رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

ثلاث مراحل للخروج من الأزمة السودان: آفاق غبشاء 7

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); المرحلة الثالثة: آفاق ما بعد الانتقال 1.الآفاق السياسية المرحلة الثالثة في مراحل التحول الديمقراطي هي مرحلة تعزيز الديمقراطية (Democracy Consolidation)، وتأتي بعد المرحلتين الأوليين، مرحلة التغيير ثم المرحلة الانتقالية حسب تصنيف البعض.. الحدود الفاصلة بين المرحلة الانتقالية ومرحلة تعزيز الديمقراطية هي خطوط غير واضحة، حيث قد يصعب أحياناً وصف بلد معين في مراحله الانتقالية بأنه ديمقراطي أو غير ديمقراطي، فإذا قبلنا تعريف الديمقراطية في حدها الأدنى وهو اختيار الحاكم عبر انتخابات حرة ونزيهة حسب المعايير الدولية، وحد أدنى من الحريات المدنية، فإن تعزيز الديمقراطية يبدأ مباشرة بعد استيفاء هذه الصفات.هنالك اختلاف أكاديمي حول مفهوم تعزيز الديمقراطية نفسه- (راجع أندرياس شيدلر"- ما هو تعزيز الديمقراطية؟") ويمكن وصفها سلباً باعتبارها العمل على المحافظة على الحد الأدنى منها ومنع العودة إلى القهرية، أو بأنها العمل من أجل البقاء (survival). الوصف الثاني إيجابي وهو العمل على (تجويد) الديمقراطية في المعيار الذي وضعه شيدلر: حكم قهري – ديمقراطية اقتراع – ديمقراطية ليبرالية – ديمقراطية متقدمة.الذي يهمنا في حالة السودان هو ضمان تجاوز المرحلتين الأوليين، الحكم القهري والديمقراطية الهشة التي تعتمد على الاقتراع دون أن تترسخ في المؤسسات والثقافة على الوجه المطلوب.. أو باستخدام تصنيف شيدلر، وبناءً على واقع السودان الحالي، تعزيز الديمقراطية المطلوب هو التعزيز السالب: العمل لبقاء الديمقراطية ومنع العودة إلى القهر كما حدث عندنا أكثر من مرة. أقول هذا لأنه التدرج الطبيعي لبلد عاشت في الحكم القهري لربع قرن، سيكون من السذاجة أن نبذل جهداً في اختيار الطلاء المناسب لتزيين الحائط إذا كانت اللبنة نفسها لا زالت رطبة وطرية لم تبلغ التماسك والصلابة المطلوبة.. المهمة الأساسية لنا جميعاً كسودانيين ستكون متى وصلنا إلى الحكم الديمقراطي، هي أن نقفل جميع منافذ الحكم القهري ونسد كل الدروب العائدة إليه حتى لا يبقى لنا سبيل إلا الاستمرار في درب الحرية مهما وعر وتمنّعت علينا مسالكه. وحتى نتمكن من ذلك، فهنالك عاملان مهمان لابد من توفرهما في سنوات الديمقراطية الأولى وهما: سلبية الجيش وإيجابية القضاء، لنفصل في ذلك فيما يلي.• سلبية الجيش: وهي عكس ما كان مطلوباً من الجيش في الفترة الانتقالية، حيث إن الوجود الإيجابي في المشهد السياسي كان ضرورياً لتأمين حالة الانتقال الحرجة وحراسة التحول الهش من الأطماع الخارجية والانتهازية الداخلية. أما بعد أن تبدأ البلاد مرحلة الحكم الديمقراطي فالمطلوب هو خروج الجيش من المشهد السياسي تماماً.. معلوم أن الديمقراطية الوليدة ستتعثر كثيراً قبل أن تحسن المشي ولكن لو حملها الجيش على ظهره فإنها لن تحسنه قط.. ومعلوم أيضاً أن هذه الوليدة سينهكها كثرة التعثر وصعوبة الوصول إلى مراميها وأنها ستلجأ باكية إلى الجيش ليحملها إلى تلك المرامي بدلاً من أن يتركها لمعاناتها، ولكن على الجيش أن لا يتدخل إطلاقاً، مهما تعثرت وأدمت وتكدمت وعلا بكاؤها واستنجادها طلباً للغوث يجب أن لا يتدخل، في النهاية ستمشي الوليدة ويعتدل خطوها دون عون منه.الجيش نفسه ينبغي أن ينمّي حسّه المهني الذي أفسدته سنوات طويلة من العمل السياسي.. ينبغي أن تعمل القيادات العسكرية الوطنية على إعادة صياغة الذهن العسكري بحيث ينفر عن السياسة كما ينفر الآن من المدنية أو (الملَكية) كما يسميها احتقاراً.. ينبغي أن يعاد إلى العسكر ذلك الإحساس بالامتياز والذي مصدره الطبيعة النبيلة للعمل الذي يقومون به، حماية الناس من العدوان. ولكن هذا الامتياز له ثمن يستوجب الدفع.. ينبغي أن ترد إلى العسكر تلك المهابة والرفعة التي كانت تسِمُهم في زمن ما، حيث كانت الجندية من أشرف المهن وقد صارت الآن من أحقرها، حيث كانت العذارى يتغنين لصاحب البدلة الخضراء والنجوم اللامعة، وحيث كان (الضابط) هو المهنة التي يتمناها الأطفال.. ينبغي أن لا يُضار العسكر في معاشهم حتى لا يهجر صغارهم المهنة ويطلب كبارهم الحكم تعويضاً عن عزة مفقودة.. ينبغي أن يؤمَنوا على سكنهم وعلاجهم وتعليم أبنائهم وتوفير معاشهم، وهذا ينبغي أن يدفع ثمنه السودانيون في مقابل أن يضع العسكر أرواحهم لحمايتهم.. هكذا هي الجيوش في أنحاء الدنيا، هذا وإلا حملوا السلاح الذي بأيديهم وأخذوا مطالبهم عنوة، وكم من الشرور في هذا العالم منبعها ضيق المعاش!لا شك أن أقصر سبل الردة عن الديمقراطية إلى القهر هو الجيش.. وهو إن لم ينقلب على الديمقراطية لحقارة أصابته منها، فإنه قد يفعل استجابة لغواية السياسيين الذين أعجزتهم لأواء المنافسة فلجأوا إلى القوة وليس من قوة سواه. لذلك، وحتى لا تؤتَى الحرية من قِبَل الجيش ينبغي أن يعاد إلى نفوس العسكر ذلك الفخر والاعتداد، فيُعظَّم دورهم وعملهم في ثقافة الناس، وتؤمَّن معاشاتهم حتى لا تذلهم الحاجة.