رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

تداعيات اقتصادية للتحولات العربية

شكلت الأحداث العربية هزة اقتصادية، إضافة إلى كونها هزة سياسية أطاحت بالعديد من الثوابت والتحالفات المحلية والإقليمية، مما فاقم من التأثيرات والتداعيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية على البلدان العربية، كمصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا، ووجدت لها صدى اقتصاديا على العديد من البلدان العربية الأخرى، هذا ما تم تداوله في مؤتمر مهم نظمه قسم العلوم السياسية بكلية العلوم الاجتماعية بجامعة الكويت مؤخرا. وإذا كانت التداعيات السياسية سلبية في مجملها، فإن التداعيات الاقتصادية تفاوتت ما بين السلبية بصورة كاملة على البلدان التي شهدت الأحداث وتراوحت ما بين الإيجابية والسلبية على بقية البلدان، بما فيها بلدان الخليج العربي. وفيما يتعلق بدول الاضطرابات، فقد جاءت المحصلة الاقتصادية في شكل تدهور اقتصادي وتوقف قطاعات إنتاجية فاعلة وانخفاض كبير في النمو وتراجع الناتج المحلي الإجمالي وهروب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية وهجرة الكفاءات وارتفاع نسب البطالة، وبالنتيجة تدني مستويات المعيشة لملايين السكان، مما أجج الصراعات القائمة. أما فيما يتعلق ببقية البلدان العربية، فإن التأثيرات الإيجابية تمثلت في ارتفاع أسعار النفط منذ بداية الأحداث في عام 2011، وبالأخص بعد التراجع الكبير في تصدير النفط الليبي، كما تمكنت بقية البلدان العربية، وبالأخص دول الخليج، من استقطاب رؤوس أموال هائلة، مما أسهم في تنشيط العديد من القطاعات غير النفطية، خصوصا القطاع العقاري وأسواق المال. ويضاف إلى التداعيات الإيجابية تسارع نمو القطاع السياحي والنقل الجوي، والتي حققت مستويات أداء قياسية في العامين الماضيين، على اعتبار أن معظم بلدان الأحداث، كمصر وتونس وسوريا، هي في الأساس بلدان سياحية. وفي هذا الخصوص تدعمت مكانة دول مجلس التعاون الخليجي، كمركز عالمي للاستثمار والخدمات بكافة أشكالها، بما فيها الخدمات المالية والمصرفية، باعتبارها بلدانا تتمتع بالأمن والاستقرار وتوفر خدمات راقية وبنية تحتية متطورة. وإلى جانب الإيجابيات، فإن هناك بالتأكيد تداعيات سلبية تمثلت في ضخ أكثر من 30 مليار دولار على شكل مساعدات لدعم موازنات بلدان الأحداث وتوفير المواد الغذائية وتلبية احتياجات اللاجئين، مما كلف خزائن بلدان الخليج مبالغ طائلة، كان بالإمكان تسخير جزء منها لتنفيذ مشاريع تنموية بالبلدان العربية في الأوضاع الطبيعية. وإضافة إلى ذلك، فقد انخفضت أصول وعائدات الشركات والاستثمارات الخليجية، حيث تكبدت هذه الشركات والمؤسسات الاستثمارية خسائر كبيرة ناجمة عن عمليات التخريب وتعطل النشاطات الاقتصادية، كما ارتفعت بعض أوجه الإنفاق وارتفعت أسعار السلع، خصوصا الزراعية، باعتبار أن بلدان الأحداث كانت تمد الأسواق الخليجية بجزء كبير من احتياجاتها من الخضراوات والفواكه والمواد الغذائية. وإلى جانب ذلك، فقد لحق ضرر بالغ بالتعاون الاقتصادي العربي، كالمشاريع المشتركة وتجميد بعض القرارات التي بدأ الأخذ بها جزئيا، كمنطقة التجارة العربية الحرة. لذلك يبدو المستقبل الاقتصادي أكثر غموضا بالنسبة لبلدان الأحداث، إذ إن هناك مؤشرات سلبية بدأت ظاهرة للعيان من خلال الانقسامات، وبالأخص في ليبيا والعراق وسوريا، والتي ستؤدي للمزيد من التدمير والتدهور الاقتصادي، مما سيجد له انعكاسات سياسية واقتصادية خطيرة على المنطقة ككل وسيعمق من أزمات البطالة والتدهور المعيشي والهجرة غير المشروعة والتأثيرات السلبية لتدفق اللاجئين للبلدان المجاورة. أما الاحتمال الآخر، فإنه يتعلق ببروز بعض الظواهر الإيجابية في الآونة الأخيرة، كإمكانية ترتيب الأوضاع في سوريا من خلال مؤتمر جنيف 2 المقرر في شهر يناير القادم والاتفاق الإيراني مع مجموعة 5+1، مما قد يمهد لاستقرار الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط والاهتمام بعمليات إعادة البناء باهظة التكاليف، إلا أن نتائجها ستكون إيجابية على مختلف البلدان. نجاح أي من الاحتمالين سيتوقف على العديد من الاعتبارات، فهناك المزيد من الأطراف الإقليمية والدولية المنغمسة في لعبة المصالح والمساومات والابتزاز ضمن عملية بعيدة المدى سيتوقف على نتائجها مستقبل التنمية بالمنطقة في السنوات القادمة.

