رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هل نجني الآن نظرية اليمين الأمريكي في (الفوضى الخلاقة)؟

بعد احتلال أفغانستان والعراق بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، برزت للسطح من خلال إدارة اليمين المحافظ الحاكم آنذاك في الولايات المتحدة نظرية "الحرب الاستبقائية" لنقل الحرب إلى العدو في مواقعه بدلاً من المجيء إلينا، ودخلت الولايات المتحدة مع أفغانستان لإنهاء حكم طالبان الحليف لتنظيم القاعدة، ثم شنت الولايات المتحدة مع حليفتها المملكة المتحدة الحرب على العراق بدعوى امتلاك النظام العراقي لأسلحة الدمار الشامل، وظهر أن هذا الادعاء لا أساس له من الصحة، لكن الحرب لها أهداف أخرى. وعندما تحولت الحرب في العراق إلى ما يشبه الفوضى وغابت مقولات النموذج العراقي في الديمقراطية، طرح بعض المنظرين في اليمين المحافظ نظرية "الفوضى البناءة"، ومع أنه لا يوجد في مفاهيم النظم والمصطلحات الدولية ما يسمى بـ"الفوضى البناءة" إلا أن المفهوم نفسه يتناقض بعضه مع البعض، فلا يوجد في التجربة الإنسانية ما يجمع الفوضى مع البناء الإيجابي للحياة الإنسانية بشكل من الأشكال، فعبارة الفوضى البناءة مفهوم ملتبس يبرز كيفية الهروب من الأزمات القائمة بالحديث عن مصطلحات لا تمتّ للواقع بأي صلة.صحيح أنه بين عام 1945م وعام 1949م ظهر ما يسمى بنظرية الحرب الوقائية أو الحرب المانعة أو حرب الإحباط عند البعض، حيث ساد في تلك الفترة ـ بحسب قول د/ إسماعيل مقلد ـ الاعتقاد في "دوائر الخبراء العسكريين والسياسيين المسؤولين عن التخطيط لمثل هذه الإستراتيجية، بأن الاتحاد السوفيتي كان في طريقه إلى امتلاك قوة نووية، وحينئذ كان من المتعيّن على الغرب أن يواجه خطرين في آن واحد: خطر الهجوم السياسي الشيوعي على مناطق نفوذه ومراكز قوته، وخطر الهجوم النووي الذي كان من المحتمل أن يبادئ به السوفيت خلال فترة التصلب الستاليني وسيطرة مفهوم حتمية الحرب بين العسكريين.ومن هنا تبلور مفهوم الحرب الوقائية على أنه كان يعني السعي نحو تدمير قوة الخصم والإجهاز عليها قبل أن تنمو في كامل أبعادها. وقد علل دعاة نظرية الحرب الوقائية منطقهم بالحجج الآتية: أ ـ أنه من خلال الحرب الوقائية وحدها كان يمكن تجريد الاتحاد السوفيتي من أسلحته السياسية الهجومية والحيلولة بينه وبين اقتراف العدوان على النمط النازي المعروف.ب ـ إن اعتناق مفهوم الحرب الوقائية كان يعمل على منع كارثة وقوع حرب عالمية نووية بكل أخطارها التدميرية الفظيعة.جـ ـ وبالإضافة إلى ذلك فإنها كانت تحقق التفوق التكنولوجي للغرب، وبشكل لا شبهة فيه، فوق التفوق البشري السوفيتي.غير أن تطبيق نظرية الحرب الوقائية تعثر لأكثر من سبب، ومن ذلك: أ ـ أن هذه النظرية كان من الصعب تبريرها أخلاقياً في ظل مبادأة دولة نووية بشن الهجوم ضد دولة غير نووية، لأن ذلك كان لابد أن يعزل أمريكا عن العالم كله.ب ـ أن انتهاء الاحتكار الذري الأمريكي في سنة 1949م، مقترناً باتجاه الاتحاد السوفيتي إلى توزيع قوته النووية وتنويع وسائله في الردع، جعل من الصعب تماماً تطبيق هذه الإستراتيجية والوصول من خلالها إلى نتائج تطابق الأهداف الموضوعة لها.إذا كانت نظرية الحرب الوقائية تقوم على فكرة تدمير قوة العدو بواسطة الضربة الأولى النووية دون اشتراط أن يكون هذا الهجوم مسبوقاً باستفزاز من جانب الخصم، فإن نظرية حرب الإحباط تحاول أن تجد لها أساساً أخلاقياً تبني عليه تبريرها لفكرة الحرب الهجومية، وهو أن الحرب الهجومية تصبح جائزة ومبررة في الحالات التي يثبت فيها أن الخصم على وشك أن يشن هجوماً نووياً ضد الولايات المتحدة وحلفائها. ففي هذه الحالة تعبأ كل مقدرات القوة النووية الأمريكية لكي تستخدم على وجه السرعة في إحباط هذا الهجوم الوشيك.ومن هنا يتضح أن الفارق الرئيسي بين النظريتين يتركز حول عنصر الوقت. ففي حرب الإحباط يكون عامل الوقت قصيراً جداً في التحضير لخوض هذه الحرب، حيث إن التحضير يبدأ بعد أن يكون قد تأكد أن الخصم في طريقه إلى الانتهاء من تجهيز قوته استعداداً للحرب. أما الحرب الوقائية فإنها لا تتم بمثل هذه السرعة الخاطفة، وإما يكون شنها تحت الظروف وفي الوقت الذي يعتقد أنه يوفر أفضل الفرص للمبادأة بهذه الحرب.كما أن اللعبة الدولية، كما يعتقد العديد من الباحثين، ترى أن الخطر قد يكون محدقاً في نمو قوة دولة أخرى على حسابها مستقبلاً ـ وهذا لا ينطبق على أفغانستان أو العراق ـ يدفعها إلى الدخول في نزاع لاحتواء قوة تلك الدولة أو موازنتها. وقد رأى البعض من القانونيين في النظام الدولي أن على الدول دائماً محاولة استشراف نوايا الدول الأخرى تجاهها. ويعتبر أن البقاء في وضع سلمي، كما يقول/ ناصيف يوسف، يفترض أن تذهب الدولة إلى حرب ضد دولة قد تهدد أمنها يمكن أن يشكل خطراً لاحقاً على الدولة. وهو ينصح بعدم انتظار هجوم من دولة أخرى، إنما باستباق ذلك ويعطي مثالاً كيف أن قوة أثينا دفعت بالمدن ـ الدول الأخرى إلى التحالف والدخول في حرب ضدها. ولقد اعتبر روسو أنه حتى لو كانت هناك دولة تريد السلام مثلاً، فهي لا تستطيع تحقيق ذلك إلا إذا كانت الدول الأخرى تريد الشيء ذاته، مما يعني أن تلك الدولة قد تضطر إلى اللجوء إلى حرب استباقية قبل أن يتحول الوضع القائم لمصلحة الأطراف الأخرى. وتشكل هذه النظرة أحد أسس ميزان القوى، وهي كما سبق وأشير، ظاهرة في كتابات ثوثيدابدس، وكذلك في كتابات مكيا فللي وهوبز.ويرد كثير من أصحاب مدرسة الواقعية السياسية مجمل مصادر النزاع إلى المستوى النظمي. ويعتبر جورج ليسكا مثلاً أن طبيعة النظام الدولي والضغوطات التي تنتج عنه، على كل دولة للحفاظ على قوتها أو زيادة قوتها، يساهم في دفع بعض الدول لانتهاج سياسات توسعية أحياناً. ويركز مفكرو الواقعية السياسية في تفسير السلوكيات النزاعية على مفاهيم إستراتيجية، كالاختلال في ميزان القوى أو وجود "فراغ قوة"، الذي يحدث نتيجة انسحاب قوة كبرى من القيام بدور أساسي، سياسيا وأمنيا، كانت تقوم به في منطقة معينة أو دولة معينة.وبعد انتهاء الحرب الباردة في نهاية القرن الماضي اتجهت الولايات المتحدة انتهاج سياسة الانفراد بخيار القوة على أساس أنها القوة العظمى بعد اختفاء الاتحاد السوفيتي وانهيار المعسكر الاشتراكي، ووفقا لهذا التوجه فإن الولايات المتحدة ـ بحسب السيد ياسين ـ لا ترى ضرورة أن ترتبط بعلاقاتها التقليدية مع شركائها، ولا أن تلتزم بالقواعد والمؤسسات العالمية (ومن أبرزها الأمم المتحدة بطبيعة الأحوال) وأن عليها أن تتقدم إلى الأمام لتلعب دوراً منفرداً واستباقياً وذلك في مجال مهاجمة التهديدات الإرهابية، ومواجهة الدول المارقة التي تبحث عن تسليح نفسها بأسلحة الدمار الشامل.وهكذا يمكن القول إن روح الإستراتيجية الأمريكية الجديدة تتركز في أن الولايات المتحدة ستستخدم قوتها العسكرية الفائقة والتي ليس لها مثيل، ووفقاً للإستراتيجية الجديدة ـ كما يقول ياسين ـ فإن الولايات المتحدة الأمريكية قد تجاوزت سياسات الاحتواء والردع التي شكلت جوهر الإستراتيجية الواقعية السابقة التي سادت طوال عصر الحرب الباردة، كما أنها في الوقت نفسه لم تعد تعتمد على الإستراتيجية الليبرالية، التي تشجع الانفتاح الديمقراطي وحرية التجارة، ولكنها ستعتمد في المقام الأول على قوتها العسكرية الفائقة لفرض إرادتها على المجتمع الدولي وفقاً لما تراه محققاً لمصالحها الإستراتيجية، وفي ضوء معايير السلوك الدولي التي ستضعها هي بمفردها وتفرضها على الجميع.نظرية الفوضى البناءة التي قال بها البعض مفهوم خطير على النظام الدولي إذا لم تراع القوانين الدولية وأخلاقياتها المتبعة، فإن الفوضى العارمة غير المنضبطة هي التي ستسود وهذا ما حدث في العراق الآن وبصورة مأساوية، وربما تكون في أماكن أخرى إذا بقيت هذه المفاهيم هي السائدة بعيدا عن المعايير القانونية والعدالة والأخلاق.

