رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سيرورة التطرف والداعشية.. ودورنا جميعا

من دون التقليل من كل المعارك الخارجية المفروضة على المنطقة وشعوبها، يبدو أن معركة داخلية ليست بالسهلة، إن لم تكن دموية، يجب أن تُخاض أيضا ضد التطرف والتعصب وما ينتجان. في طول وعرض العالم العربي وفي كل بلدانه تقريبا ومن دون استثناء تتصاعد منحنيات التطرف لدى شرائح ليست بالقليلة، ولا الهامشية. والاستجابات التي ترسلها تلك الشرائح لدعوات التطرف وممثليها ومنظماتها مقلقلة إلى أبعد حد. التعاطف المُعلن أو المُستتر مع الحركات المسلحة والمتطرفة والدموية مثل داعش والقاعدة وأخواتهما وما هو قريب منهما، يجب أن يبعث على الخوف العميق على مستقبل الشعوب وناسها وبلدانها.تطرف المجتمعات أو شرائح عريضة منها والانحدار إليه حالة سرطانية مرعبة تحدث بالتدريج وقد تصل إلى نقطة مدمرة حيث تجلب الموت والانهيار للمجتمع والوطن في لحظة يحدث فيها الانفجار الكبير، والتي عندها تفلت الأمور عن السيطرة والقدرة على المعالجة، يكمن خطر التطرف والتعصب وخطاباتهما في توليد المناخ القابل للقتل والاستئصال عند شريحة من المجتمع، أو عنده كله، بحق "الشرائح والمكونات الأخرى". ولا يحدث هذا المناخ أو يتولد في لحظة زمنية واحدة أو عقب حدث معين، بل يحتاج إلى "سيرورة تطرفية" تتطور على مدار فترة زمنية كافية لإنضاجه، مثلا، لا يمكن تخيل بروز الحالة التطرفية الطائفية الراهنة بين الشيعة والسنة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كرد فعل على حادثة تفجير طائفي منعزلة أو شيء شبيه بها، عمق التعايش ورسوخه آنذاك كان أكبر بكثير من أن يتم تذريته بحادث أو حتى مجموعة حوادث تندلع من منطلقات طائفية.السيرورة التطرفية ومنحنيات التعصب التي انحطت إليها المنطقة منذ عقد الثمانينيات على الأقل والتي تسببت فيها صراعات ومنافسات الخمينية الشيعية والسلفيات السنية، استهلكت الإرث التعايشي العميق عند شعوب المنطقة، واستنزفته إلى الحد الأخير. تحالفت الإسلاموية بتنوعاتها المختلفة مع تلك الصراعات وعملت على تديين المناخ العام وتلوين أفكار وسلوكيات الناس بالنظرة الدينية الضيقة المناقضة للنظرة المواطنية، وفي خضم فوضى الأجندات المحلية والإقليمية، التنافسية بين الدول المُستخدمة للأديان والطوائف، والإسلاموية بين الحركات التي كل منها يدعو لفكرة معينة (الخلافة، الأسلمة، الجهاد،...)، كان الضحية الأولى والأهم هو فكرة المواطنة والتعايش داخل أوطان ما زالت في طور التشكل، وما زالت الأسس المدنية والدستورية والمواطنية المكونة لها طرية ولم تترسخ بعد. على ذلك، فإن الجزء اليسير من الطريق الذي كان قطع باتجاه دولة المواطنة، والمتباين تبعا للبلد المعني، تم إيقافه وإجبار الناس على العودة إلى الوراء بحثا عن ولاءات وهويات ما قبل الدولة الحديثة وما قبل المواطنة.وهكذا وخلال أربعة عقود كاملة على الأقل اشتغلت الطائفية الإقليمية والإسلامويات المحلية على تحطيم فكرة الدولة المواطنية، وعلى اختطاف المجال العام باسم الدين، وعلى تديين كل الممارسات السياسية والاجتماعية والثقافية، وهو تديين محازب ومنحاز بحسب الجهة صاحبة النفوذ والسيطرة في هذا البلد أو ذاك، أو هذا الجزء من البلد أو ذاك. كان ذلك جزءا من "سيرورة التطرف" التي نقطف حصادها اليوم، لذلك لا يمكن محاصرة هذا التطرف عبر محاصرة العناصر والمنظمات والأحداث المتطرفة. علينا أن نعترف أن المطلوب هو أكبر من ذلك وأخطر بكثير، وله علاقة بمعالجة مناخ التطرف وجذوره وخطاباته المُستبطنة في معظم مجالات اشتغال السياسة والاجتماع والثقافة والدين. لنتأمل مثلا الضجة الإعلامية والسياسية التي قد تنفجر في أي بلد إزاء أي حادث مسلكي هامشي وتافه لفرد أو مجموعة أفراد، أو لممارسة صوفية مثلا، أو لتعبير ديني مغاير لتعبيرات التي تعتنقها الأغلبية، حتى نرى عمق ثقافة الاقصاء والاستئصال التي صارت سمة قاتلة ودموية من سمات الاجتماع السياسي والثقافي في مجتمعاتنا.إحدى الآليات وسيرورات التطرف المُكونة للتطرف (ثم للتدعشن لاحقاً) تكمن في التعليم ومنهاجه ومناظيره، وهو التعليم الذي أقحم فيه الدين والتدين لانتزاع وتعزيز شرعيات سياسية للنظم الحاكمة. لكن تلك العملية الهادفة إلى تعزيز الشرعيات انتجت معها وخلال عقود طويلة أجيالا مشوهة من أشباه متدينين، فاقدين لمعنى ومفهوم المواطنة، وهو ما قد أشار إليه كاتب هذه السطور في مقالات سابقة. يدفع هذا وغيره كثير إلى فتح ملف في غاية الأهمية وهو إحالة مسؤولية مواجهة التطرف وسيروراته إلينا جميعا وليس حصرها بالحكومات، فالمجتمعات عمليا وأولا وآخرا هي الخاسر الأكبر من وقوع المجتمع ضحية فكر الاستئصال والتصفية. هناك ضرورة ملحة للإقرار أولا بتغلغل الوباء التطرفي في جسد المجتمع وتضخمه عند بعض الشرائح، وبداية ظهوره عند شرائح أخرى، والكف عن خطاب الاعتذارية والانخراط في الجدل العقيم حول مسؤولية الآخر أم عدم مسؤوليته عما نحن فيه. السؤال والتحدي الحقيقي هو مواجهة هذا المرض وإيقافه، ولنفترض أن الآخر هو المسؤول الأول والأخير عن ذلك فإن هذا الآخر لن يعبأ بتقديم الحل لنا. والجانب المهم في هذه المواجهة هو ضرورة حشد وتفعيل مكونات المجتمع التي مازالت تتمتع بعدم الإصابة بالتطرف للانخراط في مكافحته. وما صار مطلوبا وملحاً هو قيام المجتمع المدني والأهلي والديني المعتدل بحملات مكافحة التطرف في كل مناحي الحياة، بدءا بالتفسير الأحادي والتعصبي للدين ومناهج الدراسة والتعليم ثم الإعلام وليس انتهاءً بأنماط السلوك الاجتماعي وسيادة الأحكام المسبقة على الآخرين بسبب اختلافهم عن مُصدري تلك الأحكام في الفكر والمعتقد والسلوك.

676

| 20 يوليو 2015

الثور الأعمى لـ"داعش".. يدوسنا جميعاً!

القوة التي تفتقد إلى عقل مفكر يسيطر عليها ويقودها تصبح قائدة ذاتها، وتتحول إلى ثور يتصف بثلاث صفات: أعمى، وأهوج، وممسوس بالجنون. لنتخيل حركة وطاقة هذا الثور صاحب هذه السمات وما هي النتائج التي تخلفها حركته الهوجاء على الأرض وفي المحيط الذي يجاوره؟ "ثورنا" الأشم يتفجر طاقة، يراكمها بلا انقطاع ولا يعرف كيف يصرفها، ولا يدري بطبيعة الحال كيف يحولها إلى قوة بناء. لهذا، نراه يركض ويجري على الدوام دون توقف، يترنح يمينا ويسارا ويدوس على كل ما يأتي في طريقه غير عابئ بـ"المُداس" وفيما إن كان صديقا أم عدواً. في الحقيقة لا يهتم الثور الهائج أصلا بإيجاد دوائر أصدقاء أو محايدين. أحد جوانب العبقرية الغبية في ممارسته اليومية تكمن أساسا في تكثير الأعداء ومضاعفة أعدادهم وكأن هذا ما يعتاش عليه. الثور الأهوج يورط كل السذج الذين يظنون أن بإمكانهم الاستفادة من طاقته الرعناء وتوظيفها ولو عن بعد، انعطافاته الحادة وجنونه المركب ومفاجآته المدهشة التي لا ينطبق عليها منطق أو عقل أو تنبؤ، تهزأ بأي طرف يتورط في الرهان عليه. هل يمكن الرهان على ثور أعمى وأرعن ومجنون، ثقيل الوطأة بالغ الوزن، لكن في الوقت نفسه لا يكف عن الحركة في كل الاتجاهات دون هدف؟ داعش اليوم هي أحدث طبعة من فصيلة الثيران العمياء التي إن حلت في منطقة ما جلبت عليها الوباء والدمار والدماء. أول من تدوسه هذه الثيران هم من تزعم أو تظن بأنها تدافع عنهم. مثلاً، البلاء الذي تجلبه داعش اليوم لكل المناطق السنية وللسنة الذين تزعم أنها تريد أن تحميهم وتقيم خلافة على رأسهم ليس مسبوقاً. ينطلق عناصرها مُقادين بالغباء ليس إلا، فيحتلون هذه المحافظة السنية أو تلك في العراق أو غيره، فيستفزون الحكومة (التي يعادونها لأنها طائفية ويتهمونها بالعداء للسنة) فيدفعونها للتحرك بسرعة، كي تثبت أنها ذات السيادة على كل المحافظات، فتسيطر هي ومليشياتها على مناطق السنة التي حررتها داعش...(من من)؟ بسبب العمى المطبق لا يبصر ثور داعش من هو الصديق ومن هون العدو: كل الذين يحيطون بالثور الأعمى والهائج هم أعداء له، وهو لا يملك وسيلة للتعامل معهم سوى البطش الدموي وجلب الموت لهم. قوائم الثيران التي اندرجت في ثلاثية العمى والرعونة والجنون طويلة ودائمة التجدد. القرن العشرون لوحده يحفل بقائمة مذهلة تضم عشرات غير هتلر ستالين وبول بوت وعيدي أمين وهيلا سيلاسي وموبوتو سيسيكو. عربيا يحتل صدام حسين الموقع الأول ممن امتلكوا القوة لكنهم اتصفوا بالعمى المطلق الذي دمرهم ودمر بلدهم ومن جاورهم. نظرية الثور الهائج هي التي تلتقط حال داعش اليوم، كما التقطت حال القوة المنفلتة من أي عقل أو تفكير في تجارب تتجاوز العد في تاريخ البشرية. داعش تخلف عن القاعدة التي اندرجت في نفس المسار والنظرية، وخبطت في كل الاتجاهات وتسببت في حروب أفغانستان والعراق. تنظيمات الثور الهائج الداعشية والقاعدية تهيج اليوم بتفاهة بالغة وتنشر الإرهاب البشع باسم الدين، وهي تدمره وتدمر صورته وتدمر أتباعه وتحاصرهم بالعنصريات وردود الفعل في كل مكان. في هذه الأيام الدامية لوحدها قتل الثور الداعشي الهائج أبرياء ومدنيين في مساجد مسلمين في السعودية والكويت، وقتل أبرياء في العراق وفي ليبيا وتونس ونيجيريا، وهدد بتحرير "غزة من حماس" (لا إسرائيل)، وهدد مسيحيي القدس كي يغادروها (ولم يهدد إسرائيل التي تحتلها!). هناك مسوغات كثيرة يسوقها الثور الهائج ولا يزال لتبرير هيجانه وولوغه في الدم البريء، الوحيد منها الذي يستحق النقاش والتوقف عنده، رغم أنه أقلها استخداما من قبل الثور الهائج، هو التدخل الغربي المستمر في المنطقة وما يتسبب عنه.الثور الجديد كان تيارات التطرف الإسلامي التي تلقفت "الراية" كتلميذ فاشل لا يقرأ التاريخ ولا يفقه السياسة، وهي التيارات التي بقيت تنتج ثورا في كل مرحلة حتى أوصلتنا إلى داعش. واحدة من مشكلات الثور الهائج والأعمى في كل مكان وزمان تكمن في إرادوية صنع التاريخ على هواه، والبداية من حيث بدأ من سبقوه وفشلوا. وذلك كله، في منطقتنا، كأنما يحبسها في قدر محتوم على المجتمعات والبلدان فيه أن تداوم الانخراط في دورات تطوف واحدة تلو الأخرى، تبعا لنوع ولون التيار المتطرف الذي يصحو على نفسه ويكتشف "النضال" أو "الجهاد" ثم يشرع ببلاده مذهلة في تطبيق "مشروعه" الخاص، ضاربا بعرض الحائط كل التجارب الماضية والقريبة وخلاصتها، وكأن التاريخ والعالم والحياة بدأت معه ومع اكتشافاته.

1237

| 13 يوليو 2015

الداعشية في مناهجنا الدراسية

جزء ليس باليسير مما تقترفه داعش عمليا هو مُدرس نظريا لطلابنا بشكل أو بآخر، ربما بطريقة أقل خشونة، بيد أن الجذر الفكري يظل واحدا. هذا الجذر وعلى وجه التحديد هو تظهير الذات المسلمة متفوقة ومتعالية على الآخرين، بكونها الذات المؤمنة الوحيدة على الأرض وغيرها غير مؤمن أو غير مسلم. تؤسس هذه التراتبية بطبيعة الحال لطيف من الممارسات المختلفة ضد الآخر تبدأ بالتعالي الشعوري عليهم واحتقارهم وتصل في أقصى صورها إلى ممارسة العنف ضدهم. أي ثقافة تقوم على إعلاء الذات فوق الآخرين عوض أن ترسي قواعد مساواة تامة معهم، على أساس المواطنة والهوية الوطنية الحديثة المشتركة، وقائمة على التنوع الذي يحترم الاختلاف ولا يرى سوى التعايش إطارا للحياة البشرية هي ثقافة متطرفة وإقصائية ومآلاتها داعشية. وسواء أكانت تلك الثقافة قومية أو دينية أو إثنية أو جنسانوية فإن النهاية واحدة. رأى العالم هذا في نظريات التفوق الأوروبي العنصري التي أنتجت هتلر ونازيته التي اعتقدت أن الجنس الآري يتربع فوق البشر كلهم، وهو أحق بقيادة البشرية، وذات الأمر عكسته نظريات التفوق الياباني التي أنتجت عنصرية مدمرة وإبادية في آسيا ضد الصينيين والكوريين والمنطقة، ونراه اليوم متمثلا في النظريات الداعشية التي لا تعتنق وحسب نفس نظريات التفوق بالنسبة للمسلمين، بل وتطبقها عمليا عن طريق إبادة من يختلف معها، حتى وإن كان من المسلمين أنفسهم. داعش اليوم لا ترى في غير المسلمين سوى كائنات لا تستحق الحياة، بل يجب سحقها، ومجرد أهداف تُستخدم للتدريب العسكري أو للإعدام الإعلامي الذي يهدف إلى ترهيب الآخرين وبث الرعب فيهم. في كل ثقافة من الثقافات هناك مكونات تطرف ومكونات اعتدال، وإذا ما تُرك لمكونات التطرف أن تنمو ببطء، خاصة في فضاء العملية التعليمية والتربوية، فإن النتيجة ستكون داعشية المذاق، وهو ما نحصده في هذه المرحلة. في حقب سابقة سيطرت مكونات الاعتدال والتعايش والاعتراف بالآخر في ثقافات المسلمين، فأنتجت حضارات مفتخرة في الأندلس والهند وآسيا عدا عن حواضر التقدم في بغداد ودمشق. في كل هذه الحواضر حافظ الناس على أديانهم في ظل الحضارة الإسلامية، بل لجأ إليها المظلومون. عندما وصل المسلمون الأندلس تنفس اليهود الصعداء، لأنهم تخلصوا من اضطهاد الكاثوليك، وأفلتوا من الخطط التي كانت تعد لإبادتهم. طوال ثمانية قرون عاش اليهود والمسيحيون تحت الحكم الإسلامي في نمط تعايش مذهل حتى بمعايير القرون المتقدمة الحالية. وعندما سقطت دولة المسلمين في الأندلس هرب اليهود معهم إلى دول المغرب العربي ودول البلقان المسلمة التي كانت الدول الوحيدة في أوروبا التي آوتهم. في الهند عاش الهندوس والسيخ والبوذيون في تعايش وتكافؤ مع المسلمين تحت الحكم المغولي.أما عندما تتعزز مكونات التطرف في الثقافة، وتتغلل الداعشية الخفية في مناهج التربية والتعليم خصوصا، وتنتج سياسيين داعشيين، فإن النتيجة لن تكون غير ما نرى هذه الأيام، حيث سيادة الإسلاموية المتطرفة وحيث الداعشية تمثل أسوأ تعبيراتها. عندما يتعلم طلاب المدارس أن غير المسلمين مجرد كفار لا يستحقون سوى الاحتقار، فإن الفرق بين تفكير وممارسة داعش وقناعات راسخة وخفية من التربية الدينية الضيقة والإقصائية المبثوثة في مجتمعاتنا يصبح هو التطبيق ليس إلا. كثير من شيوخ التطرف الذين يخطبون الجمع ينطقون بخطاب داعشي، لكن لا يملكون السيف الذي تملكه داعش كي يطبقوا به بالعمل ما هم مقتنعون به بالنظر. يثير هذه الأفكار بعض النتائج والخلاصات المخيفة التي وصلت إليها الباحثة الأردنية دلال سلامة في ورقة بحثية نشرتها مؤخرا حول المناهج المدرسية وتعزيز قيم الحوار والتسامح في الأردن. النتيجة الأهم هي "أن المحتوى التعليمي لكتب الصفوف المدرسية الثلاثة الأولى، لا يمثل خطوة باتجاه تكريس ثقافة التسامح الديني، والاعتراف بحق الآخر في الوجود، بل هو في الحقيقة يواصل تكريس القيم النقيضة لها". تستند الباحثة إلى تجربتها الشخصية في التعليم وتنقل انطباعاتها التي تستحق الاقتباس هنا إذ تقول: "ويمكن هنا أن أستعين بخبرتي الشخصية كمعلمة لغة عربية في مدارس وزارة التربية لمدة 13 سنة، درست خلالها في محافظات المفرق وعمان وإربد، وساعدني ذلك على تلمس أثر هذه التنشئة.في منهاج اللغة العربية القديم للصف السابع، كان هناك موضوع تعبير مقرر على الطلبة كتابته، يتعلق بالاختلافات بين الشعوب في عادات الأكل واللباس. درّست هذا الصف أكثر من ست مرات، في عدة محافظات، وفي فترات زمنية مختلفة. وكان محزنا أن أقرأ في كل سنة موضوعات تعبير ينقسم فيها العالم إلى قسمين، مسلمين وكفار. ويتحوّل فيها الحديث عن الاختلاف في عادات الطعام إلى مقارنات قاسية اللغة بين الكفار الذين يشربون الخمر، ويأكلون لحوم الخنزير والحيوانات المقتولة خنقا، من ناحية، والمسلمين الذي لا يأكلون أو يشربون إلا طاهرا. أما الاختلاف في عادات اللباس، فيصبح مقارنة بين المسلمين الذين تلتزم نساؤهم بملابس محتشمة، والكفار الذين يسمح رجالهم لنسائهم بالخروج إلى الشوارع شبه عاريات. وأتذكر أن هناك من كانت تذهب بعيدا، فتقارن بين المسلمين الذين يحافظون على روابطهم العائلية، والكفار الذين يطردون بناتهم من المنزل بمجرد بلوغهن الثامنة عشرة.أيضا، بوصفي غير محجبة في بيئات لا يُعدّ فيها هذا أمرا مألوفا، كان التساؤل الأول الذي ووجهت به كثيرا من قبل التلميذات في المدارس التي كنت أُنقل إليها يتعلق بـ"إن كنت مسيحية". في واحدة من المدارس التي عملت فيها، كان لدي زميلتان مسيحيتان، أخبرتني إحداهما بعد نقلي إلى المدرسة بأيام أنها سمعت التلميذات يتحدثن فيما بينهن، ويقلن إن المعلمات المسيحيات في المدرسة ارتفع عددهن بقدومي إلى ثلاث. ومرة وُجه إليَّ هذا السؤال من تلميذ في الصف الثالث، أرسلوني لأشغل بدل معلمته الغائبة.السؤال هو، ما الذي يعرفه طفل في الثامنة عن الفرق بين المسيحية والإسلام، ليكون موضع تساؤل بالنسبة إليه دين المعلمة التي جاءت لتحل في صفه حصة واحدة بدلا من معلمته الغائبة؟ الإجابة هي: التنشئة.... ليس هناك في أي موضع في هذه الكتب ما يشير إلى ضرورة تقبل اختلاف المعتقدات الدينية وغير الدينية الأخرى. والتعايش مع أصحابها، بل نجد العكس، إذ يتعلم التلاميذ أنه من بين الكتب السماوية الثلاثة، القرآن والإنجيل والتوراة، فإن القرآن هو الكتاب السماوي الوحيد "الذي حفظه الله تعالى من التغيير والتحريف". أي أن الأطفال يتعلمون صراحة، أن الأديان السماوية الأخرى هي أديان مضللة. وهذا يُقال للأطفال في كتاب التربية الإسلامية للصف الثالث". هذا ما تسمح به مساحة هذا المقال، وهو يغني عن التعليق.

1157

| 06 يوليو 2015

كيف سيُكتب تاريخنا؟

كيف سُتكتب في المُستقبل حقبة التاريخ المعاصر التي نحياها الآن؟ وأي الروايات ستكون هي السائدة؟ إذا كنا نحن الناس الذين نعيش هذه الحقبة ونتابعها يومياً، وننعم بوسائل إعلام وتغطيات لم تكن موجودة سابقاً، نقرأ الشيء ونقيضه، ونرى "حقائق" ثم نقرأ "تفسيرات" لا علاقة ببعضها البعض، وكأن "الحقائق" تحدث في كوكب آخر. لنتخيل مثلا أن طالبا يدرس التاريخ في الجامعة سنة 2200 يريد أن ينجز بحثا عن التحولات الإقليمية في المنطقة العربية بين سنوات 2010 و2020، فماذا سيجد على رفوف المكتبة (... الإلكترونية غالبا!). سوف يجد كتب "تاريخ" متنوعة المنطلقات يركز كل منها على جانب أو جوانب مُختارة من الأحداث التي وقعت في تلك الفترة، ويخلص كل منها إلى خلاصات مختلفة. سيجد كتاب المؤرخ الشهير "سين" وفيه سيقرأ أن حقبة 2010 _2020 شهدت قيام حرب كونية على مجموعة الدول والحركات التي كانت تقود "المقاومة"، وأن تلك الحرب تم التمهيد لها بما سُمي حينها "الربيع العربي"، والذي كان الهدف منه، كما تم "انكشاف" ذلك لاحقاً، إسقاط نظام المقاومة في سورية، ومحاصرة نظام المقاومة في إيران. سوف يحشد المؤرخ فلان شواهد و"حقائق" عديدة، أهمها انبعاث "الحركات التكفيرية" التي استهدفت الشيعة وأرادت إثارة حرب طائفية إقليمية، كما ويسلط الضوء على تفسيرات مُنتقاة تؤيد وتدعم وجهة نظره. وبالتأكيد سوف يكون من ضمن تلك الشواهد، مثلا، اقتباسات كثيرة لمسؤولين إسرائيليين تشير إلى خطر إيران عليها وبكونها تمثل تهديدا وجودياً، بما يُثبت أن أطروحة الحرب الكونية التي يتبناها كتاب المؤرخ فلان كانت فعلا بهدف القضاء على "محور المقاومة" وحماية إسرائيل. في نفس رفوف المكتبة الإلكترونية سوف يتناول طالبنا كتاباً آخر للمؤرخ "صاد"، وفيه سوف يقرأ "تأريخا" وتوصيفا مناقضا تماماً لما قرأه في الكتاب الأول. هنا سوف يقرأ بأن العقد المرير والدامي من السنين الذي يدرسه تميز بأنه عقد تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة، وسيطرته المباشرة أو غير المباشرة على أكثر من بلد عربي. سوف يقرأ طالبنا "أدلة وشواهد" على ذلك النفوذ منها إخضاع العراق وسوريا ولبنان تحت السيطرة الإيرانية، ثم تمدد إيران نحو الجزيرة العربية واليمن، إضافة لانتشار نفوذها خارج المنطقة (أي في أفغانستان وباكستان وإفريقيا). وفي نفس الكتاب سوف يقرأ الطالب فصلا عن "طائفية إيران" وإثارتها للنزاعات الدينية والطائفية، وفصلا كاملا مُخصصا للتفسير الديني الشيعي لهذا التمدد وعلاقته بقدوم المهدي المنتظر، وبأن انتشار النفوذ وبروز القوة الإيرانية هي تمهيد لذلك القدوم. وفي هذا الفصل سوف يندهش الطالب من قراءة بعض المقولات المنسوبة إلى قياديين إيرانيين تقول بأن الأجهزة الاستخباراتية للولايات المتحدة، الشيطان الأكبر، والغرب عموماً، تتربص في المهدي المنتظر وعندها خطط محكمة لاعتقاله وخطفه فور ظهوره لقطع الطريق على الانتصار الكوني لإيران. في هذا الكتاب في الوقت نفسه هناك فصول أخرى في الكتاب "تثبت" علاقة تواطؤ مريبة بين إيران من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة ثالثة تقوم على تقاسم وظيفي واقعي على الأرض، مقابل عداء لفظي وإعلامي. ويستدل المؤرخ "صاد" على ذلك بعدم حدوث أي صدام عسكري أو معركة مهما كانت صغيرة بين إيران وإسرائيل. ثم ينتقل طالبنا إلى كتاب لمؤرخ آخر هو المؤرخ "عين"، المعروف بتوجهاته الليبرالية والديمقراطية، وفي هذا الكتاب هناك مقاربة تاريخية أخرى. يقول المؤرخ "عين" إن تلك السنوات شهدت تحرك عدد من الشعوب العربية ضد الاستبداد والدكتاتورية وبحثا عن الحرية والمشاركة السياسية، وأن ما حدث من حروب أهلية وتدخلات خارجية دامية كان هدفه القضاء المُبكر على حركة الدمقرطة التي بدأت بشائرها "بما سُمي آنذاك الربيع العربي". يسرد المؤرخ "عين" أحداث وتفصيلات كثيرة تبدأ من تراخي الدعم العالمي والغربي تحديدا لحركات الديمقراطية العربية، إلى تجذر "الدولة العميقة" في المنطقة العربية، وصولاً إلى دور الحركات الإسلاموية وتطرفها في إجهاض التحول الديمقراطي واختطاف الربيع العربي وإرجاع الأمور إلى المربع الأول.

579

| 01 يوليو 2015

الداعشية

الهمجية الداعشية التي تتمظهر عسكريا وتوحشيا في أقصى صورها على شكل داعش ودولتها العتيدة هي عمليا النتاج الطبيعي لما يُقارب من قرن كامل على توظيف الدين في السياسة في منطقتنا. والتأمل في مآلات المنطقة وخياراتها المستقبلية المحدودة يشير إلى شواهد و"بشائر" الحروب الدينية والطائفية المدمرة القادمة. والمدهش حقا هو أن ملاحقتنا جميعا لبيارق تلك الحروب وهي تخفق في عدة بلدان، لا تمنعنا من الركض خلفها ونحو الحتف الجماعي الذي ترسمه لنا وكأننا في حالة نوم مغناطيسي مذهلة. هذا المسار تقوده الداعشيات السنية والشيعية معاً، وخلفهما تلهث شعوب وإعلام ونُخب وحكومات وأحزاب سياسية. في فضاء كل من "المعسكر السني" و"المعكسر الشيعي" في المنطقة هناك نفس الخطاب والتجييش والإقصاء والتكفير والاتهام بالعمالة لـ"المعسكر الآخر". تحليل الخطاب الديني والسياسي والإعلامي السائد يقود إلى نفس النتائج تماماً مع تغيير مفردة "سني" أو "شيعي" وحسب. المعمل الأساسي لخطاب التصفية والإقصاء يشرف عليه داعشيو السنة وداعشيو الشيعة، ثم يصدرون منتجهم القاتل إلى بقية المعسكر بمتطرفيه ومعتدليه وحتى علمانييه، ويعيد هؤلاء استنساخه وإنتاجه بسذاجة قاتلة. في مناخ كهذا لا يحق لك حتى لو كنت علمانيا صافيا لا يؤمن بخلط الدين في السياسة أن تأخذ الحياد أو رفض الانجرار إلى مستنقع الطائفية وعفونة خطابة وتصنيفاته. تختفي كل المساحات الرمادية والهوامش ويُحشر الجميع بين فكي كماشة الأسود والأبيض: من ليس معنا فهو ضدنا، وعلى المذبح غير المقدس لهذا الشعار يتم نحر العقلانية والتعقل والاختلاف. تأمُلُ حالة التدعوش الجماعي التي ننحط إليها وباستخدام قليل من التعقل تقودنا إلى توكيد جملة من الأفكار الإنقاذية التي دعا إليها كثير من مثقفي العرب منذ أكثر من قرن من الزمن، وكثير منهم لا يزال. الفكرة الأهم هي كارثية خلط الدين مع السياسة سواء من قبل الحكومات والأنظمة أو الحركات والأحزاب الإسلامية. في كلا الحالتين وبحثا عن شرعيات مفقودة في الحالة الأولى، وتأسيساً لخطاب يوظف التدين الشعبي في الحالة الثانية، أزيح الجزء العريض من السياسة وعلى مدار عقود طويلة إلى مربع الدين. وهناك تم تديين السياسة واعتبارها مكونا من مكوناته المعاصرة، فصار الحكم والمعارضة والانتخابات وما تعلق بالممارسة السياسية شأنا دينياً. في المرحلة الأولى من هذه السيرورة ظن اللاعبون الأساسيون الذكاء الخارق في أنفسهم لجهة توظيف الدين والإبقاء على مقاليد السيطرة على نواتج جانبية مُتولدة من هذه العملية الخطيرة. وعلى مدار قرن تقريبا اعتاشت أنظمة ودول وحركات ومنظمات على مسألة الشرعية الدينية للعمل السياسي الذي تقوم به، وبدا في حقب طويلة أن هذه العملية غير مُضرة خاصة وأنها ارتبطت بالدول المعتدلة إلى حد ما، وكذلك بإنتاج حركية إسلامية معتدلة إلى حد ما مقارنة بما نشأ وتطور في حقب تالية. بيد أن ما كان يحدث تحت السطح المختل في اعتداله كان بالغ الخطورة ومدمراً. إذ باستخدام ذات الآلية (توظيف الدين في السياسة) التي احتمت بها أنظمة أو استغلتها حركات الإسلام السياسي نمت في الظلام وفي جنبات وزوايا الفشل السياسي والاقتصادي وتواصل القهر وانعدام المستقبل تنظيمات وأفكار بالغة التطرف. ومنذ منتصف سبعينيات القرن الماضي على أقل تقدير لم يتوقف نمو وزيادة عدد وتنوع هذه التنظيمات التي انخرطت في سباق مع نظيراتها في إظهار التشدد والتطرف، والإدعاء بأنها تمثل الإسلام الصحيح، وأن غيرها ومهما كان متدينا وإسلاميا (دولة، أو أفراداً، أم حتى حركات إسلامية أخرى) مارق عن الدين أو منافق. على ذلك يمكن عمليا الزعم بأن بدايات تشكل داعش تذهب إلى هناك، من ناحية الشكل المتطرف العام، ومن ناحية التوظيف الدموي للدين لتحقيق أهداف سياسية. لكن لم يكن للداعشية، بشقيها السني والشيعي، أن تنجح لولا المناخ العام الذي وفر لها كل مكونات الحياة والنمو والتطور السريع. في مقدمة ذلك المناهج التعليمية والدينية وخطاباتهما في المنطقة، خاصة في دول المشرق. ذلك أنه رغم التطور التحديثي الذي انخرطت فيه الدول العربية فقد بقيت المناهج التعليمية جامدة، وأسيرة خطاب ديني متكلس وأحادي يوفر العناصر التكوينية الأساسية لأي تطرف لاحق. ففي كثير من مناهج التربية الدينية في عدد كبير من الدول العربية لا نجد اختلافات كبيرة عن تلك المناهج التي تدرسها التنظيمات المتطرفة لاتباعها من ناحية إقصاء الآخر، والنظرة الحصرية الضيقة، والزعم بتمثيل الدين النقي، وسوى ذلك. وفي الحقيقة فإن ما تضيفه الداعشية على ما يتلقاه كثير من الطلاب في المدارس الرسمية العربية هو استخدام السلاح والتفعيل العملي لما كانوا قد تعلموه نظرياً وتشغيله في الميدان.ترافقت تلك البنية المحلية في الخطاب الديني والتعليمي مع فشل حكومي ودولتي بارز في المنطقة لجهة استكمال بناء مجتمعات ناجعة اقتصاديا وعلميا، وناجحة في مواجهة الأعداء الخارجيين خاصة إسرائيل، ومتحدية للأطماع الدائمة للقوى الكبرى في ثروات البلدان. ثم جاءت ثورة الخميني لتزيد من خصوبة أرض التطرف وتتحدى الخطابات السنية المتطرفة بخطاب شيعي أكثر تطرفا، وتتوعده بتصدير الثورة وتصيير إمامها إماما على كل المسلمين سنة وشيعة. وهكذا تفاقمت كل الظروف المستقبلة والموائمة للطائفية التي نعيشها اليوم، خاصة بعد حرب العراق وانفلات الغول الطائفي فيه، بما خلق كل التحالفات والبيئات المطلوبة والأسباب الداخلية والخارجية لإنتاج ونمو الداعشية.والنتيجة الكارثية التي نحياها ونشهدها اليوم بامتياز تقود إلى وضع أكثر كارثية. وليس من ثمة حل بعيد الأمد أمام شعوب وحكومات ودول المنطقة إلا الابتعاد الحقيقي والفاعل، وبعد الشواهد التي تفوق الحصر الآن، عن خطورة ودموية خلط الدين بالسياسة. هذا الخليط متفجر ولغم دائم الاشتغال ولا يتوقف عن قتل وحصد مستقبلات الأفراد والشعوب.

565

| 08 يونيو 2015

فلسطين في الفيفا.. إقالة الرجوب واجبة

لم يعرف أحد ما هي مؤهلات جبريل الرجوب الرياضية الباهرة كي يصبح رئيسا لاتحاد كرة القدم الفلسطينية، المبرر الوحيد والذي بالكاد أمكن فهمه هو محاولة الاستفادة من منبر كرة القدم والنفاد إلى دوائر تأييد أوسع للقضية الفلسطينية، مما تطلب شخصية سياسية أكثر من كونها رياضية. سيقول كثيرون إن ثمة الكثير قد حققه الرجوب من تلك الزاوية، وهذا إن كان صحيحاً فهو جزء من مسؤوليته وهو ما يبرر وضعه كسياسي على رأس اتحاد رياضي. وعلى كل حال، وحيث لا شكر على واجب، فذلك ما كان متوقعاً ومطلوباً وما هو مطلوب من كل سياسي يتقدم الصفوف ويتنافس مع آخرين لخدمة الشعب. لا شكر على واجب هو الكرت الأحمر الذي يجب أن يرفعه الشعب في وجه كل مسؤول يتباهى بأنه فعل كذا وأنجز كذا. إن لم يفعل أو ينجز أو حتى اقترف خطأً فظيعا فعليه أن يخرج من الملعب بالكرت الأحمر نفسه. هذا ما يحدث في بلدان ومجتمعات تحترم نفسها، والسياسي فيها يعتبر خادما للشعب وليس متسلطا عليه، يمن عليه بما يقوم وينفذ. ثم إن مسألة حضور فلسطين في الفيفا ونشاطها فيه سياسية بالدرجة الأولى قبل أن تكون رياضية. لن تظفر فلسطين بكأس العالم في دورته القادمة في روسيا أو التي تليها في قطر، لكن من الواجب جدا استخدام هذا المنبر الدولي لحشد التأييد لقضية فلسطين العادلة، ولمطاردة إسرائيل وعنصريتها في كل محفل دولي. ولا يعني هذا حصر نشاط اتحاد كرة القدم الفلسطيني بالسياسة فمن البديهي أن يشتغل بكرة القدم أولاً وتالياً. وهكذا وتبعا لذلك المبدأ البسيط في السياسة النظيفة والتي تحترم شعبها، أي لا شكر على واجب وكرت أحمر للمخطئ، وعلى خلفية أدائه السيئ في اجتماعات الفيفا الأخيرة، على جبريل الرجوب أن يستقيل فوراً، وإن لم يفعل فعلى المؤسسة الفلسطينية الرسمية أن تقيله. ثمة أكثر من سبب يبرر هذا الطلب: أولها أن الرجوب الذي حشد مشاعر وقلوب وإعلام مئات الملايين من مؤيدي فلسطين وراء طلب طرد إسرائيل من الفيفا خلال الفترة الماضية، خذلهم دفعة واحدة وبطريقة فردية مُخجلة. كيف، من ناحية سياسية، يتم الحشد وراء هذا الطلب لمدة شهور أو سنوات ثم يتم سحبه بطريقة فردية مطلقة. وكيف اتخذ قرار طلب طرد إسرائيل والحشد له وتم إخراجه إن كان الاتحاد ومن وراءه يعرفون، كما يبرر الرجوب، أن تنفيذ هذا الطلب مستحيل (وهذا غير صحيح بالمرة). هل اتخذ القرار جماعيا أم هو قرار فردي محض خاص بالرجوب من حقه أن يتنازل عنه متى شاء؟ وهل كان يتحدث باسمه الشخصي أم باسم اتحاد كرة القدم في فلسطين عندما تنازل عنه؟ لقد ضيع الرجوب على فلسطين والفلسطينيين فرصة ذهبية لكشف عنصرية إسرائيل ومحاصرتها في واحد من أهم المنتديات الدولية جلبا للأضواء والإعلام، ويجب أن يتحمل مسؤولية ذلك.عوضاً عن مواصلة المعركة إلى نهايتها طالما تم الشروع فيها (كما يعمل الرجوب كرجل عسكري أنه حالما سحب السلاح لا تقتضي حكمة القتال إرجاعه إلى غمده في منتصف المعركة، حيث يعني ذلك انتصار الخصم)، رأينا نهاية مخجلة وهي مصافحة حارة كلها حب وصداقة بين الرجوب والممثل الإسرائيلي في الفيفا. في تلك المصافحة التي لا طعم لها فاضت ابتسامات الرجوب على الكاميرات وكأنه المنتصر، وكان الممثل الإسرائيلي جادا وصارماً. لا أعرف ما الداعي للابتسامات العريضة في موقف كهذا، وماذا تعكس بالضبط. الموقف والتصريحات الإسرائيلية بعد سحب طلب الطرد تلخص كل الموضوع فهي تشكر الرجوب على موقفه من ناحية، وتدعوه للاجتماع والحديث في كل الأمور، حتى نتنياهو نفسه صرح بأن إسرائيل انتصرت في الوقوف في وجه المحاولات التي حاولت حصارها في الفيفا، أضعف الإيمان كان بإمكان الرجوب أن يعلن عن تجميد الطلب أو تأجيله وليس سحبه بالمرة. الأمر الثاني والذي لا يقل جسامة عن سحب الطلب والتسبب في الشعور بالخذلان في أوساط الفلسطينيين والعرب ومؤيديهم في العالم، هو تصويت الرجوب لجوزيف بلاتر على حساب الأمير الأردني علي بن الحسين، وما رافق ذلك من تصريحات وتبريرات، وإصدار لبيان توضيحي ثم نفيه بطريقة سخيفة. مرة أخرى، وجود اتحاد كرة القدم الفلسطيني في الفيفا ومواقفه يجب أن تكون محسوبة سياسيا قبل أن تُصاغ رياضياً. من الذي اتخذ القرار بالتصويت لبلاتر إن كان القرار قد اتخذ جماعياً، وعلى أي أساس؟ أكثر من نصف الشعب الفلسطيني يعيشون في الأردن وهم أردنيون بالجنسية والحقوق والجواز، والعلاقة مع الأردن أهم مليون مرة من العلاقة مع بلاتر. والأمير الأردني بذلك هو عملياً مرشح الفلسطينيين والأردنيين معاً. وإذا كان القرار الفلسطيني الجماعي، كما ورد من داخل مجلس إدارة اتحاد كرة القدم الفلسطيني، قد قضى بالتصويت للأمير علي، فإن تغييره بطريقة فردية من قبل الرجوب وفي اللحظة الأخيرة يستلزم ليس فقط الإقالة بل والمحاسبة أيضا. لننظر إلى مدى المرارة العميقة التي سببها عدم التصويت للأمير علي في أوساط الأردنيين، وما قد يتولد عنه من شحن إقليمي عند بعض الجيوب المتوترة والمتطرفة والتي تصطاد أي فرصة كهذه لتسعير الفرقة والتخندق التافه وراء الأصول والمنابت، عوضا عن تجاوزها. يُسيء للفلسطينيين شعبا ومؤسسة رسمية أن يصبح ديدن رموزها الإعلان الاستعراضي عن موقف ما أو مطالبة ما ثم الشروع التدريجي بالتخلي عنه. هذا أفقد الفلسطينيين صدقيتهم السياسية في السنوات الماضية عندما هددوا مرات عديدة بالتوجه إلى الأمم المتحدة وتقديم طلب عضوية فلسطين، ثم تراجعوا عنه. وحدث أيضاً في التهديد بالتقدم للمحكمة الجنائية عدة مرات ثم التراجع عنه. ومع أن الأمرين أنجزا في نهاية المطاف، لكن كانا قد استهلكا قدرا كبيرا من صدقية الفلسطينيين السياسية. والأمر نفسه انطبق على الرئيس الفلسطيني عندما كان يهدد المجتمع الدولي بالاستقالة، وهو تهديد استمر سنوات طويلة، إلى أن أقلع عنه، فلربما قدم له أحدهم نصيحة غالية بأن يكف عن ذلك. الرجوب أراد إحياء ذلك التقليد السيئ، رفع السقف عالياً ورفع آمال شعبه، ثم السقوط المدوي من ذلك السقف. وخلال السقوط تتناثر الخسارات يمينا وشمالا. من يفعل ذلك عليه أن يستقيل أو يُقال.

576

| 01 يونيو 2015

درس الفلسفة.. قبل كل الدروس!

كأن ليس ثمة مكان يليق بـ"أم العلوم" في عالم عرب اليوم، لا في المدارس ولا الجامعات، وكذا في دور النشر، أو الصحف، فضلا عن الإعلام المهجوس بسرعة التغطية والركض وراء الربح. "أم العلوم" لا مكان يليق بها في عالم الأصوليات والطوائف، لا في كتابات التحريض والقتل، ولا في خطابات الإقصاء والفصم والفصل، فضلا عن بيانات زعماء التطرف وعرابيه، سواء أقادوا تنظيمات أم دولا.في زمن قريب لكنه شبه انقضى في هذه المنطقة انكب باحثوها ورواد فكرها على الفلسفة وأموها بكونها نقطة الانطلاق. ذهبوا بعيدا وقرأوا ودرسوا ونقدوا النصوص المؤسسة فيها من زمن سقراط ومن سبقه، ثم أفلاطون وأرسطو، وتوقفوا ملياً عن التفلسف الإسلامي وعلاقته بالفلسفة اليونانية، ثم نقدوا الفلسفة الغربية باهتمام وتقدير. كانت أسئلة التنوير والتحديث والنهضة تقع في قلب هذا الاهتمام، وفرد كثيرون منهم فصول كتب كثيرة في مواجهة السؤال الثقيل: لماذا تخلفنا وتقدم الآخرون؟، لا يعني ذلك أن كل ما كان وما يجب أن يُدرس قد دُرس أو أنه أيضاً اختبر بكامل الموضوعية والنزاهة. كانت هناك انحيازات، وكانت هناك قفزات في "التغطية"، أهمها إهمال الفلسفات التي قامت وتطورت وتأملت في جغرافيات بعيدة عن الغرب، كالصينية والهندية والإفريقية، والانجرار إلى ركاب المركزية الغربية في التفلسف، قبولا أو نقداً. لكن وبكل الأحوال احتل اهتمام مفكري العرب ومثقفيهم بالفلسفة في العصر الحديث ومنذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر موقعا مركزيا في سياق انشغالهم بالنهضة والنهوض. خبا ذلك الاهتمام ومُنتجه الفكري والفلسفي في العقود الأخيرة، حيث استبيح المشهد الفكري والثقافي من قبل ثقافات سطحية وأصوليات متوترة جلها يحوم حول نفي الآخر والإجهاز عليه، وليس التأمل في الجذر الإنساني المشترك، أو البحث في المآلات الغامضة والأسئلة الكبيرة. في سياق غافل كهذا يُلفت الاهتمام إعادة إصدار كتابين من الكتب العربية الكلاسيكية الحديثة في الفلسفة، ضمن سلسلة "طي الذاكرة" الصادرة عن المركز العربي للأبحاث في الدوحة، هما "تاريخ فلاسفة الإسلام في المشرق والمغرب" للمثقف والمتفلسف المصري محمد لطفي جمعة، والذي صدر في أول طبعة له سنة 1927، والثاني هو "العرب واليونان وأوروبا: قراءة في الفلسفة"، الذي صدرت طبعته الأولى سنة 1944. يتيح صدور هذين الكتابين فرصة جديدة للانتصار للفلسفة وللتوكيد على ضرورة تدريسها وإدراجها في المناهج التعليمية وإعادة اعتبار "أموميتها" للعلوم. دون أن يتحلى الطالب والمعلم بقدر عميق من الفلسفة فإنهما يظلان يجدفان في نهر لا ماء فيه. وربما هذا ما كان قد انتبه إليه المؤرخ والمثقف اللبناني الكلاسيكي الكبير عمر فروخ في كتابه المذكور. فروخ أولى اهتماما مركزيا لكتابة المناهج المدرسية الثانوية وغيرها، لأنه كان على يقين كبير بأهمية الفلسفة في تكوين النشء. بعد كتابه عن الفلسفة اليونانية أبحر بعيدا في الفلسفة العربية وكتب "عبقرية العرب في العلم والفلسفة" في أواسط الأربعينيات من القرن الماضي، والذي يقول عنه رضوان السيد إنه "كتاب صغير.. تضخم عبر ثلاثة عقود حتى وقع في آخر نشراته في سبعمائة صفحة". ولا يوازي هذا الكتاب في أهميته الموسوعية إلا السفر الثاني الذي سطره فروخ حول "تاريخ الفكر العربي إلى أيام ابن خلدون".يكتب فروخ كيف انتقلت الفلسفة اليونانية إلى العربية عن طريق نصارى الشام الذين كانوا قد نقلوها أولا إلى السريانية، لعدم معرفتهم بالعربية، ثم من السريانية ترجمت عبر غيرهم إلى العربية. ويشير إلى أن هذه المسيرة عبر عدة لغات ومتأثرة بعدة نوازع أنتجت ترجمات عربية غير دقيقة للفلسفة اليونانية، وبعضها كان بسبب حمية النصارى الذين، إما حذفوا ما لم يتناسب مع الدين من وجهة نظرهم، أو حرفوه. كان لابد من مضي قرون عدة حتى يأتي جيل آخر من الفلاسفة العرب ويطلعوا على الترجمات وينقحوها ويقربوها من الأصل اليوناني. ثم ينخرط فروخ في الجدل التقليدي حول أصلانية الفلسفة العربية أم تقليدها ونسخها لما جاء في سابقتها اليونانية، وينكر زعم أرنست رينان الذي قال إن الفلسفة العربية هي الفلسفة اليونانية مكتوبة بأحرف عربية. ينتفض فروخ ويقول: "لا شك في أن هذا مزعم تافه، إذا كان رينان يعني أن العرب لم يعالجوا من الأمور إلا ما عالجه اليونان، فيحق لنا حينئذ أن نقول: إن الفلسفة الأوروبية ليست إلا الفلسفة اليونانية مكتوبة بالحرف اللاتيني، وأن الفلسفة اليونانية نفسها فلسفة مصرية أو بابلية مكتوبة بالحرف الإغريقي. إن الحضارات والثقافات تطور، واعتماد حضارة أو ثقافة على حضارة أو ثقافة سابقة لا ينزع عنها قيمتها ولا قدر الرسالة التي أدتها". أما كتاب محمد لطفي جمعة الذي درس في الإسكندرية ولبنان وفرنسا، فيبحث في أفكار وفلسفات وإيضاحات اثني عشر فيلسوفا يمكن اعتبارهم أهم فلاسفة الإسلام، وهم: الكندي، الفارابي، ابن سينا، الغزالي، ابن باجة، ابن طفيل، ابن رشد، ابن خلدون، إخوان الصفا، ابن الهيثم، محيي الدين بن عربي، ابن مسكويه. وهم قد رافقوا المؤلف أكثر من عشرين سنة كما يذكر، وصاروا أصدقاءه الحميمين، بل ويتخيلهم حتى بلباسهم"... كل بالقباء أو المرقعة أو المسو أو الدراعة أو الجبة التي تليق به... (وهم) الذين عاشوا وتأملوا وفسروا الكون، وعللوا الحوادث قبل كانت، ونيتشه، وشوبنهور، وسبنسر، وستوارت ميل، وأوجست كومت، ورينان.ليست هذه المطالعة الموجزة مراجعة نقدية للكتابين، بل هي تعريف بهما في وارد محاولة التشديد على أهمية استعادة الدرس الفلسفي في المشهد العربي التعليمي والتنظيري والسياسي. لكن يجوز ختمها بإشارة لطفي جمعة التي يقول فيها إنه لولا الجهد العربي والإسلامي الريادي والمركزي لضاعت تلك العلوم. ويقول مخاطبا أولئك الفلاسفة: "إنه لولاكم أيها الفلاسفة الأعزة! من الكندي، إلى ابن رشد، لم يكن لفيلسوف أوروبي حديث أن يظهر في عالم الوجود، وأنكم أنتم الذين حفظتم تلك الشعلة المُقدسة التي خلفها سقراط وأفلاطون وأرسطو، في مغاور الماضي السحيق، وزودتموها نارا حتى أسلمتموها مضيئة وهاجة إلى فلاسفة أوروبا المحدثين، وكنتم لتلك الشعلة الإلهية كراماً حافظين".

2405

| 27 أبريل 2015

بين إيران الفارسية .. وإيران الدولة

هناك أكثر من إيران وكل منها لها عدة أوجه، وهي "إيرانات" متنوعة ومتعددة قد تتكامل أو تتنافر جزئيا، لكنها ليست متناظرة ومتطابقة تماماً، وهذا يفرض ضرورة الفهم المركب والمعمق لما نراه اليوم من فيضان وتوتر في آن معاً للنفوذ والتمدد الإيراني. هناك بشكل أساسي ثلاث "إيرانات" الأولى هي إيران التوسعية المهجوسة بإحياء الإرث الفارسي الإمبراطوري، والمشحونة بالتاريخ الذي يدفع إيران وقادتها وشعبها دفعا ويورطهم في مشروع إمبريالي إقليمي دائم. إيران هذه ترى المنطقة كلها تابعة لها، وبكونها تملك مشروعا إمبراطوريا متفوقا على جوارها. تواردت تمثيلات هذه الإيران الإمبراطورية على ألسنة مسؤولين إيرانيين كثر مؤخرا، تفاخر بعضهم بسيطرة إيران على عواصم عربية أربع، وتشاوف الآخر بأن الجيوش الشعبية التابعة لإيران تجوس في طول وعرض المنطقة. لكن التمثيل الأبرز والأكثر فجاجة جاء قبل أسبوعين على لسان علي يونسي مستشار الرئيس الإيراني روحاني عندما تفاخر بأن إيران عادت إلى وضعها الإمبراطوري الطبيعي وأن العالم برمته أصلا هو جزء من الشخصية الإيرانية، واعتبر أن العراق ليس جزءًا من النفوذ الثقافي لإيران وحسب، بل جزء من "هوية إيران" وهو "عاصمتها" وأن هذا أمر لا يمكن الرجوع عنه، لأن العلاقات الجغرافية والثقافية القائمة غير قابلة للإلغاء. إيران الإمبراطورية الفارسية إذن تعتبر موقعها الطبيعي هو السيطرة المطلقة على المنطقة وقيادتها، وهي تنظر للعرب ليس وفق نظرة احتقار وازدراء لا يتوارى عن التعبير عنها أدباء وفنانون وسياسيون كبار فيها، بل وفق نظرة عنصرية بالمعنى العلمي للكلمة. ثمة تواريخ ماضية وقرون وتجارب مريرة أسهمت وتساهم في الإبقاء على إيران الفارسية، ليس ثمة مساحة هنا للانخراط في نقاشها، لكنها تجارب خلقت جرحا نرجسيا دائم النزيف في الشخصية الجمعية الفارسية الإيرانية. ظل ذلك الجرح النرجسي العميق يظهر بين الحين والآخر وبغض النظر عن "شكل الدولة" القائم في إيران. في العصر الحديث مثل الشاهنشاه، ملك الملوك، أحد أهم التعبيرات عن ذلك الإحساس الإمبراطوري المتوارث، ليس فقط في الحمولات الرمزية الفائضة، بل أيضا، وهو الأهم في السياسات الخارجية المُتبناة، والتي اتسمت بالتوسعية وازدراء الجوار العربي وتسنم موقع "شرطي المنطقة" لعقود طويلة. في عهد الخميني أخذت تلك النزعة التوسعية الفارسية شكلا دينيا، حيث لبست رداء "تصدير الثورة" واستهدفت الجوار المباشر وهو العراق والخليج العربي. صحيح أن صدام حسين كان المُبادر بالحرب ضد إيران وكانت تلك المبادأة قصر نظر، لكن المناخ التأسيسي الذي نشرته ثورة الخميني بخطابها الاستفزازي ليس فقط للعراق بل ولكل الخليج، كان هو المسؤول المباشر عن تلك الحرب الأليمة التي حصدت ملايين وأسست لما نعيشه الآن. وفي الأطوار اللاحقة من حياة "الثورة الإيرانية" ومنها اللحظة الراهنة، وجدت "الإمبراطورية الفارسية" الكامنة في مسألة حيازة السلاح النووي البوابة الأهم والأوسع لاستدعاء كل الماضي المجيد وإثبات أحقية إيران بالسيطرة الإقليمية وإعادتها إلى "موقعها الطبيعي" وهي قيادة بلدان الشرق الأوسط وإخضاع شعوبها. ضمن هذا الشعور المتضخم بالذات الإمبراطورية يتم توظيف كل المسائل والقضايا التي تطرحها الأحداث الصغيرة (بما فيها، وربما على رأسها قضية فلسطين). وقد لعبت فلسطين ومنذ عهد الخميني فصاعدا الرافعة العاطفية والدينية التي مكنت إيران من فك أقفال عديدة في المنطقة العربية. لكن هذا الدعم، والذي كان جديا وحقيقيا لمنظمات المقاومة، مثل حماس والجهاد الإسلامي، لا يمكن فهمه إلا من زاوية التوسع الإقليمي وتعزيز مكانة إيران، وليس حبا في فلسطين والفلسطينيين ولا قضيتهم. واضعاف ذلك الدعم ما تلقاه حزب الله الذي يشكل اليوم الذراع الحقيقية للمشروع الفارسي التوسعي وعلى رافعة "المقاومة والممانعة". تتماهى مع "إيران الإمبراطورية الفارسية" إيران أخرى هي "إيران التشيع السياسي" التي أطلقها الخميني وطرحت نفسها حامية للشيعة، ليس فقط في المنطقة، بل وفي العالم بأسره. وهذه الـ"إيران" تتسم بكونها هي أيضاً إيران عابرة للحدود ولا تحترم سيادات الدول. وإذا كانت إيران الفارسية مهجوسة بإحساس الإمبراطورية المهزومة والتي تريد أن تنهض، فإن إيران "التشيع السياسي" مهجوسة بإحساس المذهب الأقلوي المدجج بشعور الاضطهاد والهزيمة، والذي يريد أن ينهض منتقما مما يراه مظلوميات فرضتها عليه الأغلبية العربية السنية. مقابل هاتين الـ"إيرانيتين" السابقتين هناك "إيران" ثالثة هي إيران الدولة الأمة أي nation state والتي من المفروض أن تكون ملزمة بالقانون الدولي وتحترم سيادات الدول ولا تستبطن أي مشروع أيديولوجي أو إمبراطوري متجاوز للحدود، والقائمة على مبدأ المواطنة وليس المذهب. هذه الإيران الأخيرة هي أضعف الإيرانات مع الأسف، وهي ما يجب أن يتم دعمه وتقويته والتعاون معه. صحيح أن هناك تيارا عريضا وقويا داخل إيران "الدولة الأمة" يريد لهذه الأخيرة أن يتصلب عودها وحضورها مقابل إيران الإمبراطورية وإيران التشيع السياسي، لكنه لا يمتلك قوة خطابات الآخرين وأيديولوجيتهم. كما ليست هناك حدود فاصلة وواضحة بين هذه الإيرانات الثلاث، كما ليس ثمة كتل داخل إيران صارمة الملامح يمثل كل منها إيرانه الخاصة به. بل هناك تداخل وغموض التعريفات، حيث تبدو هذه الإيرانات كثلاث دوائر تتداخل في منطقة الوسط، بما يعني اشتراكها في عناصر عديدة، لكن اختلافها في عناصر أخرى. ما يجب على العرب أن يطالبوا به ويشجعوه ويتعاونوا معه هو إيران الثالثة القائمة على مبدأ الدولة الأمة والتي يكون مواطنوها إيرانيين بالتعريف. وهذه الإيران هي وحدها التي يمكن أن تعيش بسلام مع جوارها العربي وتقيم علاقات ليست فقط قائمة على الاحترام والمصالح المشتركة، بل والتعاون أيضا، والذي يجب أن يصل إلى صوغ نظام أمن إقليمي يحاصر المخاطر والصراعات. إيران التي تنزع عنها هوس التوسع والسيطرة على عواصم العرب، وادعاء تمثيل الشرق الأوسط وشعوبه، وأنهم جميعا جزء من الهوية والتاريخ الإيراني. ربما كان هذا الكلام الآن شعرا ورومانسية لا تتحقق على أرض الواقع ببشاعته، لكن ليس هناك من سبيل إلا لجم إيران التوسعية وتنمية إيران الدولة. والمثال الأوروبي طازج ومُعلم حول دول ومشاريع توسعية، فاشية ونازية، ذات أيديولوجيات عنصرية ومزاعم مظلوميات تاريخية، تم لجمها وتقليم تطرفاتها، وتحولت إلى دول أمم رصينة ومحترمة.

1472

| 30 مارس 2015

من ماركسية عدن إلى أصولية صنعاء

عندما خُير عمران، الماركسي الصلب والموقن بالحل الاشتراكي، في ما إن كان يفضل استكمال دارسته الجامعية في ألمانيا الاشتراكية أم فرنسا اختار فرنسا.. ولما سأله مسؤول البعثات الجامعية عن السبب في الاختيار كان جوابه "لأنني أعشق منظر الغروب"... واستطرد بأنه يشتهي رؤية غروب الرأسمالية بأم عينيه في إحدى أهم قلاعها! نلتقي عمران رواية "ابنة سوسلوف" الممتعة والمحيرة معاً: رواية عدن سبعينيات وثمانينات القرن الماضي. عدن التي يزدهر لينين وماركس و... سوسلوف، وفيها الجميع يبنون اليمن الديمقراطي الاشتراكي (الجنوبي)، ويحلمون بحرق المراحل.. عدن التي تباهت تقدميتها ليس فقط على رجعية اليمن الشمالي بل ورجعية العالم العربي بأسره. اليمن الجنوبي، كما يرسمه الروائي والمثقف اليمني حبيب عبد الرب السروري في هذه السردية، كان محلقا بأجنحة الوعد الاشتراكي الحتمي المنبعث من أنقاض الانهيار الحتمي للرأسمالية. ليس ثمة حدود للحلم ولا ليقين الانتصار الثوري القادم. لا تردد ولا مساومة فيما سيأتي به المستقبل. ثورية اليمن الجنوبي، والتي حفلت بها "المدرسة العليا للعلوم الماركسية" في عدن، في تلقينها للشبيبة الثورية الطالعة، فيها إنجاز مركب، ذاك أنها ستقود اليمن من الإقطاع إلى الاشتراكية من دون المرور بحقبة الرأسمالية (بحسب حتميات المراحل الماركسية الكلاسيكية).. الرأسمالية في انهيار وأفول أصلا فلماذا المرور بها لتسريع الهبوط في جنة الاشتراكية. سالم، رئيس "المدرسة العليا للعلوم الماركسية" هو أحد أصلب المنظرين الأيديولوجيين، وصار يلقب بــ "سوسلوف" تيمنا بأحد أهم منظري الماركسية اللينية في عقر دارها. نشاط سوسلوف اليمني دؤوب، وذكاؤه لامع، وخطابته مبهرة. إنه النموذج الجديد للجيل الثوري المندفع والمعبأ. درس في الاتحاد السوفيتي وعاد منظرا عميقا في الأفكار الاشتراكية، وفي المُتع النسوية أيضا، وفي عدن طبق النوعين من التنظيرات! زوجته وابنته أيضا تندرجان في الصورة الزاهية لمشروع اليمن الجديد، وبطلنا عمران يقع في حب الابنة باهرة الجمال، فاتن، لكن بصمت متبادل بين الاثنين تنوب عن الكلام فيه نظرات عيون حارقة. من ذروة التشاوف الأيديولوجي يهوي سوسلوف ومعه عدن ومعهما فاتن وحلم النهوض الاجتماعي، لنصل مع هؤلاء جميعاً عشية انتفاضة اليمن ضد علي عبدالله صالح، وقد تحول هواء اليمن ومزاجها وانقلب منجلاً على مصحف. سوسلوف صار أصولياً، وابنته الفاتنة فاتن صارت داعية نشطة منقبة ولا تصافح الرجال. عمران الذي غادر للدارسة في فرنسا ولمراقبة الانهيار الرأسمالي عن كثب استمرأ باريس وبقي فيها عقودا. عندما عاد إلى اليمن حاصرته المرارات من كل جانب. تحولت اليمن من عنفوان التطرف الماركسي إلى عنفوان التطرف الأصولي، من سوسلوف إلى الشيخ الزنداني. في الحالتين ظلت القبيلة هي القاسم المتحرك الأكبر. في عدن الأمس احتوت استمارة الانتماء الحزبي على سؤالين يجب الإجابة عليها من قبل كل عضو جديد: "الانتماء الطبقي" و"الانحدار الطبقي"، الأول يخص العضو والثاني يخص عائلته. عمران أجاب على الأول بــ "طالب" وتبع ذلك بقوسين كتب بينهما "برجوازي صغير"، ثم احتار في السؤال الثاني لأن والده يملك مطعما شعبيا بسيطا وربما يكون من "الطبقة العاملة" أو "البرجوازية الصغيرة".. إن انطبق على والده الوصف الأول فإن ذلك يضعه على سلم الترقي الحزبي، أما إن وقع عليه الوصف الثاني فلسوف يفقد حظوظه بسبب الشك العميق الذي يحيط بكل ما هو برجوازي، صغيرا أم كبيرا.. يقرر الحزب أن يشكل لجنة تذهب إلى مطعم والد عمران لتحصي عدد ملاعق المطعم، فإن تجاوزت رقما محددا يصنف المطعم وصاحبه بالبرجوازية الصغيرة، وإن لم يتجاوز ذلك الرقم فمعنى ذلك أن انتماءه يكون أقرب إلى "الطبقة العاملة". صنف المطعم ومعه والد الرفيق عمران بــ "البرجوازي الصغير"، ومع ذلك التصنيف انتهت آمال عمران بترقي السلم الحزبي، وظل في فرنسا ينتظر الانهيار المحتوم للرأسمالية. في صنعاء اليوم استمارات الانتماء الحزبي استنسخت ما كان في عدن الأمس. تغيرت اللغة والخطاب ونوعية الهوس وحسب. هنا تتصادم الأصوليات بكل أنواعها وتتنافس في إراقة الدم الأكثر: القاعدية والسلفية والحوثية والشيعية. كل منها يتأبط استمارات الولاء والانتماء الطائفي والحزبي المتنافس في الضيق وتضييق ما هو ضيق. لم تصمد التجربة الاشتراكية في اليمن الجنوبي الذي تقاتل ماركسيوه فيما بينهم وخاضوا حروبا طاحنة ارتد كل فرقائها إلى أصولهم القبلية والجهوية واستعانوا بها ضد بعضهم البعض. كانت البنية القبلية والدينية والمناطقية (ولا تزال) أقوى بكثير من فاعلية أية أيديولوجيا. في الحقيقة نعثر على "بشائر" هذا المصير في الصفحات الأولى من الرواية وبشكل غير مباشر، وكأنها تؤشر إلى النتيجة المأساوية للمغامرة الماركسية في جنوب جزيرة العرب.. نقرأ في بدايات الرواية كيف أن الشعارات الثورية والاشتراكية في أوائل "الوعي الثوري الماركسي في اليمن" كانت قد نُحتت على أنغام وألحان صوفية وشعبية سابقة، ولم تبتكر ألحانها الخاصة.. لقد تسلل الموروث العميق بقوة واحتل موقعا جينيا في الوارد الحديث. لم يكن ذلك اللحن الصوفي القديم سوى الترميز السرطاني لكل ما هو قديم إذ يقبع في خلفية الصورة الثورية والاشتراكية، ويظل يأكل من لحمها الحي حتى ينهيها مع الحرب الأهلية بين الرفاق، ثم انهيار التجربة كليا. يستخدم حبيب السروري تقنيتين كرافعة للسرد. الأولى هي الاستعانة بمنصة شبه جديدة وآلية (قد تكون إشكالية) لسرد قصته، وهي نسبة جزء كبير من السرد إلى نصوص يكتبها على صفحته في الفيسبوك، أو يقرأها من نصوص آخرين عاصروا ذات الأحداث.. توفر التعليقات التي يتركها المؤلف على الفيسبوك ثم الحوارات أو الردود عليها تسويغاً مُبطنا للإطالة في المُقاربة المباشرة التي لن تكون مقبولة لو جاءت على لسان الراوي، سواء أكان "عليماً" أم واحدا من شخوص الرواية. أما الثانية، وهي الأكثر إثارة وجدلا ربما، لكنها ذات دلالة مأساوية، فهي توجيه السرد إلى مُخاطب واحد هو ملاك الموت، عزرائيل، وإدارة حوار متخيل معه.. ماتت الاشتراكية وبُعثت السلفية في اليمن وفي لحظة الموت تلك دخل "هادم الملذات ومفرق الجماعات"، وبدأ الراوي يقول ما يقول متخيلا أن ذلك الملاك أعطاه فرصة ليشرح لها ما مر فيه من تجارب خلال حياته.

1516

| 23 مارس 2015

من الداعشية الناعمة إلى الداعشية المتوحشة

عوضا من أن نقرأ الداعشية من منظور الإسلام وندينها بكونها خروجا عن النص الأصلي وهي قراءة تسيدت نقدنا لـ "داعش" فإن ما صار مطلوبا هو العودة إلى النص الأصلي نفسه والتأمل في التأويلات والتفسيرات التي سادت (وتلك التي أقصيت وهُمشت) وآلت بنا نحو الداعشية. تقودنا قراءة جريئة وغير مترددة كهذه لنتيجة أولية صادمة وهي أن الداعشية نتاج طبيعي لسيادة تفسيرات جامدة ومتعصبة للنص الديني، ظلت تنتشر أفقيا في الفضاء العربي والإسلامي طيلة قرون لكنها استعرت وتصاعدت سيطرتها خلال نصف القرن الأخير على أقل تقدير. وقد نجحت هذه التفسيرات الموغلة في سلفيتها ونصيتها وفي اغتيالها للتنوع والتعدد في الإدعاء بامتلاك الحقيقة الدينية. اختفى من المشهد الديني في المنطقة العربية التدين الشعبي البسيط والتدين الصوفي الودود والمساحات الرمادية العريضة التي كانت تمور فيها الحياة الاجتماعية والثقافية واليومية. وأجهزت سلفية التفسير الأحادي للنص على العفويات المبدعة والعبقرية في المجتمعات والتي كانت تشتغل على تخليق صيغها ومعادلاتها الخاصة في مصالحة الدين مع الحياة، من دون تقعرات تنظيرية أو تشدق ايديولوجي، ديني أو حداثوي. في تلك المساحات الرمادية ومن خلال تلك العفويات التصالحية سيطر التعايش التلقائي بين شرائح المجتمع أيا كانت درجة تدينها، وكانت الطائفية منطوية على نفسها في خلفية المشهد، وهو ذاته الذي لم يتصدره متدينون جدد مدججون بأفكار وآراء الإقصاء والتكفير والتفسيق وشق أخاديد عميقة وواسعة بين فئات المجتمع الواحد. أُختصر ذلك كله إلى “تفسير واحد” للدين اتسم بالسلفية والتشدد، وادعى لنفسه الكمال و “الحق” واعتبر التفسيرات الأخرى، العقلانية والصوفية والتسامحية والتعايشية وحتى المذهبية الأخرى باطلة ومرفوضة، ولا تتصف بـ “الصلابة السلفية المطلوبة”. يمكن وبسهولة ملاحظة الانحدار نحو الأصولية المتشددة والسلفيات المُزاودة على بعضها البعض في التطرف من خلال المقارنة بحاضر اليوم مع الماضي القريب قبل عدة عقود فقط. هذا المشهد الذي آل نحو تشدد تفسيري صارم هو مشهد “الداعشية الناعمة” التي عششت في أوساطنا ولم نأبه لوقف زحفها الكبير. كانت تلك الداعشية تهيئ البيئة لتحولها القاتل والمتوحش والذي سوف يأتي لاحقا. الأسوأ من ذلك أن “الداعشية الناعمة” تعمقت وتجذرت مع تعمق آليات “تديين السياسة” و “تسيس الدين” في المنطقة العربية والتي اشتغلت على مسارين متنافسين ومتصارعين: أولهما تقوده الأنظمة المنشغلة بتوظيف الدين لدعم الشرعيات السياسية، وثانيهما تقوده الحركات الإسلاموية التي عمقت من خلط الدين بالسياسة وإنتاج وضع اجتماعي وسياسي مأزوم ومتأهب للانفجار. وفي خضم التنافس بين هذه المسارين تصاعدت المزايدة في استخدام الدين لتعزيز الشرعيات السياسية، ونتج عن ذلك المزيد من الشرعنة لخطاب التطرف والإقصاء وانتهينا عمليا إلى سيطرة خطاب الداعشية الناعمة بتنويعاته المختلفة وامتداداته في كل الاتجاهات. النتيجة النهائية لـ “التدعوش” التدريجي والراسخ في فضائنا وثقافتنا الدينية كان تخليق بيئة مواتية لبروز “الداعشية المتوحشة” التي نراها اليوم وهي تُترجم على الأرض أفكار وقناعات الداعشية الناعمة المتنامية بيننا على مدار عقود طويلة.تتشابه “الداعشية المتوحشة” مع كل الايديولوجيات الإبادية بشكل مُدهش من خلال التماثل في الإدعاء بامتلاك منظور خلاصي ومسيحاني للعالم والكون، يفترض أن قانون الطبيعة في الايديولوجيات الأبادية مثل النازية والقانون الإلهي في الحالة الداعشية يقر بقيادة (وأستاذية) العالم إليهما. مثل هذا التوحش الفكري والايديولوجي يتسم بصرامة وتعصب لا يحتمل أي نقاش ولا جدل ولا مساومة: إما أن تكون، مثلا، مع النازية (وتفوق الجنس الآري) أو تكون ضدها، وإما أن تكون مع الداعشية لأنها تمثل “الحق” الذي لا حق بعده أو تكون مع “الضلال”. إن لم تكن مع هذه أو تلك، كل في سياقها، فأنت لا تستحق العيش وتعتبر “عائقاً” في وجه تحقيق المشروع الخلاصي والكوني وتستوجب الإزاحة والإبادة، بدم بارد وقناعة يقينية. إنها الإبادة التي تخدم المشروع وتقود الإنسانية إلى مستقبل أفضل (في فهم النازية)، وتقود العالم إلى مستقبل الخلافة وأستاذية العالم (في فهم الداعشية). هوس الإبادة الذي استبد بهتلر والنازية تجاوز يهود ألمانيا ويهود أوروبا، وشمل كل الدول والمجتمعات التي رفضته وعارضته، فانطلق يحارب في كل الاتجاهات، شمالا وشرقا، وجنوبا وغربا، من الاتحاد السوفيتي إلى بريطانيا. وهوس الإبادة و “تطهير الصف من المنافقين” الذي يستبد بالداعشية المتوحشة لا يستثني أحداً. إنه الهوس المُرعب الذي يسوق، مثلا، التسويغ الداعشي لعدم خوض أي معركة ضد إسرائيل، بضرورة تطهير الصف الداخلي من المنافقين، قبل خوض أي معركة مع “الأعداء”، بيد أن الداعشية المتوحشة لها تميزها الخاص عن مشاريع الإبادة والقتل التي سبقتها. أولها التفاخر والإعلان عن عمليات القتل والذبح على خلاف الحالات الأكثر من الإبادة حيث كان إخفاء الجريمة هدفا أساسيا. في الحالة الداعشية يمثل القتل، وهو رقميا أقل بكثير جداً من حجمه في معظم الحالات الأخرى، استراتيجية ردع وتخويف وبث رعب في صفوف “الأعداء”، لذلك يتم الإعلان عنه بطريقة احتفالية وسينمائية مدهشة في تقنياتها ومقرفة في جوهرها. يُنجز الذبح والحرق أمام الكاميرا، ويسيل الدم وتتخبط الأجساد بين أيدي الذباحين قبل أن تصبح جثثا هامدة، وتُرى “المقتلة” البشعة من قبل مئات الملايين من الناس. تريد الداعشية أن “تنتصر بالرعب”، وهذا مدخل آخر يفرض علينا العودة إلى تفسير النص وتطبيقاته في راهنا في من منظور الداعشية المتوحشة.

944

| 16 مارس 2015

من "حداثة الهولوكوست" إلى "إسلاموية داعش" (1)

قدم زيجمونت باومان في كتابه الشهير "الحداثة والهولوكوست" (Modernity and the Holocaust) عام 1989 أي سنة صدور كتابه الصادم، أطروحة جديدة ومفاجئة عن العلاقة العضوية بين مشروع الحداثة والهولوكوست. يُترجم الكتاب للمرة الأولى إلى العربية وينقله إليها حجاج أبو جبر ودينا رمضان (مدارات للأبحاث والنشر، 2014). تصفح الكتاب بترجمته العربية الجيدة يتيح مناسبة لمناقشة الموضوع القديم الجديد، لكن على ضوء تجربتنا العربية (الإسلاموية) مع داعش. في كلا الحالتين: "الحداثة النازية المتطرفة" و"الإسلاموية المتطرفة" هناك نزعة إبادة ممنهجة تقوم على خطابات تأسيسية، وعلى نظرة استئصالية للآخر، وكذلك على آليات مُبهرة في تنفيذ الجريمة. لكن في ذات الوقت هناك اختلافات مهمة وأساسية تستدعي النقاش وتفتحه على تأملات جديدة، خاصة في مسألة الإعلام عن الجريمة أو محاولة إخفائها. هذه المقاربة (في مقالتين) تناقش إلى عدة أفكار حول التشابه والاختلاف بين الحالتين المذكورتين، وتحديداً: هناك أولا معالم الخطاب التأسيسي والإبادي، ثم التأمل في بشاعة نهج الجرائم الناجمة عن الالتزام بالنظام (والأيديولوجيا) والفائضة عن بشاعة تلك الجرائم الناتجة عن كسر النظام أو التمرد على الأيديولوجيا، وهناك تموضع "الجريمة والبشاعة" في إطار "ما هو عادي ومقبول" عند أفراد وجماعات ومجتمعات بشكل مذهل ومخيف، ويشير إلى أن الأفراد العاديين قد يتحولون إلى مجرمين حقيقيين، إذا تهيأ الظرف والسياق، وترتبط بذلك مسألة البعد أو القرب الفيزيائي من الضحية، حيث يلعب البعد دورا أساسيا في جرائم النازية، بينما يلعب القرب الدور الأكبر في الجرائم الداعشية، وهكذا. قبل البدء بالنقاش ثمة ملاحظة تفرض نفسها تتعلق بالترجمة العربية، فإلاشادة المُستحقة للترجمة الدقيقة والسلسة لكتاب باومان لا تنطبق على مقدمة الناشر ولا مقدمة المترجم اللتين فاضتا بالتعميمات غير اللازمة. الناشر يقول لنا إن "الصهيونية ارتكبت جرائم أبشع ضد العرب في فلسطين"، وهذه مقولة لا تخدم لا عرب فلسطين ولا تعزز من حقهم فيها، لأنها غير علمية وغير موضوعية (مقارنة بملايين اليهود الذين أبيدوا دفعة واحدة على يد هتلر). ثم يختم الناشر مقدمته بدعاء (موضوعي!) يبتهل فيه إلى الله أن يجعل الكتاب "في ميزان حسناتنا وأن ينفع به عموم المسلمين"!. هل معنى ذلك أن عموم المسيحيين أو غير المسلمين من قراء العربية لا ينطبق عليهم أمل الانتفاع من الكتاب؟ والمُترجم بدوره يشير وفي أول سطر من مقدمته إلى أن عبد الوهاب المسيري هو "أول من فطن إلى أهمية كتاب "الحداثة والهولوكوست للمفكر اليهودي المعاصر زيجمونت باومان"، وهذا طبعا ليس صحيحا ولا دقيقا ولا حاجة أصلا لمثل البذخ في المديح. ويُضاف إلى ذلك تعزيز الفكرة الساذجة بتبرئة الذات التاريخية وإحالة الجرائم على "الآخر" الإمبريالي، والتاريخ العربي الإسلامي فيه إمبرياليته الخاصة به أيضا. على كل حال، لا تنتقص هذه الزوائد من قيمة الترجمة العربية وأهميتها والإشارة إليها. قبل باومان صدرت مئات الكتب والأبحاث التي حاولت فهم المحرقة من ذلك المنظور تحديداً، ومن مناظير أخرى، أهمها كيفية قبول الألمان، سواء على مستوى الشعب أم النخبة، لفكرة إبادة جنس عرقي كامل يعيش بين ظهرانيهم. باومان ذهب في كتابه إلى مكان آخر تماماً وقلب كل المناظير، وإن كان بتطرف لافت انتقد عليه كثيراً، لكن بقيت نظريته ذات فائدة مهمة. عوض أن نوظف السوسيولوجيا ونظريات الحداثة لمحاولة فهم المحرقة ولماذا حدثت وكيف تواطأت الأطراف المختلفة في تنفيذها، قال باومان إن الهولوكوست تقدم لنا فرصة لنعيد فهم الحداثة من منظور قدرتها على تهيئة المناخ للإبادات البشرية. أي أن الهولوكوست تكشف بشاعة الحداثة على عكس كل القراءات السابقة التي أرادت أن تفهم بشاعة الهولوكوست من خلال الحداثة. بالنسبة لباومان فإن الحداثة تقوم على العقلانية الصارمة والتنظيم الدقيق وبرود التحليل العلمي وأخلاقية التكنولوجيا، وكل ذلك مجموعا إلى ذاته يحقق غائية وجود الإنسان ومصالحه. في هذا النظام تنفصل الوسيلة عن الغاية بطريقة مركبة ومدهشة وأبعد بكثير عن الفكرة الميكافيلية التقليدية التي تعلي من قدر الغاية وتبرر في سبيل تحقيقها أحقر الوسائل. هنا تصبح الوسيلة نفسها هي الغاية، أي أن مهارة تطبيق الأوامر، وكفاءة التنفيذ (تنفيذ حرق اليهود مثلاً) ومن خلال مراحل تبدأ بالترحيل في القطارات في مواعيد ثابتة، ثم تجميعهم في مرحلة الفحص الطبي، ثم التعرية الكاملة ومصادرة ممتلكاتهم الشخصية وتصنيفها (ساعات، مجوهرات، ملابس،... إلخ)، ثم نقلهم إلى غرف الغاز وغسلهم بالماء أولا، وبعدها تحديد كمية الغاز المطلوبة لكل غرفة، والبدء بالتنفيذ، ثم تجميع الجثث وحرقها، ودفن بقاياها، وهكذا. هذا التفسير الأقصوي في فهم الحداثة هو ما اعتمده باومان، ورأى أنه تجسد في النظرية النازية التي رأت أن اليهود في ألمانيا وأوروبا لاحقا جنس يشكل عبئا على التقدم الإنساني وتجب إبادته، ومعهم المسلمون والغجر والمعاقون والمرضى أمراضا عصية و"الشاذون جنسيا"، بحسب ما كان يرى هتلر. قائمة الأجناس "غير المفيدة" كانت طويلة على الأجندة الهتلرية، ويتوجب تطهير "الحيز الحيوي" منها حتى يتقدم العالم بقيادة الجنس الآري الذي أثبت علماء الأنثروبولوجيا النازية لهتلر أنه الجنس الأصفى والأرقى في الأجناس البشرية كلها. في المقالة القادمة نقرأ "الداعشية" في ضوء فكر الإبادة.

1138

| 02 مارس 2015

"الطلياني": توترات تونسية على إيقاع عربي

لا هو من قبيل الخفة في التعبير ولا السخرية في القول الزعم بأن تشابه الهموم العربية مشرقا ومغربا يُعد وجها من العناصر المشتركة التي تؤكد عوامل وحدة العرب، مثاليا ونظريا على الأقل، واستنساخ التعامل مع تلك الهموم من الجار العربي جزء من تلك العناصر أيضا. لماذا، تأملاً، تعاقبت ثورات الربيع العربي من بلد عربي لآخر، ولم تنتقل إلى بلدان الجوار غير العربي: إلى النيجر وتشاد، أو تركيا وإيران، أو إثيوبيا وارتريا، على سبيل العدوى مثلاً؟ على كل حال ليس هذا حديث هذه السطور، لكنه بعض مما تثيره قراءة الكاتب والمثقف التونسي القدير شكري المبخوت في روايته الممتعة "الطلياني". هنا نقلب ملفات إرث البورقيبية التي شكلت تونس ما بعد الاستقلال، وتمثلاتها المتنوعة: ثقافة، واجتماعاً، وتسيساً،...، واستبداداً. والبورقيبية، وكما كانت الأتاتوركية، حالة تفيض بالدراما، ذاك أنها متعددة الأوجه وحمالة للتفسيرات، وفيها وعليها ما يكفي ويؤهلها للتمرد على أي محاولة توصيف اختزالية. هي قاطرة تونس نحو الحداثة ولولاها لربما ظلت البلد يترنح في زنقات التقليد، ثقيلة الخطوة، ومترددة الاتجاه كما هو حال كثير من البلدان العربية والإسلامية. وهي، أي البورقيبية، مقام المرأة التونسية ودفعتها إلى موقع متقدم قياساً بنظيراتها في الجوار العربي وربما بعده. لكنها، أي البورقيبية، كانت استبدادية وأبوية صرفة تحوم حول "المجاهد الأكبر" وما يراه ويقرره. في عنفوان شبابه ونضجه وعطائه امتلك جبروت الشخصية كي يقود البلاد ويفرض رؤيته لتونس المنطلقة نحو المستقبل والمنفلتة من الماضي. في مراحل العنفوان تلك داس على المعارضة وهمشها، يسارييها أولاً ثم إسلامييها. حُشر المعارضون في الجامعات واتحادات الشغل، وانفرد القائد الأوحد بتوجيه دفة البلاد.لكن عندما استبدت حتمية الزمن بالقائد واحتلت الشيخوخة والعجز ما كان نصيبا للعنفوان واليقظة، تقدم أحد أخلص مساعديه ليخلص البلاد مما صار يُرى نزقا في القائد وليس حكمة فيه. صار لابد من إنقاذ البلاد من مؤسسها وحاميها الأول، فجاء زين العابدين بن علي. وعد الشعب، ويسارييه وليبرالييه وإسلامييه، بعهد دستوري جديد، قوامه الثورة على فكرة "تسلم الحكم مدى الحياة". كان ذلك سنة 1987، وكلنا نعرف بقية القصة بعد ذلك. هذه هي السردية العريضة للواقعة التونسية في النصف الثاني من القرن الماضي وصولا إلى لحظة سقوط المنقذ ابن علي. خلف هذه السردية كانت حياة المجتمع تمور بكل ما تمور به مجتمعات العرب: امتدادات عميقة ومتواصلة وراسخة للموروث الاجتماعي، والديني، والقبلي، والأبوي، يعشش بعيدا عن، ورغما من، أحلام النخب سواء أكانت حاكمة أم معارضة، يسار متصاعد يبحث عن موقعه بين حكم ليبرالي السمت لكنه استبدادي النزعة، وإسلاموية ناهضة تعتاش على الموروث وتحرض وارثيه على رفض الحداثة وتغريبها المجتمع، بنى اقتصادية هشة لم تتمكن لا من تطهير رقاع الفقر العريض، ولا من استيعاب أجيال الشباب الذين فاض كثيرهم في شوارع البطالة تتلقفهم تنظيمات متطرفة، أو عصابات التشرد، أو بكل بساطة مشاعر الضياع والتوهان. قليلهم تمكن من الهرب من الأوطان والهجرة للخارج والارتماء في أحضان الغرب المشتوم صباحا مساء، وكل ذلك وغيره تحت سيطرة نظام سياسي مطبق الإحكام على المجتمع، فيه الحريات السياسية مجففة، والمناصب العليا ونصف وربع العليا محجوزة للمنافقين والمتسلقين والمداحين.في قلب تلك التناقضات وفي بيئة متوسطة عادية نتعرف، وفي المشهد الأول من الرواية، على عبد الناصر، الشاب المتمرد الناقم على عائلته، وهو يسير أسهما في جنازة والده الحاج محمود. في لحظة الدفن والعشرات من محبي الحاج يتحلقون حول القبر ويرددون الأدعية والآيات وراء "الإمام علاله"، أمام جامع الحارة، الذي يزجي رأس الحاج محمود فوق اللحد، ينتفض عبد الناصر ويضرب بقدمه وجه الإمام بكل قوة فينفر منه الدم، ويغادر المقبرة أسهما والكل تصعقه المفاجأة، ومعها تتحول الجنازة إلى فوضى مباغتة، بعد هذا المشهد الافتتاحي نحتاج إلى أكثر من ثلاثمائة صفحة كيف نفهم سبب هذا التصرف "الأرعن" الذي لم يكن ليليق بابن الحاج محمود صاحب السيرة الحميدة المشهود لها من الجميع، حوقل الناس وعادوا إلى بيوتهم مذهولين، ولا يقل عنهم ذهولا القراء الذين استعجلوا تقليب الصفحات لمعرفة السبب. بين دفتي الكتاب، ومن ضربة الشاب اليساري المتمرد لوجه السلطة الموروثة وإلى معرفتنا بأن أمام الجامع ذاك حاول مرارا الاعتداء جنسيا على عبد الناصر أيام كان ولدا صغيرا يحوم في الحواري وحول الجامع، نجوب مع المبخوت في حكايا تونس، وتوتراتها، وناسها، وفقرها، وأيديولوجياتها، وحيرتها، ونسائها، وسير العشق المكتمل والمنقوص.عبد الناصر، والذي يعرفه الجميع بلقب أسبغ عليه باكراً وهو "الطلياني" نظرا لـ"وسامته الأوروبية"، شخصية درامية بامتياز، وفيه كل التناقضات الممكنة. فهذا اليساري المهجوس بتحقيق العدالة والمساواة في المجتمع، والمناضل عن حقوق الناس في وجه السلطة، هو نفسه الشخصية المرذولة من قبل عائلته، وهي العائلة التي لا يهتم بها، وكأنها تقع خارج تعريف "الشعب" و"المجتمع" الذي يدافع عنه. نبله في النضال وفي الحب عندما تعرف على زينة، الريفية القروية، المُبهرة في الجامعة وفي تفوقها في الفلسفة، لا يوازيه إلا نذالاته وخياناته المتكررة لمن اعتبرها قديسة قلبه. تنظيراته في ضرورة الثورة الجذرية واقتلاع الوضع القائم واستبداله، تنزوي تدريجيا لصالح أفكار "الإصلاح من الداخل" والاقتراب من دوائر النظام والاشتغال في ماكينته. أفكار "الإصلاح من الداخل"، عمليا وحياتياً، يقع جذرها في الحاجات المادية وإكراهات الحياة، والتنظير المؤدلج لها ليس سوى التكرار المعروف لنفس القصة، حيث تُوظف مهارات لغة الايدولوجيا لسوق المسوغات والمبررات لنقض تلك الايدولوجيا نفسها، أو تحويرها لتتواءم مع الخيارات الجديدة. شقيق عبد الناصر، صلاح الدين، يقدم إطلالة مُعلمة في الرواية فهو المتفوق دراسياً، والذي أنهى الدكتوراه في الاقتصاد، ويعمل في سويسرا مع مؤسسات دولية كبرى تريد أن تقود دول العالم المتخلفة إلى سياسات تحرير السوق وليبراليته. زينة، المناضلة والمتفلسفة وحبيبية ثم زوجة عبد الناصر، يقتلها طموحها، ثم تفترسها ماديات الحياة عندما تحس بطعم المال والمرتب الشهري. تحاول أن تتعامل مع الحرية التي "منحها" بورقيبة لنساء تونس، فتلتبس عليها الأمور. تقول: "لقد أعطانا بورقيبة قيدا جديدا ظنناه انعتاقا فتورطنا. لم يعد بإمكاننا أن نعود إلى الوراء. وإذا أردنا أن نتقدم تعذر علينا ذلك. أما البيت فسجن صغير وأما الشارع فسجن كبير. أحدهما يعمره سجان بليد لا تنتهي طلباته. طفل صغير دللته أمه ولم يستطع الفطام منها، والآخر يعمره السفلة بتحرشهم بالنساء وعنف لغتهم الجنسية الناضحة كبتا ونظراتهم التي تعري المرأة تعرية". ليست هذه مراجعة للرواية، بل بعض التأملات في بعض من جاء فيها، ومن دون هذه الملاحظة نكون هنا قد ظلمنا شكري المبخوت وصنيعته "الطلياني".

888

| 23 فبراير 2015

خليجي جدة وصوت الإعلام الرياضي
خليجي جدة وصوت الإعلام الرياضي

نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز...

5742

| 23 سبتمبر 2026

كيف يكسب رجل الأعمال ثقة الناس قبل الصفقات؟
كيف يكسب رجل الأعمال ثقة الناس قبل الصفقات؟

قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل...

4929

| 22 سبتمبر 2026

من حمد الطبية إلى القطاع الخاص.. والحلقة المفقودة؟!
من حمد الطبية إلى القطاع الخاص.. والحلقة المفقودة؟!

جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية...

3093

| 24 سبتمبر 2026

إيرلندا المسلمة
إيرلندا المسلمة

هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها...

2961

| 29 سبتمبر 2026

الاقتصاد في خطاب سمو الأمير.. الاستقرار قبل الأرقام
الاقتصاد في خطاب سمو الأمير.. الاستقرار قبل الأرقام

ما لفتني في خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ...

2223

| 23 سبتمبر 2026

الخبير والاستشاري مسمى للتكريم أم خبرة للاستفادة؟
الخبير والاستشاري مسمى للتكريم أم خبرة للاستفادة؟

تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص...

1062

| 28 سبتمبر 2026

حين تصنع الأرقام رواية أخرى
حين تصنع الأرقام رواية أخرى

أخطر التضليل الإداري لا يحتاج إلى تزوير رقم...

1044

| 27 سبتمبر 2026

من يحمي الشركة العائلية من صراع الورثة؟
من يحمي الشركة العائلية من صراع الورثة؟

بعد أيام من رحيل مؤسس الشركة، يجتمع الأبناء...

768

| 29 سبتمبر 2026

شرائح دماغية.. كي نلحق بالركب
شرائح دماغية.. كي نلحق بالركب

كان ظهور جهاز جديد في الماضي يعني أن...

735

| 23 سبتمبر 2026

لنجعل من الأزمة طريقاً للبناء
لنجعل من الأزمة طريقاً للبناء

-سمو الأمير لخصَ السياسة الخارجية القطريةفي معادلة تجمع...

627

| 27 سبتمبر 2026

هل آن أوان المشروع العالمي للصم؟
هل آن أوان المشروع العالمي للصم؟

في الثالث والعشرين من سبتمبر، لا يحتفل العالم...

534

| 22 سبتمبر 2026

مجلس التقاعد الجديد
مجلس التقاعد الجديد

جاء قرار معالي رئيس مجلس الوزراء الموقر بإعادة...

531

| 29 سبتمبر 2026

أخبار محلية