رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنت في بلد عربي لحضور أحد المؤتمرات الفكرية في شهر يونيو الماضي، عندما بدأت قوات تنظيم الدولة الإسلامية، بالسيطرة على مدن عديدة في العراق بطريقة تبعث على الاستغراب والتوجس، مع هروب وحدات عسكرية عراقية من تلك المناطق، وترك أسلحتهم وعتادهم لتستولي عليها تلك الجماعة التكفيرية، وتستمر في امتداداتها في المدن الأخرى، خاصة الشمال العراقي، إلى جانب تفوقها العسكري في محاور عديدة في سوريا مع النظام ومع المعارضة أيضا، والأغرب أن أنصار تلك الجماعة التكفيرية المتطرفة، كانوا يتظاهرون في تلك الدولة عندما كنت متواجدا بها في تلك الفترة، وفي بعض مدنها الكبيرة، وكانوا يرفعون الأعلام والشعارات، تأييدا لنجاحاتهم المتواصلة في العراق، دون أن تتحرك قوات الأمن في تلك الدولة لوقف تحركاتهم ونشاطهم السياسي بين سكان المدن لتأييد داعش والانضمام إليها.وطرح العديد من الكتاب والباحثين، تحليلات شتى لوصف ظهور داعش، ومن معها، ومن ضدها؟ ومن يمدها بالسلاح؟.. إلخ، فقد اتهمت من البداية من قبل المعارضة السورية (المعتدلة)، بأن داعش صناعة إيرانية/ بعثية وأنصارهما في لبنان والعراق، لعرقلة تقدم المعارضة السورية، وخلق صراع داخلي بينهما، ليتمكن النظام السوري، من ضربهما معا في النهاية، وعندما بدأت داعش في ضرب قوات النظام ومؤيديه من المليشيات الأخرى في بعض المدن، وظهر (جز رقاب بين أنصارهم)، اتهمت داعش بأنها من صنع المخابرات الأمريكية، وأنها تأتمر من قبل الاستكبار العالمي. وزاد من الشكوك والاستغراب، أن الولايات المتحدة وبعض دول أوروبا، توقفوا عن دعم المعارضة السورية، والمتمثلة بالجيش الحر والأجنحة الأخرى، بدعوى أن الأمور ليست واضحة في هذا الصراع، وأن الأوضاع في سوريا ملتبسة، بعد ظهور أخبار التطرف والغلو في بعض المقاتلين، وهذا ما جعل البعض يعتبر أن داعش، أقرب إلى مسمار جحا بالنسبة للغرب، لترتيب أوضاع وإستراتيجيات مقبلة للمنطقة، أو خطة لإنهاء ما بقي من الربيع العربي، تحت مسمى (خطر الإرهاب والغلو والتطرف)، والواقع أن ظهور داعش ومجموعات أخرى فجأة، وبقدرات وإمكانات كبيرة، تجعل الكثيرين يشككون في فرضية، أن مساحات وقدرات وإمكانات، وضعت لداعش، لتتمكن من فرض نفسها على الواقع الميداني والعسكري في سوريا والعراق، حتى يتم التمهيد لخطوات أخرى لترتيب المنطقة على أسس تراها بعض الدول أنها أكثر حماية واستقرارا للمنطقة باعتبارها من المناطق الحيوية المهمة اقتصاديا.والحقيقة أن هذه الأقوال والترجيحات مجرد تكهنات، لا ترتقي للمصداقية الدقيقة، لأن ما يجري حتى الآن عصي على التحليل الذي لا يقبله العقل تماما، فظهور داعش فجأة وبتلك القدرات القتالية وإعلان الخلافة على قرى في العراق، يبعث على الاستغراب، كما أن الحشد الدولي الضخم، لمحاربة داعش يطرح علامة الاستفهام أيضا، لأنه بذلك تم تصوير جماعة داعش، وكأنها دولة عظمى، بمعنى أن محاربة داعش لا تكفيها دول المنطقة، بل تحتاج إلى تدخل دولي كبير للقضاء على هذا التنظيم، وهذا ما يجعل الحليم حيرانا. والبعض الآخر يرى أن ظهور التطرف والتكفير والالتفاف، في دول بعينها، كسوريا والعراق، يبرز أن القمع والاستبداد، هما أحد الأسباب الأساسية لظهور التطرف والغلو، وأن هؤلاء ضحايا الظلم والاستبداد في هذه الدول، وإلا لماذا دول بعينها يظهر فيها هذا الفكر المغالي المتطرف، دون غيره من الدول، ويلقى قبولا كبيرا من الكثير من السكان، فالأسباب داخلية بحتة كما يرى البعض، كما أن هذا الفكر، ليس نبتة جديدة ظهرت مع داعش والنصرة، فهو موجود عبر التاريخ، وفي عصرنا الراهن نتذكر، جماعة التكفير والهجرة التي قتلت الشيخ الذهبي وزير الأوقاف المصري في 1977، وهذه الأفكار التكفيرية، التي تحملها التكفير والهجرة، لا تختلف كثيرا عن فكر داعش وجماعات التطرف والغلو الأخرى، وإذا كان ثمة اختلاف بين تلك الجماعات، فهي اختلافات هامشية وليست جوهرية، فالفكر التكفيري ينمو ويتحرك في مساحات التضييق والقمع، ويتغذى على انسداد الأفق، والحرمان، والإحباط واليأس، ولا نعتقد بصحة المقولات التي ترى أن هذا التنظيم صنعته الولايات المتحدة، أو إيران، أو حزب البعث أو غيرها، بل إن البغدادي الذي نصّبته داعش خليفة للمسلمين، كان أحد أعضاء تنظيم أبو مصعب الزرقاوي في العراق الذي قتلته القوات الأمريكية في أحد الكمائن قبل سنوات، إنما ربما أتيحت لهذا التنظيم، الفرصة للتمدد، لتحقيق أهداف لأطراف الصراع، لكنم ليسوا صناعة أجنبية بالقطع، لافتراق الأفكار والمشارب والتوجهات.الحشد الدولي لقتال داعش فيه مبالغة كبيرة في قدرات تنظيم الدولة، فمهما كانت قدرات هؤلاء وإمكاناتهم العسكرية، فإنهم لا يملكون قدرات دولة واحدة فقط من دول التحالف الجديد لقتال هؤلاء، فطائرات حربية على عدد الأصابع مع قوات برية من دول المنطقة، تكفي لإنهاء قدرات داعش وتقضي عليه تماما، مع ما تكنيه هذه الحرب على الشعبين السوري والعراقي، لتضاف هذه الحرب الداعشية محنة أخرى إلى معاناتهم التي يرزحون تحتها منذ سنوات.لقد صور أحد سكان العراق قبل فترة لإحدى الصحف، عن أسباب ظهور التطرف والغلو في العراق على وجه الخصوص، وقال كلاما دقيقا وصادقا ومعبرا، وهو أن ظهور هذه التنظيمات المتطرفة والعنيفة، ليس كما قال جورج بوش الابن، من أن العراق ما بعد صدام، سيكون نموذجا يحتذى به للديمقراطية بالمنطقة، فظهر العراق، نموذجا للتطرف والتكفير والصراع الطائفي البغيض، فعلى مدى سنوات ـ كما قال ـ "برزت الصورة الأكثر سوداوية في تاريخ العراق، فشباب في عمر الزهور فقدوا آباءهم بين قتيل وشريد، واعتقال وتعذيب، وقد شبَّ هؤلاء عن الطوق كثيرا، فضاعت كلمات الاعتدال، وذهبت أصوات الحكمة والتعقل، وتعاهد القوم على الثأر ورد الصاع، فخرجت من رداء الاستبداد موجات التطرف العاتية التي أحرقت الأخضر واليابس، وداست على كل القيم، وازداد المشهد تعقيدا، وانزوى العقلاء وارتفعت رايات التكفير والانتقام بأسماء وعناوين مختلفة، كلها تدعو إلى الحق بطريقة التصفيات والأخذ بالثارات، فماذا كانت النتيجة؟ زاد الاحتقان وسقطت المحافظات وتبخر الجيش الطائفي ونزح الناس وتكلمت البنادق وتحدثت الوحشية، والسبب هو الاستبداد والثأر المقابل". وهذه الصورة المروعة إلى قالها هذا الشخص الذي تكلم بحرقة وألم، لكن من المهم أن تكون هناك مراجعة لكل السياسات القائمة التي تعتمد على القوة والحلول الأمنية، لذلك لابد من التفتيش عن المشكلة، وإعادة النظر فيما هو قائم من أوضاع سياسية واقتصادية واجتماعية، فلن ينتهي التطرف والغلو بمجرد خسارته في المواجهة المقبلة، وهي متوقعة فعلا، لكن هذا الفكر وهذا الحقد المتبادل والمظالم والإقصاء، ستكرر نفسها بأدوات وإمكانات أخرى، إذا لم نراجع تلك السياسات القائمة، فالحل المقبل في القضاء على التطرف والغلو والتكفير، في تأسيس رؤى جديدة تقوم على العدل ورفع الظلم، والبعد عن الإقصاء والاستبداد، فالقوة وحدها لن تستطيع القضاء هذه التوترات والجماعات، لأنها تتغذى ـ كما قلنا ـ على وجود المظالم، وغياب العدل، وإقصاء التسامح والتآلف بين كل المكونات.****التحالف الدولي في حربه على داعش سينال ما يريد من نجاحات في حملته العسكرية المقبلة، وفي أقصر الأيام لو أراد، إلا إذا كان هناك مآرب أخرى!! لكن هل ستحقق الحملة العسكرية ما تريده في الأفق الأبعد في القضاء على التطرف والغلو والتكفير؟.. وللحديث بقية.
1112
| 21 سبتمبر 2014
لا شك أن مصطلح الإرهاب، كما تحدده المصطلحات السياسية، هو أسلوب من أساليب الصراع الدولي الذي يقع فيه ضحايا بصورة جزافية أو رمزية كهدف إيقاع أذى أو عنف فعال لطرف آخر، بدون أن يكون هدفا أسمى للعمل الإرهابي.لكن الإشكالية التي تسهم في غموض هذا المصطلح وجعله أكثر التباساً، هو عدم التفريق الدقيق بين الإرهاب كظاهرة عالمية، غير محدد بدولة أو بشعب أو بعقيدة، وبين كفاح الشعوب ونضالها لنيل حقوقها المشروعة في التحرير ومحاربة المحتل والمستعمر.. وهذه بلا شك قضية محورية يجب أن توضع في مكانها الصحيح، وتنضبط وفق مقاييس دقيقة وثابتة بعيداً عن الأهواء والميول والاتجاهات الأيديولوجية واختلافها.. فمصطلح الإرهاب يستخدم أحياناً بطريقة انتقائية وتلصق أحيانا على أعمال لا تندرج ضمن مفهوم التعريف المشار إليه آنفاً، وهذه مسألة تثير الارتياب في تعريفات بعض الدول للإرهاب ومنها الولايات المتحدة على وجه التحديد.ولا شك أن العمل الإرهابي في بعض أهدافه ـ كما يقول د/ منصور الزهراني ـ " يستهدف عادة تحقيق غايات سياسية، أو اقتصادية أو اجتماعية، وهو في ذلك يوجه إما إلى أشخاص أو إلى ممتلكات خاصة أو عامة. والإرهاب كما أنه عمل فردي يقوم به شخص أو مجموعة من الأشخاص، فإنه قد يكون سلوكاً حكومياً نظامياً وهو ما يسمى إرهاب دولة،فعلى سبيل المثال الإرهاب الإسرائيلي في احتلاله وجرائمه التي ارتكبت ضد العرب في فلسطين يعد أفظع أساليب الإرهاب في عصرنا الراهن، وهذا الإرهاب الإسرائيلي ربما يفوق الإرهاب القديم بما يملكه من وسائل حديثة ووحشية منذ منتصف القرن الماضي إلى الآنوليس أقوى داعم للإرهاب مثل تجاهل أسبابه الكامنة والموضوعية لقيامه وانتشاره في المجتمعات الحديثة، وخاصة في عصر الثورة المعلوماتية والعولمة، ونتيجة للفوارق الاقتصادية والاجتماعية، فإن التطرف والإرهاب سوف يعشش ويقتات من هذه السلبيات التي تزداد بازدياد أنظمته العالمية الجائرة والمجحفة في تعاملها الاقتصادي وفق النظرية الدارونية البقاء للأقوى "بدل البقاء للأصلح ! أيضاً من السلبيات التي تسهم في انتعاش الإرهاب قضية الازدواجية والمعايير في السياسة الدولية، والكيل بمكيالين عند التعاطي معها، والتي أصبحت ظاهرة تؤرق العالم، والشعور بالظلم إزاء بعض القضايا التي باتت تستعصي على الهضم والتقبل، مثل معاناة الشعب الفلسطيني والقتل العشوائي، والكوارث الإنسانية التي يلاقيها هذا الشعب من هذا الحصار الظالم والحصار... إلخ. والذي يدعو إلى الأسف أن مصطلح الإرهاب لا يزال ورقة يتلاعب بها الكثيرون ويتقاذفون بها كالكرة فيما بينهم، وكل يوصم الآخر بالإرهاب فالقضاء على أسباب الإرهاب خطوة إيجابية لدحره وتقزيمه ولو بصورة متدرجة، وهو في اعتقادنا أفضل الأساليب لاستئصاله من جذوره، وهذا الإرهاب لا نختلف جميعاً على رفضه ونبذه بكل أنواعه وصنوفه ومبرراته، لكن الأسباب الكامنة لعلاجه مسألة هامة للقضاء على الإرهاب. من هذه الأسباب، أن الكثير من المجتمعات في العالم تفتقر إلى الديمقراطية والتعددية السياسية وآلياتها في الاختيار الحر النزيه من خلال الانتخابات التشريعية، إلى جانب أن أحزمة الفقر وظروف الهجرة الكثيفة إلى المدن، وانتشار الأحياء العشوائية من أسباب انتشار التطرف الذي هو بلا شك محصلة أخيرة للإرهاب، كما أن عجز بعض السكان عن التكيف مع قيم المدينة الحديثة، وطريقة حياتها القائمة على المنفعة المادية البحتة، وافتقارها إلى الكثير من قيم المدن الصغيرة أسهم في الكثير من أسباب الاحتجاج والتطرف. هذه الأسباب اجتمعت مع أسباب أخرى وهي غياب العدالة، وازدواجية المعايير في القضايا السياسية، وغيرها من الأسباب المساهمة في بروز ظاهرة العنف والإرهاب، كظاهرة عالمية والتي تحتاج إلى التقييم والفهم والتعامل العادل.والمشكلة التي يجب طرحها أن الولايات المتحدة واجهت إرهاباً فظيعاً لم تكن تتوقعه بالصورة التي حدثت، وبدلاً من التروي والدراسة المتأنية لاتخاذ الرد على هذا الإرهاب المفاجئ، قامت بشن حرب على أفغانستان، لاحتضانها أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة المتهم بهذه التفجيرات في 11 سبتمبر 2001م، ثم أكملت ذلك باحتلال العراق، بعد تبريرات أصبحت في ذمة التاريخ، ومنها امتلاك النظام السابق! والغريب أن الولايات المتحدة لم تناقش بجدية قضية الكراهية التي تواجهها من غير الكثير من دول العالم في هذا العصر، فالكثير من أسباب الكراهية المرفوضة، ربما تزيد في معدلات الإرهاب وتناميه بصورة مضطرة والسؤال الذي يحتاج إلى أجوبة صريحة من العالم كله: لماذا لا يتساوى إرهاب شارون مع إرهاب أسامة بن لادن المشتبه به في تفجيرات نيويورك وواشنطن بنفس الوقفة والحدة والصرامة؟ فمن منهجية التعاطي المزدوج في مسألة الإرهاب تمثّل سابقة خطيرة على السلام والعدل والاستقرار، وإذا ما سكت العالم على الإرهاب بمعاييره ومقاييسه القائمة، فإن القضاء على الإرهاب سيكون كمن يحارب طواحين الهواء ـ كما فعلها دون كيشوت..