803

| 14 يونيو 2015

خلل في التفكير أم مؤامرة مستحكمة؟

تعتبر نظرية المؤامرة فكرة مستحكمة استولت على العقل العربي منذ الاستقلال وحتى الآن، وهي أيضا هروب من نقد الذات ومراجعة الأخطاء والسلبيات التي وقعت فيها النخب السياسية العربية في صراعها مع أعدائها، والصراعات الداخلية فيما بينهم، وأصبحت ـ فكرة المؤامرة ـ همّهم الذي لا فكاك منها أو القفز على معضلتها [في عقولنا] باعتبار أن المؤامرة على العرب إستراتيجية غربية ثابتة ونزعة عدوانية مستحكمة، دون أن تكون هذه الفكرة صحيحة ومنطقية.والواقع أن بعض الكتاب نقدوا نظرية التآمر وآثارها السلبية على تفكيرنا، لكن لم تقبل مثل هذه الرؤية الناقدة منهم، لأن النخب السياسية لا تريد أن تعترف بالأخطاء، وتبقيها على عاتق المؤامرة الخارجية، وذلك أن الواقع العربي وإشكالاته منذ بداية هذا القرن وحتى الآن قد واجه معضلات عديدة وتحديات كبيرة، بعضها من صنعنا ـ إن لم يكن جلها ـ وبعضها الآخر كان من الآخر المختلف معنا، لكن لأسباب نحن أسهمنا في وجودها نتيجة لخلل في التفكير، وكذلك لغياب النقد الذاتي والحوار الموضوعي والنظرة المنهجية السليمة للأمور الظرفية والعادية باستخدام أفضل الخطوات للتعامل مع ما يواجهنا من ظروف ومتغيرات من خلال التفكير الموضوعي لحل هذه القضايا والمشكلات.والغريب أننا مع كل كارثة تصيبنا لا نقوم بعدها بالتقييم المنطقي لأسبابها وظروف حصولها بالنقد والتحليل والكشف الواعي للحقائق الغائبة والبارزة في وقوع هذه الكارثة وبدلاً من ذلك نلجأ إلى الهروب من الواقع الذي أسهمنا في وجوده (الأمثلة كثيرة في هذا المضمار)، وكما يقول المثل، نقفز إلى الجدار القصير السهل والتفسير المعتاد والمواجهة السهلة والمريحة (نظرية المؤامرة) ـ ولا شيء غير المؤامرة ـ وهذا في الواقع هروب من نقد الذات ومواجهة الحقائق بكشف الأخطاء ومسبباتها، والتي هي نتيجة منطقية لأسباب كامنة وبارزة في ذاتنا بغض النظر عن استغلال الأعداء والشامتين والمغرضين (والمتآمرين أيضاً)، لكن الواقع الذي يجب أن نواجهه أن معطيات ومسببات جوهرية كانت من صنعنا.. أما ما ترتبت عليه وعنه من مضاعفات ومستجدات وتطورات وتدخلات بريئة أو خبيثة فلها تفسير آخر وتقييم له مقاييسه ومعاييره، ويخضع للنقد الذي يؤسس على منطق عادل بعيداً عن الأطياف الخادعة والقراءات الانفعالية.. فالبعض يتحدث عن مؤامرات تحاك ضدنا في وقت وحين، وحتى الآن تتردد الأقوال عن هذه الفرضية التي لا تبارح ساحة أمتنا غير بقية أمم الخليقة، فحرب 48 مؤامرة... وحرب 76 مؤامرة.. وحرب 56 مؤامرة.. وحرب الخليج مؤامرة... واتفاق أوسلو مؤامرة... وغيرها وغيرها.. والأخطر أننا نسكت عن التفسير الموضوعي الذي كان من المفترض أن نسلكه ونتغافل عن أمور كثيرة وظروف كان لها الدور الأساسي في وقوع المحظور الذي نسميه (مؤامرة)، ونحن في هذه المناقشة لقضية "المؤامرة" أود أن أسأل سؤالاً عابرا.. هل كان من الممكن تجنب كارثة 48 المشؤومة؟ وكذلك كارثة حرب الخليج الأولى والثانية وغيرها من النكبات (أقصد المؤامرة)، نعم كان من الممكن أن نتجنب هذه الأخطاء الجسيمة، فلولا الحماس العاطفي الذي حرك مشاعر احتلال فلسطيني لكان من الممكن أن نتحوط لما أعده عدونا الذي كان قد أكمل استعداده وعدته لفرض واقعه ظلماً وعدواناً.وكان من حقنا الدفاع عن حقوقنا المشروعة، وهذا منطق سليم.. لكن هل نحن مستعدون وقتئذ لهذه المهمة المقدسة؟ هل كل أمتنا في ذلك الوقت تملك قرارها السليم والصائب، عدةً وعتاداً، لدحر الغاصب ومناصريه؟ لا.. لم نكن نملك المقومات والاستعداد والعدة والتخطيط لاستعادة حقنا ولا الظروف أيضاً مواتية لذلك، لأسباب كثيرة ليس الآن مجال سردها، والشواهد والمبررات واضحة.. وكان من الممكن أيضاً ألا تقوم هذه الحرب، لكننا نحن اندفعنا بعاطفة والعاطفة وحدها لا تستطيع أن تجابه عدواً خبيثاً كاليهود.وحرب 67 كان من الممكن أن نتجنب وقوعها لأسباب كثيرة ناقشها الباحثون في مراحل عدة، لكننا أيضاً وقعنا في نفس الفخ القديم.. العاطفة.. والحماس.. والاندفاع... وكان منطقياً أن ندرس نكبة 48 م جيدا، لكننا مع ذلك تجاوزنا كل المبررات المنطقية التي يجب أن تكون على رأس الأولويات في دراسة عدونا وقدراته، دراسة وافية. وكان ممكناً أيضاً ألا تقام حرب يونيو ـ التي مرت عليها 48 عاما، لكن عدونا إلى هذه الكارثة جراً، بافتعال الأزمة على الجبهة الشمالية، حيث كنا في ذلك الوقت لا نملك القدرات الكافية، فجزء كبير من الجيوش العربية تنقصها الخبرات العلمية والمهارات المهنية.. فالشجاعة وحدها لا تكفي في هذا العصر والإيمان بالقضية العادلة يكون في الوجدانيات والضمائر، وليس في ساحات القتال التي تعج بأحدث الوسائل التقنية. إذاً أين هي المؤامرة؟ وكيف جاءت؟ إن إلقاء التبعات على إخفاقاتنا على مؤامرات عدونا تحتاج إلى تقييم موضوعي ومبررات معقولة.فالغرب الذي يحيك لنا المؤامرات ـ كما يقال دائماً ـ لا يستطيع أن يدفعنا إلى ساحات قتال وصراع لا نملك مقومات كافية للمواجهة.. فلماذا نندفع بعاطفة تنتهي بكارثة ثم نلقي بتبعات هذه الكارثة على المؤتمرات؟ ألم يكن منطقاً وعقلاً أن ندرس الكوارث والأزمات ونستفيد من التجارب السابقة؟.فالقضية هي بأيدينا وليس بأيدي عدونا، ونحن نملك قرارنا، سواء كان صائباً أو خطأ، وهو المحك الحقيقي لتفسير كل أزمة أو كارثة.. وبدلاً من دراسة القصور ومسببات التقصير نلجأ دائماً إلى هذا التبرير المريح، ونغفل الجوانب السلبية التي أسهمت في هذا المأزق الذي نحن بصدده، فالغرب يهمه إخفاقنا وربما أسهم فيما وقعنا فيه من كوارث وأزمات.. وساند الخصم بالمال والعتاد، لكن إلقاء كل أزمة نسهم في وقوعها بالمؤامرة من الآخر (الغرب)، خلل في التفكير وقصور في التخطيط ومبررات سلبية تطيل المرض ولا تشفي المريض.حتى في أفغانستان فإن الصراع الدامي على الحكم خلال السنوات الماضية بين قادة الجهاد الأفغاني برزت على الساحة حركة طالبان، فإن أول عبارة قالها قادة الجهاد: إن طالبان مؤامرة أمريكية!! وكان منطقياً ألا تظهر "طالبان" لولا اشتداد الصراع على المناصب بينهم، فالـ"طالبان" نتيجة منطقية لما أسهم فيه القادة الأفغان وليست مؤامرة خارجية، فصراعهم أوجد مصلحة في تغذية أحد عناصر الصراع، فلو أمعنا النظر لوجدنا خطأً كبيراً منا قبل تدخلات أعدائنا. ثم إنه بظهور داعش، قال البعض إن داعش مؤامرة إيرانية، وبعضهم قال إنه مؤامرة أمريكية، ولم يدركوا أن داعش هي إفراز من إفرازات الإقصاء والقمع في العراق، ونتيجة من نتائج تسريح مئات الآلاف من الجيش العراقي الذين وجدوا أنفسهم في الشارع وربما لا يجدون قوت عيشهم بعد التسريح، فماذا سيحدث؟ طبعا سيتحالفون حتى مع الشيطان، وليس مع التطرف والتكفير، من أجل استرداد ما يعتبرونه ظلما وقع عليهم في وطنهم، وهذه هي المعاناة الكبيرة في العديد من عالمنا العربي للأسف. نحن إذاً في حاجة إلى نقد الذات لا إلى جلدها أو تغييبها عن مواجهة الأخطاء والعيوب، وهذا لا يتأتى إلا بالمواجهة الصريحة وحرية النقد الذي يلامس واقعنا بعيداً عن (نظرية المؤامرة أو تضخيم الذات أو جلدها).

877

| 07 يونيو 2015

في مسألة التعايش وضرورته الوطنية

في ظل التوترات والخلافات السياسية والتي يحاول المتطرفون والتكفيريون،تحويلها إلى خلافات وصراعات مذهبية وطائفية، فإن أمتنا تحتاج إلى زيادة جرعات الوعي بأهمية التعايش والتسامح، وفي ظل الإسلام وقيمه العظيمة، لذلك لابد من تأسيس فكرة التعايش والبعد عن الخلافات القديمة التي يريد البعض من المشايخ للأسف إرجاعها مرة أخرى، وهذا خلط وخطر في الوقت نفسه وجناية على المجتمعات المسلمة وكل مواطنيها.وعلى الأمة أن تعمل على تقوية أسس تقارب وزيادة التعاون والتفاهم في المقام الأول بين المواطنين، في إطار من العيش المشترك الذي يجمع المسلمين مع بعضهم البعض، ومع الأمم الأخرى التي ليس بيننا وبينهم حروب وتوترات، وهذا ما رسخه الإسلام في تعامله مع الآخر المختلف منذ العصر الأول الإسلامي،عندما أسس الرسول صلى الله عليه وسلم صحيفة المدينة، ومن هنا نرى كيفية تعامل النبي (ص) مع الآخرين المختلفين عقائدياً مع المسلمين حيث نهج عليه الصلاة والسلام نهج التسامح معهم، والقبول باختلافهم مع هؤلاء الأقوام بالمدينة، واحترم خصوصياتهم الفكرية وحقوقهم الدينية دون إكراه أو إجحاف أو إقصاء، فلم يعمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى تغيير قناعات مجتمعه جبرا، كما لم يفرض نمطا اجتماعيا عنصريا يتم فيه التفريق بين أطياف المجتمع بحسب هويتهم الدينية حين تعامله مع سكان يثرب، علماً بأنه قد كان فيهم المؤمن وغير المؤمن، والمنافق، واليهودي، ولم يعمد إلى ذلك من صحابته من الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم.هذه الأسس الإيجابية التعاقدية التي تحققت في دستور المدينة، وأرست أول نصوص حقوق المواطنة عبّرت عن فكرة مركزية " هي إنشاء مجتمع سياسي تعاقدي بين جماعتين سياسيتين وفق مبدأ التعايش والتفاهم وفق المشتركات الإنسانية، مع اختلاف الدين.. " المهاجرون والأنصار من جهة، واليهود من جهة أخرى، بإشراف وقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم. هذه الصيغة انتهت من قبل اليهود بعد وقت مبكّر من ولادتها، فغدروا بالمسلمين وتحالفوا مع قريش ضدهم، فحاربهم المسلمون وأجلوهم عن مجتمعهم ؛ مما أدى إلى نشوء عداء بينهم وبين قريش كان سببه اليهود.ولابد من التأكيد في النهاية، ولم تُلغِ الفكرة المركزية التي أنُشئت في هذه (الصحيفة)، وهي: تكوين المجتمع السياسي المتنّوع في الانتماء الديني، وإقامة دولة لهذا المجتمع على أساس الإسلام، بل إن هذا المبدأ التشريعي - السياسي الإسلامي لا يزال قائماً، ويمكن العمل به دائماً، في كل عصر، وفي نطاق أي جماعة بشرية. ولم تكتف صحيفة المدينة بوضع النصوص للالتزام بين أطراف موقعيها،بل إنها أرست مفهوما جديدا غيّرت بعض الأعراف السائدة في الجزيرة العربية التي سادت منذ مئات السنين، كما ثبتت في الوقت نفسه المناسب من تلك القيم والمثل الأعلى، والتي تتوافق مع قيم ومثل الإسلام، من أجل تأسيس دولة مدنية حضارية، فألغت تحميل القبيلة مجتمعة المسؤولية الكاملة لتصرفات فردها، وجعلت الفرد وحده المسؤول عن أعماله المخالفة للقانون، وارتكاب الآثام، من دون أن تتحمل قبيلته هذا الوزر، فنصحت الصحيفة: "إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ (يهلك) إلا نفسه وأهل بيته ".كما أقر الإسلام بالتعددية على المستوى التكويني من خلال الإقرار بسنن التعدد الإلهية قال تعالى: (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة) [ المائدة: 48 ].كما أقر سبحانه وتعالى بالتعددية على المستوى التكليفي بإقراره تعدد الشرائع، ولهذا فإن الإسلام لم يرفض تعدد الانتماء الديني في الأمة الواحدة دون أن يمس وحدة الأمة، ولذلك نجد الكثير من الآيات القرآنية تدعو إلى المشترك الإنساني بين هذه الأديان وإلى الكلمة السواء في إطار عبادة الخالق عز وجل، ونبذ الشرك، قال تعالى: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً) (آل عمران: 64).والحكمة الإلهية جعلت الأمم تختلف فيما بينها،وهذا ليس بحالة طارئة على الإنسانية أن تختلف، وإنما كما أخبرنا القرآن الكريم بأنها سنة أزلية أبدية قد فطر الله عليها جميع المخلوقات.. فلم ولن يكون الناس نمطاً واحداً أو قالباً فرداً، وإنما كانوا ولا يزالون مختلفين قال تعالى (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) (هود: 119،118).وإذا كانت الإنسانية والبشرية قد بدأت بآدم وحواء - أمة واحدة،في الدين والشريعة - فإن تحول هذه الأمة الواحدة إلى أمم قد اقتضى التعددية في شرائع الرسل بتعدد أمم الرسالات، فكانت سنة التعددية منذ فجر تاريخ الإنسان... (فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (البقرة: 213).ولذلك فإن الإسلام بمفاهيمه ومنظوره الإنساني قد أصّل مبدأ التعايش، بفضل ما يحمله من مبادئ الوحدة الإنسانية.كما جاءت في الآيات الكريمة " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم " [ سورة الحجرات، الآية 13 ]. وقوله سبحانه " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام " [ سورة النساء، الآية 1 ].و كذلك قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين " [ سورة النساء، الآية 135 ].والحقيقة أن الإرهاب والتطرف الذي يعتبر الآن قضية القضايا ومحط أنظار العالم واهتمامه وتوجسه وهواجسه له من الأسباب الكثيرة ما يجعل حصره في مسألة أو قضية واحدة فكرة هلامية وتبسيطية غير صحيحة. فالإرهاب والتطرف يتمايز في منطلقاته، وهذا التمايز يجعل هذه الظاهرة ـ الإرهاب والتطرف ـ تختلف من بلد لآخر تبعا لأسباب وعوامل عديدة ومتداخلة في الوقت نفسه. منها العامل السياسي ـوهو الأكثر بروزا ـ إلى جانب العامل الاجتماعي والديني والاقتصادي والثقافي والفكري وهكذا.فظاهرة التكفير والتطرف والغلو، ظاهرة مركبة ومعقدة ومن الأنصاف أن تكون النظرة إليها شاملة ومتوازنة ولا تقف عند عامل واحد فقط ونغض الطرف عن الأسباب الأخرى التي ربما تكون هي العامل الحاسم في هذه المشكلة أو الظاهرة التي تجتاح العالم كله وليس عالمنا العربي والإسلامي فقط. فالبعض يرجع قضية الإرهاب والتطرف إلى الجهل وقلة العلم والفهم بأمور الدين والدنيا. والبعض الآخر أيضا يراها نتيجة من نتائج الفقر والبطالة في العديد من المجتمعات العربية. والبعض الآخر أيضا يراها نتيجة من نتائج القمع السياسي والاستبداد وغياب الحرية والديمقراطية ويراها البعض الآخر مشكلة نفسية واجتماعية وأسرية.. الخ. وقد انطلق الإسلام في نظرته للمساواة من أن السلم هو العلاقة الأصيلة بين الناس. وعلى هذا الأساس بيّن الإسلام سياسته الإصلاحية فيما بين المسلمين بعضهم مع بعض، وفيما بينهم وبين غيرهم من مواطنيهم أو من الأمم المختلفة. وقد كان غير المسلمين إذا احتفظوا (بحالة السلم فهم والمسلمون في نظر الإسلام إخوان في الإنسانية كما يقول بعض العلماء، يتعاونون على خيرها العام، ولكل دينه يدعو إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، فما بالنا بالمسلمين الذي يجمعنا الإيمان بالقرآن والسنة النبوية.وهذا ما نأمله من العلماء والدعاة بأن يركزا على أهمية التقارب والوئام وغرس ما يجمع الأمة،وليس ما يفرقها.