754

| 11 ديسمبر 2013

شراكة اقتصادية استراتيجية

برزت من خلال معرض دبي للطيران في هذا العام بعض المستجدات في عالم صناعة الطيران، تلك المستجدات التي لا يمكن إغفالها والتي ستؤثر في مستقبل النقل الجوي وإعادة توزيع موازين القوى ومراكز خطوط الطيران الإقليمية والدولية. أول هذه المستجدات يكمن في الدور المتزايد الأهمية لشركات الطيران الخليجية، وبالأخص الإمارات والاتحاد والقطرية والتي استحوذت على أكثر من 80% من الصفقات وبعدد تجاوز 610 طائرات بقيمة 280 مليار دولار توزعت بين عمليات شراء وتعهدات مستقبلية بالشراء، منها 510 طائرات للشركات الإماراتية لتشكل بذلك واحدة من أكبر صفقات بيع الطائرات في المعارض الدولية ولتمنح معرض دبي أهمية إضافية. أما المستجد الآخر؛ فإنه يتعلق بمستقبل مراكز خطوط الطيران والذي بدأ في الانتقال من أوروبا إلى منطقة الخليج التي تتزايد فيها خطوط الطيران التي تربط الجهات الأربع للكرة الأرضية معززة موقعها بالطائرات بعيدة المدى مع تخفيضات كبيرة نسبيا في عمليات التشغيل واستهلاك الوقود. من هنا، فإن الانتقال من الأمريكتين إلى آسيا وإفريقيا يمر وبصورة متزايدة من خلال المركز الجديد للنقل الجوي في منطقة الخليج العربي والذي يقدم خدمات راقية وأسعار تنافسية، حيث يتوقع أن يتم افتتاح المزيد من الخطوط مع الأميركيتين والبلدان الآسيوية، بما فيها آسيا الوسطى والبلدان الإفريقية، خصوصا وأن بعض الشركات الآسيوية، كطيران سنغافورة قد أوقفت خطوطها المباشرة بين سنغافورة – نيويورك، كما أنها بصدد وقف الخط الآخر سنغافورة – لوس أنجلوس. ويتمحور المستجد الثالث في العلاقة ما بين الشركات المصنعة، وبالأخص الايرباص الأوروبية والبوينج الأمريكية وشركات الطيران الخليجية الثلاث حول تجذر المصالح المتبادلة، فبعد أن كانت شركتا التصنيع تعتمد بصورة أساسية في مبيعاتها وتطورها على الشركات الغربية، فإن مستقبلها أخذ يعتمد بصورة متزايدة على مبيعاتها للشركات الخليجية سريعة النمو، بحيث أضحى من الصعوبة بمكان تصور نجاح الإنتاج الجديد من الطائرات الحديثة وتغطية تكاليف إنتاجها دون التعاون مع الشركات الخليجية، حيث برز ذلك بصورة جلية في مشتريات طائرة الايرباص الضخمة 380. وبدلا من الانتقاد السابق للشركات المحلية من قبل مثيلاتها الأوروبية، فإن اللغة السائدة حاليا والتي فرضتها التغيرات على الأرض ترمي إلى زيادة التعاون والتنسيق بين الشركات المصنعة التي أدركت أهمية تعاونها مع الشركات الخليجية التي تستحوذ على جزء كبير من مشترياتها. ويتوقع أن يترتب على هذه المستجدات تغيرات مهمة في صناعة الطيران، فدول الخليج العربية سوف لن تكتف بلعب دور الزبون، بل إنها تسعى للمشاركة في اكتساب تقنيات الطيران، ربما ليس من خلال القيام بعمليات تصنيع كاملة في الوقت الحاضر، كما هو الحال في الصين والتي بدأت في إنتاج بعض طائرات الايرباص، وإنما من خلال قيام صناعات أجزاء من مكونات الطائرات لشركتي ايرباص وبوينج، كما هو الحال في دولة الإمارات وتدريب المواطنين والعاملين المحليين على تطوير مهاراتهم وخبراتهم في الصناعات الجوية. ونظرا لهذه الشراكة الإستراتيجية، فإن توفر رؤوس الأموال والنمو السريع لحركة النقل الجوي في منطقة الخليج العربي سوف يدفع باتجاه تطور صناعة الطيران في المنطقة من خلال إقامة المزيد من الصناعات المكملة وتصديرها للشركات الأم في الولايات المتحدة وأوروبا. إذن تقف صناعة الطيران الدولية أمام شراكات جديدة ومفيدة للأطراف المنضوية تحتها، كما أن الشركات الخليجية أصبحت لاعبا رئيسيا في المساهمة في تطوير تقنيات الطيران وتسهيل حركة النقل الجوي، وذلك بفضل سياساتها الجريئة والمدروسة وبفضل استثمارها في البنية التحتية للنقل الجوي والتي تطورت بصورة سريعة في العقدين الماضيين لتتمكن من منافسة المراكز الأخرى في العالم. لذلك يتوقع أن يكون لهذه المستجدات تأثيرات إيجابية على صناعة الطائرات والنقل الجوي من جهة وعلى الاقتصادات الخليجية الساعية إلى تنويع مصادر الدخل من جهة أخرى.

551

| 01 ديسمبر 2013

توحيد أسعار الطاقة خليجيا

كما هو الحال مع بقية اقتصادات العالم، فإن المستجدات الحديثة تفرض أجندتها على الاقتصادات الخليجية، فالتعرفة الجمركية والسوق الخليجية الموحدة لها متطلباتها، هذا عدا التطورات الملاحقة والسريعة في صناعة الطاقة والتي أفرزت أوضاعا جديدة لا يمكن تجاهلها. من هنا جاء تصريح وزير النفط العماني والتي شدد فيها على أنه لابد من إعادة النظر في أسعار الطاقة في دول مجلس التعاون الخليجي لوقف الهدر في الاستخدام والناجم أساسا عن رخص الأسعار وعدم الوعي بأهمية مصادر الطاقة المحدودة والمكلفة. وفي الوقت الحاضر، فإن أسعار المحروقات تتفاوت بصورة كبيرة بين دول المجلس، حيث تتراوح ما بين 60 – 172 فلسا للجالون لبنزين السيارات على سبيل المثال، كما أن هناك تفاوتا في أسعار الديزل، أما أسعار الكهرباء، فإنها أكثر تقاربا، إلا أن هذا التفاوت لا يستقيم مع السوق الخليجية المشتركة التي اتخذت دول المجلس خطوات عملية لاستكمالها، مما يعني أن تداعيات سلبية ستترتب على الاقتصادات المحلية في حال استمرار هذا التفاوت، حيث بدأت في البروز بعض الظواهر السلبية من خلال عمليات التهريب عبر الحدود والتي من الصعب وقفها. من هنا وضعت دول المجلس نصب عينيها مؤخرا توحيد أسعار الطاقة، وهو توجه إيجابي وسيساهم في دعم السوق المشتركة وتقريب تكاليف الإنتاج والنقل والقضاء نهائيا على التهريب الذي يضر بالاقتصادات الخليجية. ومع أهمية عملية التوحيد، إلا أن ذلك لن يكون أمرا سهلا ويسيرا، خصوصا وأن دعم أسعار الطاقة كبير في كافة دول المجلس الست وتكلف الخزانات الحكومية مبالغ طائلة سنويا، فدولة الكويت وحدها تقدم دعما سنويا للسلع والخدمات بقيمة 16 مليار دولار، مما يعني أن عملية التوحيد مطلوبة لأسباب اقتصادية ومالية تتطلبها الظروف الراهنة والمستقبلية. وفيما يتعلق بتوحيد الأسعار، فإنه يتوقع أن تسير باتجاه الأسعار الأعلى إذا فسر بصورة صحيحة تصريح الوزير العماني، إلا أن ذلك لابد وأن يكون متدرجا ومدروسا، فالتجارب السابقة تبين أن أسعار السلع والخدمات سرعان ما ترتفع بضعف ارتفاع أسعار المحروقات حتى وإن لم تكن هناك أسباب موضوعية قوية لارتفاع أسعار السلع، مما يتطلب من وزارات الاقتصاد والتجارة وضع ضوابط ومراقبة الأسواق والأسعار والتي لا يمكن السماح لها بتجاوز نسبة زيادة المحروقات في حالات الضرورة. وإلى جانب ذلك يمكن النظر في إمكانية صرف بدل طاقة لذوي الدخل المحدود في دول المجلس، وذلك لضبط الجوانب الاجتماعية التي قد تنجم عن هذه الزيادات، فالدعم الحالي تستفيد منه كافة فئات المجتمع، كما تستفيد منه الشركات وقطاع الأعمال المعفى من أي شكل من أشكال الضرائب، وهو القادر على دفع أسعار أكثر مناسبة لتكاليف إنتاج الطاقة. وبالنسبة للتدرج في توحيد الأسعار، فإنه يمكن أن يمتد على فترة ثلاث سنوات، أي حتى عام 2017 وهو موعد تشغيل القطار الخليجي والذي سيلعب دورا محوريا في انتقال السلع بين دول المجلس، وبالتالي تخفيض تكاليف النقل والتي عادة ما تكون سببا في ارتفاع الأسعار. وإلى جانب ذلك لابد وأن تواكب عملية التوحيد حملة توعية في كافة دول المجلس لشرح أهمية هذه الخطوة لتكامل الاقتصادات الخليجية والحد من هدر الطاقة والمياه والمحافظة عليهما ضمن التوجهات الرامية إلى تعزيز قاعدة التنمية المستدامة من خلال المحافظة على الموارد الطبيعية، بما فيها موارد الطاقة وحسن استخدامها بما يلبي الاحتياجات الحالية دون مبالغة ويحفظ حق الأجيال القادمة. من المعروف أن معدل استهلاك الطاقة والمياه في دول المجلس من أعلى المعدلات في العالم، إذ لا يعود بالضرورة إلى الاحتياجات الفعلية، وإنما إلى الهدر من قبل المستهلكين والذي أضحى لا يتناسب لا مع التقدم الاقتصادي ويأتي على حساب التنمية المستدامة في دول المجلس.

