رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

صفاء السريرة

* يرتبط مفهوم الرزق في أذهان كثير من الناس بالمال، والثراء، والممتلكات، والمناصب، والمكاسب التي ينالها الإنسان، ويراه آخرون في الزوج الصالح، أو الذرية، أو الوظيفة المرموقة، أو المكانة الاجتماعية. وكلها نعم عظيمة تستحق الحمد، لكنها ليست الرزق كله. * فالرزق أوسع من أن يُختصر في المال، وأعظم من أن يُقاس بما نملك من متاع الدنيا. إنه عطايا ربانية يوزعها الله سبحانه وتعالى بحكمته وعدله، فيهب كل إنسان من الأرزاق ما قد لا يدرك قيمته إلا بعد حين. * ومن أعظم الأرزاق التي يغفل عنها كثير من الناس رزق النية الطيبة. فليست كل القلوب سواء، ولا كل النوايا متشابهة. أن يرزقك الله قلبًا نقيًا، لا يحمل حقدًا، ولا يعرف الحسد، ولا يفرح بسقوط الآخرين، ولا ينتظر من إحسانه جزاءً ولا شكورًا، فذلك رزق لا يُشترى بمال، ولا يُنال بمنصب، وإنما هو توفيق من الله يؤتيه من يشاء. * والرزق أن يرزقك الله حسن الخلق؛ صدقا، وأمانة، ووفاء، وإخلاصا، وتواضعا، واحتراما للناس، ورحمة بالضعفاء، وعفوا عند المقدرة. فالأخلاق ليست مرتبطة بغنى ولا جاه، وإنما هي زينة الإنسان الحقيقية، ورصيده الذي يبقى بعد رحيله. * والرزق أن يمنّ الله عليك بالصحة والعافية، وبأهل يحتضنونك، وصحبة صادقة تبقى معك في الشدة قبل الرخاء، وتفرح لنجاحك كما لو كان نجاحها، وتدعو لك في حضورك وغيابك. * والرزق أن يمنحك الله قلبا قنوعا، يرى النعمة فيما بين يديه، ويحمد الله عليها، ولا ينشغل بالنظر إلى ما في أيدي الآخرين. فالقناعة ليست قلة طموح، بل غنى نفس، وراحة قلب، ويقين بأن ما قسمه الله لك سيأتيك في وقته. * ومن الرزق أن تبارك لك الحياة في أبسط تفاصيلها؛ أن تستمتع بجلسة هادئة مع من تحب، وبحديث صادق يخلو من التكلف، وبفنجان قهوة أو كوب شاي، وبابتسامة صافية، وبمكان يبعث في النفس الطمأنينة. فالسعادة الحقيقية كثيرا ما تسكن التفاصيل الصغيرة التي لا تُشترى بالمال. * والرزق أن يرزق الله الإنسان الإخلاص في عمله، سواء كان مسؤولا أو موظفا أو عاملا. فكم من موظف أدى عمله بأمانة، فكان بركة في مكانه، وكم من مسؤول جعل منصبه وسيلة لخدمة الناس، لا بابًا للتعالي عليهم، فأصبح منصبه رسالة قبل أن يكون سلطة. * والرزق أن يجعلك الله سببًا في فرج إنسان، أو نجاح طالب، أو إسعاد أسرة، أو فتح باب خير لمحتاج. فما يخرج من يدك وقلبك بإخلاص، يعود إليك بركةً وأجرًا وأثرًا طيبًا، وربما كان أعظم مما كنت تنتظر. * ومن أعظم الأرزاق أن يكتب الله لك القبول في قلوب الناس، فيحبونك لذاتك، لا لمنصبك، ولا لنفوذك، ولا لما تملكه. يسألون عنك إذا غبت، ويفرحون إذا حضرت، ويذكرونك بالخير إذا رحلت. فالمناصب تزول، والمصالح تنتهي، أما حسن الأثر فهو الرزق الذي يبقى. * وفي المقابل، هناك من يحاول أن يشتري محبة الناس بالمبالغة في العطاء، أو بالتكلف والتصنع، أو بالمجاملات التي تخفي وراءها مصلحة. وما إن تزول المصلحة حتى تنتهي العلاقة. أما المحبة الصادقة، فهي رزق يكتبه الله في القلوب، لا يصنعه نفاق، ولا يحفظه تملق، وإنما يبنيه الصدق، والإخلاص، وحسن النية. * ولعل أجمل الأرزاق كلها أن يرزقك الله صفاء السريرة، فلا تؤذي أحدًا بقصد، ولا تسيء الظن بالناس، ولا تحمل في قلبك إلا الخير. فالنية الطيبة ليست ضعفا، بل قوة إيمان، وحسن تربية، ونقاء نفس، وهي من أعظم العطايا التي يمنحها الله لعباده. * آخر جرة قلم: حين نفتح ملفات العلاقات، ونقلب صفحات الذكريات، لا نتوقف كثيرًا عند من غادر دون سبب، ولا عند من كانت علاقته بنا مرتبطة بمنصب أو منفعة أو مصلحة زائلة. بل نحمد الله على أولئك الذين بقوا، الذين وجدناهم في كل الظروف، وفي كل المواقف، وفي أوقات الشدة قبل الرخاء. فهؤلاء هم الرزق الحقيقي الذي لا يُقاس بثمن، ولا يُشترى بمال، ولا يُصنع بحلو الحديث.فلنحمد الله على كل أشكال الرزق؛ على ما نراه، وعلى ما لا نراه، وعلى النعم التي نعيشها كل يوم ولا نشعر بعظمتها إلا إذا فقدناها. ولنسأل الله دائما أن يرزقنا المال الحلال، والقلب السليم، والنية الطيبة وصفاء السريرة، وحسن الخلق، وبركة العمر، ومحبة الناس، ورضاه سبحانه قبل كل شيء… فذلك هو الرزق الذي يبقى أثره في الدنيا، وثوابه في الآخرة.