3914
| 16 سبتمبر 2014
منذ فترة كتب أحد الباحثين مقالة حول قضية المؤامرة التي يقول بها البعض، وقال ما خلاصته "إن هذه الرؤية التي يطلقها البعض، وأن مقولة الغرب، يتآمر علينا مجرد أوهام في عقول بعضنا ليس إلا، "وأننا نعطي لأنفسنا حجماً أكبر بكثير من حجمنا الحقيقي، فنحن في نظر كثير منا مركز العالم وليس لدى أمم الدنيا من شغل سوى التآمر علينا.. ولا نريد أن نعترف بحجمنا الحقيقي وبدورنا المتواضع في الحضارة المعاصرة "ونحن بدورنا سنسأل هذا الكاتب..هل صحيح أن قضية التآمر مجرد وهم اخترعناه وصدقناه وبعد ذلك جرينا وراء هذا الوهم مثلما فعل جحا ـ كما تقول الحكاية ـ عندما أخبر أهل قريته أن هناك وليمة في منطقة قريبة وعندما جرت الجموع لحضور الوليمة تبعها جحا لتوهمه بصدق هذه القرية المخترعة منه؟أم أن هناك أصلا لهذه الحكاية وأن الحقبة الاستعمارية الماضية كانت أكبر من المؤامرة وربما تتجاوزها في تأثيرها ونتائجها المأساوية في تراجعنا الحضاري والتكنولوجي؟ وهل صحيح أن الغرب لا يهتم بنا ولا يلقي لنا بالاً بحجم المكانة الضعيفة والدور المتواضع في عصرنا الراهن وأن الأمم الأخرى لديها ما يشغلها عنا، ناهيك عن أن تتآمر علينا؟! وكان بودي أن لا يضع هذا الكاتب تلك الأحكام الجاهزة غير العادلة في علاقة "الأنا بالآخر" أو على الأصح بين الإسلام والغرب، ونحن نتفق كما قال هذا الكاتب إننا في مؤخرة الركب الحضاري والتكنولوجي والاقتصادي.. لكن أليس تصويرنا بأننا نشكل خطراً على الحضارة الغربية وأننا نملك قدرات كبيرة وأن الصراع القادم سيكون بين الغرب والإسلام وأننا.. وأننا.. إلخ...مجرد مؤامرة لبقائنا في قائمة التخلف والتواضع والهامشية؟! [وهذا الرأي يدحض ما ذهب إليه كاتبنا الكريم في تصوير علاقتنا بالآخر]، وحتى يقتنع صاحبنا، أن هذا الكلام الذي نقوله ليس اجتهاداً خاصاً أو طرحاً عاطفياً عابراً بل إن هناك آراء ودراسات وأطروحات تناقش هذا الرأي بقوة وبشكل علني وصريح، لذلك سوف نعرض آراء بعض مفكري الغرب ومنظريه فيما ذهبوا إليه وهو ما يخالف رأيه وطرحه تماماً.أقوى هذه الآراء وأخطرها ما طرحه الدكتور صموئيل هنتغتون في بحثه الشهير [صدام الحضارات].. يقول هنتغتون: "إن الصراع في المستقبل سيكون صراع الحضارات، وإن الغرب ينبغي أن يستعد للنزال مع الحضارة الإسلامية إذ هي حضارة معادية ومن الاستعداد للصدام الدموي: تجريد المسلمين من عناصر القوة والنهضة منذ الآن، حتى إذا وقع الصدام تكون قدرات العدو ضعيفة وتكون تكاليف المواجهة ـ من ثم ـ قليلة خفيفة!!"، ماذا نقول في هذا الرأي الذي طرحه واحداً من أبرز الأكاديميين الغربيين ورئيس أكاديمية هارفارد للدراسات الدولية والإقليمية، وهل نحن نستطيع المواجهة مع الغرب الذي يملك العدة والعتاد والمكانة الدولية؟ وما هو تفسير هذا الكاتب في مقولة هنتغتون؟ أليست فعلاً مؤامرة كاملة الأركان بنص العبارة "تجريد المسلمين من عناصر القوة والنهضة منذ الآن"، القضية تحتاج إلى مراجعة ذاتية تخلصنا من تلميع الآخر وتبريره و"تضخيم الذات أو جلدها. أيضاً المفكر الفرنسي [روبير شارفان] العميد السابق لجماعة نيس الفرنسية قال في إحدى الندوات التي عقدت في المغرب مؤخراً حول [الإسلام والغرب] إن هذه الرؤية [صدام الحضارات] تفترض حاجة الدول إلى خلق عدو وهمي أو فعلي يكون بمثابة "كبش فداء" تتحدد مهمته في تبرير المتاعب الداخلية لتلك الدول والتمويه على تناقضاتها الفعلية فقد لعبت في هذا الإطار ـ كما يقول ـ مقولات "التهديد السوفيتي" و"الحرب البادرة" و"إمبراطورية الشر" و"مواجهة الشيوعية" دوراً مهماً في تبرير المتاعب الاقتصادية والاجتماعية التي تتخبط فيها الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا.. لكن مع تفكك الاتحاد السوفيتي وبروز عهد العولمة والشمولية صار من اللازم البحث عن عدو خارجي آخر، وما لبث "مرتزقة المجموعات الصناعية والمالية الغربية" أن عينوا هذا العدو: إنه الشرق عموماً والإسلام على وجه الخصوص"!!كتاب آخر جديد، يتحدث أيضاً عن نفس المفهوم [الإسلام والغرب؟ بين التعاون والمواجهة] يقول مؤلفا الكتاب "لقد بات مألوفاً منذ الحرب الباردة الدفع بالقول بالصراع الأيديولوجي العالمي المقبل قد يكون بين "الإسلام" و "الغرب". بعبارة أكثر بساطة نقول إن الإسلام في أذهان مراقبين كثيرين باعتباره المرشح التالي الأكثر ترجيحاً لمعارضة المصالح الغربية في أنحاء المعمورة".. وهناك الكثير والكثير من الأطروحات والمؤلفات والبحوث والندوات وكلها لا هم لها إلا ترديد الرأي الثابت و "الأسطوانة" المحفوظة عن ظهر قلب التي تقول إن الإسلام هو العدو الجديد القادم.. الصراع بين الإسلام والغرب قادم لا محالة.. المسلمون يريدون السيطرة على العالم الغربي.. الخطر الحقيقي الذي يهددنا تهديداً مباشراً عنيفاً هو الخطر الإسلامي.هذا الطرح الذي يردد بطريقة عجيبة من "علية القوم" وصفوة المجتمع وأهل الفكر والرأي لا نعتقد أنه يطلق جزافاً وعشوائياً بمعنى أنه على الرغم من ضآلة حجمنا وتواضعنا الحضاري ـ وتشرذمنا وقلة حيلتنا، إلا أن هؤلاء ما زالوا يطرحون مسألة أننا ندٌ للحضارة الغربية وإننا سوف نخوض معها صراعاً حضارياً وصداماً ثقافياً وإنه لابد من الاستعداد للمواجهة من الآن !!أي مواجهة.. وأي صراع.. نحن أمة صراعنا الأساسي مع التخلف والتراجع والتواضع العلمي والتقني، ونحن أيضاً في سباق محموم مع مشكلات التنمية وقضايا الديمقراطية.. فلماذا يريد الغرب أن يجرنا إلى المواجهة وإلى الصراع والمناطحة؟!.. الموضوع إذاً واضح لا لبس فيه ولا غموض إنها خطة محكمة معدة هدفها إشغالنا في قضايا ثانوية وفرعية بدلاً من التركيز على قضايا التنمية واستئصال التخلف والمحاولة.. مجرد محاولة لعصرنة واقعنا الراهن، نجد الغرب يدفعنا دفعاً إلى الصراع. أما قول هذا الكاتب، متهكماً وساخراً إنه "ليس لدى أمم الدنيا شاغل يشغلها سوى التآمر علينا" فهو قول مردود. ذلك أن الآراء التي سردت آنفاً تبرز جانباً مهماً من الانشغال الغريب بنا وبما نمثله من مخاطر! وهذا الانشغال قد لا يعكس الواقع الدقيق بحكم ما نحن فيه، إنما يعكس نظرة الآخر دائماً لهذه الأمة بأنه ينبغي ألا تقوم لها قائمة وأنه يجب أن تشغل عن هدفها الحقيقي وهو التنمية الذاتية ودحرجتها إلى مسار آخر يعيدها إلى نقطة الصفر ثم تأتي بعد ذلك التبريرات من بعض مثقفينا وكتابنا بأن هذه الأمة تعيش هاجس التآمر الواهم من قبل الغرب، وتصطنع لنفسها مكانة سرابية مخترعة ليس إلا.. مثلها مثل مقولات الغزو الثقافي والاختراق الفضائي وغيرها!!والأغرب أن فرنسا الدولة الليبرالية حتى "النخاع" تتحدث على لسان فلاسفتها وكتابها عن الغزو الأمريكي.. والتآمر على ثقافتها وأن عصر "العولمة" المقبل هو إذاً فرض على العالم سوف تقام بسببه [صراع ثقافات] وأنه خطة أمريكية للقضاء على الخصوصية الذاتية!!لكن فرنسا وتوجسها له مبررات معقولة [عند بعضنا]، أما نحن عندما نصرخ فيجب أن يكون صراخنا على قدر حجمنا وقامتنا.. من نحن حتى نتهم غيرنا بالتآمر علينا؟.. ننظر حولنا.. ونتأمل ذاتنا قبل أن نوجه اللوم إلى الآخرين، هذه هي آراء بعض كتابنا ومفكرينا وهذا هو طرحهم ونقدهم لواقعنا، لذلك أود أن أسأل صاحبنا سؤالاً آخراً.. لماذا يريد الغرب الحضاري.. العقلاني المتقدم "المشغول عنا" بقضايا هامة أن تستثني إسرائيل المعتدية على حقوقنا العربية من معاهدة عدم الانتشار النووي؟! لماذا تستخدم الولايات المتحدة "الفيتو" دائما دعماً لإسرائيل لمجرد أنها لا تريد تطبيق اتفاقات معقودة مع العرب وبالأخص الفلسطينيون، وشن الحرب تحت ذريعة أسلحة الدمار الشامل مع الاعتراف مؤخرا بأنها كاذبة؟ فالآخر [الغرب] يعتقد أنه محارب والكل يود تدميره وإن الحضارة الغربية مستهدفة ومكروهة.. وهذه أيضاً أشبه ـ بنظرية المؤامرة ـ عندنا فلماذا نسكت في حالة الغرب "ونجلد ذاتنا" في حالتنا نحن.. ومن حق أي كاتب أن يأخذ بالرأي الذي يتفق مع قناعاته الخاصة، لكن من حق الآخرين أن يخالفوه في هذا الرأي أو ذاك، ومع ذلك فإن نقدنا لذاتنا بعيداً عن الأطياف الخادعة والقراءات الانفعالية ضرورة هامة في مسارنا الحضاري شريطة أن يكون هذا النقد عادلا ومستوجبا للحوار الموضوعي والنظرة المنهجية السليمة، وبغير ذلك نكون كمن يضع حساباته على الرمال.