640

| 31 مايو 2015

ناقوس الخطر الكبير

ما جرى منذ عدة أيام في إحدى قرى منطقة القطيف بالمملكة العربية السعودية ،من تفجير لأحد المساجد في وقت الصلاة، لهو خطر كبير يهدد مجتمعات الأمة المسلمة، التي بها ما يكفيها من صراعات سياسية وطائفية مؤلمة ، ربما ترجعها إلى الخلف لعقود طويلة، إذا بقى لها وجود في الأصل في ظل هذه الصراعات، والأخطر أن تحاول بعض جماعات التطرف والتكفير أن تجرنا أيضا إلى الصراع المذهبي، الذي لاشك أنه لو نجح بالفعل، لسوف يهدد ما بقى للأمة من استقرار، يجعلنا أضحوكة الإنسانية،والغريب أن علماء المسلمين الذين كانوا أقرب إلى العصر الإسلامي الأول، كانوا أكثر انفتاحا وتسامحا، ليس مع التعدد المذهبي فحسب، بل حتى مع أصحاب الديانات والفرق الأخرى المخالفة، وأصبحت معابدهم وكنائسهم منذ العصر الأول إلى الآن!، وهذا يبرز أن عصرنا ليس عصر التسامح وقبول التعدد والتنوع الذي أتاحه الإسلام للآخر المختلف ، فما بالنا بالمسلمين، ويحتاج هذا الأمر إلى استقصاء وبعض ومراجعة في فقهنا الإسلامي. وتعتبر حرمة الدماء عظيمة في الإسلام، اعتبارها من القضايا القطعية التي جاء تحريمها في القرآن الكريم ، إلا بجرم جنائي مرتكب، كالقصاص أو الحد ، حفاظاً على الأمن والاستقرار .ولم نجد ديناً كالإسلام جعل قتل النفس الواحدة بمثابة قتل الناس جميعاً، وإحياءها بمثابة إحياء الناس جميعاً ، والمال أيضاً قرين الروح .وفي خطبة الوداع التي هي ميثاق عامٌّ ودائم:" إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا ". وتكون دماء غير المسلمين وأعراضهم وأموالهم مثل المسلمين، فلا يجوز الاعتداء عليها، وهذا هو المطبق في السنة النبوية والمقرر عبر التاريخ، روى المحدّثون أن مسلماً قتل رجلاً من أهل الذمة (العهد) فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : "أنا أحق من أُوفيِ بذمته" ثم أمر به ، فقُتل . وسار الخلفاء الراشدون على هذا المنهج".فحق الأمن للمواطن في الدولة من الحقوق الثابتة والمنطلقة من حق التكريم الذي جعله الله سبحانه وتعالى حقاً للإنسان ، ويأتي أمن الإنسان في حياته وفي مجتمعه لا مساس به .انطلاقا من رسالة الإسلام في الحفاظ على الإنسان في أن يعيش في أمن وسلام واستقرار ضمن الجماعة أو الأمة التي يشترك معها يحفظ له كرامته وحريته وإنسانيته .لذلك كفلت الشريعة حماية الإنسان ونفسه وماله وعرضه من الاعتداء ، وكذلك التحقير من شأنه أو تعذيبه سواءً كان من الدولة أو الأفراد ، وكفالة هذا الحق لم تأت من لوائح أو قوانين سارية من النظام العام في الدولة ، بل إن الشريعة كفلت هذا الحق ، وحرّمت " الاعتداء على أي شخص " إلا إذا كان ظالماً قال الله تعالى : (فلا عدوان إلا على الظالمين) [ البقرة : 193 ]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (كل المسلم على المسلم حرام : دمه وعرضه وماله). وقد أوجب الإسلام على الدولة حماية الفرد من الاعتداء والأذى وتوقيع العقوبات الزاجرة على كل من يقع منه ظلم أو تعد أو تجاوز حداً في اقتضاء حق مشروع. ولقد اتفقت كلمة الفقهاء على أن العقوبات في الحدود مما لا يثبت بالرأي والقياس وأنها لا تثبت إلا بالنص ، وفي ذلك كفالة للحرية الفردية واعتبار العدوان على الشخص وقتله عدواناً على الإنسانية جمعاء فقال تعالى : (من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً) [ المائدة : 32 ].كما أن الإسلام يرفض الاتهام الجزافي على أي إنسان دون قرائن دالة على تجريمه بعيداً عن الشبهات أو الكيد .قال تعالى : "(يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) [ الحجرات : 6 ] ، ويقول : (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم) [ الحجرات : 12 ] ، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : (ادرءوا الحدود بالشبهات ، وأقيلوا الكرام عثراتهم إلا في حد من حدود الله تعالى). وقال أبو يوسف : (لا يحل أخذ الناس بالتهم ، ولا ينبغي أن تقبل دعوى رجل على رجل في قتل ولا سرقة ولا يقام عليه حد ألا ببينة عادلة أو بإقرار من غير تهديد أو وعيد). وقد نحا الإسلام منحى فريداً في ضمان حق الفرد في الأمن على حياته إذ سوى بنص القرآن قيمة حياة الفرد الواحد بقيمة الإنسانية جمعاء).والعقوبة التي وضعها الإسلام لعلاج الاعتداء على حقوق الله سبحانه وتعالى وحقوق الأفراد إنما جاءت لحماية المجتمع والجماعة والدولة ، ولم يلجأ الإسلام للعقوبة إلا كسلاح أخير بعد استنفاد كل وسائل العلاج الأخرى وذلك عندما "تفشل كافة الروادع الأخرى في منع الفرد من تجاوز حده. فقد اعتنى الإسلام بإصلاح نفس الإنسان،و بإعمار قلبه بخشية الله، و بإشعاره بمسؤولية يوم القيامة. وبأن ينشئ فيه الميل إلى طاعة الله والرسول التي هي أول مقتضيات الإيمان، ثم نبهه إلى ما في ارتكاب الأفعال المحرمة، وإلى الأضرار التي تلحق به و بإخوانه نتيجة لها. ومن جهة أخرى، وفر الإسلام للإنسان (الأمن) عن طريق توفير كل سبل الابتعاد عن المحرمات حتى لا يكون هناك مجال لشيء من الأضرار والحاجة إلى ارتكاب هذه الأفعال. وهكذا أصبح من العدل – في الإسلام –إيقاع العقاب بهذا الذي يستهتر بحق الآخرين من الأمن لأنه يكون قد تخطى كافة الحدود والسدود، وأوغل في الخضوع لرغباته وشهواته وعواطفه، فأدى به هذا للخروج على نظام الجماعة، وهدد بذلك مصالح المجموع. وللإسلام في الجريمة والعقاب رأي ينفرد به بين كل نظم الأرض، ويمسك فيه بميزان العدالة المطلقة بقدر ما يمكنه أن تتحقق في دنيا البشر، فلا يسرف في تقديس حقوق الجماعة، ولا يسرف في تقديس حقوق الفرد، وذلك تبعاً لنظرته المتوازنة التي ينظر بها إلى الناس. والتي تهدف إلى تحقيق مصلحة الفرد والجماعة معاً.

502

| 24 مايو 2015

67 عاما على نكبة فلسطين في 48م

تمر هذه الأيام مرور 67 عاما على نكبة 1948، دون أن تتحقق القرارات الدولية أو التضمينات الغربية التي وعدت الفلسطينيين بقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، حسب ما قاله الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن في 2005، وهو الموعد لقيام هذه الدولة، كما لا تزال المواقف الإسرائيلية تجاه المستوطنات، والانسحاب من الأراضي العربية الفلسطينية متوقفا، والممارسات المتطرفة للمستوطنين تجاه الشعب الفلسطيني في القدس وبقية الأراضي العربية الفلسطينية، وكأن الاتفاقات والتضمينات الأمريكية، والوعود بإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة مجرد أوهام ليس لها حظ من التطبيق بعد أكثر من 24 عاما على مؤتمر مدريد للسلام، والأمر اللافت في الأمر، هو سكوت العديد من المسؤولين الأمريكيين والغربيين عموما، بصورة تدعو للغرابة عن هذه الأفعال والممارسات العدوانية والتنصل من الاتفاقيات والتطمينات!!، وإلى الآن ينعتون إسرائيل بالدولة الحضارية والديمقراطية. والاستيطان نشأ في أحضان الدولة الإسرائيلية العبرية العلمانية عبر خمسة قرون أو يزيد، ووفرت لهم الحماية والبرامج ووسائل الإقامة الدائمة. وإذا عدنا إلى المصادر الأصلية للعنصرية الصهيونية، نجد أن المشروع الصهيوني العنصري ولد في رحم الأفكار العرقية التي اجتاحت الساحة الأوروبية، فعندما ظهرت مقولات الإنسان الغربي الأبيض المتفوق عرقياً وعقلياً وحضارياً، ابتدع الصهيونيون مقولة شعب الله المختار، ومثلما للغرب رسالة حضارية تمدينية، فإن الصهيونية ستكون في وطنها القومي الجديد " في فلسطين رسالة حضارية وديمقراطية. وهذا ما ظهر في كتاب هرتزل في كتابه الشهير الذي صدر في 1896 [ الدولة اليهودية ].وقد تحركت الإستراتيجية الصهيونية العنصرية ـ كما يقول د/ محمد عابد الجابري ـ على خمسة محاور رئيسية: ـ نشر الفكرة الصهيونية (= إقامة دولة لليهود في فلسطين) بين يهود العالم أجمع.ـ إقناع الحكام في أوروبا بأهمية وجود دولة يهودية في فلسطين بالنسبة لمشاريعهم التوسعية وطموحاتهم الإمبراطورية، مع استغلال التنافس القائم بينهم في هذا المجال.ـ التغلغل في النظام الاقتصادي والمالي والإمساك بمفاتيحه في أوروبا والعالم.ـ العمل على الهيمنة الثقافية داخل المجتمعات الأوروبية، وفي أوساط اليسار والاشتراكيين خاصة، بوصفهم يمثلون البديل المستقبلي.ـ إقناع الدول الأوروبية المتنافسة على الشرق بأن قيام دولة يهودية في فلسطين سيكون بمثابة المسمار الأول والأساسي في نعش الإمبراطورية العثمانية التي كان العداء لها، هو القاسم المشترك الوحيد الذي يجمع الدول الأوروبية على كلمة واحدة.إن نشاط الحركة الصهيونية على المحور الأول (ربط يهود أوروبا بالمشروع الصهيوني المتمثل في إقامة دولة يهودية في فلسطين) كان له هدفان متكاملان: كسب الأنصار للمشروع الصهيوني بين اليهود أنفسهم، أعني العمل على صهينة يهود أوروبا من جهة، وتجنيد الرأي العام الأوروبي لصالح قضية اليهود بوصفها قضية مضطهدين محرومين، هم مضطهدون في البلدان التي يعيشون فيها، ومحرومون من وطن خاص بهم. وإذا نحن ترجمنا ذلك إلى لغة العصر، لغة الحداثة ومفاهيمها، صارت قضية الصهيونية هي قضية شعب يعاني من اللامساواة، محروم من حقه في أن يكون أمة ذات وطن ودولة. فالقضية إذن قضية عادلة من منظور الحداثة، إذ هي قضية العقلانية (الأمة) والديمقراطية (المساواة). أما السؤال: على حساب من سيكون تحقيق مطامح اليهود "المشروعة" هذه؟ فذلك سؤال ـ كما يقول الجابري ـ لم يكن من المفكر فيه في أوروبا، ذلك لأن فلسطين وما يجاورها هي بالنسبة لأيديولوجيا الحداثة الأوروبية من تلك المناطق التي تسكنها أقوام هم في حاجة إلى نشر "الحضارة" بينهم. وهكذا تجد القضية الصهيونية مكانها في النظام الفكري للحداثة الأوروبية كعنصر من عناصره: إن شعارات المساواة، والحق في الوطن، ونشر الحضارة، وحق اليهود في وطن قومي، عناصر تشكل بنية واحدة تجد مضمونها اللغوي في العبارة التالية: قيام وطن قومي لليهود في فلسطين سيمكنهم من ممارسة حقهم في المساواة وفي أن يكون لهم وطن ودولة مما سيجعل منهم أمة تنشر الحضارة في منطقة مهمة من العالم.إذن فالصهيونية كمقولة فكرية سياسية وحضارية لا تتناقض مع مقولات الحداثة الأوروبية في القرن التاسع عشر، بل بالعكس تتكامل معها.ويقول هرتزل في كتابه [الأرض القديمة الجديدة] "إن اليهود لن يفعلوا شيئاً للأرض القديمة الجديدة (فلسطين) سوى نقلهم المؤسسات المتحضرة إليها". ومثل هذه المزاعم وجدت صداها في الغرب، ليس فقط لاتساقها مع الفكر الذي دأب على التهوين من شأن الآخرين، وإنما أيضاً لأن الغزوة العنصرية الصهيونية جزء ضئيل من الذين أنتجوا هذا الفكر.إن الاستيطان الإسرائيلي المستمر، وإلى الأسابيع الماضية يوضح أن الدولة العبرية ليست جادة في السلام العادل، وأن اللقاءات والمفاوضات في السنوات الماضية مجرد تسويف وتمييع المواقف، للمراهنة على الضعف والتشتت والانقسام الفلسطيني والعربي، لتمرير مشاريعها في التهويد وتكريس الاحتلال الذي تؤكده الوقائع والممارسات على الأرض.والحقيقة أن القيادات الفلسطينية للأسف أسهمت في تراجع القضية الفلسطينية، بسبب الصراعات والخلافات على سلطة وهمية، في ظل الاحتلال وتمدده، والآن برزت قضايا ومشكلات عربية، جعلت القضية العربية الأولى، في الدرجة الأخيرة، والسبب الأكبر في ذلك هي القيادات، وإسرائيل تعيش في أزهى أيامها بسبب التصدع الفلسطيني، والصراعات العربية، وإذا لم يلتئم الفلسطينيون، ويعززوا جهودهم الوحدوية، فإن القضية الفلسطينية في خطر كبير، لأن اليمين الإسرائيلي يراهن على هذا التصدع وهذا الخلاف، ليحكم السيطرة، ويرفض الحقوق العادلة!.اللهم هل بلغت، اللهم فاشهد.

