رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الكاتب القوقلي

الكتابة لغة نصية، عن طريقها تسري الأفكار والآراء والرؤى والمنطق، ناهيك عن كونها توثيقا للتاريخ والمستقبل. والكتابة أداة الكاتب وعصاه السحرية، هي السحر الحلال، الذي يحول الضجيج المتمركز في الذهن، إلى حروف وعبارات، بكل ما تحويه من خيال وصور، ورصانة في التعبير، وجزالة في الصياغة. و لأن كل شيء في أوله فكرة، إذ هي اللبنة الأولى في العالم الإبداعي بشكل عام، وفي عالم الكتابة بشكل خاص، فإنها العتبة الأولى التي تخطو بنا إلى كونٍ بلدانه الجمال، ومدنه التصوير، وأزقته الكلمات. والكاتب عندما يشرع في الكتابة، فإنه يمر بمرحلة عصيبة، ابتداءً من خلق الفكرة إلى ولادة النص الكتابي، وبعث الروح فيه، كنص يصلح للنشر، أيًا كان لونه، كالشعر أو النثر أو المقالة أو الرواية..الخ، وهو ما يسمى بالعملية الإبداعية، وهي مرحلة مضنية في طبيعتها، إذ يعبرها الكاتب بكل أفكاره ومعلوماته وصوره الذهنية، بجميع مراحلها من مرحلة الإعداد أو التحضير، إلى مرحلة الاحتضان أو الاختمار، وصولًا بمرحلة الإشراق أو الإلهام، انتهاءً بمرحلة التحقيق أو إعادة النظر. ولكن المصيبة في من يختصر كل ذلك، في قفزة واحدة، ليتحول في النهاية إلى كاتب! كاتب دون فكرة مختمرة، دون إلهام حقيقي يجرفه ناحية الإبداع، دون مفردة وصورة ذهنية، دون الإحساس بالانتماء أن هذا العمل من إنتاجي ووقتي وجهدي وأعصابي. وقد شاعت مؤخرًا ظاهرة " الكاتب القوقلي " وهي أن يقوم " مدّعي الكتابة " وليس الكاتب، بالاعتماد بشكل كلي على محرك البحث "قوقل" ليس كمرحلة بحث وتحقيق، ولكن كمرحلة صناعة نص عن طريق "القص واللصق "! نصوص كتلك تفتقد الروحين، روح الكاتب وروح الإبداع، إننا نقرأ حينها أعمالًا كالجثث، خافتة المعنى، مشتتة الفكرة، تكاد تنعدم فيها الرؤية لاختلافها وتصادمها، ذاك لأن المصدر قد لا يكون واحدا. إن مثل هذا الإنتاج، لا يمكن أن يقوم على سواعده الأدب، إذ هو في الأساس دخيل على الحياة الأدبية والمجرة الإبداعية. لعل الذائقة قادرة على التفريق بين الغث والسمين، والجمال لا يمكن أن ينطلي على ما هو كاذب وباطل، فالأيام تكشط ما يمر من خلالها، ليتراجع الزيف خائبًا، من على بوابة الأبدية وسرمدية التاريخ. العمل الأصيل هو عمل ثابت، واثق من توثبه إلى القمة في أية لحظة، لا يثنيه عن ذلك سوى المنافسة الشريفة، والمستويات المشابهة أو المتقدمة، ويبقى المزور، — على سبيل المثال "الكاتب القوقلي" — وجودًا غريبًا، يفتقر الثقة في التقدم أمام الحشد الحقيقي، غافلًا من أن الانتماء شطر النجاح، والوجه الآخر للتقدم.

740

| 02 سبتمبر 2013

مزمار الحي لا يطرب

كاتب، يأتي بالفرائد من الكلام والأفكار، ولكن يُطمس إبداعه، بالتجاهل أو أن يُعيّر في مجتمعه، أو بالكفر بما هو آتٍ به. فنان تشكيلي، ينقل عالماً في رأسه إلى لوحة بيضاء، لتتحول إلى كون آخر، من الألوان والمعاني، من الجمال والشفرات العبقرية. مطرب، يتضاءل فنه وتتشرنق طبقات صوته، لأن مزمار الحي لا يطرب! ضلال! إن الإبداع له أكف تتبناه، تطوره حتى يصل إلى مراحل متقدمة من الاحتراف والظهور، حتى يتوهج هذا النور من الوطن الصغير إلى العالم الكبير. لعل المبدع هو أكثر الأشخاص معاناة، في جميع مراحل العملية الإبداعية، منذ خلق الفكرة، إلى تبلورها واختمارها ومن ثم ولادتها. إن كل ما يمر به الفنان شاق على نفسه، عصيب على ذهنه، مؤثر على وقته وزمنه وحتى علاقاته. فكيف لو بعد كل ذلك، يُكفر بما جاء به، أكان على الصعيد الخاص (العائلي) أو الصعيد العام (الجهات المختصة)، إنه وهو يحمل أعماله بيده، قد لا يستطيع أن يواجه المجتمع الذي ما آمن بجهده، وكما قيل "الكثرة تغلب الشجاعة"، فيواري ما أنتجه من جمال وفن، إلى درجة الاكتئاب أحياناً. إننا وبكل أسف، لا نزال نعاني من عقدة الخواجة، العقدة البغيضة التي تسود الثقافة العربية، بحيث يبهر العين ما هو غريب عنها، ويطرب النفس ويقنعها كل ما هو أجنبي، وعلى النقيض تماماً إذ يُقلل من شأن العقل المحلي أو الوطني، بل ونصل إلى مرحلة من الاستخفاف والتحقير، كل ذلك والأيدي التي تقبض منافذ الإبداع تسد بيدها الثقب الذي منه يتنفس المبدع، وترفع باليد الأخرى الشعارات الكاذبة، والمبادئ الهلامية، أن الحق لابن الأرض، في حين أن الإيمان والانبهار والأحقية تمنح لغيره. هو الشعور بالغربة، أو التغريب القسري، في داخل حدود الوطن، إنني أتساءل أن كيف ستكون لنا الآثار الأدبية والفنية والعلمية، ونحن كما يُقال "أزهد الناس بالعالِم أهله وجيرانه"؟ كيف سنبني قاعدة وطنية تعنى بالفن والأدب، على سواعد وطنية، قطرية بالتحديد. لعلي بعد كل ما صادفت وواجهت من إحباط، الأمر الذي واجهه الكثير من المبدعين والفنانين بالتأكيد، آمنت بأن المجد يُصنع من الذات، وأن الأحجار التي تعيق خطواتنا ماهي إلا طبيعة الطريق، الطريق الذي يأخذنا إلى القمة، وأن العالم سيطرب لنا بعد أن عشنا حقيقة أن "مزمار الحي لا يطرب"

