رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نقترب من البعض ممن حولنا كثيراً، نحبهم بقوة ونألف وجودهم في حياتنا، يصبحون جزءاً لايتجزأ من أيامنا التي نعيشها، وقد لا نتخيل حياتنا دون وجودهم، وربما لانفكر أبداً بأنهم قد يصبحون بعيدين عنا يوماً. أعجبتني جملة قرأتها لإحداهن عندما قالت: "البعض يرحل ولا نحزن لرحيله، لربما لأنه كان لابد أن يرحل منذ زمن بعيد". ذكرتني هذه الجملة بقصة قصيرة مترجمة من القصص الغربية قرأتها منذ زمن، عن السيدة التي قامت بتربية طفل أخذته من دار لإيواء الأطفال الذين يعيشون بلا أب أو أم لأي سبب، وأخذت على عاتقها منذ اليوم الأول من إقامته في منزلها العناية به واحتواءه، رأته يكبر أمام عينيها وهي تحيطه بكل أنواع الحب والاهتمام، لكنه لم يكن كذلك ناحيتها، فقد كان دائما متمرداً ساخطا على أشياء كثيرة، وبقدر ماكان عطاؤها له وحبها، بقدر ماكان يميل إلى الجحود في التعامل معها، ومرت بهما الأيام، وبعد أن كبر وأصبح فتى شاباً جاءت لحظة الاستقلال والخروج والرحيل من حياتها، رتب أغراضه وأخذت تساعده في ترتيبها وتأمل له حياة سعيدة مليئة بالنجاح، آملة له أيضاً مستقبلاً باهراً في اعتماده على نفسه، وفي لحظة الرحيل ودعها شاكراً لها كل أفضالها، وخرج وأغلقت الباب خلفه، وأخذت ترقب مشاعرها وحسها، وانتظرت أن تشعر بذلك الألم والحزن الذي يصحب أي وداع ورحيل، لكنها لم تشعر به، وأخذت تفتش داخلها عن أثر لحزن أو أسى على رحيله فلم تجد، فحدثت نفسها قائلة:"ربما لأنه كان لابد أن يرحل يوماً". بلاشك أن هناك من الناس من نفتقد بصمتهم الحقيقية في داخلنا، بصمة ودهم وولائهم. لاشك أن هناك من الناس أحياناً من يكونون بجانبنا ومعنا لكننا بمجرد أن يبتعدوا عنا نفاجأ بأننا لم نشعر بوحشة لعدم وجودهم ولانشعر بأي نوع من الشوق إليهم، ربما لأنهم يعيشون معنا بأجسادهم فقط، لكن أرواحهم تفتقر إلى الحب الذي لم نشعره منهم، ولم يصل لحسنا وقلوبنا يوماً، وإنهم لم يؤثروا في حياتنا ذلك التأثير لأن قلوبنا كانت تحاول توصيله لهم اهتماماً وحباً ولكنه للأسف لم يجد له استقبالاً يستحقه ولا أي صدى في دواخلهم. نعم فمازال البعض منا يعيش مع هذا النوع من الحب الذي يعيش غريباً فلانشعر بموته حين يرحل أو يغيب، قد نرى ذلك النوع من الحب الغريب..ي أقرباء وأصدقاء أو حتى في شركاء يعيشون بهذا الشعور تحت سقف واحد، فسوء التقدير هو من يجمد كل مشاعر الحب العظيمة في القلوب. جميل أن نحاط في حياتنا بأشخاص يقدرون مشاعرنا نحوهم، حبنا لهم واهتمامنا بهم، يبادلوننا مشاعر الحب بالحب، ويرفضون إلا أن تشعر قلوبنا بودهم، ويصرون على أن يجعلونا نفتقدهم عند غيابهم ونشتاق إليهم. آملة كل الحب للجميع، الحب الذي ينال كل التقدير وليس أبدا.. ذلك الحب الغريب..
5425
| 08 يناير 2013
المرأة هي المرأة في كل زمان ومكان، فحتى وإن وصلت من الكبر عتيا، فإنها تحب بشدة، وتغار بشدة، وتحتاج لكلمة الحب بشدة، لكن بالطبع ليس أي رجل يستطيع أن يغمر شريكته بكلمات الحب، وتظل ثقافة معظم الرجال العرب إن كلمة الحب والود لها تاريخ إنتهاء صلاحية لا يجوز له أن يستخدمها بعدها، وقد يكون إنتهاء هذه الصلاحية مبكرا جدا عند بعض الرجال، فتعيش شريكاتهم في صحار من الظمأ العاطفي، والاحتياج لكلمة حب تأتي كقطرات مطر ترطب قلوبهن التي توشك أن تتشقق من الجفاف. في أحد المحال الإنجليزية الشهيرة بشارع اكسفورد بقلب العاصمة لندن دخلت في جولة تسوقية لتمضية بعض الوقت، وأخذت أفتش بين الملابس ما يروق لي،التقطت مجموعة قطع من المعروض وتوجهت بها إلى غرفة القياس، فوجدت أن السيدات قد شكلن طابورا صغيرا للدخول، ووقفت جانبا لإنتظار دوري، وقد كانت غرفة القياس محاذية لقسم القبعات ذات الطراز الإنجليزي بألون وورود زاهية، كتلك الأشكال التي ترتديها ملكة بريطانيا، فلفت نظري الرجل الإنجليزي وزوجته العجوزان، وهو يجلس على الكرسي، أما زوجته فكانت ترتدي له القبعات وتعرضها له كي يساعدها على الاختيار لمناسبة ما، وكان الرجل سعيدا ومنبهرا وجادا في الاختيار كمن يختار لعروس أول مرة، وكان يؤكد لها بعد أن تجرب كل قبعة بأنها أجمل من الأخرى، وما أثار إعجابي وأنا أرقب عالمهما هي جملة قالها لها أكثر من مرة، مؤكدا لها بأنك تبدين رائعة كملكة، وكيف كانت تلك العجوز تجرب له كل قبعة في دلال، فلم تكن شابة، ولم تكن ذات جمال أيضا لكل ذلك الدلال، لكنها وحدها كلمة الحب هي دائما من ترفع من مؤشر الثقة بالنفس، وتدفع الإنسان بقوة للشعور بالجمال، وتغمره بالسعادة. قطعت عاملة غرفة القياس ابتسامتي وحدي وأنا أتأمل الموقف أمامي حين أخبرتني بأن دوري قد حان للدخول، خرجت من غرفة القياس أبحث عن الملكة وزوجها فلم أجدهما في نفس المكان، نظرت بعيدا لأراهما عند موظفة الدفع، فقد كانا قد استقرا على القبعة، تشابكت يداهما ومضيا يحملان الكيس في سعادة. وسألت نفسي وفي داخلي ضحكة كبيرة، أيمكن أن يقول رجل عربي لشريكته بأنها كالملكة؟ وعدت أجيب على نفسي.. لا أعلم ربما قد يحدث،أو حدث يوما...
