبة سابقة، وهي تتكرر بنفس المفاهيم والرؤى، ولا تناقش الأسباب الحقيقة التي تسهم في إنهائها! ومما قاله هذا الباحث: إن ممارسات الإرهاب ليست إلا تعبيرا عمليا للنزعة نحو التطرف. وليس التطرف بدوره إلا واحدا من بين ثلاث استجابات محتملة إزاء قوى الحداثة التي تجتاح الدول العربية والإسلامية. فعندما يواجه الأفراد الذين يحملون قيما اجتماعية ودينية وثقافية محافظة وتقليدية مظاهر الحداثة التي تتسم بالطابع الغربي بشكل عام. فإنهم يعانون من ضغوط جمة تولد لديهم أزمة هوية. ونتيجة لذلك. عندما تصطدم الحداثة مع القناعات الدينية. يلجأ الأصوليون إلى الاعتقاد أن التاريخ قد انحرف عن مساره الصحيح. يجد هؤلاء أنفسهم عندئذ أمام ثلاثة خيارات تتعلق بالكيفية التي ينبغي أن يتعاملوا بها مع العالم خارج مجتمعاتهم الأصولية الضيقة. يقضي الخيار الأول ببساطة أن يتجنبوا التعامل مع العالم الخارجي الذي لا يشاركهم منطلقاتهم الأصولية والمحافظة والتقليدية. ويقضي الخيار الثاني بمحاولتهم التوفيق بين منطلقاتهم الأصولية والتقليدية من جهة والقوى الاجتماعية والثقافية الحديثة التي تحيط بهم في الواقع المعاش من جهة أخرى. ويتمثل الخيار الثالث في الانخراط في أنشطة عنف صريح من أجل مقاومة الحداثة والضغوط المصاحبة لها والتي يشعرون بأنها تلوث نقاء منطلقاتهم العقائدية الأصولية وقيهم الاجتماعية والثقافية التقليدية.والواقع أنني اختلف مع هذه الرؤية الأحادية التي اختزلت مشكلة التطرف والإرهاب التي تعيشه بعض المجتمعات العربية أو الذي تقوم به بعض الجماعات ضد الغرب وبالتحديد ضد الولايات المتحدة، بأنها نتيجة لضغوط قوى الحداثة التي تجتاح عالمنا العربي والإسلامي. ويتولد عنه ما سماه الكاتب بـ"أزمة هوية" والتي تنتج هذه الممارسات المتطرفة والإرهابية كرد فعل على" الضغط الهائل الذي تتشكله قوى التحديث الآتية من الغرب".صحيح أن الاختراق الثقافي الغربي يستهدف الهوية في المقام الأول. وهذا الاستهداف لم يتوقف منذ البواكير الأولى لدخول قوى الاستعمار الغربي للمنطقة العربية والإسلامية. وجاء هذا الاختراق كمقدمة للاستعمار مع البعثات التبشيرية والمستشرقين والرحالة تمهيدا للاستعمار الثقافي والغربي والفكري. لكن هذا الاختراق المعزز بقوى الحداثة ومقولات التحديث والتمدين للدول المستعمرة لم تجد ذلك النجاح المأمول في اجتثاث الهوية أو صياغة هوية تأسر هذه المجتمعات وتجعلها تقبل بكل ما جاء به أو ما ادعاه الاستعمار من أن هدفه التحديث وتطوير هذه الشعوب والارتقاء بمستواها.. إلخ، وتذكر بعض كتب التاريخ أنه قيل لأحد الشيوخ الجزائريين إن القوات الفرنسية إنما جاءت لنشر الحضارة الغربية الحديثة في ربوع الجزائر. فجاء رد هذا الشيخ جافا مقتضبا ودالا. إذ قال: ولما أحضروا كل هذا البارود؟!