1005
| 07 سبتمبر 2014
لا تزال بعض الكتابات في الغرب، تطرح مسألة صدام الحضارات والثقافات بين الفينة والأخرى، فعندما تظهر مشكلة من المشاكل بين الغرب وبعض المسلمين، تتم استعادة حديث الصراع بين الحضارات (ظهور داعش كنموذج للفوبيا في الغرب)، مع أن الغالبية من المسلمين، ترفض فكر التطرف والتكفير والغلو، ومن الحق أن نقول إن بعض أفعال الغربيين، ليست هي الرؤية المسيحية للعرب والمسلمين، ولا بعض أفعال المسلمين، هي رؤية الإسلام لأصحاب الديانات السماوية الأخرى، لكن للأسف الكثير من الكتاب في الغرب يطرحون آراء مغايرة للحقيقة، بعضها للأسف أحكام مسبقة، وهدفها زيادة التوتر، وخلق الاحتقان بين الثقافات من خلال مقولات صدام الحضارات، وترويج فكرة خطر الإسلام المقبل على الغرب!! ولاشك أن الحضارات كيانات ثقافية ضمن عناصر أخرى تدخل في تركيبتها الفكرية والثقافية، لكن التمايز الحضاري والاختلاف الثقافي والديني واللغوي، لا يعني بالضرورة الصدام والصراع، إنما العناصر الأهم للصراع والتصادم المصالح السياسية والاقتصادية والإستراتيجية التي تسهم في توظيف هذه التمايزات والاختلافات المصلحية، لكن ما قيل في هذا الصدد عن الصدام الحضاري والثقافي مجرد لافتة أو غطاء لستر المصلحة أو الحاجة الأخرى غير المعلنة، بما يستتبعها من هيمنة وسيطرة وإن وضع تحت شعار الخطر القادم من الهويات والثقافات المعادية للغرب وحضاراته.. إلخ. صحيح أن بعض صناع القرار في الغرب يقولون إن الإسلام دين التسامح والسلام، لكن هذا القول لا يستقيم ودرجة العداء في وسائل الإعلام والمؤسسات الإستراتيجية في الغرب، مع أنها خفّت قليلا بالمقارنة مع أحداث 11 سبتمبر 2001، رغم أن بعض هؤلاء الذين يتهمون بالإرهاب الآن لا يمثلون الغالبية في المجتمعات العربية المسلمة، كما أشرنا آنفا، إلا أن بعض الدوائر المؤثرة في الغرب ومنذ عقود عدة، أعطتهم دعاية أكثر مما ينبغي وسلطت عليهم الأضواء بطريقة تبعث على الاستغراب، وهذا ربما يؤكد ما تطرحه بعض القوى في الغرب في إطار البحث عن عدو وإخراجه إلى السطح، لتثبت بالتالي نظرية العدو المفترض كما جاء في أطروحة "صدام الحضارات"، ثم يأتي بعد ذلك الحديث عن الخطر الإسلامي والتهديد المقبل للحضارة الغربية، وهذه ما تبرزه الأحداث المتلاحقة والمتتابعة منذ وقوع الزلزال السوفييتي وتداعياته في القرن الماضي، حتى وقت التفجيرات في نيويورك وواشنطن. وقد أكد هذا المنظور الإستراتيجي في قضية البحث عن عدو مفترض، العميد السابق لجامعة نيس الفرنسية "روبير شارفان"، عندما قال: إن رؤية صدام الحضارات تفترض حاجة بعض الدول إلى خلق عدو وهمي أو فعلي يكون بمثابة "كبش فداء" تتحدد مهمته في تبرير المتاعب الداخلية لتلك الدول والتمويه على تناقضاتها الفعلية، فقد لعبت في هذا الإطار مقولات "التهديد السوفييتي" و"الحرب الباردة" و"إمبراطورية الشر" و"مواجهة الشيوعية" دوراً مهماً في تبرير المتاعب الاقتصادية والاجتماعية التي تتخبط فيها الولايات المتحدة وأوروبا. لكن مع تفكك الاتحاد السوفييتي وبروز عهد العولمة والشمولية صار من اللازم البحث عن عدو خارجي آخر، وما لبث "مرتزقة المجموعات الصناعية والمالية الغربية" من أن عينوا هذا العدو: "إنه الشرق عموماً والإسلام على وجه الخصوص".إن التخوفات الكامنة في هذا الصدد ترى أن الأسباب الدافعة للصدام هو نمو الحضارة المعاصر نتيجة للدور المزدوج للغرب، فرغم أن الغرب في أوج قوته فهو يواجه حضارات ليست غربية، وترغب في تشكيل العالم بطرائق غير غربية، في مجال التكنولوجيا الحديثة، فهذه الرؤية التي لا تطيق الآخر، أو تقبل الاختلاف معه، رؤية أحادية في العقلية الأكاديمية في الغرب، حيث تضع الخطط والإستراتيجيات للسياسيين والقادة في الغرب، بطريقة غير عادلة، لكنها تضع ما ينبغي أن يكون عليه الغرب من المكانة وفق تلك المصالح والرغبات، حتى ولو تم التعسف والقمع والهيمنة في هذه الإستراتيجية، وإلا ماذا تعني الإشارة إلى أن الغرب سيواجه حضارات ترغب في تشكيل العالم، وعلى الغرب ألا ينام قرير العين على طرح "نهاية التاريخ وخاتمة البشر"، حيث إن تلك النظرة تستعدي الآخر وتضع التصادم قبل الحوار، وتقدم اختلال الموازين في تعاملها مع الحضارات والهويات الأخرى.أما الرؤية الأخرى لهنتنغتون فتقول إن الخصائص والفروقات أقل قابلية للتبديل وغير قابلة للحلول الوسط، وكذلك أن الحضارات تتمايز الواحدة عن الأخرى في التاريخ واللغة والثقافة والتقاليد والدين، وأن هذه الاختلافات أكبر بكثير من الاختلافات الأيديولوجية السياسية، إذ كان السؤال أيام الحرب الباردة أين نقف؟ ومع من نكون؟ أما السؤال الآن فهو من نحن؟ ومن هم؟ وبغض النظر عن المبالغة غير الدقيقة في تصوير هنتنغتون للتحالفات على أساس الفروقات والخصائص والتأثيرات الثقافية التي لا نشك في دورها في تشكيل الوعي الإنساني، إلا أنه من استقراء الواقع نجد أن هذا التصنيف لم يتحقق في الحرب العالمية الأولى، فقد تحالفت البروتستانتية في برلين مع الكاثوليكية في فيينا والإسلام في إسطنبول، وتحالفت الأرثوذكسية في روسيا مع الكاثوليكية في فرنسا، والبروتستانتية السائدة في بريطانيا، وفي الحرب العالمية الثانية تحالف الألمان واليابانيون رغم اختلاف أصولهم العرقية وعقيدتهم الدينية.وما يدحض نظرية هنتنتغتون في قضية التحالفات على الأسس الثقافية التحالف الجديد القوي بين الولايات المتحدة وباكستان في الحرب في أفغانستان، وهذا ما يجعل الافتراضات التي طرحها هنتنغتون غير متماسكة، لكنها في الواقع تبرر للغرب ما يفعله بعيداً عن الدقة والمصداقية، كما أن مقولة تضامن البلد المماثل لا يستقيم مع التحالفات التي جاءت بعد تفجيرات نيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر 2001. ومن القضايا التي أشار إليها صاحب الأطروحة آنفة الذكر إشكالية العودة للهوية أو البحث عنها في كثير من بقاع العالم بعد انتهاء الحرب الباردة، مما أدى إلى نشوب أزمات وحروب عرقية كثيرة في العديد من القارات لم تألفها الإنسانية فترة ما قبل انتهاء الحرب الباردة، ولم يسأل هنتنغتون نفسه لماذا هذه الفروقات الثقافية؟ وما هي أسبابها الحقيقية الدفينة؟ فقضية العودة إلى الهوية الثقافية صحيحة، لكنه لم يناقش أبعادها وكوامنها الداخلية المستعصية، لماذا اختلفت الأسئلة بهذه الحدة، من نحن؟ ومن هم؟ ولماذا صاحبتها نزاعات دموية كثيرة، ولا تزال نارها تحت الرماد؟ لقد طرح هنتنغتون الوصفة دون أن يشخص الحالة ومسبباتها أو كيفية علاجها.فالشعور بالهوية والاعتزاز بالثقافة الذاتية عند الكثير من شعوب العالم بعد انتهاء الحرب الباردة، هما مشاعر دفينة وكامنة في الذاكرة الإنسانية، لكنها محبوسة بسبب القمع والتهميش، ومعظم هذه الإشكالية كان سببها الغرب نفسه، بشقيه الرأسمالي والاشتراكي آنذاك، عندما تم تهميش الكثير من الشعوب والأقليات التي حكمت بعد انتهاء الحربين الكونيتين، إلى جانب غياب العدل والمساواة عندما تم التعاطي مع مطالبها، وحرمانها الكثير من حقوقها الذاتية والإنسانية، وما حصل بعد انهيار المعسكر الشرقي من تمزق وفوضى سياسية كان جزءاً من هذه الإشكالية، إلى جانب أن الكثير من اتفاقات الحدود التي رسمت في العالم كانت نتيجة من نتائج الحرب واتفاقات الإذعان لا التوافق والتفاوض العادل.والقضية الأهم أن تنظر الإدارة الأمريكية النظرة العادلة إلى الأحداث، وعدم الزج بخلافها مع القاعدة أو، أو النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية، أو إيران، أو غيرهما، إلى خلافها مع الإسلام نفسه، وإلا أصبحنا ندفع بتفاقم الصراعات والتوترات وربما حروب الحضارات تتحقق فعلا بسبب الأحكام المسبقة، والحاجة إلى عدو قائم.
1136
| 31 أغسطس 2014
في الحديث التلفزيوني الذي أجرته الفضائية العمانية ( مباشر)، تحدث معالي يوسف بن علوي بن عبد الله الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية العمانية، في العديد من القضايا الداخلية والخارجية، ومنها الحديث عن أهمية إعطاء الشباب الفرص باعتبارهم أمل الحاضر وعدة المستقبل، وكان رأيا جديرا بالاهتمام والتقدير، وهذا بلا شك هام وضروري في هذا العصر الذي تموج في فضائه الأفكار والمعلومات، بما لم يسبق له مثيل، والأهم هو الحوار مع الشباب، أو حوار الأجيال، من أجل سبر أغوار رؤيتهم وأفكارهم، ومعرفة ما يدور في عقولهم من رؤى حول الحاضر والمستقبل، ولإتاحة الفرصة للشباب أن يعبر عن ذاته، والإعراب عن ما يجيش في ذهنه من أفكار وتطلعات مستقبلية لهذا الوطن العزيز من خلال الندوات والمحاضرات واللقاءات المتعددة القضايا والموضوعات باعتبارها ضرورة وهامة لمستقبلهم الواعد، وكنت أتمنى أيضا أن يقام حوار (أجيال) بين جيل الشباب، وجيل الأكبر سنا، وهذا مهم أيضا لاكتشاف الفجوة بين الجيلين، ويكون تكملة للندوة السابقة، وفتح باب المناقشة والمكاشفة في كل الموضوعات الوطنية والفكرية والاجتماعية، بهدف تقليص الفجوة بينهما، ومناقشة رؤى وتطلعات هؤلاء في كل القضايا التي أثيرت وطرحت في فترة الاعتصامات ، فالحوار أصبح من القضايا والموضوعات الهامة، لكل المشكلات العالقة والخافتة في عصرنا الراهن، وهذا هو المنهج الصحيح لمعرفة ما يدور في أذهان وعقليات هذه الأجيال، وتطلعاتهم تجاه المستقبل ، وما هي المعوقات أو السلبيات التي نراها عائقة تجاه مسارنا القيمي أو الفكري أو التنموي ؟.من هنا فإن الحوار الذاتي داخل الأمة الواحدة يمثل خطوة هامة في المرحلة الراهنة ، ولن تستطيع الأمة أن تحقق نجاحات في طرائق وأساليب ومنطلقات الحوار مع الآخر المختلف إلا إذا أرست تقاليد الحوار الداخلي [ الذاتي ] بين تياراتها ونخبها المختلفة ، والقبول بالتعدد والاختلاف والمغايرة في الأفكار والاجتهادات دون إقصاء أو استبعاد أو نفي ، فإذا لم نستطع أن نقيم حواراً بيننا ونقبل به، فإننا لن نطمح في حوار مثمر مع الآخر المختلف . وهذا الحوار الداخلي الملح والضروري في مسار الأمة لن يتحقق بصورة عشوائية أو عاطفية، بل إن هذا الحوار يحتاج له أن ( يبرمج ) ويؤسس على منطلقات صريحة وواضحة لحل القضايا التي تقف في وجه وحدة الأمة وتآلفها واتفاقها في القضايا الكبرى ـ ومن هذه المنطلقات ـ كما يعددها الدكتور عبد العزيز بن عثمان التو يجري ـ الرصد الشامل لعوامل " تفاقم الأوضاع الاجتماعية واحتوائها ، والعمل على تدعيم سبل الاستقرار والتنمية ، وحتى تصبح الحوارات الوطنية في العالم العربي الإسلامي بمثابة نقطة تحول وانطلاق إلى آفاق جديدة في واقعنا السياسي والاجتماعي وفي الميادين كافة ، لا بد أن نحرص على الإدارة العلمية والدقيقة لهذه الحوارات ، وفي اتجاهنا نحو هذه الغاية لا بد أن نفرّق أولاً بين مفهومي " الحوار " و " عمليات التفاوض الجمعي، وذلك تجنباً للفوضى والوقوع في المحظور ، والسير في الاتجاه الخطأ. وهذا الضرب من الحوار ، الذي يمكن أن نصطلح عليه " بالحوار الداخلي " ، هو خطوة أولى نحو الحوار مع الخارج ، لأنه يقوي النسيج الوطني في كل بلد من بلدان العالم العربي والإسلامي ، من جهة ، ويكسب المجتمع مناعة أصبحت اليوم ضرورية للتعامل مع العالم المحيط بنا ، من جهة ثانية . لأننا لا يمكن أن نفلح في الحوار مع العالم ، ما لم نفلح في الحوار مع أنفسنا . فالحوار الشامل والمتعدد لوجهات النظر المختلفة داخل الأمة الواحدة هو السبيل الأسمى والأرقى لضبط الاختلاف المذموم ـ اختلاف التضاد ـ وتفعيل قيم التعاون والتآلف والتكاتف . وبدونه تدخل ساحاتنا العربية الإسلامية في أتون " النزاعات ودهاليز الفرقة والتفتت . والقمع والقهر لا ينهي فرقة وتجزئة ، وإنما يزيدهما تأججاً واشتعالاً وحرارة . لذلك كله فإننا مع الحوار الداخلي بكل أشكاله ومستوياته . وينبغي أن ندرك جميعاً أن البديل المتوفر عن الحوار في فضائنا العربي والإسلامي ، هو الحروب الأهلية وعمليات الإقصاء والتهميش والتمييز والتعصب الأعمى . ولنا في الدول العربية والإسلامية التي ابتليت بالحروب الداخلية خير مثال، وكلنا ندرك المصير الذي وقعت فيه وما تزال . فالأزمة استفحلت في هذه الدول حينما أغلق باب الحوار ، وغيبت قيم التسامح والتعددية والديمقراطية والمشاركة وحقوق الإنسان . وكان البديل الذي اشترك الجميع في صنعه وخلقه، هو الحرب الداخلية العمياء التي أضرت الجميع وجعلت مستقبل هذه الدول على كف عفريت . حتى إن الذين يعتقدون أن الاختلافات المذهبية حول بعض القضايا الفرعية أو غيرها المتعلقة بالنص القرآني وتفسيره ، فإن الإمام أبو حامد الغزالي ورحمه الله ـ كما يورده الكاتب/ علي أومليل ـ يرى أن " اختلاف الناس حول النص القرآني لا يعني بالضرورة أن الاختلاف كامن في النص نفسه . لو التزم القوم على الأقل ، بهذا التمييز لأقرّوا بأن الاختلاف بينهم طبيعي ولاعتبر كل طرف أن اختلاف خصمه إنما هو اختلاف معه هو وليس خلافاً مع النص". فالاختلاف من هذا المنطلق حالة طبيعية لاختلاف الأفهام والعقليات لمشروعية الاجتهاد ومن المستحيل أيضاً القبول بالاجتهاد دون القبول بآثاره التي من جملتها اختلاف نظر المجتهدين . ولكننا في الوقت الذي نعتبر فيه أن الاختلاف حالة طبيعية مرتبطة بالوجود الإنساني ، نرفض الاختلاف المطلق أو ما يصطلح عليه بـ ( الاختلاف من أجل الاختلاف ) ، لأن معنى هذا الاختلاف هو التشتيت الدائم والمستمر للآراء والأفكار ، ويبقى كل منها منغلقاً على ذاته ، رافضاً للآخر ، كل منها يشكل عصبية لا تقبل التعايش والحوار ، فهو صراع عصبوي حتى لو تجلبب بجلباب الاختلاف .