رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أفغانستان.. الوجه الجديد 10 | باكستان وأفغانستان.. فشل فصل الماء بالعصا

تلمس خلال أحاديثك مع المسؤولين الأفغان نبرة الحزن والعتب والاتهام أحياناً للمسؤولين الباكستانيين وسياساتهم تجاه أفغانستان بشكل عام، وتجاه الحكم الجديد بشكل خاص، ولهذا الاتهام مبرراته وسياقاته التاريخية، لاسيما وهو الذي يأتي بعد انضمام الرئيس الباكستاني برفيز مشرف للتحالف الدولي في عام 2001 لخلع طالبان عن السلطة بعد رفضها تسليم زعيم القاعدة أسامة بن لادن التي تراه واشنطن مسؤولاً عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول، وكبرت كرة الثلج العدائية بين الطرفين إثر انغماس باكستان مشرف يومها بالتعاون الأمني مع أمريكا، حيث سلمت المئات وربما أكثر من المسؤوليين والعناصر الطالبانية للولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها أفغانستان كارزاي، وقد بررت ذلك باكستان على لسان رئيسها برفيز مشرف بتهديد نائب وزير الخارجية الأمريكي يومها ريتشارد أرميتاج الذي هدد باكستان بإعادتها للعصر الحجري إن لم تتعاون في هذا الملف، وهو الأمر الذي نفاه الأخير. واقع ما بعد الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول أرّخ لاستدارة مائة وثمانين درجة في السياسة الباكستانية في أفغانستان، وهي التي كانت تصفها بالحديقة الخلفية، والعمق الاستراتيجي في مواجهة الهند، وقد وصف مشرف نفسه طالبان المتهمة باكستان بتأسيسها لمواجهة أحزاب المجاهدين الأفغان، وصفها مشرف أكثر من مرة بأنها عمق استراتيجي لباكستان، وقد انعكس هذا بشكل عملي وواقعي يوم وصلت المواجهة الهندية ـ الباكستانية إلى قرب مواجهة نووية في كارغيل عام 1999، فدفع ذلك باكستان إلى التفكير بإرسال طائراتها إلى المطارات الأفغانية لتجنب الضربة الجوية الهندية الأولى. تغير السياسة الباكستانية هذه كانت على الصعيد الرسمي فقط، أما على الصعيد الشعبي والقبلي، والحاضنة الباكستانية، فلم تكن مدعومة أبداً وعلى الإطلاق، فقد بدا الأمر مختلفاً تماماً، حيث تجنّد عشرات الآلاف من الباكستانيين للقتال في صفوف طالبان، وانتفضت القبائل الباكستانية المحاذية لأفغانستان لصالح طالبان والقتال في صفوفها، وقد شهدت بنفسي خلال تغطيتي الصحافية الطويلة في المنطقة تلك المظاهر، حيث كان يتسابق الشباب إلى التوجه لسوح المعارك، بالإضافة إلى تبرع النساء بحليهن وكل ما يملكن لصالح إخوانهم البشتون على الضفة الأخرى من خط ديوراند لاين الذي رسمه البريطانيون في عام 1893، ففرّقوا بذلك بين قبائل البشتون، ومن هنا جاء المثل البشتوني إن الماء لا يمكن فصله بالعصا. ونتيجة هذه التفاعلات والاصطفافات الشعبية إلى جانب المقاومة الأفغانية، ظهر خلاف بين القبائل التي خرجت منها طالبان باكستان كقوة عسكرية لا يمكن الاستهانة بها، وساندت طالبان أفغانستان بالرجال وتوفير الإيواء والملاذات لهم على الضفة الباكستانية الأخرى، فكان لهم الدور الأهم في انتصار طالبان أفغانستان، ومن هنا أتى التوتر بين باكستان وأفغانستان، حيث تتهم الحكومة الباكستانية طالبان أفغانستان بتوفير الملاذت الآمنة لهم، وهم الذين ينفذون عمليات عسكرية ضد جيشها وحكومتها. رعت حكومة أفغانستان الجديدة كثيراً من جولات المفاوضات بين الطرفين أملاً في التوصل لهدنة بين الطرفين، لكنها فشلت وتحمل الأوساط الأفغانية بعض الأوساط العسكرية الباكستانية المسؤولية، وتقول هذه الأوساط إن الاتفاق كاد أن يبرم في ظل حكومة عمران خان الذي يواجه السجن بتهم عدة الآن، ولكن تم نسف الاتفاق فجأة لتعود الأمور إلى حالتها المتأزمة، ومربعها الأول. بالتأكيد لا يمكن تبسيط واختزال مسألة التوتر بين البلدين بهذا فقط، وإن كانت خلفية قريبة لفهم ما جرى مهمة، فمقاتلو طالبان باكستان هم نسيج قبلي باكستاني مقيم على الجانب الجغرافي الآخر، وقد لعبوا أدواراً مهمة، شبيهة بأدوار الدولة الباكستانية أيام الجهاد الأفغاني ضد السوفييت، من حيث توفير الملاذ الآمن لمقاتلي طالبان أفغانستان، ودعمهم ومساندتهم في مواجهة القوات الغربية بقيادة أمريكا، وذلك على مدى عقدين كاملين من المقاومة الأفغانية، بينما اصطفت الحكومة الباكستانية الرسمية طوال تلك الفترة إلى جانب القوات الغربية ضد مقاتلي طالبان أفغانستان، إما بدعم القوات الأمريكية، أو باعتقال المقاتلين وشحنهم إلى غوانتانامو، فضلاً عن مهاجمة مقاتلي طالبان باكستان وإجلائهم عن مناطقهم القبلية إلى أفغانستان، وهو الأمر الذي لا يمكن لمقاتلي طالبان أفغانستان أن يتخلوا عنهم، الأمر الذي يذكر تماماً بخسارة طالبان الملا محمد عمر لدولتهم، من أجل حماية أسامة بن لادن، يوم رفضوا تسليمه لأمريكا، فكيف ستُقدم الحكومة الأفغانية على التخلي عن طالبان باكستان الذين وقفوا معها في ساعة العسرة ؟ على باكستان أن تعي تماماً أن مياهاً كثيرة جرت بعد الغزو الغربي لأفغانستان بقيادة أمريكا، وأن تحالفها طوال تلك الفترة ضد طالبان أفغانستان، لا يمكن تناسيه أفغانياً بهذه السهولة، ويحتاج وقت لتندمل تلك الجروح الغائرة، كما على باكستان أن تعي تماماً أن الجيل الأفغاني الجديد في كابول ليس كالجيل القديم الذي كان موالياً لها، ولديها عليه أفضال كثيرة، مما يجعله محكوما بالولاء لها، فالجيل الشبابي الأفغاني الجديد في كابول لا تربطه روابط قوية بباكستان، وإن كانت تربطه، فبمقدار وقوف الشرائح الباكستانية معه في قتاله ضد الأمريكيين، لقد بات هذا معياراً مهماً في الحكم على الجهات التي يتعامل معها الجيل الأفغاني الحاكم. بالمقابل فإن على الحكومة في كابول أن تعي أن التعويل على علاقات تكتيكية مع الدول الأخرى لا يمكن الرهان عليه، يضاف إليه بأن قهر الجغرافيا يفرض على كابول وإسلام آباد الكثير من التعاون وتناسي الخلافات التكتيكية، خصوصاً مع التشاطر العرقي والديني والمذهبي الكبير بينهما، وبجانب هذا تحديات كثيرة يطول الحديث عنها في هذا المقال، فكما قال المثل البشتوني (إن الماء لا يمكن فصله بالعصا).