• إيجابية القضاء: إذا كان الجيش هو أخطر وسيلة للانقلاب على الديمقراطية، فإن غياب العدالة هو أخطر أسباب الرغبة في تغيير الحكم، وأشد ما تكون الحاجة إلى العدالة البائنة المسفرة في سنوات الديمقراطية الأولى حيث تنفلت كل وحوش الرأي العام من معاقلها القديمة تبحث عن فرائس، سيسرف الإعلام في تناول القضايا العامة بالنقد والتشهير وسيختصم السياسيون فيما بينهم على جرعة الماء! سيذهل بعض الناس فضاء الحرية اللا متناهي الذي انفتح أمامهم فيركضون فيه بلا هدف.. في هذا المناخ سيتوجب على النظام العدلي أن يكون في أفضل حالاته وصمام الأمان سيكون القضاء.نذكّر أننا ربما نحتاج إلى سلبية العدالة في فترة الانتقال كمهر لانتقال سريع وقليل التكلفة، فإذا ما عبرت البلاد تلك المرحلة وبدأت عهداً من الحرية والديمقراطية أصبح لزاماً أن تنتقل العدالة من السلبية إلى الإيجابية وأن يقوم عليها قضاء حر مستقل وشديد الكفاءة.. عندما ينسحب الجيش من الحياة العامة بالسلبية المطلوبة في هذه المرحلة، سيصبح القضاء هو المرجع الوحيد للفصل في الخصومات العامة والخاصة ولن يكون ذلك بقوة السلاح كما كان أحياناً في السابق، بل بقوة المؤسسة والنظام القضائي وكفاءته، وهي مسؤولية جسيمة يمكن أن يكون ثمن التقصير عن أدائها فساد النظام الديمقراطي الوليد وزهد الناس فيه.يجدر بنا أولاً أن نهدم الخرافة التي تقول بالنزاهة الفطرية للقضاء.. لافتا للانتباه تلك الخرافة التي تسري في معظم الدول بأن مؤسساتها يمكن أن يتخللها الفساد ولكن قضاءها دائماً بخير.. لعل الأهمية البالغة للقضاء باعتباره المرجع الأخير للناس في اختلافاتهم تجعل من الاعتقاد في سلامته ضرورة سيكولوجية، ولكن علينا التأكيد أنها لا تعكس الواقع بالضرورة.. نزاهة القضاء ليست صفة ملازمة له بل هي مكتسبة واكتسابها يستدعي بذل الكثير من الجهد وربما أكثر للمحافظة عليها.. وقد أعيت الدول الديمقراطية وسائل (تنزيه) القضاء منهجياً من حيث صلاحيات القاضي أو كيفية اختياره.. فنجد مثلاً في بريطانيا أن القاضي الذي يفترض أن تقف أمامه السلطة السياسية في خصوماتها، موظف تعينه الحكومة نفسها ما قد يطعن في حياده، وفي أمريكا حيث يختار القضاة بالانتخاب نجد القاضي مطعون الحياد أمام داعمي حملته الانتخابية.. لا يوجد حسب علمي نظام قضائي (يضمن) نزاهة القاضي، ويبقى عنصر النزاهة الشخصية حاضراً باستمرار ما ينفي إمكانية إطلاق الثقة في القضاء.لاشك أن النظام الحالي قد دفع بكثير من منسوبيه إلى القضاء كعادته في تغذية مؤسسات الدولة بمنسوبيه لخدمة أغراضهم في الحكم.. ولكن المظالم التي أحدثها هذا النظام في الناس على كثرتها، كانت في غالب الأحيان – حسب علمي – بعيداً عن قاعات المحاكم.. ظل القضاء رغم انتساب كثير من أفراده إلى النظام الحاكم، وإلى حد كبير، نظيف اليد من مظالم النظام والتي تولت كبرها الأجهزة التنفيذية.. لا أقول هذا ارتداداً عن ما سبق أن أشرت إليه من خرافة نزاهة القضاء الفطرية، ولكنه واقع أعزوه لسببين: الأول أن القانون مقيِّد لأحكام القاضي، وتبقى المساحات التي يتحرك فيها القاضي برأيه مساحات محدودة، فإن أراد القاضي محاباة النظام فهي لن تتجاوز هذا الضيق. السبب الثاني هو – وكما في حالة الجيش – عراقة المؤسسة القضائية والفخر والاعتداد عند منسوبيها. فالانتماء لهذه المؤسسات يطغى أحياناً على الانتماءات الأخرى سواءً كانت حزبية أو عقدية أو غير ذلك، ويمنع محاباة القاضي لغيرها، الأمر الذي يعزّز مهنيته ويرفع من قدرها، هذا ولا أستثني بالطبع الورع الذي يكون عند بعض القضاة هو المحرك الأساسي لأحكامهم.سيكون التكلان كبيراً في فترة الديمقراطية الوليدة على تقاليد مؤسسة القضاء العريقة ورسوخ حالة الانتماء إليها والفخر بها لدى القضاة السودانيين. أرجو أن تستعيد كليات القانون في الجامعات تألقها القديم ليدخلها الأفذاذ لأن المسؤولية ستكون عظيمة ولن يقوى على حملها إلا صفوة من الناس.. كذلك وكما كان الحال بالنسبة للجيش يجب أن يعطى القضاة أولوية في تأمين معاشهم على حساب دافع الضرائب بالقدر الذي يعزز من رفعة القضاء وعلو كعبه واستغنائه عن غيره دون طغيان.خلاصة الأمر أن أفقنا السياسي سيعتمد على قدرتنا على تعزيز الديمقراطية متى وصلنا إليها، وهذا التعزيز بدوره يعتمد على مؤسستي الجيش والقضاء وقدرتهما على التكيّف مع الوضع السياسي بتحول الجيش من الإيجابية في الفترة الانتقالية إلى السلبية في ما بعدها، والعكس بالنسبة للقضاء.. وتعزيز الحس المهني لهاتين المؤسستين بالشكل الذي يسمو فوق تحيّزات السياسة.. هنالك بالطبع عوامل أخرى يمكن أن تسهم في تعزيز الديمقراطية كإصلاح الأحزاب السياسية والإعلام والتوعية الجماهيرية وغير ذلك مما تركنا ذكره لضيق المساحة....