وبعد ذلك من قال إن الغرب جاء بالتحديث للعالم العربي والإسلامي.. لقد أسهم في إعاقة التحديث والتمدن منذ دخوله كمستعمر وليس العكس، وزرع الكيان الصهيوني ليشكل هذا المجسم الغريب إعاقة دائمة لكل تحرك نحو التقدم أو التطور للأمة العربية. ألم يقم بإعاقة تجربة محمد علي في مصر، كأول تجربة تحديثية في المنطقة العربية؟ بل وأجهض الكثير من التجارب الوحدوية العربية وهي بلا شك ستكون مقدمة طبيعية للتحديث والتطوير في بلداننا بعد رحيله مباشرة مع تطبيق الديمقراطية والقبول بالاختلاف والتعدد. فمقولة إن التطرف والإرهاب ولد كرد فعل على ضغوط الحداثة الآتية من الغرب في اعتقادي اختزال غير دقيق لهذه المشكلة العالمية، وأن ربطها بقضية الحداثة يحتاج إلى مراجعة عميقة لأسباب التطرف والإرهاب في عمومه وعالميته وليس اختزاله ـ كما قلنا ـ في قضية الحداثة فقط باعتبارها شرورا عند المتطرفين والإرهابيين كما قيل. والحقيقة أن الإرهاب والتطرف الذي يعتبر الآن قضية القضايا ومحط أنظار العالم واهتمامه وتوجسه وهواجسه له من الأسباب الكثيرة ما يجعل حصره في مسألة أو قضية واحدة فكرة هلامية وتبسيطية غير صحيحة. فالإرهاب والتطرف يتمايز في منطقاته، وهذا التمايز يجعل هذه الظاهرة ـ الإرهاب والتطرف ـ تختلف من بلد لآخر تبعا لأسباب وعوامل عديدة ومتداخلة في الوقت نفسه. منها العامل السياسي ـوهو الأكثر بروزا ـ إلى جانب العامل الاجتماعي والديني والاقتصادي والثقافي والفكري وهكذا. فظاهرة التكفير والتطرف والغلو، ظاهرة مركبة ومعقدة ومن الأنصاف أن تكون النظرة إليها شاملة ومتوازنة ولا تقف عند عامل واحد فقط ونغض الطرف عن الأسباب الأخرى التي ربما تكون هي العامل الحاسم في هذه المشكلة أو الظاهرة التي تجتاح العالم كله وليس عالمنا العربي والإسلامي فقط. فالبعض يرجع قضية الإرهاب والتطرف إلى الجهل وقلة العلم والفهم بأمور الدين والدنيا. والبعض الآخر أيضا يراها نتيجة من نتائج الفقر والبطالة في العديد من المجتمعات العربية. والبعض الآخر أيضا يراها نتيجة من نتائج القمع السياسي والاستبداد وغياب الحرية والديمقراطية ويراها البعض الآخر مشكلة نفسية واجتماعية وأسرية.. إلخ. صحيح أن الغرب من خلال بعض مؤسسات صناعة القرار في الغرب استغلت بعض الممارسات الخاطئة من بعض المسلمين وحاولت ولا تزال أن تلصقها بدين الإسلام نفسه الخلاصة أن الإرهاب والتطرف قضية أكبر من أن تختزل في قضية لوحدها معزولة عن الأسباب الأخرى، ومن الأنصاف أن تتم دراسة كل ظاهرة بما تستحقه من التعمق والبحث والاستقصاء حتى تكون المعالجة والتقييم شافيا وناجعا من آثارها ومؤثراتها.إن ما جرى من تفجير وقتل المصلين مؤخرا في السعودية والكويت، فهذا التكفير والتطرف والغلو يحتاج إلى إستراتيجية جديدة لمواجهة هذا الفكر الخطير الذي يستبيح دماء المسلمين في الصلاة، والذي بلا شك فكر مضاد، والمواجهة العسكرية لوحدها لا تكفي للقضاء على هذا الذي يستهدف الأمة ويفرقها، ويخدع الكثير من الشباب دون وعي بقيم الإسلام الصحيحة، وهذه مهمة الدول والعلماء ووسائل الإعلام.