612
| 01 يناير 2013
بدأت عطلة أعياد الميلاد وركبت الطائرة عائدة من عاصمة الضباب إلى الدوحة، والشوق يسبق خطوتي إليها، ففي البعد نتعرف إلى بعض معاني الكلمات التي قد تمر بحياتنا مرور الكرام، مثلما تعلمت معنى كلمة حنين..مرادفها من كلمات، فلطالما رددت ما قاله شاعرالمهجر إيليا أبو ماضي حين قال: ليس بي داء ولكني أمرؤ لست في وطني ولا بين صِحابي. فقد قضيت بضعة أشهر بعيدة عن وطني وعمن أحبهم، وقد اشتقت كثيرا، فرغم كل وسائل التواصل التي قربت بين الناس وجدت أنها عاجزة على أن ترضيني أوتحبط من قوة مشاعر إشتياقي إلى وطني وأهلي ومن أحب، بل ربما جعلتني أشتاق لهم أكثر. ففي كل يوم يزيد اعتقادي بأن المشاعر التي ترتبط بالعودة أقوى وأمتع كثيرا من المشاعر التي ترتبط بالإرتحال إلى أي مكان. فما فكرة النفي من الوطن إلا عقوبة من أقسى العقوبات، حين يصدر حكم على الإنسان بعدم العودة والحنين مدى الحياة، ومنهم من قد يرحل عن الحياة متأثرا بجراح الشوق والحنين. ارتفعت بنا الطائرة وغاصت في الضباب، ثم رأيت الشمس فقد إشتقت لأشعة الشمس أيضا، وكعادتي أخذت أقلب في وسائل الترفيه عما يقطع الوقت، ولذت بالقراءة كي أهرب من الذكرى، ومن دموعي التي زحفت من نوبة ذكرى هاجمتني بشراسة، ووجدت أن شوقي للراحلين أكبر كثيرا وأعظم من أي مشاعر، تراءت أمامي صورا كثيرة وتذكرت أنني أعود لوطني ولكني لن أرى أمي وأبي يستقبلاني بفرحة اللقاء والشوق، وتوالت أمامي ذكراهما وكأن الدنيا كلها وصخبها وضجيجها عاجزة على أن تجعل صورة أمي وأبي صامتة في داخلي، تخيلت أنني وصلت إلى البيت فوجدتهما ينتظران كعادتهما وأمامهما التمر والقهوة، تخيلت عيونهما والشوق الذي يطل منها وتذكرت عتابهما وكلمات الشوق حين نغيب ولو لأيام قليلة، وأقل غياب هو في نظرهما غياب لا مبرر له يجعلهما في حالة إشتياق. تخيلت لو أن لكل مسافر تعبر طائرته الفضاء أمنية غالية يستطيع تحقيقها بمجرد وصوله، وتخيلت أن تكون أمنيتي أن أعود إلى بيت والدي فأجده هو وأمي ينتظراني كما كانا يوما، وتخيلت أنني أحتضنهما وأعبر لهما عن فيض حنيني، وكم آلمني رحيلهما. وإنحدرت دموعي بقوة حينما إنتهيت من خيالاتي، وتذكرت أنهما وطن داخل الوطن، وإنني عائدة للوطن ولن أجدهما. ما أسوأ الغياب وما أقساه، فما أروع الشعور بأن هناك من يشتاق إليك، ومن يعنيه حضورك، ينتظرك بلا مقابل، لمجرد الحب والعطاء غير المشروط. لا شك أننا نخسر كثيرا حين يرحل عنا من كان يعطي حياتنا ووجودنا بعدا آخر. إقتربت الطائرة من الدوحة، ورأيت خطوط الطرق والبيوت البعيدة، وتذكرت أن الكثيرين ممن أحب مازالوا ينتظرونني بشوق، مثل شوقي للقائي بهم، وشعرت بلهفة لأن تطأ قدمي أرض وطني، فما زال فيه الكثير من الحب..