2318

| 14 أغسطس 2013

دجل الإعلام الهادف

(إن الله لا يغيّر ما بقومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسهم) صدق الله العظيم. تتطور الحياة، وتتعدد سبل الاتصال ووسائل التواصل بين أطراف العالم المترامية، لتجمعنا نحن البشر بعقلائنا ومجانيننا ما يسمى بالقرية الصغيرة، القرية المعروفة التي أظن أن المثل الشعبي كان يعنيها قديمًا عندما قال (كلنا عيال قريّة وكلٍ يعرف أخيّه). ثم انفتحت الطرق بين عالمنا والعوالم الأخرى، إعلام، قنوات فضائية، محطات إذاعية..الخ و كعادة الأشياء في الحياة، فهناك الغث والسمين، الرديء والجيد، الصريح والمنافق. يستطيع المتلقي بالنزعة الفطرية، وبداهته العقلية أن يفرق ما بين كل تلك الأصناف، ليأتي الهوى يجرف كل صاحب إلى مبتغاه، ورغبته التي يسير عبرها في طرقات الحياة الطويلة. و لكن، كيف لو أن حيزًا مزيفًا حل في هذا الكون الإعلامي، ليستقطب جمهورًا من البسطاء، جذبهم من عقولهم ستار الدين، الستار الذي في ظاهره الرحمة، وفي داخله الكذب والنفاق. و لعلي هنا أشير بصورة واضحة إلى بعض من يدّعي مفهوم " الإعلام الهادف "، وهو المسمى الذي ظهر مؤخرًا ليتلاعب بعقل المتلقي الذي يرجو رحمة ربه ويخاف عذابه! يقول جلال الدين الرومي " إن الرجل اللئيم يسرق لغة الدراويش ليتلو على البسطاء أسطورة منها يخدعهم بها". فأن تُفتح قناة تستقطب النساء أكثر من الرجال، تتكسب من ورائهن الأموال، في شريط دردشتها، وبرامجها الواقعية التي تأتيهم بصبغة دينية، ومجموعة مواعظ وقصص، هذا عين الضلال! فهل غفلوا وهم أهل الإيمان عن قول الله تعالى (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله).. وقد فسر الشعراوي هذه الآية، بأنهم أولئك الذين يصرفون أذهان الناس بالقصص عن منطق القرآن، وهذا حمق بيّن. فـ " يشتري" هنا: تدل على أنه "طلب"، وقد رأينا بالعقول والأبصار كيف أن تلك القنوات تطلب أموال الناس بدافع التصويت في برامج الواقع التي تُقام بهدفِ جمع الأموال وسرقتها من جيوب العامة، أليس ذلك اتجارا واضحا بالدين؟ فكيف لفرسان الإعلام الهادف أن يخرجوا من وقارهم، ويترجلوا لشحذ المال من المساكين والمسكينات بقصد تشجيعهم أو إنقاذهم من الخروج الأسبوعي الذي تحتمه سياسة المسابقة؟! لعل العاقل الذي ينظر إليهم فيردد في ذاته أنه "لا بقاء".. لا بقاء للنفاق وللشحذ وللتستر بالدين لقضاء الحاجة الشخصية. لا بقاء للعقل المستعار الذي لا يجتهد في التبصر، ولا يلجأ للشك، ولا يؤمن أن ثمة يقينا هالك، كهذا الذي يعبء رؤوسهم. إنني أكتب ذلك وأنا أنفض مني ما علق من ذلك الطريق، عندما حدث ومررت بقصد الاستطلاع، نهضت وأنا أنجذب إلى السماء، أنشد يد الله، فيقطع بعدها كل يد تريد أن تمتد إلى عقلي لتعبث به.