706

| 17 مايو 2015

في مسألة الدولة والتجربة التاريخية

بعد الربيع العربي، وما تلاه من تحولات من تغيرات ديناميكية في الحياة الديمقراطية في العديد من الدول العربية،ناقشت بعض الأقلام التجربة النبوية بشكل أعمق، وأوفى سواء في الفترة التي هاجر فيها الرسول (ص) إلى المدينة، ثم في فترة الخلافة الراشدة ، أو أنها لا تريد أن تقول عكس الواقع كما تحقق في ذلك العصر ، وأنها ربما ترفض ذلك لأسباب فكرية وأيديولوجية، والحقيقة أن هذه المقولات ليست جديدة، فقد طرحها العديد من المستشرقين في ظروف كثيرة لأسباب لا تخفى على المتابع الحصيف، وشايع هذا الطرح بعض من أبناء جلدتنا ممن تأثروا بالفكر الاستشراقي، وقد تراجع بعض هؤلاء عن هذه النظرة، ولا يزال البعض يردد هذه المقولة بين الفينة والأخرى،والواقع أن الدولة في العصر الأول الإسلامي قامت ككيان ضمن الاجتماع السياسي الإسلامي الأول في المدينة،ثم أفضى إلى دولة كاملة في أنشطتها المتعددة ، كما تحقق لهذه الدولة العقد الاجتماعي السياسي لهذه الأمة من خلال دستور ( صحيفة) المدينة التي جمعت سكانها جميعا، والذي يؤسس لحقوق المواطنة الكاملة بمقاييس عصرنا، ويحدد الحقوق والواجبات لهذا المجتمع المدني الإسلامي الوليد في ذلك العصر .ولم تقتصر مواد هذه الصحيفة على المسلمين فقط ، بل ضمنت أيضاً الطوائف والتكوينات الأخرى من غير المسلمين كاليهود وغيرهم من أتباع الديانات الأخرى، واعتبرتهم أمة واحدة من دون الناس ، ولذلك نصت هذه الوثيقة الدستورية على اعتبار اليهود المقيمين في المدينة من مواطني هذه الدولة الوليدة ، وحددت مالهم من حقوق وما عليهم من واجبات، كما تضمنت الصحيفة تنظيما للمسؤوليات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتجاهلت هذه الصحيفة نظام القبيلة ضمن بنودها، بما يجعل الجميع أمة واحدة، يتناصرون بينهم وفق رباط هذا العقد الاجتماعي، ولم يميز المسلم وغير المسلم في هذا الدستور، وهو مبدأ رفيع سبق الإسلام كل النظم التي سبقته في تقرير المواطنة دون اعتبار للدين أو القبيلة أو الانتماء العرقي. والدولة في الاصطلاح السياسي المعاصر، هي مجموعة من الناس تستقر في أرض معينة، أو حيز جغرافي محدد، وتعيش في ظل سلطة منظمة تخضع للقانون، وهذا ما حصل للدولة النبوية الأولى عند قيامها في المدينة، وأن أفرادها كانوا يخضعون للقانون والسلطة تحاسبهم، وهناك الكثير من الوقائع التي مورست فيها تطبيقات التشريع، باعتباره من ممارسات الدولة وسلطتها الآمرة . صحيح أن الإسلام الذي أنزله الله سبحانه وتعالى لهذه الأمة، جاء ليقيم الدين في الأساس، وهداية البشر،وتنمية الإنسان على الأخلاق والسلوك والقيم إلخ: لكن هذا الدين ليس عقيدة فحسب،بل إن الوحي الإلهي جاء بتشريع مع هذا الدين ليتم تطبيقه على هذه الأمة، وهذا التشريع لا بد من دولة وسلطة تنفذه وتطبقه، لتنظيم العلاقات بين الناس ، والفرد في هذا المجتمع المسلم الذي يضمه مع بقية الإفراد الآخرين لا يمكن أن تنظم حياتهم دون سلطة سياسية قاهرة تقوم بالضبط الاجتماعي،وهذه السلطة القانونية لابد لها من نظام سياسي من خلال دولة، وهذه التشريعات المنظمة تعددت في مجالات كثيرة،مثل جرائم الحدود ،وإنفاذ الأحكام الشرعية المنصوص عليها في القرآن الكريم أو في السنة ، أو في الإجماع كنظام المواريث والأسرة ومبادئ التعامل من رضا واختيار ونحوهما . وطرق الإثبات والقضاء ، ونظم السلم والحرب ، ونحو ذلك مما يتصل بالتزام واجتناب النواهي ،واحترام مبدأ الشورى والعدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والوفاء بالعهود والعقود والالتزامات ، والحفاظ على الحقوق ، وتحقيق الأمن ، ودفع الأذى والضرر ومنع الظلم وجهاد الأعداء ، وسد الذرائع إلى الفساد ، وحماية الأنفس والأموال والأعراض الخ:. إذن الدولة في ظل هذه النظم والتشريعات تعتبر ضرورة لازمة، تستلزم تأسيس دولة،وهذه الدولة نمت وتوسعت بنمو دعوة هذا الدين وانتشاره وتوسعه في الآفاق ، وتعتبر هذه الدولة أقدم صورة معروفة إلى اليوم في تاريخ الإنسانية باعتبارها صورة تاريخية ، من صور المجتمع السياسي . وذلك بفضل تميزها عن غيرها من المجتمعات السياسية التي سبقتها في الوجود ، أو التي كانت معاصرة لها بتقرير مبدأ الشرعية ، أي مبدأ خضوع الدولة للقانون ، ذلك أن الدولة باعتبارها صورة من صور المجتمع السياسي ، كما يشترط لقيامها توافر العناصر المادية الثلاثة ( الشعب ـ الأرض ـ السلطة ) فإنه يشترط لكي يعد مجتمع ما " دولة " ، أن يتوافر كذلك عنصر معنوي هو أن تكون السيادة في هذا المجتمع للقانون . بمعنى أنه كما يخضع الأفراد للقوانين التي تصدرها السلطة المختصة في الدولة ، فإن مؤسسات الحكم والإدارة تخضع كذلك للقوانين ، وتتحمل تبعة الإخلال بها ،كما يتحملها الأفراد سواء بسواء. كما أن الدولة في العصر الأول الإسلامي، مارست كل مجالات الاجتماع السياسي،ولم تترك شيئاً مما تمارسه الدولة اليوم ، أو كانت تمارسه الدول في القديم إلا مارسته، كما يشير د/ محمد سليم العوا ، فقد حاربت وسالمت، علمّت وقوّمت وهذبت، جمعت الضرائب والأموال أو جمعت الزكاة والصدقات ووزعتها على المحتاجين.بَنَت للمنكوبين، أرسلت البعوث تبشر بما تدين به من عقيدة، واستقبلت البعوث من الملوك والأمم المجاورة لها تسمع رأيها وكلمتها. لم تُبقِ شيئاً من وظائف الدولة إلا مارسته، ومع ذلك فقد امتازت عن كثير من الدول التي عرفت بعدها، إلى أن اكتشف الناس سبب هذا التمييز فاقتبسوه منا وجعلوه شعاراً لذلك الكيان الاجتماعي الذي نسميه الدولة, ذلك الامتياز كان مصدره قاعدة عجيبة في ذلك الوقت هي قاعدة تقيد الدولة بالقانون. أما مسألة أن الإسلام لم يؤسس نظرية للدولة، فهذا الرأي مردود عليه، لأن عدم ذكر الدولة في النصوص القرآنية، أو الأحاديث النبوية،فهذا ما أراده الإسلام، ولحكمة ندركها إذا ما نظرنا إلى قضايا عامة ذكرها القرآن لكن لم يحدد طريقتها أو تطبيقاتها، لتكون محل تطبيقات الأمة الإسلامية وفق الظروف والتغيرات الحياتية، مثل مبادئ العدل والشورى وغيرهما من المبادئ العامة ، فلو حدد الإسلام، شكل الدولة والنظام السياسي، فهو بهذا يكون قد جّمد حركة الحياة وتجّددها ،مع تغير الظروف ومعطياتها في حياة الناس،وربما سيعتبر النمط المحدد من النظام السياسي للدولة والسلطة في الدولة الإسلامية في مقام التقديس، وهذا النمط المحدد من النظام السياسي سيديره بشر، مع ما يعتريهم من نقص، وأخطاء وأحيانا تعسف وتجاوز، وسيقود هذا التدبير البشري لكيان الدولة إلى تطبيقات معصومة ، وكأن هذا الفعل البشري مقدس وإلهي لا يجوز رده أو الاختلاف حوله، وهذا ما يجعل ممارسات وتطبيقات ( أولي) الأمر، وكأن أفعالهم مقدسة لا يجوز نقدها أو مراجعتها، وهذا كله سيحسب على الإسلام قطعا عندما تكون هناك أخطاء من هذه الدولة ، وهذه هى الحكمة الإلهية من عدم تحديد شكل الحكم والنظام السياسي المحدد بعد ظهور الإسلام، ولأن الإسلام جاء لهداية البشر في المقام الأول، وهذا ما هدفت إليه رسالات السماء ، فالدولة هي مجرد وسيلة لتحقيق وتنظيم حياة المسلمين وغير المسلمين الذين يعيشون بينهم، فالإسلام حدد الفرائض والواجبات والوفاء بالحقوق ـ أما الدولة فهي ممارسات بشرية وفق المرجعية الإسلامية، وليس لها صفة التقديس أو التوجيهات السماوية . ولعل أصدق تعبير في هذا الصدد، ما قاله المفكر العربي د/ برهان غليون في كتابه [ نقد السياسة.. الدولة والدين] إن "دولة المسلمين ، بما تشمل الدولة من مبادئ التنظيم المدني وطرائقه ووسائله ، وتكوين السلطة (الطاعة ) وتنظيمها وتوجيهها ، أي الدولة كإطار للتنظيم والانتظام الأخلاقي العام ، لم تكن شيئاً آخر في الإسلام إذن سوى الدين نفسه ، وهذا هو مصدر الشرعية التاريخية للنبوة وتفوقها على السياسة كما كان ينظر إليها ، وكانت تمارس بالفعل .بل إن د/ غليون في هذا الكتاب ينتقد الذين يطلبون الملمح الثابت للدولة الإسلامية، فيرى أنه :من المستحيل أن لا تنطوي حضارة كبرى مثل الإسلام إلا على شكل واحد للدولة رغم تغير الظروف السياسية والتاريخية وتطور الوعي والعقائد والمجتمعات والقوى الفاعلة ، وتبدل حاجات الدولة والمجتمع وتغير التوازنات المحلية الداخلية والإقليمية والعالمية ، وتقدم المدنية الإسلامية ونضجها ، وتطور الوظائف السياسية وغير السياسية للدولة ، والدخول في الأزمات المتعددة التي نقل لنا التاريخ الكثير من أحداثها . لقد عرف الإسلام في الدولة ، الخلافة، والملك والسلطنة، والإمارة، والإقطاع،(..) إن الإسلام لم يخلّف نظرية في الحكم السياسي المدني،كما لم يخلّف نظرية في الفيزياء.وما كان من الممكن أن يفعل ذلك،إذ لو فعل لكان معناه إلغاء فكرة التطور في وسائل الحكم والإدارة وجعل المجتمع الإنساني شيئا جاهزا وثابتا ونظاما ميتا لا يتحول،بل كان معناه إلغاء التاريخ نفسه".. وللحديث بقية.