1764

| 13 أغسطس 2024

أفغانستان.. الوجه الجديد 9 | إعلاميون أفغان لكن بلغة الضاد

كانت خاتمة لقاءاتي في كابول مع عدد كبير من الإعلاميين العاملين في مؤسسات الدولة الأفغانية الجديدة، إذ دعاني إلى اللقاء الأخ ريحانة الأفغاني صاحب الهمة والنشاط العاليين، وصاحب الحساب المعروف باسمه على منصة إكس/ تويتر سابقاً. ذهبت إلى مكان اللقاء في بيت بحي وزير أكبر خان أرقى أحياء كابول، فوجدت أكثر من عشرين إعلامياً أفغانياً، غالبيتهم العظمى تتحدث اللغة العربية الفصحى، وممن يعملون في مؤسسات الدولة، وذلك في مجال العلاقات العامة، أو في وزارة الإعلام، حيث لديهم جميعاً حسابات قوية على منصات التواصل الاجتماعي، فكانوا بحق لسنوات عين أفغانستان على العالم، وعين العالم العربي على أفغانستان، واللافت في الأمر اطلاعهم على تفاصيل أحداث العالم العربي من سوريا، والعراق وليبيا إلى فلسطين وأحداثها، ولا يدخرون جهداً في التعريف بقضيتهم، والتعريف بقضايا العرب وسط حاضنتهم. كان الحاضر الأكبر في هذا اللقاء الأخ والزميل العزيز سعد الله البلوشي الذي يدير مجلة الصمود الطالبانية الشهرية، وهي المجلة التي بدأت مسيرتها المهنية منذ انطلاقة المقاومة الطالبانية ضد قوات التحالف الدولي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، وقد حرص الجميع في اللقاء الذي امتد لأكثر من ثلاث ساعات على الاستماع، ثم على طرح الأسئلة والاستفسارات، حيث تحدثت كما رغبوا عن سبل تعزيز العلاقات الإعلامية العربية ـ الأفغانية، وضرورة إطلاع الشعب العربي على الوجه الجديد لأفغانستان، واستدلّ الحاضرون بجهودهم في جذب بعض شخصيات اليوتيوبرز من الدول العربية ليقوموا بتقديم صورة أفغانستان الجديدة والتي كان لها عظيم الأثر في تبديد الصورة النمطية السلبية عن الواقع الأفغاني لدى الشعب العربي. الواقع أن كثرة الناشطين والإعلاميين في أفغانستان تعكس في الحقيقة اهتماماً إعلامياً طالبانياً أولاً بالساحة العربية، وثانياً يعكس اهتماماً باللغة العربية، والتي تعد الحاضر الأكبر اليوم هناك، فأينما اتجهت إلى دوائر الدولة تجد من يتحدث بها، وبشكل فصيح وواضح، وحتى أن مترجمي المسؤولين الأفغان يتقنون اللغة العربية بشكل مذهل، وهو ما أثار استغراب حتى المسؤولين العرب الذين كانوا يترجمون لهم خلال الاجتماعات الرسمية، فضلاً عن أن بعض المسؤولين يتحدثون العربية بسلاسة، كما حصل معي خلال لقائي مع الشيخ عبد السلام حنفي نائب رئيس الحكومة. تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي حسابات مهمة للناشطين والإعلاميين الأفغان، ومن هذه الحسابات، حساب مجلة الصمود الناطقة باللغة العربية، وهي مجلة شهرية صدرت منذ سنوات المقاومة الطالبانية ضد القوات الأمريكية، بالإضافة إلى حسابات شخصية مثل حساب ريحانة الأفغاني، وخالد أنس، وفهيم الأفغاني، وموقع أفغانستان بالعربي، ومنصات حريت وغيرها من الحسابات التي تشكل رافعة اليوم للعلاقات العربية ـ الأفغانية، ليفهم كل طرف الآخر، كما يعمل الإعلاميون الأفغان على استقبال نظرائهم من العالم العربي، فيحرصون على اللقاء بهم، والحديث إليهم، وتوضيح صورة أفغانستان الجديدة، بالإضافة إلى تعريف اليوتيوبرز بما آلت إليه أفغانستان بعد رحيل القوات الأجنبية عن أفغانستان، وقد ظهرت آثار اليوتيوبرز في رحلات العديد منهم خلال السنوات الثلاث التي أعقبت تحرير أفغانستان. لا شك فإن الجهود الكبيرة التي يبذلها الناشطون والإعلاميون الأفغان في مجال رصد كل ما يرد من الإعلام العربي لافت ومميز، فحين يرى هؤلاء الإعلاميون، أن قناة فضائية، أو مؤسسة إعلامية، قد نشرت ما يسيء للدولة، يقومون بالرد عليها علمياً ومنطقياً، ويستدعون بذلك التاريخ والمقاربات والمقارنات، عبر مقاطع فيديو أو أنيميشن، ووسائل إخراجية وإنتاجية حديثة، الأمر الذي يجعلهم متفوقين حتى على خصومهم وأقرانهم في وسائل التواصل الاجتماعي، وكما حدثني زميل صحفي عربي معروف لا يعرف أفغانستان ولم يزرها من قبل، ولكن يتابع أخبارها بشكل عادي، قال لي لقد ذهلت للطريقة التي يقومون بها بالتعريف ببلادهم والدفاع عنها، إضافة إلى ذهولي لطريقة تقديمهم حفلاتهم واجتماعاتهم، وحتى مقاطع الفيديو التي يروجون بها لجيشهم ومقاتليهم، والأسلحة العسكرية التي يحوزونها، وهي صورة راقية محببة، وكأنهم دولة حقيقية، بخلاف ما يروج عنهم من صورة سلبية. الأمر المهم الذي ينبغي الإشارة إليه هنا، وهو أن أي تغريدة أو منشور يتم نشره على منصات التواصل الاجتماعي، يحصد سريعاً كثيراً من إعادة التغريدات والمشاركات والإعجابات، ومعه عشرات الآلاف من المشاهدات، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على مقبولية لأصحاب الحسابات وسط الجماهير العربية المتعطشة لمعرفة ما جرى ويجري في تلك المنطقة المهملة والمهمشة إعلامياً من العالم الإسلامي، بالإضافة إلى قدرة هؤلاء الإعلاميين على ترويج الحسابات لدى الآخرين، فهم لا يدعون أي مسألة أو تساؤل بحق أفغانستان يمرُّ دون تعليق أو نقد أو مدح أو قدح، وهو الأمر الذي جعل كثيراً من الحسابات المنتقدة لهم أن تتحسب لهؤلاء الشباب المرابطين خلف أزرار الكمبيوتر، وتفكر مرات ومرات قبل الإقدام على مهاجمتهم. هؤلاء الإعلاميون الجدد يرون أن ما يقومون به واجباً لا يقل عن واجب المقاتل الأفغاني، وهنا ينبغي الإشارة إلى دورهم المهم والمؤثر والسريع في ترجمة كثير من البيانات والأخبار وتوزيعها على حسابات الشخصيات العربية المشهورة والمعروفة، وذلك من أجل نشرها أولاً على حسابات قوية ليست بحساباتهم وهو ما يكسبها مصداقية ومهنية أقوى، بالإضافة إلى قبول لدى متابعي تلك الشخصيات المعرفة، فضلاً عن كسب أصحاب الحسابات أنفسهم لصالح الدولة، وإبقائها مطلعة على ما يجري في أفغانستان. الإعلام هو المعركة اليوم، والإعلام اليوم هو باني الدول وسمعتها في الداخل والخارج، ولكن أجدني قبل أن أنهي مقالي هذا من الحتمي والضروري تسجيل رأي زملائي الإعلاميين الآخرين، الذين يشكون من تقييد حركتهم في تغطية الأحداث الأفغانية، والسماح فقط للموالين للحكومة الأفغانية، وباعتقادي هذا خطأ، فاليوم لم يعد بالإمكان حجر الإعلامي في ظل تفشي ظاهرة المنصات الرقمية كالفطر، ومن حق الإعلامي أن يمارس مهنته، ومن واجب المسؤول أياً كان تهيئة الظروف للإعلامي من أجل نقل الحقيقة، ويبقى هناك مؤسسات تشرع القوانين، ومؤسسات تعمل على تطبيقها، ومؤسسات تعاقب من يخترقها، وذلك لضمان عدم تغوّل الإعلامي، على السياسي، والعكس صحيح.

2187

| 06 أغسطس 2024

أفغانستان.. الوجه الجديد 8.. جامعة كابول.. درّة أفغانستان

كانت المرة الأولى التي أدخل إليها، حيث المهابة والوقار والعراقة. جامعة كابول التي تحيط بها الأشجار التي تحكي قصة عراقة وصناعة قرار، فهنا كان الجدال الذي لطالما سمعنا عنه بين الشيوعيين والإسلاميين، وهنا كان يدرس بابرك كارمل وتراقي ونجيب الله وغيرهم، وهناك كان يدرس سياف وغلام نيازي ورباني وحكمتيار ومسعود وغيرهم. رحل بعضهم وأتى آخرون، ولكن ظلت جامعة كابول علماً ليس على مستوى أفغانستان وإنما على مستوى المنطقة كلها. حرصت منذ أن وطأت أقدامي كابول على زيارة هذه الجامعة العريقة التي يتوسطها مرقد جمال الدين الأفغاني الذي يتفاخر به الأفغان، والذي حرص الملك ظاهر شاه خلال فترة حكمه الممتدة لأربعين عاماً 1933- 1973 على نقل رفاته من تركيا إلى جامعة كابول. لكن لم أتمكن من زيارة المرقد، فقد قيل لي إنه في حالة صيانة والطرق المؤدية إليه صعب الوصول إليها، ونظراً لانشغالي يومها عزفت عن الزيارة، أملاً في توفر فرصة أخرى. جلس الدكتور أسامة عزيز 38 عاماً وهو أستاذ الفقه والشريعة في الجامعة، يشرح لي عن الجامعة وأقسامها وطلبتها، وحاجياتها وتحدياتها، وخططها المستقبلية، كان لقاءً جميلاً استمر لساعتين تقريباً، قال لي: ( إن عدد الطلبة ذكوراً وإناثاً 22 ألف طالب، تستوعبهم 22 كلية، أما جامعة الطب فهي مستقلة لا علاقة لها بالجامعة، يدرس فيها ثلاثة آلاف طالب وطالبة، ويبلغ عدد المحاضرين في جامعة كابول 700 أستاذ، هاجر منهم 200 ولكن لدينا الآن ما يقارب 650 أستاذا). يترأس الجامعة رئيس، وينوب عنه أربعة نواب: نائب الرئيسي للشؤون الأكاديمية ويشمل المناهج والأساتذة، ونائب الرئيس لشؤون الطلبة، ونائب الرئيس للإدارة المالية، ونائب الرئيس للبحث العلمي والتحقيق، وينتشر في أفغانستان 150 جامعة رسمية وغير رسمية، منهم 40 جامعة حكومية. خلال فترة الفوضى التي ألمت في مرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، غادر كثير من محاضري الجامعة، لكنهم آثروا العودة، حين لمسوا حالة الاستقرار، وكان منهم عميد كلية الكيمياء الذي عاد إلى كليته، وعاد معه أساتذة كلية اللغة الانجليزية، ويقول عزيز: ( إن بعض الأساتذة بفضل الله غادروا إلى تركيا وماليزيا وأكملوا الدكتوراه، وعادوا للتدريس في الجامعة.) يزيد عزيز ( واجهتنا مشاكل في البداية وهي قلة المدرسين، ولكن تغلبنا عليها بالاستفادة من المتقاعدين، ممن لديهم القدرة والاستعداد والرغبة للعودة إلى التدريس، كما استفدنا أيضاً من البعثات التي أوفدناها إلى الخارج فأكملت تحصيل درجة الدكتوراه، وعادت للتدرس.) وحين سألته عن المنهج الدراسي الذي كان معمولاً به خلال فترة الاحتلال الأمريكي لأفغانستان، هل تم تعديله يقول عزيز: ( هناك حالة مراجعة مستمرة وبشكل مستمر لكل المناهج، مستفيدين من خبرات أساتذة جامعة كابول وننجرهار وكل جامعات أفغانستان، فيدرس كل متخصص المنهج الذي يعنيه، ويقدم تعديلاته عليه، وتتكفل لجنة بدرس هذه التعديلات والتغييرات الطارئة.) ويشير الدكتور أسامة عزيز إلى أن برنامج النسوية الذي كانت أسسته زوجة الرئيس أشرف غني في جامعة كابول، قد تم إلغاؤه ويضيف: (هذا المنهج الذي تم استحداثه تخطى كل الإجراءات الرسمية والقانونية والإدارية، ولم يخضع حتى لإجراءات الجامعة المتبعة، فقد أتى بقرار من فوق، ولذ تم إلغاؤه. وبالمقابل قمنا باستحداث دراسات أفغانية، وهو موضوع مهم لأفغانستان اليوم، وتقدم أكثر من 200 طالب لهذا البرنامج، لكن تم اختيار 30 طالبا فقط للفصل، ونعمل على إيجاد فصل ثان، أما مادة الثقافة الإسلامية كمتطلب جامعي فقد حظيت بساعتين فقط قبل حكم الإمارة الإسلامية، لكن اليوم فبلغت ثماني ساعات، وتشمل العقيدة والفقه والسيرة والتاريخ.) وبخصوص اللغة العربية، كشف رئيس الجامعة: ( ستقوم وزارة التعليم العالي العام القادم بإضافة اللغة العربية كمتطلب أساسي في مواد العلوم الاجتماعية أسوة باللغة الانجليزية، وهو الأمر الذي سيساعد على تعزيز اللغة العربية ودورها في مستقبل أفغانستان). في الجامعة اليوم 35 برنامج ماجستير، بعد أن أضيف إليه برنامج الدراسات الأفغانية، والدعوة والإعلام، والزراعة، والطاقة المتجددة، كما اعتمدت برامج دكتوراه في تخصصات الفقه وأصوله، واللغتين البشتو والدري أي الفارسي الأفغاني، بالإضافة إلى الكومبيوتر والزراعة. وحين سألت الدكتور عزيز عن معالجتهم لقضايا المقاتلين المنقطعين عن الدراسة أجاب: ( إذا كان المقاتل قد انشغل بالأمور الجهادية يعود إلى نفس الفصل شريطة أن يكون قد مضى على انقطاعه أقل من سنة، فإن مضى على انقطاعه أكثر من سنة فينزل فصل واحد فقط، أما إن كان انقطاعه أكثر من خمس سنوات فينزل سنة كاملة. ويتولى أميره الميداني تزكيته، أما الأساتذة الذين فصلوا من الجامعة بسبب الجهاد فيعودون إلى الجامعة فوراً). وعن رسوم التعليم في الجامعة يقول الدكتور عزيز: ( مرحلة البكالوريوس مجانية تماماً بما فيها السكن والطعام، ويشمل ذلك كليات الطب والهندسة، أما برامج الماجستير والدكتوراه فمدفوعة الأجر، فطالب ماجستير الهندسة كان يدفع خلال الحكومات السابقة ما يعادل 500 دولار، أما اليوم فالقسط فقط 300 دولار، بينما طلبة العلوم الاجتماعية فهي بحدود 250 دولار. ويكشف رئيس الجامعة بأنه طوال فترة الاحتلال الأمريكي الممتدة لـ عشرين عاماً لم تعقد الجامعة مؤتمراً علمياً واحداً، (ولذلك فقد بدأنا بأول مؤتمر عن تعزيز التعليم العالي في أفغانستان، وقدمت فيه مائة ورقة بحثية من أفغانستان وخارجها، وشارك بعضهم عبر النت، وتم اختيار 25 ورقة منه، وتبع هذا مؤتمر لجامعة ننجرهار عن التبدلات المناخية، وعقدت جامعة البوليتكنيك الهندسية في كابول مؤتمرها أيضاً، والآن نستعد لمؤتمر عن المصالح الزراعية والثورة الخضراء في أفغانستان، ولقد حصلنا على مائة بحث علمي، وسيشارك 15 أجنبيا في هذا المؤتمر من دول أمريكا والسعودية وكندا والسعودية وباكستان وسريلانكا، وكلفة السفر والإقامة على الجامعة). الظاهر أن الحكومة الجديدة ومعها إدارة الجامعة تعوّلان كثيراً على التعليم في أفغانستان، وتحديداً التعليم العالي بقدرته على تطوير البلاد على كل المستويات، ولذا فقد أتى ظهور وزير الدفاع الأفغاني ملا يعقوب نجل الملا محمد عمر في جامعة كابول وحث الطلبة على العلم، والتعهد لهم من قبل الجامعة بمجانية التعليم ليعزز هذا كله.