1114

| 09 يونيو 2014

ثلاث مراحل للخروج من الأزمة .. السودان: آفاق غبشاء 6

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); هنالك إشكالات وهواجس ستحيط بالبلاد في المرحلة الانتقالية وهذه لا بد من مواجهتها بحكمة عالية حتى لا يؤذَى البلد في وقت ضعفه، وسأحاول هنا أن أتعرض لها بإيجاز ولكيفية التعامل معها. 1. الهاجس الأمني: السودان الآن في حرب في جنوبه وغربه، وربما لا تشارك هذه الحركات المسلحة في الحوار الجاري الآن وبالتالي لا تكون جزءً من التغيير الذي سيحدث. فإذا كان لحالة التغيير قبول عام وسط السودانيين فإن ذلك قد يشكل حرجاً سياسياً لهذه الحركات، ولكن من الأفضل أن تظل المؤسسة العسكرية جزءً أصيلاً من المرحلة الانتقالية تفادياً لأي حافز قد تجده الحركات المسلحة لزيادة نشاطها العسكري إذا رأت هشاشة في المركز.الهاجس الأمني الآخر في الفترة الانتقالية هو زيادة معدلات الجريمة حيث إن القوانين المدافعة عن الحريات وحقوق الإنسان تكون أكثر فاعلية ويد الشرطة والأجهزة الأمنية تكون أثقل قيداً عما كانت عليه في زمن القهر فتختلف وسائل التحري والاستجواب والاعتقال ما قد يحفز المجرمين على مزيد من الإجرام اذ يقل الرادع. وستشكل عين الرأي العام الراصدة بشدة لأي مخالفات تحدثها الأجهزة الشرطية والأمنية قلقاً عند المسؤولين في هذه الأجهزة وتوجساً من الخطأ الذي ربما كان مغضوضاً عنه الطرف في وقت مضى ولكنه الآن باهظ الثمن، فينشأ جراء هذه الهواجس حالة من التراخي الأمني ينفذ من خلالها الكثير من المجرمين وتزداد جرأتهم. والمواطن إنما أراد من تخفيف القبضة الأمنية أن تراعى حقوقه هو فلا يُعتقل تعسفاً ولا يمنع من إبداء الرأي ولا تُجتاز حقوقه في التقاضي أو الدفاع عن نفسه. والضغط الشعبي في هذا الاتجاه مشفوعاً في بعض الأحيان بحالة من التشفي الشعبي على تبدل الأحوال وزوال يد السلطة الثقيلة عن ظهره، هذا ربما يحفزه على أن يتجاوز هو بدوره تجاه أفراد هذه الأجهزة خصوصاً لمن كانت له سابق مظالم منها. هذا المناخ العدائي ربما يضعف الأجهزة الشرطية والأمنية والضعف هذا للأسف لا يكون انتقائياً لأنه مدفوع بحالة انكسار عامة فينقص الأمن في البلد، وسيحتاج الأمر إلى بعض الوقت حتى تستقيم الموازين وتقام العدالة بمعزل عن أجواء التغيير السياسي بلا إفراط أو تفريط.2. الهاجس الثاني هو الهاجس الاقتصادي: هنالك جدل قديم وسط الاقتصاديين حول تميز الحكم القهري على الديمقراطي في إحراز تنمية اقتصادية سريعة، ومن الأمثلة المألوفة في هذا الجدال المقارنة بين الهند والصين حيث استطاعت الصين غير الديمقراطية أن تحرز ضعف النمو الذي أحرزته الهند الديمقراطية في ذات الفترة، والحجج التي يسوقها هذا الرأي عديدة منها أن الحكم القهري أقدر على رفع الضرائب والجبايات لتوجيهها نحو التنمية – والكلام هنا عن التنمية التي تقودها الدولة (state-led development) – وذلك دون الالتفات إلى الاحتجاجات الشعبية ودون الحاجة إلى الرجوع إلى برلمان. كذلك فإن الدولة بإمكانها أن تقوم بمشروعات تنموية كبيرة دون مواجهة مصاعب التعويضات التي تواجهها الدول الديمقراطية، وغيرها من التسهيلات التي منشأها القدرة على اتخاذ قرارات كبيرة دون تعقيد بيروقراطي أو تشريعي (الكلام هنا من منظور اقتصادي وليس سياسي أو أخلاقي).لا أقصد من هذا أن أقول إن السودان ينبغي له أن يستمر في الحكم القهري حتى يتمكن من إنجاز تنمية اقتصادية كبيرة، فقد حكم 25 عاماً لم يفعل فيها ما ينبغي فعله ولا أحسبه يفعل مستقبلاً. والنظام السوداني لديه كثير من ديكتاتورية النظام الصيني ولكنه لا يملك شيئاً من جدّه وعزمه وفاعليته في التنمية ورفع شأن البلاد. فالذي قصدته ليس الإشارة إلى محاسن الحكم القهري، وإنما التحذير من مخاطر الحكم الديمقراطي خصوصاً في الفترة الانتقالية.معلوم أن كل تغيير سياسي يأتي عقب ضائقة اقتصادية – وفي الغالب يأتي بسببها – يكون معبئاً بطموحات غير واقعية وأماني مستحيلة. هناك ربط غير صحيح بين التغيير الديمقراطي أو السياسي عموماً وبين الانفراج الاقتصادي، وهذا معلوم لدي السياسيين لذلك تجد العقلاء منهم يحاولون في حملاتهم السياسية نحو التغيير أن يخفضوا سقف التوقعات الجماهيرية حتى لا يحصل الإحباط نتيجة قياس نجاح التغيير السياسي بالتقدم الاقتصادي. وجدنا أمثلة لهذا في خطابات أوباما والذي أمضى قرابة 6 سنوات من 8 ممكنة في الحكم ولا يزال يجاهد للخروج بأمريكا – أقوى اقتصاد في العالم - من عنق الزجاجة فما بالنا بالسودان! ذات الأمر رأيناه في مصر بعد ثورة يناير حين خرج عمال المصانع يطالبون بزيادة الأجور والثورة لم تزل في أيامها الأولى!لن يحدث انفراج اقتصادي في الفترة الانتقالية، هذه حقيقة علينا أن ندركها كي نتجنب أي إحباط. وغاية الرجاء ستكون وقف التدهور الاقتصادي بعتق الاقتصاد من أسر النظام الحاكم. هذا سيعطي الاقتصاد فرصة ليتنفس هواءً نقياً ويعيد غرس جذوره في تربة صالحة قبل أن يعاود النمو مجدداً في فضاء مفتوح، ولكن النمو سيكون بطيئاً محبطاً مضجراً لا يقوى على ملاحقة آمال الناس التي ستنطلق كما الريح العاصف. لذلك فإن علينا أن نهيئ أنفسنا منذ الآن لفترة انتقالية لا تحمل أي تحسن في معاش الناس سوى الأمل، وليس بقليل!