378
| 05 يوليو 2015
ما حدث منذ عدة أيام في الكويت وتونس وقبلهما في المملكة العربية السعودية، من تفجيرات إرهابية في بيوت الله، وقتل المسلمين وهم ساجدون لله في وقت الصلاة، لهو أمر خطير، بمعنى أن التطرف والتكفير يزداد، برغم هزائمه العسكرية منذ عقود، وهذا يستدعي إستراتيجية جديدة لا تعتمد على القوة العسكرية وحدها، فالفكر جد خطير، لذلك لابد من تجفيف منابع التكفير وغلق قنوات التحريض وخطاب الكراهية من كل الأطراف في الساحة الإعلامية الإسلامية.لا شك أن ظاهرة التطرف ظاهرة عالمية، وما يستتبعها من إفرازات أخرى، العنف والإرهاب، وأصبحت تؤرق الإنسانية بتلك من حيث الأفكار والأساليب التي تستخدمها، ومنها ظاهرة التكفير عند المسلمين، واستخدام العنف لفرض أفكارهم على الآخرين، صحيح أن الغلو والتكفير والعنف، أسبابه عديدة، فكرية وسياسية، واجتماعيا، وأسرية، ويقتاد على بعض الظواهر والأسباب،ويرى البعض أن هناك تقصيرا من جانب بعض العلماء والمفكرين الإسلاميين، في نشر وإبراز الرؤية الإسلامية الصحيح، والتعاطي الجدي مع ظاهرة الغلو والتطرف في فهم الدين القويم، فالتطرف والتكفير ظاهرة ليست مع داعش والنصرة وأنصار الشريعة، بل هو ظهر منذ عقود طويلة بالنسبة لعصرنا الراهن، وعندما ظهرت جماعات العنف السياسي في مصر منذ عدة عقود وقاموا بقتل واغتيال الكثير من السياسيين تحت يافطة إقامة حكم الله في الأرض.ولا شك أن ظاهرة الإرهاب والتطرف ظاهرة مركبة ومعقدة، ومن الإنصاف أن تكون النظرة إليها شاملة ومتوازنة ولا تقف عند عامل واحد فقط ونغض الطرف عن الأسباب الأخرى التي ربما تكون هي العامل الحاسم في هذه المشكلة أو الظاهرة التي تجتاح العالم كله وليس عالمنا العربي والإسلامي فقط.فالبعض يرجع قضية الإرهاب والتطرف إلى الجهل وقلة العلم والفهم بأمور الدين والدنيا, والبعض الآخر أيضا يراها نتيجة من نتائج الفقر والبطالة في العديد من المجتمعات العربية, والبعض الآخر أيضا يراها نتيجة من نتائج القمع السياسي والاستبداد وغياب الحرية والديمقراطية ويراها البعض الآخر مشكلة نفسية واجتماعية وأسرية .. إلخ.والذي يدعو إلى الأسف أن مصطلح الإرهاب لا يزال ورقة يتلاعب بها الكثيرون ويتقاذفون بها كالكرة فيما بينهم، وكل يوصم الآخر بالإرهاب وكل مشكلة داخلية يعانيها بلد ما، ترفع التهمة الجاهزة على البعض الآخر بالإرهاب، وبدلاً من اتخاذ الوسائل السلمية والقوانين المرعية، وحقوق الإنسان لحل هذه المشكلات ـ والتي تختلف من بلد إلى الآخر ـ فإن شعار الإرهاب بات الآن سيفاً مسلطاً بلا معايير دقيقة لتقييده، وهذه إشكالية ربما تساعد في ازدهار الإرهاب لا في استئصاله. ورغم أن الإرهاب قضية عالمية إلا أنه بقي خارج دائرة الاتفاق لجهة تعريفه، رغم ما تضمنته قواميس اللغة وكتابات الفقهاء من اجتهادات للتعبير عن الظاهرة، لكنها لم تفلح جميعها في وضع ضوابط ومعايير محددة للفصل بين الفعل الإرهابي وما سواه، الأمر الذي أدى حتى بأولئك المهتمين بدراسة هذه الظاهرة، إلى مواصلة بحوثهم ودراساتهم دون الاكتراث بتعريفها.