528

| 17 يوليو 2013

عُقدةٌ تتدلى

من طينٍ خُلقنا، وبأمرٍ إلهي عظيم، إذ قال الخالق العظيم (كُن )، فكنا باستقامةِ البشر جسداً، وبوجود العقل فكراً، أكرمنا ونعّمنا فالحمد لربي الذي أكرمن. وفي الأرض، صرنا أفراداً وجماعات، بالعلاقات المختلفة، والعادات المتعددة، نعيش بالنعم التي أسبغها الله علينا، ووهبها لنا بلا حول منا ولا قوة، في المقابل نعيش أيضاً بالابتلاءات العظيمة، كنقصٍ في الأولاد والثمرات والأنفس ونسأل الله الصبر.. ولكن، ماذا لو كان الابتلاء في علاقات ذوي القربى؟! إن العقل هنا يتساءل مذهولاً ماذا حلّ بالأرض فتشابكت العلاقات في دائرة الشر المستطير.. أي هالةٍ تلفنا فلا نلتفت لقومٍ إلا وقد أصابهم وابلٌ من ذلك المرض الخطير.. ماذا حلّ بالأنفس، حتى ما عادت تتحمّل ودُ ذوي القربى فلا يُرضيها إلا قطيعة الرحم، تلك المتعلقة بعرش الرحمن، يصل من وصلها ويقطع من قطعها.. ثم إن أي غيمةٍ سوداء داكنة، حلّت فوق رؤوسنا لا تُمطر إلا بالسوء فتقطع شياطينها أرحامنا، وتوسوس في قلوبنا، وتُعاظم أحقادنا إلى الحد الذي لا يحترم صغيرنا كبيرنا، ولا يعطف كبيرنا على صغيرنا، ولا يرد السلام صوتاً..! وكيف لنا أن نأمن مكر الله ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون! كيف لو باغتنا الموت ونحن لم نصلُح ما بيننا بعد..! بأي وجهٍ نُقابلك يا رب ومن تعلقت في عرشك تستجديك.. أي جرأة تزجنا في الذنب وكل ما حولنا يصيح بنا (إن إلى ربك الرجعى) ألم نستحِ من لحظة كتلك نرجع فيها إلى الله! لعلي أؤمن إيماناً خالصاً أن (الله لا يغيّر ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم) فلكي نُصلح مجتمعاً كاملاً، كان لزاماً علينا أن يبتدئ كل فردٍ بنفسه، فالتغيير أولاً يجب أن يكون في دائرة الذات قبل أن يتعدّاه إلى غيره.. و إن حدث أن غيّر الله ذواتنا إلى الأفضل، فلم يتغيّر حال من حولنا، فيكفينا من أنفسنا خيراً أن نوُدع رؤوسنا وسائدها وقد عفونا وصفحنا، فإذا اعتدنا على ذلك، سيأتي يوم أن نودع نفس الرؤوس القبور، بالعفو والصفح عينه، وما ذلك على الله ببعيد. لعلّنا نمتلئ يقيناً أن أمر ربي كله خير، وقد تختبئ وراء الألم حكمة لا تُدركها أذهاننا ولا بصائرنا، ولكن نؤمن بوجودها، تماماً كما نؤمن أن في نهاية كل كومة من اليأس عقدة تتدلى كُتب عليها (الثقة بالله ).. اللهم إنا نسألك المغفرة إن زللنا، والعفو إن أخطأنا، اللهم أصلح ذات البين منا، وانشر من عندك مودةً وسلاماً، فنجد من كان نداً ولياً حميماً.

467

| 09 يوليو 2013

السخرية البليغة

تُعرّف السخرية بأنها طريقة من طرق التعبير يستخدم الشخص فيها ألفاظًا تقلب المعنى إلى عكس ما يقصده المتكلم حقيقة. والمطلع على الأدب بشكلٍ عام يلحظ أن السخرية انتُهجت في بعض الأعمال، كرسالة ضمنية تصل إلى المتلقي بصورة قد لا يعيها بشكل مباشر، تماماً مثل الشخص الذي ألقيت عليه العبارة الساخرة لا يفهمها في لحظتها. لعل هذا النوع من الكلام، يحتاج إلى ذكاء وفطنة، واقتناص نقاط الضعف واصطياد المفارقات التي تثير ضحك الجمهور، في ذات اللحظة التي تعالج القضية، مهما كان لها بُعد مأساوي. ولأن السخرية مؤلمة في عمقها، كأنها الطريق المضحك الذي ينتهي بالبكاء بحرقة، فهي أبعد ما تكون عن السطحية، أو حتى الساحة التي تضيع فيها المعاني والرموز وتضج بالضحك والتهكم، هي عميقة إلى أن تلامس أقصى نقطة في النفس البشرية، إنسانيتها هي نفسها موضع الألم. ولكن، ماذا لو حوّل الكاتب السخرية إلى تهكم فارغ، إلى ضحك رخيص لا يتضمن أي رسالة، ولا يتستر بأي هدف، الضحك من أجل الضحك، والاستهزاء من أجل الاستهزاء ..؟ إن ما نُبصره الآن من بعض "الكتّاب" الذين يكتبون تحت مظلة "الأدب الساخر" لا يمتون للغة الكاريكاتورية بصلة، بل إنهم يفتقرون إلى البلاغة اللغوية التي تُستخدم لهذا الغرض، ولا يملكون الأدوات التي من خلالها يصلون إلى مبتغاهم وتحقيق أهدافهم. لعل الكاتب البارع، المتقن لآلية السخرية، هو الذي بفنه ومهارته يغزل النص بحيث لا يعمد إلى الإسفاف في المفردة وإن كان قصده الانتقاص في المعنى، فنرى أنه انشغل بانتقاء اللفظ والتركيبة النصية، وترك الدلالة لفهم القارئ، يضحك ويبكي متى ما وصل إلى محطة الفهم، مهما طال به الطريق، في التفسير والتأويل. ففي الأدب الشكسبيري، نرى أن هاملت لعب الدور الساخر، في حواراته وأدائه، كانت السخرية اللاذعة، بقصد الإيلام، والتوجع طيلة النص المسرحي. وفي كتابه البخلاء استخدم الجاحظ السخرية بفن وإتقان، وكذلك رهين المحبسين أبو العلاء المعري، كان له انتهاجه الأدبي الساخر، ففي كتابه "رسالة الغفران" التي لم يسلم فيها أحد من سخريته، إلى أنه سخر حتى من اسمه، إذ قال: دُعيتُ أبا العلاء وذاك بينٌ ولكن الصحيح أبو النزول إن السخرية إن لم تأتِ لنا من عالم اللغة بليغة جميلة، فهي إذًا بلفظها ومعناها لا تعني إلا الاستخفاف بالعقل البشري، واستهزاء بالنفس البشرية، والضحك الرخيص لا يقبله إلا الجهل القبيح. إن كاتبًا يسمي نفسه ساخرًا لا يمتلك آلية هذا الفن، والبراعة في سبكه وحبكه، فاحترامًا للعقل والأدب واللغة، وما كتبه الكبار قبله، فمن التهذيب أن يدعه وشأنه دون أي تشويه.