729
| 25 ديسمبر 2012
عندما وصلت إلى القطار، اخترت أن أجلس على المقعد الذي بجانب النافذة، فقد كان الجو في ذلك اليوم غائما مما يجعل رؤية المناظر أروع من خلال الزجاج. دائما ما يذكرني القطار بالحياة، فما حياتنا إلا محطات كثيرة ننتقل فيها من محطة إلى محطة، يتوقف بنا قطارها في محطات الفرح والنجاح، كما نمر رغم أنوفنا ونتوقف في محطات الحزن والفشل. قرأت في احدى المجلات قصة مؤثرة روتها طبيبة عربية عن نفسها، واصفة حياتها بأنها مجموعة من المحطات التي مرت بها، كان لكل منها تأثير خاص عليها، وقد كانت دراستها وتخرجها وآمالها الكثيرة من أولى محطاتها، ثم زواجها وانتظارها سنوات على أمل إنجاب طفل يملأ حياتها، حتى وصلت إلى محطة فرحت فيها بإنجاب طفلة جميلة، وبعد عامين، وصل بها قطار الحياة إلى محطة حزن حين توفي زوجها شابا وكانت هذه أولى الصدمات الكبيرة، وبعدها بعام واحد فقط مرضت طفلتها الوحيدة ورحلت عن الحياة تاركة جرحا عظيما لها، وظلت وحيدة وسط الألم، فقد توقف بها قطار الحياة في محطة الحزن هذه طويلا، وبعدها انتقلت بها الحياة وقطارها إلى محطة أخرى أعادت فيها تجربة الزواج مرة أخرى، وانتقلت إلى محطات سعادة لم تتوقع أن تصلها يوما حين أنجبت أربعة أبناء، وعادت لممارسة حياتها ومهنتها، وتقول ان الحياة ما زالت تسير بها وتمر بمحطاتها الكثيرة، وتأمل أن تخبئ لها الحياة الأفضل. والحقيقة أن أي إنسان لو جلس مع نفسه قليلا محللا ما مضى من أيامه لوجد أن حياته ما هي إلا عدة محطات شكلت حياته وشخصيته في النهاية. نفرح كثيرا وتغمرنا السعادة لأن شيئا ما أحببناه وأردناه قد وصلنا في الحياة لمحطته، ونحزن كثيرا ويجتاحنا الألم ونغرق في دموعنا لأن قطار الحياة رغما عنا لا بد وأن يمر بنا ويتوقف في محطات الحزن والألم. علينا أن نفهم أن العمر لا يتوقف أبدا عند محطة واحدة، فإن وصلنا لمحطات السعادة الغامرة والفرح فلا نعتقد أبدا أننا لن نتركها، وإن توقفنا في محطات الحزن وانتظرنا فلا نعتقد أن القطارات قد توقفت عن المسير، وإن وقفنا طويلا وظللنا ننتظر في محطات الحزن فلا بد أن تأتي لحظة المسير، ولا بد من أن يمضي بنا قطار الحياة لمحطات أخرى.علمتني الحياة بقوة أن الفرح لا يدوم، وان الحزن وإن طال بنا لا يدوم، وعلمتني الحياة أيضا أن بقايا الفرح تبقى داخلنا وإن داهمنا الحزن، وان بقايا الحزن فينا تبقى أيضا وإن أعادتنا الحياة لمحطات الفرح من جديد، فلا بد وأن تتأثر نفوسنا بما تمر بنا الحياة فيه من محطات، وليس بأيدينا إلا المسير.. عذرا لقد توقف القطار الآن، وعلي أن أنزل في هذه المحطة، آملة للجميع حياة حافلة بالوقوف طويلا في محطات الفرح.
3064
| 11 ديسمبر 2012
في الأيام السابقة التي مضت كان الجو مشمسا بنسمات باردة لطيفة جعلتني أستطيع أن أستمتع قليلا بالمشي في حديقة الهايد بارك وأستمتع بمناظر رائعة تتحدث عن نفسها عندما لبست الأشجار ثوب الخريف وكست العشب أوراق تساقطت تحمل اللون الأصفر بدرجاته، مما جعلني ألتقط مجموعة من الصور الرائعة وأصاب بالحيرة في وضع أيها كصورة للعرض في هاتفي. دخلت إلى مقهى الحديقة المطل على الماء، وطلبت قطعة من الكعك الإنجليزي مع كوب من الشاي، كان المقهى يسوده الهدوء على غير عادته وربما كان ذلك بسبب أنه يوم عادي ولسنا في عطلة نهاية الأسبوع. أخذت الطلب وذهبت لأختار طاولة مناسبة أجلس عليها، ولاحظت أن كل الطاولات تقريبا تضم زوجا وزوجته من مراحل عمرية مختلفة، وأخذت أستمتع برشفات الشاي التي جعلتني أشعر بالحرج فيبدو أن صوتها قد خدش ما نحن فيه من صمت، فالمكان يحتظر بصمت قاتل على غير عادته، وبأزواج وزوجات يجلسون بلا أي نوع من الأحاديث، وأخذت أنظر إلى الطاولات، فقد كان الزوج وزوجته في احدى الطاولات يجلسان بجانب بعضهما وينظران للخارج من خلال الزجاج وكأنهما يجلسان بقاعة للسينما محظور فيها الحديث، وعلى طاولة أخرى كان الزوجان العربيان الشابان، يبدوان كل في عالمه مع هاتفه يبحث عن شيء ما، بينما طفلهما يغط في عربته في نوم عميق وفي سلام وهدوء تام. وعلى طاولة بجانبي زوجان يعيشان الكآبة وينقلانها للرائي يشربان القهوة في صمت، وعلى الطاولة البعيدة زوجان ترتسم على وجهيهما معالم الغضب وكأن كلا منهما سوف ينقض على الآخر في أي لحظة. والغريب أن صمت الأزواج يستمر أحيانا حتى مع محاولات استدعاء الحديث والمتعة والفرح، كأن يأتي زوجان إلى الحديقة ليقضيا بعض الوقت اللطيف معا يشربان القهوة ويتبادلان الأحاديث فيكون الصمت المطبق هو سيد الموقف حتى نهاية الرحلة، حيث يعود ويستأنف نشاطه في المنزل. وطالما اعتقدت بقوة بوصول أي زواج إلى مرحلة يسود فيها الصمت الزوجي الذي قد يتعلق ببعض المشاكل الأسرية التي تحتاج لحلول خاصة، وقد لا يكون للصمت بين الأزواج إلا سبب واحد وهو الشعور بأنه لم يعد هناك شيء ليقال، وقد يكون الصمت هو السكون الذي يأتي بعد عواصف الحياة، وفي كل الأحوال فهو من يقود الزوجين حتما إلى مقبرة الزواج لوأده وهما أحياء. وما زلت ممن يعتقد أن المرأة هي المسؤولة الأولى التي يقع على عاتقها محاولة كسر الصمت الزوجي الذي لا سبب له، فهي من تنطلق بالأحاديث التي لا تنتهي مع صديقاتها وأقاربها، وهي من عليها أن تتحدث وإن لم يتحدث هو. فقد كانت قصة الأسطورة القديمة عن الملك شهريار الذي كان يقتل زوجة في كل ليلة، حتى تزوج بشهرزاد التي استطاعت أن تملأ لياليه بالأحاديث، ورغم انه كان صامتا إلا أنه كان مستمتعا، وقد أصبح معتادا على وجودها. وقد كادت تقتل كما قتلت الأخريات لولا فنها في التلاعب في الحديث، واختراع الجديد منه. فالصمت القاتل دائما ما يجر الحياة إلى الملل الذي يستطيع أن يوصل الإنسان لنوع من الاكتئاب الذي يجعله يفقد الرغبة حتى في الحياة نفسها. ولنا جميعا.. جميل أن نكسر الصمت من حولنا، وأن ننعش نفوسنا بلغة الكلمات كي يغمرنا صخب الحياة.