وعدم الاتفاق على تعريف محدد للإرهاب نابع بالدرجة الأولى من تسييسه، ووضع الاعتبارات القانونية خارج الحسبان، رغم هويته القانونية في الأساس، وقد أدى ذلك بدوره إلى اختلاط الأوراق وتباعد المواقف، فلم يعد مستغرباً أن نشاهد حكومات، أو جماعات ترتكب حماقات وتقوم بأعمال الإبادة البشعة بحق الإنسان، باسم مكافحة الإرهاب، ولم يعد خافياً أن يستخدم الإرهاب ـ جسراً لتحقيق أهداف ومكاسب شخصية أو حزبية أو قومية أو إسلاميةوليس أقوى داعم للإرهاب وثقافة العنف مثل تجاهل أسبابه الكامنة والموضوعية لقيامه وانتشاره في المجتمعات الحديثة، وخاصة في عصر الثورة المعلوماتية والعولمة في جانبها السلبي، فإن التطرف والإرهاب سوف يعشش ويقتات من هذه السلبيات التي تزداد بازدياد أنظمته العالمية الجائزة والمجحفة في تعاملها الاقتصادي وفق النظرية الدار ونية البقاء للأقوى "بدل البقاء للأصلح !أيضاً من السلبيات التي تسهم في انتعاش ثقافة العنف الازدواجية والمعايير في السياسة الدولية، والكيل بمكيالين عند التعاطي معها، والتي أصبحت ظاهرة تؤرق العالم، والشعور بالظلم إزاء بعض القضايا التي باتت تستعصي على الهضم والتقبل، مثل معاناة الشعبين والفلسطيني العراقي، والأزمة السورة التي سببت كوارث للشعب السوري منذ أربعة أعوام، والكوارث الإنسانية التي يلاقيها هذه الشعوب،. فالتعاطي بالازدواجية في الكثير من القضايا، أثمر الكثير من الكراهية غير المبررة في بعض الأحيان، ومنها الإرهاب والتطرف والتكفير والغلو، الذي تعاني منه الإنسانية، لذلك فإن أفضل الخطوات لوقف هذا الإرهاب واستئصاله، هو البحث الجاد عن أسبابه وإيجاد المخارج المنطقية والعقلانية لتجفيف منابعه بالحكمة أولاً، ثم بالتعاطي العادل مع مسبباته بالأسلوب المناسب الذي ينهي كامل جذوره الفكرية والعسكرية.القاعدة الأساس التي يبني الإسلام العلاقة الداخلية بين أبنائه على ضوئها، بما يكفل وحدتهم وتكاتفهم ويضمن تحقيق الأمن الاجتماعي وإزالة كل عوامل التوتر، هي قاعدة الأخوّة الإيمانية بما تعنيه من أن المسلم ليس مجرد صديق أو رفيق أو نظير للمسلم الآخر بل هو قبل ذلك أخوه {إنما المؤمنون إخوةٌ فأصلحوا بين أخَوَيكم واتقوا الله لعلكم تُرحمون}[سورة الحجرات:10] ، والأخوة ليست مجرد شعار يرفع أو نشيد يتلى، إنها نظام متكامل يتألف من مجموعة من الحقوق والواجبات، لا بدّ من ترجمتها عملياً من خلال التكافل والتعاون بين الإخوة، والحماية والنصرة لبعضهم البعض ودفع الأذى وكف اللسان عن الآخر، إلى غير ذلك من الحقوق والواجبات التي أكدت عليها النصوص القرآنية والنبوية.