1971

| 02 يوليو 2013

معاني الطريق

يقول الجاحظ "إن المعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العجمي والعربي، البدوي والقروي، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخيّر اللفظ ". ويذهب الجاحظ إلى الصورة في المعنى، كما أشار الى أنها مطروحة في الطريق، كما لو أن الأديب لملمها وصبها في قالب من صُنعه، يداه اللتان ابتكرتا الصورة الأدبية تلك، أي أنه كوّنها برؤيته ونظرته، أجزاء منها كانت مُلقاة في طرق الحياة، وأجزاء منه ومن تخيلاته. وإذا فسرت المدرسة الرومانتيكية الصورة " أنها إبداع ذهني يعتمد أساساً على الخيال، والعقل وحده هو الذي يدرك علاقاتها " فقد قال المحدثون انها " امتزاج المعنى والألفاظ والخيال كلها ". لعل تعريف الصورة الأدبية يختلف من مدرسة إلى أخرى، تتباين فيه الآراء، وتختلف فيه التفاسير، تماماً كما تتباين الآراء والرؤى في تحليل الصورة ذاتها. إن الصورة الأدبية عندما تُصاغ في النص، فإننا نذعن من باب الإيمان بالموهبة الأدبية، أنها صورة ذهنية مكتملة في رأس الكاتب أو الشاعر، حتى لو أنها لم تكتمل في ذهن المتلقي. صياغة الفكرة على هيئة صورة، عادة ما تأتي دون شرح، وذلك يمنح النقاد الأفق في التأويل والتفسير، إن شخصا يراها صورة باهتة خالية من المعنى، قد يراها آخر صورة متخمة بالمعاني، ويراها آخر بنصف رؤية ونصف معنى. لعل انتصاف الصورة لدى متلقٍ ما، تواجهها صورة كاملة مختلفة لذات النص، وكل ذلك لا ينفي اكتمال الصورة الأدبية في ذهن الأديب، الصانع للنص الأدبي، والأب الروحي للمعنى، فنحن في لحظة تلقيها، نجهل الأدوات التي استخدمها الكاتب، وأيضا مدركات الحس التي زجت به إلى تشكيلها. يقول الدكتور محمد عمر الطالب في مقالته في مجلة آفاق الثقافة والتراث "ان الصورة الفنية لا تستمد حيويتها وفاعليتها من تمثيل محض للواقع". أي أن محاولة تفسيرها، كما هي معانيها على أرض الواقع يجعل منها صياغة مبهمة، لا تمت للمعنى بأي صلة، ولعل الشعر والنصوص الأدبية أرحب وأوسع من أن تسقط على فهم المتلقي كما هي تماماً في قريحة الشاعر أو الكاتب. قد نسميها " الديمقراطية الأدبية " أو التسليم بأن كل نص أدبي أكان نثرا أم شعرا، يحتمل أكثر من تأويل، وأنه وُلد من رحم الإبداع بعد أن نما واكتمل في الصورة والمعنى لدى الكاتب نفسه، حتى وإن لم تتراءى لنا الصورة جلية، قد تُطابقها آلاف الصور عند آلاف المتلقين لذات الكتلة الأدبية، إن المحاكمة التي لا يقبلها الحرف ولا تستسيغها الكلمة، أن تتم مُساءلة الأديب في نصه، والطلب المجحف في تفسيره، إنها بحد ذاتها "جريمة أدبية".

36072

| 18 يونيو 2013

منطق الاستجداء في الشِعر

"أعذب الشعر أكذبه" تقولها الحياة وأصحاب الفنون الجميلة، وإن كان في ذلك تجنٍ واضح وظلم جليّ لأسمى أشكال اللغة، ذلك الذي عرفه نزار "الشعر هو الأداة الراقية بين الهامس والمهموس له، أداة تصلنا بالآخرين وتوحدنا معهم". ولعل الأغراض الشعرية التي تنتهجها كل قصيدة كثيرة ومتعددة، أكانت في شعر العصر القديم كالفخر والغزل والمدح، أو من أغراض الشعر الحديث كالتغزل في المركبة "السيارة" والتي أعتبرها من وجهة نظر خاصة غرضا مستقلا، وإن كان رواده قلة. وإذا كان المدح هو الغرض الثابت منذ الأزل، المقبول نوعًا ما، إذا ما كانت في الفضائل كالشجاعة ورجاحة العقل والحلم، فما هو غير المقبول، ذلك الذي خرج من رحم المدح، المنطق الذي لا علاقة له بالشعر فيما يخص المعنى، ولكنه جمال الأسلوب فقط: "منطق الاستجداء" أو هو الشحذ على السواء. إنني لا أتخيل أن يتحول الشاعر من دور العطاء إلى ما هو عكس ذلك، أن يخرج من تصنيف الجمال إلى تلويث الهواء الذي يطلقه للمتلقي، بدافع وضيع كالتزلف والتملق والتمرغ أمام النخبة والعامة. لعله لا يطوف الشاعر المستجدي أن شخصية الإنسان في الحياة ديناميكية متغيرة، وأنها ليست " أبدًا " ستاتيكية ثابتة، وأن المتنبي الذي مدح كافور الأخشيدي في أول الأمر، هجاه أخيرًا. ويذكر ذلك علي الوردي فيقول " هم لا يترددون أن يجعلوا ممدوحهم ملاكًا في صورة إنسان، وخير من ركب المطايا، ولكنهم لا يكادون يجدون جائزتهم غير كافية حتى يقلبوا عليه ظهر المجن ويجعلوه ألعن خلق الله طرًا." إن هذه العادة الأدبية تفاقمت خاصةً في الشعر النبطي، وقد منحتها ذلك الأفق "مهرجانات السلاطين " كما سماها الدكتور محيي الدين، الأرض الخصبة لازدواجية الشخصية وتثبيت منطقًا لا يتعلق بالجمال، " الشحذ والاستجداء ". الشعر هو الكلام " الجميل " الموزون والمقفى، المتخم بالمعاني، الخالد في صدر الزمن، وحاشية اللسان، تردده المواقف والبطولات، أو الليالي ذات الطابع الرومانسي الرقيق، أو العقل والرأس الحكيم، لا يخرج ذلك من دائرة الجمال. و لكن بعض الشعر يموت متى انتهى عمره الافتراضي، ومن المستحسن موته، فغرض كذلك ليس أمرًا صحيًا أن يعيش بين أقرانه، إن القصائد عزيزة، والذليلة منها فقط تستحق الانتهاء، أو بالأحرى تلك التي ذلها أصحابها وذلتهم بطبيعة الحال. أنا أتنفس الشعر، وأقدّر الشعراء، ولكني لا أحترم أبدًا شاعرًا يعترف بكل ما أوتي من بجاحة، أنه كتب القصيدة " يشحذ "، ذلك أمر يدعو العقل للتقيؤ. " إن المجد للشعر.. إن المجد للأحرار ".