932
| 04 ديسمبر 2012
كنت جائعةً حين وصلت إلى مطعم البيتزا الذي يقبع أسفل البناية التي نسكنها بلندن، وكان المطعم مكتظّاً بوجوه ذات ألوان وثقافات مختلفة، وتعالت أصوات الموجودين محدثة ضجيجاً يبعث على الحياة. عندما استقبلتني النادلة وأوصلتني إلى الطاولة التي سأجلس عليها، ابتسمت لجاراتي العجائز الأربع في الطاولة الملاصقة، جلست وهن لا يزلن ينظرن إلي ويبتسمن، وبدا من أسلوب نقاشهن بأنهن يخمنّ بأنني من بلد عربي. ثم استرسلن في أحاديث متواصلة من الكلمات والضحك وبدت عليهن سعادة غامرة، وكلما نظرن نحوي رددت لهن الابتسام بالابتسام، فاقتربت إحداهن بوجهها مني، وسألتني من أين جئت؟ وبعد كلمات التعارف السريعة سألتهن، هل هن ممن يقمن في العاصمة، أم جئن هنا كسائحات؟ فردت عليّ بأنهن صديقات تربطهن علاقة صداقة منذ أكثر من ربع قرن، تعارفن فيها في هذه الحياة، وأيضا فرقتهن الحياة، لكنهن لا يزلن يحاولن التواصل بكلّ طرق للتواصل، وأصبحن يتّفقن في كلّ عام على اللقاء، وفي الأعوام الأخيرة كانت العاصمة لندن هي مقرّ اللقاء السنوي التي تقيم فيها الصديقة الأكبر سناً، أما من كانت تتحدّث معي فقد جاءت من الأرجنتين، ومن كانت بجانبها فقد جاءت من العاصمة الفرنسية باريس، أما الأخرى فقد جاءت من أستراليا. وأخذت أتحدث معهن بكلّ إعجاب لصداقتهن، وأخذنا الحديث عن الصداقات في الحياة، فقالت إحداهن وهي تنظر لصديقاتها بكلّ حبّ إنهن أقرب إليها من أقربائها الحقيقيين. انتهينا من الحديث الذي مرّ سريعاً، وسلمن عليّ بحرارة مودّعين ومبدين سعادتهن بتعارفنا السريع، كما أبديت سعادتي بالتعرّف عليهن، آملة لهن امتداد صداقتهن وسعادتهن باللقاء مدى حياتهن. ما أحوجنا لبناء صداقات في حياتنا، فما رأيته مثالاًَ للصداقة الحقيقية التي لا تؤثّر فيها المسافات، إنها الحاجة الحقيقية الماسة لوجود أناس نحبهم في حياتنا، ونسعد بوجودهم معنا. وأخذت أفكّر حقاً في أن هناك من الناس من أصبح يفقد أقرب أصدقائه ويخسرهم بسبب توافه الأمور، وبسبب أشياء دنيوية لا تضيف شيئاً بقدر ما تخلفه من ضياع العلاقات الحقيقية الصادقة، بينما هناك من الناس من يقدّر الصداقة ويقطع البحار وساعات السفر الطويلة المنهكة، من أجل لقاء صديق يقدّر تماماً الساعات الثمينة من العمر التي يلتقي فيها به. خرجت من المطعم وأنا سعيدة بما دار في بالي عن الصداقة، وبعد لحظات وجدت أختي وقد أرسلت لي هذه الكلمات: (مات شاب فقام أصحابه ببناء مسجد له، وماتت فتاة فحفرن صديقاتها لها بئراً، إنها ثمرة الصحبة الصالحة، اللهم أرزقني من أصحابي مَن يذكرني بعد موتي). قرأت ما أرسلته أختي بالمصادفة وابتسمت..إنه حقاً يوم الصداقة..
555
| 20 نوفمبر 2012
تأكّدت أنني لن أحتاج لمظلتي في ذلك اليوم، فقد كان الجو بارداً مشمساً عندما قرّرت للذهاب إلى الصيدلية لاستلام الوصفة التي كنت قد طلبتها مسبقاً، ودخلت في جولة عامة داخل الصيدلية كعادتي أفتّش عن بعض ما يثير فضولي مما هو جديد، أخذني الوقت بالداخل، وما أن خرجت منها حتى وجدت جميع المارة وقد أخرجوا مظلاتهم، فقد تغيّر مزاج سماء عاصمة الضباب سريعاً واختفت الشمس، وحلّ محلّها أمطار تنهمر بكلّ قوّة، ووقفت بانتظار أي سيارة تاكسي كي أعود بها إلى البيت، انتظرت قليلاً تحت المطر وأشرت بيدي إلى إحدى سيارات التاكسي مع أن ضوءها لم يكن مضاء يدل على استعداد صاحبها لتوصيل الزبائن، ولكنه يبدو أنه قد تعاطف معي حين وجدني تحت المطر، توقّف وسألني عن المكان الذي أريد، وأخذ برهه للتفكير ثم أشار بيده لي كي أصعد إلى السيارة، وما أن صعدت حتى شكرته كثيراً لأنه سيقوم بتوصيلي رغم انتهاء وقت عمله الأساسي، وإنني أقدر له أن أنقذني من الوقوف تحت المطر، فسألني من أي بلد عربي جئت، فأجبته إنني من قطر. وأبدى استغرابه عندما سمع الاسم وأخذ يردّده وكأنه لم يسمع بها من قبل، فقلت له باستغراب أكثر: ألا تعرف قطر، أنا لا أصدق هذا، ومن أهم الأشياء التي طرأت على تفكيري لحظتها كي أذكره ببلدي هي استضافتها لكأس العالم 2022، وهنا كأنه تذكّر شيئاً كبيراً وعاد ليردّد: قطر قطر، نعم إنني أتابع القناة الإخبارية الأشهر وهي الجزيرة الإنجليزية، كما إنني أحترم كثيراً المكان الذي تنطلق منه هذه القناة، ورغم الوقت القصير الذي أقضيه أمام التلفاز لمتابعة البرامج لظروف عملي المتواصل كسائق سيارة أجرة إلا أنني أحرص على متابعتها دون كلّ القنوات. وما أعجبني كثيراً إنه قال لي إن قناة الجزيرة الإنجليزية وضّحت له القضية الفلسطينية والذي كان طوال حياته ومنذ أن كان صغيراً يسمعها من طرف واحد، ويفهم أن اليهود هم العنصر الأضعف الأحق، لكنه عبر قناة الجزيرة عرف أبعاد هذه القضية ووجهات النظر فيها وتفاصيلها الدقيقة، وقال إن هذه القناة جعلتني أغيّر الكثير من آرائي الشخصية وتوجهاتي للكثير من القضايا الأخرى في العالم العربي والغربي، ووضحت لي الكثير مما كنت أجهله، ثم اختتم كلامه بتعبير مختصر جميل بأن قناة الجزيرة الإنجليزية تقدّم الخبر السياسي كمن يقدّم الطعام في طبق راقٍ بطريقة شهية. وبينما هو يتحدّث بحماس كنت أنا أشعر بفخر بأنني أنتمي لهذه البلاد. وصل بي التاكسي إلى حيث أريد، شكرته كثيرا لكلماته المهذّبة، واحترامه في إبداء رأيه، وشكرني هو كثيراً وأبدى سعادته بأن التقى شخصاً من قطر، آملا لي يوماً سعيداً. نزلت من التاكسي، كنت فخورة جدّاً، لأنني قطرية.. اشتقت لك وطني قطر.