2082

| 30 يوليو 2024

أفغانستان... الوجه الجديد 7 | وزير المالية وحديث عن معالجة الديون والمتسوّلين

الاقتصاد والمال هما من يُحرّكان السياسة، تلك هي المعادلة، إذ تقاس الأمة وتطورها وتقدمها الماديين باقتصادها، بعيداً عن أهمية الأفكار والمبادئ، التي تُشغل ذلك كله، ونظراً لأهمية المال والاقتصاد، كان لا بد من لقاء وزير المالية الأفغانية الملا محمد ناصر أخنذ، الذي يعد في الخمسينيات من عمره. جلس على كرسي وسط مكتب كبير، وخلفه علم الإمارة الإسلامية الأفغانية ذو اللون الأبيض، تتوسطه كلمة التوحيد، ومن حوله كبار المسؤولين في الوزارة من أقسام الخزانة والجباية والجمارك، إلى العلاقات العامة. لاحظت أن ذراعه اليمنى مقطوعة، فسألته عن السبب فذكر لي إنها قطعت في الحرب الأخيرة التي خاضها كقائد عسكري حين كان يخوض معاركه مع متمردين في الشمال الأفغاني، وذلك بعد هزيمة قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. جلست إلى جانب الوزير الأفغاني أستفهم عن حقائق مالية كثيرة، وعن كيفية إدارته لهذه الوزارة المهمة التي تقوم بتمويل الحكومة كلها، وبتشغيل آلة الاقتصاد الأفغاني بشكل عام. كان يقوم بالترجمة شابان مفعمان بالحيوية والنشاط، ومتقنان للغة العربية، بينهما عبد الحق منصور مسؤول إدارة العلاقات العامة في الوزارة، وبالمناسبة فإن معظم المسؤولين في العلاقات العامة بالوزارات والمؤسسات الأفغانية يتحدثون باللغة العربية، وسنفرد لقصة اللغة العربية في أفغانستان حلقة خاصة بإذن الله. كان سؤالي الأول للوزير عمّا تردد من تسديد أفغانستان لديونها، فهل كان التسديد للديون الخارجية أم للداخلية، وما سبب ونوعية هذه الديون، يسارع الوزير إلى الجواب بالقول ليس هناك ديون خارجية كبيرة باستثناء بعض الديون البسيطة، ولكن ما قمنا بتسديده هو الديون الداخلية التي تبلغ 150 مليار روبية أفغانية، أي ما يعادل ملياري دولار، وقد تم تسديد 90% من هذه الديون، ولم يتبق سوى 10% فقط، ونسأل الله أن يعيننا على تسديدها قريباً. وحين أسأل الوزير عن التحديات التي تواجه وزارته هذه الأيام يسارع إلى القول هناك تحديان: الأول مسألة تجميد أموالنا في أمريكا وهي عبارة عن حوالي تسعة مليارات دولار أمريكي، بعضها في بنوك سويسرا، وأخرى في بنوك أمريكا، أما التحدي الثاني فهو منعنا من استخدام التحويلات البنكية، وهو ما يسبب أزمة حقيقية للتجارة الأفغانية وخاصة للتجار، فالرقم البنكي السويفت كود لا يعمل في أفغانستان، وهذه أزمة حقيقية نسعى إلى معالجتها، وقد زارتنا وفود من الأمم المتحدة، وتحدثنا معهم عن هذا الأمر ووعدوا بتسوية المشكلة، لاسيما بعد أن اطلعوا على حسن سير العمل هنا، وقدرتنا على ضبط الأوضاع المالية بما يتوافق مع القوانين الدولية، وكلنا ثقة بأننا سنقدر على تسويتها قريباً، وقد زارنا مندوب من البنك العالمي واطمأن على حسن الإجراءات التي اتخذناها في هذا الصدد، ووعد بتسوية مبكرة. على صعيد الدول المجاورة القريبة والبعيدة، نقوم ببذل الجهود من أجل إقامة وتحسين هذه العلاقات، وتركيزنا الآن منصبٌ على الاستثمار الصيني والروسي، حيث الصين بدأت بالاستثمار في النفط بشمال أفغانستان، حيث بلغ حجم الاستثمار الصيني أكثر من نصف مليار دولار، وذلك في مجالات متعددة مثل مناجم النحاس، والفحم الحجري، وغيرهما، كما تقوم تركيا بالاستثمار مفضلة العمل في مجال الإنشاءات، وسدود توليد الطاقة الكهربائية، وتعد الخطوط الجوية التركية الخطوط الحكومية الوحيدة التي تأتي إلى أفغانستان، وهناك استثمارات قطرية وإماراتية أيضاً. وحين نتحدث مع الوزير عن الوضع الاقتصادي المزري للناس، يعترف بأن أفغانستان تعاني من الفقر، والبطالة، ولكن هذه سياسة موروثة للأسف، ونسعى بقدر جهدنا وإمكانياتنا التخفيف منها ومعالجتها، ونحن نعوّل بالمقابل على المشاريع التي أطلقناها، ومنها قناة قوش تبة التي يصل طولها إلى 280 كم وتمتد من نهر جيحون وستغطي ثلاث ولايات، حيث ستروي 3 ملايين هكتار من الأراضي الزراعية، مما سيطلق بنظرنا ثورة زراعية، ما دامت البلاد تعتمد عليها. على صعيد ظاهرة التسوّل في كابول قمنا بحصر المتسولين، ضمن قوائم ودرسنا حالاتهم، وتأكدنا من الصحيح منها، ورتبنا لهم رواتب شهرية، مقابل توقفهم عن مزاولة التسوّل، كما قمنا بجمع كل مدمني المخدرات، وهي الآفة التي راجت للأسف في أفغانستان أيام الاحتلال الأمريكي، ونقلناهم إلى مشاف خاصة لمعالجتهم، والآن يتلقون العلاج الكافي، لينخرطوا لاحقاً في الحياة العملية العادية، وبفضل الله أصدر علماء الإمارة فتواهم بحرمة المخدرات وزراعتها والاتجار بها، مما سيعود بالنفع على أفغانستان والعالم، بعد أن كانت زراعة وتجارة رائجة أيام الاحتلال. وضمن سياسة الحكومة المركزية فقد حصرنا الجمارك في إدارة واحدة كما يقول الوزير، الذي يضيف بأننا قمنا بالتسهيل على التجار والناس حين أعفيناهم من المخالفات المرورية، والغرامات، وفرضنا تعزيرات غير مالية عليهم، نتيجة الضائقة الاقتصادية التي يمرون بها، فالغرامات ممنوعة، أما الضرائب فتتم جبايتها ووضعها في خزينة الدولة. يُلفت الوزير الأفغاني نظرنا إلى قضية مهملة وهي مسألة الجرحى والمعاقين الذين خلّفتهم الحرب، فيقول إن هؤلاء مع الأرامل والأيتام يبلغون 400 ألف شخص، وهم من طرفي الحكومة والمجاهدين، ونقوم بالدفع لكليهما دون التمييز بينهما. ولا يُخفي الوزير الأفغاني عتبه على العراقيل التي تسببها البيروقراطية الباكستانية في ميناء كراتشي، بما يعيق استيراد وتصدير التجار الأفغان، لاسيما وأن ميناء كراتشي هو المنفذ البحري الوحيد لأفغانستان مما سيضطرهم للجوء إلى منفذ ميناء تشاربهار، والتي تقوم على تشغيله اليوم الهند، لكن يبقى طريق كابول ـ كراتشي، أقصر من كابول تشاربهار.