3484

| 12 يونيو 2013

أدب العتمة والسجون

أعذب ما يُمكن أن يُخلق في عالم الإبداع، ذلك الذي خرج من رحم المعاناة، يكون الابتكار حينها فريدًا، فبقدر ما ضاقت الظروف التي صُنع فيها العمل، يأتينا بعدها كبيرًا، عظيمًا، وخالدًا في أحيانٍ كثيرة. ولعلها بيئة بشعة، شنيعة بلحظاتها، قبيحة بضغوطاتها، أي أن الوجود الذي صار، كان خاليًا من الجمال، ولكن النفس التي وُجدت على تلك الساحة نفس جميلة، استطاعت أن تُخرج من لب الألم لذة للإنسان، وبلسمًا لجوارحه، شيئًا جاء للتاريخ بقصد الخلود. إن أوضح الآداب على سبيل المثال "أدب السجون"، ولعله من وجهة نظر خاصة أقسى أنواع الأدب، وأشده وجعًا من جميع النواحي النفسية والجسدية والإنسانية أيضًا، هو إنتاج يخرج من الحفر والسراديب، نور ينبثق من العتمة، وصوت للحرية يخرج من صمت الزنازين. أو أنها الزوايا المنفذ الوحيد للأمل، والمخرج اليتيم للخيال، في ظل الحرمان من السماء والهواء والاتساع والأفق، أو هو الشرخ الذي مات في الجدار، طعنه ليبقى للأحياء بصيص الحرية، ورائحتها المفقودة. ولعل أجمل العبارات التي قرأتها في هذا المجال، كانت في رواية تلك العتمة الباهرة للطاهر بن جلّون، إذ يقول على لسان عزيز المُعتقل "كان العفن ينال من أجسادنا عضواً تلو آخر، والشيء الوحيد الذي تمكنت من الحفاظ عليه هو رأسي، عقلي. كنت أتخلى لهم عن أعضائي ورجائي ألا يتمكنوا من ذهني، من حريتي، من نفحة الهواء الطلق، من البصيص الخافت في ليلي". وصور الشاعر اليمني محمد محمود الزبيري لحظة خروجه من السجن بقوله: خرجنا من السجن شم الأنوف كما تخرج الأسد من غابها، نمر على شفرات السيوف ونأتي المنية من بابها إن أدب السجون عبارة عن مدينة للحزن، ولكنها مضيئة، الزائر فيها يجهل ألم الساكن، ولكن يطيب له العبور فيها، والنظر من بعيد إلى تجمّع المساجين على موائد الأدب، وكيف أنهم يغزلون من مرارتهم قصائد محلاة، أو رواياتٍ تنشد الحرية للإنسانية والإنسان نفسه، صراع بين الصخب والسكينة، بين الوحشية والسلام، ومحاولة حثيثة في رسم صورة واضحة وجلية لـ "كيف ينبغي أن تكون الإنسانية".