1213

| 06 يونيو 2014

ثلاث مراحل للخروج من الأزمة السودان: آفاق غبشاء 5

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); المرحلة الثانية: اجتياز المرحلة الانتقالية أما وقد أوضحنا فيما سبق وصفاً للملامح العامة لوضع السودان السياسي والاقتصادي والاجتماعي الحالي، وبناءً على ما أوردناه في مقال سابق فإنه لا حاجة للإفاضة في شرح ضرورة التغيير السياسي العاجل، وسنمضي في هذا الفصل باعتبار أن التغيير سيحدث مستشهدين بما قدمناه وأيضاً بالمناخ السياسي السائد في السودان هذه الأيام، سنمضي في محاولة لرسم المشهد السوداني في فترة الانتقال نحو الديمقراطية والحرية حيث تكون فترات الانتقال هذه في العادة فترات عصيبة وغير مستقرة. الفائدة من ذلك هي أن انتشار الوعي بأحوال الفترة الانتقالية وإشكالاتها يحجم من طموحات الناس لما يعقب التغيير ويضع أمامهم صورة واقعية للصعوبات والتحديات التي ستأتي. هذا ربما يساعد على الصبر على أحوال الانتقال المضطربة حتى تعبر البلاد إلى بر الأمان عوضاً عن الضجر المبني على رفع سقف الآمال غير الواقعية بما قد يهدد بردَّة عن مسار الحريات إلى الشمولية مرة أخرى كما حدث في تاريخنا القريب وفي دول من حولنا.شكل المرحلة الانتقالية التي سيمر بها السودان سيعتمد كثيراً على نوع الانتقال وطريقة التغيير التي ستتم، وهذه بدورها ستعتمد على التصنيف السياسي لنوع النظام القائم الآن.يقول عالم السياسة الراحل سامويل هنتجتون صاحب نظرية صراع الحضارات إن هناك ثلاثة أنواع من الحكم القهري: النوع الأول هو نظام الحزب الواحد كالذي كان في الاتحاد السوفييتي وكثير من الدول الشيوعية سابقاً وفي الصين حالياً (هنتجنتون لم يذكر الصين)، وأبرز صفات هذا النوع هو احتكار الحزب الواحد للسلطة فكل من يريد الوصول إلى السلطة لابد أن يمر عبر الحزب، كما أن الحزب يشرع لسلطته بالايدولوجيا.النوع الثاني هو الحكم العسكري وصفاته أنه يقوم بالاستيلاء على السلطة بانقلاب عسكري ويمارس الجيش الحكم عبر المؤسسة العسكرية حيث يحتكر جنرالات الجيش المواقع التنفيذية في الحكومة. والأمثلة على هذا النوع كانت في أمريكا اللاتينية وباكستان ونيجيريا وغيرها.النوع الثالث هو حكم الفرد أو الديكتاتورية الفردية، وأبرز صفات هذا النوع هو أن الفرد الحاكم هو مصدر السلطة، والوصول إلى السلطة – درجاتها دون الحاكم - يعتمد على المقدرة على الوصول إليه، أو القرب منه، أو بدعمه ورضاه. والأمثلة على هذا النوع تشمل البرتغال تحت انطونيو سالازار وإسبانيا تحت فرانكو والفلبين تحت ماركوس.أما أنواع وطرق التغيير فيقسمها هنتجتون إلى ثلاثة طرق رئيسية. الطريق الأول هو التحول (Transformation) وهو الذي يحدث عندما تقوم المجموعة الحاكمة نفسها بقيادة التغيير نحو الديمقراطية كما حدث في البرازيل وإسبانيا. الطريق الثاني هو الإحلال (Replacement) ويحدث عندما تقوم المجموعات المعارضة للحكم بقيادة التغيير نحو الديمقراطية وينهار الحكم الشمولي أو يزاح عن السلطة كما حدث في الأرجنتين واليونان. الطريق الثالث هو التحول بالإحلال (Transplacement) حيث يكون العمل المشترك بين المجموعة الحاكمة والمعارضة هو السبيل نحو الديمقراطية كما في بولندا ونيكاراغوا. وكل هذه التقسيمات – يقر هنتجتون - تحتمل التداخل سواء في أنواع الحكم القهري أو طرق التغيير نحو الديمقراطية، ويمكن مراجعة ورقته (How Countries Democratize) أو كتابه الشهير (الموجة الثالثة The Third Wave).إذا أردنا تصنيف نوع الحكم الحالي في السودان لنستهدي به في نوع الانتقال المتوقع أو الأنسب فإننا نجد صعوبة. فالحكم في السودان الآن فيه مزيج من الأنواع الثلاثة: الحزب الواحد، العسكري، الفرد. ولكنني سأرجح هنا تصنيف الحزب الواحد حيث إن الحكم العسكري أبرز سماته سيطرة المؤسسة العسكرية على الحكومة وليس الأمر كذلك، وحكم الفرد يكون أبين إذا غابت السلطة عن الحزب الواحد والجيش وأيضاً فالأمر ليس كذلك، ولكن علينا أن نراعي الطبيعة المرتبكة للحكم في السودان عند بحث طرق الانتقال عنها.