474

| 24 نوفمبر 2013

تحديات اقتصادية مستجدة

في كل عام يقدم المؤتمر السنوي للطاقة والذي ينظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية بأبو ظبي ما هو جديد في شؤون الطاقة وتحدياتها، وهو ما يمس بصورة مباشرة مصالح البلدان المنتجة للنفط والغاز، حيث ركز المؤتمر التاسع عشر والذي عقد مؤخرا على مسألة غاية في الأهمية تتعلق بالوقود الأحفوري غير التقليدي (النفط والغاز الصخريين) والذي يعتبر ثورة هيدروكربونية مقبلة لا بد من الاستعداد لها والتعامل معها، وذلك نظرا لتأثيراتها المباشرة على إنتاج النفط والغاز في العالم. وتشير العديد من الدراسات والبحوث التي قدمت للمؤتمر إلى أن تداعيات زيادة إنتاج النفط والغاز الصخريين لن تقتصر على التأثيرات التجارية المتعلقة بالإمدادات والأسعار، وإنما ستشمل هذه التغييرات جوانب إستراتيجية وجيوسياسية وإعادة خارطة التحالفات الإقليمية والدولية، وهو ما بدأت بوادره في البروز من خلال التودد الأمريكي المبالغ فيه لإيران بعد التقارير التي تشير إلى إمكانية تحول الولايات المتحدة إلى مصدر للنفط الخام في السنوات القادمة، وذلك بعد تحولها إلى مصدر رئيسي للغاز الطبيعي في السنوات القليلة الماضية. وفي مقاربة ذات مغزى كبير، فإن قيمة الغاز الصخري الأمريكي المصدر للأسواق الأوروبية يبلغ 6 دولارات للوحدة، مقابل 8 دولارات للغاز القطري، مما يعني تغير أسس المنافسة في سوق النفط والغاز بعد بروز لاعبين جدد، مما يتطلب من المنتجين التقليديين التوافق مع هذه المتغيرات الجديدة للمحافظة على مصالحهم. ومع أن التكاليف تلعب دورا بارزا فيما يتعلق بالنفط، إلا أن التقدم التكنولوجي سوف يقلل من الفارق في تكاليف الإنتاج بين حقول النفط التقليدية والصخرية، مما سيؤثر في الأسعار والتي يمكن أن تتدنى عن مستوياتها الحالية، مثلما حدث لأسعار الغاز والتي تدنت بنسبة كبيرة بلغت 73% منذ عام 2008 وحتى الآن. وقد أشار الدكتور جمال سند السويدي لدى افتتاحه المؤتمر: "أنه من المهم أن نعرف ما لنا وما علينا" من خلال دراسة مستجدات الطاقة، إذ في الوقت الذي تحاول فيه واشنطن والعواصم الغربية الابتعاد عن النفط الخليجي، فإن لا خيار لدى آسيا إلا الاعتماد على نفط الخليج، وذلك رغم سعيها، وبالأخص الصين والهند لإنتاج النفط والغاز الصخريين في السنوات القادمة، وذلك بسبب الارتفاع في الطلب على مصادر الطاقة في البلدين والناجم عن النمو السريع لاقتصاديهما. وبالإضافة إلى الصين والهند، فإن اليابان تعتبر أكبر مستورد للغاز في العالم، تليها كوريا الجنوبية في المرتبة الثانية، مما يعني أن البلدان الآسيوية أضحت معنية أكثر من الولايات المتحدة وأوروبا بأمن الخليج واستقراره، فمصادر الطاقة الخليجية بالنسبة لها تأتي في المرتبة الأولى، وهي مساوية لنفس أهمية نفط الخليج لأوروبا الغربية في النصف الثاني من القرن الماضي. إذن تقف منطقة الخليج العربي على أعتاب اصطفاف جديد ليس للتحالفات الاقتصادية فحسب، وإنما السياسية والأمنية والإستراتيجية، ففي النهاية يعتبر ذلك سلة متكاملة من لعبة المصالح الدولية التي لا تحتمل العواطف أو العلاقات التاريخية التقليدية القابلة للتغيير السريع. وللخروج باستنتاجات صحيحة، فإن أحد الأمور المهمة تكمن في الإسراع في إقامة مركز خليجي لدراسات الطاقة يمول من قبل مجلس التعاون، فإنتاج النفط والغاز الصخريين ومصادر الطاقة البديلة، كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح ومصبات الأنهار، إضافة إلى الطاقة النووية تتطور بصورة سريعة، وإذا كانت التكاليف قد حدت في العقود الماضية من سرعة تطورها، فإن التقدم التكنولوجي يزيل الكثير من العقبات السابقة ويؤدي إلى تخفيض تكاليف الإنتاج بصورة متواصلة. ومع أن النفط والغاز ما زالا المحرك الأساسي للنمو في دول المنطقة، فإن الاهتمام بالتطورات المحيطة بهما والخروج باستنتاجات صحيحة لابد وألا يقتصر فقط على دراسات وبحوث المنظمات الدولية والخارجية، بل أصبح من الضرورة الموضوعية إيجاد مراكز محلية تضمن تقديم الرؤى للمحافظة على زخم النمو وإيجاد البدائل وتوثيق التحالفات في ظل أوضاع دولية تتغير بسرعة غير متوقعة.

450

| 17 نوفمبر 2013

الأسس الاقتصادية للدولة الوطنية

عادة ما يتم تجاهل العامل الاقتصادي عند الحديث عن تدهور الأوضاع العربية التي أعقبت تغيير الأنظمة في عدد من البلدان، كمصر وليبيا وتونس والعراق واليمن والتدهور المريع للأوضاع في سوريا والناجم عن الحرب الأهلية هناك. لقد كان العامل الاقتصادي وعلى الدوام هو المحدد الأول لاستقرار الدول، وبالأخص إذا ما اقترن ذلك بالتوزيع العادل للاستثمارات بين المناطق وتوفير الخدمات وفرص العمل والمساواة بحدها الأدنى، حيث أدى التفاوت الاقتصادي وإهمال المناطق النائية إلى إشعال الحروب الأهلية وتأجيج محاولات الانفصال، مثلما حدث في السودان بين شماله وجنوبه ومثلما يحدث في اليمن في الوقت الحاضر، حيث يتهم الجنوب الشمال بتحويل عائدات النفط للمركز. والغريب أن هذا التفاوت الاقتصادي لا يشمل البلدان النامية فحسب، وإنما البلدان المتطورة أيضا، إذ يلاحظ التفاوت بين شمال إيطاليا وجنوبها، حيث البطالة والتي زادت من حدتها الأزمة المالية العالمية، في حين استطاعت بلدان أخرى التعامل بحكمة وسخرت العامل الاقتصادي لاستقرار بلدانها من خلال التوزيع العادل للاستثمارات وتقريب مستويات المعيشة، وبالتالي إرضاء كافة شرائح المجتمع، بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية أو الدينية أو السياسية. وتبرز في هذا الصدد تجارب مهمة، سواء في البلدان النامية، كالهند، أو في البلدان المتقدمة، كألمانيا والتي استطاعت بحكمة استيعاب ألمانيا الشرقية انهيار المعسكر الشرقي بكل فقر اقتصادها وضخت استثمارات هائلة للنهوض باقتصاد الجزء الشرقي وهو ما أدى إلى نجاح توحيد ألمانيا من جديد. في نفس الوقت يعاني الحزب القومي الأسكتلندي من صعوبات حقيقية للفوز في الاستفتاء المزمع تنظيمه العام القادم 2014 في بريطانيا والرامي إلى انفصال أسكتلندا عن المملكة المتحدة، وتكمن صعوبة المهمة في المستوى المعيشي الجيد الذي يتمتع به الأسكتلنديون في ظل المملكة المتحدة وغموض أهداف الحزب القومي الذي يسعى إلى جر أسكتلندا إلى المجهول. ومن بين التجارب الخاصة بوحدة المكون الاقتصادي برزت في هذا الجانب التجربة الإماراتية، كتجربة عربية فريدة من نوعها تملك صفة الديمومة بفضل الحكمة في تناول الشأن الوطني والاستناد إلى الأسس المادية في إيجاد تنمية متوازنة بين مناطق الدولة والتوزيع المدروس للاستثمارات والمشاريع التنموية والتي أوجدت تقاربا بين المستويات المعيشية ووفرت فرص العمل والاستقرار للمواطنين بغض النظر عن أماكن تواجدهم وطبيعة عملهم. وتعود هذه السياسة الثابتة إلى بدايات تأسيس الاتحاد، حيث عمل المغفور له الشيخ زايد على تقليص الفوارق التي كانت موجودة بين الإمارات النفطية وغير النفطية قبل قيام الاتحاد وسعى بخطى حثيثة إلى تقريب مستويات المعيشة، وهي التوجهات التي ما زالت معتمدة وتساهم في تقدم الدولة واستقرارها، حيث يمكن تلمس تنفيذ المشاريع التي تشمل كافة مناطق وإمارات الدولة. لذلك، فإن التجربة الإماراتية الاتحادية يمكن تقديمها، كنموذج للبلدان التي تبحث عن مخرج لأزماتها وتفاوتاتها الاقتصادية والاجتماعية، فالارتهان إلى العواطف الطائفية والأيدلوجيات الجامدة، مثلما يحدث في بعض البلدان حاليا لا يمكن إلا أن يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار وزيادة الفوارق بين مكونات المجتمع، أما الأسس الموضوعية والمساواة الاجتماعية والمشاريع التنموية وتقريب معدلات النمو بين المركز والأطراف، فإنها تعتبر القواعد الأساسية التي يقوم عليها بناء ومستقبل الدولة الوطنية. عند هذا المستوى من التقدم يمكن فقط تعزيز الانتماء بارتباط مصالح فئات المجتمع الذين يشعرون بالاطمئنان وبوجود مصالح مشتركة لهم لاستمرار وجودهم ضمن الدولة الوطنية التي ستعني لهم في هذه الحالة التنمية المستدامة والازدهار الاقتصادي والاستقرار على المدى البعيد.