فالاختلاف في حدوده الطبيعية ليس مرضاً يجب التخلص منه والقضاء عليه ، بل هو محرك الأمم نحو الأفضل ، ومصدر ديناميتها ، وهو يقود بالإدارة الحسنة إلى المزيد من النضج والوعي والتكامل . ولذلك فإن الحوار الداخلي أصبح فريضة وضرورة لإبعاد شبح الخلافات والمشاحنات وربما المصادمات التي تهدد الأمة في وحدتها وتماسكها ، ومن الأهداف التي يتعين على الأمة تحقيقها " التقريب بين وجهات النظر المتباينة حيال القضايا ذات الاهتمام المشترك التي ترتبط بمصير الأمة ، والتنسيق بين السياسات والمواقف التي يتخذها صانعو القرار في شتى حقول الاختصاصات ومستويات الصلاحيات ، وإذا كانت المبادرات العلمية التي تعنى بالتقريب بين المذاهب الفقهية الإسلامية ، قد أخذت في الانتعاش في هذه المرحلة ، فإن هذا ليس إلا ضرباً من الحوار بين المسلمين ، على المستوى الفقهي والعلمي . ولذلك ينبغي أن تتخذ المبادرات على مستويات أخرى ، للتقريب بين السياسات والمواقف ووجهات النظر والاختيارات والاجتهادات في المسائل ذات الصلة الوثيقة بحياة المسلمين وبحاضر العالم الإسلامي وبمستقبله ، على أن يشارك في ذلك ، ممثلو الحكومات والمجالس المنتخبة والهيئات التمثيلية والمنظمات والاتحادات والجمعيات ذات الاهتمامات العامة ، بحيث تتسع دوائر الالتقاء فيما بين النخب في المجتمعات الإسلامية للتدارس وللتحاور وللتباحث ولمناقشة القضايا المطروحة بروح الأخوة وفي إطار الاحترام المتبادل والحرص على المصالح العليا للأمة في المقام الأول وفي هذه الأجواء يصبح للحوار بين الفرقاء معنى عميق في الواقع العربي والإسلامي ، لا على المستوى النظري والفكري والثقافي فحسب ، ولكن على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني ، بالمفهوم الواسع للأمن السابغ الشامل المتبادل الذي يحمي الذات ، والهوية ، والخصوصيات ، والمصالح ، والمنافع ، والسيادة التي هي حق طبيعي لكل مجموعة بشرية ارتضت أن تعيش في إطار نظام اختارت سياساته ، وأقامت قواعده ، ورسمت له أهدافه وغاياته .
3141
| 24 أغسطس 2014
الصهيونية باقية ما بقيت إسرائيل في الوجود.. أما ما يقال عن تباين أو تناقض تفترضه التحولات التاريخية بين الأصل الصهيوني والفرع الإسرائيلي، فإن هذه المقولات هدفها دغدغة العواطف بعد خسارة اليمين في الانتخابات، وهذا ما برز في تصريحها بنيامين نتنياهو من أن "الصهيونية تنزل راياتها" وهي لا تخلو من مقاصد فكرية وأيديولوجية ربما غاياتها حفظ الكينونة اليهودية من الذوبان أو الحؤول دون العودة إلى فضاء الشتات.صحيح أن الصهيونية حققت نجاحا دعائيا لتثبيت وجودها كما يشير د/برهان غليون، وفي التغطية على اغتصابها فلسطين، وفي إضفاء الشرعية على سياستها العنصرية، حيث استخدمت نظرية معاداة السامية استخداماً أيديولوجياً في الداخل لتعبئة الرأي العام وحشده حول مشروعها الاستعماري، وفي الخارج لتبرير مشروعها هذا أيضاً بذريعة الدفاع عن النفس ضد تهديد وجودها."وأوحت للرأي العام لفترة طويلة، حتى بعد 1967م وضم الأراضي العربية الجديدة أن سبب النزاع لا يكمن في الاحتلال اليهودي للأرض، ولكن في رفض العــرب الحوار مع اليهود والتعامل معهم، وعدم اعترافهم بشرعية وجود إسرائيل، بل وتصميمهم على رمي اليهود في البحر وقد استمر ذلك حتى مؤتمر مدريد للسلام 1991م".وبالتأكيد لا يرتبط فعل الاستعمار بوجود التغطية السياسية والأخلاقية، وليس نجاح الصهيونية في إيجاد مبررات الاستعمار هو العامل الرئيسي في إنجازها العملي، بل إن هذا الإنجاز يرجع بشكل رئيسي إلى نجاح الصهيونية في أن تبقى لصيقة بالإستراتيجيات الاستعمارية وإستراتيجيات الهيمنة الدولية، وأن تسير في ركابها.. ثم إن للغزو ديناميته الخاصة التي تعتمد على توزيع الغنائم والمكاسب المجانية أو شبه المجانية، وإن ما جذب اليهود أو العدد الأكبر منهم إلى فلسطين ليس الإيمان الديني بالضرورة، ولا حلم التحرر السياسي وبناء دولة، والانعتاق من وضعية الهامشية أو العيش في المعازل اليهودية التقليدية. إن الامتيازات العينية وغير المباشرة من خلال انتزاع ملكية الشعوب المقهورة.. ومن يراقب سياسة إسرائيل منذ نشوئها يدرك إلى أي حد كانت ولا تزال حتى اليوم قائمة على الهرب من الاعتراف بالواقع الذي تعيش فيه، وهو إنكار حق الشعب الفلسطيني في حقوقه المشروعة في العودة وإقامة الدولة المستقلة على أرضه، وهذا هو منطق الصهيونية في الإقصاء والإلغاء لحقوق الآخر الثابتة بدعاوى الحقوق التاريخية المزعومة، ومحاولة قطع الطريق على قيام دولة فلسطينية مقبلة!ورغم العيوب الكبيرة التي عصفت بالتجربة الصهيونية على امتداد ما يزيد على قرن كامل، وبالتجربة الإسرائيلية على ما يزيد على نصف قرن أيضاً.. سيظل مبدأ القوة والتحفز واستنفار العصب الصهيوني الأصلي هو العلاقة التي تنظم حاضر ومستقبل هذا الكيان.وفي هذا المعنى يرى المحللون أن الخلل السياسي الذي يصيب الصهيونية في أفكارها وفي مشاريعها، يصيب إسرائيل في مجتمعها السياسي وأمنها ووجودها في المنطقة.. فالتكامل بين الحركة والدولة هو تكامل وجودي، ولسوف يؤول إلى نتائج واحد.. وتبدو إسرائيل وهي تخوض أطوارها الجديدة من الصراع مع العـرب.. ومع البيئة الحضارية الواسعة في المنطقة مجالاً حيوياً لاختبار انتهاء الصهيونية أو تجددها.لقد وضعت الصهيونية مقاصدها العليا في الدولة الإسرائيلية، وبهذا صارت الأيديولوجيا الصهيونية عينها، ولا فصل بين الفكرة الصهيونية والدولة الإسرائيلية، ما دامت الأخيرة تتغذى منها وتتحصن بها.لكن هل نقول إن الصهيونية قد كفت عن كونها مجرد أيديولوجيا، وإنما هي ظاهرة واقعية وتاريخية خاضعة لتبدلات الأحوال السياسية وموازين القوى وتحولات أنظمة القيم.لا نعتقد بذلك.. بدليل الالتفاف الإسرائيلي من كل القوى السياسية لإجهاض تحرير الأرض الفلسطينية المحتلة، والـتأييد الكبير من الإسرائيليين بالاستمرار بضرب غزة، وهذا أظهرته الاستطلاعات الإسرائيلية من الرغبة الكبيرة في الحرب ضد الفلسطينيين في القطاع بهدف القضاء على المقاومة في غزة، فهل تعيش إسرائيل مرحلة "انتعاش الصهيونية" في ظل الأزمة الحالية؟ أم أن هذه المقولات مجرد تخدير آخر هدفها الحفاظ على ديمومة الكيان الإسرائيلي من أي خطر على وجوده؟
1397
| 17 أغسطس 2014
بعد الاستطلاعات الإسرائيلية حول الحرب على غزة، ظهر أن غالبية الإسرائيليين مع استمرار الحرب بهدف القضاء على المقاومة الفلسطينية، حتى وإن كانت هذه الحرب تكلف آلاف الأبرياء الفلسطينيين!! ويطرح البعض من الباحثين المهتمين بالفكر الصهيوني أن الصهيونية حققت أهدافها على الصعيد القومي بعد ما تمكنت من جعل الشعب اليهودي شعباً عادياً له دولة ـ أمة مثلها مثل سائر الدول المنتظمة في العالم الجغرافي السياسي المعاصر، كما أنه لم يعد من الممكن " رمي دولة إسرائيل في البحر" بعد ما تمكن جيشها من سحق الجيوش العربية المجاورة على نحو مذهل.وعليه فإن وضع إسرائيل قد استتب، وترسخت مكانتها في المنطقة، وبالتالي فقد آن الأوان لاتخاذ تدابير تتجاوز المفاهيم الصهيونية التقليدية، وتؤدي إلى تحقيق السلام مع المحيط العربي.لكن البعض ينكر وجود مثل هذا التيار في إسرائيل وتأثيره سيكون مستحيلاً في مجتمع قام على أيديولوجية صهيونية توسعية، وأن مقولات [ نهاية الصهيونية] أو ما بعد الصهيونية صيحات أطلقها المتطرفون من اليهود، وآخر هؤلاء الذين تحدثوا عن انتهاء الصهيونية كان بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل الحالي الذي قال بعد فوز باراك أواخر التسعينيات إن "الصهيونية تنزل راياتها"!.والهدف هو تحريك المشاعر الصهيونية بعد خسارة بعض الأحزاب اليمينية في الانتخابات في العقدين الماضيين، والحديث عن مخاطر "نهاية الصهيونية" على وجود إسرائيل ذرائع ذات أهداف توسعية، ذلك أن المجتمع الإسرائيلي يكون أكثر تلاحماً في لحظات الحرب والتوتر، وأكثر تفككاً في لحظات الهدوء والسلام. فقد تبين من خلال بعض الدراسات أن هذا الكيان المصطنع لا يستطيع التوازن والاستمرار، من دون ممارسة العدوان للتخلص من فائض التوتر الداخلي وإلقائه في الخارج.ولا شك أن إسرائيل لا تعاني من أزمة أمنية إستراتيجية، وأن أي حديث على هذا الصعيد إنما يعتبر من باب التهويل، وفيه الابتزاز المالي والعسكري.والذي حصل في مفاهيم ناقدي الحركة الصهيونية ـ كما يقول د/ معين حدادـ إن السوسيولوجيين الإسرائيليين في دراساتهم الجديدة، تحت تأثير التطورات الأبستمولوجية للعلوم الإنسانية التي عرفها العالم الغربي، حيث قام فيه باحثون بأعمال جاءت نتائجها بمثابة ثورة قلبت المقاييس السائدة المتعلقة بالمركزية الأوروبية أو الغربية والمفاهيم الخاصة بهذه المركزية، مثل "التنوير" و"العقلانية" و"الحداثة" و"ما بعد الحداثة" وغيرها مما كان يعتبر من المسلّمات البديهية ـ كما يعتقدون ـ وتعرض مفهوم "التقدم" للمراجعة والنقد، ولم يعد على ما كان عليه حين كان يعني أن العالم يتطور نحو الكمال وفق عملية أحادية الاتجاه، وأن المجتمعات تتراتب في سلم يعتليه العالم الغربي بما هو نموذج واجب احتذاؤه. وعليه فقد أدى سقوط "المركز" إلى إعادة اعتبار "الآخر"، وبالتالي التعامل مع هذا الآخر على نحو إيجابي.ولما كان الوسط الأكاديمي الإسرائيلي جزءاً لا يتجزأ من الوسط الأكاديمي الأوروبي والغربي، فقد برز من بعض الإسرائيليين من راح يعمـل في اتجاه تقويم ثقافة الآخر، الأمر الذي يؤدي إلى الحض على الأخذ بمبادئ التنوع والاختلاف والتجاوز وسائر مكونات ما اصطلح على تسميته "ما بعد الحداثة".صارت الدراسات الاجتماعية والسياسية تركز على التعدد الثقافي في الواقع الإسرائيلي، وفق منهج تفكيكي يهدف إلى الكشف عن الدور الذي اضطلعت به المؤسسات الرسمية في عملية بناء الأمة والدولة على حساب الحرية بعد ما عمدت هذه الدولة ـ إسرائيل ـ إلى تغييب كل ما من شأنه أن يؤدي إلى ما يشبه النقد الذاتي.وهذه الآراء تجد السخرية والتهجم من بعض الأكاديميين والمؤثرين في صنع القرار في الكيان الإسرائيلي، ويعتبرون مقولة "ما بعد الصهيونية" مجرد ترف فكري، لا تيار واسع في المجتمع الإسرائيلي.فقـد تمكن اليمين الإسرائيلي من السيطرة فكرياً على قطاع كبير وعريض في إسرائيل، وفي سياق توظيفاته السياسية مضى الخطاب الإسرائيلي اليميني في إنكار تأثر الصهيونية بصدمة التحولات الفكرية والسياسية حتى أن الكاتب الإسرائيلي "آري شفيط" ذهب إلى خلع أوصاف عجائبية على الحركة الصهيونية وفكرها معتبراً " أنه من بين كل الأحلام الكبيرة لنهاية القرن الماضي، كان حلم هرتزل الحلم الوحيد الذي تحقق ووقف على قدميه، ومن بين كل الأفكار الطوباوية الغامضة التي أورثها القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين، ظلت الفكرة الصهيونية الفكرة الوحيدة التي لم تفشل بعد"!وعلى الإجمال فإن الفكر الصهيوني في خطابه السياسي والعملي بحسب محمود حيدر، يؤول إلى التأكيد على الوصل العضوي بين مهمة الحركة الصهيونية، وبين دولة إسرائيل مهما حصل من تحولات راديكالية في أنظمة القيم في العالم. لذلك فإن الحدود الفاصلة بينهما ضرورية لإعطاء الفعالية لوظيفة واختصاص كل من الدولة والحركة في أداء مهماتهما التاريخية على الصعد المختلفة، حيث إن المهمة الملقاة على عاتق الصهيونية هي ـ كما يقول يعقوب حسدائي ـ "السعي من أجل الوصول إلى الشعب، لاسيَّما الشباب عن طريق القيادة الروحية من أجل تعميق التضامن اليهودي وإضفاء تعبير عملي إنجازي على هذا التضامن بوساطة هجرة غايتها المساهمة في استكمال إنجاز المشروع الصهيوني بأكبر قدر ممكن من العمل المنظم".ولئن كانت فلسفة القوة هي علة الصهيونية وإسرائيل معاً، فهي في مقولة الأرض ومفهوم الجغرافيا والملجأ المفتوح أمام يهود العالم الوعاء الذي تصب فيه.فمنطق القوة هو الجذر الفلسفي العملي لآليات تحقق الفكرة الصهيونية منذ استيلائها على فلسطين، بينما إسرائيل هي التجلي الفعلي لمنطق هذه الفكرة.