493

| 14 مايو 2013

مدينة المعرفة

يقول الدكتور علي الوردي في كتابه أسطورة الأدب الرفيع: "إن المعرفة البشرية بوجه عام تجري في تطورها على خطوات متتابعة، كل خطوة منها تؤدي إلى ما يليها. ومن النادر أن يقفز فرد في إنماء المعرفة قفزة مفاجئة ليس لها تمهيد سابق". أ.هـ إن للمعرفة أدوات، من خلالها يُخلق الفكر في ذهن الإنسان، إذ انه من دونها قد يكون مستحيلًا أن يصل إلى درجة العلم الرفيع والتعليم العالي، وعلى ذلك ظهرت أصوات اختلفت في نوعية الأدوات سميت بالمدارس المعرفية أو نظريات التعلم التي تتصل وبشكل مباشر بالمدرسة السلوكية. ولعل اختلاف المدارس المعرفية يكمن في مصدر المعرفة ذاتها، "كالمادية التجريبية" التي لا تؤمن إلا بالحس والتجربة فقط، و"الصوفية" إذ تؤمن بأن العلم موجود داخل الإنسان ويجب عليه اكتشافه بالرياضة الروحية، حتى يصل إلى مرحلة تُشرق عليه شمس المعرفة الإلهية، وأخرى "إخبارية" وهي تُلغي أي طريق للمعرفة إلا ما جاء عن طريق الخبر والرواية، وأخيرًا عقلية وهي التي تؤمن بالوصول إلى الحق عن طريق العقل غير نافية لجميع المدارس التي سبق ذكرها. ولكن، إيمانٌ عميق يقول إن المعرفة حياة، بجميع مراحلها وظروفها وتوعكاتها وعافيتها، هي لا تسقط على الرأس ليغدو الشخص نابغة، هذا أمر مستحيل ولا يمت للعقلانية بصلة، هي أمور مرتبطة بعضها البعض، لا يمكن فصلها أو حتى تجزئتها، فكما يقول النابلسي "والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لا يعطيك شيئًا". العلم "فكرة" في البداية، زوبعة تتكون في الرأس تسبب القلق والتململ ولعلها الإشكالية الأولى التي يواجهها "المثقف"، هاجس لا يهدأ يتعلق بشكل واضح في الرغبة في الاكتشاف، في الإحساس الملح المعنون بأن ثمة أمورا لا يعرفها، ويجب عليه معرفتها، إذا كان هو ينشد السكون والمصالحة مع النفس، يقول في ذلك المذهب الأفلاطوني من أن الأفكار كائنات أزلية انطبعت على النفس الإنسانية قبل اتصالها بالبدن، فجاءت تجربة الحياة موقظة لها، أو قد تتم تلك الأسبقية على أساس أن المعرفة موحى بها من الله. ثم إنه البحث، في كل ما يجلب المعلومة، ويغذي المساحة المتعطشة في الفكر، وهي مرحلة اكتشاف المعرفة بطريقة علمية، ولعلها رحلة تنوير بقصد الاستزادة، إذ يقول كونفوشيوس "ابحث عن المعرفة لأن المعرفة لا تبحث عنك". أما القراءة، فهي المرحلة الجوهرية، والوسيلة الأهم منذ الأزل وحتى الأبد، بها تتبلور الفكرة والبحث، وتتفتح المدارك المغلقة في الذهن، فهي فسحة للعقل، وتهذيب للروح، وتدريب للمنطق والحديث، ولعل من الخطأ الذي نقع فيه أن نختم بعض الكتب دون مرشد متمرس في ذات الحقل، إذ ثمة علوم لا تقوم إلا على معلم، وإلا فإنها تأتينا مغلوطة أو بشكل ناقص لا يليق بالشغف الذي تحويه عيون المعرفة في قلوبنا. فسيبويه وكتابه الشهير في النحو، وكان كتابًا غير عادي فيه من التدقيق والتبويب ما أثار دهشة الناس، درس على يد الخليل بن أحمد الفراهيدي إذ يقول الوردي بأنه الملهم الأول لسيبويه في وضع كتاب النحو، كما كان أرسطو صاحب كتاب المنطق المثير للإعجاب تلميذًا لأرسطو. العلوم والمعارف، حياة مستقلة، تقوم مدنها على النور الساطع من الأبجدية والمعلومات، إن العتمة لا تعرفها هذه المدن، فكل من عليها وضاء، تشع فيها العقول قبل القلوب، والمنطق قبل الكلم واللسان، هي الجمال المطلق، والمساحة التي لا تعرف القُبح والجهل، إننا نريد أن نرحل إلى هناك، حيث الفردوس والنعيم، نحمل زادًا يقول "ربِ زدني علما".

412

| 06 مايو 2013

المعلم الخارق

حقيقة لا يمكن إنكارها، أن للمعلم دور يأتي على رأس المنظومة التعليمية، ولعل مهنة التدريس من المهن الشاقة التي تستهلك الوقت والجهد والأعصاب، بل وإنها تأخذ من العمر الذي لا يعود، والشباب الذي له أن يفنى في أسمى الأعطية وأجملها، كعطاء العلم والمعرفة. وعلى ذلك، فإنها تتجلى لنا حجم الأعباء التي يُمارسها المعلم، أو أنها هي المُلقاة فعلاً على عاتقه، بسبب المجهود الذي يُبذل لذات الغاية، أو حتى من قِبل الطالب نفسه. ولعل الطالب، وهو الجانب الإنساني في جل الموضوع، والطرف الأهم والأصعب في التعامل المباشر، إذ إن المعلم لا يتعامل مع بضع طلاب ولكن مع مجموعة كبيرة، تختلف مستوياتهم التعليمية وقدراتهم في الفهم والاستيعاب، وبعقليات مختلفة تتفاوت بين التفوق والضعف، ناهيك عن أن المعلم يكاد أن يكون المصدر الوحيد في نقل المعارف والعلوم من الكتب والحياة، وغرسها في ذهن الطالب. فإذا كان ضغط مثل هذا يواجهه المعلم في مجتمعه المصغر "المدرسة"، فكيف سيواجه بعدها ضغوط حياته الأخرى التي لا يكاد بالفعل يعيشها بالصورة الحقيقية المناسبة؟ بل أين يمكن أن يفرغ جميع تلك الضغوطات النفسية والعصبية، ولا سبيل إلا للانفجار، بعد زحمة العمل، وكثافة المنهج، ومواجهة الطلاب، وورش العمل، ثم تنقضي الحياة دون أدنى نهاية مرضية للأسبوع، تمكنهم من العطاء بشكل أفضل وأجمل وأبهى. إن التطور هو النهوض بالمجتمع، فكيف لو كان التطور يخص التعليم والمنظومة التعليمية، كيف سيتشكل لنا ركب الازدهار الذي ستسير عليه الدولة والشعب، وكيف سيتكون لنا جيل مثقف يعي ويستوعب دور المعلم الجبار في أشرف المهن وأسماها على الإطلاق..؟ كيف لو كان التطور هو تطوير لراحة المعلم، والاهتمام بنفسيته ووقته وجهده وعمله، خاصة إذ كانت "المعلمة امرأة" لها من الحقوق ما عليها من الواجبات، خاصة أنها الأم والزوجة ومربية المنزل، كيف لها أن تدير كل تلك الشؤون دون أدنى تقصير أو حتى إحساس بالذنب في أنها لا تقوم حقاً بدورها الكامل وبصورته المتكاملة، بسبب تصلب العلاقات الاجتماعية مع الآخرين كما قال عنها الدكتور طارق الحبيب. إن ما يحدث الآن من استنزاف للطاقة الكامنة والظاهرة، وإنهاك واضح لا يُلحق بالمعلم سوى الإرهاق وضعف القابلية في العطاء والتعليم، وتقليص جانب الإنجاز الذي قد يكون أهم الجوانب وأكثرها تميزًا في عالم العلوم، لا علاقة له بالتطوير ولكن بأمر يُشبه التراجع والتدهور على الأغلب، أو أنه التعجيز الذي لا يُناسب الطبيعة البشرية. لعل المعلم لم يدخل بعد دائرة القوى الخارقة، أو الإعجاز ـ إن قارن التحدي ـ ولم يخرق نظام الطبيعة حتى يأتي بالمعجزات، هو يبقى في النهاية بشر، يملك ذات الوقت الذي نملكه، وذات الطاقة، ونفس العلاقات الاجتماعية والاحتياجات. والجدير بالذكر أن ثمة إشكاليات يكون حلها في إعادة الهيكلة كعلاج جذري، كمثل هذه الإشكالية التي لا يكون حلها إلا بإعادة هيكلة الخطة التدريسية والنهج الذي أُجبر عليه المعلم لانتهاجه، فالابتكار في التدريس يعود له في النهاية، أيضاً كفكرة تقليص ساعات العمل الطويلة، التي هي في النهاية تُرهق الطرفين في أداء الواجبات وقيامها على أكمل وجه. مدارسنا هي بيوتنا، والمعلمات أمهاتنا، والمعلمون آباؤنا، وفي خضم كل ذلك، نحن ننشد العلم والمعرفة، ونبذ الجهل والظلم، فإذا كان الطريق معبد لذلك، مشاه الجميع حيث الأفق، حيث النور والأثير، العلم الذي يحبه الله ومنه نطلب الاستزادة، الله الذي يقول في محكم التنزيل: "وقل ربِ زدني علما".