877
| 13 نوفمبر 2012
الخريف في لندن صريح واضح المعالم لا يختبئ أبداً تحت مظلة الأجواء، ولا يستطيع أن يستعين بعملية تجميلية كي يخفي معالمه عن الأنظار.. الخريف في لندن ينثر أوراقه اليابسة الصفراء بكل جرأة في الحدائق والشوارع وعلى النوافذ، وفي كل مكان.. جلست بجانب النافذة أطل على الجو الذي أظلمته غيمة سوداء في وسط النهار، وعلى الشارع البارد الذي كسته أوراق الخريف الصفراء المتناثرة بعد أن لفظتها الأشجار رغم أنها قد زينتها باللون الأخضر يوماً.. أمعنت النظر في تلك الأوراق الصفراء وانحدرت من عيني دمعة حزن عميقة، ولا أعرف لماذا أتت أمام عيني صور الراحلين، وكيف تساقطوا من الحياة، كما تساقطت أوراق الخريف، فقد رأيت في كل ورقة صفراء أمامي حكاية حزن بذاتها. كانت إحدى تلك الأوراق حكاية طفلتين صغيرتين عرفتا عمق الصداقة قبل أن تعيا معناها، كانتا تلعبان يوما في ساحة مدرسة كبيرة، تحتضن أكفهما الصغيرة بعضها في ألعاب الطفولة، وتتشاركان أناشيد وأغاني سنوات العمر الأولى، وتقفان أمام باب المدرسة معا، إنها صديقة الطفولة التي ذبلت ويبست وسقطت سريعا من شجرة الحياة، مخلفة ذكرى لا ترحل وحزناً عميقاً.. وكانت إحدى تلك الأوراق الصفراء ذكرى أبي الذي رحل في شتاء حزين وانطوت برحيله صفحة حب عظيمة، ولم يبق بعدها إلا الشوق، وما مرور الوقت إلا غبار كثيف قد يخفي الشوق خلفه، لكن نار الشوق دائماً تبقى تحت الرماد، وقد تحركها بقوة وتنفضها ورقة خريف صفراء قد تمر أمام ناظري.. وكانت إحدى الورقات الصفراء المتساقطة ذكرى أمي التي غابت عن الحياة في هدوء، مخلفة وراءها ضجيجاً من كلماتها، وعباءتها، وأماكن في البيت افتقدتها بشدة كما افتقدتها، وسنوات حب وعشق طويلة بدأت يوم مولدي.. ما بال أوراق الخريف الصفراء تحول عيني إلى غيمة سوداء مثقلة بالمطر أخذت تهمره بشدة.. ما بال أوراق الخريف الصفراء تفضح قوتي الزائفة أمام هجمات الشوق، والذكرى واحتمال فقد الراحلين، عندما أعتقد بأن النسيان خير دواء وأنه قد عالج ما بي من ألم، تأتي ورقة خريف لتفسد الدواء الذي اعتقدته ناجعا. رأيت في الأوراق الصفراء المتناثرة صور وجوه أخرى غالية كثيرة، لكل وجه حكاية، ولكل حكاية رحلة ألم وحزن وشوق تركته في قلوب محبيها.. أوراق تجرف بعضها البعض كآلامنا وأحزاننا التي لا تنتهي على الراحلين.. أغلقت النافذة ودخلت لأجد النور ينتشر في غرفة الجلوس وكأنه نبض الحياة والواقع الذي لابد نحياه، فمهمها أظلمت داخلنا غيمة الخريف، فلابد لنا وأن نعود للضياء.