749
| 10 أغسطس 2014
انطلقت انتفاضتان فلسطينيتان، بعد المماطلات الإسرائيلية طوال سنوات أوسلو وما قبله، التي تعسرت بسبب ما خططت له إسرائيل من هذه الاتفاقيات الهزيلة ، التي لم تلامس الواقع الحقيقي وهو الحل العادل الذي يحقق للشعب الفلسطيني طموحه في استعادة حقه السليب، وعلى رأسها القدس الشريف ، وبقية الأراضي الفلسطينية المحتلة والتي تراوغ إسرائيل عن الوفاء بالتزاماتها بالانسحاب منها ضمن ما يسمى بالعملية السلمية. وجاء دخول شارون لساحة بيت المقدس آنذاك ليعطي انتفاضة الأقصى المبررات العوامل لتحركها، وترد على الكيان الإسرائيلي بأن الشعب العربي الفلسطيني لا يرضى أن تداس مقدساته من هذا الإرهابي والدموي وصاحب التاريخ العريق في التهويد والسيطرة وإقامة المستوطنات الصهيونية من ثلاثة عقود، مهما كانت التحديات والتضحيات ، وهو ما زلزل قادة الكيان والفزع من بذرة الانتفاضة المباركة لتتحول إلى قوة بشرية تسعى للتضحية مهما كان الثمن في مواجهة الاحتلال، والآن بعد الحرب الإسرائيلية على غزة، والقتل المتواصل للمدنيين ، وخاصة الأطفال فإن الحدث يجعل من انتفاضة ثالثة قادمة لا محالة.فكيف تحركت الانتفاضة الأولى التي أجهضتها اتفاقات أوسلو ومضايقات السلطة الفلسطينية التي خسرت بهذا النهج الخاطئ إسهامها في وقف الانتفاضة ؟ وكيف تحركت انتفاضة الأقصى بعد دخول شارون حرم المسجد الأقصى، استفزازا للشعب الفلسطيني؟ .بدأت الشرارة الأولى من مخيم جباليا وبالتحديد في 8 ديسمبر 1987 عندما كان عدد من العمال الفلسطينيين عائدين من عملهم في إسرائيل ، ويترجلون من السيارة التي تنقلهم أمام حاجز للتفتيش فإذا بشاحنة عسكرية تدهسهم ولاذ سائقها بالفرار. وأسفر هذا الحادث عن سقوط 4 قتلى وسبعة جرحى كلهم مخيم جباليا .وصلت هذه الأنباء إلى المخيم فاشتعل الغضب العارم .وعندما شيعت الأرض المحتلة الشهداء الأربعة تحولت إلى مظاهرات عنيفة شملت كل مخيمات قطاع غزة . وأقام الشباب الحواجز والمتاريس وقذفوا قوات الاحتلال بالحجارة .وكان الظن أن الشرارة التي انطلقت من مخيم جباليا بعد عام آخر ستكون انتفاضة كسابقها لن تتعدى عمرها أيام وتخمد بعد تفريغ شحنة الغضب سواءً من تلقاء نفسها أو بضربة قمع شديدة ، مثلما فعل شارون وما تلاه من الإرهابيين الصهاينة ، ولكن المظاهرات والاشتباكات مع قوات الاحتلال تجدها لليوم الثالث والرابع وشهر وشهرين وعام إلخ : وعمت أنحاء الضفة والقطاع في قراها ومدنها في أكبر تحد لسلطات الاحتلال وإجراءاتها التعسفية والقمعية .في غزة [ التي تمنى إسحاق رابين يوماً أن يقوم من نومه ويرى غزة قد غرقت في البحر !] تحول الصدام بين جماهير الشعب الفلسطيني وقوات الاحتلال إلى معركة حقيقية حيث أغلقت المدينة تماماً وسدت الطرق وامتلأت الشوارع بالحطام وحرائق الإطارات وانتشار الدخان الأسود . قوة انتفاظة الحجارة ويقول البروفسيور " دون بيريز " أستاذ العلوم السياسية بجامعة ولاية نيويورك ومدير برنامج الشرق الأوسط بالجامعة نفسها ، أن القليل من السياسيين الإسرائيليين والقادة العسكريين هم الذين توقعوا أن المظاهرات التي اندلعت ضد الاحتلال الإسرائيلي في 8،9 ديسمبر هي شيء مختلف عن تلك التي حدثت في العشرين سنة الماضية . تصورت السلطات الإسرائيلية أن ما حدث في الضفة الغربية وغزة يمكن إخماده في أسابيع قليلة . ولما تخطت الانتفاضة التي قدرت لها [ بعد التنكيل والقتل والتكسير ومختلف الأساليب القمعية في التاريخ الإنساني ] أدرك " إسحاق رابين " وقادة جيشه أن الأسباب الحقيقية وراءها لا تعالج إلا بحل سياسي وليس باستخدام القوة العسكرية . ووصل الأمر إلى أن تبنى بعض ضباط الميدان وأعضاء هيئة الأركان نفس المصطلح العربي [ الانتفاضة ] الذي يستخدمه الفلسطينيون لوصف مجريات الأمور .قبل الانتفاضة بحوالي شهر تنبأ مسؤول رسمي في الأمم المتحدة بحدوثها ، وأدرك أن الانتفاضة أمر حتمي بعد عشرين عاماً من الاحتلال والإحباط وخيبة الأمل ، وكانت الإحباطات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في حاجة فقط إلى شرارة ليحدث الانفجار الكبير لهذا الشعب الذي لاقى من المعاناة والقهر لم يلقه شعب آخر في العصر الحديث .وقد سجلت في تلك الفترة وثيقة قدمت للأمم المتحدة عن الأوضاع التي يعيشها الأطفال الفلسطينيون ، فذكرت أن هناك جيلاً ينمو في ظل أحوال معيشية واجتماعية وتعليمية قاسية ، ولا شك أنها أحوال صعبة ، ورغم أنه يمكن القول بأن المجتمع الدولي قد ركز اهتمامه لفترة تزيد على ثلاثين عاماً على هؤلاء الفلسطينيين بصفة لاجئين ، وقد حاولت العديد من المنظمات الدولية تأمين المستوى الأساسي للحياة على الأقل ، إلا أن أوضاعهم بقيت متردية وصعبة والاضطرابات السياسية التي شهدتها المنطقة تشكل عنصراً جديداً لم تعايشه غالبية أطفال العالم " .ورغم أن هذه الاضطرابات تترك بصماتها على جميع أطفال العالم إلا أن أطفال الضفة والقطاع ينؤون بعبء إضافي يتمثل في العيش في ظل احتلال قاس ، وعنيف منذ حزيران / يونيو 1967م .وفي ظل هذا المناخ انطلقت شرارة الانتفاضة وسجلت انتصاراً نفسياً ومعنوياً على الاحتلال من خلال صمودها الطويل لتخلق واقعاً جديداً لا بد من إعادة النظر إليه بصورة مختلفة .ويعتقد البعض من المحللين والخبراء الإستراتيجيين أن عملية التسوية التي بدأت بمؤتمر مدريد أكتوبر 1991م كانت اتجاهاً تكتيكياً من إسرائيل لوضع حل لمشكلة الانتفاضة التي أقلقت إسرائيل وشكلت عبئاً أمنياً عليها طوال فترة الانتفاضة ونعتقد أن انتفاضة الأقصى ستكون النهاية للاحتلال .ففي تاريخ فلسطين هناك انتفاضات كثيرة مثل انتفاضة " البراق " عام 1929 وانتفاضة عام 1936، وكان هدفها التذكير بهذا الحق المسلوب .لكن انتفاضة الشعب الأولى بعد احتلال الضفة والقطاع تعد أروع الانتفاضات في تاريخ نضال الشعب الفلسطيني المكافح ، وإذا جاز للمراقبين إطلاق انتفاضة الأقصى الثانية من خلال المؤشرات والدوافع التي أصبحت كامنة في رفض تطبيق الاتفاقات المعهودة مع الفلسطينيين فإن السيطرة عليها واستدراجها إلى حلول وقضايا ومسكنات ربما يكون في حكم المستحيل بعد كل هذه الرتاجعات والتجاوزات في صلب الحل الذي راعته القوى الكبرى وألزمت نفسها بالعمل على تطبيقه وتنفيذه .لم تدم انتفاضة الأقصى كثيرا، وإن كانت بحق فاعلة تحقيق إرسال رسالة قوية للإسرائيليين ،وان تجد عما عربيا من حيث تحقق الكفاية الذاتية ، وبخاصة في المواد الأولية ، وإذا ما افترضنا إمكان ورود الإعاشة والتموين من الخارج ، فإن الحصار الذي فرضته إسرائيل على الضفة والقطاع لإجهاض الانتفاضة قد قطع الشرايين مع الخارج. ومن عوامل الديمومة للانتفاضة ـ كما يقول هيثم الكيلاني ـ أن تكون لدى قيادة الانتفاضة رؤية إدراكية للذات ، ولقدرات الذات ، ولما ليست الذات قادرة عليه ، وللعدو وقدراته ، ولحدود القدرة العربية ، والعالم ومعطياته ، وبخاصة ميزان القوى ، فهو الأساس وهو المعيار ، والهدف دائماً هو تغيير هذا الميزان ، حتى تشل كفة العدو شيئاً فشيئاً ، وترجح كفة الانتفاضة شيئاً فشيئاً ، مع الأخذ في الاعتبار ، أن الثورة ـ أو العصيان أو الانتفاضة أو المقاومة ـ لا تأخذ ميزان القوى بينها وبين عدوها في الحسبان دوماً ، ولا يجوز لها أن تفعل ذلك ، ولو أخذت كل ثورة ميزان هذا في اعتبارها ، لما شهد التاريخ قط انتفاضة مظلوم على ظالمه غير أن هذا التركيز الذي نسوقه على استمرارية الانتفاضة في زمنها الثاني، وفي زمنها الثالث، بعد استباحة غزة، فلا يعني أننا أمام خاصية حتمية لا انتكاس لها ، ذلك أن عوامل الانقطاع في مسيرة الانتفاضة موجودة وكامنة ، بعضها ذاتي وبعضها الآخر موضوعي ، وقسم منها نحن مصدره ، وقسم ثاني يأتي من العدو .يمكن القول أن غاية الانتفاضة هي الوصول بالقيادة السياسية العسكرية الحاكمة في إسرائيل إلى حال يغدو القمع غير مجد، ويصبح الخروج من تلك الحالة مشروطاً بالتسليم بمطالب الشعب الفلسطيني العادلة.وما حدث في غزة في الأسابيع الماضية، من قتل وتدمير وحرق، يجعل من انتفاضة فلسطينية شاملة أمرا واقعا، لأن ما جرى في غزة، سيجعل ردود الفعل كبيرة ، وهذا ما يتوقعه الكثير من المحللين، لو استمرت إسرائيل في استباحة غزة، واستمرارها في القتل العشوائي ، واستهداف المدنيين والمساجد والمدارس.