850

| 10 مايو 2015

مواجهة الفساد ومخاطره وآثاره

تعاني دول كثيرة من آثار ومسببات الفساد الإداري والمالي، وخلقت هذه الآثار والمسببات متاعب كبيرة، وأزمات وصراعات خطيرة، وأصبحت هذه الدول تعاني منه منذ عقود، لعل أكبر هذه الآثار التخلف والتراجع على كل المستويات، بما يخلقه هذا الفساد من مشكلات للدولة والمجتمع، بحيث أسهم الفساد في تدمير لأخلاقيات العمل، وقيم المجتمع، ويصيبه بالانكماش والتراجع، مما يؤدي إلى ما يسميه بعض المهتمين، إلى شيوع حالة من الذهنية المفارقة للقيم السائدة، تجعل البعض من هؤلاء الفاسدين يسعون إلى تبرير ما يقومون به من أعمال مخالفة ويجد لها من الذرائع من يبرر له استمرار فساده ومخالفاته، في غياب الوازع والضمير الذي عندما يفقد المرء، يجعله يتمادى في أفعاله هذه التي بلا شك تسهم في تدني مستويات كفاءة الاستثمار العام، وضعف مقومات الجودة في التحتية العامة، لكونها تحد من الموارد المخصصة للاستثمار، وربما تزيد في كلفتها، أو توجيهها التوجيه السلبي الذي يجعل الدولة تخسر مبالغ طائلة دون أن تكون هذه المبالغ قد وضعت فيما خطط لها، بالصورة التي روج لها، أو قيل إنها وضعت وفق مخططات سليمة وعلمية، أو ربما يدخل عامل الوساطات في اختيار المشروعات الإنشائية، مما يسفر عنه تدني نوعية المنشآت العامة، لكن لم يتحقق هذا بطرق ناجعة وسليمة من الأخطاء الكبيرة.وعندما تتفاقم مضاعفات الفساد، مع مرور الزمن، تصبح كما يقول د. محمود الفضيل، "الدخول الخفية" الناجمة عن الفساد والإفساد هي الدخول الأساسية التي تفوق أحيانا في قيمتها (الدخول الاسميّة)، مما يجعل الفرد يفقد الثقة في قيمة عمله الأصلي وجدواه، وبالتالي يتقبل نفسيا فكرة التفريط التدريجي في معايير أداء الواجب الوظيفي والمهني والرقابي. فتتم تعلية العمارات بلا (تراخيص)، ويتم تسليم المباني والإنشاءات دون أن تكون مطابقة للمواصفات، ويتم غش المواد الأساسية، ويجري تهريب السلع للاتجار بها في السوق السوداء، ويتم التعدي على أراضي الدولة بالاغتصاب والإشغال غير القانوني".وفي غمار كل هذا يفقد القانون هيبته في المجتمع، ولأن المفسدين يملكون تعطيل القانون، وقتل القرارات التنظيمية في المهد. وعندما يتأكد للمواطن العادي، المرة تلو المرة، أن القانون بات عميقا، وأن الجزاءات واللوائح لا تطبّق ضد المخالفين، الصريحة والصارخة، لأمن المجتمع الاقتصادي والاجتماعي، فلابد للمواطن العادي من أن يفقد ثقته في هيبة القانون وقوته، وتصبح مخالفة القانون هي الأصل واحترام القانون هو الاستثناء، وهكذا عندما تضيع الحدود الفاصلة بين "المال العام و"المال الخاص"، ويتم الخلط المتعمد بين "المصلحة العامة و"المصلحة الخاصة"، تنهار كل الضوابط التي تحمي مسيرة المجتمع من الفساد، وتتآكل كل القيم التي تعلي من شأن الصالح العام. فالآثار المدمرة للفساد، ليست قضية أخلاقية فقط، كون لها آثارها الخطيرة، وتكلفتها المدمرة على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، ومنها أنه يؤدي إلى زيادة العجز في الموازنة العامة للدولة، وضعف مستوى الإنفاق على السلع والخدمات، التكاليف الإضافية الناجمة عن ممارسة الفساد وفق تقرير البنك الدولي، ولذلك فإن من أساسيان تقليص وحصار الفساد، ثم القضاء على هذا المرض الخطير، هو توسيع ممارسة الرقابة والمحاسبة والمساءلة، والإصلاح الإداري والمالي، إصلاح هيكل الأجور والرواتب.ويرى د. محمود الفضيل، أن إصلاح الهياكل المالية والأجور والرواتب قد لا يكفي وحده للقضاء على الفساد، فلابد من القضاء على (الفساد الكبير)، وهذا يحتاج إلى توسيع نطاق الديمقراطية والمحاسبة والإصلاح الإداري والمالي الشامل. ومنذ فترة كشفت مؤسسة الشفافية الدولية، عن مساوئ ومخاطر الفساد، واستغلال السلطة والنفوذ، فتقول: (إنّ إساءة استخدام السلطة، والتعاملات السرية، والرشوة، هي مشكلات مستمرة في تخريب المجتمعات في شتى أنحاء العالم، وأن جميع الدول ما زالت تواجه تهديد الفساد على جميع المستويات الحكومية، من إصدار التراخيص المحلية وحتى إنفاذ القوانين واللوائح)، مشيرة في فقرة أخرى من التصريح: (إن الفساد في القطاع العام ما زال من بين أكبر التحديات العالمية، ويجب أن تكون المؤسسات العمومية أكثر انفتاحاً فيما يخص عملها وأنشطتها وأن يكون المسؤولون أكثر شفافية في صناعة القرار، ويمكن أن تساعد آليات إتاحة الحصول على المعلومات القوية وتوفر قواعد حاكمة لسلوك شاغلي المناصب العامة في تحسين درجات الدول، في حين أنّ نقص المساءلة في القطاع العام مقترناً بعدم فعالية المؤسسات العامة يؤثر سلباً على مدركات الفساد هذه).والحقيقة أنّ قضية استغلال النفوذ من أجل العبث بمقدرات الوطن وثرواته ـ كما قالت ـ هذه المؤسسة، مقدمة جلية لتخريب المجتمعات ونشر الفوضى، والاحتقان والمشكلات التي تجعل الدول تتراجع، وتتحول إلى دول مضطربة في القضايا الاقتصادية والاجتماعية، ولذلك فإنّ البديل الذي يتصدى، هو الشفافية والرقابة الصارمة، وتوفير، كما قالت المؤسسة، (قواعد حاكمة لسلوك شاغلي المناصب العامة).والحقيقة أنّ قضية استغلال النفوذ من أجل العبث بمقدرات الوطن وثرواته ـ كما قالت ـ هذه المؤسسة، مقدمة جلية لتخريب المجتمعات ونشر الفوضى، والاحتقان والمشكلات التي تجعل الدول تتراجع، وتتحول إلى دول مضطربة في القضايا الاقتصادية والاجتماعية، ولذلك فإنّ البديل الذي يتصدى، هو الشفافية والرقابة الصارمة، وتوفير، كما قالت المؤسسة، (قواعد حاكمة لسلوك شاغلي المناصب العامة).ولا بد للدول من استخدام القانون الصارم لضرب الفساد ومحاصرته، وتطبيق العقاب القانوني، من أولويات القضاء هذا الخطر الكبير على موارد الدولة والمجتمع، وزيادة الفاعلية الرقابية المتعددة أصبحت من الضرورات المهمة، ولعل أهمها، خلخلة البنية الإدارية التي أقام عليها هذا الفساد بما يسهم في تجهيز أطر إدارية وقانونية في هذا القطاع، وعقاب من سولت له نفسه، بالتلاعب وتجاوز الأمانة التي كلف بها للحفاظ على مقدراتها وليس استغلالها بصورة أو بأخرى.ومن هنا لابد من تطوير وتجديد السياسات التي تسّير نظما في هذه القطاعات بما يضمن سلامة الأداء، ومصداقية الممارسة الأدائية للعمل المالي، والشفافية، وفقا لمعايير وخطط تكفل الكفاءة، وأن تكون منسجمة مع القانون وقواعد الإدارة المنظمة بضوابط اللوائح الرقابة المالية والتشريعية، وغيرها من الرقابات الأخرى التي تراها الدولة ضامنة لمنع الفساد والتجاوزات للمال العام. ولذلك على أجهزة الرقابة المتعددة في الدولة، أن تضطلع بمهام كبيرة لتحقيق هذه الأهداف في القضاء على مؤشرات الفساد، بما في ذلك مسألة "الرشاوى"، و"السمسرة" "والعمولة" المرتبطة بمصالح خاصة لعمل عام، وهذه للأسف تؤسس لذهنية سلبية لدى البعض، حيث يعتبرها ظاهرة طبيعية، لكنها تشكل مخاطر لكونها بيئة حاضنة للفساد الإداري والمالي، لو تركت تتغلغل في الإدارة، واستنزفت موارد الدولة في مشاريع، ظهر فشل بعضها! ومن المهم أن تقوم المؤسسات التشريعية في هذه الدول، بصياغة لوائح ونظم تحدد دور المراقبة الإدارية، للكثير من المؤسسات لتحصينها من التجاوزات والجرائم التي تمس العام، من الرقابة المشددة، إلى جانب العقوبة المغلظة، وهذه ستكون الضامن الرئيس في ضبط المخالفات والتجاوزات التي لا تراعي الأمانة والرقابة الذاتية، لضمان انسياب العمل الإداري والمؤسسي، من خلال معايير سلامة العقود الإدارية والمالية، والشفافية في التصرفات، مع الالتزام بوضع الضوابط التي تحجم الفساد، مهما كانت طرقه وأساليبه لاختراق النظم والقوانين واللوائح، وهذا ما يجعل أي مساس أو تجاوزات محط الأنظار والمتابعة الدقيقة، سواء من الأجهزة الرقابية، وهذا ما نراه هاما وضروريا، لإبعاد المخاطر والمشكلات التي يفرزها الفساد الإداري والمالي.

2123

| 03 مايو 2015

الحرية وحدود الكاتب ومسؤوليته تجاه الآخرين

لا شك أن الكتابة أمانة ومسؤولية أخلاقية تجاه المجتمع، بما تمثله من أفكار وآراء، وليست لغرض الترف أو التسلية أو الحرية المطلقة في إيذاء الآخرين ، كما أن الحرية لها حدود، وليست بابا مفتوحا دون تحديد، فالحرية الشخصية تنتهي عند حدود حرية الآخرين..لكن تظل قضية الحرية قيمة إنسانية رفيعة إذا ما حصرنا مفاهيم الالتباس في مضامينها، وقد اهتم الإسلام اهتماما كبيرا بحرية التعبير، وأعطى الفكر الإسلامي في مضامينه الكثيرة لحرية التعبير مساحة واسعة، وانطلقت من الرؤية الإسلامية العامة من أن حرية التعبير في الإسلام حق من الحقوق ، وتعتبر واجبة لقول كلمة الحق في ما يصلح الأمة ويرفع شأنها والدفاع عن قضايا الوطن والمواطن بما يحقق المصلحة العامة .ولذلك فإن حرية " الإنسان في الإعلان عن الرأي الذي توّصل إليه بالنظر والبحث ، وإشاعته بين الناس ، والمنافحة عنه والإقناع به . ولعل ذلك هو الوجه الأهم في حرية الرأي ، وهو المعنِيُّ أكثر من غيره في الاستعمال الشائع ، إذ ما قيمة رأي يبقى حبيس الخاطر ولا يكون له في مجرى الحياة تأثير بأن يتبناه المجتمع ويعمل به ؟ ومن ثم فإن الحرية فيه تعني أن يكون طريقه إلى الناس سالكا بانعدام كل المعوقات التي تعوق التعبير عنه من قبل صاحبه ، أو سيرورته إلى الآخرين ، أو وسائل دعمه والإقناع به . وإن وقع شئ من ذلك فهو يعتبر تقييدا لحرية الرأي، دون أن يكون هذا التعبير من خلال الحرية، اعتداءً على الآخرين وخصوصياتهم والإساءة إليهم، فعندما تكون وسيلة التعبير استخداما مخالفا للقانون،تنعدم الحرية في أهدافها الرائعة . وهذه للأسف نظرة قاصرة لمعنى الحرية التي ارتفعت بالإنسان إلى قيمته الإنسانية الحضارية الرفيعة..فالحرية ـ كما يقول د/زكي نجيب محمود .. مكسوبة للإنسان ، مرتفعة به عن سائر الأحياء إلى فلك أرفع وأسمى ، وهي حرية مرهونة بفطرته البشرية أولا وبما هو في مقدور تلك الفطرة من "علم" بطبائع الأشياء ، ولقد ألفنا جميعاً ألا نفهم من حرية الإنسان إلا الجانب السلبي وحده ، دون جانبها الإيجابي الذي بفضله تبنى الحضارات وتقام الثقافات ،وجانبها السلبي هو المرحلة الأولى التي تفك فيها القيود ، ويصبح الإنسان بعد ذلك "حراً " في أن ينطلق إلى حيث شاء ، وهنا يأتي الجانب الإيجابي من الحرية ، فإلى أين ينطلق ، وكيف ينطلق ، وعند هذه النقطة تأتي أهمية المعرفة بطبائع الأشياء ، وعندما أمرنا الله في كتابه العزيز أن نضرب في مناكب الأرض ، وأن نتفكر في خلق السموات والأرض ، كان ذلك التوجيه الإلهي بمثابة إرشادنا إلى الشرط الأساسي الذي بغيره لا تحقق للإنسان حريته بمعناها الإيجابي البناء ، وتلك الحرية – بمفهومها السياسي والإيجابي – هي بدورها المقوم الأساسي لجوهر الإنسان وكرامته ، وهل تكون مسؤولية خلقية بغيرها ، أو يكون الإنسان بدونها حضارة تقام بعلومها وفنونها ونظمها وسائر عناصرها ؟، ويذهب بعض المفكرين المعاصرين ،ومنهم "لافل"، إلى أنه من المهم تحديد حدود الحرية، وإنكار أن تكون مطلقة، لأنها لابد أن تخضع لما في العالم من ضرورة، لكنه يرى أن حريتنا، لا بد أن تقوم على أساس من الضرورة، لأن النشاط الإنساني لا يمكن أن يتحقق، إلا في عالم محدود علينا أن نغالب عوائقه، وأن ننتصر عليها، وهذا الجدل بين الإنسان وما حوله من معطيات، هو الذي تستمد منه الحرية الإنسانية معناها.و أهم ما بيَّنه "لافل" هو قوله بأن الضرورة والحرية ليستا حديث متعارضين، بل هما حدان متماسكان يعبران عن حقيقة واحدة، ذلك لأن العالم كل متماسك أجزاؤه، لا تستطيع أن تنهض بذاتها، أو أن تكتفي بنفسها، ولكنها تتمتع باستقلال حقيقي، حينما تجيء فتأخذ مكانها، في هذا الشكل الشامل.كما جعل الإسلام الاعتقاد والإيمان خاصا بالإنسان واختياره بحريته،دون إجبار أو قهر في أن يعتقد ما يشاء ويؤمن عن بيّنة وإدراك واقتناع من ذاته ، فمفهوم الحرية في الأساس " يدور حول معنى أساسي،وهو ممارسة الإنسان اختياراته ومراداته دون إكراه،والإسلام دين الفطرة يحمي في الإنسان حريته واختياره ، وأكرم ما يشرف العقل من اختيار هو تبني عقيدة سليمة وإن قصر عقل الإنسان عن ذلك ليس لأحد أن يجبره على تبديله أو تغييره يتبين ذلك من خلال ما يلي :1ـ إن الواقع التاريخي يشهد أن الإسلام قد دافع عن حرية الاعتقاد ، وقد كان حقاً غالياً ثميناً ، كافح المسلمون من أجله في بداية الدعوة في مكة ثلاث عشرة سنة ، يتحملون المشاق في سبيله حتى استقر لهم الأمر في النهاية ، ولما حصل المسلمون على الاستقرار اعترفوا بهذا الحق كاملاً بالنسبة لأصحاب العقائد الآخرة "والتاريخ الإسلامي كله يخلو من أي حادثة فرض المسلمون فيها دينهم بالقوة والإكراه على الرعايا غير المسلمين أو اضطهادهم شعباً لينطق بكلمة أو حرف "وفرض الإسلام على المسلمين أن يحترم بعضها الآخر ، ومنع أن تنقص كل منها من قدر أئمة الآخرين وزعمائهم ، أو أن تلحق بهم الإهانة والسباب وما إليها وقد ورد ذلك في القرآن الكريم أمراً لازماً يعلمنا احترام معتقدات الآخرين وأئمتهم قال تعالى " ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله " ( الأنعام :6/108 ) وفتح القرآن الكريم باب الجدال المهذب تطرح من خلاله الآراء والأفكار وتناقش على أسس عقلية واعية دون تحيز أو تعصب قال تعالى " ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن " (العنكبوت :29/46 )، فإذا كان هذا مع غير المسلمين، وبهذا التعامل الطيب، فما بالنا بالمسلمين أنفسهم، الذين حرمت أعراضهم ودمائهم، وأموالهم من الاعتداء على بعضهم البعض، وعلى القول الحسن فيهم الخ.، للأسف فإن البعض يستخدم الحرية، استخداما مضادا للحرية نفسها ، عندما يعتدي على حرية الآخرين، باسم الحرية، ومنطلقاتها الرائعة، فهنا لا تستقيم مضامين الحرية في أن تكون عدوانا على حرية الآخرين، في حياتهم، وذواتهم،قذفا وسبا، بل أنها لا تكون هذه حرية من الأساس إذا ما أردنا أن نحدد ما هى الحرية، بل إنها تنعدم في أن تتقلد هذه القيمة العظيمة في أهدافها في الحياة الإنسانية. ومن هنا نعتقد أن حرية التعبير على إطلاقها،وتتعدى إلى حقوق الآخرين وحياتهم غير مقبولة،ومرفوضة تماما اجتماعيا وقانونيا، وستتصادم مع الأنظمة والقوانين حتما، لأن الحرية مسؤولية أيضا، تمس حريات الآخرين.