2283

| 23 يوليو 2024

أفغانستان.. الوجه الجديد 6

في مبنى رئاسة الوزراء الأفغانية وسط العاصمة كابول، جلس الشيخ عبد السلام حنفي نائب رئيس الحكومة، وهو يتحدث لنا عن دهاليز المفاوضات مع الأمريكيين والتي دامت سنوات، الشيخ حنفي من ولاية جوزجان شمالي أفغانستان، وهو الذي يتشاطر مع زعيم المليشيات الأوزبكية الجنرال عبد الرشيد دوستم العرقية والبلدة ذاتها، وهو المقيم خارج أفغانستان، وسيئ الصيت والسمعة العرقية منذ أيام الغزو السوفياتي لأفغانستان 1979. جلس الشيخ حنفي 55 عاماً، والذي تنقل في مسيرته التعليمية من مدارس أفغانستان الشرعية إلى مدارس باكستان الشرعية، فدرس على يد الشيخ تقي الدين عثماني مفتي باكستان المعروف. لعب ضيفنا أدواراً مهمة في تاريخ حركة طالبان الأفغانية منذ عهد مؤسسها الملا محمد عمر، حيث التحق مبكراً بالحركة، وتم تعيينه رئيساً لقسم التعليم والتربية في ولاية فراه، فرافق يومها الملا هبة الله أمير المؤمنين في الإمارة الإسلامية الأفغانية، ومع سيطرة الحركة الطالبانية على كابول عام 1996 تولّى منصب نائب وزير التربية والتعليم، واستمر فيه حتى إسقاط الحكومة نتيجة الغزو الأمريكي لأفغانستان عام 2001، ومع اندلاع المقاومة ضد الأمريكيين، تولّى مسؤولية الشؤون العسكرية في ولاية جوزجان التي ينتمي إليها، وذلك إلى جانب مسؤوليته كعضو في المكتب السياسي للحركة، بالإضافة إلى عضو في مجلس الشورى العالي بتكليف من الملا محمد عمر يومها، ثم نائب لرئيس المكتب السياسي في الدوحة والذي كان يديره عبد الغني برادرز خلال عملية التفاوض مع الأمريكيين. بدأ حديثه بلغة عربية فصيحة، وهو يشرح لنا بعض جوانب المفاوضات التي أرغمت الاحتلال الأمريكي على الرحيل، ومعها يشرح أيضاً ما وصل إليه جهاد البناء الذي أطلقته إمارة أفغانستان الإسلامية حال سيطرتها على كابول والمدن الأفغانية الأخرى، ويستذكر محدثنا، أن من أهم نقاط قوة المفاوض الطالباني: الإيمان، ووحدة الموقف والهدف، بالإضافة إلى الاستقلالية التي تمتع بها المفاوض الطالباني، ويضيف قائلاً: «لقد كان التنسيق عاليا بين المفاوض والعسكري على أرض الواقع، بحيث كنا نتخذ القرار فينعكس بشكل كامل على أرض الواقع». لا يزال الكل يتذكر الموقف الطالباني الرافض لوضع العلم الأمريكي خلف طاولة توقيع الاتفاق بين الطرفين في الدوحة، إذ رفض يومها الجانب الطالباني وضع العلم الأمريكي وحيداً دون العلم الطالباني، وبعد أخذ ورد تم الاتفاق على سحب العلمين والتوقيع في غياب أي من العلمين. يستذكر نائب رئيس الحكومة كيف وجدوا البنوك الأفغانية خاوية على عروشها، حين دخلوا العاصمة كابول، فرواتب الموظفين قد سُرقت بالكامل، ولم يتبق منها شيء، بينما يبلغ عدد موظفي الحكومة أكثر من مليون ومائتي ألف موظف، وكلهم تم تأمين رواتبهم سريعاً من قبل الإمارة الإسلامية التي أُعلنت على أنقاض الحكومة الموالية للأمريكيين، وترافق هذا مع إعلان العلماء والمشايخ فتوى بالعفو العام، فكان الطالباني أو الأفغاني يجد قاتل أخيه أو قريبه في الشارع، فلا يتعرض له، مما عكس حالة الانضباط والالتزام لدى الأفغان بشكل عام ومقاتلي الحركة بشكل خاص تجاه هذا الموقف الجلل، فكان خير وسيلة لمداواة جراح اجتماعية، فعزز بذلك وجود الإمارة، وزرع الثقة في نفوس أهالي أفغانستان تجاه الحكم الجديد. حين تحدث الشيخ حنفي عن حال المعارضة الأفغانية، لاسيما في الشمال حيث معقل الأقليات التي يعتبرها البعض حاضنة من حواضن المعارضة، يرفض حنفي هذا التقسيم، وأكد على أن الشعب الأفغاني بكافة أطيافه وأعراقه وفئاته داعم للإمارة الإسلامية الأفغانية، مدللاً على ذلك بوجوده في أعلى الهرم وهو الأوزبكي. لقد اختفت المعارضة المسلحة، ولا وجود لها على أرض الواقع، وهذا دليل على بسط الإمارة الإسلامية سلطتها على كامل التراب الأفغاني، بالإضافة إلى مقبوليتها الشعبية وسط الحاضنة الأفغانية. تحدّرُ حنفي من الشمال الأفغاني دفعني لأسأله عن قناة خوشحال تبة، والتي تُعد من أهم المشاريع الحيوية التي تنفذها طالبان، إن لم تكن أهمها على الإطلاق، والتي أتت على المرحلة الأولى لمشروعها، حيث يبلغ طول القناة 280 كم، ويُتوقع أن يستغرق العمل فيها عشر سنوات، وهي متفرعات من نهر جيحون الذي يمرّ في جمهورية أوزبكستان المجاورة، بحيث سيكون عرض القناة مائة متر وعمقها ثمانية أمتار، ويُتوقع أن تروي 3 ملايين هكتار من الأراضي الزراعية، مما يؤمّل أن يُطلق ثورة زراعية حقيقية في ثلاث ولايات شمالية وهي مزار الشريف وجوزجان، وسار بول وهي المناطق المعروفة بخصوبة أراضيها. لقد استخدم نظام الإمارة الإسلامية في المشروع أكثر من خمسة آلاف آلة حفر، ويدور همس في باكستان وأفغانستان، عن ضغوطات تمارسها باكستان لمنع نجاح المشروع، في ذريعة بأن ذلك قد يمتد إلى نهر كونار على الحدود بينها وبين أفغانستان، مما يقلّص حصصها من المياه، ولذا فهي تمنع الإسمنت الخاص ببناء السدود وقنوات الري المتجه إلى أفغانستان، الأمر الذي فاقم حالة التوتر الموجودة أصلاً بين البلدين نتيجة عوامل عدة. وروى لي مثقف أفغاني في كابول بأنه ذات مرة طلب الرئيس الأفغاني السابق حامد كارزاي من الرئيس الأمريكي جورج بوش الذي كان مقرباً منه، طلب منه بناء سدود في أفغانستان تُخلد ذكراه كما خلدت سدود أفغانستان الحالية ذكرى الرئيس محمد داود، وبعد أن وعده خيراً، رجع إليه بعد فترة ليقول له إن الدول المجاورة لأفغانستان، في إشارة إلى باكستان لا توافق على ذلك، وبغض النظر عن دقة الرواية، لكنها تعكس حالة المزاج العام الأفغاني تجاه الجارة باكستان. يعترف عبد السلام حنفي أن التحدي الاقتصادي كبير أمام الحكومة الحالية، لكننا نسعى إلى تنفيذ مشاريع كبيرة بالتنسيق مع دول كروسيا والصين وإيران، وغيرها، فالحكومة السابقة رهنت أفغانستان للجوار في مسألة الكهرباء مثلاً، إذ باتت تعتمد البلاد بنسبة 90 % على كهرباء دول الجوار من أوزبكستان وتركمانستان وإيران، ولكن عملنا اليوم يتركز على بناء السدود، وكذلك استخدام الطاقة الشمسية للتعويض عن كهرباء دول الجوار، وينفي حنفي ما يشاع عن وجود حصار دولي لأفغانستان، فنحن في حالة استقبال وفود بشكل يومي وكما ترى الوفود الإندونيسية والتركية والقطرية والإماراتية وغيرها تأتينا بشكل مستمر من أجل التنسيق والعمل سويا، ونأمل أن تتدفق وفود ودول جديدة لاقتناص فرص استثمارية كثيرة في الأراضي الأفغانية.

2523

| 16 يوليو 2024

أفغانستان.. الوجه الجديد 5 | وزير خارجية طالبان يروي العلاقة مع باكستان وعلمائها

حركة طالبان الأفغانية التي ظهرت أواخر عام 1994، متهمة بأنها خرجت من رحم المدارس الدينية الباكستانية، وتوصم بالعلاقة مع كبار علماء باكستان، نظراً لأن كثيراً من قادة وأتباع الحركة درسوا في هذه المدارس، وهي نفس الحال الذي حدث مع الجهاد الأفغاني ضد السوفييت، أسأل الوزير الأفغاني أمير خان متقي عن طبيعة العلاقة والتأثير العلمائي الباكستاني اليوم على إمارة أفغانستان، فيرد بسرعة: (علاقة ثنائية بين البلدين وتواصل الشخصيات البارزة بين الطرفين بشكل عام تعود إلى قديم الزمان؛ فإن أفغانستان وباكستان كبلدين مجاورتين لدينا علاقات ودية مع رموز قيادات دينية وسياسية في باكستان ولا نريد العداء، هذا ليس فقط مع باكستان بل مع جميع الجيران خاصة وأننا نعمل وبجد لتوطيد العلاقات الودية بين البلدين والشعبين الشقيقين الأمر الذي يخدم المصالح المشتركة). أنتقل إلى مربع آخر ويعني التعاطي مع المعارضة السياسية الأفغانية، فيسارع وزير الخارجية إلى القول بأن: (باب الإمارة مفتوح وأفغانستان بيت للجميع، ألا ترون أن قيادات سياسية متواجدون في كابول، فلدينا السيد قلب الدين حكمتيار مقيم في كابول، وكذلك السيد عبد الله عبد الله الذي كان وزيراً للخارجية والرئيس السابق حامد كرزاي وعدد من زعماء وقادة الأحزاب السياسية السابقة والشخصيات السياسية، وندعو الكل إلى العودة والمشاركة في بناء أفغانستان الجديدة). وحين لفتُّ انتباهه إلى الواقع الاقتصادي الجديد، قال: (إن الوضع أفضل مما كان لحظة الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، فإن قيمة السعر العملة الأفغانية ثابت طوال السنوات الثلاثة الماضية واحتفظنا بقيمة الأفغانية مقابل دولار بشكل ملموس، بالإضافة إلى تحسن العقارات في كابول وغيرها من الولايات الأفغانية، وينبغي الإشارة إلى أن كابول تشهد تقدما ملموسا في التنمية العمرانية ربما لم يمر عليها حالة سريعة لتعبيد الطرق كما هي عليه اليوم، أما تحسن العقارات فيشير بنظري إلى ثقة الناس في النظام الجديد، فمثلاً العقارات في كابول بدأت تتدفق نحو الأفضل، وأما العقارات في قندهار مثلاً فقد ارتفعت إلى الضعف، ومعلوم أن بعض الاقتصاديين يضعون معيارين لتحسن اقتصاد البلدان وهما تحسن العملة المحلية ووضعية العقارات. ويضيف الوزير الأفغاني كرد على العقوبات الأمريكية على حكومته فيقول: (إن العقوبات الاقتصادية التي سعت أمريكا من خلال تجميد أموالنا في الخارج، بالإضافة إلى الضغط على الدول الأخرى لمقاطعتنا قد فشلت في خنق الإمارة الإسلامية، والدليل على ذلك تحسن علاقاتنا مع معظم الدول في المنطقة والعالم، إذ لدينا أكثر من 38 سفارة وقنصليات معها، يضاف إليها قدرتنا على فتح 15 مصنعاً ضخماً خلال السنوات الثلاث الماضية، ومنها مصانع تتعلق بالحديد، حيث نقوم بتصديره، وكذلك قمنا بتزويد العراق ببعض عقاقير اللقاح، ونحن بالأصل بلد زراعي ولذلك نقوم على الاعتناء بالزراعة وتسويقها وتصديرها). وكانعكاس مباشر على حياة الناس اليومية يشير وزير الخارجية إلى فاتورة الكهرباء المتدنية للأهالي، على الرغم من أن غالبية الكهرباء تأتي من الدول المجاورة، وهو ما حرص عليه الاحتلال الأمريكي، ولكن مع هذا يقول الوزير: (تتكفل الدولة سنوياً بمائة مليون دولار كدعم للكهرباء من أجل التخفيف عن الأهالي). وحين أسأله عن مصدر هذه المائة مليون دولار يقول لي بدون تردد: (إنها تأتي من عائدات السدود التي تنتج الكهرباء للدولة وتنفق معظم إيرداتها لدفع جزء من فواتير الكهرباء الواردة من دول الجوار، فالهدف الأساسي للإمارة هو التخفيف عن الأهالي، وقد قمنا خلال السنوات الثلاث بتعبيد عدد من الشوارع والطرق إن كان في كابول وما حولها أو في المدن الرئيسية، وذلك من أجل التسهيل على أهلنا في أفغانستان). لا يقوى أي مسؤول أفغاني تلتقيه أن يقاوم عدم الحديث عن ذكريات سنوات القتال ضد الأمريكيين، والتي شكلت ذاكرة الحركة الطالبانية، يروي لي الوزير الأفغاني ذكرياته مع الأمير الثاني للحركة أختر محمد منصور وشجاعته وقدرته الرائعة على الإدارة والعلاقات العامة، ويستذكر كيف تمكن من خديعة من أرادوا قتله في السيارة التي كانوا فيها بداية الغزو الأمريكي، فغافلهم والتقط بندقيته التي كانت بين رجليه وقتلهم جميعاً، ثم ينتقل الوزير إلى حديثه عن أختر محمد منصور وهو يقود مجموعات المجاهدين في جبال بغرام غربي كابول في الوقت الذي كانت الطائرات الأمريكية تقصف مواقع طالبان. ويشير الوزير الأفغاني أيضاً إلى مسألة مهمة في العلاقة بين السياسي ورجل الدولة من جهة، وبين العلماء والمشايخ من جهة أخرى، فيقول: (إن الملا محمد عمر بالإضافة إلى أنه كان طالب علم فقد كان عاقلاً حكيماً وسياسياً وإدارياً فريداً، ولذا هنا تكمن الفجوة بين السياسي الحكيم ذي البصيرة والعقل والحكمة، وبين من لديه العلم من الحديث ونحوه، لكنه يفتقر إلى البصيرة والتدبير والحكم). أنتقل إلى ساحة حوار أخرى وهي كيف تمكنت الإمارة الإسلامية الأفغانية من ضبط مشاعر ملايين الأفغان وطوال عشرين سنة من الاحتلال بحيث لم تقع حوادث انتقام شعبية رداً على الانسحاب، حين انصاع الشعب الأفغاني لقرار عفو الإمارة المصدق من علماء أفغانستان، يعتدل الوزير أمير خان متقي ليقول: (لقد رأى العالم كله مشاهد إهانة أجساد شهدائنا خلال فترة الغزو الأمريكي الممتدة لعشرين عاماً، ورأى معه العالم كله مشاهد الإذلال والاحتقار التي كانت تجري لبيوت الأفغان على أيدي القوات الأمريكية خلال فترة الغزو، ولكن حين فتحنا كابول كان التعامل الجهادي مختلفاً تماما، ولذلك صدر قرار الإمارة الإسلامية، والذي صادق عليه العلماء، والتزم الجميع بالقرار، ولم يحصل أن خالف القرار أحد، مما يؤكد قوة ونفوذ الإمارة والعلماء في نفسية الشعب الأفغاني، الذي عرف أنه بمخالفته لقرار السلطة والعلماء، سيأثم؛ لأنه حرام شرعاً).