780
| 03 أغسطس 2014
منذ أكثر من عقدين ظهر على السطح ما يسمى آنذاك بأنصار السلام في إسرائيل وتحركوا بقوة في الساحة العربية لإقامة التطبيع بين العرب والكيان الصهيوني قبل أن يتم السلام، والانسحاب الإسرائيلي وفق القرارات الدولية. وفعلاً نجح رجل الموساد العتيد "ديفيد كيمحي" في إنشاء ما سمي في ذلك الوقت بـ" التحالف العربي ـ الإسرائيلي الشعبي من أجل السلام"، وعرف هذا التحالف بإعلان كوبنهاجن واستقطب هذا التحالف العديد من المثقفين العرب للانضمام إلى هذا التحالف المشبوه. وقلنا وقتها ـ كما قال الكثيرون ـ إن هذا التحالف المشبوه لا يساهم في دعم السلام، بل العكس يسهم في دعم توجهات الكيان الصهيوني في الاحتفاظ بالأرض وكسب التطبيع معاً، وهذا التطبيع أيضاً يهدف إلى كسر الحواجز بدون مبررات أو خطوات عملية لإقامة السلام الشامل العادل في الأرض المحتلة.وقال هؤلاء ـ دعاة التطبيع ـ وقتها إن هذا التحالف سوف يشجع قوى السلام في إسرائيل للدعوة إلى السلام وسيشكلون قوة ضغط على المؤسسة العسكرية الحاكمة للانسحاب من الأراضي المحتلة وإعطاء الشعب الفلسطيني حقه في الاستقلال.وهذه المجاهرة بدعاوى التطبيع، مست حتى "الثوابت"! بالغمز واللمز.. ففي مقالة لأحدهم منذ سنوات بعد أن ظهرت عليه علامات التلون في الفكر والأعراض في التطبيع مع الإسرائيليين قال ما نصه:"اهتمامنا المعروف بـ"الثوابت" خلق لدينا ميلاً دائماً للابتعاد عن كل ما هو جديد طالما أنه لا يتوافق مع رؤيتنا وأمانينا. وعندما يصل الأمر إلى النظام العالمي فإن الكارثة تصبح محققة. فلو أننا نظرنا إليه ـ ويقصد النظام الدولي الراهن ـ نظرة فاحصة لوجدنا أن هناك الكثير من الجديد تحت الشمس الذي لا يؤدي بالضرورة إلى تدهور أوضاعنا، والواقع أن أي نظام يمكن التعرف عليه من خلال أربعة أبعاد: نمط سائد للتكنولوجيا، وبناء للقوة والسلطة، وقاعدة للأعمال والمهام والوظائف التي يريد النظام إنجازها، وأخيراً القيمة السياسية التي تعد وعداً للنظام أو الغاية التي يسعى إلى تحقيقها. فدعاة التطبيع ينسون أو ربما يتناسون أن إسرائيل، عبر تاريخها الطويل تلبس الحق بالباطل، وترفع شعار السلام وهي تخطط للحرب، فإذا كان صحيحاً ـ هذه المرة ـ أن الإسرائيليين يريدون السلام فإن القضية لا تحتمل الطلاسم والألغاز والأحاجي، فإعطاء الحق لأصحابه هو الضامن الأكيد لأمن إسرائيل ووجودها، وهو الذي سيّكرس السلام الدائم الشامل بعيداً عن التحالفات المشبوهة، واللقاءات التلفزيونية، فلماذا إذاً هذه الأساليب التي لا تخدم قضية ولا تحرك واقعاً لإنهاء تكريس الاحتلال؟ثم إننا نريد أن نطرح سؤالاً على مجموعة كوبنهاجن ـ أنصار السلام الآن ـ ماذا بعد انكشاف المستور ـ ماذا فعل أنصار السلام في إسرائيل في إسرائيل الذين يشتركون معهم في التحالف تجاه معوقات السلام التي تضعها إسرائيل في الأراضي العربية المحتلة؟ كإقامة المستوطنات في هدم بيوت السكان والقتل، وطمس الهوية العربية، ومصادرة الأرض، والإصرار على تهويد مدينة القدس ثم العرب على الشعب الفلسطيني في غزة عامي 2008 و2012 ثم الآن استباحة غزة بقتل المواطنين الفلسطينيين؟! لم نر شيئاً يعزز فكرة وتأثير أنصار السلام في إسرائيل حتى الآن.. لماذا طالب دعاة التطبيع آنذاك بأن يتم السكوت عن هذه اللقاءات والمؤتمرات التطبيعية، في الوقت الذي نرى هؤلاء أنصار السلام في إسرائيل، لا يختلفون مع حزبي العمل والليكود في المنطلقات والأهداف والمضامين؟ففي لقاء كوبنهاجن الشهير في التسعينيات من القرن الماضي، الذي انبثق عنه "التحالف العربي الإسرائيلي الشعبي من أجل السلام"، طرحت في الإعلان فقرة تشير إلى أن "الصلات بين الشعوب هي الطريق لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي" وهذه الفقرة الصادرة بالإعلان تبعث على الضحك أكثر مما تثير البكاء، لأن الصلات المجردة بين الشعوب، وعبر تاريخ الإنسانية الطويل لم تنجز حلاً عادلاً أو حتى ناقصاً منذ احتلال الصهاينة لفلسطين منذ عام 1948!فما بالك بحل الصراع العربي الإسرائيلي الذي يعد من أبشع الصراعات في التاريخ قاطبة، حيث نكل بالشعب الفلسطيني ونهبت أرضه وحقوقه، واستعاضت إسرائيل عن لغة الحوار مع هذا الشعب، المناضل العنيد، بلغة القتل والتشريد والاحتلال.ويعلق د. محمد السيد سليم على الفقرة التي جاءت فيقول إن هذه "المقولة تطرح لأول مرة في تاريخ الصراعات والعلاقات بين الشعوب التي تتميز بوجود أرض محتلة. فهذه المقولة لا تصح إلا إذا كانت العلاقات بين الشعوب متكافئة حيث لا يحتل شعب أرض شعب آخر أو يتسلح شعب بالأسلحة النووية مهدداً جيرانه بالهيمنة والدمار. أما في ظل الاحتلال الإقليمي فإن مقولة الحوار بين الشعوب تصبح مدخلاً لتكريس الوضع الراهن لا لتعديله. والدليل على ذلك أن أياً من الدول الغربية التي رعت كوبنهاجن وشجعته لم تقبل هذه المقولة حين دخلت في منازعات مع غيرها سواء شملت احتلال أراض أو لم تشمله. فحينما احتلت الأرجنتين أراضي جزر الفوكلاند صممت بريطانيا على استعمال القوة لطرد الأرجنتين من الجزر، ودعمتها الولايات المتحدة في عهد ريجان في ذلك. وهناك الكثير والكثير من الوقائع التي تجعل هذه المقولة مرفوضة وخالية من الأسانيد التاريخية والواقعية والعقلانية. فلماذا نحن العرب فقط الذي يجب علينا سلوك الحوار والتطبيع، وأنه الطريق الوحيد لنا للمطالبة بالحقوق المغتصبة من غير بقية خلق الله جميعهم على أرض هذه البسيطة؟!إذاً هؤلاء الذين يركضون وراء التطبيع آنذاك من جماعة كوبنهاجن، يبدو من بياناتهم وتصريحاتهم وآرائهم أنهم يلتمسون الأعذار لإسرائيل في احتلالها، ويختلقون المبررات لغطرستها "بعضهم قال إن الشعب الإسرائيلي لم يستعد بعد للسلام!".بل إنهم في هذا السبيل يهدمون الكثير من الأوراق الضاغطة على إسرائيل مثل أوراق المقاطعة السياسية والاقتصادية والثقافية.أليس من المنطقي أن يكون الجانب الإسرائيلي ـ قبل التطبيع ـ حدد مواقفه الواضحة من قضية السلام وباتت منطلقاته واضحة تجاه إستراتيجية السلام العادل؟ والسؤال ماذا حقق هؤلاء في هذا اللقاء؟ لاشيء. أما الجانب الإسرائيلي فحقق ما تهدف إليه إسرائيل أساساً وهو: 1ـ كسر الجمود في قضية التطبيع القائمة والمرتبطة بالحلول النهائية على المسار الفلسطيني والمسار السوري والمسار اللبناني ـ قبل الانسحاب.2 ـ لفت أنظار العالم أن "السلام البارد" بين العرب والإسرائيليين في التعاون الإقليمي والتطبيع الثقافي بدأت حرارته ترتفع، وأن إعلان كوبنهاجن مؤشر على أن السلام البارد انتهى، ولا داعي للقلق، رغم احتلال الجولان والقدس ووجود المستوطنات وغيرها.الآن اختفى ما يسمى بأنصار السلام، ولم نعد نسمع تصريحاتهم أو مظاهراتهم من السلام، لأن القضية تفكيك الحماس الفلسطيني، واللعب على أوهام السلام دون أن يكون هناك تحرك جدي وقوي للتأثير على قادة الكيان الإسرائيلي لإقامة سلام حقيقي وفق القرارات الدولية والانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة.. نريد أن نسمع مع الذين سايروا أنصار السلام وصدقوا مقولاتهم عن دورهم المقبل في تحقيق السلام القادم؟ ولماذا لم يعلنوا مواقفهم من جريمة الاعتداء على أسطول الحرية قبل سنوات الذي بهدف إلى إغاثة سكان غزو المحاصرين؟ وما هو رأيهم من قتل مسالمين على متن هذا الأسطول؟ القضية واضحة من قبل ما يسمى بأنصار السلام. ثم الآن يجري القتل اليومي في غزة للمواطنين العزل في بيوتهم وحتى في الملاجئ الدولة!! لكن نحن للأسف من يبرر لهم، وربما نصدق أقوالهم وأوهامهم، وهذه مشكلة كبيرة في نظرتنا إلى عدالة قضيتنا وحقوقنا المهدورة من أكثر منذ عام 48 حتى الآن، تستمر المعاناة باستباحة غزة أمام سمع العام وبصره، ولله في خلقه شؤون!!.