612

| 10 نوفمبر 2013

تجربة تنموية وشراكة إستراتيجية

قبل أربعين عاما كانت مستويات التنمية في كوريا الجنوبية قريبة جدا من مستويات التنمية في العديد من البلدان العربية، بما فيها مصر، إلا أن التفاوت أخذ يتسع ليشكل فارقا كبيرا في الوقت الحاضر، حيث تناول المنتدى العاشر للتعاون الكوري الشرق الأوسطي الأسبوع الماضي في العاصمة الكورية، سيئول والذي نظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث مواضيع اقتصادية وإستراتيجية مهمة تتعلق بجوانب عديدة، يأتي من ضمنها الاستفادة من التجربة التنموية الكورية المميزة. ومن بين بلدان الشرق الأوسط تحظى العلاقات الخليجية الكورية بأهمية خاصة لشموليتها وتعدد أوجهها والتي تمتد لتشمل مجالات التجارة والاستثمار والخدمات والاتصالات والتقنيات الحديثة والطاقة النووية. وفي المجال التجاري، فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين دول مجلس التعاون وكوريا 112 مليار دولار في عام 2012، وهو ما يشكل نسبة كبيرة تبلغ 11% من التجارة الخارجية لكوريا، أما حجم الاستثمارات المتبادلة بين دولة الإمارات وكوريا على سبيل المثال، فقد وصل إلى 3.2 مليار دولار، كما بلغ حجم العقود التي حصلت عليها الشركات الكورية في الإمارات 28 مليار دولار في عام 2012 وبارتفاع بنسبة 9.4% عن عام 2010، حيث تأتي عقود بناء أربع محطات للطاقة النووية في مقدمة هذه العقود التي فازت بها الشركات الكورية بعد منافسة حادة مع شركات عالمية، مما يدل على مدى الأهمية التي تتصف بها العلاقات بين الجانبين، وتعمل في الوقت الحاضر في دولة الإمارات 300 شركة كورية جنوبية، أما في مجال الطاقة، فإنه يتم الآن تخزين 6 ملايين برميل من خام أبوظبي في كوريا، كما شكل في نفس العام مجلس الأعمال الإماراتي الكوري لإيجاد شراكة إستراتيجية بين الجانبين. وفي هذا الصدد، فإنه من المهم مستقبلا التركيز على الكيفية التي يمكن من خلالها تنمية وتدعيم هذه الشراكة الإستراتيجية بين دول مجلس التعاون وكوريا الجنوبية والتي ستجد لها انعكاسات على علاقات كوريا بدول مجلس التعاون بحكم السوق الخليجية المشتركة، حيث يمكن تسريع المباحثات لإقامة منطقة للتجارة الحرة بين الجانبين من خلال الأمانة العامة والتي ستؤدي إلى تسهيل التبادل التجاري وتنميته بفضل إلغاء الحواجز الجمركية، مما سيرفع من القدرة التنافسية للمنتجات الكورية والخليجية. وفي الوقت نفسه تعتبر الاقتصادات الخليجية والاقتصاد الكوري من أكثر الاقتصادات ديناميكية في العالم، مما يعني توفر إمكانات حقيقة وكبيرة للتعاون في مجالات الطاقة، كتلك الاتفاقية التي وقعت بين شركة بترول أبوظبي الوطنية "ادنوك" وشركة النفط الكورية "كنوك" للتنقيب عن النفط، وذلك إضافة إلى الفرص المهمة في قطاع الاستثمار والخدمات والاتصالات والصناعة، كصناعة البتروكيماويات والسفن، كما تعتبر كوريا من أكبر مستوردي الغاز القطري في العالم، علما بأنها تستورد 20% من احتياجاتها من الطاقة من دول مجلس التعاون الخليجي. وفي سبيل تنمية هذه العلاقات، فإنه لابد من تعزيز التعاون في المجال المالي والمصرفي والذي مازال متواضعا رغم أهميته الكبيرة والمتنامية للاقتصادات الحديثة، فتواجد المؤسسات المالية والمصرفية لدى الجانبين متواضعة حتى الآن، وذلك رغم أهميتها لتنمية العلاقات والتنوع الاقتصادي، حيث يمكن افتتاح المزيد من المؤسسات المالية والمصرفية المتبادلة، بل وإقامة مؤسسات مالية مشتركة. هذه بعض من التوجهات العملية التي يمكن أن تساهم في تنمية الشراكة الإستراتيجية بين دول مجلس التعاون الخليجي وكوريا الجنوبية والتي يمكن دراستها والعمل على تنفيذها، مما سيشكل نقلة نوعية أخرى تعزز من العلاقة مع شريك يمكن الوثوق به.