489
| 28 يونيو 2015
يتحدث الغرب الآن وبتعال أن الحديث عن الهويات الثقافية والخصوصيات الذاتية أصبح كلاماً بالياً عفا عليه الزمن ، ولا يمكن الالتفات إليه كطرح يعتد به وأخذه في الحسبان ،أن من يرفض تطبيقات العولمة وعاداتها الاستهلاكية إنما يريد رفض بضائع المدنية الحديثة ووسائل الاتصال وتكنولوجيا المعلومات التي دخلت البيوت ، ومجالات العمل والثقافة والحياة الاجتماعية ، ومن مظاهرها تداخل عناصرها وتياراتها وتفاعلها مع بعضها الآخر ،بحيث لم تعد التجارة والتكنولوجيا حرة وعالمية فحسب ، بل والإنتاج والاستهلاك ، وأصبح الحديث عن " الثقافة المصنعة " هدفا من أهدافها الجديدة . ولا شك أن العصر الراهن هو عصر الهيمنة والقوة الاقتصادية بلا منازع بما تمثله من انفتاح في التجارة والنشاطات الأخرى الهامة وغيرها من الجوانب ، أنه مجتمع المعلومات العولمي المتشابك ، وهذا بدوره سوف يجر إلى تغير اجتماعي ونفسي يسير بمعطيات مختلفة عما ألفناها من قبل المتمثلة في زيادة القدرات الوظيفية للأنساق الثقافية العالمية من خلال تطور تقنيات الاتصال الجديدة ، كالإنترنت والكمبيوتر والجوال وغيرها من الوسائل المعلوماتية الحديثة ، وهذه الوسائل سيكون لها الأثر في تشكيل الوعي لدى المتلقين وخاصة النشء الذين يتلقون هذه الوسائل بدون أن يدركوا أبعادها الفكرية أثرها الاختراقي على العقل والوجدان العربي .وهذه التقنية أيضاً سوف تدخل كمتغير فاعل ومؤثر في عملية التنشئة الاجتماعية ، فمن خلالها لم يعد النشء يستبطن الثقافة المحلية ـ كما يقول الباحث عبد القادر عرابي ـ بل ستدخل في تشكيل ثقافات أخرى ، فلثقافة الوطنية ، ثقافة الدولة والمجتمع ، ستواجه الثقافة العالمية بحيث أننا نجد أنفسنا أمام ثقافتين وعالمين مختلفين أو عوالم ثقافية مختلفة ، لا تتفاعل مع بعضها البعض بل يسود بعضها البعض ، وسوف تتدخل المؤسسات الأجنبية ـ من خلال شروطها ـ في عالم حياتنـا ، وتحاول السيطرة عليه واستعماره أو على الأقل تشكيله ، وسيقود هذا التدخل إلى مشكلات وتحديات تربوية ونفسية تهدد عمليات التفاعل المفترضة بين الثقافات .وإذا كانت الدولة الوطنية قد احتفظت بخصوصيتها الثقافية إلى حد ما ، فإن مجتمع المعلومات قد ضيق هذه الخصوصية والهوية الذاتية ، إذا لم يكن ينذر بالقضاء عليها ، فالدولة لم تعد في المستقبل هي المصدر الوحيد للمعلومات ، كما أنه من المتعذر عليها السيطرة على تدفق المعلومات الهائل وضبطها .وإذا كانت التنشئة الاجتماعية عبرت في الغالب عن علاقة مباشرة بين شخصين أو أكثر ، فإن التنشئة اللاشخصية ـ كما يقول عرابي ـ تزداد من خلال تطور تقنيات الاتصال الجماهيري ، وتعتبر وسائل الاتصال العالمية وسيلة من وسائل التنشئة الاجتماعية الجديدة التي صارت تنافس الوسائل الأخرى كالأسرة وأولياء الأمور والمدرسة والبيت ، وغيرهم من وكلاء التنشئة الاجتماعية ، وقد تكون أحياناً أكثر أثراً منهم على الطفل ، إذا ما ازداد تعرض الطفل لها ، ومع أن الدراسات حول هذه الظاهرة ما تزال