1653

| 09 يوليو 2024

أفغانستان.. الوجه الجديد4 | وزير الخارجية الأفغاني يروي إنجازات ما بعد التحرير

في مبنى وزارة الخارجية الأفغانية وسط العاصمة كابول، كان لقائي مع وزير خارجية إمارة أفغانستان الإسلامية أمير خان متقي، حيث الحدائق الجميلة والأشجار الباسقة التي تروي بنفسها، ولزوارها تاريخاً عريقاً يمتد إلى 1747 يوما تشكلت هوية أفغانستان السياسية بشكلها الحالي على يد مؤسسها أحمد شاه الأبدالي أو (درة دوران) أي درة العصر كما يسميه الأفغان، وهي بالمناسبة أول دولة حديثة تتشكل في العالم الثالث، وتحافظ على حدودها الحالية. جلست إلى جانب الوزير، وبجانبه الشاب عزيزالرحمن فضلي نائب دائرة الشرق الأوسط والعالم العربي الذي تخرج من الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام آباد، والتي أرادها الرئيس الباكستاني الراحل ضياء الحق رحمه الله، واحة علم ودعوة في جنوب آسيا. كنت أعرف متقي منذ أيام الجهاد الأفغاني ضد السوفيت 1979-1989 وكان يشتغل في حزب حركة انقلاب إسلامي بزعامة مولوي محمد نبي محمدي رحمه الله، وكنا نستقي الأخبار العسكرية والسياسية للحركة منه، يوم كنت أغطي لصحيفتي الشرق الأوسط والحياة اللندنيتين، واستمرت المعرفة إلى ما بعد سيطرة طالبان على السلطة في كابول 1996-2001 حيث تسلم حينها وزارة الإعلام ثم وزارة التربیة والتعليم. بدا الوزير الأفغاني في غاية الثقة بالنفس، وفي غاية الانشراح لما أنجزته حكومته خلال السنوات الثلاث من انسحاب قوى التحالف الغربي المكون من 38 دولة بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، والذي سعى طوال عقدين كاملين 2001-2021 للقضاء على الحركة، لكن دون جدوى، فكانت العاقبة انسحاباً فوضوياً بطعم الهزيمة الواضح لكل ذي عينين، وعلى الهواء مباشرة، مما تقازم أمامه انسحابها الفوضوي من فيتنام. أشاد الوزير الأفغاني بالجهود القطرية خلال فترة المفاوضات بين حركته وبين القوات الأمريكية، وشدد على أن «الواقع الحالي في أحسن أحواله بالنسبة للأفغان، ولأهالي كابول تحديداً، حيث استطعنا بفضل الله كما يقول توفير الأمن والأمان لأهالي العاصمة، وأفغانستان بشكل عام، بعد أن كسرنا ظهر تنظيم الدولة «داعش»، وتمكنا من طرد المعارضة المسلحة، حيث لا تسمع ولخمسة عشر شهراً متتابعة طلقة رصاص واحدة حتى في المناطق التي كانت معروفة بمعاقل المعارضة السابقة». ينتشي الوزير الأفغاني متحدثاً عن الأمن والسلام فيقول لنا: (أقوم أحيانا بجولات داخلية وسط كابول دون المرافقين أو المسلحين، فألمس الأمن والأمان وثقة الناس بالنظام الجديد، وحين ننتقل إلى الولايات الأخرى البعيدة عن العاصمة، نلمس بشكل واضح زحمة السيارات على الطرق العامة، مما يعكس حالة الحركة الاقتصادية النشطة في البلاد). وهنا يعتب الوزير الأفغاني على وسائل الإعلام التي تتجاهل كل هذه النجاحات، ولا سيما فيما يتعلق بالملف الأمني الذي تحسن بشكل كبير، بحيث يضاهي ما هو عليه الواقع في بعض الدول المجاورة، وهو ملف تنبني عليه كل الملفات الأخرى السياسية والاقتصادية والاجتماعية ونحوها. لكن حين نتحدث عن موقف دول الجوار من الإمارة الإسلامية الأفغانية، يحمل الوزير الأفغاني على طاجيكستان بعدم التعامل المطلوب وتعزيز الثقة المتبادلة وذلك لأن معظم المهاجمين الذین قاموا بالأعمال التخریبیة ينتمون الی طاجیكستان، ويشير الوزير الأفغاني إلى أن (أفغانستان لديها آلاف الكيلومترات من الحدود مع الدول المجاورة، وعلى الرغم من كل هذه الحدود المفتوحة مع الدول المجاورة، لكننا نبسط سيطرتنا على كامل التراب الأفغاني، بعد أن عجزت المعارضة عن التحكم بشبر واحد على أرض أفغانستان). حين الحديث عن التوتر الخفي في العلاقات بين باكستان وأفغانستان يؤكد الوزير الموقف الأفغاني الراغب بعلاقات أخوية وصداقة مع باكستان، ولكن لا بد من اتخاذ خطوات عملية وجريئة من أجل نزع كل مفاعيل التوتر والخلاف، ولا بد أن تُقدم باكستان على تسوية مشكلاتها مع حركة طالبان باكستان النشطة في مناطق القبائل الباكستانية، ويضيف الوزير: (دعمت الإمارة الإسلامية جهود المفاوضات المباشرة بين الحكومة الباكستانية وطالبان باكستان، وكنا على وشك تسوية المشكلة، ولكن فجأة انهار كل شيء، وباعتقادي هذا التوتر لا يخدم البلدين ولا شعبيهما، فنحن نفضل الحوار، ولعل هذا التوتر يستفيد منه تنظيم الدولة «داعش» وبقية جماعات إجرامية في المنطقة). حين أنقل إلى الوزير الاتهامات الباكستانية الرسمية، وتوفير الملاذ الأفغاني لطالبان باكستان وهي التي تقوم بالتفجيرات على أراضيها، يقول الوزير: (هذا الاتهام غير منطقي، فكما يعرف الجميع أن هذه الانفجارات تقع بعمق 500 كم داخل الأراضي الباكستانية بعيداً عن الحدود الأفغانية، وهو يشير بشكل واضح إلى أنها مشكلة داخلية، ينبغي التعامل معها على هذا الأساس). ساحة الخلاف الثانية بين إسلام آباد وكابول وجود المهاجرين الباكستانيين الموالين لحركة طالبان باكستان والمعارضة لإسلام آباد، وهنا أسأل الوزير الأفغاني عن هذه النقطة الخلافية، وكيفية معالجتها، فيرد علي بالقول: (هذه القضية ليست من نتاج حكم الإمارة الإسلامية الأفغانية، وإنما هذه القضية تعود إلى أيام الاحتلال الأمریكي، ومع هذا نقول لابد من حل وتسوية شاملة تخدم مصالح الشعبين الشقيقين وهذا ما ندعو إليه دائما).

2751

| 02 يوليو 2024

أفغانستان... الوجه الجديد 3 نجل الملا عمر يواصل تذكر غيبة والده

في رحلتي إلى أفغانستان نواصل استكشاف الوجه الجديد للبلد، ونمضي في الحلقة الثالثة من حديثنا عن أرض الأفغان، لقاؤنا مع الملا محمد يعقوب وزير الدفاع في الإمارة الإسلامية في أفغانستان وحديثه عن غيبة والده الملا محمد عمر رحمه الله... هنا يحرص الملا يعقوب على أن يخبر والده أنه قد كبر، وأنه لم يعد صاحب الثماني سنوات الذي تركه يوم اختفى وغاب عنهم، وعن العالم كله. يتحدث وزير الدفاع الحالي عن ذلك، وكيف أقنع والده بما كان يخطط له في إدارة شؤون العائلة،: ( أرسلت للوالد رسالة قبل وفاته بأيام، فقط أخبره أنني تزوجت، وأنني قد كبرت، وأريد أن أكون معيلاً ومشرفاً على العائلة، وأن أستلم كل الأمور المالية الخاصة بها، حيث كان يديرها من قبل عمي عبد المنان العمري الذي يتقلد الآن منصب وزير العمل والشؤون الاجتماعية، وبالفعل انتقلت المسؤولية المالية إلي بعد موافقة الوالد، ما زلت أتذكر حين كنت أطلب منه زيارته ورؤيته خلال فترة الغيبية، كان يعتذر، إذ يخشى على نفسه من أن يتعرض للانكشاف). وبخلاف ما تردد وأشيع عن العلم بوفاة الملا محمد عمر بعد أشهر عن حدوثها، وما أشيع عن إخفاء خبر الوفاة عن قيادات الحركة، يكشف الملا محمد يعقوب عن أسرار تلك الفترة لأول مرة: (لقد علمنا بوفاته بعد يوم واحد من حدوثه، فقد اشتد عليه المرض كما علمنا، وذهب من كان يرافقه ويلازمه في البيت الذي كان يقيم فيه بولاية زابل للقاء (القاصد) أي المرسال الذي كان بين الملا وبين قادة الحركة الطالبانية، وأبلغه بأن الملا قد توفي، بينما كان هذا المرسال في طريقه لجلب بعض الأدوية للوالد المريض، ولكنه كان قد توفي في نفس الليلة. اتصلوا بنا، وذهبت مع بعض القادة إلى المناطق الحدودية، وكان يوم جمعة، بينما توفي الملا رحمه الله يوم الأربعاء، وهناك التقينا بالمرسال وهو ملا عزيز الله، وكان معنا العمّ عبد المنان العمري ومولوي عبد الرحمن أستاذ الملا محمد عمر، وكذلك الملا عبد السلام مستشاره وكاتبه أيام حكم الإمارة الإسلامية الأولى 1996-2001، فالتقينا مع المرسال، الذي بدأ حديثه عن مرض الملا في البداية، وأنه لا بد من نقله إلى المشفى، فكان عبد السلام يتكلم بهذه الصيغة، ثم تسللت من فيه كلمة رحمه الله، وفهمت حينها أن الوالد قد توفي). يتابع الملا محمد يعقوب حديث الشجن والأسى بصعوبة وحزن ثم يروي لنا مغامرة ذهابهم إلى البيت الذي توفي ودفن فيه الملا، وهي مغامرة جريئة تحصل في ظل وجود القوات الأمريكية والغربية بشكل عام في أفغانستان وتحديداً في المناطق الجنوبية معقل المقاومة الطالبانية، يقول الملا يعقوب: ( حين علمنا بوفاته قررنا مع عمه أن نتجه إلى البيت الذي دفن فيه. كانت الدبابات الأمريكية منتشرة في تلك الولاية، وصلنا إلى القرية بصعوبة، وقد تزامن وصولنا مع إنزال جوي أمريكي بالقرب من القرية التي دفن فيها، ولكن ومع هذا استطعنا الوصول إلى الغرفة التي سكن ودفن فيها. كان قد دُفن بأرض الغرفة وتم تطيين القبر، الذي سُوي بالأرض تماماً بحيث تظهر أرض الغرفة مستوية تماماً، دون أية علامات أو أمارات تشير إلى وجود قبر. حفرنا مكان القبر وتأكدت من وفاة الوالد بعد أن أدرت وجهه نحوي وقبلته، ثم أعدت توجيهه نحو القبلة. لقد بدت حالته وبشيبة لحيته البيضاء، كأنه نائم تماماً). بعد أن تأكد الملا محمد يعقوب وعمُّ والده من وفاة الملا محمد عمر سارعا إلى إبلاغ قيادة الحركة يومها بالحقيقة الكاملة، وبالفعل يقول الملا محمد يعقوب: (التقينا بعد عودتنا من زيارة قبر الوالد وفي داخل الأراضي الأفغانية مع أختر منصور الذي غدا أميراً للحركة بعدها، وكذلك مع هبة الله قاضي القضاة والذي يقود الآن الإمارة الإسلامية، بالإضافة إلى مولوي عبد الحكيم، وأبلغناهم بما تحققنا منه وهو وفاة الوالد. كانوا كلهم على علم بالأمر، فعقدت بعدها جلسة ضمّت نور محمد ثاقب، وعبد القيوم ذاكري، وأمير خان حقاني، وآخرين، ولم أكن أنا في تلك الجلسة، وتم انتخاب أختر محمد منصور كأمير جديد للحركة). حين سألت الملا محمد يعقوب عن سرّ عدم الإعلان عن وفاة الملا محمد عمر في حينه يقول بشكل مباشر دون تردد: ( ثمة سببان: داخلي، وخارجي، أما الداخلي فكنّا حريصين على عدم الإعلان عن ذلك، لما قد يلحقه من ضرر على بنية الحركة الداخلية، لاسيما وهي حركة أشبه ما تكون سرية، ومستهدفة، وبالتالي حرصنا على ذلك لمنع حصول أي تمزق أو انقسام داخلي، أما السبب الخارجي فهو أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما كان قد تعهد حينها بالانسحاب الأمريكي من أفغانستان، فخشينا أن يكون الإعلان عن الوفاة سبباً للأمريكيين في تغيير مواقفهم إزاء الانسحاب). في الحلقة المقبلة لقائي مع وزير الخارجية أمير خان متقي في مبنى وزارة الخارجية الأفغانية وحديث عن بوابة أفغانستان إلى العالم الخارجي، وبوابة الأخير إلى أفغانستان.

4074

| 25 يونيو 2024

أفغانستان.. الوجه الجديد 2 نجل الملا عمر يستذكر والده

في الحلقة الثانية من زيارتي إلى أفغانستان.. الوجه الجديد. أفتح حلقة مهمة في دفتر الماضي الطالباني، وهي فترة اختفاء الملا محمد عمر مؤسس حركة طالبان، رحمه الله. كانت وجهتي للقاء نجله ملا محمد يعقوب ووزير دفاع الإمارة الإسلامية الأفغانية، وأجدني قبل أن أبدأ الحديث التاريخي الممتع والشيق مع الملا محمد يعقوب، من الضروري أن أسجل إعجابي بالمترجم الشخصي للملا، وهو الشاب المرتب والمؤدب والمجدّ روح الله الأفغاني، والذي كانت لغته العربية في غاية الجودة والإتقان. كان حين يتحدث العربية يتحدثها كنهر دافق، وبمخارج حروف عربية مبينة، أو كمن يعزف على قيثارة كما وصفه مسؤول عربي أثناء قيامه بدوره في ترجمة كلام الملا يعقوب للمسؤول العربي. في بيته وسط العاصمة الأفغانية كابول آثر الملا محمد يعقوب وزير الدفاع الأفغاني استقبالنا فيه، حيث عاجلني وهو يحضنني كعادة الأفغان، لقد فضّلت لقاءك في بيتنا، لكونك أحد الإعلاميين القلائل الذين التقاهم الوالد رحمه الله. جلسنا على الأرض تماماً كما جلستُ يوم التقيت والده عام 1995 تحت شجرة ضخمة في قصر مؤسس الدولة الأفغانية الحديثة أحمد شاه الأبدالي 1724- 1774 وسط العاصمة الروحية الطالبانية قندهار. يومها افترش الملا رداءه (البتو) الأفغاني على الأرض، لنتشاطر الجلسة عليه سويا. بين الأمس واليوم ظهر أن مياهاً كثيرة جرت، لكن الواقع غير هذا، إذ إن الزمن لم يتغير كثيراً هنا في أفغانستان، فقد عادت طالبان كيومها يوم ولدت، وبرز قادتها كحكام جدد، وانزوى معارضوها إلى الدول المجاورة، تماماً كما حصل يوم هزيمة خصومها عام 1996، باستثناء تحصن قائد المعارضة يومها بجيب بنجشير ثم بدخشان. طوال الساعتين من الحوار الممتع والشيق مع الملا محمد يعقوب مضتا كالبرق، بحيث شمل الحديث أوضاع الإمارة الإسلامية الأفغانية الداخلية، وما حققته وأحرزته خلال السنوات الثلاث الماضية، ومعها الحديث عن العلاقات مع دول الجوار وتحديداً مع باكستان، وحالة التوتر بخصوص وجود مقاتلي حركة طالبان باكستان على الأراضي الأفغانية، لكن ظلت بوصلة الحديث الذي أودُّ توجيهها باتجاه اللغز الذي لا يزال يُحيرني ويُحير كل من تابع ويتابع حركة طالبان الأفغانية، ألا وهو كيف تواصل الملا محمد عمر مع نجله، وقادة طالبان طوال فترة اختفائه. سألته بشكل مباشر، وواضح عن تلك الفترة، وأضفت عليها ممازحاً كان رئيس الحزب الشيوعي السوداني عبد الخالق المحجوب عندما اختفى لسنوات عن أعين الحكم السوداني، قد سئل بعد أن خرج للعلن، عن تجربته خلال فترة اختفائه، فردّ قائلاً: لن أتحدث عنها، لأنني قد أحتاجها؟ ضحك الملا محمد يعقوب، وبدأ حديثه بالقول سأحدثك عن تفاصيل لم نتحدث بها من قبل، فيما يتعلق بتواصل الوالد معنا، وكيف علمنا بوفاته. اعتدل الملا محمد يعقوب في جلسته، وكأنه في حضرة والده، ثم بدأ حديثه قائلاً: (حين بدأ الاحتلال الأمريكي لبلدي أفغانستان عام 2001، كان عمري ثماني سنوات فقط. كنت أتلقى العلم الشرعي على يد مولوي محمد جمعة عمّ والدي، والذي كان أستاذه أيضاً، وكعادة الدراسة الأفغانية، تلقيت العلوم الشرعية، بحسب المنهج الأفغاني، ثم التحقت في مدرسة بكويتا خلال فترة الجهاد الأفغاني ضد الأمريكيين. كنا نقوم بتغيير بيتنا كل عدة أشهر، نتيجة الحاجة الأمنية. لم يكن أحد من زملائي يعرف أنني ابن الملا محمد عمر، كانت الوالدة توصينا بشكل دائم ومستمر بالتزام السرية، ونظراً لكوننا نعيش في منطقة مكتظة بالمهاجرين، القادمين من ولايات ومناطق أفغانية مختلفة، فقد سهّل علينا ذلك عملية الاختفاء والذوبان وسطهم، دون أن نتعرض لكثير من الأسئلة عن أنفسنا). توقف الملا محمد يعقوب، ليستعيد بعض الذكريات، وربما يستعيد معها بعض اللحظات الطفولية التي قضاها مع والده والتي لا يذكر منها إلا لماماً، استغليت صمته لأسارع إلى جوهر المسألة، فسألته، إذن فكيف كان يتم التواصل مع الوالد خلال فترة الغيبة التي امتدت لسنوات، اعتدل ثانية في جلسته، وجمع نفسه مرة أخرى ثم تابع قائلاً: (كان تواصل الوالد عبر أشرطة الكاسيت التقليدية، إذ كان يرسل رسائله المتعددة لمختلف القادة والمسؤولين، وأحياناً يتم التواصل عبر إرسال رسائل شفهية مباشرة، وكان أول مرة أسمع صوته بعد ثلاثة أشهر من اختفائه، حين تحدث معي هاتفياً وذلك عبر هاتف مربوط بالأقمار الاصطناعية، وكانت فرحتي لا توصف).‫

5307

| 18 يونيو 2024

أفغانستان.. الوجه الجديد 1

أمضيت أياماً في بلاد الأفغان. استطعت خلالها استعادة علاقات فيزيائية قديمة مع قادة الجهاد الطالباني ضد القوات الغربية والأمريكية في الفترة الواقعة بين 2001- 2021، وأنا الذي غطيت وتابعت جهادهم المزدوج ضد القوات السوفياتية 1979- 1989، وما بعده من حروب المجاهدين، ثم سيطرة حركة طالبان على أفغانستان، وإعلانها الإمارة الإسلامية عام 1996، ثم الجهاد ضد التحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. البداية كانت من مبنى السفارة الأفغانية في وسط العاصمة الباكستانية إسلام آباد، حيث حصلت على تأشيرة سفر متعددة السفرات إلى كابول، لأسأل عن شركة الطيران المنصوح بالطيران بها، فكانت شركة «كام إير» الباكستانية الخاصة، فاشترى لي أحد أصدقائي التذكرة وتوجهت إلى مطار العاصمة الباكستانية الجديد الذي بدا على الطريق الرئيسي الواصل بين مدينة بيشاور ولاهور، لكنه يبقى على بُعد كيلومترات فقط من إسلام آباد. إذن كانت الرحلة من إسلام آباد التي بُنيت بشكل هندسي جميل، يقطع طرقها شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً دون أي تعرجات، بخلاف المدن العربية والإسلامية العريقة، فأكثر ما تبدو حقيقة عمران المدن من الجو، فالنظر إلى المدينة من الجو أكثر ما يكشفها ويكشف جمالها أو قبحها. يعود بناء المدينة إلى أواخر الستينيات في عهد الجنرال الباكستاني أيوب خان، مما جعلها أكثر عصرية، وخالية من الاختناقات المرورية وحتى البنائية، نظراً لسعة شوارعها، وقلة سكانها، وهي الصورة المختلفة كلياً حين تبدو كابول وأنت قادم إليها من شمالها حيث تبدأ الطائرة بالهبوط تدريجياً، فتظهر لك كابول القابعة كالقصعة وسط جبال تحوط بها من كل مكان، فهذا جبل التلفزيون الذي كان محط تركيزنا كمراسلين خلال فترة حروب المجاهدين البينية، حيث من يسيطر عليه يسيطر على كابول، وتلك مباني ماكروريان التي بناها السوفييت خلال احتلالهم لأفغانستان من أجل موظفي الدولة. كانت المدينة صورة عن المدن العربية والإسلامية التقليدية من الأبنية المزدحمة والمتقاربة بين بعضها بعضاً، فضلاً عن الكثافة السكانية، نظراً لتفضيل السكان العواصم والبلدات الكبيرة على المناطق الريفية النائية. تهبط الطائرة أكثر فأكثر، فيهبط قلبي معها، وكأنه يسابق الزمن، ليرى كابول ويستعيد معها ذكريات دخولها عام 1992 مع المجاهدين الأفغان، يوم كنت أعمل مراسلاً لصحيفة الحياة اللندنية وإذاعة الشرق، ومغطياً لذلك الحدث التاريخي. بدا المطار فقيراً بعدد الطائرات، فلعل الطائرة الرسمية الوحيدة كانت تلك التابعة للخطوط الجوية التركية، ومعها طائرات لخطوط الشركة الأفغانية الرسمية آريانا وهو الاسم القديم لأفغانستان، بالإضافة إلى فلاي دبي. يستقبلنا الحكام الجدد على مدرج الطائرة لينقلونا إلى صالة الشخصيات المهمة، فنستريح قليلاً من رحلة سفر قصيرة، وقصيرة جداً بعرف رحلات الطيران الطويلة وحتى المتوسطة، فالرحلة لم تستغرق أكثر من 45 دقيقة، ولكن تبقى إجراءات السفر والذهاب إلى المطار والانتظار ثم الوصول، كلها إجراءات هي ذاتها، إن كانت الرحلة طويلة جداً، أو لرحلة داخلية قصيرة. أنهينا إجراءات المطار، لتشق سيارتنا مع شابين أفغانيين شارع المطار المتجه إلى السفارة الأمريكية ففندقنا كابول ستار الذي بُني خلال فترة غيبتنا عن العاصمة الأفغانية. كان الطريق شاهداً على أحداث كبار، فهنا قد استهدف تنظيم الدولة، مدخل المطار خلال عملية خروج القوات الأمريكية من أفغانستان، وهناك من قبل كانت السيارات الأمريكية الهامر تسرع وتسرع كما قال مرافقي خوفاً من استهدافها من قبل مسلحي حركة طالبان، خلال فترة الجهاد الأفغاني الثانية... يستذكر الأفغان في كابول الانسحاب على عجل الذي وقع للقوات الأمريكية من العاصمة، وهو ما تسبب في اهتزاز الصورة الأمريكية لدى العالم كله، وأعاد لهم صور انسحاب قوات الأمريكيين المخزية من فيتنام. لكن في مقابل هذا كله ثمة دور خفي قلّما يتحدث عنه الكثيرون وهو الدور الخفي للوساطة القطرية الصامتة التي حفرت جبل العناد الأمريكي - الطالباني بإبرة وعلى مدار سنوات طويلة، وبصمت وتؤدة، ومراعاة لظروف الجانبين، وهو ما أدى إلى توقيع الاتفاق التاريخي بينهما، ليقضي بسحب القوات الأمريكية. هذا الانسحاب أفضى بكل تأكيد كما يرى كل من تابع ويتابع حتى الآن الحدث الأفغاني إلى انتقام حقيقي من قبل الحكم الأفغاني المدعوم أمريكياً يومها بقيادة الرئيس أشرف غني، حين رفض التعاون مع الاتفاق، فآثر الهروب من كابول في ظلمة الليل مما أدى إلى انهيار كل شيء، فوجد الحكام الجدد المتربصون على أطرافها أنفسهم وقد فتحت لهم العاصمة التي لطالما انتظروا دخولها. لقد خلط بذلك أشرف غني كل أوراق الأمريكيين، وجعلهم الثمن وليس من يدفعون الثمن نظير تجاهلهم وتخطيهم له ولزمرته الحاكمة. يروي لي صديق أفغاني ممن دخل القصر الرئاسي حال مغادرة الرئيس له قصة ذات دلالة، وهي أنه حين دخل مكتب الرئيس الأفغاني أشرف غني، فوجئ وذُهل بأن الكتاب الأخير الذي كان يقرأه في تلك الأيام مذكرات المغني الأفغاني الشهير ناشناس، مما عنى أن الرئيس لم يكن يعنيه كل ما يجري، إما لأنه معتمدٌ على القوات الأمريكية، أو لأنه مثقف أكاديمي كعادة كثير من الأكاديميين المفصولين ربما عن اشتراطات الحكم، وأدواته ومعاركه الداخلية والخارجية. في الحلقات المقبلة سأحاول رسم صورة قريبة عن العاصمة كابول، وما يجري فيها من معارك وسجالات، إن كان على مستوى الداخل، وآمال الحكام الجدد، وما حققوه وفعلوه طوال ثلاث سنوات من الحكم والسيطرة، أو على صعيد العلاقات الإقليمية والدولية، وما أفرزته من توترات مع باكستان وطاجكستان، وغيرهما، ومعه تحرك الديبلوماسية القطرية من أجل تسوية التوتر بين كابول وإسلام آباد، حيث سبق وصولي إليها، وجود وزير الدولة القطري للشؤون الخارحية قادماً من إسلام آباد كما أبلغني وزير الدفاع الأفغاني نفسه محمد يعقوب. قضايا كثيرة ستتناولها الحلقات المقبلة، من معركة الحكام الجدد مع الاقتصاد والاستثمار، إلى العلاقة مع المعارضة، والشعب، فضلاً عن العلاقة مع المحيط الإقليمي ومن خلفه الدولي، بالإضافة إلى ما يثير اهتمام الجميع وهو تعليم المرأة، فقد كان ذلك كله حصيلة لقاءات مع قادة كابول الجدد. نأمل من خلال المقالات المقبلة أن نقترب ويقترب معنا القارئ أكثر من أفغانستان، حيث جناح مهم للأمن الإقليمي العربي والإسلامي، بل وربما للعالم كله الذي سيظل يستذكر أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001، ولذا لا يمكن تجاهل الجرح الأفغاني، فتجاهله يعني تلوثه، وتلوثه يعني تعديه إلى ما بعده من جار قريب أو أبعد.

5322

| 11 يونيو 2024

في ذكرى التفجيرات النووية الباكستانية

كانت زيارتي إلى إسلام آباد يوم الثامن والعشرين من مايو/ أيار الماضي، فوجئت بإعلان عطلة رسمية لليوم نفسه، لم أكن قد انتبهت إلى دلالة التاريخ، وهو يوم التفجيرات النووية الذي جرى في عام 1998، والذي أطلقوا عليه يوم التكبير، وعلى الرغم من أنه لم يسبق أن أعلنت باكستان عطلة رسمية في مثل هذا اليوم احتفالاً بالتفجيرات النووية، إلا أنها أعلنتها اليوم. عادت بي الذاكرة إلى ذلك التاريخ يوم كنت أعمل في صحيفة الحياة اللندنية، وكنا نتابع يومها بدقة وحذر وشغف وحماس الرد الباكستاني على التفجيرات النووية الهندية التي جرت قبلها بيوم أو يومين. كانت نيودلهي قد أجرت قبلها بعقدين ونصف العقد، ثلاثة تفجيرات نووية، حين فجرت قنبلتها النووية عام 1974 تحت عنوان ( ابتسم بوذا ). تعرضت حكومة نواز شريف قبل إقدامها على التفجيرات النووية إلى ضغوطات أمريكية ضخمة وتحديداً من إدارة الرئيس بيل كلينتون الذي استخدم بحقها سياسة العصا والجزرة، أملاً في ثنيها عن قرارها الاستراتيجي، الذي كان قراراً شعبياً أولاً وأخيراً. لم تُصغ باكستان لكل هذه التهديدات والترغيبات الأمريكية، فاتفقت القيادة العسكرية والسياسية على ضرورة الرد على التفجيرات النووية، لكونها فرصة ذهبية للبلاد في إعلان نفسها كدولة نووية، وإلاّ فستظل تخضع للابتزاز الهندي النووي طوال حياتها، وعلى الرغم من الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية وغيرهما من الضغوط التي تعرضت لها الحكومة الباكستانية، إلاّ أنها اتخذت قرارها الاستراتيجي والأخير، بإجراء خمسة تفجيرات نووية ردا على ثلاثة تفجيرات نووية هندية. كان الشارع الباكستاني يومها مفعماً بالوطنية والحماسة تجاه باكستان، وتجاه أبو المشروع النووي الباكستاني عبد القدير خان، والذي تحوّل إلى مشروع وطني، قبل أن يذوي بعد الاتهامات التي طالته عن تسريب معدات وأدوات نووية حساسة إلى دول أخرى، فوضعه الرئيس الباكستاني برفيز مشرف بعد التدخل الأمريكي إلى أفغانستان 2001 تحت الإقامة الجبرية، وأرغمه حينها، على الظهور على التلفزيون الباكستاني مقراً بذلك ومطالباً بالاعتذار، وهو ما ضرب شخصية وطنية باكستانية بالصميم، ورحل خان بعدها بسنوات، وبالتأكيد في نفسه الكثير من الغصات والمرارات، لاسيما حين يقارن نفسه مع أبو الكلام آزاد أبو المشروع الصاروخي الهندي الذي كوفئ بالرئاسة الهندية، على الرغم من كونه مسلماً في بلد هندوسي. اليوم بعد هذه السنين الطويلة على التفجيرات النووية الباكستانية، كيف تبدو باكستان مقارنة بخصمها النووي الهندي، الذي يهددها اليوم في ظل سياسة النقاء العرقي والطائفي الذي اقتفته حكومة نانيندرا مودي، وهو الذي يخوض انتخابات جديدة، حيث يتوقع أن يفوز بمرحلة رابعة، بينما باكستان تتقاذفها خلافات سياسية وحزبية عميقة، لاسيما في ظل سجن زعيم المعارضة الباكستانية عمران خان بتهم عدة، بعد أن تجرأ هو وحزبه وأحزاب باكستانية أخرى تبعته في الأثر، بالمطالبة الواضحة للجيش الباكستاني بالتوقف عن التدخل في السياسة الباكستانية، وظهور تصريحات عدائية من قبل جماعة خان، مما خلق حالة شعبية باكستانية من التجرؤ على الجيش الباكستاني، لم تعهده باكستان من قبل. باكستان اليوم على مفترق طرق حقيقي، إن كان من حيث العلاقة بين المدني والعسكري، أو من حيث الواقع الاقتصادي الضاغط على الشعب الباكستاني، بعد أن وصل الدولار إلى ما يقارب المائتين والثمانين روبية باكستانية، فضلاً عن أزمات اقتصادية مزمنة في ظل الفساد المستشري في البلاد، وعجز كل الحكومات المتعاقبة على فتح صندوق باندورا من المفاجآت على نفسها، ولعل أكثر القضايا ضغطاً على باكستان، هو في المزاج الشعبي العام الذي استطاع من خلاله زعيم حزب الإنصاف الباكستاني عمران خان صنعه اليوم، وهو المزاج المطالب بفصل العسكر عن السياسة، وبشكل علني وواضح ودون لُبس، وهو الأمر الذي لم يكن أبداً حاضراً أو مفكراً به قبل سنوات فقط. هذا الواقع الجديد يفرض حياة سياسية واجتماعية واقتصادية جديدة على العسكر بشكل عام الذين استأثروا بالسلطة لأكثر من نصف حياة البلاد القصيرة، والمستقلة منذ عام 1947، ولذلك فهو تحد كبير في كيفية الخروج من مأزق كان الجيش بالأمس الآمر والناهي للباكستانيين، ليصبح اليوم محل شك وخلاف، بل ومحل نقد عنيف، بينما يرى محللون وخبراء آخرون بأن البلد يعاني من أزمة النخب السياسية الفاسدة، مما يجعل الأزمة غير مقتصرة على العسكر فحسب، إذ سيظل البلد يعاني من هذه الأزمات المزمنة ما دامت القيادات الفاسدة وأتباعها، هم المتحكمون في الحياة السياسية الباكستانية، وهو ما يلقي وسيلقي بتداعياته على الشعب الباكستاني حاضراً ومستقبلاً.

1335

| 04 يونيو 2024

ماذا تبقى من النظام السوري؟

على مدى 13 سنة فشل النظام السوري وداعموه من القوى المنطقوية والدولية والمليشيات الطائفية العابرة للحدود في بسط سيطرتها على كامل التراب السوري، إذ لا يزال أكثر من 35% من الأراضي السورية خارج سيطرته، إن كانت تحت سيطرة قوات الأكراد، أو الكيان الخاضع للسيطرة التركية، أو كيان إدلب والذي تسيطر عليه هيئة تحرير الشام، ويعيش على أرضه حوالي خمسة ملايين نسمة. هذا الفشل الذي ميّز النظام السوري وداعميه على مدى تلك الفترة الطويلة عزز عجزهم وفشلهم في القدرة على التحكم بكل سوريا أرضاً ومعابر، وحدود... انشغال حلفاء النظام السوري في ملفات وجبهات عدة، والاستنزاف الذي يحصل لحليفه الروسي في أوكرانيا، أو لحليفه الإيراني في خسارة قياداته العسكرية والسياسية، في حوادث متفرقة، بالإضافة إلى المحاكمات الدولية التي جرت لضباطه الكبار في ألمانيا، وأخيراً في فرنسا، كل ذلك زاد من ضعف النظام السوري، وزاد معه من عدم تعويل المجتمع الدولي على التعاطي معه مستقبلاً، فالمحكمة الفرنسية حكمت على ثلاثة من كبار ضباط الأمن السوري بمن فيهم علي مملوك مدير المكتب الوطني، واللواء جميل الحسن الذي قاد لفترة طويلة المخابرات الجوية، بالإضافة إلى محمود عبد السلام الذي ترأس فريق التحقيق في الجوية، مما جعل ذلك الكثير من ضباط النظام السوري يتحسسون رؤوسهم، ولذا فقد عمد النظام خلال الفترة الأخيرة إلى إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، وإجراء تغييرات وتبديلات في قادتها، أملاً في التهرب من المحاسبة والمحاكمات الدولية. جاء الإعلان عن إصابة أسماء الأسد زوجة رئيس النظام السوري بمرض سرطان الدم (اللوكيميا) مفاجئاً للسوريين ولكل متابع للشأن السوري، فهذا النظام يفتقر إلى أبسط قواعد الشفافية، ولذا يُنظر إلى هذا الإعلان على أنه مشكوك به، وله مقاصد أبعد من الحرص على الشفافية، وهو نفس النظام الذي أخفى مرض سرطان الدم للرئيس الراحل حافظ أسد لسنوات، ليعلن عن سبب وفاته باللوكيميا بعد رحيله، ولذا فسّر البعض سبب الإعلان على أنه جزء من الصراع على السلطة، والتي لها امتدادات إقليمية ودولية، على أمل السيطرة على ما تبقى من سوريا. يُنظر إلى أسماء الأسد على أنها امتداد بريطاني، ولذا فقد سعت مع بعض الأطراف على تقليص نفوذ إمبراطورية رامي مخلوف الاقتصادية والتي كانت تشكل بحسب الفايننشال تايمز سابقاً 60% من الاقتصاد السوري، ونجحت أسماء مع بعض الاقتصاديين ورجال الأعمال الذين اختارتهم في الاستحواذ على الشركات المالية التي كانت لمخلوف وغيره، ولكن الفساد الذي أزكم الأنوف الذي سببه تعاملها مع المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة، كان على ما يبدو مدخلاً للمناهضين لها، وتحديداً ماهر الأسد الذي لم يكن على وداد معها طوال عقود، إذ تنظر إليها الطائفة العلوية المؤيدة للنظام على أنها سُنية، ليست من عظام الرقبة، وبالتالي لا يمكن الوثوق بها ولا الاعتماد عليها، ولذا فعلى هذه الخلفية بنظر البعض جاء إبعادها من المشهد بطريقة تعدّى المرض، إذ إن مرض السرطان ليس بحاجة للعزل، ولا للتباعد الاجتماعي، مما أثار مخاوف البعض في أنها قد تكون مستهدفة بالتصفية لاحقاً. وما دمنا نتحدث عن فساد أسماء الأسد وطاقمها والنظام بشكل عام في استغلال الدعم الإغاثي الدولي وتوزيعه على محازبيه، فقد ألمحت منظمات الأمم المتحدة أخيراً إلى أن المرحلة المقبلة المعنية بمشروع التعافي المبكر، لن تقبل أن تتعامل مع الأجهزة السلطوية السابقة، وستحرص منذ الآن على التعامل مع مجالس محلية لكل بلدة أو مدينة على أمل إيصال المساعدات للمحتاجين الحقيقيين، ولكن كل من عرف النظام السوري، يدرك أنه قادر على اختراق كل الأجهزة والمجالس المحلية وغيرها من مؤسسات، وذلك من أجل تجيير المساعدات الدولية للأشخاص أو للجهات التي يريدها. الواقع السوري يصرخ بشكل يومي أن الحاضر الوحيد في المشهد السوري اليوم هو غياب النظام السوري، فاليوم هناك عشرة جيوش أجنبية على الأرض السورية، وهذه الجيوش هي التي تسير الحياة السورية، ومسألة النظام غدت هامشية، لا وجود لها، سوى تبرير شرعية وجود هذه الجيوش، بل إن هذه الجيوش هي من يقوم بكل المهام العسكرية والسياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية التي من المفترض أن يقوم بها النظام، فلأشهر ربما لم نسمع عن وزير خارجية النظام السوري فيصل مقداد، الأمر الذي يؤكد صدق ما نقوله، بأنه نظام لا وجود له، وما قدمه ويقدمه رأس النظام السوري في قمة المنامة، من عدم السماح للأجانب مثلاً بدخول المسجد الأموي إلاّ بعد موافقات أمنية مثير للضحك، فهذا النظام منذ حافظ الأسد وحتى اليوم، وهو يلعب هذه الورقة من أجل تخفيف الضغوط عنه، ولكن في الحقيقة والواقع الكل يعلم اليوم أنه نظام ليس له من الأمر شيء، والتعويل عليه في تطبيق ما يتعهد به، غير ممكن، ما دامت تعهداته السابقة وقت الرخاء لم يكن ينفذها، فكيف وهو الآن بوضعية كهذه.

1209

| 28 مايو 2024

لماذا تفشل الخطط الجيدة عند التنفيذ؟
لماذا تفشل الخطط الجيدة عند التنفيذ؟

في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع...

8901

| 20 سبتمبر 2026

كيف يكسب رجل الأعمال ثقة الناس قبل الصفقات؟
كيف يكسب رجل الأعمال ثقة الناس قبل الصفقات؟

قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل...

4824

| 22 سبتمبر 2026

خليجي جدة وصوت الإعلام الرياضي
خليجي جدة وصوت الإعلام الرياضي

نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز...

3552

| 23 سبتمبر 2026

كابوس الديون يبدأ من ليلة الزفاف
كابوس الديون يبدأ من ليلة الزفاف

«وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا...

2667

| 18 سبتمبر 2026

الاقتصاد في خطاب سمو الأمير.. الاستقرار قبل الأرقام
الاقتصاد في خطاب سمو الأمير.. الاستقرار قبل الأرقام

ما لفتني في خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ...

2172

| 23 سبتمبر 2026

سطوة الهاتف المحمول
سطوة الهاتف المحمول

نتقلب في نعم الله تعالى المنعم ليلا ونهارا،...

1461

| 17 سبتمبر 2026

باب المندب.. خطر يحدق بالعالم
باب المندب.. خطر يحدق بالعالم

لا تكمن خطورة ما يجري في منطقة باب...

1308

| 20 سبتمبر 2026

عودة أصالة إلى سوريا
عودة أصالة إلى سوريا

شهدت دمشق الأسبوع الماضي حدثًا ثقافيًا وفنيًا استثنائيًا،...

696

| 21 سبتمبر 2026

شرائح دماغية.. كي نلحق بالركب
شرائح دماغية.. كي نلحق بالركب

كان ظهور جهاز جديد في الماضي يعني أن...

636

| 23 سبتمبر 2026

رقبتي سدّادة
رقبتي سدّادة

يُحكى أن رجلًا عُرف بين أهله وأصدقائه بأنه...

591

| 17 سبتمبر 2026

سوق العقار.. من يديره فعلًا؟
سوق العقار.. من يديره فعلًا؟

تُعدُّ الوساطة العقارية من الأنشطة المهمة في تنظيم...

537

| 17 سبتمبر 2026

أسباب تأجيل اجتماع صلالة
أسباب تأجيل اجتماع صلالة

هل الأقدار هي التي فرضت علينا في هذه...

504

| 17 سبتمبر 2026

أخبار محلية