يقول هنتجتون إن الحكومات العسكرية تنتقل إلى الديمقراطية عادة بالتحول أو التحول بالإحلال (الطريقة الأولى أو الثالثة) حيث يقود العسكر الحاكمون التغيير بأنفسهم وقد يكون ذلك لأسباب مختلفة ولكنهم في العادة يشترطون على المدنيين قبل تسليمهم السلطة شرطين: الأول هو ألا يلاحقوا قضائياً أو يحاسبوا على ما فعلوا أثناء فترة الحكم، الثاني هو تحتفظ المؤسسة العسكرية بامتيازاتها المهنية باعتبارها المؤسسة المسؤولة عن حماية البلاد وتنال بهذا الوزارات الدفاعية، وأيضاً الاحتفاظ بالامتيازات الاقتصادية للصناعات العسكرية. الموافقة على هذه الشروط تكون رهناً لمدى قوة الحكم العسكري أثناء التفاوض. أما حكومات الحزب الواحد والتي تنتقل أيضاً إلى الديمقراطية عادة بالتحول أو التحول بالإحلال (الطريقتان الأولى والثالثة) فإنها تتيسر عادة إذا غلب التيار الإصلاحي على المحافظين داخل الحزب الحاكم والمعارضة على حد سواء. ضعف الصقور في المشهد السياسي العام هو التمهيد الأول نحو الانتقال إلى الديمقراطية. سيكون على السياسيين فك الارتباط بين الحزب والدولة حتى يتسنى الانتقال نحو ديمقراطية حقيقية، وسيشمل ذلك تفكيك المليشيات العسكرية للحزب إضافة إلى مؤسساته الاقتصادية والإعلامية وكذلك العمل على محو آثار تسييس الجيش. أخيراً، فإن ديكتاتوريات الفرد تنتهي في العادة، يقول هنتجتون، إما بموت الحاكم أو إزاحته عن الحكم قسراً.عليه، فإن التغيير المتوقع سيكون عن طريق التحول (Transformation) أو التحول بالإحلال (Transplacement) بمعنى أن يتغير النظام نفسه إلى نظام ديمقراطي أو يتم إحلاله بالتدريج بالاتفاق مع المعارضة. وهنالك بوادر للطريقين تظهر الآن في الساحة السياسية السودانية فالذي ينظر للمؤتمر الشعبي باعتباره أبرز أحزاب المعارضة سيصنف مسار التغيير باعتباره تحولاً نحو الديمقراطية باتفاق بين الحكومة والمعارضة ينتهي بإحلال نظام الحكم الحالي إلى آخر ديمقراطي. والذي ينظر إلى المؤتمر الشعبي باعتباره أحد أجنحة التيار الإسلامي في البلد سينظر إلى التغيير باعتباره تحولاً في منهج الحكم يقوم به القائمون عليه – في هذه الحالة، الإسلاميون. كل هذا بافتراض صدق المسعى وجدّه.هذان الطريقان هما بلا شك خير من الطريق الثالث وهو طريق الإحلال والذي يحدث إما بانقلاب أو ثورة أو عمل عسكري وهو إن حدث فسيقذف بالبلاد في هاوية غير معلومة القرار.الشيء الذي لفت نظري في ورقة هنتجتون هو أنه صنف ثورة أبريل التي أزيح فيها النميري عن الحكم باعتبارها تحولاً (الطريق الأول) بمعنى أنه تحول قام به النظام ليتحول من قهري إلى ديمقراطي ولم يصنفها باعتبارها ثورة شعبية أو إحلال. تفسير ذلك في تقديري هو أن هنتجتون اعتبر أن الحكم المايوي كان حكماً عسكرياً وأن التغيير قامت به المؤسسة العسكرية، ففي هذه الحالة يكون بالفعل تحولاً داخل النظام الحاكم نحو الديمقراطية، تحولاً داخل المؤسسة العسكرية الحاكمة، وذلك بغض النظر عن اختلاف الأشخاص الذي جرى داخل هذه المؤسسة، وهذا هو ما يمكن أن يفسر سلاسة الانتقال الذي حدث في أبريل85 وهو ذات الذي حدث في مصر يناير 2011، انتقال داخل المؤسسة العسكرية نحو نظام ديمقراطي، أما الثورة فلا تعدو أن تكون أحد عوامل الضغط التي ساعدت على هذا التحول. هذا ما فهمته من تصنيف هنتجتون وهو مقبول على ما به من علل.سيناريو أبريل 85 هو السيناريو الأنسب للتغيير في الظرف السوداني الحالي. وقد شهدنا بالفعل حراكاً شعبياً في سبتمبر الماضي وهو غير ضروري على كل حال طالما ارتضى الحاكمون التغيير. وهو الأنسب لأن القوات المسلحة هي المرجعية القومية الوحيدة التي يمكن أن يرتضيها النظام الحاكم لبعده العسكري واحتياجه لضمانات خروج آمن. كما يمكن أن ترتضيها المعارضة والمواطنون باعتبار أن إشراكها في الأمر يرجح ألا تخرج عليه وعنصر القوة فيها يضمن ألا يستغل ارتباك الوضع السياسي الانتقالي لصالح جهة سياسية غادرة. ويمكن للأمر أن يتم برئاسة عسكرية وحكومة تنفيذية مدنية على غرار ما كان بين سوار الذهب والجزولي دفع الله، والأفضل أن تتغير كل الوجوه فهو أجدر بالصدق في التغيير. ولكن يرجح أن يتعذر هذا فيكون أن تبقى القيادة الحالية للإشراف على التغيير بعد الاتفاق مع المعارضة.العنصر الأهم لنجاح هذا التغيير هو الإعلان. لابد أن يجري التغيير بمراحله ومواقيته واتفاقاته في فضاء مشهود، لا بالنجوى بين السياسيين في الغرف المغلقة. ليس المحذور هو تلك المشاورات التفصيلية المستمرة بين السياسيين فهذه لا سبيل إلى نقلها للعلن وهذا من نافلة القول، ولكن المحذور هو أن يتم تحت طي الكتمان الاتفاق على برنامج متكامل للتغيير ثم يخرج للناس دفعة، فإذا ظهر سخط الناس مما فيه أمضوه عليهم كرهاً. الأفضل هو أن يجري حوار السياسيين واتفاقاتهم الجزئية تحت رصد الرأي العام ليكون شريكاً في الأمر لا موضعاً له.