708

| 22 أبريل 2013

فن التغريد

منذ الأزل، لم يتفق الناس على كُنه الفن، ولم يلتقوا أيضًا في تعريف محدد له، يجرّد لنا الفن في صورته الواضحة ومعناه الجلي. وقبل معرفة طبيعته، ظل الإنسان يمارسه بدافع الإبداع، فغنّى ورسم ونحت وعزف الموسيقى بذات الموجة التي تحرك بها عاطفته، ويسير بها إلهامه. إلى أن جاء الإغريق بالرؤية الواضحة والتعريفات المحددة، فتحدثوا عن ماهية الفن ووظيفته وغايته، ثم حدث أن قال أفلاطون بنظرية المحاكاة التي ترى أن الفنان وهو يحاكي الطبيعة يأتي بما هو أجمل منها وأروع. ثم جاء المحدثون بفكرة "التعبير" التي تستبعد المحاكاة وتهتم بـ "الإبداع" أو "الخلق". و إلى الأبد، ستقوم نظريات في الفن تحدد ماهيته، وتفسر طبيعته، ناهيك عن التجديد في الفنون، أو ولادة فن جديد، يتناسب مع العصر والبيئة المحيطة، كالموشحات في الزمن الأندلسي، التي جاءت كتعبير جلي يشرح للأجيال اللاحقة كيفية الحياة الأندلسية بجميع النواحي النفسية والأدبية والاقتصادية، وحتى على المستوى الاجتماعي فيما يخص أفراد المجتمع آنذاك. وقياسًا على ذلك، فإننا قد نعيش ولادة فن جديد، أو لعله كان فكرة مبتكرة، حوّله الإقبال الشعري والأدبي إلى فن جديد، يتناسب إلى حد ما مع سرعة العصر، وطبيعته الماراثونية. فن التغريد، الذي يُبقي الإنتاج الأدبي في حالة متواصلة لالتصاق المتلقي بالمبدع، وسرعة تلقي الاستجابة ونوعية ردة الفعل، فيلحظ الفنان إن كان الذي أنتجه لاقى استحسانًا أو على العكس من ذلك. ولعل إبقاء الإنتاج في حالة خصبة متواترة، أمر إيجابي يحفز الكاتب على المواصلة دون انقطاع، أمر يشبه الإدمان، أن الذي يخرج من القلب، يصل إلى آلاف القلوب في ذات اللحظة، بذات العاطفة. ولكن، يبقى هذا الإبداع ناقصًا، إذ إنه انحصر في حروف محددة لا تتعدى الـ 140 حرفًا، فيعمد الكاتب إلى زج الفكرة كاملة في ذلك القالب الضيق، الفكرة التي قد تعبر القارات وتصل إلى المدى لاتساعها، تنحشر في تغريدة ضيقة جدًا. لعل "التغريد" بجميع إيجابياته، إلا أنه يقتل الإبداع المطول، ويبتر الخيال الذي ما حاذى إلا الأفق، وما لامس إلا المدى، ولكنه في جلباب التغريدة، تُوقفه النقطة. أيضًا قد يُعتبر استنزافا للإبداع، إذ أن الصور تظل ضائعة في دهاليز الشبكة الالكترونية، وكذلك المفردة الفريدة تفتقد المتلقي الحريص الذي له أن يعرف قيمتها، فيدونها في ذاكرته ويحفظها في قلبه. إن الفن بجميع دراساته وفنونه الأدبية واللغوية والتشكيلية، لا يُناسبها المجال المحدود، والآفاق الضيقة، هي تريد السماء، والفضاء وكل حيز لا يحوي القيد والمقبض، في هكذا بيئة له أن يولد وينشأ ويترعرع ولا يموت.