قليلة جداً في مجتمعنا العربي ، إلا أن أثرها واضح في بناء الشخصية وعالم الطفل ومفرداته اللغوية ، وتحصيله الدراسي وفعله الاتصالي وسلوكه الاجتماعي ، وآرائه وقناعاته ومواقفه وسلوكه الاستهلاكي ، فالساعات الطويلة التي يقضيها الطفل في مشاهدة تقنيات الاتصال العالمية تجعل منها مصدراً هاماً لإمداده بالمعلومات ولتكوين اتجاهاته ومعتقداته ، وقد تحوله إلى مجرد مستهلك سلبي ، الشيء الذي يقف حائلاً دون تطوير قدراته وطاقاته الإبداعية .لقد كانت الدولة في الماضي ـ إلى حد ما ـ هي المصدر الوحيد للمعلومات ، أما الآن فإن تطور تقنيات الاتصال ستجعل الثقافة العالمية تنساب عبر الحدود ، الأمر الذي يجعل من المتعذر السيطرة على تدفق المعلومات الهائل ومراقبتها . أما التحديات التي تترتب على العولمة الثقافية بالنسبة للمجتمع فخطيرة جداً، ذلك أن المجتمع يعرف نفسه من خلال الثقافة والتاريخ ، وتكوين مرجعية ثقافية ، تشكل أساساً لشعور الجماعة والنسق القيمي . وهذا سيشكل تحدياً كبيراً من خلال الاختراق الثقافي وتعدد العوالم الثقافية ، وانسياب المعلومات في اتجاه واحد هي التي تضع الرأي العام وتؤثر في تشكل وعيه،لكن البعض يقلل من خطر العولمة ويعتبر هذا التدفق المعلوماتي ظاهرة إيجابية في معظم أنساقها الثقافية ، ويمثل جانباً هاماً من انفتاح الثقافات العالمية على بعضها البعض .إن هذه المقولات التي تسوّق لثقافة العولمة ، وتبشر بمزاياها والتقليل مــن مخاطرهــا ، ليس مقنعاً في أغلب جوانبه بالنظر إلى الكثير من الآراء والأفكار التي يطرحها سماسرة العولمة نفسها . وللتدليل على ما نراه مخالفاً حول ما قيل آنفاً أن هناك أصواتاً في الغرب قوية ومؤثرة تتحدث عن مخاطر العولمة في جانبها الثقافي أيضاً .. ناهيك عن البعد الاقتصادي ومشاكله في أوروبا نفسها ، وما حدث في سياتل وفي غيرها من المدن الأوروبية منذ سنوات أكبر مثال على مدى الرفض والقلق من مخاطرها الكثيرة .وأصدق مثال على ذلك أن فرنسا لا تزال إلى الآن تنتقد العولمة الثقافية والتي تسميها "الإمبريالية الثقافية الأمريكية " وتبذل جهوداً كبيرة للمحافظة على " الفرانكفونية " في فرنسا ، وفي بعض الدول الإفريقية ، ومما قاله وزير ثقافتها في أحد المؤتمرات الدولية مهاجماً الولايات المتحدة : أن تلك الدول علمتنا قدراً كبيراً من الحرية ، ودعت الشعوب إلى الثورة على الطغيان ، أصبحت لا تملك اليوم منهجاً أخلاقياً سوى الربح ، وتحاول أن تفرض ثقافة شاملة على العالم أجمع ، ومضى يقول : أن هذا هو شكل من أشكال الإمبريالية المالية والفكرية ، لا يحتل الأراضي ، بل يصادر الضمائر ومناهج التفكير وطرق العيش .