675
| 06 نوفمبر 2012
منذ أكثر من عام ونصف العام تقريباً كتبت مقالا بعنوان (سيدة هارلي ستريت)، وموضوعه باختصار لمن لم يقرأ الجزء الأول هي إشادتي وإعجابي بالسيدة العجوز التي قاربت الثمانين وهي لا تزال تعمل، والتي صادفتها بإحدى عيادات شارع هارلي ستريت الشهير بلندن، وإنبهاري بهذه السيدة التي وصلت لهذه السن وهي تحتفظ بكامل أناقتها، وتلون وجهها بكل ألوان الربيع، وتمارس مهنتها بكل حيوية ونشاط، وكنت قد أبديت إعجابي على وصولها لهذه السن وما زالت لديها القوة والعزيمة لممارسة العمل والإندفاع بحيوية في الحياة. ولكن منذ أيام قليلة عدت إلى نفس العيادة الخاصة التي كانت تعمل بها تلك السيدة، قرعت جرس الباب وانتظرت في الخارج قليلا، ثم إضطررت لقرعه مرة أخرى رغم علمي بعدم ترحيبهم بالرنين الذي يعتبرونه إزعاجا لا مبرر له، وبعد إنتظار قليل فتح الباب ودخلت لمكتب الإستقبال فوجدت سيدة هارلي ستريت، وقد ذبلت ذبولا شديدا وازدادت تجاعيدها كثافة رغم حرصها على وضع نفس الرتوش الملونة السابقة، والاحتفاظ بنفس الأناقة إلا أنها كانت أكبر كثيرا من أن تتحمل عبء العمل.إبتسمت لي وسألتني عن إسم الطبيب الذي أقصده لكنني إستطعت أن أفهم ما تقوله بصعوبة فحتى نطقها وكلماتها قد أتى عليها الشيب والكهولة، فأعطيتها ورقة بالإسم الذي ظلت تدقق فيه كي تطابقه في قائمة الأسماء لديها، ورغم إني كنت أراه واضحا أمامي في منتصف الصفحة إلا إنها لم تستطيع أن تراه وقد التزمت الصمت كي أعطيها فرصة أن تجده، لكنها طلبت مني أن أنتظر كي تسأل إحدى المسؤولات عن سبب عدم وجود الاسم، وهنا أردت أن أختصر الوقت وأشرت إلى الاسم على ورقتها وكأنني قد وجدته للتو، وهنا ضحكت وشكرتني وطلبت مني الجلوس في غرفة الانتظار، وبعد دقائق جاءت لتطل علي في غرفة الانتظار ونظرت لي باستغراب ثم قالت لي: متى جئت وماذا تنتظرين؟ فأجبتها مذكرة لها بأنني من دخلت منذ دقائق، وهنا يبدو أنها تذكرت فاعتذرت وإنصرفت إلى مكتب الإستقبال الذي أستطيع أن أراها تعمل فيه. وبعد قليل عادت مرة أخرى لتطل في غرفة الإنتظار، نظرت إلى وجهي ثم إندفعت داخل الغرفة إلى قنينة الماء الكبيرة المخصصة للشرب ولكمتها بيدها كي تتأكد من وجود الماء داخلها، رغم إنه واضح كل الوضوح للعيان بأنها مملؤة بأكثر من النصف. وهنا شعرت بنوع من الشفقة التي حلت محل إعجابي الشديد بنشاطها وحيويتها وقدرتها على العمل وهي بهذه السن الكبيرة، وكنت أفكر بشأنها حين قطعت حبل أفكاري عندما عادت وطلبت مني مرافقتها إلى غرفة الطبيب وما أن وصلنا إلى الغرفة ودخلنا وبمراجعة الطبيب للإسم إكتشف بأنها أدخلتني في غرفة طبيب آخر بالخطأ، وعدت إلى غرفة الإنتظار، ونظرت إلي متسائلة: من أنت؟ أما زلت هنا؟ فوضحت لها بأنها أدخلتني لغرفة طبيب آخر بالخطأ، فتألمت لما حدث وإعتذرت لذلك الخطأ!!!وأخذت أتألم حقا وعدت وإكتأبت لأن سيدة هارلي ستريت قد وصلت لهذا الضعف ولا تزال تعمل، وعدت أتراجع عن إعجابي لمن يصل لسن متأخرة ولا يزال يعمل، بدلا من أن يخلد للراحة بعد الشقاء في آخر مراحل العمر. وعدت أحدث نفسي في نقاش داخلي بأن الإنسان ومع ما قد يتمتع به من حيوية ونشاط، إلا أن لكل مرحلة من مرحل العمر ما يناسبها، وإن مرحلة العمل في حياة الإنسان لابد وألا تمتد إلى مرحلة الكهولة التي هي مرحلة ضعف وإن بدا على الإنسان غير ذلك. لست أنا من أغير رأيي بسرعة، لكن ما حولنا أحيانا، وتجاربنا في الحياة، هي من تجعلنا نفهم أكثر، ونغير نظرتنا أحيانا في كثير من أمورها..
532
| 23 أكتوبر 2012
ككل العائدين إلى من يحبون أعود بعد انقطاع لاستئناف زاوية (من الحياة)، التي يطل عليكم قلمي من خلالها آملة ألا تكون لإقامتي حاليا بالعاصمة البريطانية لندن التي أرسل لكم مقالاتي منها في الفترة القادمة تأثير في كتاباتي فتكون غائمة ممطرة أحياناً كأجوائها، وألا أنقل لكم شيئاً من كآبات الغربة.. في أحد المقاهي اللندنية جلست في انتظار إحدى قريباتي كي نقضي معاً بعض الوقت، وجلست بالطاولة جانبي مجموعة من النساء العربيات يتحدثن بصوت مرتفع أكثر من اللازم، فقد تعالت أصواتهن حتى وصلت للطاولات البعيدة، كانت إحداهن تقول بكل ثقة وتحدٍ: (أنا لست ممن يحب أن يضيع وقته في التفكير في أشياء كثيرة، أنا ممن يحب أن يعيش الحياة بطولها وعرضها، عشن حياتكن ولا تفكرن في ما حولكن من مشاكل وآلام قد تؤثر في أسلوب اهتمامكن بمتعة حياتكن.). وكانت تضرب الأمثال عن نفسها واحداً تلو الآخر عن بطولاتها في كيفية عيشها الحياة بلا مبالاة، فعندما مرض زوجها وكان طريح الفراش لم تعتذر عن عدم دعوة حفل عشاء صديقتها، فلا بد وأن يتعافى إن عاجلا أم آجلا، وعندما جاءها اتصال من مدرسة ابنتها لتبليغها بأن ابنتها مريضة ولديها ارتفاع حاد في الحرارة، وتحتاج لأن تذهب لتصطحبها من المدرسة لأخذها للطبيب، لم تقطع جولتها التسوقية واستمرت حتى نهايتها ثم ذهبت لتسلم ابنتها، ففي النهاية سوف يصف لها الطبيب مسكناً للحرارة، وبفخر قالت إن تلك اللامبالاة من أعظم سمات شخصيتها. أخذت أنظر لهذه المرأة الشابة ويدور داخلي أكثر من تساؤل بشأنها فهل، حقا ما قالته هو الصواب، أم أن ما تعتبره أعظم سمات حياتها، ما هو إلا سياسة خاطئة لإسلوب حياة أي إنسان. هناك فرق كبير أحيانا بين ما نأمله ونقوله أحيانا، وبين ما يفرضه علينا الوقت وإلتزامات الحياة، فمن أجمل الأشياء أننا نستطيع أن نقول كلمات التفاؤل ونعيش الفرح رغم كل ما بنا من ألم، ولكن من أسوأ الأشياء أن نعيش حياتنا بكل فرح تاركين وراءنا ما يستحق أن نعيش ألمه. فلاشك أن أنانية البعض تجردهم من أشياء كثيرة من أهمها مشاعر الألم، التي رغم قسوة عيشها أحيانا فإنها تهذب الإنسان حين يترك لنفسه أن يشعرها ويشارك بها الغير، وهي من تشعره بعدها باللذة الحقيقية لطعم الفرح. ذكرتني هذه المرأة بوجوه مرت في حياتي، كانت تسير حياتها وتعيش على نظرية (عش حياتك)، فقد كانت من أسوأ الأمثلة التي مرت بي من حيث اللامبالاة، وخواء المشاعر والأنانية، التي طالت آثارها أقرب الناس إليهم، وهم شركاؤهم، أو أبناؤهم، الذين تكبدوا خسائر نفسية فادحة بسبب نظرية آبائهم أو أمهاتهم في عيش الحياة بطولها وعرضها، تاركين وراءهم كل مشاكلهم الحقيقية التي تتطلب المواجهة. فنحن خلقنا في هذه الحياة لنعيش أفراحها وأحزانها، ولنخوض معاركها، سواء كان النصر حليفنا أم الهزيمة، وفي الحياة لا النصر يدوم ولا الهزيمة، وفي كل مرة لذة النصر تنسينا الهزيمة، وفي كل مرة أيضا مرارة الهزيمة تعيد لنا الأمل بنصر جديد. وفي النهاية.. (عش حياتك، ليس كما تحب فقط، ولكن من أجل من تحب أيضا..)