8155

| 26 أبريل 2015

ورطة الحوثيين بعد عاصفة الحزم!

وقع الحوثيون في أزمة سياسية وعسكرية كبيرة ، بعد خطوتهم السياسية باحتلال المدن وسجن الرئيس المنتخب ورئيس الوزراء،واعتقدوا أن الطريق سالكة لهم كما يريدون،لكن جاءتهم المفاجأة الكبيرة بعد (عاصفة الحزم) ،التي تضم تحالف العديد من الدول،والذي تقوده المملكة العربية السعودية، بعد استنجاد الرئيس الشرعي لليمن /عبدربه منصور هادي بهذه الدول لمواجهة انقلاب الحوثيين وعلي عبد الله صالح، وإعادة الوضع اليمني في ظل شرعية الرئيس المنتخب، وهذا أكبر خطأ وقع فيه الحوثيون، عندما اختاروا الحلول العسكرية، وعلى طريقة تيارات العنف السياسي والانقلابات المعروفة والتي جلبت الكثير من المعاناة والمتاعب كما يعرفه الجميع،وهذا للأسف يخالف ما كان يقولونه منذ عقود، من أنهم ظُلِموا من الأنظمة العسكرية التي تعاقبت على اليمن منذ انقلاب 26 سبتمبر 1962، والذي قاده المشير / عبد الله السلال على أسرة آل حميد الدين وقيام الجمهورية اليمنية، حتى حكم الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، والأغرب أن علي عبد الله صالح، حارب الحوثيين، وقاتلهم قتالا شرسا منذ منتصف التسعينيات، وقتل منهم الآلاف، ومع ذلك تحالفوا معه، بعدما تم خلعه بعد الثورة عليه في عام 2011!!. وقد ردد الكثيرون أن الحركة الحوثية، تعاني من التهميش والقمع، وكذلك شعور الجماعة الحوثية -كما قيل - بخطر القضاء عل المذهب الزيدي في اليمن، من الاختراق السلفي الكبير للمذهب في الكثير من المدن اليمنية،وأن الحوثيين يريدون رفع الظلم والتهميش عن مدنهم، وأن مناطقهم محرومة من التنمية الخ ، واعتقد البعض أن هذا الرأي يمكن قبوله، وأن من حقهم أن يتم قبولهم في العملية السياسية، وأن هذا الشاب ( المسمى آنذاك بالشباب المؤمن)، يستحق أن احتواؤه، وإتاحة الفرصة له في الحياة. لكن الغريب أن الحركة الحوثية، لم تلجأ إلى السلمية، كطريقة مدنية ودينية، وأن العنف ليس طريقا مقبولا في المطالبة بالحقوق، وأنا أحد هؤلاء الذين كنت أقول أن إتاحة الفرصة لهم في المشاركة السياسية ،هو الطريق الصحيح لإبعاد الصراع معهم، لكنني بعد ما جرى منهم، بعد الهجوم على المدن اليمنية والسيطرة عليها، لفت نظري أن هؤلاء يريدون فرض أنفسهم بالقوة، وليس من خلال الوسائل المعروفة مع كل التيارات في اليمن، إلى جانب ، وهو الأخطر، أسلوب القمع والعنف والقتل الذي استخدموه في السيطرة على المدن اليمنية، المدنية والعسكرية، وإنهاء الدولة القائمة، وسجن الرئيس بطريقة غير لائقة، وهو رئيس منتخب، إلى جانب اعتقال بعض المسؤولين البارزين، ومنهم رئيس الوزراء ، إلى جانب الممارسات السلبية في التعامل مع المعارضين لطريقتهم في ضرب الصحفيين والطلاب الذين ينتقدون طريقتهم العنيفة، وهذا يبرز أن هؤلاء لديهم مخطط عسكري قمعي خطير معد، ولا يؤمنون بالتعدد والتنوع ،وقبول الآخر المختلف، وهذا ما أزعج كل التيارات اليمنية بل وبعض الدول المجاورة.والحوثيون ـ كما يشير الكاتب محمد المهدي ـ يعدون أنفسهم صناعا لثورة الشعب اليمني الأخيرة، ويعتبرون الحروب الستة التي خاضوها مع الجيش اليمني هي بداية لثورة الشعب يكررون هذا الطرح في مواطن كثيرة .وبالتالي فهم يعتبرون الاتجاهات الأخرى والمنضمة للثورة هي تابعة لهم ويعتبرون من الذكاء السياسي أن يستخدموا الآخرين لتحقيق أهدافهم ويعتبرون سقوط صعدة في أيديهم هو من ضمن الخيارات الهامة لتحقيق هدف الثورة. وهناك طرح آخر وقد يكون أقرب للصواب نستخلصه من خلال المسارات والتحركات المشبوهة لهذه الحركة المتمردة. وهو أن الحوثيين ليسوا مع كيان الثورة وإنما يستخدمونها لتحقيق أهدافهم، ولذلك تحالفوا مع السلطة ضد المعارضة في بعض المناطق ويظهر هذا من خلال فتح السلطة المجال لهم للتمدد في مواطن كثيرة وللدخول في مواجهات قبلية بهدف إضعاف الكيان الثوري الآخر.والحقيقة أن الحوثيين كما يقول المهدي وبكل وضوح ، استطاعوا اللعب على طرفي النزاع السياسي في اليمن وحققوا نسبة كبيرة من أهدافهم من خلال هذا المكر السياسي .فالحوثيون لا يرغبون بالسلطة الموجودة لاعتبارات أهمها الحروب السابقة ولا يرغبون بالثوار لاعتبارات مذهبية وسياسية،فهم أصحاب مشروع وفي عام 1990م حدثت الوحدة اليمنية، وفُتح المجال أمام التعددية الحزبية، ومن ثَمَّ تحول اتحاد (الشباب المؤمن) إلى حزب الحق الذي يمثِّل الطائفة الزيدية في اليمن، وظهر حسين بدر الدين الحوثي -وهو ابن العالم بدر الدين الحوثي- كأحد أبرز القياديين السياسيين فيه، ودخل مجلس النواب في سنة 1993م، وكذلك في سنة 1997م تزامن مع هذه الأحداث حدوث خلاف كبير جدًّا بين بدر الدين الحوثي وبين بقية علماء الزيدية في اليمن حول فتوى مشروعية الإمامة. ***أكبر الأخطاء وأشدها التي سارت فيها الحركة الحوثية ، هو تحالفها مع الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح ،الذي شجعهم ليدخلوا لليمن بالفرض والقسر والإرغام واحتلال المدن، ربما لينتقم من البعض، أو ربما يمهّد لعودته للحكم أو لابنه أحمد !! وهذا يعد تجاوزا كبيرا للواقع وللقانون والأعراف المتبعة، مع أن صالح تنازل بخط يديه، بعد المبادرة الخليجية التي تلت الثورة عليه في 2011! فاليمن الآن يحتاج إلى الوئام والسلام، وليس الفرض والقسر والإقصاء، وكان بإمكانهم أن يدخلوا الحياة السياسية السلمية لو كانوا حكَّموا العقل والمنطق، ولن يستطيعوا هم ،ولا غيرهم أن يفرضوا على الشعب اليمني ما يريدونه من أجندات، حتى ولو كانوا فصيلاً مهما له مكانته واعتباره.. لكن استخدمهم علي صالح كيافطة لاحتلال المدن والاستيلاء على السلاح،و الهجوم على المنشآت وسجن المعارضين وسجن الرئيس ورئيس الوزراء،تمهيدا لحكم اليمن بالقوة، وهذه الوسيلة التي ساروا إليها، تحمل سبب فشلها معها،لأنهم اتخذوا الفرض والقسر والسيطرة منهجا وأسلوبا ،ولم يدركوا أن هذا العصر اختلف، ولم تعد وسائلهم مقبولة، وإذا كان لهم طموح للعمل والسياسي والحكم، كان بإمكانهم عودة حزب (الحق) الذي أسسه حسين بدر الدين الحوثي في بداية التسعينيات من القرن الماضي، ولا حل إلا بالوسائل السلمية والشرعية،وليس هناك حل بغير ذلك.!

934

| 19 أبريل 2015

السؤال الذي لا يزال قائما لواقعنا!

لا يزال منذ أكثر من قرن ونصف القرن، السؤال مكررا، لماذا تأخرنا وتقدم غيرنا؟ وهذا السؤال مشروع، في ظل التراكمات والنكبات والتراجعات العربية، والإسلامية عموما، على أكثر، وكانت هناك الكثير من التحليلات، والقراءات، لما نحن فيه من تعثرات، إلا أن الأستاذ/ سعد محيو له تساؤل آخر مختلف عن هذا الإشكال، فقد رأى في كتابه: (مأزق الحداثة العربية.. من احتلال مصر إلى احتلال العراق).. أن السؤال المهم الذي نراه، هو "من المسؤول عن تعثر النهضة العربية أو مشروع الحداثة العربية العوامل الخارجية أو العوامل الداخلية؟"، هو قضية القضية في المنطقة العربية. ووراء هذا السؤال سبب مقنع، ففي ضوء الإجابة عنه، في هذا الاتجاه أو ذاك، كانت جملة قضايا تحسم دفعة واحدة، لا على الصعيد المفاهيمي، فحسب، بل على صعيد برامج العمل التنفيذية.وحين وقعت أحداث 11 سبتمبر 2001، بات هذا أيضاً هو السؤال الأول في الغرب، وتحوّل من مجرد مقاربة إستراتيجية إلى سؤال معرفي أيضاً. وهذا أخذ شكل "الانفجار الكبير" في الأسئلة الحارة الموجّهة كلها باتجاه المنطقة العربية والإسلامية: " لماذا يكرهوننا؟". ماذا بعد 11/9، وهل سيكون هناك 11/9 آخر؟ ما معنى أن يتكشّف لنا (للغرب) أن أقرب حلفائنا (الأنظمة العربية المعتدلة) هم في الواقع الأعداء الحقيقيون؟.ثم من رحم هذه الأسئلة توالدت أخرى: من هم الأصوليون الإسلاميون، ما عقيدتهم وتراكيبهم؟ وهل هناك مؤامرة إسلامية عالمية ضد الولايات المتحدة والغرب؟. ومن الأصوليين الإسلاميين إلى الإسلام نفسه: ما الخطأ الذي وقعت فيه هذه الحضارة التاريخية العريقة، ولماذا يفشل العرب والمسلمون في التأقلم مع قيم الديمقراطية والحداثة؟ هل العطب في داخل هذه الحضارة نفسها أم في الظروف الخارجية المحيطة بها؟. بالطبع، الولايات المتحدة لم تنتظر الإجابة عن أي من هذه الأسئلة كي تبدأ تحرّكها، فهي شنّت حرب أفغانستان، حيث حلفاؤها السابقون أسامة بن لادن والأصوليون المتطرفون الأفغان، ثم أتبعتها بغزو العراق.وخلال هاتين الحربين وبعدهما، كانت الولايات المتحدة تطوّر إستراتيجيتين اثنتين: الأولى شرق أوسطية، وتتمثل في التحرّك لتغيير الأنظمة العربية وإعادة تشكيل المنطقة برمّتها، والثانية عالمية، وترتكز على مبادئ الرئيس جورج بوش الابن، محور الشر، والحروب الاستباقية، والقوة الهجومية، وهي مبادئ يفترض أن تحل مكان مبادئ الحرب الباردة في الاستيعاب والردع.لقد سبق لمارشال هودجسون قبل أحداث 11/9 بكثير أن حسم أمره بقوله في كتابه "إعادة التفكير في تاريخ العالم": إن ثمة إجابة واحدة عن السؤال الذي يطرحه الغربيون حول الأمر الذي لم يسر على ما يرام، وهي أن البلدان الإسلامية، التي كانت ذات مرة قوية، لم تتجه نحو تقاسم التحولات الكبيرة التي شهدها الغرب في القرنين السابع عشر والثامن عشر. والإجابة هذه لا تكمن حتماً في أي فشل داخلي سبق أن حدث في المجتمع الإسلامي، ولا تكمن، على وجه التأكيد، في أي ظلامية معينة في الدين الإسلامي. أما الاضطراب في التطور، فحدث لا بسبب انحلال داخلي وإنما نتيجة أحداث خارجية لا سابق لها. لذا، وقبل أن يطرح السؤال المتعلق لماذا حدث ما حدث؟ يجب أن نفهم أولاً لماذا حقق الإسلام نجاحاً عظيماً طوال ألف عام".هذا النص لهودجسون يرضي كلياً الكثير من العرب والمسلمين، الذين يؤمنون حقا بأن الغرب، أو بالأحرى السيطرة الغربية على مقدرات أمورهم، هي السبب الرئيسي لتخلفهم أو تأخرهم عن الركب الحضاري العالمي، فلولا هذه السيطرة، لكان العرب الآن أمة واحدة موحدة ذات نفوذ كبير على السياسة العالمية، ولكان العرب استعادوا أمجادهم السابقة بوصفها الحضارة التي تحتل رقم واحد، أو على الأقل رقم اثنين، في العالم، ويلخص هودجسون نفسه هذه الرؤية بقوله إنه لو قام كائن من المريخ في القرن السادس عشر بزيارة كوكب الأرض، لاعتقد تمام الاعتقاد أن عالم البشر على وشك أن يصبح مسلماً. وهو كان سيسند حكمه إلى الميزات الإستراتيجية والسياسية للمسلمين وإلى حيويتهم الثقافية وتفوقهم الاجتماعي.وفي كل المناطق الأفرو-أورو-آسيوية، لم تواجه الهيمنة الإسلامية التي كانت محتملة مقاومة إلا من كتلتين ثقافيتين: الصينيون واليابانيون في الشرق الأقصى، والمسيحيون في الشمال الغربي.في مقابل هذه المدرسة، هناك المدرسة الأخرى التي ترضي كلياً العديد من الغربيين، وتعتبر أن ثمة إجابة واحدة عن السؤال: "لماذا تأخر العرب وتقدم الغرب"، وهي أن العطب يكمن في الداخل، في بنية الحضارة الإسلامية نفسها. ونجد في الجانب المتطرف من هذه المدرسة من يشدد على أن الإسلام دين معادٍ بطبيعته للحداثة، وهو معارض ما من شأنه إطلاق حرية الرأي والاجتهاد والإبداع.فكما اكتشف إدوارد سعيد في الاستشراق وفي الثقافية والإمبريالية، تستبطن الآراء والأفكار والمعرفة القوة والسيطرة والهيمنة. والعلاقة العضوية بين المعرفة والقوة تترجم نفسها في مهمات إستراتيجية وسياسية محددة. بيد أن ذلك حدث في توجهات المدرستين معاً، فحين يقول "الخارجيون"، أي أنصار المدرسة الخارجية، إن الغرب هو المسؤول الأول عن تأخر العرب، ترتسم على الفور ساحة المعركة بين الشرق والغرب، ويصبح السيف هو القاضي الوحيد بينهما. قد لا يعني هذا التحليل بالضرورة نسف كل أدوار العوامل الذاتية الداخلية، لكنه يضعها بالتأكيد في مراتب متأخرة (إن لم تكن الأخيرة) على سلم الأولويات.وحين يقول "الداخليون"، أي أنصار المدرسة الداخلية، إن العطب يكمن في الحضارة الإسلامية أو في الدين الإسلامي نفسه، يتم إلقاء كل مسؤولية التأخر على العرب أنفسهم ويبرأ الغربيون من أي إثم ارتكبوه.وهذا ما يفتح الباب على مصراعيه أمام شتى أنواع النظريات العنصرية أو الاستشراقية، وأمام أشكال حروب الحضارات كافة .

801

| 12 أبريل 2015

ضرورة التجديد الفقهي والديني لفكرنا الإسلامي

لاشك أن اختيار موضوع (فقه العصر.. التجديد الديني والفقهي)، في المؤتمر السنوي المعتاد، الذي يفتتح اليوم الأحد في العاصمة العمانية، والذي تنظمه وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ويشارك علماء من كل المدارس الفقهية الإسلامية، يعتبر مطلبا ملحا وهاما في ظل بروز الأفكار المتطرفة المخالفة للفكر، وحاجة إلى فهم الإسلام الصحيح قضية محورية راهنة.. والتجديد سنة كونية وقانون تاريخي تتطلبه حياة الناس وحاجاتهم الزمانية والمكانية، وحاجة الأمة إلى إصلاح واقعها الراهن، ومن هنا تأتي ضرورة تجديد الخطاب الإسلامي حتى يستعيد الفكر الإسلامي عافيته، ويستجيب لمتطلبات عصره المتغير وتحولاته الكبيرة، فالتجديد إذن سنة من سنن الله عز وجل في خلقه، تبعاً لسنة الحياة في التغيير، بما يحقق مصالح الخلق، فترك التجديد أو تراجع خطابه في الأمة، له الكثير من الآثار السلبية على الفكر الإسلامي وتعقيد الكثير من القضايا والمسائل التي تستحق النقاش ولتجديد المفاهيم فيها، فالقطيعة مع تجديد الخطاب جعلت الكثير من المثقفين ينصرفون عن الثقافة الإسلامية، واندفعوا إلى تبني الأفكار والمعارف الغربية، واعتقدوا أنها الحل لواقعنا ومشاكلنا القائمة. كما أن بعض المؤسسات الدينية في أغلبها انشغلت بالعلوم التقليدية القديمة، وقطعت الجسور مع الواقع وتحولاته، وهذا ما عمق الفجوة في مخاطبة العصر ومقتضياته تحت شعار الحفاظ على الهوية والذات من الاختراق الثقافي والفكري.ومن هذه المنطلقات أصبح خطابنا الديني عموما، سكونيا وجامدا وبطيئا في حركته واستجاباته لحركة الواقع ومتغيراته، وبمسافة زمنية ليست بالقليلة. وفي كثير من الأحيان يظل الخطاب الإسلامي في مجمله قانعاً بمناقشة نوعية من الموضوعات، والإشكالات التي قد تجاوزها الواقع، وفي أحيان كثيرة تحدث تحولات جوهرية في الواقع، ولا يلقي إليها التفاتاً. فقضايا مثل التعليم وتطويره ليواكب حركة الزمن، وقضايا الشباب ومشكلاته، ومواجهة الغلو والتطرف، وقضايا الاغتراب وفقدان أو تضاؤل الشعور بالانتماء.. إلخ، كل تلك القضايا لا تجد في الخطاب الإسلامي قدراً من الاهتمام المطلوب، يتناسب مع أهميته ومحوريته في تشكيل وإعادة تشكيل الواقع. والدين جاء ليحرر عقل الأمة من الأثقال، ويرشده بمنارات هادية، كما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية، لذلك أصبح تجديد الخطاب الديني ملحاً وهاماً، خاصة في ظل تصاعد الكثير من الخطابات الفكرية في عصرنا الراهن في ظل التحولات الفكرية وتصاعد مد العولمة وإرهاصات الاختراق الفضائي عالمياً، مع بروز بعض الخطابات الدينية المتطرفة، والتي لا تمثل فكراً إسلامياً مستمدا من الرؤية الصحيحة للإسلام.ويقابله من جانب آخر بعض الخطابات الأخرى التي تطرح خطاباً تغريبيا بعيدا عن قيم الأمة وتراثها، ولا ينبعث من واقع فكرنا الإسلامي، ولا يلامس قضاياه الصحيحة في ظل وجود خطاب ديني تقليدي سكوني وثابت على مقولات وخطابات وتراث السابقين الذين خاطبوا عصرهم بظروفه ومشكلاته، لكنها ـ أي هذه الخطابات ـ في بعض مضامينها لا تتناسب وراهننا الحالي بتحدياته المتعددة، مع تقديرنا واحترامنا لهذا التراث، ومكانته في فكرنا الإسلامي.من هنا أصبح من الضروري تجديد الخطاب الإسلامي بما يلامس واقعنا، ويحرك الساكن الفكري، لأن مهمتنا الأساسية ليست القبض على التاريخ وقضاياه، بل إصلاح الواقع مع توظيف ماضي الأمة العريق والقويم في النهوض بالواقع وإصلاحه، وعلينا أن نوضح في مسألة تجديد الخطاب الديني أن نفرق بين الفكر الإسلامي البشري، وبين نصوص الوحي وقطعياته الثابتة، فالمحدد في الخطاب الإسلامي في عمومه هو التزامه بالمرجعية الإسلامية، وضرورة ألا يحيد عن منهجها في الرؤية والهدف، لكن عليه أن يكون واعياً للتحولات الثقافية والتغيرات الفكرية والسياسية في عالم اليوم، وأن يدرك أن الخطاب الساكن الجامد غير المتابع والراصد لكل التحولات الراهنة، لا يستطيع أن يضع الخطاب المناسب والعميق لما يدور حوله ويظل رهين آليات الفهم التقليدية في الخطاب الذي لا يجد الاستجابة والتأثير في الداخل، أو الإقناع والتفهم في الخارج.وليس هذا ما يتناقض مع الدين وحقائقه الثابتة، فالبعض قد يتوهم أن التجديد يناقض ثوابت الإسلام، واكتماله، فيرفضون مبدأ التجديد كلية ويعتبرونه تهديما للدين نفسه، وهذا ليس صحيحاً ـ كما يقول د. محمد عمارة، فالتجديد هو "السبيل لامتداد تأثيرات الدين الكامل وثوابته إلى الميادين الجديدة، والأمور المستحدثة، والضمان لبقاء (الأصول) صالحة دائماً لكل زمان ومكان.. أي أنه هو الضمان لبقاء الرسالة الخاتمة خالدة الخلود الذي أراده الله، ولولا مد (التجديد) الفروع الجديدة إلى الجديد من المحدثات، وإقامته الخيوط الجديدة بين الأصول الثابتة وبين الجديد الذي يطرحه تطور الحياة.. ولولا تجديده الدائم الذي يجلو الوجه الحقيقي والجوهر النقي لأصول الدين وثوابته.. لولا دور (التجديد) هذا في حياة الإسلام ومسيرته لنسخت وطمست هذه الأصول، إما بتجاوز الحياة الممتدة لظل الفروع الأولى والقديمة، فيعرى هذا الامتداد الجديد من ظلال الإسلام، أو بتشويه البدع – عندما تتراكم – لجوهر هذه الأصول.. فالتجديد إذن، هو السبيل لاستمرارية – أي ثبات – الدين الكامل، وليس نافياً لثبات واكتمال هذا الدين. ولذلك نجد أن الحكمة الشرعية لهذه الديانة الخاتمة، وعبر الصيرورة الزمنية المتغيرة، وبروز الحاجات الجديدة، جعل الاجتهاد ضرورة شرعية أو فرض كفاية حينا وفرض عين في حين آخر. ولهذا المطلب مدلولاته وشروطه المنضبطة بضوابط العدل والحق والحرية والمسؤولية.لا يوجد في أي عصر من العصور تشريع أتى من المرونة والسعة مثل ما أوتي الاجتهاد في التشريع الإسلامي في نصوصه الظنية، وفيما لا نص فيه، وفي هذا حكمة من الخالق عز وجل الذي جعل أغلب نصوص القرآن الكريم مجملة وكلية غير مفصلة، لتفي بحاجات الناس المتجددة ورحمة للعباد وتيسيرا لهم عبر العصور والبيئات والمتغيرات الزمانية والمكانية، وهي سنة الله في خلقه ليكون التطور والتغير هو سنة الحياة الإنسانية. وقد عبر عن ذلك أحد المفكرين الغربيين الدكتور [هوكنج] أستاذ الفلسفة في جامعة هارفارد بالولايات المتحدة بقوله: "إن في نظام الإسلام كل الاستعداد الداخلي للنمو.. بل إنه من حيث قابليته للتطور يفوق كثيرا من النظم المماثلة"، مضيفا "أن الصعوبة لم تكن تكمن في انعدام وسائل النمو والنهضة في الشريعة، وإنما في انعدام الميل إلى استخدامها، إنني أقر أن الشريعة الإسلامية تحتوي على جميع المبادئ الإسلامية اللازمة لنهضتها".وكان للصحابة رضوان الله عليهم السبق الأوفى في استنباط الكثير من القضايا الاجتهادية، التي توافق روح النص ومقصد الشارع فيما تتطلبه الضرورات الآنية للواقعة التي تلتزم رأياً اجتهادياً. والأمثلة في هذا المضمار كثيرة ووفيرة، منها اجتهاد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه برأيه في (المؤلفة قلوبهم) وفي (مسألة تقسيم أراضي العراق) وفي (عدم قطع يد السارق في عام المجاعة).. إلخ. وإذا كان الصحابة والتابعون في عصر الإسلام الأول قد اجتهدوا في الكثير من القضايا التي طرأت في ذلك الوقت، فإننا في هذا العصر محتاجون وربما مضطرون لتفعيل معطيات الاجتهاد والتجديد وتكييفه بما يطرأ من متطلبات العصر الراهن بتحولاته ومتغيراته الفكرية واكتشافاته العلمية الرهيبة، وهذا لا يعني أننا يجب أن نقلد ما فعلته الأمم الأخرى في قيمها وموروثاتها، بل المقصود أن الأحوال المتغيرة في كل عصر تحتاج المجتمعات أن تلامس ضروراتها المتجددة وفق ما جاء في الحديث الشريف: (إن الله عز وجل يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها).والواقع أن مهمة التجديد ليست مقتصرة على فهم خاص أو جانب من جوانب الإشكالات في الفكر الإسلامي أو ظاهرة حياتية في واقعنا واقتصارها عليه، وإنما التجديد كما جاء في مشروعيته يرتبط بحاجتنا لهذا التجديد ومراميه وأهدافه بصورة جلية ومفتوحة بما يطرح إعادة النظر في قضايا مستجدة وملحة طرأت على واقع الأمة وجعلت مسألة التجديد قضية تحتاج إلى حراك فكري إسلامي تستعيد الفهم الصحيح لهذا الدين، والتبصر بما سيكون عليه حاضرنا والتخطيط السليم للمستقبل، وفي الوقت نفسه لا تحيد عن المرجعية الإسلامية في طرح ما نراه ضرورياً وملحاً في قضايا ومسائل التجديد، لكننا أيضاً علينا أن نستفيد من معطيات العصر ومنجزاته وتطوراته العلمية في عالم اليوم.