1194
| 27 يوليو 2014
في عام 1948 صدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والذي أقرته الجمعية العامة، ولاقى هذا الإعلان ارتياحاً واستبشاراً كبيرين في العالم أجمع لما قد يكون لهذا الإعلان من دور وتأثير وسطوة قانونية لمنع الانتهاكات والقهر والقمع والظلم الذي يلاقيه الإنسان من أخيه الإنسان سواءً من أفراد أو مؤسسات أو دول، خاصة أن هذا الإعلان جاء بعد انتهاء حربين كونيتين راح ضحيتها عشرات الملايين من القتلى وأضعاف هذا الرقم من الجرحى والمشوهين والمرضى النفسانيين وغيرها من إهدار الحقوق في حياة الإنسان ومعيشته واستقراره.. فهل كان هذا الإعلان على قدر النصوص وديباجته؟ وفي الواقع إن هذا الإعلان لم يكن بذلك بالتأثير والأثر الذي توقعته الإنسانية في وقف الانتهاك لحقوق الإنسان في شتى الجوانب، ومنها ما يعيشه الشعب الفلسطيني الأعزل المستباح في غزة الذي يقتل كل يوم خاصة الأطفال والنساء والشيوخ الآمنين في بيوتهم، ناهيك عن الانتهاكات الكبيرة في الأراضي الفلسطيني المحتلة، وأيضا لم تتحقق الديمقراطية المنشودة، كما ينادي بها الغرب، ويطلب انتهاجه في المجتمعات العربية، ولكل المجتمعات الإنسانية، ولا الحرية تم تطبيقها على الجميع، ولا حقوق الإنسان تمتع بها الإنسان في ظل ازدواجية المعايير والمكاييل المتناقضة. فلم يكن لهذه الوثيقة الدولية العالمية ـ كما قيل ـ المعروفة باسم "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" الصادرة في باريس في العاشر من ديسمبر 1949 وأقرتها الجمعية العامة، والتي وصفت من قبل من أصدروها بأنها [ أضخم تحد لعصرنا الحديث ]، لكن هذا الإعلان وتلك الوثيقة المكتوبة لم يكن لها من العالمية الحقيقية إلا تسميتها الخارجية، لكنها في الواقع المعاش مجرد ديباجة إعلان بمفهومات تقليدية تكاد تكون محاولة لصياغة جديرة خالية من المضامين القوية الجادة في مسألة حقوق الإنسان، لأنها تفتقر إلى عنصر الإلزام ذلك أن هذا الإعلان جاء على النص الآتي: [لما كان الاعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة هي أساس الحرية والعدل والسلام في العالم].[ولما كان تناسي حقوق الإنسان وازدراؤها قد أفضيا إلى أعمال همجية آذت الضمير الإنساني. وكان غاية ما يرنو إليه عامة البشر انبثاق عالم يتمتع الفرد فيه بحرية القول والعقيدة. ويتحرر من الفزع والفاقة ]. [ولما كان من الضروري أن يتولى القانون حماية حقوق الإنسان. لكيلا يضطر المرء آخر الأمر إلى التمرد على الاستبداد والظلم].[ولما كانت شعوب الأمم المتحدة قد أكدت في الميثاق من جديد إيمانها بحقوق الإنسان الأساسية وبكرامة الفرد ومكانته. وبما للرجال والنساء من حقوق متساوية. وحزمت أمرها على أن تدفع بالرقي الاجتماعي قدما، وأن ترفع مستوى الحياة في جو من الحرية أفسح]. [ولما كانت الدول الأعضاء قد تعهدت متعاونة من الأمم المتحدة بضمان اطراد مراعاة حقوق الإنسان والحريات الأساسية واحترامها...].[ ولما كان للإدراك العام لهذه الحقوق والحريات الأهمية الكبرى للوفاء التام بهذا التعهد ].[فإن الجمعية العامة تنادي بهذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، على أنه المستوى المشترك الذي ينبغي أن تستهدفه الشعوب والأمم كافة. حتى يسعى كل فرد وهيئة في المجتمع، واضعين هذا الإعلان نصب العين. إلى توطيد احترام هذه الحقوق والحريات عن طريق التعليم والتربية واتخاذ إجراءات مطردة. قومية وعالمية، لضمان الاعتراف بها ومراعاتها بصورة عالمية وفعالة بين الدول الأعضاء ذاتها وشعوب البقاع الخاضعة لسلطانها]. فمن خلال هذه الفقرات المقتبسة من الإعلان العالمي نرى أنه لا يوجد له أي محتوى عالمي من كل وجه كما يشير د/ صبحي الصالح. فليس لنا أن نستغرب نفس الصفة "العالمية" عن الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن. برغم ورود كلمة "الإنسان" التي توحي وحدها بالتعميم والشمول. لكنها في الواقع لم تكن تزيد على نزعة ضمنية غير مصرح بها. وربما لم تكن طبيعة الأحداث لتسمح يومئذ بالتصريح العلني عنها. وإن نسبوا إلى دانتون قوله أمام الجمعية التأسيسية بعد سنة واحدة من ذلك الإعلان الفرنسي: "أما أنه ينبغي ألا يكون للقضية حدود غير حدود العالم " قاصدا بذلك " حرية الجنس البشري وسعادته " وإن نسبوا أيضا إلى ديمولان قوله في الجمعية المذكورة: "فلنأمل أن ينمحي قريبا تقسيم العالم إلى دول حتى لا يبقى فيه إلا شعب واحد نسميه "الجنس البشري". لكن هذه الإيماءة "الضمنية" التي حاولت على استحياء أن تصوغ مبادئ الحرية والإخاء والمساواة صياغة عالمية شاملة لم تحظ برضا بعض الساسة والمفكرين خارج فرنسا ذاتها. فهاجموا الإعلان الفرنسي وواضعيه. وزعموا أن مبادئ ذلك الإعلان، ولاسيَّما مبدأ المساواة، مستحيلة التطبيق. بل أسطورة من الأساطير".وهذا ما برز بعد ذلك من معايير ومقاييس متناقضة تجاه الجنس البشري. وكيف أن بعض الشعوب لا تحظى بهذه الحقوق، ولا يتم الاعتراف لها بأي صياغة قانونية وإنسانية لازمة من الحقوق عدا الكلام الفضفاض. والدليل على ذلك أن الإعلان العالمي المذكور آنفاً شجب العبودية والاستعمار، وأقر المساواة والعدل لكل بني البشر وحق كل شعب من الشعوب حق تقرير مصيره إلخ: لكن هذه المبادئ لم تجد التطبيق، فبعد جلاء الاستعمار البريطاني عن فلسطين حل محله الاستعمار الصهيوني، وبقيت دول عديدة تحت نير الاستعمار حتى ناضلت واستطاعت أن تنال استقلالها بالمقاومة وليس بالإعلان العالمي إياه!والآن مع ظهور العولمة ومنظمة التجارة العالمية فإن حقوق الإنسان ستتراجع كثيراً، لأن القوى العظمى كما يقول د/علي بن حسين المحجوبي: "حكمت سيطرتها على الاقتصاد طبقا لمصالحها وعلى حساب "العالم الثالث" واضعه بذلك علاقات لا متكافئة بين الشمال والجنوب، فهي التي تحدد الأسعار العالمية لجميع المنتوجات وفقاً لما تقتضيه مصالحها. وقد نجم عن ذلك انخفاض متزايد في أسعار منتوجات العالم الثالث، مقارنة بأسعار منتجات القوى الكبرى، وبالتالي في اختلال التوازن في المبادلات التجارية بين الشمال والجنوب. ومثل هذا الوضع المتميز بعجز الميزان التجاري في جل بلدان العالم الثالث بجعل هذه البلدان الفتية تلجأ إلى الاقتراض لاستيراد التجهيزات اللازمة للنهوض باقتصادها، غير أن سياسة المديونية زادت في تبعية الجنوب الاقتصادية، وبالتالي السياسية للشمال، وأصبحت حاجزاً أمام تنمية بلدان العالم الثالث التي هي ملزمة بتخصيص جزء لا يستهان به من مواردها لاستيفاء ديونها". فلن تحقق حقوق الإنسان في عصرنا الراهن إلا بإزالة الفكرة السلبية التي رهنت قضية الحقوق تخضع للتناقضات الفكرية والمعايير المزدوجة، وغياب العدل الذي هو التجسيد الحي لمسألة التطبيق الصحيح البعيد عن الأهواء والرغبات، والتي جعلت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مجرد صيغة فضفاضة غير ملزمة في الواقع المعاش، إذن قضية حقوق الإنسان فكرة رائدة إن طبقت وأصبحت ملزمة للجميع بلا محاباة وانحياز لطرف دون آخر وشعوب دون شعوب، ولن تنعم الإنسانية بالسلام والاستقرار والوئام إن بقيت حقوق الإنسان مهدرة ومتروكة وخاضعة للإيديولوجيات والأفكار والمحاور، فالبشرية على مدى قرنين لا تزال تعيش الاضطراب والتوتر والحروب الصغيرة والكبيرة بسبب المعايير الدولية المتناقضة، وغياب العدل القائم على الجميع، ولا يزال في ازدياد للأسف، وهانحن نشهد الانتهاكات الإسرائيلية في غزة هذه الأيام كل يوم، دون أن يكون هناك معايير عادلة لحقوق الإنسان الفلسطيني، وكرامته، وحياته، وعلى مرأى العالم وسمعه.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
1171
| 20 يوليو 2014
تعيش مدينة غزة هذه الأيام، حربا إسرائيلية مستمرة، استهدفت الجميع، دون التفريق بين المقاتلين، والمدنيين، وشملت حتى الأطفال الأبرياء، وهذا ليس جديدا على إسرائيل، والإشكالية أن العالم العربي والإسلامي، لم يتحرك حتى سياسيا، للتحرك لوقف العدوان الذي أصبح واقعا على الشعب الفلسطيني. وهذا يذكرنا بحرب إسرائيل على غزة عام 2008 وما نجم عنها من مجازر وحشية شملت النساء والأطفال والمدنيين في كل مناطق القطاع ولا تزال، ظهر الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز في بعض المحطات الفضائية يبرر هذه الحرب بطريقة تبعث على الضحك أكثر مما تثير البكاء، عندما حولها من حرب محتل غاصب إلى حرب للدفاع عن النفس!! وهذا التبرير من بيريز ليس جديدا. فتاريخ هذا الجنرال ينضح بالأعمال الحربية على المدنيين، وتكفينا مذبحة قانا في جنوب لبنان التي يعتبر بطلها بلا منازع، ولا ننسى مذبحة مدرسة بحر البقر في مصر وقتل الأسرى في حرب 67 وقبلها مذبحة دير ياسين وغيرها من المذابح في تاريخ الحروب الإسرائيلية. والآن يكرر بنيامين نتنياهو 2014، نفس النغمة السابقة في الهجوم على غزة والتهديد بتوسيعه هذه الأيام، وهو ما يعيد سيناريو المقولة الإسرائيلية، وهو قدرتها على الردع، لكنها تفشل في مخططاتها في كل مرة، كما فشلت في حربها على المقاومة في لبنان، والأخطر أن بقاء إسرائيل خارج معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية يطلق يدها، ويغل أيدي الآخرين من غير أن تتحمل وزر مخالفة أي قانون أو هيئة، وكذلك الإخلال بتوازن القوى إلى الصفر، وهو ما جعل الأمر برمته خطراً على الوجود العربي نفسه، ناهيك عن قضية الحق والمنطق والواقعية في قضية الصراع العربي الإسرائيلي، ورغم ذلك كله تعتبر "إسرائيل" أن عملية السلام في الشرق الأوسط بإطارها الحالي لا تشكل ضمانة كافية لأمنها ومستقبل وجودها، ما دامت دول عربية وإسلامية عدة ترفض الاعتراف بإسرائيل، أو تمتلك سلاحاً نووياً أو هي مرشحة لامتلاكه، ولذلك تحاول إسرائيل منع أي دولة في المنطقة امتلاك قدرات نووية حتى ولو كانت سلمية!! ويشير تقرير يافي للدراسات الإستراتيجية بجامعة تل أبيب منذ سنوات إلى أن على إسرائيل وهي تخطو نحو السلام مع العرب، عليها أن تفكر في احتمالات الحرب.. ويستدعي هذا أن تعمل إسرائيل على تجريد العرب من قدراتهم الحربية بمنعهم من بناء جيوش حديثة، أو امتلاك أسلحة متطورة.. وإلى جانب ذلك لا يجوز أن تحول معاهدات مع العرب دون تطوير جيش الدفاع الإسرائيلي (!!)، ومواصلة توسيع الفجوة بين القوتين الإسرائيلية والعربية.والأغرب أن البعض من المثقفين والكتاب صدق مقولات إن هناك نظاما دوليا تجري ولادته أو هو في مخاضه الأخير, وفي طور التشكيل, إلا أن الأقدار حالت دون ولادته, أو ربما كان حملا كاذبا, قصد به تبرير مسوغات المشاريع الإستراتيجية الجديدة التي يتحدث عنها بيريز كثيرا, لكن الواقع أنه لا يوجد نظام جديد بالمعنى المغاير للنظام الدولي القائم, إنما الذي يصاغ هو مفاهيم جديدة للمنطقة تصبح فيه لإسرائيل ما تريده وما لا تريده, حتى وإن كانت هذه الرغائب عسيرة الهضم, وثقيلة القول وجنونية المنطق ولا بأس أن تكون أيضا (إسرائيل) يدها مطلقة بعنجهية وغطرسة، كما يحدث الآن في غزة وما تفعله في المدنيين العزل مع موافقة وتبرير بعض الدول الكبرى. وعندما أعلن شيمون بيريز الحرب على لبنان في أواخر القرن الماضي بشعار "عناقيد الغضب" ظن البعض أن هذا الغضب الدامي سيكون محدودا ومناورة لاستعراض القوة أمام "أعداء السلام" للدخول في جحورهم ـ كما يعتقد بيريز ـ إلا أن الذي حدث هو أن الصورة الحقيقية لبيريز ظهرت على حقيقتها الكاملة, والذي حاول عبر أفكاره وأطروحاته في كتابه "الشرق الأوسط الجديد" يصورها بشكل مغاير كمنقذ وحمامة سلام للمنطقة, يصوغ نيابة عنا الأفكار الجديدة في الاقتصاد والثقافة والتنمية, ولننبذ الأفكار البالية العتيقة التي عفى عليها الزمن, مثل الهوية والعروبة والذاكرة التاريخية.وهو ما عبر عنه في كتابه "معركة السلام" بقوله: قبل إرساء أساسيات السلام لهذا الشرق الأوسط الجديد, وكما نفعل مع أي مشروع للبناء, علينا أن ننظف الأرض أولا "تلك هي الحقيقة أو الصورة الناصعة لبيريز وأفكاره, وأهدافه الجلية بعد عناقيد غضبه الذي حطم فيه بسهولة ما كان يقوله ويتشدق به طوال السنوات الماضية "فالحكم على الشيء فرع عن تصوره" تلك المسلمة الحقيقية لتفسير نوايا بيريز للمنطقة بعد الذي حدث في لبنان وفي بلدة "قانا" في ذلك الوقت, عندما أظهرت التحقيقات أن الغارة كنت متعمدة وأن قادة إسرائيل يعلمون بمكان التجاء المواطنين اللبنانيين والذي هو أصلا مقرا للقوات الدولية.والمضحك المبكي أن بيريز كان يقول بغير ذلك من باب الذكاء والمكر والخداع، ويصورها بالحكمة والاعتبارات الدبلوماسية يقول في خطاب له في الكنيست 29 /6/1982م: "علينا أن نتذكر أن الحرب في أيامنا هذه متشعبة، ففي ساحة المعارك لا توجد دبابات أو مدفعية فقط، بل هناك أيضاً عدسات تلفزيونية هي عين للعالم كله. علينا أن نأخذ بعين الاعتبار أن الدخول إلى المدن أو إلى أماكن مكتظة بالسكان أو قصفها تجب دراسته سبع مرات، ذلك أن الدمار في أيامنا هذه هو "دمار مصور ويحمل في ثناياه ثمناً باهظاً"!!لكن الذي حدث في قانا ويحدث في غزة يخالف ما قاله في الكنيست .. لماذا؟ لأنها هي الصورة الواقعية لشخصيته بلا رتوش أو مساحيق.فبيريز منذ صباه كان مليئاً بالأحلام والطموحات وبانتهازية لا حدود لها، وقد قال عنه إسحاق رابين في كتابه "سنوات الخدمة" (إنه متآمر لا يكل و ا يتعب من المؤامرات، وقال عنه آخرون.. إنه من ذلك الطراز من البشر الذين يقومون بأبشع التصرفات وهو يبتسم..ومعروف عنه أنه يود أن يكون رجل سلام.. لكن هو الذي يحدد مسار هذا السلام وترتيباته، ولا يرفض أن يكون رجل حرب، وهو الجنرال السابق المعروف بالحماسة للعنف، لكنه يحددها عندما تدعو الضرورة أو الرغبة في الانتقام المترسب في النفس.. ويقال عنه: إنه يزاوج بين المبادئ، مبادئه هو الثابتة، وبين الانتهازية ديدنه، بين الوضوح والغموض.. يتقدم ليتراجع.. يجتمع ليقتحم.. يخرج من الغرفة حين يخيم الظلام في الخارج، وإذا رأى من يحمل مصباحاً التجأ إلى إشعال الحريق، ذلك هي طبيعته الكامنة، وبعد تسلم جنرال الحرب ارييل شارون الحكم بحكومات الطوارئ كما سميّت، وأسندت حقيبة وزارة الخارجية لشيمون بيريز، اعتقد بعض المراقبين ومنهم بعض المسؤولين في السلطة الفلسطينية أن شارون ربما سيتخذ قرارات مصيرية رغم تاريخه الإجرامي وتطرفه العسكري والسياسي وأن تسلم بيريز المهام الدبلوماسية هو أحد المؤشرات الجديدة، لكن الواقع يخالف هذا التصور، فتاريخ بيريز لا يؤهله لمثل هذه التوجهات إلا في جانب التلون السياسي والتظاهر من خلال العبارات المعسولة بأنه رجل سلام حقيقي في حزب العمل، فشيمون بيريز لا يختلف عن نتنياهو في الأفكار والتوجهات، لكن الأخير أكثر وضوحا وغطرسة من الأول، وهذا سمة الإسرائيليين في أدوارهم السياسية، في الكذب والمراوغة.الهجمات الأخيرة على غزة، والتهديد بتوسيعها، لن تحقق أهدافها على المدى البعيد، والشعوب الساعية إلى استرداد حقوقها، لن ترغمها القوة المسلحة على الرضوخ إلى مطالب العدوان، لكن غرور القوة الإسرائيلية يغريها بالمغامرة في ظل الغطاء الأمريكي، الأسف لهذا العدوان الذي لن يحقق لإسرائيل السلام والأمن والاستقرار المنشود كما تريد.