1814
| 15 أكتوبر 2012
في يوم ربيعي تلبدت السماء بالغيوم في عاصمة الضباب، جلست على أحد المقاعد الخشبية الممتدة على جوانب البحيرة الرائعة بحديقة الهايد بارك الشهيرة، أتأمل جمال المكان وأستشعر روعة برودته الخفيفة وجوه الغائم، والأشجار التي عادت تلبس لون الربيع الأخضر، فجعلت كل من حولها يستمتع بعودتها، بعد أن جعلها الخريف عارية من الأوراق، وتفنن بعده الشتاء وثلوجه في معاناتها. ومع وضوح وجود الناس الذين جذبهم هذا السحر للعودة للمشي والإنطلاق حول البحيرة، لفتت نظري السيدة الكبيرة في السن التي تستمتع بممارسة رياضة المشي السريع حول الماء في نشاط وخفة، وعندما مرت بمكان جلوسي بوجهها الذي تطل منه البشاشة، قدمت لها ابتسامة عريضة إعجابا مني على جهودها وخفتها ودعوة مني لتبادل كلمات التعارف معها، فجاءتني بسعادة مرحبة، وسألتني إلى أي دولة عربية أنتمي، ثم قالت في بداية حديثها بأنها بريطانية تحب العرب كثيرا، لأنها كانت من أوائل الذين عملوا بإذاعة (صوت العرب) بالقاهرة عند بداية افتتاحها في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، وإنها أحبت ثقافة العرب وعاداتهم التي مازالت تذكرها وتحن إليها رغم السنوات الطويلة التي إنقضت منذ ذلك الحين. وقد شدني حديث هذه السيدة العجوز التي غزت وجهها تجاعيد كثيفة، واتضحت عليها بشدة علامات الزمن، وأدهشني نشاطها ومرحها، ورغم إني دعوتها أكثر من مرة بأن نعود للجلوس حتى لا تشعر بالتعب، إلا انها كانت ترفض مفضلة إستكمال بقية الحديث وهي واقفة مرددة: (لا عليك، فأنا بخير)، ثم قالت بفرح بأنها رغم إنها احتفلت مؤخرا بيوم ميلادها الثالث والثمانين إلا أنها ترى كل أوجه الحياة الجميلة، فلا يزال هناك وقت، ولا يزال هناك الكثير لتفعله وتسعد به في رأيها!! فأبديت لها سعادتي وإعجابي بإقبالها على الحياة، فصمتت لحظة ووجدت في عينيها لمحة من حزن، ثم قالت إنها ومع ماتشعر به من وعكات صحية وآلام، بالإضافة إلى ما عانته في حياتها من هموم، إلا إنها دائما ما تردد جملة اعتادتها في حياتها وهي:(غدا سيكون أفضل، سوف أكون بخير، وسوف تسير كل أموري على ما يرام). ومع نهاية هذا الحديث الممتع مع هذه السيدة قالت إنها ستقدم لي هدية، وهي أغنية تغنيها بصوتها، فرحبت بذلك ضاحكة، ثم بدأت بالغناء بصوت قوي جميل مرتفع، وبطريقة فنية أوبرالية لفتت أنظار من كان يجلس بقربنا، وأحدثت نغماتها صدى في الفضاء وهي تردد: (أريد أن أحلق في السماء.. الحياة جميلة..وأنا أريد أن أكون مثل فراشة ملونة.. تلون السماء.. فراشة سعيدة.. تطير عاليا..عاليا في الفضاء). ثم أنهت غنائها بضحكة عالية، ومدت يدها لتصافحني قائلة: كم أنا سعيدة بتعارفنا، وأشكر لك مبادلتي الأحاديث. ثم إتجهت تكمل مشيها بمحاذاة البحيرة، فنظرت إليها لأنتبه إلى ألوان ملابسها الزاهية وخفتها، وكأنها حقا فراشة تطير بفرح. فحدثت نفسي في داخلي، لا شك أن علينا أن نفهم لماذا يضع القدر أحيانا مثل هؤلاء الناس في طريقنا لنتحدث معهم بضع دقائق، أليس لنا أن نتعلم ممن نصادفهم في الحياة؟ فنأخذ من هنا وهناك، ونعود أنفسنا مهما كان ما بحياتنا من هموم وألم أن نتقمص دور السعادة والأمل والغد الأفضل، وننصهر فيه حتى لايتركنا أبدا. وعدت أنظر إلى الفراشة وقد إبتعدت كثيرا، وأنا ما زلت أحدث نفسي:( ليتني.. بل ليتنا جميعا نستطيع أن نكون مثلك )..