2565

| 05 أبريل 2015

توبة قلم!

في شتاء عام 1981 التقيت بشيخ الفلاسفة العرب المعاصرين المرحوم د/ زكي نجيب محمود في شقته التي تقع في شارع أنس بن مالك المطلة على النيل بكوبري جامعة القاهرة.. كان لقائي بالمفكر الكبير المرحوم د. زكي نجيب أمنية شخصية قبل أن يكون مطلبا صحفيا للحوار معه بحكم مكانته العلمية الكبيرة وريادته الفكرية بعد رحيل عباس العقاد وطه حسين والرافعي وغيرهم.. وكان الحوار متعدد الجوانب في مسيرته الفكرية ومعاركه المختلفة ومشروعه لتجديد الفكر العربي نشر في ذلك الوقت . وقد واجه المفكر المرحوم حملة كبيرة من بعض الأقلام العلمانية بسبب موقفه من التراث والفكر العربي الإسلامي عموما والتي بدأت بكتابه" تجديد الفكر العربي" و" المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري" و"ثقافتنا في مواجهة العصر"، ووصفته بالمراوغة والتناقض الذاتي والهزيمة الفكرية .. ومن هؤلاء الكتاب د/ فؤاد زكريا وغالي شكري ونصر حامد أبو زيد..يقول د/ فؤاد زكريا في مقالة بمجلة العربي الكويتية سنة 1988م ـ مشيراً للدكتور زكي نجيب محمود ـ: في الماضي كان مجرد الاحتكاك بحضارة الغرب لفترة ما كافياً لأن يحول شخصية نشأت نشأة تقليدية تراثية خالصة مثل رفاعة الطهطاوي في اتجاه الانبهار الشديد بالغرب .. أما اليوم فإن مجموعة من المثقفين العرب البارزين الذين عاشوا في الغرب حياة طويلة واختار بعضهم الاستيطان فيه أو الهجرة الدائمة إليه يقودون ـ الحملة ضد الثقافة الغربية ويتفق موقعهم ـ كما يقول ـ في هذه الناحية اتفاقاً موضوعياً مع موقف التراثيين الذين رفضوا الغرب منذ البدء والذين لم يعرف معظمهم عن الثقافة الغربية إلا قشوراً سطحية .. لكن اللافت للنظر بحق هو هذا التحول الحاد الذي جعل أشد المفكرين العرب تشبعاً بالثقافة الغربية يرى من علامات نضجه مهاجمة تلك الثقافة التي نشر بها واستمد محتوى تفكيره منها وعاش بين ظهرانيها ردحاً طويلاً من الزمان .. فهؤلاء في تكوينهم الثقافي هم ورثة سلامة موسى وشبلي شميل ولطفي السيد ومظهر سعيد ومع ذلك فقد دار بهم الزمن دورة كاملة وأصبحوا يقفون في الطرف المضاد بقوة لأسلافهم الروحيين ؟؟ ـ ويقصد بأسلافهم الروحيين المفكر الكبير عباس العقاد ـ أيضاً الناقد غالي شكري كان أشد عنفاً وإساءة إلى هذا المفكر العربي الكبير في مقالته تلك التي كتبها بمجلة الناقد في نوفمبر 1990م بعنوان ( زكي نجيب محمود العقل المراوغ ) ومن ضمن ما قاله غالي شكري: ( كان زكي نجيب محمود أهم وأكفأ صياغة توفيقية للمشروع الوضعي لأنه أثبت قدرة هائلة على التكيف مع المتغيرات وبرهن على أن العقل الوضعي يستطيع الإيهام بأنه قد ( تطور ) من الانسحاق المطلق أمام العلم التقني للغرب لدرجة الاعتراف بالعبودية والطغيان في تكويننا منذ نشأتنا على الأرض إلى التباهي بالعروبة والتمايز بالإسلام .. إنه الإيهام لكنه ينسجم مع العقل المراوغ ؟؟ فالعصر هو ( العلوم الطبيعية ) والأصالة هي ( مرفأ الحياة الآخرة التي هي غاية منشودة خلال كل نشاط تشط به في هذه الحياة الدنيا ). المهم أن هذه الحملة الشرسة على د/ زكي نجيب محمود ظلت لسنوات متواصلة سواءً بالتصريح أو الرمز ـ لكنها اشتدت بعد ظهور كتبه الأخيرة التي أظهر فيها اهتمامه بالتراث العربي الإسلامي وخاصة كتبه: ( قيم من التراث ) و ( عن الحرية أتحدث ) و ( أفكار ومواقف ) و ( رؤية إسلامية ) فما الذي ناقضه الدكتور زكي نجيب محمود في آرائه وأثارت غضب هؤلاء لحد اتهامهم له بالمراوغة والتراجع والهزيمة الفكرية إلخ : يقول د/ زكي نجيب محمود في كتابه ( أفكار ومواقف ) "مضيت أقلب أوراقي أقرأ سطراً هنا وفقرة هناك وصفحة كاملة حيناً بعد حين . لكني هذه المرة أخذت طريقي مع الأيام متجهاً بها من ماض إلى حاضر ، فإذا ببوادر القلق تأخذ في الظهور ، وإذا بالحيرة تزداد حدة وبالتساؤل يعلو صوتاً ؛ ليقول : وماذا تكون قد صنعت يا أخانا إذا أنت اكتفيت بأن تسلك نفسك أوروبياً مع الأوروبيين ؟ ماذا تكون إضافتك للدنيا إذا ما جعلت من نفسك واحداً يضاف إلى كذا مليون من أهل أوروبا ؟ نعم ، رأيت في أوراقي شكوكاً تتقد جمراتها بين الأسطر كلما اقتربت مع تلك الأوراق من يومي هذا ، ووجدتني في موضع ما اتجه إلى نفسي بلائمة كأني أعاتبها فأقول : أتكونين يا نفسي في أمسك على رأي ، ثم تصبحين في يومك على رأي آخر ؟ ألم تريدي بالأمس ألا تختلط مصريتك بشيء من عروبة ؟ ولكني وجدت تلك النفس المتشككة تسارع إلى الجواب بنفسها فتقول : وماذا في أن أزداد تفكيراً فأتغير ؟ إن إيمان المرء ليزداد بفكرته إذا ما جاءت بعد شك فاحص متعمق ؟ لقد قيل للشاعر الأمريكي العظيم ( وتمان ) وكان قد ناقض نفسه : لقد ناقضت نفسك في الرأي ، وقلت بالأمس ما نسخته اليوم ؟ فأجاب : نعم إنني أنقض برأي اليوم رأي الأمس ، فماذا في ذلك ؟ ومع ذلك فلا أظنني في وقفتي الجديدة قد نقضت وقفتي الأولى ، لأنني في الحقيقة لم أنسخها ، بل أضفت إليها ، فبعد أن كنت مخموراً بشيء اسمه ثقافة الغرب ، جاءت صفحتي الجديدة لتقول : ثقافة الغرب مصقولة مع أصول الثقافة العربية ، لقد تمنيت لأمتي فيما سبق أن تكون قطعة من الغرب ، لكنني اليوم أريد لها أن تكون أمتي هي أمتي" . ويضيف زكي نجيب في فقرة أخرى " إن تاريخنا الثقافي أشبه شيء في صورته بالعمارة الإسلامية ، حين يقام البناء على رقعة من الأرض معينة الحدود حتى إذا ما صعد إلى الطابق الثاني ، برز بجوانبه ،ليجىء هذا الطابق الأعلى أوسع رقعة من الطابق الأدنى وكذلك يحدث في الطابق الثالث حين يرتكز على ما هو أدنى ، ثم يبرز بجوانبه ليصبح أرحب .. وهكذا فعلنا في مراحلنا الثقافية ، فنحن إذا انخرطنا في الثقافة العربية ، لم نمح جذورنا الماضية ، بل بنينا فوقها طابقاً يرتكز على ذلك الماضي ثم يتسع . لا ، ليس المطلوب للعربي إذا أراد الترقي ، ألا يكون عربياً ، بل المطلوب أن يكون عربياً جديداً ، المطلوب هو أن يظهر فينا ( سندباد عصري ) ليستأنف سيرة القديم بصورة جديدة ، وقل ذلك في الطب والهندسة والفلسفة وفي كل فرع من فروع الأدب والفن والعلم والصناعة .. أخذت أقلب أكداس الورق التي تراكمت عندي حتى ضقت بها ، لكنني خرجت من هذا كله بأن رأيت القلم الذي شطح ذات يوم في تطرفه نحو الغرب ، قد عاد آخر الأمر إلى توبة يعتدل بها ، فيكتب عن عروبة جديدة تكون هي الثقافة التي تصب جديداً في وعاء قديم ، أو تصب قديماً في وعاء جديد". ( قلم يتوب 171 )..لم يكن هذا الرأي هو الوحيد فيما قاله د/ زكي نجيب في ثقافة الغرب حيث راجع هذا المفكر الكبير آراءه السابقة ونقدها، وأثارت حفيظة العديد من المنبهرين بفكر الغرب وثقافته.. بل هناك آراء كثيرة ناقدة للغرب واعتزازا بالذات يقول د/ زكي:" اجتاحت أوروبا وما تزال تجتاحها موجة تعلى من الجوانب اللامعقولة من الإنسان ولعلها موجة خلقتها هناك ظروف عديدة ، لكنني أعتقد أن جزءاً كبيراً من هذا الاتجاه مرجعه لليأس من العقل أن يحقق لهم السعادة ، إنه كلام ما أظنه يقال لو أن حضارتهم في مثل الأمل الذي كانوا يحسونه في عصر التنوير ـ مثلاً ـ أو النصف الثاني من القرن الماضي ..والغريب أن البعض من هؤلاء المفكرين الذين لا يزالون صامدين في أبراجهم العاجية وعبادة نصوصهم التي تجاوزها الزمن ، يستغربون كل جديد يطرأ على الساحة الفكرية . وبدلاً من المناقشة والحوار بطريقة ديمقراطية يلجؤون إلى أساليبهم القديمة وهي الخندقة الفكرية إياها ومن ثم توجيه التهم المعروفة ، كالتي تستعملها الدول في عصر الحرب الباردة‍ ‍‍.

2848

| 29 مارس 2015

نهج: من يقود من؟
نهج: من يقود من؟

نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت...

2235

| 09 أكتوبر 2026

محترفون بالاسم فمن المسؤول عن الاختيار؟
محترفون بالاسم فمن المسؤول عن الاختيار؟

في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة...

1443

| 15 أكتوبر 2026

حين تصبح الأمانة واجباً قانونياً
حين تصبح الأمانة واجباً قانونياً

قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره...

1128

| 11 أكتوبر 2026

كبار القدر بين التكريم والتصنيف
كبار القدر بين التكريم والتصنيف

شخصيًا ما زلت أرى ضبابية وعدم وضوح في...

837

| 15 أكتوبر 2026

خطاب سمو الأمير.. ما وراء استمرار الحياة
خطاب سمو الأمير.. ما وراء استمرار الحياة

قد يكون من أهم إنجازات الدولة خلال الأزمات...

705

| 14 أكتوبر 2026

عتابٌ من الجهة الأخرى!
عتابٌ من الجهة الأخرى!

أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين...

657

| 12 أكتوبر 2026

من مكتبة الإسكندرية إلى مكتبة قطر الوطنية
من مكتبة الإسكندرية إلى مكتبة قطر الوطنية

-الأمير الوالد كان يتطلع إلى مكتبة وطنية تليق...

567

| 11 أكتوبر 2026

قبل أن يولد الطفل الثالث
قبل أن يولد الطفل الثالث

■تكوين الأسرة والإنجاب في الخليج يبدآن من الزواج...

525

| 13 أكتوبر 2026

الدروس الخصوصية… وتأثيرها على الحصص الدراسية
الدروس الخصوصية… وتأثيرها على الحصص الدراسية

يُفترض أن تكون الحصة الدراسية المكان الأول الذي...

456

| 11 أكتوبر 2026

خمسة قوانين عالمية سبقتها الحكمة القرآنية
خمسة قوانين عالمية سبقتها الحكمة القرآنية

كثيرًا ما تنتشر في عالم الإدارة والتنمية البشرية...

417

| 09 أكتوبر 2026

رياضة ضرب الوجه!!
رياضة ضرب الوجه!!

قبل أيام تم الإعلان من قبل « visit...

411

| 12 أكتوبر 2026

"قطر تقرأ" وبناء الجيل القارئ
"قطر تقرأ" وبناء الجيل القارئ

إذا أردت أن تتعرّف على أسرة من المستقبل...

399

| 09 أكتوبر 2026

أخبار محلية