ومن أجل ذلك رفضت فرنسا ـ وهي إحدى الدول الكبرى الصناعية في العالم كما معروف ـ أن توقع على الجزء الخاص بالسلع والمواد الثقافية في اتفاقية الجات ، وهي تشمل : السينما والتلفاز والفيديو وما يشابهها ، وقد نجحت فرنسا في الحصول على تأييد 46 دولة فرانكفونية في محاولاتها الحصول على " استثناء ثقافي " يشمل تلك السلع والمواد ، وقد أدرج في الاتفاقيات الدولية الخاصة بحرية التجارة ( الجات ) . فإذا كانت فرنسا بلد الحرية والنور والإشعاع الثقافي في الغرب ، ترفض ثقافة الولايات المتحدة وتعتبرها إمبريالية ثقافية . فماذا يجب أن يكون موقفنا نحن من هذا الاكتساح الثقافي والاقتصادي ، وغيرهما من الأبعاد الأخرى في هذا الإطار ؟ .وإذا كانت العولمة الثقافية تعني هيمنة ثقافية واحدة بأفكارها وقيمها وسلوكياتها ، وإزاحة الثقافات والهويات الأخرى الذاتية ، فما جدوى الحديث عن تعددية الأفكار والثقافات الإنسانية ؟ وماذا بقي من شعار الديمقراطية وحقوق الإنسان وهما من أسس الحرية الثقافية والفكرية في ظل هذا التحول المعادي للتعددية الثقافية ؟ وإذا كان البعض يردد مقولات تقلل من محاذير ومخاطر العولمة الثقافية ، والحديث عن التبادل والتفاعل الثقافي بين الثقافات ، من خلال تقنيات الاتصال وغيرها من الوسائل الحديثة ، فإننا نعتقد أن هذه الآراء تفقد مصداقيتها كما قلنا بالتدريج ، ذلك أن التبادل الثقافي بين ثقافات غير المتكافئة محسوم سلفاً ، وعدم التكافؤ يلغي عملية التفاعل والتبادل المفترض بين ثقافات الشعوب ، وأن عدم الاعتراف بالتعددية الثقافية في إطار العولمة ربما يمهد الطريق إلى حضارات وثقافات مغلقة ، والانغلاق ربما يجر إلى انقسام الحضارات ، وهذا الانقسام سيعزز للأسف نظرية هنتنجتون في " صدام الحضارات " التي تدعي أن فكرة التصادم والانقسام في المستقبل لن يكون أساسها الأيديولوجيا ، بل الثقافات والهويات عند خطوط التماس بين هذه الحضارات!! لكننا نعتقد أن هذا ليس صحيحا، لأنه ضد واقع التعايش والتفاهم والتواصل، الذي هو أصل الحضارات الإنسانية، منذ ظهورها بداية التاريخ .فهل تعي الإنسانية هذه المشكلات المقبلة ؟ ومن ثم العمل معاً على سيادة الاعتراف بالآخر المختلف ، واحترام ثقافته وهويته في ظل التعددية والديمقراطية وحقوق الإنسان ؟.
2393
| 21 يونيو 2015
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها...
4680
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام...
3321
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم...
1185
| 01 أكتوبر 2026
بعد أيام من رحيل مؤسس الشركة، يجتمع الأبناء...
1155
| 29 سبتمبر 2026
كل شيء سيمر، قد تبدو هذه العبارة بسيطة،...
999
| 30 سبتمبر 2026
في الفترة الأخيرة، لا أعرف لماذا، بدأت أنجذب...
909
| 30 سبتمبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين...
894
| 06 أكتوبر 2026
في الأوقات العادية، قد تبدو الاحتياطيات المالية والاستثمارات...
861
| 04 أكتوبر 2026
جاء قرار معالي رئيس مجلس الوزراء الموقر بإعادة...
771
| 29 سبتمبر 2026
•لكل مجتمع عاداته في مناسبات الفرح والحزن، لكن...
561
| 01 أكتوبر 2026
ما يجري اليوم في مضيقي هرمز وباب المندب...
534
| 29 سبتمبر 2026
لا هاتف في يده، ولا «واي فاي»، ولا...
528
| 29 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية