رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تصالح الجماعة الإسلامية المجتمع المصري بمسلميه ومسيحييه ونظامه، فماذا علينا أن نفعل؟ أغلب الظن أن البعض منا سيسارع إلى القول بأنهم يمكرون. ويبطنون غير ما يظهرون، مدعين أن تلك الكائنات التي تربت على العنف ومارسته ليس من السهل عليها أن تتخلى عنه. في ذات الوقت سنجد من يقول إنهم ماداموا مدوا أيديهم إلى المصالحة والمصافحة، فلماذا لا يمد المجتمع يديه إليهم، ليعينهم على الالتزام بالنهج الذي أعلنوه، ويحاسبهم عليه. وللتذكرة والعلم فقط. فإن نواة «الجماعة» ظهرت في جامعة القاهرة في مستهل سبعينيات القرن الماضي، لكنها نمت وترعرعت في أسيوط بعد ذلك، وكان عنفها فكريا في البداية، ثم اتجهت إلى العنف المسلح بعد، عقب قتل اثنين من أعضائها برصاص الشرطة. وتحالفت مع جماعة الجهاد التي اعتنقت من البداية فكرة التغيير بالقوة والسلاح، واشتركت الجماعتان في قتل الرئيس السادات وفي حوادث إرهابية أخرى. ومنذ ذلك الحين (عام 1981) ظل أعضاؤها في السجون، في حين لجأ بعضهم إلى أفغانستان وباكستان والبوسنة وبلدان أخرى. وبعد الثورة أطلق سراح أغلب المسجونين منهم. في حين عادت من الخارج أعداد أخرى. وخلال فترة السجن راجعوا بعض أفكارهم وعدلوا عنها، خصوصا ما تعلق منها بفكرة التغيير بالقوة وبالموقف من الأقباط. وظهرت تلك المراجعات في ستة كتب منشورة، توافق أغلب قادة الحركة على مضمونها. يوم الجمعة الماضى (8 /4) عقدت الجماعة أول مؤتمر علني لها وسط أعمدة المعبد الفرعوني في الأقصر، ونقلت صحف السبت 9/4 مقتطفات من كلمات قادتها، التي عبروا فيها عن تمسكهم بنبذ العنف واحترام الأقباط ودعوة جميع المصريين إلى التكاتف والحفاظ على مكتسبات الثورة. كما رفضوا فكرة تكفير الآخرين واستهجنوا هدم الكنائس والأضرحة ودعوا إلى تشجيع السياحة وجذب الاستثمار. وهو ما سمى بعهد «الأمان»، الذى يشمل الجميع من المصريين (مسلمين وأقباطا) وأجانب أيضا. هذا الكلام في ظاهره يبعث على الارتياح. صحيح أنه يستقيم إلى حد كبير مع الإطار العريض للمراجعات التي سبق نشرها وإعلانها، إلا أنه يكتسب أهمية خاصة من كونه أعلن على الملأ بعد خروج قادة الحركة من السجون. لأن صدور المراجعات وهم رهن الحبس فتح الباب للشك فى أنهم ربما كانوا تحت ضغط الظروف البائسة التي أرادوا الخروج منها بأي ثمن، ولكن الالتزام بذات الأفكار بعد إطلاق سراحهم يعد قرينة ترجح جدية اقتناعهم بتصويب أفكارهم. أدرى أنه ليس هناك إجماع على التصويبات والمراجعات التي تمت، وذلك لا ينبغي أن يقلقنا كثيرا، حيث يكفينا في الوقت الراهن أن يكون ذلك رأي الأغلبية، أما الذين لايزالون على تشددهم فكونهم أقلية لا يزعجنا، ثم إن الباب يظل مفتوحا أمامهم لكي يلتحقوا فيما بعد بمن سبقهم. لن نعدم قائلا يقول إنها «مناورة» لتحسين الصورة واكتساب الشرعية. كما أنني لست أشك في أن البعض سينظرون بامتعاض إلى موقف التصالح مع المجتمع الذي أعلنه قادة الجماعة. ذلك أن بيننا من تمنى أن تظل الجماعة على تطرفها، لأن ذلك يهدي إليهم حجة كافية للتنديد بما يسمونه «إرهابا إسلاميا» ومن ثم استمرار تخويفهم من «المتأسلمين» الأشرار الذين يرتدي بعضهم أقنعة المعتدلين، وهؤلاء يعتبرون أن الاعتدال هو الخطر الحقيقي الذي يتهددهم. لأنه يكذب حجتهم وزيف دعاواهم. لا يستطيع أحد أن يزايد علىَّ في نقد فكر العنف والمفاصلة الذي تبنته الجماعة الإسلامية طوال أكثر من ثلاثين عاما. وربما يذكر البعض أنني لم أعلق على المراجعات التي أصدرها قادتهم في أثناء محبسهم لشكي في الظروف التي حملتهم على ذلك، ولعلمي بأن ضباط أمن الدولة كان لهم دور في رعاية ذلك الاتجاه. ولكن حين يعلن قادة الجماعة عن موقفهم الذي سبقت الإشارة إليه أمام الملأ وبعد أن استردوا حريتهم، فإننا ينبغي أن نرحب بذلك ونزكيه. باعتبارهم عادوا أخيرا إلى حضن مصر. ذلك أنني واحد ممن يقتنعون بأن الجهر بالأفكار يدفع أصحابها إلى الإقلال من الغلو والتحسب لردود الأفعال ومراعاة الصدى لدى الرأي العام، كما أن الممارسة واختبار الأفكار في الواقع يفتحان الباب لإمكانية تطويرها وإنضاجها. وهي ليست قناعة شخصية وحسب، لكنها خبرة التاريخ ودرسه أيضا. لست أدعو إلى الترحيب وإغماض الأعين، وإنما إلى الترحيب الحذر الذي يشجع على المضي في مصالحة المجتمع والإسهام في أن تصبح الجماعة رافعة تسهم في النهوض به، وليس معولا يسعى إلى النيل منه. علما بأن الذين يصرون على أن الجميع متأسلمون لا خير فيهم، إنما يريدون إقناعنا بأن إبادتهم هي الحل، لكي يخربوها ويجلسوا على تلها!
395
| 10 أبريل 2011
يبدو أن المجلس العسكري الحاكم في مصر وجد نفسه مضطرا لتبرئة ساحته والدفاع عن نفسه. على الأقل فهذا ما فهمته من الملحق المجاني الذي وزع مع جريدة الأهرام أمس (الجمعة 8/4)، حين وجدته بمثابة مرافعة مقدمة إلى الرأي العام المصري منشورة على أربع صفحات، يتصدر الأولى منها عنوان القوات المسلحة.. وفي الأخيرة إشارة إلى أن المطبوعة بمثابة جريدة صادرة عن إدارة الشؤون المعنوية للقوات المسلحة في الأول والخامس عشر من كل شهر. فوق "الترويسة" التي تحمل اسم الجريدة ظهرت العناوين التالية: من المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى شعب مصر: ولاؤنا للوطن والشعب ولا نجامل أحدا على حساب مصر ــ زاهدون في السلطة ولا نسعى إليها ولا نبحث عن دعاية أو شهرة. وتحت «الترويسة» ظهر كم من العناوين غطى الصفحة الأولى كلها من بينها ما يلي: القوات المسلحة لم تتوان يوما عن خدمة الشعب ومساندته في الأزمات والمحن ـ نؤيد الثورة وندعمها ونبذل قصارى جهدنا لتحقيق أهدافها ــ التخاذل والتواطؤ ليسا من قيم القوات المسلحة العريقة ــ نرفض استعراض قوتنا على الشعب والعنف لا يستخدم إلا ضد البلطجية والخارجين عن القانون ـ لا خطوط حمراء في مساءلة أي شخص أيا كان اسمه وموقعه ــ محاولات الوقيعة بين الجيش والشعب مصيرها الفشل ــ لا نعطي حصانة لأحد ولا نتستر على فاسد والجميع أمام القانون سواء ـ المصريون سواسية وعليهم أن يكونوا على قلب رجل واحد. على الصفحتين الداخليتين تواصلت العناوين على النحو التالي: لم نتأخر يوما عن تلبية مطالب شعبنا، ونسانده في كل أزماته ــ ليس لنا مصلحة في الالتفاف على مطالب الشعب وتحقيق أهدافه. وفي رد له مغزاه تضمنت الصفحتان عناوين أخرى من قبيل: مصر تمر بظروف صعبة تحتاج لسواعد الجميع وليس للكلام والجدل والثرثرة ـ نقول لمدعي الوطنية: نحن أكثر وطنية نحمل أرواحنا على أيدينا دفاعا عن الوطن في أي وقت ــ المحرضون على الوقيعة بين الشعب والجيش لن يحققوا هدفهم لأن العلاقة أسمى من الحاقدين. أما الصفحة الرابعة والأخيرة فقد خصصت لعرض عطاء القوات المسلحة وإسهاماتها في تقديم الخدمات وإعمار البلد. لا يحتاج المرء إلى بذل أي جهد لكي يدرك أننا بصدد خطاب دفاعي بالدرجة الأولى يقول للجميع: نحن أفضل مما يقال عنا أو يظن بنا. وهو لا يرد فحسب على ما يروجه البعض من شائعات تشكك في بعض مواقفه، وإنما أيضا يحذر المتهمين والمزايدين ومن أسماهم «مدعو الوطنية» بأن ألاعيبهم مكشوفة. أيضا. حين يعمم هذا البيان على الكافة صبيحة يوم جمعة التطهير والمحاكمة فإن التوقيت يظل له مغزاه، ويعبر عن قلق المجلس العسكري من ضمه إلى قائمة الذين قد يتعرضون للمحاكمة في هذه المناسبة. إذ ليس سرا أن صحف الإثارة وأصوات الغلاة غير الأصوات المنفلتة على مواقع الإنترنت بدأت تغمز في مواقف المجلس العسكري، سواء لأنها استبطأت إجراءاته، أو حين تبين لهم أن القرارات جاءت دون التوقعات، أو بهدف الدس والوقيعة. من الواضح أن المجلس العسكري الذي نعرف أنه محمل بما يفوق طاقة البشر، ضاق ذرعا بالنقد الذي وجه إليه، وهو في ذلك محق ومخطئ. هو محق لأن بعض الناقدين من دعاة الإثارة أو التشكيك تطاولوا على دوره بأكثر مما ينبغي، وهو مخطئ لأن تلقي مثل هذه السهام الطائشة واحتمالها من مقتضيات ممارسة الحرية التي خرجوا للدفاع عنها وحراستها. لذلك فإننا حين ندعو الأولين إلى الاحتشام فإننا يجب أن ندعو الأخيرين إلى سعة الصدر. إننا نعرف جيدا أنهم يبذلون غاية جهدهم للنهوض بالمهام الجسام التي أثقلت كاهلهم، ونعذرهم إذا ضاقت صدورهم، لكننا نتمنى عليهم أن يعذرونا فيما صدر عن بعضنا، وأن يتساءلوا فيما بينهم لماذا عيل صبرنا، ليتنا نتبادل الأعذار والعون، وليس العتاب واللوم.