686
| 27 يونيو 2012
ما في ذلك شك، إنها المعلم الأول الذي يخرج دفعات من الناضجين والحكماء، فنحن نعيش الحياة ونظل نتعلم فيها حتى آخر يوم في حياتنا، وكلما زاد احتكاكنا بمن حولنا أعطتنا الحياة دروسا جديدة أعظم على ارض الواقع، ومن لم يتعلم فيها ولم يستذكر فصولها، فسوف يعاني كثيرا عند إختباراتها. فكلما إمتلأت بطاقة ذاكرتنا من دروسها نجد أنفسنا ونحن نجحف كل أساتذتنا حقهم، وننسب كل ما تعلمناه للحياة، التي أخذت منا ما أخذت وأعطت منا من أعطت لتترسخ فينا علومها ونقرر إنها حقا معلمنا الأول. ألم تسأل نفسك يوما ماذا تعلمت من الحياة؟ عندما طرحت هذا السؤال على إحدى من كانت لها تجارب متنوعة في الحياة، أجابت دون تردد:( بلا شك لقد علمتني الأدب). ولقد أعجبتني إجابتها التي اختصرتها في كلمة واحدة عظيمة المعنى. أما عندما سألت نفسي عما تعلمته من الحياة، طفت إلى ذاكرتي بعض الدروس التي ربما قد يستفيد منها غيري، ومن أهم ما تعلمته، إنني عندما رأيت الوجوه العابسة التي تتعامل بغلظة مع الغير وما تتسبب فيه من ردود أفعال سلبية عليها، تعلمت أن أبتسم عندما أقابل الناس لأول وهلة، حتى أجد لي مكانا في قلوبهم، وأمدهم بطاقة إيجابية أجني ثمارها سريعا. وعندما رأيت الخلاف الكبير الذي حدث بين سيدة وأخرى، ورأيت الأسرارالشخصية الكبيرة لكل منهما تتكشف في الهواء الطلق على مرأى ومسمع من الجميع، تعلمت أن أحتفظ بأسراري الشخصية لنفسي مهما كانت الأسباب والظروف، فليس هناك ضلوع تحتمل أسراري كضلوعي. وعند كل ما يحدث لي من صدمات فيمن كنت أثق بهم، تعلمت ألا أحزن وأن أكون سعيدة لأنهم جعلوني أضع حدا فاصلا بين الثقة والحب، وبين طبائع البشر، لأن البعض مهما أعطيته من حب وثقة إلا أنه لن يغير طبيعته كي يقدر ما تفعله من أجله، أو حتى يقدم لك المجاملة. أما عندما أرى ما يحدث للناس من مشكلات ومصائب كبيرة، تعلمت أن أرفع المجهر الذي وضعته على مشاكلي الصغيرة، فأستطيع أن أشعر بالسعادة مجددا، وأكتشف كم من سعادات في حياتي. ومن أهم ما تعلمته في هذه الحياة وسيرت حياتي به، هو أنني تعلمت أن أضحك من كل قلبي وأعيش لحظات الفرح، وأن أبكي من كل قلبي في لحظات الحزن، وأن أطلق كل مشاعري، وألا أبني أبدا سجنا في داخلي، أكون أنا أول نزيل في زنزانته. علمتي الحياة أن التسامح مع إنه من أعظم المشاعر النبيلة إلا إنه قد يسبب لنا الكثير من الجروح والألم حين يكون بلا حدود، وإنه يجب أن يكون هناك حدود للتسامح مع البعض، فالأرض التي نزرعها ونسقيها ولا أمل أن تنبت لنا نبتا طيبا، فالأجدر بنا ألا نضيع وقتنا وحياتنا فيها. وعلمتني الحياة أن الصديق الغيور لا يمكن أن يكون صديقا نصوحا مهما طال الزمن، وإنه لا يمكن أن يكون سندا أبدا. وإن الغيرة بلا شك هي السبب الأول لفساد كل العلاقات الجميلة والوثيقة. وتعلمت أن ليس كل من يبتسم ويضحك سعيدا، وإن هناك من يستطيع أن يضحك وراء كل مابه من ألم ودموع. وأيضا ليس كل من يبدو عليه الحزن حزينا، فهناك من يعيش كل السعادات لكنه يتقمص دور الصامت الحزين لسبب ما لم أكتشفه بعد. وقبل النهاية تعلمت أن الحب هو السحر، وهو الشيء الذي كلما إمتلأ به قلب الإنسان حظي بالسعادة الأكبر، وإن من يحب من حوله ويحب تفاصيل حياته وأقداره هو من سيضمن لنفسه حياة هادئة آمنة من كل أمراض النفس. تعلمت، ونتعلم.. ومع كل ما تعلمناه من الحياة.. ما زلنا نتعلم.
2882
| 18 يونيو 2012
مساحة إعلانية
هل الطريق إلى المدرسة مجرد مسافة نقطعها كل...
32247
| 01 سبتمبر 2026
-أخطر دروس المأساة السودانية أن الدولة لا تحتمل...
4377
| 30 أغسطس 2026
قد تضم المؤسسة مديرين أكفاء، وتملك خططًا جيدة...
3444
| 29 أغسطس 2026
اليوم تنطلق الجولة الثانية من دوري نجوم بنك...
1164
| 27 أغسطس 2026
عندما يُثار الحديث عن المنازعات العمالية، يتبادر إلى...
1086
| 02 سبتمبر 2026
مع انطلاقة العام الدراسي الجديد، تتجدد تطلعات الميدان...
1023
| 30 أغسطس 2026
في مارس 1977 اصطدمت طائرتان فوق مدرج مطار...
885
| 02 سبتمبر 2026
كم مرة سمعت نفسك تقول: “ انتهت الإجازة،...
876
| 28 أغسطس 2026
هناك كائن صغير نسميه في عاميتنا "العنيوش". دودة...
675
| 02 سبتمبر 2026
في الطريق قد يسيء إليك سائق، وفي متجر...
663
| 02 سبتمبر 2026
هذه رسالة أوجهها إلى كل مسؤول أول في...
621
| 27 أغسطس 2026
يُعدّ الاحتباس الحراري من أخطر التحديات التي يواجهها...
585
| 30 أغسطس 2026
مساحة إعلانية