821

| 03 نوفمبر 2013

الصراع الاقتصادي القادم

عندما أصدر المفكر الأمريكي "لستر ثورو" كتابه القيم المتناطحون "Head to Head" قبل أكثر من 25 عاما والذي قام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية بترجمته تحدث عن الصراع القادم بين الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، إلا أن العالم تغير كثيرا خلال ربع القرن الماضي وجرت مياه هائلة من تحت الجسر، إذ شملت هذه التغيرات كافة بلدان العالم وتجمعاته الاقتصادية دون استثناء. وإذا ما أخذنا القوة الاقتصادية الكبرى التي تحدث عنها ثورو، فإن الولايات المتحدة تراجعت قوتها وثقلها الاقتصادي لتتقلص نسبتها من الاقتصاد العالمي من %25 إلى أقل من %20 في الوقت الحاضر، أما الاتحاد الأوروبي بقيادة الماكينة الألمانية، فقد عزز من ثقله، وذلك رغم الأزمة المالية التي عصفت به. وفي آسيا شهد الاقتصاد الياباني شبه جمود خلال السنوات العشر الماضية، بحيث لم يحقق نسبة نمو تذكر وبقيت معدلات النمو قريبة من الصفر، في الوقت الذي حقق جاره الصيني القفزة بعد الأخرى ليتجاوز فرنسا وبريطانيا ومن ثم ألمانيا واليابان وليحتل المركز الثاني، كأكبر اقتصاد عالمي بعد الولايات المتحدة في فترة زمنية قصيرة نسبيا. لقد غير ذلك الكثير من الثوابت في العلاقات الدولية وفي الفكر الاقتصادي بشكل عام، اذ لم تعد باعتقادنا نظرية السيد "ثورو" صالحة، باعتبار أن الصراع القادم هو بين القوى الثلاث التي حددها سابقا. ومن وجهة نظرنا، فإن الصراع الحالي هو بين الولايات المتحدة وأوروبا والصين والتي تشكل القوى الاقتصادية الثلاث الرئيسية وتستحوذ على ما يقارب %60 من الاقتصاد العالمي، حيث سيحتدم الصراع بينها وبشدة في السنوات القادمة، أما اليابان، فقد خرجت من المعادلة، وهي تسعى لبذل محاولات لاستعادة بعض قواها، إلا أن اشتداد حدة هذا الصراع لا يتيح لها الكثير من المناورة، وبالأخص بعد الضرر الذي لحق بقطاع الطاقة لديها بسبب كارثة مفاعل فوكوشيما النووي. ومن بين القوى الثلاث المكونة للصراع القادم، تأتي الصين في المقدمة حتى الآن، فهي الأسرع نموا والأكثر استقطابا للمشاريع الصناعية والتوسع الاقتصادي في العالم على حساب القوى التقليدية، وذلك بفضل القدرات التنافسية الهائلة التي تتمتع بها وكثافة إنتاجها ورخص قواها العاملة. ويأتي الاتحاد الأوروبي في المرتبة الثانية، وربما يكون الأكثر قدرة من الصين إذا ما تمكن من تجاوز تداعيات الأزمة واستطاع أن يوحد سياساته المالية، وهو ما يسعى إليه حاليا، حيث سيؤدي ذلك إلى تعزيز مكانة اليورو وإيجاد سياسة مالية أوروبية موحدة وقادرة على ضبط التجاوزات السابقة واستقطاب رؤوس أموال هائلة لمنطقة "اليورو"، علما بأن بريطانيا ما زالت تهدد بالانسحاب من الاتحاد في العام القادم 2014 من خلال استفتاء، مما قد يضعف الاتحاد وبريطانيا على حد سواء. تبقى الولايات المتحدة الأقل قدرة والمتراجعة، وذلك رغم الدفعة الكبيرة التي حصلت عليها بفضل الغاز والنفط الصخريين واللذين حولاها إلى دولة مصدرة للهايدركربون مرة أخرى، إلا أن عجز الموازنة وارتفاع حجم الدين تشكل مخاطر جدية للاقتصاد الأمريكي المريض. وبالإضافة إلى المكونات لاقتصادية، هناك التعليم والتقنيات الحديثة وعالم الاتصالات والمصادر الطبيعية والتحالفات والتي سيكون لها دور مؤثر في الصراع القادم بين القوى الثلاث. والى جانب هذه القوى، فمن غير المستبعد أن تدخل قوى جديدة وبقوة ضمن الصراع القادم، وذلك إذا ما تغيرت موازين القوى بسرعة، فمجموعة "بريكس" بقيادة الصين إلى جانب الهند وروسيا والبرازيل وجنوب إفريقيا تحاول تغيير الموازين الاقتصادية والاستراتيجية في العالم، الا أن التناقضات التقليدية بين بعض اقطابها (الصين والهند) ربما يعرقل بعض توجهاتها المستقبلية، بما فيها إقامة مؤسسات مالية ذات طابع عالمي. هذه صورة موجزة جدا لطبيعة التغيرات القادمة تتضمنها الكثير من التفاصيل والرؤى الشاملة التي هي بحاجة إلى تحليل لاستخلاص النتائج وتحديد السياسات والتوجهات التي تناسب كل دولة أو مجموعة من الدول وتعزيز من قدراتها التنافسية ونسج التحالفات التي تحافظ على مصالحها.

1035

| 27 أكتوبر 2013

تحالف اقتصادي قادم

رغم الصعوبات التي تواجه إقامة منطقة للتجارة الحرة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلا أنه من الواضح أن اتفاقا نهائيا بهذا الشأن سوف يتخذ في نهاية المطاف، مما يعني إقامة أكبر منطقة للتجارة الحرة في العالم بين ضفتي الأطلسي سيكون لها تداعيات على التجارة الدولية وعلى علاقة الطرفين الاقتصادية والتجارية ببقية البلدان، علما بان مثل هذه الخطوة تستجيب ومصالح الطرفين في ظل التغيرات الدولية. وتستحوذ الولايات المتحدة وبلدان الاتحاد الأوروبي على 45% من الاقتصاد العالمي وعلى ثلث التجارة الدولية، إذ أن الاتفاق بينهما على إقامة منطقة للتجارة الحرة سوف يؤدي دون شك إلى تأثر تجارتهما مع بقية البلدان وسيرفع من القدرات التنافسية لمنتجاتهم في الأسواق الأوروبية والأمريكية. وضمن القضايا الإيجابية العديدة، فإن هذا الاتفاق المتوقع سيعزز النمو الذي يطمح إليه الطرفان وسيساهم في خلق مئات الآلاف من فرص العمل، خصوصا وأن هذه الاتفاقية سوف لن تقتصر على إزالة الرسوم الجمركية، كما هو متعارف عليه في مثل هذه الاتفاقيات، وإنما سيشمل ذلك أيضاً تحرير التجارة في قطاع الخدمات، وهي خطوة متقدمة إذا ما قورنت بتحرير التجارة في نطاق منظمة التجارة العالمية والتي ما زالت جولة الدوحة الخاصة بتحرير الخدمات تراوح مكانها منذ عدة سنوات. وبما أن الأمر يتعلق بهذا الحجم من التغيير في التجارة الدولية، فإنه لا بد في المقابل أن تسعى بقية بلدان العالم إلى إعادة ترتيب أوضاعها التجارية، بما فيها توقيع المزيد من اتفاقيات التجارة الحرة، وبالأخص مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين والهند وتركيا والبرازيل وروسيا واستكمال تطبيق الاتفاقيات في نطاق كل تكتل، كتلك الاتفاقيات الموقعة بين دول مجلس التعاون الخليجي، إذ اقتصر تطبيق اتفاقية التجارة الحرة والاتحاد الجمركي الخليجي الذي أعقبها على تحرير تجارة السلع، في حين ما زالت تجارة الخدمات وحرية انتقال الاستثمارات ورؤوس الأموال تعاني من بعض الصعوبات والإجراءات الإدارية المعقدة. بالتأكيد اتفاقيات بهذا الحجم وهذه الأهمية لا بد وأن تواجه صعوبات عديدة وتضارب في المصالح، الا أن التغلب عليها والوصول لتوافقات ومساومات أمر متاح دائما، إلا أنه لا بد من تحديد فترات زمنية لعملية المفاوضات ومن ثم التطبيق. وإذا ما أخذنا على سبيل المثال موضوعنا الحالي الخاص بمحاولات إقامة أكبر منطقة للتجارة الحرة في العالم بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، فإن العديد من الصعوبات ما زالت قائمة، فهناك التفاوتات الخاصة بالزراعة والدعم المقدم لهذا القطاع الحيوي ومسائل حماية البيئة والأغذية المعدلة وراثيا التي تعترض عليها أوروبا، كما أن بعض الأوروبيين يعتقدون أن هذه الاتفاقية سوف تمنح الشركات الأمريكية متعددة الجنسية امتيازات تتعارض مع المعايير الأوروبية. في المقابل لدى بعض الجهات الأمريكية مواقف متشددة تجاه بعض المطالب الأوروبية، كالقيود المفروضة على مزودي الخدمات وعلى بعض أنواع السلع الأمريكية غير المطابقة للمواصفات الأوروبية. الفرق أنه في هذه الحالة هناك حلحلة بين فترة وأخرى وتنازلات من الطرفين وتوافقات من أجل مكاسب ذات أبعاد استراتيجية وتهيئة لأوضاع الجانبين للمحافظة على مواقعهما وتعزيزها في التجارة والعلاقات الدولية، وهو ما يتطلب استيعابه والاستفادة منه في التعاون مع الأطراف الأخرى وفي نطاق التحالف في كل تكتل على حدة. والخلاصة أن العالم يقف على بعد خطوات من تغير جذري في العلاقات الاقتصادية والتجارية الدولية ستترك آثارها على طبيعة هذه العلاقات من جهة وعلى علاقات كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مع بقية البلدان من جهة أخرى، مما يتطلب في المقابل الاستعداد من خلال تقوية التكامل الإقليمي في نطاق التكتلات، كالتطبيق الكامل للاتفاقية الاقتصادية بين دول مجلس التعاون الخليجي وتعزيز وتنويع التحالفات مع القوى الاقتصادية الصاعدة في العالم.