779

| 02 يونيو 2014

ثلاث مراحل للخروج من الأزمة السودان: آفاق غبشاء 4

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); 1. الوضع الاجتماعي الحالي: السودان الآن يعيش وضعاً اجتماعياً انتقالياً حيث ينتقل الناس من القرية إلى المدينة، ليس فقط بالمعنى الجغرافي وإنما الانتقال من المجتمع القروي إلى المجتمع المدني، بمعنى الانتقال من الزراعة والرعي إلى الصناعة والخدمات، ومن التجارة المحلية إلى الرأسمالية والإنتاج الواسع، ويعني الانتقال من المجتمع العشائري المرتبط بأواصر القرابة والرحم إلى مجتمع واسع تختلط فيه الأعراق والقبائل بعقد اجتماعي وقانوني وتحت مظلة قومية. من هذا الوصف يمكن ملاحظة أن عملية (التمدن) هذه بدأت بشكل واضح في أيام الحكم البريطاني الذي أسس مفهوم المدنية الحديثة في السودان الحديث، فأسس الحكومة بمفهومها السياسي والدولة بمفهومها الإداري والمدينة بمفهومها الاجتماعي. وحيث إن الحكم الثنائي لم يمض على دخوله السودان أكثر من 115 عاماً، فإن المدينة في السودان ما زالت يافعة ولم تنضج بعد. ويمكن الآن لمعظم سكان المدن السودانية أن يتتبعوا أصولهم الريفية في جيلين أو ثلاثة بالأكثر، بمعنى أن الذي لم يهاجر بنفسه من الريف إلى المدينة يكون أبوه أو جده هو الذي هاجر. يشهد لذلك أن نسبة سكان المدن هي 33.2% أي أن سكان الأرياف هم ضعف سكان المدن (2011 CIA). إضافة إلى ذلك فإن هذا التمدن القليل هو تمدن شائه. فسكان الأرياف قدموا إلى المدن دون أن يتركوا القروية، بل حملوها معهم إلى المدينة فاستمروا في زراعة المساحات الصغيرة (الحواشات) حول المدن – حتى العاصمة – ورعوا الماشية وسكنوا في تكتلات قبلية أو جهوية، فكانت المدينة في كثير من الأحيان عبارة عن تجميع جغرافي لقرى متباعدة دون أن ينشأ عن هذا التجميع خليط متجانس أو ثقافة مدنية.الثقافة المدنية كانت تصدر عن النخبة المتعلمة وأهل الأسفار ولكن مصدرها الأساس كان هو الدولة. لا ننسى أن المدينة هي في الأساس تقسيم إداري للتكتلات السكانية الكبيرة، وهكذا يأتي موظفو الدولة بثقافة وتقاليد مدنية فرضتها ثقافة الدولة القطرية الحديثة. هذه المؤسسات والنظم الإدارية تغري القطاع الخاص الذي يتخذ أساليب مشابهة للتوسع وتسهيل إدارة الأعمال الكبيرة، فتنتشر بذلك طبقة الموظفين أو (الأفندية)، وتنتشر معها ثقافة المدينة. غير أن هذا التمدن يسير بخطى متثاقلة في مقابل دفق ريفي متسارع على المدن. والذي فاقم من ذلك هو جهاز الدولة، الراعي الأساس للتمدن. فالدولة، سوى أنها نفسها جهاز مدني يبث المدنية عبر منسوبيه، هي الجهة المنظمة (regulator) لحالة الاجتماع المدني وهي المسؤولة عن تمكن هذا الاجتماع من الخروج كنسيج متماسك هو مجتمع المدينة. ولكن الدولة في السودان صنعها البريطانيون لأغراضهم ثم رحلوا فباتت من بعدهم ضعيفة واهنة لا تقوى على شأن نفسها ناهيك عن شأن الناس. والأدهى من ذلك أن النظام السياسي – الحالي تحديداً – لجأ إلى القبيلة لتحقيق مآرب سياسية، فصنع بذلك ردة اجتماعية كبيرة بمنح القبيلة صفة اعتبارية والاعتراف بها ليس فقط كمؤسسة اجتماعية، ولكن كمؤسسة سياسية لها دور سلطوي. وبعد أن كان المجتمع المدني يكافح بصعوبة لتذوب القبيلة داخل المدن، منحتها الانتهازية السياسية صلابة جديدة وأصبح المجتمع المدني يكافح الآن حتى لا يذوب هو داخل القبيلة.إذًا فثلثا سكان السودان يعيشون في القرى والذين انتقلوا إلى المدن انتقلوا بإشكالات القرية واكتسبوا إشكالات المدينة دون كثير من محاسنها. فقد انتقلوا بالولاءات القبلية والاقتصاد ضعيف الإنتاج واكتسبوا عادات الاستهلاك والتطلعات المدنية، فصاروا يطلبون خدمات المدينة دون أن يكون لهم إنتاج أهلها، وصاروا يطلبون حظهم من الحكم والسلطان دون أن يتنازلوا عن الولاء للقبيلة أو يمنحوه للوطن الكبير. كل ذلك يجعل من المدينة السودانية ما يمكن أن يسمى – للطرافة – (قرينة)، نصف قرية ونصف مدينة وهي تقرن بين الحالين! وهي في انتقال مستمر نشهده جميعاً فيسعدنا أحياناً ويزعجنا أخرى. فقد يلاحظ المرء كيف اكتسب السودانيون بعض المسالك الحضارية التي كانت معدومة كأدب الاصطفاف وانتظار الدور، والتبسم لطالب الخدمة (فقط في بعض القطاع الخاص، ما زالت معدومة في الحكومة!)، ولين الطباع وتهذيب الكلام وترك الكثير من العادات الاجتماعية القروية المتخلفة في مناسبات الأفراح والأحزان. ولكننا أيضاً نشهد أشكالا للجريمة لم تعرفها القرى إطلاقاً ربما معزاها غربة الناس عن بعضهم في المدينة وانعدام الألفة وزيادة الحاجة، وهذا أمر يطول فيه البحث.المراد هنا هو الإقرار بأن السودان لا يزال قطراً ضعيف التكوين وهو يعيش انتقالاً من كونه مجموعة قبائل متباعدة ذات ثقافات متباينة، إلى كيان محتل ثم دولة وكأنها ظهرت إلى الوجود كمساحة تركها الذين من حولها عندما رسموا حدودهم! كيان لا تجمع مكوناته قومية واحدة ولا يزال يبحث عن هوية وقد بدأت أطرافه في التنافر عن بعضها حد الانقسام.إن مثل المجتمع السوداني مع دولة السودان كمثل الروح الصبية في الجسد الهرم، فالروح يافعة متطلعة ما زالت تتنقل في أطوارها الأولى إلى النضج بكثير من المغامرة والتقلبات ولكن جسدها الضعيف لم يعد يحتمل فبدأ يتداعى وأطرافه وأعضاؤه تنهار تباعاً حتى إذا مات الجسد انطلقت الروح تبحث عن جسد شاب يحملها ويحتمل صبوتها وهو لن يكون بذات صفات السابق ولا شكله ولكن ليس في ذلك بأس، لا بأس إطلاقاً إن أفلح هذا التزاوج في الانطلاق نحو المستقبل بقوة ودفع وأمل.

1127

| 31 مايو 2014

ثلاث مراحل للخروج من الأزمة .. السودان: آفاق غبشاء (2)