476
| 09 أبريل 2011
أخشى على المجلس العسكري الحاكم في مصر من ابتزاز بعض المثقفين، ذلك أنه بعد التدمير المنظم لمؤسسات المجتمع المدني في مصر، وفي غياب أوعية تعبر عن ضمير المجتمع وأشواقه. فإن وسائل الإعلام صارت المنبر الوحيد تقريبا الذي يمكن أن ترفع من خلاله الأصوات، وتوجه الرسائل إلى السلطة والمجتمع. وهو اعتبار لم يكن غائبا عن أجهزة النظام السابق، بدليل أنها وزعت قوائم على القنوات التلفزيونية الخاصة والعامة بمنع أسماء معينة من الظهور في برامجها، كما أن السياسة ذاتها اتبعت مع الصحف القومية التي أقصيت منها أسماء كثيرة، ولدي خبرات شخصية في هذا الصدد ربما فصلت فيها يوما ما. كانت نتيجة ذلك الوضع أن شرائح معينة من بين الإعلاميين والمثقفين سمح لها بأن تتصدر الواجهات وتحتكر منابر التعبير، حتى أصبحت صاحبة الصوت الأعلى، وتحولت بمضي الوقت إلى مركز قوة جذب أطيافا متعددة، ربما اختلفت في توجهاتها السياسية والفكرية، لكن ظل القاسم المشترك الأعظم بينها الذي اتفقت فيه مع النظام السابق هو الحساسية إزاء التوجه الإسلامي بشكل عام، وإساءة الظن بمختلف الفصائل المنتمية إليه، ولذلك ظل إقصاء المنسوبين إلى تلك الدائرة من مسلمات تلك الشرائح «وثوابت» موقفها. لم يختلف الأمر من هذه الزاوية بعد قيام ثورة 25 يناير، يؤيد ذلك أن تلك الشرائح استنفرت حين شكل المجلس العسكري لجنة تعديل الدستور، التي ضمت ثمانية من كبار رجال القانون، وتبين أن أحدهم عضو في جماعة الإخوان المسلمين، في حين رأسها المستشار طارق البشري وهو قانوني ضليع ومؤرخ للحركة السياسية في مصر حقا، ولكن يعيبه ــ من وجهة نظرهم ــ إنه مسلم ملتزم غيور على دينه، هذه الخطوة أثارت قلق إخواننا هؤلاء، باعتبارها خرقا لثوابت الإقصاء المتعارف عليها، حتى أزعم أن بعضهم حدد موقفه الرافض للتعديلات لهذا السبب وحده. شهدت قبل أسابيع قليلة لقاء للكتاب والمثقفين مع ثلاثة من ممثلي المجلس العسكري، وفيه انتقد أحد الشعراء بانفعال وغضب شديدين فكرة أن يكون واحد من الإخوان عضوا في لجنة الثمانية، كما استهول أن يرأس اللجنة رجل «قريب جدا من الإسلاميين» (هكذا قال) ــ ذكر آخر معاتبا أن الناس بدؤوا يتشككون في موقف أعضاء المجلس، مضيفا أن كثيرين باتوا يتساءلون: كم عدد المتعاطفين مع الإخوان بين أولئك الأعضاء، وكنت قد أشرت في مقال الثلاثاء الماضي 5/4 أن رئيس تحرير إحدى الصحف الأسبوعية (الفجر 4/4) ذكر أن الثورة ماتت لأن أهل السلطة تركوا للإخوان مهمة تعديل الدستور (حين ضم واحد منهم فقط إلى لجنة الثمانية!). لست أشك في أن أعضاء المجلس العسكري سمعوا من آخرين أيضا أمثال تلك الانتقادات والغمزات كما أنني لا أشك في أنهم طالعوا أو تابعوا تعبيرات أخرى عن ذات الموقف فيما نشرته أو بثته مختلف وسائل الإعلام، لذلك فإنني لا أستبعد أن يكون بعض أعضاء المجلس العسكري قد تأثروا بتلك الضغوط، ومن ثم حاولوا أن يدفعوا عن أنفسهم «الشبهة» أو «التهمة» التي رماهم بها أولئك النفر من المثقفين، على الأقل فما قاله اللواء محمد مختار الملا مساعد وزير الدفاع وعضو المجلس العسكري في لقائه مع القيادات الصحفية قرينة دالة على ذلك، فقد نشرت له جريدة الأهرام في عدد الثلاثاء 5/4 قوله في ذلك اللقاء إن المجلس (العسكري) لن يسمح لقيادات متطرفة بالسيطرة على مصر، وكان العنوان الرئيسي للصفحة الأولى أن مصر لن تكون إيران أو غزة، وهو خطاب يعيد إلى الأذهان لغة مرحلة «المحظورة»، إذ لا أظن أنه يقصد السلفيين أو المتصوفة بالإشارة الأولى، ثم إن غمزه في غزة التي تديرها حكومة حماس ترجح المعنى الذي خطر لي، علما بأن حماس في غزة لم تقفز على السلطة ولكنها تولتها بعد انتخابات حرة فازت فيها بأغلبية الأصوات في المجلس التشريعي، أما ذكره لإيران فلا وجه للمقارنة به، لأن نظامها القائم على ولاية الفقيه التي هي من خصوصيات المذهب الشيعي التي لا تتطابق مع ظروف مجتمعات أهل السنة. لم أسترح لقول اللواء الملا أيضا إن المجلس العسكري لن يسلم السلطة ويذهب إلى شرم الشيخ، بما يعني أنه لن يتنحى، وإنما سيظل ساهرا على حماية النظام الجديد، وهي إشارة تبدو متأثرة بدعوات بعض المثقفين إلى استلهام النموذج التركي في نظام الحكم، الذي بمقتضاه ظل الجيش حارسا للعلمانية ووصيا على السياسة، وهي رسالة غير بريئة لأن ذلك الوضع فرض على تركيا قبل أربعين عاما، ثم تخلصت منه في مرحلتها الديموقراطية الراهنة، التي انتقلت إليها في عام 2002، بعدما تولي السلطة حزب العدالة والتنمية، علما بأن تركيا وهي تحت وصاية الجيش شهدت أربعة انقلابات عسكرية. لا تزال ثقتنا كبيرة في مواقف المجلس العسكري ونزاهته السياسية، وهذه الثقة هي التي تدفعنا إلى التحذير من ابتزاز بعض المثقفين ممن يتمتعون بكثير من المعرفة وقليل من البراءة.
500
| 07 أبريل 2011
في أمريكا أناس يطالبون بإقامة حكم ديني أصولي، ويدعون إلى تمزيق الدستور الذي يعتبرونه وثيقة علمانية، واستبداله بوثيقة حكم جديدة ترتكز على الكتاب المقدس. وهؤلاء ينتمون إلى تيار إعادة البناء المسيحي، الذي يعلن أن هدفه «تغيير أمريكا، وشغل جميع المناصب بمسيحيين مؤمنين بالكتاب المقدس، والسيطرة على الإعلام الوطني، وتدريس المعتقدات الأصولية كعلم في المدارس العامة». وثمة مناقشات مستمرة بينهم حول ما إذا كان الحكم الديني أفضل أم الديمقراطية. وهؤلاء ليسوا وحدهم ولكن «منظمة قساوسة من أجل الحياة»، يقولون صراحة إن الكنيسة تملى سياسات الأمة، إذ هي تعلن الحقيقة الربانية التي لابد لجميع السياسات العامة أن تتوافق معها. وحين رشح بات روبرتسون لانتخابات الرئاسة في عام 1988، مؤيدا من «التحالف المسيحي» فإنه أعلن أنه: عندما تحكم الأغلبية المسيحية هذا البلد (أمريكا) فلن تكون هناك كنائس شيطانية، ولا توزيع حر للمجلات الإباحية، ولا ثمة حرية في طلب الإجهاض ولا مزيد من الأحاديث عن حقوق المثليين (الشاذين جنسيا). وحينذاك سوف ينظر إلى التعددية باعتبارها أمرا غير أخلاقي وشريرا، ولن تسمح الدولة لأي أحد بممارستها. هذا المعنى الأخير ردده فصيل آخر في اليمين الأمريكي ـ راندل تيرى مؤسس منظمة «عملية إنقاذ» المعادية للإجهاض ـ في قوله لأتباعه: أريدكم فقط أن تدعوا موجة اللاتسامح لتغمركم. أريد أن تسلموا أنفسكم لموجة من الكراهية. نعم أريد منكم ذلك، فالكراهية شىء طيب. وهدفنا إقامة أمة مسيحية. والكتاب المقدس يحملنا المسؤولية. فالرب قد اختارنا كي نفتح هذا البلد. ونحن لا نريد مساواة أو تعددية. ذهبت جماعة «جيش الرب» إلى مدى أبعد. فقد استهدفت عيادات الإجهاض وتورطت في عمليات اختطاف وتفجير وقتل. ووفقا لتقارير عدة، فإن الجماعة على صلة باستهداف تلك العيادات بمائتين وثمانين رسالة ملوثة بمادة الانتراكس السامة في شهر أكتوبر التالي مباشرة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، وحين أقامت الجماعة حفلا في شهر يناير من ذلك العام بمناسبة العام الخامس لنشأتها. فإن كثيرا من المتحدثين حثوا سامعيهم على تبني العنف ضد تيارات الإجهاض واستحلوا دماء العاملين في ذلك المجال. في تفسيرهم للكتاب المقدس فإنهم يؤمنون بان حواء خلقت من ضلع آدم، ومتأخرة عن خلقه لكي تشبع رغباته. وإنها كانت ضعيفة بطبيعتها ويمكن إغواؤها بسهولة، لذلك فإن عقابها على الآثام التي وقعت بها يقتضى أن تعيش دائما حياة الخضوع. وهذه الخلفية هي التي تجعلهم يتمسكون بأربعة مبادئ هي: أن تخضع النساء للرجال ــ النساء أقل شأنا من الرجال ــ معاناة النساء فضيلة مسيحية ــ المسيحيات المؤمنات حقا ينبغي أن يصفحن عن إساءة معاملتهن. الفقرات السابقة منقولة نصا من كتاب «أصول التطرف ــ اليمين المسيحي في أمريكا» الذي حررته كيمبرلى بلاكر. وقد ترجم إلى العربية وصدر في إطار المشروع القومي للترجمة في مصر. والكتاب الذي طبع في 420 صفحة يضم عدة دراسات أجراها عدد من المتخصصين الليبراليين ممن تصدوا لفكر المنظمات اليمينية التي تلعب دورا مهما في الحياة السياسية الأميركية، خصوصا في محيط الحزب الجمهوري. وكان لهم دورهم المميز في انتخاب الرئيس السابق جورج بوش. أهم ما في الكتاب أنه يسلط الضوء على عالم الأفكار الشاذة والمستهجنة الشائعة بين المتدينين الأميركيين، والتي يعتنقها ملايين منهم، دون خوف أو هلع، ويراهن على أن الآلية الديمقراطية لا تسمح فقط بتداولها علنا، ولكنها تتيح إمكان تهذيبها واستيعابها بمضي الوقت من خلال حراك وقوة مؤسسات المجتمع المدني. وقد عنَّ لى أن الفت الانتباه إليه بعدما لاحظت أن إعلامنا في مصر وكثيرين من عناصر الطبقة السياسية لا يكفون عن الصراخ والعويل والهلع كلما سمعوا رأيا شاذا أو وقعوا على تصرف استهجنوه. علما بأن كل ما تعبر عنه دوائر اليمين الديني في مصر، لا يصل عشر معشار نظيره في الولايات المتحدة ولا تسأل عن نظيره في إسرائيل. ليس عندي أي دفاع عن الكلام الذي يردده الذين أقصدهم في مصر. ولكنى معنى فقط بالدفاع عن ثبات المجتمع وتوازنه وحسن ترتيب أولوياته.
622
| 06 أبريل 2011
أصبحت السلفية أشهر مصطلح يتردد هذه الأيام فى الفضاء المصري. مستصحبا معه أصداء متعددة من الترويع والتخويف، الأمر الذى يستدعي الكثير من أسئلة الحال والمآل. (1) يوم الأحد الماضى مثلا (3/ 4) تناولت الصحف المصرية الموضوع على النحو التالى: «الأهرام» تحدثت على صفحتها الأولى عن ائتلاف مدنى من ست مجموعات لمنع انقضاض السلفيين على مطالب الثورة الحقيقية. وذكرت أن مؤتمرا حاشدا ضم أكثر من ألف سلفي عقد بمسجد عمرو بن العاص أكبر وأقدم مساجد مصر تحدث فيه الشيخ ياسر برهامي (طبيب أطفال) الذى وصف بأنه أبرز قادة السلفيين وكانت اللافتات المرفوعة ترسم أهم ملامح المشروع السلفى لمصر، وفى مقدمتها لافتة كتبت عليها عبارة تقول: «إسلامية إسلامية.. لا مدنية ولا علمانية». فى العدد ذاته نقلت الأهرام عن قيادى سلفى آخر قوله إن هدم الأضرحة ليس من الإسلام فى شىء. وإن إقدام بعض الشبان على ذلك بمثابة «مصيبة كبرى». ونقلت عن قيادى ثالث قوله إن كل جريمة تحدث الآن فى مصر تنسب إلى السلفيين دون تثبت أو تحقيق. وتساءل رابع قائلا: لماذا تكال الاتهامات الآن للسلفيين، وهم الذين لم يعتدوا على الأضرحة طوال الثلاثين عاما الماضية؟ صحيفة «الشروق» تحدثت عن 90 ندوة ومؤتمرا عقدها السلفيون بمحافظات مصر بعد 25 يناير، كما نشرت خبرا عن تحذير شيوخ الصوفية من وقوع فتنة كبرى بسبب الاعتداء على الأضرحة. وخبرا آخر عن تحركات سلفية للسيطرة على مساجد الأوقاف. صحيفة «المصرى اليوم» تحدثت عن مؤتمر السلفيين فى مسجد عمرو بن العاص بالقاهرة. وأبرزت فى عناوين تقريرها قول دعاتهم: سنطبق منهجنا الإسلامى مهما يكلفنا الأمر، وإذا أراد النصارى أمانا فعليهم الاستسلام لحكم الله. وفى التقرير أن أحدهم ذكر أنهم تعرضوا لسيل من الافتراءات ذهبت إلى حد اعتبار السلفيين أخطر على مصر من الإسرائيليين. صحيفة «الوفد» نشرت على صفحتها الأولى عنوانا باللون الأحمر على أربعة أعمدة تحدثت فيه عن تصاعد أزمة الأضرحة بين الصوفية والسلفية. وتحته عناوين أخرى من قبيل: الصوفية يرفضون الحوار وتحذير من تحويل مصر إلى لبنان أخرى.. الشبراوي شيخ الطريقة الشبراوية يقول: ندرس الرد بالقوة ونطالب شرف (رئيس الوزراء) بالتدخل لوقف زحف السلفيين. صحيفة «روزاليوسف» نشرت أكثر من تقرير حول الموضوع. أحدها تحدث عن خناقات فى المساجد بسبب السلفية. الثانى ذكر أن للسلفيين ثلاثة آلاف مسجد وزاوية فى مصر وأن التحالف المصرى لمراقبة الانتخابات حذر من تنامى المد السلفي فى البلاد. الثالث ركز على أن مجهولين يوزعون الدستور السلفى فى إيميلات مجهولة ووصف هذه الخطوة بأنها «تطور مفزع لما تقوم به الجماعات السلفية» الرابع حوار على صفحة كاملة مع من وصف بأنه رئيس جماعة السلفيين فى مصر ورئيس مجلسها للشورى (الدكتور عبدالله شاكر) قال فيه إن الدعوة للخلافة الإسلامية فى هذا الزمان أمر صعب لكن «لدينا البديل»، كما قال إن «الجماعة» لديها مرشحون للانتخابات البرلمانية. وإن تغيير المنكر لا يكون إلا باللسان أو القلب، إلا أن هناك اختراقات فكرية للسلفيين. (2) هذه حصيلة يوم واحد من المعلومات والانطباعات التى تلقاها الرأى العام فى مصر. ولك أن تتصور صدى تلك التعبئة اليومية المستمرة هذه الأيام، خصوصا إذا تخللتها رسائل ترويعية من ذلك القبيل الذى نشرته صحيفة «روزاليوسف» على رأس صفحتها الأولى يوم 30 مارس تحت العناوين التالية: حالة هلع بعد التهديدات السلفية.. غزوة إخوانية على مقاهى الأعراب فى الفيوم بحجة تعاطى الخمور والمخدرات انتهت بمقتل شخص وإصابة 8. ارتفاع نسبة الغياب فى المدارس وإغلاق بعض المدارس المسيحية، وبيانات سلفية تتهم فلول النظام بالترويج لشائعات خطف المتبرجات.. طالبات بأسيوط يستسلمن للسلفيات ويرتدين النقاب.. مطلقة مسلمة تضرب والدها المسيحي لإصراره على إعادتها للمسيحية. الكلام عن السلفيين سحب وراءه كل من له صلة بالإسلام، خصوصا الإخوان الذين اتهمهم رئيس تحرير إحدى الصحف (الفجر 4/4) بالمسئولية عن إحراق أقسام الشرطة واقتحام مبانى أمن الدولة والمحاكم والسجل المدني والسجون «التى فيها أنصارهم»، بدعوى أن الذين هاجموا تلك المواقع «كانوا يحرقون ملفاتهم وسجلاتهم ويمحون من الوجود تاريخهم الأسود». أضاف صاحبنا أن لجنة محايدة لتقصي الحقائق (إذا شكلت) ستكشف أن جماعة الإخوان المسلمين ليست بعيدة عما جرى على هوامش الثورة وخلال اشتعالها. ربما من باب الانتقام. ربما تعبير عن غريزة شرسة كانت مكبوتة. ربما لتمهيد طريق الحكم بسهولة. واستطرد بعد ذلك قائلا: إننا وجدنا أهل السلطة يمدون أيديهم إلى الجماعة بحيوية غير مفهومة. ويتركون لها مهمة تعديل الدستور (؟!). ويسارعون بإجراء انتخابات تشريعية يعرفون مقدما أنها تملك الفرصة الأكبر للفوز بها. ليُشَكَّل برلمان ملتحٍ متعصب متشدد ستختار منه لجنة إعداد الدستور الجديد، الذى سيؤسس لنظام سياسى يمنحها فرصة البقاء فى السلطة إلى يوم القيامة. هذه الخلاصة عبر عنها بطريقة أخرى الشاعر فى قصيدة نشرتها جريدة «الأهرام» (عدد 31/ 3) بعنوان «سارق النار» قال فيها: إن الظلام استرد معاقله فى مدينتنا وتوالت علينا الشرور!!
518
| 05 أبريل 2011
هناك الكثير الذي ينبغي أن يحسب للنظام السوري، والكثير الذي يحسب عليه. إذ لا يستطيع أحد أن ينسى له احتضانه للمقاومة الفلسطينية، التي لولاه لكان قادة فصائل المقاومة إما في السجون العربية أو الإسرائيلية، أو مشردين في أصقاع الأرض، يحسب لذلك النظام أيضا أنه لم يفرط ولم يساوم ولم يشترك في صفقات بيع القضية الفلسطينية، يحسب له كذلك دعمه للمقاومة الوطنية اللبنانية، التي لولاها لسقط لبنان في فخ «الاعتدال» وفي قبضة الحلف الأمريكي الإسرائيلي، كما يحسب له دعمه للمقاومة العراقية التي قضَّت مضاجع الاحتلال الأمريكي وأنهكته هناك. لأن الموقف السوري على المستوى القومي بهذه الصورة التي ذكرت، فلا غرابة في أن تصطف قوى كثيرة للضغط على النظام في دمشق ومحاولة تفجيره من الداخل. أعني أن هناك كثيرين لا يتمنون خيرا لذلك النظام الذي تمرد عليهم وأقلقهم وحرص على أن يرفع لواء الممانعة مستثمرا ظروفا عدة، بينها علاقاته المميزة بإيران. الصورة الإيجابية لموقف النظام السوري على ذلك الصعيد أساءت إليها وسحبت من رصيدها العديد من الممارسات الحاصلة على المستوى القطري، الأمر الذي يسوغ لنا أن نقول بأن دولة الصمود والممانعة على الصعيد القومي كانت على الصعيد القطري دولة بوليسية بامتياز. أدري أن تلك ليست مسؤولية الرئيس بشار الأسد وحده. لأنه ورث هذا النظام عن أبيه الذي استمر في السلطة نحو ثلاثين عاما (1971 ــ 2000). أدري أيضا أن الرئيس بشار اتخذ عدة خطوات إيجابية نسبية حين تولى السلطة بعد أبيه. فخفف من قسوة الأجهزة الأمنية، وأرخى قبضة الحزب الذي جمدت عمليا لجانه في مختلف المحافظات. وأدخل عدة إصلاحات على صعيد علاقة سوريا واتصالها بالعالم الخارجي. لكن ذلك كله لم يغير من طبيعة النظام ولا كف أيدي الأجهزة الأمنية الباطشة، التي اختلف أداؤها في الدرجة وليس في النوع. لذلك فإن قامة سوريا على الصعيد القومي كانت أكبر منها على الصعيد القطري. وتقديرنا لنظامها على المستوى الأول تآكل قدر لا يستهان به منه بسبب الحاصل على المستوى الثاني. لأن الأمر كذلك، فإننا نستطيع أن نتفهم غضب الجماهير السورية كما نتعاطف مع مطالبها التي عبرت عنها التظاهرات التي خرجت في العديد من أنحاء البلاد، وشوقها إلى الحرية التي حرمت منها طوال أربعين عاما. وهو الشوق الذي تجلى في ممارسات ومواقف بعض عناصر النخبة التي لم تكف طوال السنوات الأخيرة عن دق الأجراس والدعوة إلى الانفراج السياسي والإصلاح. أدري أن ثمة فرقا بين الواقع الذي كان في تونس ومصر من ناحية وبين سوريا من ناحية ثانية، خصوصا في تضاريس الخريطة السكانية التي تتميز في سوريا مثلا بوجود مميز للعلويين والأكراد، كذلك هناك فرق لصالح سوريا فيما خص القضايا القومية، إلا أن ثمة قاسما مشتركا بين الدول الثلاث لا يمكن إغفاله، يتمثل في الجمود السياسي واحتكار السلطة وتراجع هامش الحريات مع تزايد هيمنة الأجهزة الأمنية. كما أن هناك قاسما مشتركا آخر بين تلك الدول يتمثل في بطء إجراء الإصلاح السياسي، الأمر الذي أشاع جوا من عدم الثقة في وعود الإصلاح التي تطلق. إن المتظاهرين الذين خرجوا في العديد من المحافظات السورية في أغلبيتهم الساحقة لم يكونوا دعاة فتنة ولا عملاء لجهات أجنبية ولا مخربين يهددون الاستقرار، ولكنهم مواطنون شرفاء فاض بهم الكيل، وباتوا في شوق لاستنشاق نسائم الحرية التي هبت على مختلف أنحاء العالم العربي. وإذا لم يستجب الرئيس بشار الأسد لمطالبهم بسرعة فإنني أخشى على رصيده من النفاد في العام الحادي عشر لحكمه، وأتمنى ألا يصدق ادعاء البعض بأن ما تبقى له من رصيد نفد فعلا بعد سقوط عشرات القتلى برصاص قناصة الأجهزة الأمنية في درعا واللاذقية. عزيز علينا الموقف القومي للنظام السوري، لكن أرجو ألا يكون ذلك على حساب كرامة الشعب السوري. ولا ينبغي أن نخير بين الاثنين ليس فقط لأن الشعب هو الثابت والنظام ومواقفه بطبيعتها متغيرة، ولكن أيضا لأن الانحياز إلى الشهامة لا يعني بالضرورة التفريط في الكرامة.
498
| 04 أبريل 2011
فهمناهم وحفظناهم لكنهم لا يريدون أن يفهمونا، إذ صار بوسع الواحد منا أن يتنبأ بكل الخطوات التي ستتخذها الأنظمة العربية لمواجهة تسونامي الغضب الذي يجتاح المنطقة من المحيط إلى الخليج، لكن سلاطين زماننا يصرون على ألا يستقبلوا رسائلنا، وإذا استقبلوها فإنهم يرفضون فضها وقراءة محتواها، والذين يقرأونها منهم إما أنهم لا يصدقون أعينهم أو أنهم يعجزون عن استيعاب مضمونها. ما يلفت النظر، والمدهش حقا، أن ردود أفعالهم واحدة في كل الأقطار. كأنهم يستلهمون قراءاتهم ومواقفهم من كتاب واحد وزع على الجميع، بحيث إن «السيناريو» الذي وقع في تونس نجده قد تكرر في مصر واليمن، وهو ذاته الذي تابعناه في البحرين والأردن، وفي سوريا أخيرا. ولن أستغرب إذا وقعنا على المشاهد ذاتها حينما ينتفض أهل بقية الأقطار في العالم العربي، الأمر الذي يعني أنهم لا يكتفون بتجاهل رسائلنا فحسب، ولكنهم أيضا لا يتعلمون من خبرات بعضهم البعض، فيكررون نفس الأخطاء ولا يجددون في استجاباتهم. إذ ما من بلد علا فيه صوت الناس بالتعبير عن الاحتجاج والغضب إلا وسمعنا ثلاثة ادعاءات: أولها إن البلد مستهدف من القوى الشيطانية الخفية. ثانيها إن ثمة عناصر مندسة ـ أصوليون بالدرجة الأولى ـ تحاول تشويه طهارة المحتجين عبر إذكاء الفتنة وإشاعة التخريب في البلاد. وثالثها إن في الموضوع مؤامرة تحركها الأصابع الأجنبية. وبعد إطلاق تلك القنابل الدخانية، تخرج علينا التصريحات والأبواق الرسمية محذرة من الخروج على الشرعية (التي اصطنعها النظام وصممها بحيث تخدم أغراضه). وفي الوقت ذاته يدعي الجميع إلى وقف التظاهرات والانتقال من الشارع إلى ساحات الحوار، الذي تديره السلطة على أرضها وفي الساحة التي تحددها. ويتعزز ذلك الطلب بحجة الحيلولة دون تمكين «المندسين» من اختراق الصفوف وتهديد الاستقرار. بالتوازي مع ذلك تطلق السلطة إشارات أخرى تتحدث عن اعتزامها اتخاذ مجموعة من الخطوات باتجاه الإصلاح، واعدة بتحقيق الانفراج السياسي، الذي يشمل إجراء الانتخابات البرلمانية وإلغاء قوانين الطوارئ وإطلاق سراح المسجونين والمعتقلين السياسيين. وذلك جنبا إلى جنب مع التلويح بإمكانية تحسين الأحوال المعيشية وزيادة الرواتب في مسعى غير مباشر لرشوة الناس وإغوائهم. لأن الجماهير فقدت الثقة في أنظمتها، وقد علمتها خبراتها أنها غير جادة في الإصلاح، وأن ما تريده حقا هو الالتفاف على الإصلاح من ناحية، وكسب الوقت لإضعاف وجه الغضب من ناحية ثانية. فإنها لا ترى بديلا عن استمرار التظاهر وممارسة الضغط من خلال الكتل البشرية التي تخرج إلى الشوارع والميادين. وحينذاك يصبح الرد كالتالي: الخطوة الأولى تتمثل في التعتيم على ما يجري، من خلال منع الصحفيين من الوصول إلى أماكن التظاهر، وقطع الاتصالات الهاتفية وتعطيل شبكة الإنترنت في البلد، مع التشويش على قناة الجزيرة ـ في الخطوة الثانية تلجأ السلطات إلى اعتقال قادة المظاهرات. وتأتي بعد ذلك الخطوة التي تعتبرها أجهزة إدارة الأزمة حاسمة للموقف، وتعتمد في ذلك على تحرك ثلاث فئات هي: شرطة مكافحة الشغب والبلطجية (في اليمن يسمونهم بلاطجة والكلمة تركية الأصل، حيث البلطجي وصف كان يطلق على حامل «البلطة» (القريبة من الفأس) وهو من كان يتقدم صفوف الجند لإزالة الأشجار التي تحول دون تقدمهم). أما الفئة الثالثة فهم القناصة الذين يعتلون البنايات لإطلاق النار على المتظاهرين. إن شئت فقل إن الانتفاضات التي حدثت في العالم العربي جميعها بدأت بغضب جماهيري رافض لمهانة الظلم الاجتماعي والسياسي. وقد واجهته الأنظمة بنيران القناصة وأسلحة البلطجية وهراوات قوات مكافحة الشغب المكهربة. الناس أرادوا إصلاحا وكرامة والأنظمة ردت بقمعهم وسحقهم، الأمر الذي ترتب عليه إسالة دماء غزيرة وسقوط مئات الشهداء. وبتلك الدماء كتبت شهادة وفاة أنظمة عدة، بعضها سقط والبعض الآخر في الطريق إلى ذلك. إنهم لا يريدون أن يفهموا أن صبر الشعوب على المهانة له حدود، ولا يريدون أن يعترفوا بأن الناس يريدون أن يعيشوا كمواطنين لهم الحق في الكرامة والكبرياء، في حين يصرون على التعامل معهم بحسبانهم مجرد رعايا لا يمارسون سوى «واجب» الامتثال والخضوع. ليس ذلك فحسب ولكنهم لا يريدون أيضا أن يتعلموا مما يجري حولهم الأمر الذي يوقعهم في أخطاء غيرهم. لذلك فليس بمقدورنا أن نعذرهم أو نتعاطف معهم، وعليهم أن يدفعوا ثمن اختيارهم.
583
| 03 أبريل 2011
صدق أو لا تصدق. قدم رئيس ديوان المحاسبة استقالته من منصبه حين أدرك أن القصر يضغط عليه للتلاعب في تقرير أعده للبرلمان، وانتقد فيه صرف خمسة آلاف جنيه لأحد رجال الحاشية بغير مستندات. أرجوك لا تتسرع في التفاؤل أو إحسان الظن واقرأ الحكاية أولا. فالرجل الذي فعلها هو محمود «بك» محمد محمود، والقصة كلها وقعت في سنة 1950، وقد سجلها صاحبنا بخط يده في وثيقة من أربع صفحات تحتفظ بها مكتبة الإسكندرية، وخلاصتها كالتالي: أبلغ محمود بك بأن الملك مستاء من «تلسين» رئيس ديوان المحاسبة عليه في عدة أمور، كان من بينها علاقة القصر ببعض الأنشطة والمشروعات مثل الضريبة على الإيراد العام ويخت المحروسة (الخاص بالملك) وشركة طيران سعيدة. نفى رئيس الديوان الادعاء. وقال لفؤاد سراج الدين باشا وزير الداخلية، الذي نقل إليه الرسالة إنه لا يجد سببا لاستياء القصر سوى أمر آخر مختلف تماما، هو أن تقرير الديوان الذي كان تحت الطبع انتقد صرف مبلغ خمسة آلاف جنيه لكريم ثابت باشا ـ المستشار الصحفي للملك. من ميزانية مستشفى المواساة. ذلك أن ممثلي ديوان المحاسبة استكثروا صرف المبلغ الكبير (آنذاك) للدعاية، خصوصا أنه لا توجد مستندات خاصة بمفردات المبلغ أو الأوجه التي أنفق فيها. وهو ما اعتبره الديوان مخالفة ما كان له أن يسكت عليها. أضاف محمود بك أنه لا يشك في أن كريم ثابت هو الذي أوغر صدر الملك عليه فافترى ما افتراه. حينئذ ألح عليه فؤاد باشا أن يزور رئيس ديوان الملك، حسن باشا يوسف. وفي ذلك اللقاء طلب منه حسن باشا صورة مما تضمنه تقرير الديوان بخصوص واقعة صرف الخمسة آلاف جنيه، ثم أضاف قائلا: إذا قدمت إليك المستندات الخاصة بصرف المبلغ، هل يوضح ذلك الأمر ويصبح الموضوع منتهيا؟ عندئذ رد محمود بك قائلا: إنه أبدى رأيه بخصوص الموضوع في التقرير المقدم إلى البرلمان، ومن ثم فتبرير ما جرى ينبغي أن يكون أمام البرلمان. في اليوم التالي أبلغه حسن باشا يوسف بأن الملك تفهم الأمر وأدرك أن موقفه سليم، فشكره محمود بك على ذلك وقال إنه قرر الاستقالة من منصبه. لكن حسن باشا ألح عليه أن يبقى، وفعل ذلك أيضا فؤاد باشا سراج الدين، ومصطفى النحاس باشا الذي قال له إن هناك أمورا تحتاج إلى بعض السرية، وأنه لا غضاضة في حذف ما ورد بشأن مستشفى المواساة من التقرير. لكنه ـ محمود بك ـ تمسك بقرار الاستقالة، وقال للنحاس صراحة إنه لا يستطيع أن يستمر في منصبه لأنه لم يعد مطمئنا إلى أنه لن يطلب منه تغيير أو حذف أي شيء يسجله في التقرير. أوراق محمود بك تحدثت عما هو أبعد من ذلك. إذ ذكر أنه في لقائه مع رئيس ديوان الملك تحدث عن تجاوزات مالية في وزارة الحربية بخصوص تجهيزات حملة فلسطين، مضيفا أن بعض كبار موظفي وزارة الحربية يحاولون تنحيته عن منصبه بسبب هذا الموضوع. وفهمنا من تلك الأوراق أن تجاوزات أولئك الكبار في وزارة الحربية كانت من بين المخالفات التي تضمنها تقرير ديوان المحاسبة. لم تمر استقالة محمود بك، لأن مصطفى بك مرعي عضو مجلس الشيوخ قدم استجوابا للحكومة في 8/5/1950 حول أسباب استقالة رئيس ديوان المحاسبة. وهاجم الحكومة بشدة بعدما ذكر أن التجاوزات المالية التي أثبتها تقرير الديوان وراء تلك الاستقالة. وبعيد ذلك غادر مصر إلى أوروبا بدعوى الاستشفاء. المهم أن إثارة الموضوع أحدثت ضجة كبيرة في الأوساط السياسية لأنها استدعت ملف الأسلحة الفاسدة، وكانت تلك الأجواء هي التي وفرت مناخا مواتيا لتحرك الضباط وقيامهم بثورة 23 يوليو. لقد رويت القصة بمناسبة ما أثير عن التعديلات التي ظل رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات يدخلها على تقارير الجهاز لنحو 12 عاما لاستجلاب رضا الرئيس السابق والاحتفاظ بمنصبه، مما أسهم في استفحال الفساد الذي صرنا نصدم بما ينشر عنه هذه الأيام، لست آسيا على الزمن الذي مضى، لكنني أتحسر على اختلاف معادن الرجال.
510
| 02 أبريل 2011
لا يقنعنا كلام أي مسؤول طال بقاؤه في منصبه حين يقول إنه نبَّه إلى الفساد في مصر في حينه، لكن أحدا لم ينصت له. ذلك أنه ليس لدينا ما يدل على أنه نبه فعلا ــ ولكن الثابت أنه ظل جزءا من «العصابة» الحاكمة. واستمراره في منصبه لعدد من السنوات رغم علمه بالفساد قرينة على أحد أمرين، إما أنه كان راضيا به وسكت عليه استجلابا لرضا السلطان، وهو ما لا يشرفه بأي حال، أو أنه كان شريكا فيه ومستفيدا منه، وهو ما يثبت بحقه الإدانة. أفهم أن يقول المسؤول إنه لم يكن يعلم أو إنه شم رائحة الفساد لكنه ظل بعيدا عن دائرته، الأمر الذي يخرجه من دائرة الاتهام. أما تلك الادعاءات التي نسمعها هذه الأيام فلا يمكن أن تفسر إلا بحسبانها استعباطا واستهبالا واستغباء لنا. الحوار الذي أجرته صحيفة «المصري اليوم» مع الدكتور فتحي سرور في الأسبوع الماضي ليس النموذج الوحيد لهذه الحالة، ذلك أنني أزعم أن حالة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، المستشار جودت الملط أفدح وأسوأ. ذلك أن الجهاز الذي يديره له وظيفة أساسية هي أن يظل مفتوح الأعين على كل صور الفساد الموجودة في البلد. وحين نرى الفساد بالحجم المهول الذي تكشف هذه الأيام، فإن المرء لا يستطيع أن يتصور أنه كان في مصر طوال هذه المدة جهاز يحاسب أو يراقب. ما دفعني إلى هذا الكلام وفتح ملف الجهاز أنني قرأت في الأسابيع الماضية تصريحات للمستشار الملط تحدث فيها عن أنه كان يبعث بتقارير وملاحظات الجهاز إلى الجهات المسؤولة، لكن أحدا لم يأخذ بها. وأمس قرأت على الصفحة الأولى من صحيفة «الدستور» أن الجهاز حذر قبل 12 عاما من فساد عقد بيع مائة ألف فدان في توشكى لشركة «المملكة» التي يمثلها الأمير الوليد بن طلال، وأرسل بيانات بمخالفات العقد وتجاوزاته إلى رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء ولكن أحدا لم يحقق في الأمر. في الوقت ذاته، ثمة مذكرة قدمها ممثلون عن العاملين بالجهاز إلى رئاسة المجلس العسكري تحدثت عن تعليمات أصدرها المستشار الملط بمنع فحص عقود تصرف هيئة المجتمعات العمرانية في الأراضي الجديدة، التي وزعت ملايين الأمتار المربعة منها على أكابر النظام السابق. وكذلك عدم فحص حسابات الصناديق الخاصة لبعض الوزارات وعلى رأسها وزارة الداخلية التي كانت تحصل على نحو ملياري جنيه سنويا. كما شملت التعليمات عدم تناول مخالفات كبار الشخصيات أو حسابات بعض الجهات التي توصف بأنها «سيادية». في المذكرة وقائع مثيرة أخرى تحتاج إلى تحقيق، بعضها يتعلق بتقاضي بعض الوزراء أموالا بغير وجه حق والبعض الآخر يتعلق بوقائع احتكار أحمد عز للحديد أو يتعلق بإجراءات الخصخصة التي ضيعت على الدولة مليارات الجنيهات. معلوماتي أن التقارير التي كان يرسلها الجهاز إلى الجهات المعنية كانت «تصفى» حتى لا تتجاوز الخطوط الحمراء، أو تمس الأكابر. ومنها ما كان يحجب (كما كان يفعل الدكتور سرور في استجوابات مجلس الشعب) ــ وبسبب المجاملات التي روعي فيها خاطر أركان النظام السابق ورئاسته، تم نقل تبعية الجهاز من مجلس الشعب إلى رئاسة الجمهورية. ولهذا السبب ذاته كوفئ المستشار الملط بالتمديد له نحو 12 سنة. من ثَمَّ فلم يكن غريبا أن يقول صاحبنا في التقرير الذي قدمه إلى مجلس الشعب عن السنة المالية 2008 ما نصه: إن السيد رئيس الجمهورية يتابع مع الوزراء والمحافظين وجميع المسؤولين بالدولة ما يتعلق بحياة الناس وتوفير الحياة الكريمة لأبناء مصر، والتركيز على مشكلات المواطنين. فالشغل الشاغل للرئيس هو حياة المواطن البسيط، والرئيس يصرح ويوجه ويتابع مع المسؤولين بالدولة كل ما يتعلق بحياة البسطاء والفقراء ومحدودي الدخل وما يستحقونه من حياة كريمة... إلخ. كان يمكن السكوت على ذلك الكلام لو أن الرجل التزم الصمت ولم يقل إنه قام بما عليه في مواجهة فساد النظام السابق، لكن أما وقد تكلم فربما كان مناسبا أن نذكره بما تناساه أو نسيه. إن من حقنا أن نسأله هو وأمثاله: إذا كنتم قد نبهتم حقا إلى الفساد وقوبلت رسائلكم بالتجاهل، فلماذا لم يغضب أحد منكم مرة لكرامته أو كرامة البلد الذي كان ينهب تحت أعينكم؟
565
| 31 مارس 2011
الرسالة ليست موجهة إلى مرشد الإخوان وحده، ولكنها مبعوثة إلى الكافة، خلاصتها أن صفحة جهاز أمن الدولة لم تطو بعد، وأن يد فلول الجهاز عصية على القطع، كما أنها مازالت طويلة وقادرة على الوصول إلى البيوت وغرف النوم والأوراق الخاصة. القصة نشرتها الصحف التي صدرت أمس، وخلاصتها أن مرشد الإخوان الدكتور محمد بديع عاد من القاهرة إلى بيته في بني سويف، فاكتشف أن مجهولين اقتحموه في غيابه. وقاموا بسرقة ما لديه من أوراق ومستندات وأقراص مدمجة وفلاشة، كما أنهم عبثوا بمحتويات المنزل، إمعانا في إيصال الرسالة. ومن التفاصيل يلاحظ المرء ما يلي: < أن المنزل تم اقتحامه دون عنف. فلم يكسر باب أو نافذة، الأمر الذي يعني أن الذين دخلوا إليه استخدموا تقنية عالية. لا تتوافر لدى اللصوص العاديين، ويرجح أنها من التقنيات المعقدة التي تستخدمها الأجهزة الأمنية. < أن الذين دخلوا إلى المنزل المكون من طابقين يعرفون خريطته جيدا، بما يعني أنهم ممن دخلوا إليه من قبل، ولأنه تعرض للتفتيش أكثر من مرة، فقد كان من اليسير توجيه الاتهام إلى عناصر أمن الدولة في المسؤولية عن الاقتحام. إذ هي من راقب غيابه عن البيت ثم دخلت إليه وهي مطمئنة. ووصلت إلى أوراقه بسهولة، وأرادت من خلال العبث بمحتوياته أن تترك توقيعها على ما جرى. < الأمر الثالث المهم للغاية أن الذين اقتحموا البيت أرادوا توصيل الرسالة من خلال سرقة «نظيفة»، فلم تمتد أيديهم إلى شيء من محتوياته، التي كان بوسعهم أن يحملوا معهم بعضا منها. إن شئت فقل إنهم أرادوها «زيارة عمل» مما اعتادوا القيام به في الماضي، حتى لا تكون هناك أي شبهة التباس تعطي انطباعا بأنها كانت جريمة سرقة. هو إذن سطو سياسي، الدلالة فيه أهم وأخطر من الواقعة. وإذ أشرت إلى مضمون الرسالة في الواقع التي أرادت إبلاغنا بأن الدنيا لم تتغير كما قد نظن، وأن «الفلول» مازالت مفتوحة الأعين وقادرة على العمل، وإذا كانت المسميات قد اختلفت فإن الوظيفة لم تختلف. (ملحوظة: الفلول في المعاجم العربية هم المهزومون والمنكسرون، ومفردها فل، وكانت العرب تقول فل السيف بمعنى انكسر طرفه، والمفلول هو المنكسر). هذا الذي نقوله يظل من قبيل الترجيحات التي تشي بها القرائن المتوافرة. ورغم أن مرشد الإخوان اتهم عددا من ضباط أمن الدولة في محافظة بني سويف، ونشرت الصحف أسماءهم، فإننا ونحن نرجح نسبة الواقعة إلى عناصر الجهاز السابق أو فلوله، فإن ما جرى يستدعي عديدا من الأسئلة الحائرة التي تبحث عن إجابة، منها على سبيل المثال: هل هؤلاء تصرفوا بدوافع نابعة منهم أم أنهم نفذوا توجيها ممن هم أعلى منهم؟ وهل لهم امتدادات أخرى في بقية المحافظات؟ وهل لهؤلاء علاقة بحوادث إحراق وثائق جهاز أمن الدولة وفتح السجون وإطلاق النار على متظاهري ثورة 25 يناير؟ وهل هم فلول الجهاز سيئ السمعة فقط أم أنهم تحركوا بتنسيق مع فلول الحزب الوطني سيئ الذكر؟ قبل أيام تحدث السيد محمد فائق رئيس لجنة تقصي حقائق مقتلة ميدان التحرير التي شكلها المجلس القومي لحقوق الإنسان عن أن الحزب الوطني كان له تنظيم سري شبه عسكري، عماده مجموعات البلطجية الذين كانوا يستخدمون لترويع المعارضين والمتظاهرين. وهو الموضوع الذي لم ينل حظه من الاهتمام والتحقيق، فيما خص وجوده وأعضاءه وأنشطته خلال الثورة وبعدها. هذه الخلفية تذكرني بحادثة الاعتداء بالضرب التي تعرض لها زميلنا الدكتور عبدالحليم قنديل قبل عدة سنوات «حدث ذلك أيضا مع زميلنا مصطفى شردي رحمه الله ومجدي حسين». ذلك أنني وقتذاك سألت ضابطا كبيرا في جهاز أمن الدولة عن الموضوع، فقال لي إن الجهاز لا علاقة له بالواقعة. وتصادف أنني أتيت على ذكر الموضوع في لقاء آخر مع أحد المطلعين على ما يجري وراء الكواليس، فأيد كلام ضابط أمن الدولة ثم أضاف أن الذين قاموا بالمهمة مجموعة تابعة لزكريا عزمي رئيس ديوان الرئيس السابق. ليس عندي ما يؤيد هذا الكلام أو ينفيه، كما أنني لا أعرف ما إذا كانت المجموعة سابقة الذكر لها علاقة بالذين بعثوا إلينا رسالة التحذير والتخويف من بيت مرشد الإخوان في بني سويف. لكن الذي أعرفه أن الأمر لا ينبغي أن يظل معلقا في الفضاء بأسئلته الحائرة والقلقة. أدري أن الثورة تواجه تحديات جساما منذ قامت، لكنني أزعم أن هذا الملف ينبغي أن يضم إلى قائمة تلك التحديات.
621
| 30 مارس 2011
ليس أمامنا خيار. فنحن لا نملك ترف استمرار الانقسام الذي ضرب الإجماع الوطني في مقتل. وإذا لم تستثمر اللحظة التاريخية بمبادرة نستعيد بها روح ثورة 25 يناير، فإننا سنجهض بأيدينا الإنجاز الكبير الذي أعاد مصر إلى التاريخ. (1) ليست المشكلة أننا اختلفنا حول التعديلات الدستورية، فذلك أمر طبيعي ومفهوم. ولكن المشكلة أننا فشلنا في إدارة ذلك الاختلاف من ناحية، وأنه من ناحية ثانية تحول إلى خصومة أفضت إلى استقطاب شق الصف الوطني حتى كاد يجعل البلد الواحد بلدين، كل منهما غريب عن الآخر ومتنمر له. وهو المشهد الذي لو تآمر أبالسة الأرض لإخراجه لما أتقنوه بالصورة التي حدثت. لقد دخلنا مصريين إلى ميدان التحرير بالقاهرة، وفعلها الملايين الذين خرجوا في أنحاء البلاد، حين جلجل صوتهم فى السماوات السبع وهم يطالبون بإسقاط النظام. كان الصوت واحدا والأيدي متشابكة والكتل البشرية متلاحمة، ولكن ذلك كله انفرط بعد نجاح الثورة. إن شئت فقل إننا التقينا على مطلب رفض النظام القديم، لكننا تفرقنا عندما بدأنا خطوات تأسيس النظام الجديد. بما يعني أن الخطر وحدنا والبهجة فرقتنا. كنا في ميدان التحرير وفي بقية الساحات أمة واحدة. لكننا صرنا بعد الاختيار الأولى أمما شتى. كنا في الميدان مشغولين بالوطن ومهجوسين بحلم استعادته والنهوض به. لكننا صرنا بعد الاستفتاء مشغولين بالقبيلة والطائفة ومهجوسين بتصفية الحسابات والمرارات. الوطنيون الذين كانوا تغيروا، أصبحوا ثوارا ومنتحلين، وعلمانيين وإسلاميين، وأقباطا ومسلمين، و«إخوانا» وسلفيين، ومعتدلين بين كل هؤلاء ومتطرفين.. إلخ. تركنا الحلم ونسينا الوطن. اشتبكنا وتراشقنا فيما بيننا وصار كل منا يهون من شأن الآخر، فيلطخ وجهه ويمزق ثيابه، ويتمنى لو انشقت الأرض وابتلعته. (2) الذي يتابع تعليقات الصحف المصرية منذ بداية الأسبوع الحالي، يلاحظ أنها جميعا اشتركت في مناقشة حادث أبرزته صحيفة الأهرام (يوم الجمعة 25/3) وجعلت منه «مانشيت» الصفحة الأولى، وكانت عناوينه كما يلي: جريمة نكراء بصعيد مصر ــ متطرفون يقيمون الحد على أحد المواطنين بقطع إذنه، والعلماء يبرئون الشريعة. وفي الخبر أن نيابة قنا بدأت التحقيق في «حادث مروع يهتز له الضمير الإنساني» شهدته منذ أيام مدينة قنا بصعيد مصر. إذ اقتاد مجموعة من المتطرفين أحد المواطنين الأقباط لإقامة الحد عليه بقطع أذنيه وإحراق شقته وسيارته، عقابا له على اتهامهم له بإقامة علاقة آثمة مع فتاة سيئة السمعة، تقيم بشقة استأجرتها منه. يوم الأحد 27/3 كان العنوان الرئيسي للصفحة الأولى من جريدة روزاليوسف كالتاليي: دعوة إخوانية لإقامة الخلافة الإسلامية في مصر. وتحت العنوان أن نائبا سابقا من كتلة الإخوان عن مدينة الإسماعيلية حضر حفل زفاف ابنة قيادي إخواني آخر، وألقى كلمة في المناسبة ذكر فيها أن إقامة الخلافة في مصر بداية لأستاذية العالم، بعد تأسيس البيت والمجتمع المسلم على طاعة الله ثم تشكيل الحكومة المسلمة. في اليوم ذاته ــ الأحد 27/3 ــ صدرت صحيفة العربي الناطقة باسم الحزب الناصري صفحتها الأولى بعنوان كتب بحروف كبيرة على أرضية سوداء يقول: مخاوف من صعود جماعات التكفير، وسؤال المصير يطرح نفسه بقوة: دولة مدنية أم دولة دينية؟ وعلى إحدى الصفحات الداخلية مقال آخر تحت عنوان يتحدث عن أن «غزوة الصناديق أصابت قطار الثورة بالشلل». قصة غزوة الصناديق باتت معروفة بعد أن مر عليها نحو أسبوعين، وخلاصتها أن أحد الدعاة السلفيين أبدى سروره بالتصويت لصالح التعديلات الدستورية بنسبة 77? واعتبر ذلك انتصارا للدين عبر عنه بطريقته وكأنه بذلك كان يرد على الذين قالوا إن معارضي التعديلات يسعون إلى إلغاء المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن دين الدولة هو الإسلام ومبادئ الشريعة مرجعية القانون. (في اليوم التالى اعتذر الرجل عما صدر عنه وقال إنه كان يمزح). ملاحظاتي على هذه الوقائع التي تتابعت خلال الأيام الأخيرة هي: أنها صدرت عن أفراد. معتوه في قنا، وحالم في الإسماعيلية، وسلفي في الجيزة. وأن عنصر الإثارة فيها شديد الوضوح. فالحادث البشع الذي وقع في قنا اعتبر إقامة للحد، علما بأنه ليس في شريعة الإسلام حد من ذلك القبيل. ولأن الذي قام به شخص أو عدة أشخاص ملتحين فإن التصرف أخذ على الفور بعدا دينيا، ولم يحمل باعتباره من قبيل المشاحنات الخشنة التي يحفل بها صعيد مصر حين يتعلق الأمر بالشرف. وحين لا يكون هناك مثل ذلك الحد، وحين يحتمل أن يكون الدافع إليه غيرة على الشرف بأكثر منه احتكاما إلى الدين فليس مفهوما أن تتهور صحيفة رصينة كالأهرام وتجعل منه عنوانا رئيسيا للصفحة الأولى، في حين أن مكانه الطبيعى خبر في صفحة الحوادث، ليس إقلالا من بشاعة الجريمة ولكن لإعطائه حجمه الطبيعى، ولكي لا يتحول إلى مادة للتهييج والإثارة خصوصا أن المجني عليه قبطي. هذه الممارسات الفردية حسبت بحسن نية أو بسوئها على التيار الإسلامي في مجمله، دون تمييز بين فصائله المعتدل منها والمتطرف والسلفي والوسطي. حتى صاحبنا الذي تحدث عن الخلافة لم ينشر كلامه منسوبا إلى شخصه، ولكن عنوان الجريدة تحدث عن أنها دعوة إخوانية لإقامة الخلافة في مصر، هكذا مرة واحدة ــ وكانت النتيجة أن التعليقات التي تناولت هذه المواقف وضعت الجميع في سلة واحدة، الصالح مع الطالح والمعتوه مع العقلاء. لم يقف الأمر عند حد المبالغة فى نشر وتعميم المعلومات السابقة، ولكن الصحف حولت هذه الآراء والمواقف إلى قضايا للمناقشة، استفتت فيها نفرا من المثقفين والشخصيات العامة، وأكثرهم كان جاهزا للصراخ والصياح بالصوت العالي، محذرين من المصيبة التي حدثت والكارثة التي تلوح في الأفق والمصير الأسود الذي يهدد الوطن. موضوع الدولة المدنية والاختيار بينها وبين الدولة الدينية يطرح في هذا السياق، وكأننا فرغنا من كل ما بين أيدينا من مراحل سابقة ومشاكل عاجلة، ثم تعين علينا أن نقرر من الآن ما إذا كنا نريد دولة دينية أم مدنية، دون أن نتعرف على هوية وحقيقة هذه وتلك. ودون أن نعرف من يكون الوكيل الحصري لأى منهما، وهل ما يصدر عنه آخر كلام فى الموضوع أم أنه يحتمل المراجعة والتصويب؟ الغريب في الأمر أننا بالكاد نحاول وضع أقدامنا على بداية طريق الدولة الديمقراطية التي يتساوى فيها البشر في الحقوق والواجبات. ويحتكم الجميع إلى صندوق الانتخاب، لتكون السلطة فيها للأكثر فوزا برضا الناس. لكن البعض يلح من الآن على وضع شروط ومواصفات للدولة التي لم تولد. استباقا وسعيا إلى حسم ما هو نهائي قبل إنجاز ما هو مرحلي. (3) المشهد بهذه الصورة يعيد إنتاج أجواء النظام السابق. حين كان يعبئ الرأي العام ويشيع الخوف والترويع في مختلف الأوساط قبل أي مواجهة سياسية أو معركة انتخابية. ولأن جهاز أمن الدولة اعتبر التيار الإسلامي والإخوان بوجه أخص هو العدو الاستراتيجي، فإن التعبئة الإعلامية المضادة كانت تعمد إلى استثارة العلمانيين وتخويف الأقباط وترويع عامة الناس من خطر التصويت أو إحسان الظن بذلك التيار على جملته. في هذا الصدد لا مفر من الاعتراف بأن عدم وجود مجتمع مدني حقيقي في مصر، نابع من الناس ومعبر عنهم، أحدث فراغا في المجال العام تولى الإعلام ملأه عبر الصحف والتليفزيون ومواقع الإنترنت. ولابد أن يثير انتباهنا ودهشتنا في ذات الوقت أنه في الوقت الذي كانت فيه كل تلك المنابر مسخرة لحث الناس على التصويت ضد التعديلات الدستورية، إلا أنها فشلت في توجيهها صوب الهدف الذي أرادته. ولا تفسير لذلك سوى أن المناخ الذي أحاط بعملية الاستفتاء أفرز نوعا من الاستقطاب بين أنصار تأييد التعديلات ودعاة رفضها. وهذا الاستقطاب أسهمت فيه التعبئة الإعلامية بقسط معتبر، كما كان لدور المؤسسات الدينية نصيبها الأدنى منه. ساعد على تنامي تلك الأدوار أن التعديلات لم تقدم إلى الناس فلم يتعرفوا على موضوعها. ولكنهم حددوا مواقفهم على أساس الشائعات التي ترددت حولها. إذ قال لي بعض الأصدقاء في الصعيد إن الناس حين علموا أن الكنيسة الأرثوذكسية دعت رعاياها إلى رفض التعديلات، فإن أعدادا غير قليلة سارعت إلى تبني الموقف المعاكس وصوتت بنعم. وحين تردد في بعض الدوائر أن الرافضين يبغون إلغاء المادة الثانية من الدستور، فإن أعدادا كبيرة أيدت التعديلات ليس قبولا بمضمونها ولكن دفاعا عن المادة الثانية. كما أن أعدادا لا يستهان بها أيضا صوتت لصالح التعديلات ليس انحيازا إلى أي من المعسكرين المشتبكين ولكن أملا في أن يؤدي ذلك إلى إعادة الاستقرار إلى المجتمع الذي عانى من الانفلات والفوضى. (4) حين تعاركنا فإننا لم ننس الثورة وأهدافها فحسب، ولكننا استهلكنا طاقة المجتمع في التراشق وصرفناه عن الانتباه إلى التحديات الجسام التي تواجهه في سعيه لبناء النظام الجديد الذي ننشده. آية ذلك مثلا أننا في حين ندعى إلى الجدل حول الدولة المدنية أو الدولة الدينية فإننا نصرف انتباه الناس عن أحد أهم متطلبات اللحظة الراهنة، التي تتمثل في إنقاذ البلد من الشلل الاقتصادي الذي يعاني منه، وإطلاق طاقات المجتمع لتدوير آلة الإنتاج بأقصى سرعة لتجنب كارثة اقتصادية تلوح في الأفق. إن إعلامنا الذي يعبئ الناس للاحتراب الداخلي، لم يكترث بتوقف عجلة الإنتاج، ولم ينتبه إلى أن أسعار السلع الغذائية التي نعتمد على استيرادها بنسبة تزيد على 50? زادت في السوق العالمية بمعدلات مخيفة (الذرة 77? القمح 75? السكر 98? فول الصويا 41? الزيوت 47?) ــ في الوقت ذاته تراجعت بدرجات مختلفة إيرادات قناة السويس وتحويلات المصريين في الخارج وإيرادات السياحة وأنشطة المستثمرين الذين لم نكف عن تخويفهم أثناء أحداث الثورة وبعد نجاحها. وإذا تذكرنا أننا نتحدث عن بلد منهوب وخزانة خاوية. فإن مواجهة هذا الوضع بما يبعد شبح الكارثة لها حل واحد: أن نندفع إلى زيادة الإنتاج بكل ما نملك من قوة، كي نستعيد بعضا من العافية الاقتصادية التي تمكننا من الصمود واحتمال الضغوط الاقتصادية التي نتوقعها. إن العقلاء الذين استعلوا فوق المرارات ولم يجرفهم تيار الانفعال والرغبة في الكيد مطالبون بأن يجلسوا سويا للبحث فى كيفية رد الاعتبار لروح 25 يناير وحول أولويات مسؤوليات المرحلة الدقيقة الراهنة، وإذا لم يفعلوا ذلك فإنهم يخلون الساحة للمجانين والحمقى والمغرضين، الذين لا يقلون خطرا علينا من الثورة المضادة.
385
| 29 مارس 2011
اكتشفنا أخيرا أن بعض جنود فرعون كانوا ثوارا ونحن لا نعلم، صحيح أنهم تعلقوا بأهدابه وتقلبوا في بلاطه، وتغنوا بإنجازاته واستجابوا لنزواته ومكنوا لاستبداده، وباركوا شطحاته وحماقاته، لكنهم ظلوا يكظمون غيظهم ويكتمون استياءهم، وما أن سقط فرعون عن عرشه حتى أفشوا ما أخفوه إبان عشرين عاما، وخرجوا على الملأ قائلين إنهم عاشوا طوال تلك المدة يحدثون أنفسهم بالتمرد وينكرون المنكر بقلوبهم. ليست هذه تخيلات أو افتراضات، ولكنها معلومات قرأناها في الأسبوع الماضي على لسان الدكتور أحمد فتحي سرور رئيس برلمان مبارك طوال 21 عاما متصلة، في حوار ختمه بقوله إن ثورة 25 يناير كان يجب أن تقوم «لإحداث التغيير المطلوب نحو الأفضل ولحماية مصالح الشعب»، وذكر أنه مؤيد للثورة ومبادئها. الحوار أجرته صحيفة المصري اليوم ونشر على ثلاث حلقات (أيام 24 و25 و26 مارس الحالي) قال فيه الدكتور سرور ما يلي: المرحلة السابقة شابها بعض العيوب التي نبهت لها المسؤولين، لكنهم لم يستمعوا ولم يرتدعوا ــ لم أكن شخصيا راضيا عن كثير من الأداء، بالنسبة للداخلية أو الحزب الوطني في الانتخابات، وشكوت وزير الداخلية لرئيس الجمهورية، ولم يفعل شيئا ــ كنت ساخطا ولأنني كنت في الجانب المعارض، فإنهم لم يكونوا يخبرونني بما يجري ــ الانتخابات التشريعية الأخيرة كانت غباء سياسيا والحكومة كانت تلتف على مطالب نواب الشعب من الأغلبية ومن المعارضة، والفساد كان كثيرا ــ الرئيس مبارك هو المسؤول عن المادة 76 (التي قصرت الترشح للرئاسة من الناحية العملية على من يقدمه الحزب الوطني) ــ لم أكن راضيا عن مضمون المادة 76 وكان دوري مقصورا على إدارة الجلسة التي مر فيها التعديل ــ إلغاء الإشراف القضائي على الانتخابات كان صادما واعتبرته من قبيل الغباء السياسي أيضا ــ كانت لي ملاحظات على المادة 76 وعلى المادة 179 الخاصة بالإرهاب لكنهم لم يوافقوني عليها ــ أنا «قرفت» من المجلس الأخير لأن الانتخابات كانت غير مطمئنة ــ بعض مشروعات القوانين كنت أفاجأ بها قادمة إلينا من الخارج لأن علاقة الرئيس بالحزب كانت أقوى بعلاقته بالمؤسسة التشريعية ــ طالبت بإلغاء حالة الطوارئ لكني فوجئت بتمديدها فارتفع ضغطي ورقدت بالمستشفى لمدة 24 ساعة ــ حدثت أزمة في المجلس بسبب قانون الاحتكار الذي أراد أحمد عز تعديله لصالح المحتكرين وضد رغبة وزير التجارة محمد رشيد، فشكوته إلى رئيس الجمهورية الذي اتصل هاتفيا بصفوت الشريف لحل الموضوع ولكن عز أصر على موقفه ونفذ رغبته ــ حين شكلت لجنة فرعية لترتيب الاستجوابات واستبعدوا ما كان منها موجها إلى وزير الداخلية، رفضت تحمل المسؤولية وقلت «أنا مالي» ــ أحمد عز تدخل حتى في تشكيل لجان المجلس وقلت إنني لن أكون مثل الأطرش في الزفة، لكنه نفذ ما أراده ــ مجلس الشعب أدى دوره كاملا ــ أنا بطبعي من النوع المقاتل، وقد بشرت بالثورة قبل قيامها بشهر تقريبا، إذ قلت في برنامج «مصر النهارده» 7 مرات «فيه حاجة غلط» ونبهت إلى أنني لست مستريحا إلى نتيجة الانتخابات. هذه مقتطفات من كلام الدكتور سرور «المقاتل» الذي لم تعجبه التجاوزات والانحرافات ومع ذلك ظل في منصبه طوال 21 عاما متصلة، مرر فيها كل القوانين والتعديلات الدستورية سيئة السمعة، وحجب مقترحات المستقلين (خلال البرلمان السابق قدموا 502 اقتراح لم يسمح إلا بمناقشة خمسة منها فقط)، كما حجب أغلب تقارير جهاز المحاسبات، وأغلب الاستجوابات خصوصا ما تعلق منها بممارسات الأمن ونهب الأراضي، ودروه مشهود في الالتفاف على تقرير لجنة تقصي حقائق مأساة العبارة التي قتل فيها أكثر من ألف مصري، أما سكوته على تغلغل جهاز أمن الدولة في لجان المجلس ومتابعة كل أنشطته فحدث فيه ولا حرج. ظل الدكتور سرور طوال 21 عاما رجل مبارك الذي لا غنى عنه، وذراع الحزب الوطني وأداته التشريعية ومايسترو التستر على الحكومة، وعلى التجاوزات الأمنية، وخلال تلك المدة الأسوأ في تاريخ مصر ظل متشبثا بمقعده، لم يفكر لحظة في أن يغضب لكرامته أو لكرامة المجلس أو لكرامة الشعب الذي ظل يهان على يديه في كل دورة. لقد عبر صاحبنا عن «قرفه» من مجلس الشعب الأخير الذي ترأسه، وليسمح لنا أن نشاطره ذات الشعور الآن، لسبب آخر مختلف تماما، أزعم أن كثيرين يؤيدونني فيه.
800
| 28 مارس 2011
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها...
7011
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور...
4422
| 05 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن...
2370
| 01 أغسطس 2026
تجاوز السيجار في المجتمعات الخليجية حدود كونه مجرد...
972
| 02 أغسطس 2026
لو أن أحدنا عاد بالزمن ألف عام إلى...
852
| 05 أغسطس 2026
في الإدارة، كما في الزراعة، ليس كل من...
762
| 05 أغسطس 2026
منذ أن رفع الإنسان عينيه نحو السماء، لم...
681
| 06 أغسطس 2026
رحلة القطار.. حين تمضي الحياة وتدعونا إلى الأمل...
639
| 04 أغسطس 2026
ليست كل البطولات تُحسم بالمهارة، وليست كل القيادات...
609
| 04 أغسطس 2026
لا يستطيع منصف إنكار حقيقة أن الحضارة الغربية...
597
| 01 أغسطس 2026
من أعظم أسباب اضطراب القلب أن الإنسان يريد...
588
| 02 أغسطس 2026
بعض الموظفين يحاولون جاهدين الوصول لمناصب أعلى مما...
546
| 03 أغسطس 2026
مساحة إعلانية