862

| 20 أكتوبر 2013

أزمة مالية أمريكية مستجدة

إذا مرض الاقتصاد الأمريكي، فإن اقتصادات بقية بلدان العالم تصاب بالحمى، هذا هو وضع الاقتصاد الدولي وربما يمتد إلى حين، إذ إن لهذا الوضع ما يبرره، فالاقتصاد الأمريكي يشكل 20% تقريبا من الناتج العالمي، هذا عدا الدور المهيمن للدولار في المعاملات المالية والنقدية وحجم الاستثمارات الأجنبية، بما فيها العربية في الولايات المتحدة. وكما هو الحال تأزمت الأوضاع المالية هناك مؤخرا بسبب رفض الكونجرس لمشروع الميزانية، مما أدى لتوقف جزء من نشاطات الحكومة الاتحادية، علما بأن هناك موضوعا آخر قادما أكثر أهمية وتحديا للاقتصاد العالمي، وهو موضوع رفع سقف الدين الأمريكي والمقرر تبنيه أو رفضه بعد أيام قليلة بتاريخ 17 أكتوبر الجاري. وإذا كان موضوع الميزانية يتعلق بشأن أمريكي داخلي بصورة أساسية، فإن موضوع سقف الدين العام يعتبر مسألة دولية تمس اقتصادات معظم البلدان، وهو ما يثير مخاوف قد تعرض العالم لأزمة جديدة تتجاوز مخاطرها الأزمة المالية التي حدثت قبل خمسة أعوام ومازالت تداعياتها تتوالى. ماذا يمكن أن يترتب على عدم رفع سقف الدين؟ يبلغ حجم سقف الدين العام الأمريكي حاليا 16.7 تريليون دولار وهو قريب من حجم الناتج المحلي، إلا أنه لا يفي بغرض تسديد الالتزامات المالية المترتبة على واشنطن، مما يتطلب رفع السقف وإلا واجهت الحكومة خطر التخلف عن السداد. وبما أن الكثير من البلدان، بما فيها العديد من البلدان العربية الغنية تستثمر مئات المليارات من الدولارات في سندات الخزانة الأمريكية، فإن عدم القدرة على السداد سيلحق بها خسائر جسيمة، خصوصا وأن بعض البلدان تعتمد جزئيا على عائدات الخزينة في تمويل بعض مشاريعها التنموية، كما أن عدم القدرة على السداد سيعرض الأوضاع المالية الدولية لانتكاسة خطيرة في ظل أوضاع اقتصادية مهزوزة وغير مستقرة ناجمة عن الأزمة السابقة. وإلى جانب الصين واليابان، فإن السعودية من خلال مؤسسة النقد أو البنك المركزي، فإن معظم أصولها البالغة 690 مليار دولار مقومة بالدولار، مما يضعها على قائمة أحد أكبر حاملي سندات الحكومة الأمريكية، وذلك إضافة إلى أن أصول العديد من البلدان العربية الأخرى مقومة بالدولار كذلك، مما يعني أن الأزمة الأمريكية فيما لو حدثت سوف لن تستثني أحدا. ومع أنه من المرجح أن تقر الميزانية وأن يرفع سقف الدين العام لتتمكن الولايات المتحدة من الإيفاء بالتزاماتها، إلا أن ذلك لن يتم بسهولة، إذ هناك تصفية حسابات بين إدارة أوباما وبين خصومه "الجمهوريين"، وبالأخص اعتراضهم على برنامج الرعاية الصحية أو ما يعرف "بأوباما كير"مما يعني أن الاقتصاد العالمي قد يتعرض لهزة مؤقتة، على اعتبار أن البديل هو إفلاس الحكومة الأمريكية وهو ما لم يتحمله الاقتصاد العالمي. ولكن إلى أي مدى يمكن للولايات المتحدة رفع سقف الدين العام؟ سؤال آخر مهم، فالاقتصاد الأمريكي ليس في أحسن حالاته، كما أن ميزان القوى الاقتصادية في العالم لا يسير لصالحها، فهناك البلدان الناشئة بقيادة الصين وبلدان الاتحاد الأوروبي برئاسة ألمانيا والعولمة وانفتاح الأسواق واشتداد المنافسة، كلها عوامل لا تصب لصالح الاقتصاد الأمريكي المعتمد على الديون للمحافظة على قوة اندفاعه الضعيفة. وإذا ما استمر الحال على هذا المنوال، فإنه سيأتي اليوم الذي تعجز فيه الولايات المتحدة عن الإيفاء بالتزاماتها المالية، فسقف الدين ربما تجاوز الحدود القصوى أو هو في طريقه إلى ذلك، مما يهدد بالانهيار الاقتصادي. من هنا لابد من التفكير منذ الآن في مسألة الاستثمارات الخليجية والعربية المقومة بالدولار، بما فيها سندات الخزانة الأمريكية، إذ إن ما يحدث الآن هو ناقوس خطر لابد من الانتباه إليه والاستفادة من تطوراته من خلال إعادة رسم خريطة الاستثمارات في الخارج بصورة أكثر توازنا لتعبر عن الاصطفاف الجديد للقوى الاقتصادية الدولية.