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); 2. الوضع الاقتصادي الحالي:الوضع الاقتصادي الآن في السودان لا يقل سوءًا عن السياسي، فهما متلازمان، وبعد أن أفقرت السياسة الاقتصاد، أرهق الاقتصاد النظام السياسي، فطفق ينشد المخارج. وقد ظل اقتصاد السودان منذ فجر التاريخ، أي منذ بضعة آلاف سنة يعتمد على الزراعة والرعي ولا يزال للأسف! والأسف مبعثه ليس فقط أنه اقتصاد فقير وضعيف، بل إن ثقافة السودانيين – حتى المثقفين منهم – وبعد ما يزيد على ثلاثمائة سنة على انتقال البشرية إلى الصناعة، لا تزال ثقافة زراعة ليس لأن السودان يسعى إلى (الصنعنة) ولم يصلها بعد، بل لأن السودانيين يظنون الصناعة والزراعة هي خيارات اقتصادية، كلاهما صالح للنهوض بالأمم، والاختيار بينهما يعتمد على ثقافة أهل البلد أو إمكانات البلد الطبيعية أو البشرية. وأنا أبشر القارئ الكريم أن السودان سيظل ضعيفاً فقيراً ما دامت هذه الضلالة فاشية في أهله!لاشك أن اقتصادنا الآن يعاني من الناحية الظرفية نتيجة صدمات داخلية وخارجية كالحرب والديون والأزمة العالمية وبؤس العلاقات الخارجية، ويعاني أيضا من ناحية هيكلية أو بنائية (structural) فهو اقتصاد ريعي يعتمد على الموارد الطبيعية وتصدير الخام والجباية الحكومية والتجارة الداخلية غير الإنتاجية، كالسمسرة وما شابهها من مهن. ولكن الإشكال الأكبر في تقديري هو أن اقتصادنا يعاني من الناحية الثقافية (cultural)، وتغيير المفاهيم هو أقسى أنواع التغيير. فالثقافة الاقتصادية في بلادنا ما زالت تقوم على قيم وتقاليد بالية. فالرعاة مثلاً يجعلون لأنعامهم قيمة ذاتية وليست اقتصادية، حيث تكون كثرة الأنعام سبباً في مكانة اجتماعية أرفع دون تحويل هذه الأنعام إلى مال يستخدم في الاستهلاك كشراء العقار أو تحسين مستوى المعاش في المأكل والملبس، وبهذا لا يدخل المال في دولة الاقتصاد. كذلك الأمر في مفهوم الأرض لدى المزارع، حيث تأخذ قيمة ذاتية لا علاقة لها بما تنتجه الأرض فعلياً وإنما قيمة الإرث والتباهي الاجتماعي ولو كانت بوراً. بل إن الأمر يصل إلى ما يظنه الناس قيماً مطلقة وأخلاقاً ثابتة كالكرم مثلاً، فمظاهر الإسراف في (إكرام) الضيف وموائد السمر والمناسبات الاجتماعية والصرف عليها بما يزيد كثيراً على الحاجة مخافة الاتهام بالبخل أو بدافع قيمي صادق، كل ذلك يهلك فرص الأفراد والأسر في الادخار الذي هو من أعمدة الاقتصاد الحديث. وحتى لا يساء فهمي هنا فأنا لا أتحدث عن الشهامة التي فيها إغاثة الملهوف والصرف على المحتاج، ولا حتى عن الكرم الوسطي غير المتجاوز الذي حض عليه الدين كإطعام الضيف قدر الحاجة، وإنما ذلك التنطع غير العقلاني كذبح الخراف لمريض القاوت أو تحلية الشراب لمريض السكر، فقط لإثبات أن (الخير موجود) أو دفعاً لتهمة البخل.بعض هذه العادات بدأ يتغير الآن ولكن السبب في التغيير هو ضغط حياة المدينة على الناس، بينما المطلوب هو تغيير الثقافة نفسها نتيجة زيادة الوعي بين الناس. صحيح أن واقع المدينة قد يغير الثقافة على المدى الطويل ولكن لا داعي لإعادة اكتشاف العجلة، الأفضل هو تغيير الثقافة بزيادة الوعي عوضاً عن انتظار يد التاريخ لتؤدي واجباً نحن نعرفه الآن!لقد ظل الاقتصاد السوداني منذ الاستقلال معتمداً على بنيات اقتصادية وضعها الإنجليز، وقد وضعت آنذاك لمقابلة الصرف على الاحتلال وتصدير المواد الخام إلى المصانع الإنجليزية. ولم تتمكن الحكومات الوطنية من الإضافة إلى هذه البنيات الشيء الكثير من حيث النوع. فقد قامت بعض المصانع ولم يصمد غالبيتها مع الزمن. ثم كانت العشر السمان للبترول والتي لم يُدَّخر منها إلا النذر اليسير في شكل بنى تحتية وخدمات، والآن نجد أننا عدنا إلى زمن الإنجليز مع اختلاف الزيادة في الرقعة المزروعة والنقصان – المريع! – في الكفاءة الإدارية.السودانيون لم يشعروا بآثار هذه الصدمة كاملة بعد، فهي ستتوالى على ظهورنا لفترة من الزمن. أظهر هذه الآثار هو التضخم الشديد الذي أصاب الاقتصاد في فترة قصيرة والنزيف المستمر لقيمة الجنيه السوداني وهذا له أثر قاس على المواطن كون غالب السلع الاستهلاكية واردة وليست منتجة محلياً. والحكومة الآن أعيتها الحيلة في دعم السلع الإستراتيجية ذات الكلفة السياسية العالية، كالقمح والوقود، وقد شهدت البلاد انقطاعات في هاتين السلعتين سرعان ما تتداركها الحكومة بحلول يائسة ستنفد جُعبة الحكومة منها قريباً، ما يعني أزمات في الخبز والوقود والكهرباء وموجة غلاء جديدة في السلع والخدمات.إن أفقنا الاقتصادي قاتم حقاً، ولا أمل في الخروج منه في ظل النظام الحاكم، لأن البقاء في الحكم شديد التكلفة والنظام يصرف على بقائه من مال البلد الشحيح جداً. النظام الآن يغرق، والشيء الوحيد الذي يتعلق به هو رقبة المواطن الذي يختنق، فإما حاول التخلص منه بالقوة وفي ذلك خطورة أن يغرق الجميع، لأن النظام لن يفلته بسهولة، وإما أن يتعاونا للوصول إلى أقرب أرض يابسة ثم يفترقان بعدها بإحسان.لابد أن ينظر المرء بعين الريبة تجاه كل ما تقوله الحكومة عن الوضع الاقتصادي في البلد. فالبرنامج الإسعافي الثلاثي فشل بشهادة النظام ولم يلقن من كان يظن نجاحه! وإنني لأعجب لمسالك الحكومة في أمر الاقتصاد، فالبرنامج الإسعافي يقوم على إحلال الواردات والنهوض بالزراعة، ولكن كيف ستنجح الزراعة إذا كانت البذرة المزروعة والسماد الذي يغذيها والمبيد الذي يحميها والآليات التي تزرعها وترويها وتحصدها وتنقلها كلها مستوردة؟! المدخلات المحلية الوحيدة في عملية الزراعة هي الأرض وفيها من مشكلات الملكية ما فيها، والماء وفيه من مشكلات الري ما فيه، والمزارع الذي يزرع في الغالب بذات الأسلوب والفهم الذي ورثه عن أحقاب بعيدة. ربما كان الأجدى بالحكومة التفكير في توطين مدخلات العملية الزراعية أولاً قبل أن تظن أن بإمكانها إحلال وارداتها. أوليس مدهشاً أننا نستخدم مدخلات مستوردة ذات قيمة مضافة لإنتاج وتصدير مادة خام ونظن أن ذلك يصنع اقتصاداً ناهضا؟! لا عجب إذا أن الأمر لم ينجح إطلاقاً على ما خطط له ولا أحسبه يفعل.

2598

| 25 مايو 2014

السودان.. آفاق غبشاء (1)

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); كثر استخدام الناس للعبارات من شاكلة "يمر السودان بمنعطف تاريخي" أو "السودان الآن في مفترق طرق"، وهي عبارات على الرغم من استخدامها الممجوج في كثير من الأحيان، إلا أنها – للأسف – صادقة في معظم الوقت.. فالسودان منذ أن وعينا نحن وكثير من الذين من قبلنا لم تهدأ أنفاسه ولم تسكن أحواله وما برح يعاني ويلات الحرب وكبد المعاش والاضطراب السياسي حتى وقر – أو كأنه وقر – في صدور الناس أن هذه طبيعة الأشياء.. وكان في ما مضى يتهيأ لقلة أن ترى الدنيا خارج السودان فيعودوا لقومهم مبشرين أن الحياة يمكن أن تكون خيرا مما أنتم عليه، ثم ضاق العالم من حولنا وتلاشت المسافات حتى بات الناس يرون على الشاشات كل يوم ما عليه غيرهم من رفاهية واستقرار ما أرهق أهلنا بألم المقارنة.ولست أعني فقط الأموال والزينة – حتى لا يتهمني أحدهم بالشك! ولكن كرامة الانسان وأمنه من الخوف وإطعامه من الجوع، ما عدنا نقوى على التغاضي عن مضاهاة حالنا بحال غيرنا فما ننشده حق وليس منحة، ولئن كان التعذر لحالنا المؤسف وعوزنا للحياة الكريمة هو اختلاف ثقافتنا، فهي إذا ثقافة معطوبة وجب تغييرها، ولئن كانت حتمية تاريخية ستأحذنا – في يوم ما – إلى الحياة الكريمة فعلينا استعجالها لا انتظارها، ولئن يئس بعضنا عن بلوغها لسنه لزمه أن يهيئها لعياله.لا أحسب أن جدلاً سينشأ حول السمات الأساسية التي يحب الناس أن تكون في السودان المنشود، وأستميح القارئ عذراً أن أفترضها، فالسودان المنشود هو بلد حر، بمعنى أن أهله أحرار يحكمهم من يشاؤون هم وعلى النهج الذي يرضونه هم (سمها ديمقراطية أو غير ذلك إن شئت).وهو كذلك بلد مكتف بذاته عن غيره، وهذا سيعني بحكم الواقع أنه بلد صناعي في المقام الأول وليس زراعيا إذ لا يمكن للسودان أن ينهض اقتصاديا بوصفه بلدا زراعيا، وأسأل الله أن يزيل عن ثقافتنا هذه الخرافة التي لا يزال ينعق بها كل مسؤول!أخيراً، فالسودان المنشود هو بلد آمن تنعدم فيه الحروب وتقل فيه الجريمة ويحيا أهله بكثير من المسالمة وقدر من الود والتراحم.. للوصول إلى هذا البلد المنشود فإن المسؤولية تقع على كل الناس، الحكومة والمجتمع ولابد في ذلك من تغيير ثقافات أحكمت في الناس الخرافة وضيق الأفق واليأس المتلبس زوراً بلبوس القناعة.. لابد أن تزول خرافة أن شعوبنا هذه لا تصلح لها الديمقراطية لخصيصة فيها، لابد أن تزول خرافة أن شعوبنا لا تصلح أن تكون شعوباً صانعة وهي الخرافة التي أسس لها ابن خلدون غفر الله له، ثم لابد أن تزول خرافة أن شعوبنا لا تصلح أن تعيش في قطر واحد لشدة اختلاف مكوناتها وتباين ثقافات قبائلها.سأحاول في هذه السلسلة من المقالات أن أرسم تطلعات لمستقبل السودان على ثلاث مراحل: المرحلة الأولى هي مرحلة التحول من نظام الحكم الحالي، والذي تزحم الأخبار في هذه الأيام بشائره.. وأرجو أن تصدق..المرحلة الثانية هي المرحلة الانتقالية، ولا أعني بها الانتقال في الحكم فقط، وإنما فترة الاضطراب التي تصاحب كل تحول من نظام حكم شمولي الى نظام حكم ديمقراطي، وهي فترة تمتد لسنوات داخل الحكم الديمقراطي نفسه أحياناً، ويكون البلد فيها في أشد حالات ضعفه ويكون معرضاً دائماً إلى العدوان الخارجي أو الردة إلى الشمولية..المرحلة الأخيرة هي مرحلة النهضة بعد أن تستقر أحوال البلد وهي التي تشمل التغيرات الأصعب (التغيير السياسي هو الأهون!)، وهي تغيير الثقافات المتخلفة والعادات المقعدة، هي مرحلة الحرية الفكرية بعد أن نال الناس الحرية السياسية.

1236

| 22 مايو 2014

ميري وكومار
ميري وكومار

كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين...

9378

| 06 أكتوبر 2026

نهج: من يقود من؟
نهج: من يقود من؟

نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت...

2025

| 09 أكتوبر 2026

حين تتمدد الصلاحية وتنكمش المسؤولية
حين تتمدد الصلاحية وتنكمش المسؤولية

في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً...

1119

| 06 أكتوبر 2026

حين تصبح الأمانة واجباً قانونياً
حين تصبح الأمانة واجباً قانونياً

قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره...

765

| 11 أكتوبر 2026

هل ما زلت نسختك القديمة؟
هل ما زلت نسختك القديمة؟

نحن نعيش في وسط يتغير بسرعة، وتتسع فيه...

528

| 07 أكتوبر 2026

من مكتبة الإسكندرية إلى مكتبة قطر الوطنية
من مكتبة الإسكندرية إلى مكتبة قطر الوطنية

-الأمير الوالد كان يتطلع إلى مكتبة وطنية تليق...

471

| 11 أكتوبر 2026

الراتب الأول
الراتب الأول

الراتب الأول لحظة مهمة، وأتذكر كثيرًا من الفتيات...

456

| 07 أكتوبر 2026

دلالات الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية من العراق
دلالات الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية من العراق

في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001، دشّنت الولايات...

447

| 05 أكتوبر 2026

وضوح السريرة في فضاء التأويل
وضوح السريرة في فضاء التأويل

ثمة مرتبة من مراتب النبل الروحي تتجاوز حدود...

420

| 06 أكتوبر 2026

تحليل إستراتيجي متعمق في المشهد الجيوسياسي الراهن
تحليل إستراتيجي متعمق في المشهد الجيوسياسي الراهن

توشك المنطقة على دخول منعطف حاسم وعاصف في...

408

| 06 أكتوبر 2026

393

| 05 أكتوبر 2026

الدروس الخصوصية… وتأثيرها على الحصص الدراسية
الدروس الخصوصية… وتأثيرها على الحصص الدراسية

يُفترض أن تكون الحصة الدراسية المكان الأول الذي...

387

| 11 أكتوبر 2026

أخبار محلية