1213

| 02 أبريل 2013

هنا قطر

إن التطور في معناه الصحيح وتفسيره الجلي، هو النهوض بالمجتمع ليمكنه من اللحاق بركب الازدهار، حيث التاريخ والخلود في كتابه، أو أنها الهمة في أن يتوثب من مرحلة إلى مرحلة، ومن زمن إلى آخر. فكيف لو كان التطور يتعلق بشكل مباشر في منظومة التعليم، والعملية التعليمية، كيف ستكون الرؤية التي قد تتجلى في الأفق، كأصفى ما تكون لنا " قطر المستقبل ". ولأنها تعتبر مرحلة انتقالية حساسة، فكان لابد من تذليل الصعاب، والمضي إليها بجرأة أكثر، بعزيمة أكبر، وبأفكار تناسب سرعة الزمن، ومتطلبات العصر الحديث. فكان أن ظهرت لنا بادرة " الحقيبة الالكترونية " المشروع الذي أطلقه المجلس الأعلى للتعليم، وهو التعليم الالكتروني الذي قد يساعد الطالب في تحميل كافة المناهج التعليمية والواجبات المنزلية والتفاعل والتواصل المستمر بين الطالب والمعلم والمدرسة، من خلال الأجهزة اللوحية الحديثة، التي تتميز بسهولة الاستخدام نظرًا لتطور نظم تشغيلها، وقدرتها على حفظ البيانات. ولأننا نود لأبنائنا بلوغ قمة العلم والمعرفة، فكان التفاعل جميل مع الفكرة، لولا أن الوجل كان سيد الموقف في النهاية. نحن لا ننكر أننا في مجتمع ابتعد عن القراءة، حتى أصبح الكتاب مهجورًا إلا من القلة، وحزين أننا أمة " اقرأ " ولكننا في الحقيقة لا نقرأ إلا فيما يسمى الوجبات الخفيفة كالصحف والمجلات. ولعلي حقيقة لا أعلم أين يكمن الخلل في ضعف القراءة، بينما تتفوق علينا قراءة الغرب، لنجد الكتاب مقبوض عليه بالقلوب في المحطات والمطارات وحتى في المقاهي، أو لعلها المناهج التعليمية التي أضعفت ملكة القراءة في مجتمعنا، لتقوّي مناهجهم هذه المَلكة، بالممارسة والتشديد عليها. فإذا كانت طرق التعليم لدينا أضعفت الكتاب أن يُقرأ، فهل من المحتمل أن تُضعف الحقيبة الالكترونية الكتابة أيضًا.. أعني، لو أن الواجبات المدرسية انصبت كلها في الجهاز، كيف ستكون الممارسة على الكتابة بالقلم، وهو المنهج بالغ الأهمية من مناهج التعليم ألا وهو " النسخ " خاصة في السنوات الأولى من الحياة الدراسية، النسخ الذي يعمل بصورة جبارة على تطوير الخط، وحفظ الحروف برسمها الصحيح، وترسيخ المعلومة أيضًا، إذ يقول الله تعالى في محكم التنزيل " ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها " إذًاً النسخ له عظيم الفائدة التي لا نود أن تُلغيها الواجبات الالكترونية مطلقًا.. ولأننا نعاني من جيل لا يقرأ، لا نريد أن تتكرر المعاناة بجيل لا يكتب أيضًا، فذلك بحد ذاته مصيبة لن يُدركها إلا جيل يأتي بعدنا. لعلنا مع كل فكرة خلاقة مبتكرة، لا تُلغي فوائد الطرق القديمة التقليدية التي قامت عليها الأجيال التي مضت في زمن ازدهر فيه العلم والمعرفة بصورة مثيل لها، كالازدهار الذي حدث في العصر الأندلسي. إننا ننشد التكنولوجيا لمسايرة العصر الحديث، من دون أدنى تهميش للكتاب، أو إلغاء للقلم، نريد الاستزادة في المعرفة حتى يتشكل لدينا مجتمع يحوي النخبة وشريحة عظيمة من المثقفين ورواد العلم، حتى ننهض حيث السماء، نختار موقعًا بين النجوم، ونضيء بالنور والمعارف أن " هنا قطر ".

337

| 19 مارس 2013

alsharq
رواتب لربات البيوت

في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات...

1419

| 18 مايو 2026

alsharq
طافك رمضان؟ تفضل

في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من...

1197

| 19 مايو 2026

alsharq
مراسيل التوش

تابعت عبر تطبيق (تابع QMC) التابع للمؤسسة القطرية...

966

| 16 مايو 2026

alsharq
العلاقات التركية - الجزائرية من الماضي إلى الحاضر

تستند العلاقات بين تركيا والجزائر إلى روابط تاريخية...

738

| 17 مايو 2026

alsharq
قطر في قلب اتفاق تجاري خليجي بريطاني جديد

أبرمت المملكة المتحدة هذا الأسبوع مع دولة قطر...

606

| 20 مايو 2026

alsharq
الصحة والفراغ.. ثروات متاحة

خير استفتاح واستدلال لهذا المقال هو الحديث الشريف...

564

| 18 مايو 2026

alsharq
قطر تعزز الشراكات الدولية

تأتي مشاركة معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن...

561

| 17 مايو 2026

alsharq
توطين الصناعة من قيود الممرات

قد تكون الجغرافيا قدرًا ثابتًا، خاصةً لدول تكتسب...

558

| 17 مايو 2026

alsharq
"الدوحة للكتاب".. منارة لا تنطفئ

يتجاوز معرض الدوحة للكتاب حدود الفعل الثقافي التقليدي،...

531

| 19 مايو 2026

alsharq
«وسائل التواصل الاجتماعي» مصطلح غير بريء

منذ بدايات انتشار الإنترنت في العالم العربي، استُخدمت...

525

| 18 مايو 2026

alsharq
ببغاوات الثقافة

هناك إشكالية واضحة لدى بعض مثقفي العرب في...

525

| 16 مايو 2026

alsharq
"الأمراض الإدارية" والانهيار الصامت

في قلب الدوحة الآن، حيث يبرز معرض الدوحة...

516

| 19 مايو 2026

أخبار محلية