332

| 13 أكتوبر 2013

اقتصادات دول التعاون وسنغافورة

تعتبر التجربة السنغافورية تجربة رائدة على مستوى العالم، حيث أضحت نموذجا تنمويا يقتدى به، بدورها تمثل التجربة التنموية لدول مجلس التعاون الخليجي تجربة نجاح فريدة في منطقة الشرق الأوسط المليئة بالإخفاقات والتوترات المستمرة. من هنا، فإن التعاون الوثيق بين الجانبين الخليجي والسنغافوري ستكون له تداعيات مهمة على اقتصادات الطرفين، إذ لكل تجربة خصائصها التي يمكن أن يستفيد منها الطرف الآخر، كما أن تنوع الاقتصادات الخليجية والاقتصاد السنغافوري يمكن أن يكملا بعضهما البعض من خلال فتح مجالات واسعة للتعاون. ومع مطلع شهر سبتمبر الماضي دخلت حيز التنفيذ اتفاقية التجارة الحرة بين دول المجلس وسنغافورة، وهي اتفاقية مهمة للغاية ستتيح في حالة استغلال بنودها في تطورات لافتة ليس على مستوى التبادل التجاري فحسب، وإنما على المستويات الاقتصادية والتنموية الأخرى، مما سيؤدي إلى الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستويات جديدة، خصوصا وأن سنغافورة تعتبر البوابة الرئيسية للتجارة والمال والأعمال في الشرق الآسيوي، في حين تعتبر دول المجلس البوابة الأولى للتجارية والأعمال في الشرق الأوسط، إضافة إلى كونها المنتج الأول للنفط في العالم. وضمن قضايا أخرى عديدة تتيح هذه الاتفاقية إيجاد شراكة اقتصادية وتعاون اقتصادية وعلمية وتعليمية على اعتبار أن اتفاقية التجارة الحرة تغطي مجالات عديدة، كتجارة السلع والخدمات والاستثمار والتجارة الإلكترونية والتي تتطور بسرعة فائقة في دول المجلس وفي سنغافورة التي طبقت لأول مرة في العالم مناطق مجانية كاملة لشبكة الإنترنت. وكدليل على الآفاق المحتملة لتنمية العلاقات الاقتصادية يمكن الإشارة هنا إلى النمو الكبير للتبادل التجاري بين دول المجلس وسنغافورة في السنوات الخمس الماضية، حيث ارتفع التبادل التجاري بين الجانبين بنسبة 62% في العام الماضي 2012 مقارنة بعام 2007 ليبلغ 54.5 مليار دولار أمريكي، إذ تعتبر دول المجلس خامس أكبر شريك تجاري لسنغافورة، في حين حازت الشركات السنغافورية على عقود كبيرة خلال السنوات العشر الماضية في دول الخليج وبقيمة 16.5 مليار دولار. وفي هذا الصدد من المهم التنويه إلى ضرورة استفادة دول مجلس التعاون الخليجي من اتفاقيات التجارة الحرة الموقعة مع بعض بلدان العالم واتحاداته الاقتصادية، بما فيها تلك الاتفاقية التي بدأ العمل بها قبل شهر مع سنغافورة، فالاستفادة من الاتفاقيات السابقة كانت محدودة حتى الآن، حيث لم ينشط القطاع الخاص الخليجي في استثمار هذه الاتفاقيات لتنمية صادراته وإيجاد شراكات إستراتيجية. وضمن الاتفاقية الجديدة بالذات يمكن زيادة صادرات دول المجلس إلى الأسواق الكبيرة في شرق أسيا بصورة غير مباشرة، حيث تتمتع صادرات دول المجلس بإعفاءات جمركية تتيح زيادة صادرات المنتجات الأولية الخليجية من البتروكيماويات والألمنيوم إلى سنغافورة دون رسوم ويتم إعادة تصنيعها وتصديرها، على اعتبار أن عددا من هذه المنتجات يدخل ضمن مكونات الصناعات السنغافورية. وفي الوقت نفسه، فإن أسواق دول المجلس يمكن أن تشكل نقاط مرور للصادرات السنغافورية لبلدان الشرق الأوسط وإفريقيا. ونظرا لاشتراك دول المجلس وسنغافورة بالعديد من المؤشرات والتوجهات التنموية، كالمستويات المعيشة المرتفعة وتوفر السيولة النقدية، فإن إقامة شركات إستراتيجية، بما فيها الشركات المساهمة العامة يمكن أن يشكل نقلة نوعية من خلال تكامل السوقين واستغلال الحوافز والأفضليات التي تتمتع بها كل من المنتجات الخليجية والسنغافورية. وفيما عدا المجال الاقتصادي والاستثماري، فإنه يمكن لدول المجلس الاستفادة بشكل خاص من نظام التعليم المتقدم جدا في سنغافورة والذي يعتبر واحدا من أفضل نظم التعليم في العالم، مما يعني أن هذه الاتفاقية تتيح محالات تعاون غير مسبوقة بين الجانبين، إلا أن تطبيقها والاستفادة منها بحاجة لتعاون القطاع الخاص الخليجي والذي وفرت له دول المجلس أرضية قوية من البنى التشريعية والتسهيلات والاتفاقيات مع العديد من بلدان العالم.

519

| 06 أكتوبر 2013

المكاسب الاقتصادية "للشنجن" الخليجية

إذا ما صحت الأنباء الواردة من الأمانة العامة لدول مجلس التعاون الخليجي والخاصة بالتوصل إلى تطبيق التأشيرة الخليجية الموحدة "شنجن خليجية" اعتبارا من منتصف العام القادم 2014، فإن قطاع السياحة الخليجي تنتظره قفزة نوعية سيكون لها انعكاسات إيجابية كبيرة على نمو هذا القطاع بشكل خاص وعلى الاقتصادات الخليجية بشكل عام. لقد أصبح قطاع السياحة والنقل مكونا أساسيا من مكونات الاقتصادات الخليجية ومساهما مهما في ناتجها المحلي، فخلال عقدين من الزمن تحولت دول المجلس إلى مقاصد سياحية عالمية تتميز بالخدمات الراقية والتسهيلات والأسعار التنافسية، وذلك بفضل الاستثمارات الكبيرة في البنية التحتية للسياحة، وبالأخص في دولة الإمارات وقطر وعمان، وذلك إضافة إلى عمليات الترويج السياحي والاستقرار والأمن الذي يسود دول المجلس. وتشير بيانات مجلس السياحة العالمي إلى أن دولة الإمارات وحدها استحوذت العام الحالي على 42.5% من إجمالي إنفاق السياح في الشرق الأوسط، أما إذا ما أضيفت بقية دول المجلس، فإن هذه النسبة ستتجاوز 70%، كما جاءت مدينتا أبوظبي ودبي ضمن قائمة أكبر 100 وجهة عالمية لسياحة المؤتمرات وفق تصنيف الاتحاد الدولي للمؤتمرات والاجتماعات. ولكن ما هي أهمية "الشنجن" الخليجية وما يمكن أن تحدثه من تغيرات في خارطة السفر والسياحة الخليجية؟ يبدو أنه في حالة الأخذ بهذه التأشيرة الجماعية، فإن الانعكاسات ستكون مهمة ومتعددة وستشمل نتائجها الإيجابية كافة دول المجلس، خصوصا وأن هناك تنوعا في المقاصد السياحية في هذه البلدان، فإلى جانب سياحة المؤتمرات والسياحة الترفيهية والعائلة، هناك زيارات الأماكن المقدسة والتي تستقطب زوارا من معظم بلدان العالم. وفي حالة تطبيق "الشنجن" الخليجية، فإن ملايين السياح سوف لن تقتصر زياراتهم على بلد واحد، كما هو الحال في الوقت الراهن، وإنما ستمتد هذه الزيارات إلى أكثر من بلد خليجي، مما سينعش قطاع النقل، وبالأخص النقل الجوي وقطاع الخدمات المرتبطة بالسياحة، تلك القطاعات التي تكتسي المزيد من الأهمية في الاقتصادات الحديثة. وإذا ما افترضنا قيام أحد الزوار بحضور أحد المؤتمرات أو المعارض في بلد خليجي، فإن زيارة الأماكن الترفيهية والعائلية ستكون أحد الاهتمامات التي يضعها السياح في نطاق برامجهم، أما الملايين القادمة سنويا للحج والعمرة للأماكن المقدسة في السعودية، وبالأخص من البلدان البعيدة، فإن "الشنجن" الخليجية توفر لهم فرصة نادرة لزيارة بلد آخر من بلدان الخليج، سواء للتسوق أو لزيارة أقرباء لهم، حيث يعمل في دول المجلس الست أكثر من 20 مليون عامل أجنبي، والعكس صحيح، إذ يمكن للسياح من البلدان الخليجية الخمسة الأخرى زيارة الأماكن المقدسة أثناء إنجاز أعمالهم أو حضور البرامج والنشاطات المتعددة التي تحفل بها دول المجلس على مدار العام، حيث يمكن تلمس عملية تنقل مشابهة حاليا من خلال "الشنجن" الأوروبية التي أحدثت فارقا مهما في السياحة بين البلدان الأوروبية. وفي هذه الحالة، فإن إنفاق السياح سوف يرتفع بصورة ملحوظة، كما أن مساهمة قطاع السياحة في الناتج المحلي الإجمالي سوف ترتفع ليشكل أحد أهم القطاعات غير النفطية التي يمكنها المساهمة في تنويع مصادر الدخل وتوفير الوظائف، مما يعني أن هذا القطاع يمكن أن يشكل محركا أساسيا للنمو. ونظرا للمناسبات العالمية الكبرى التي يتوقع أن تستضيفها دول المجلس، كاستضافة دبي لاكسبو 2020 والدوحة لمونديال 2022، إضافة إلى استضافة أبو ظبي والمنامة السنوي للفورمولا1 فإن تطبيق "الشنجن" الخليجية سيؤدي إلى تطور المنشآت والمرافق العامة في كافة دول المجلس، خصوصا إذا ما ترافق ذلك مع تطوير متزامن للبنية التحتية المساعدة، كمرافق الخدمات على الطرق الخارجية وإقامة طرق تختصر المسافات، كجسر البحرين – قطر والذي سيربط في الوقت نفسه الإمارات وعمان بالبحرين والكويت واستكمال القطار الخليجي بحلول عام 2017، مما يعني تكامل قطاع السياحة والنقل ضمن السوق الخليجية المشتركة.