1592
| 13 يوليو 2014
للأستاذ المرحوم مصطفى أمين ، الكاتب والصحافي المعروف كتاب صدر في الأربعينات من هذا القرن بعنوان ( أمريكا الضاحكة )، طرح فيه هذا الكاتب الكبير ذكرياته الدراسية في الولايات المتحدة ، ومواقف ووقفات طريفة عاشها أو صادفته أثناء إقامته وقتئذ ، أيام كانت أمريكا في أعز مراحل نموها وازدهارها الاقتصادي ، وبدايات تحولها إلى دولة عظمى فيما بعد بعقود قليلة ، سيما بعد الحرب الكونية الثانية ، وقبل أن تولد إسرائيل بالطريقة إياها !تذكرت هذا الكتاب بعد المواقف الأمريكية الغريبة قبل سنوات،بعد فوز حماس والحملة عليها لدفع أوروبا والكثير من دول العالم للتضييق عليها لاعتراف باحتلال إسرائيل ،وهى المواقف نفسها التي اتبعت مع السلطة الفلسطينية منذ أكثر من عقدين ولم يحصل هذا السلام، ولم تتغير المواقف الإسرائيلية تجاه استحقاقات السلام الموعود!!.فكل شيء وفق المنطق الأمريكي ينبغي ويستوجب أن يكرس لخدمة إسرائيل ومكانتها وتفوقها، ويتطلب أن يكون تطرفها تجاه الآخرين تسامحاً.. وغضبها مقبولاً .. وتجاهلها للقرارات الدولية رأياً .. وقتلها للمدنيين الأبرياء دفاعاً عن النفس .. وذرائع الأمن مبدأً أساسياً لا يجوز تجاوزه.. وتمسكها بالقدرات النووية لوحدها ـ دون غيرها ـ مطلوب وهدف لحماية نفسها من الوحوش حولها في هذه الغابة.. فهذا الدعم من الولايات المتحدة ( المادي والفكري والمعنوي ) جعلها تتمادى في غيها ، وفقد الراعي الأمريكي لهذا السلام كل مقومات التأثير والضغط الظاهري لإنجاز تسوية عادلة وشاملة ، فهي الآن وفي المرحلة المقبلة أيضاً سوف تنتهز أية فرصة للمماطلة والتسويف للهروب من الالتزام المحدود قبل وبعد خارطة الطريق ، وسواء فازت حركة فتح أو فازت حركة حماس في الانتخابات القادمة، المهم هو الالتفاف والهروب من السلام الحقيقي الذي يحقق الأمن والسلام لشعوب المنطقة ، والسبب الأساسي لهذه المماطلات هو الدعم الأمريكي الكامل لإسرائيل والوعود الوهمية والتطمينات غير الجادة للفلسطينيين والدول العربية . فالسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط وتجاه إسرائيل ( التي يجب أن تنصاع للسلام العادل )، غريبة الأطوار، وتستعصي على التفسير والتحليل .. صحيح أن العلاقة الخاصة مع إسرائيل علاقة فوق الشبهات!! وهذا الأمر محسوم ، وندركه جيدا سواء اعترفت الولايات المتحدة بذلك أم لم تعترف، وهو ما تسميه ضمان أمن إسرائيل! . لكن هل تريد إسرائيل السلام ؟ فإذا كانت مطالب السلام لإسرائيل ضرورية فإن على الولايات المتحدة أن تضع مسار هذا الطلب على خطوط واضحة .. فكيف يستقيم الحل العادل وتستجيب إسرائيل له إذا وضعت الولايات كافة الضمانات والدعم والتأييد وبلا نظرة منصفة ومنطقية في قضايا الحق والعدل والحقوق الإنسانية ( منديل الولايات المتحدة يبتل من البكاء في كل محفل ومؤتمر على هذه الحقوق )!ماذا نتوقع للعملية السلمية برمتها في المرحلة المقبلة ، وما هو الحل؟ حيث أن الولايات المتحدة أصبحت تستخدم العقوبات الاقتصادية كسلاح يشهر وقت الحاجة تبعاً للخلاف السياسي والأيدلوجي وهو ما حصل مع إيران في الثمانينات من القرن الماضي،ومع ليبيا أيضا في التسعينات، ويستخدم الآن مع الفلسطينيين بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية ، وهو أسلوب سيخلخل موازين كثيرة وسيسهم في إيجاد مفاهيم مغايرة للحقائق وسيبرز كوامن فكرية ونفسية سيئة بفعل المعايير المزدوجة التي لا تخطئها العين وبلورة تمايز ملحوظ في تعاطي الولايات المتحدة على وجه الخصوص مع قضايا سياسية واقتصادية وفكرية أيضاً .وإذا أرادت الولايات المتحدة أن تكون صادقة وجادة في مواجهة الإرهاب الحقيقي الذي لا لبس فيه ولا غموض والأدلة لا تحتاج إلى بحث أو تنقيب .. فإن إسرائيل دولة إرهابية بكل المقاييس .. بل إن الإرهاب ذاته ( ونستعيذ بالله من كلمة إرهاب حتى لا نتهم به !! ) صناعة إسرائيلية نشأت بواسطة منظمات إرهابية مثل ( الهاجانا ) و ( اراجون زفاي ليومي ) و ( شتيرن ) وغيرها ، وعاش المجتمع الإسرائيلي كما هي نشأته وحتى اليوم وهو يخطط ويرسم للإرهاب بالقتل والسلب والمصادرة والتعذيب والمذابح الجماعية من " دير ياسين " إلى " قانا " فلماذا تناصر وتساند الولايات المتحدة الإرهاب الإسرائيلي الحقيقي وتضع القوانين واللوائح لمحاربة إرهاب مزعوم لا أدلة دقيقة لوجوده ولا اتفاق دولي حوله ؟!ولماذا تسمى الولايات المتحدة كفاح اللبنانيين والفلسطينيين لإسرائيل التي تحتل أرضهم وتسلب حقوقهم بالعنف والبطش والتنكيل " بالإرهاب " وهو حق مشروع كفلته القوانين والأعراف والمنظمات الدولية " وفي مقابل ذلك تساند هذا الإرهاب المقابل الذي يواصل قمعه يوميا. وأول هذه القوانين التي فرضته الولايات المتحدة على المختلف معها منذ ما يقرب من عقدين [قانون داماتو] العجيب في طرحه والغريب في ضياغته ،والذي أثار أوروبا أكثر مما أثار الدول التي استهدفت من توقيعه ، لأن هذا القانون ذاته يخالف منطق الاتفاقات الدولية .. فلم يكن في القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة أي مصطلح بهذا الاسم والعقوبات الدولية .. ولا يوجد نص مشابه بهذه الصيغة الفجة .. فميثاق الأمم المتحدة المكون من 111 مادة نص على وجوب فض المنازعات بالوسائل السلمية والامتناع عن التهديد بالقوة أو استخدامها في العلاقات الدولية .. وجاء أيضاً نص المادة الثانية فقرتها الرابعة من هذا الميثاق ما نصه " يمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي والاستقلال السياسي لأي دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة . فهذا هو القانون " داماتو " مخالف لنص الميثاق نفسه ، من حيث التدخل في الاستقلال السياسي للدول بغض النظر عن مخالفته لاتفاقات التجارة الدولية ، لا سيما مع أوروبا . فهل فقدت الولايات المتحدة صوابها ومنطق تعاطيها مع المشكلات والاختلافات السياسية ؟ أم أن الصواب نفسه لم يعد له مبرر في عرفها بعد صعودها المكانة الدولية في غياب المنافس وانغماسها في الحروب هنا وهناك!.المستقبل ربما يخفي أشياء غير مدركة الآن.. لكن يبدو أن هذا المنطق الذي تود الولايات المتحدة فرضه على العالم بأسره غير قابل للتحقق والتطبيق، لأن العقل الإنساني عجز عن استيعابه، ومن ثم هضمه وتقبله بذلك الطرح الممجوج العصي على الفهم والإدراك.على العقلاء في الولايات المتحدة ، خاصة في ظل إدارة أوباما، الأكثر واقعية وعقلانية، أن يراجعوا سياساتهم الخارجية. ويعملوا على تحكيم النطق على القضايا والمشكلات، بحيث لا يخضع للمعايير المزدوجة، ولا لاختلال الموازين العسكرية. ، فالحرب على العراق واحتلاله بدعوى امتلاكه أسلحة الدمار الشامل تارة وتارة أخرى لعلاقته بتنظيم القاع، وأحيانا أخرى لإقامة عراق ديمقراطي يكون نموذجا فريدا للمنطقة لكي يحتذى. فهل نجحت هذه التبريرات في الرأي العام الغربي قبل الرأي العام العربي والإسلامي؟ لم تنجح هذه التبريرات بل أن هذه الحرب في العرب جلبت لهم ـ كما قالت رايس وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة ـ آلاف الأخطاء وهذه الأخطاء سوف تتبعها آلاف المشكلات التي ستصيب الأبرياء، في فلسطين وفي أفغانستان، وما يجري الآن في العراق، حيث الدماء تسفك يوميا على الهوية والمذهب والانتماء الخ فهذه من الأخطاء القاتلة والأكاذيب التي أطلقت لتبرير هذه الحرب.., فهل نجحت هذه السياسة البراجماتية؟! لم تنجح.. إذن الحل الأمثل هو المعايير العادلة لكل القضايا العالقة والخافتة. إما قضية فلسطين وهى لب القضايا الراهنة، فإن الحل سهل جدا، وإذا أرادت الولايات المتحدة السلام الاستقرار في المنطقة ،تراجع العنف والتوتر، فعليها أن تلزم إسرائيل بتطبيق القرارات الدولية، واستعادة صاحب الحق حقه كاملا ، أما ما عداه من ضغوط وتجويع وتضييق لن تجدي شيئا وان خفتت التوترات فترة من الزمن، فأنها ستعود مرة أخرى أقوى وأعتى وأخطر، ولذلك فلا مفر من التعامل من الحق العادل من المنظور الواقعي العقلاني المتزن، وبه تختفي المشكلات والتوترات والصراعات.
716
| 06 يوليو 2014
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده...
2544
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة...
2331
| 15 أكتوبر 2026
قد يكون من أهم إنجازات الدولة خلال الأزمات...
1095
| 14 أكتوبر 2026
شخصيًا ما زلت أرى ضبابية وعدم وضوح في...
1053
| 15 أكتوبر 2026
كيف يتحمل القلب مشهد صالة المسافرين رقم (٤)...
918
| 18 أكتوبر 2026
حين يطلب أحد أبناء العائلة منصبًا إداريًا في...
888
| 18 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين...
687
| 12 أكتوبر 2026
■تكوين الأسرة والإنجاب في الخليج يبدآن من الزواج...
603
| 13 أكتوبر 2026
لم يخلق الله عز وجل هذه الدنيا لنخلد...
483
| 15 أكتوبر 2026
الموضوع باختصار إن لي صديقة كانت قد انفصلت...
474
| 15 أكتوبر 2026
هناك في متحف الإنسان بالعاصمة الفرنسية باريس، تقبع...
462
| 18 أكتوبر 2026
في ختام مقالتنا السابقة طرحنا سؤالًا: هل يقاوم...
429
| 16 أكتوبر 2026
مساحة إعلانية