432

| 29 سبتمبر 2013

تعاون اقتصادي واعد بين دول التعاون وروسيا

تجمع دول مجلس التعاون الخليجي بروسيا الاتحادية مصالح إستراتيجية واقتصادية مهمة للغاية، وبالأخص بعد التغيرات الجذرية التي طالت العلاقات الدولية في السنوات القليلة الماضية والتي تمخض عنها تغيرات مماثلة في موازين القوى على المسرح الدولي، حيث لا تعبر العلاقات الحالية عن حجم المصالح المشتركة التي تجمعهم. من هنا جاءت زيارة الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان – ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة لموسكو لتعبر عن هذا التوجه الرامي للاستفادة من التطورات الجارية في العالم وإيجاد علاقات أكثر توازنا وتسخير هذه العلاقات للحفاظ على المصالح ودعم النمو بالاعتماد على التوجهات الإستراتيجية بعيدة المدى. وواقع الحال يقول إن مجالات التعاون هائلة، إلا أن وضعها الحالي لا يعبر عن الإمكانات، كما أشار إلى ذلك الرئيس بوتن، فالتبادل التجاري بين الإمارات وروسيا على سبيل المثال بلغ في العام الماضي 5.5 مليار درهم، وهو مبلغ متواضع جدا، إذا ما قورن بالقدرات التصديرية للإمارات وبالحجم الكبير للسوق الروسية وعدد السكان الذي يتجاوز 143 مليون نسمة، حيث يمكن الإشارة هنا إلى حجم التبادل التجاري مع الصين بلغ 147 مليار درهم العام الماضي. ويتوقع أن يترتب على هذه الزيارة نتائج مهمة، مما سيتيح فرصا استثمارية لا حدود لها، وبالأخص أن هذه الزيارة توجت باتفاقيات اقتصادية واستثمارية بين دائرة المالية بأبوظبي وصندوق الاستثمارات الروسية المباشرة، بحيث تقوم الدائرة باستثمار 5 مليارات دولار في البنية التحتية في روسيا. وتشترك روسيا ودول مجلس التعاون في العديد من القضايا المتشابهة باعتبارها دولا منتجة للنفط والغاز، حيث تستحوذ دول المجلس إلى جانب روسيا الاتحادية على أكثر من 30% من إنتاج النفط في العالم، إلا أن تعاونهما في هذا المجال مازال محدودا، علما بأن شركات النفط الروسية تملك استثمارات ضخمة في بعض البلدان العربية، كالعراق والجزائر وليبيا. وفيما عدا النفط، فإن روسيا تعتبر من المزودين الرئيسيين للسوق العالمية ببعض المنتجات الزراعية، وبالأخص القمح والشعير، هذا عدا عن صناعاتها العسكرية المتطورة وتقدمها في علوم الفضاء والاتصالات. أما دول المجلس والتي حققت صناعاتها، بما فيها الصناعات الاستهلاكية التي تحتاجها السوق الروسية بشدة، تقدما ملحوظا في السنوات الماضية، إلا أن الترويج لها وتسويقها في روسيا مازال ضعيفا، علما بأن المنتجات الخليجية تتمتع بمواصفات عالمية وقدرة تنافسية عالية، إذ إن الانفتاح على السوق الروسية يمكن أن يؤدي إلى إقامة مشاريع مشتركة في كافة القطاعات ويساهم في تنمية المنتجات في دول المجلس وروسيا وفي تنويع الدخل الوطني وتوفير الكثير من فرص العمل للمواطنين لدى الطرفين. لقد تطورت العلاقات في العديد من المجالات في العقدين الماضيين وافتتحت خطوط اتصال وطيران مع العديد من المدن الروسية، إلا أن قطاعات مهمة أخرى لم تطرق حتى الآن، فالتعاون في القطاع المالي والمصرفي مازال ضعيفا، علما بأن هذا القطاع بالذات بإمكانه المساهمة في تمويل المشاريع المشتركة وزيادة التبادل التجاري بين الجانبين. وفي هذا الصدد يمكن افتتاح فروع لبنوك روسية وفي المقابل يمكن للبنوك الخليجية افتتاح فروع لها في روسيا، كما يمكن النظر في إقامة مؤسسات تمويل وبنوك مشتركة مما سيؤدي إلى نقلة نوعية في العلاقات الاقتصادية وتبادل المصالح. لقد فتحت آفاق واسعة أمام تنمية استثمارات القطاعين الحكومي والخاص، مما يتطلب من القطاع الخاص الخليجي الاستفادة من الفرص المتاحة في السوق الروسية الكبيرة وأن يسعى لمد الجسور مع القطاع الخاص الروسي، خصوصا وأنه يتمتع بالدعم الحكومي وبالكثير من التسهيلات التي تقدم له.

347

| 22 سبتمبر 2013

alsharq
مواطن ومقيم

من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس...

1521

| 11 مارس 2026

alsharq
من سينهي الحرب؟                

سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا...

1494

| 16 مارس 2026

alsharq
«التقاعد المرن».. حين تكون الحكمة أغلى من «تاريخ الميلاد»

حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين،...

1275

| 11 مارس 2026

alsharq
العقل العربي والخليج.. بين عقدة العداء لأمريكا وغياب قراءة الواقع

أولاً: تمهيد - الضجيج الرقمي ومفارقة المواقف في...

1101

| 11 مارس 2026

alsharq
مضيق هرمز والغاز الطبيعي وأهمية البدائل

لم يعد الغاز الطبيعي مجرد سلعة اقتصادية، بل...

822

| 14 مارس 2026

alsharq
فلنرحم الوطن.. ولننصف المواطن والمقيم

عند الشروع في تأسيس أي نشاطٍ تجاري، مهما...

792

| 12 مارس 2026

alsharq
لا ناقة ولا جمل.. لماذا يدفعون الخليج إلى الحرب؟

«هذه حرب لا ناقة لي فيها ولا جمل»،...

738

| 15 مارس 2026

alsharq
حين تشتد الأزمات.. يبقى التعليم رسالة أمل

التعليم لا يقتصر على نقل المعرفة فحسب، بل...

729

| 15 مارس 2026

alsharq
الرفاه الوظيفي خط الدفاع الأول في الأزمات

في عالم تتسارع فيه التغيرات الاقتصادية والتنظيمية، وتزداد...

726

| 12 مارس 2026

alsharq
اقتصادات الظرف الراهن

نشيد أولاً بجهود الدولة بمختلف مؤسساتها وإداراتها في...

702

| 14 مارس 2026

alsharq
رمضان والعشر الأواخر

تُعد العشر الأواخر من رمضان فرصة أخيرة لا...

669

| 16 مارس 2026

alsharq
إعادة ضبط البوصلة

ما الأزمات التي تحاصرنا اليوم إلا فصول ثقيلة...

666

| 13 مارس 2026

أخبار محلية