243

| 23 يوليو 2026

الأمير الوالد - رحمه الله - حاضر في وطن بناه

رفيقة درب… وباني الوطن • الفقد ليس أمرًا سهلًا، والرحيل يترك فراغًا لا تملؤه الكلمات، فيما يبقى الشوق نبضًا لا يخبو. والموت حقيقة نقف أمامها صابرين محتسبين، مؤمنين بقضاء الله وقدره، وأن لكل أجل كتاب. وما بين لحظة الميلاد ولحظة الرحيل، ليست الأعمار بما نعيشه من سنوات، بل بما نتركه من أثر يبقى بعدنا. • رحيل سمو الأمير الوالد، المغفور له بإذن الله الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لم يكن ولن يكون سهلًا على أبناء قطر. فهو ليس فقد قائد صنع مرحلة تاريخية فحسب، بل فقد أب احتضن وطنًا، وآمن بإنسانه، ورسم له مستقبلًا سبق زمانه. ولن يكون الفقد سهلًا على من عرفه عن قرب. • وأستحضر اليوم مشهدًا لن يغيب عن ذاكرتي ما حييت. في حفل تخرج دفعة عام 2010، أعلنت صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، في مفاجأة تاريخية وبحضور سمو الأمير الوالد رحمه الله، تأسيس جامعة حمد بن خليفة، لتكون إحدى المبادرات الوطنية الرائدة لمؤسسة قطر في التعليم والبحث العلمي. • في تلك اللحظة، لم نكن ندرك أننا لا نحضر إعلان جامعة جديدة فحسب، بل إعلان مرحلة جديدة في مسيرة التعليم العالي والبحث العلمي في دولة قطر. كانت رؤية تؤمن بأن الأوطان تُبنى بالإنسان، وأن الإنسان يُبنى بالعلم، وأن الاستثمار في العقول هو الاستثمار الذي لا تنفد ثماره. • ولا تزال تفاصيل ذلك المشهد حاضرة في الذاكرة؛ حين صعد سمو الأمير الوالد وتسلم شعار جامعة حمد بن خليفة من صاحبة السمو الشيخة موزا. كان مشهدًا بسيطًا في صورته، عظيمًا في دلالته، يجسد شراكة في الحلم، ووحدة في الرؤية، ورسالة واضحة بأن العلم سيكون أحد أعمدة نهضة هذا الوطن. • وأذكر أنني كنت يومها أقف بين خريجي أول دفعة لبرنامج الماجستير في السياسة العامة في الإسلام بكلية الدراسات الإسلامية في مؤسسة قطر، أنظر إلى المستقبل بعيون الأمل، دون أن يخطر ببالي أن أعود بعد سنوات لأحمل درجة الدكتوراه من الجامعة التي أُعلن عن تأسيسها في ذلك اليوم. حينها أدركت أن الرؤى العظيمة لا تصنع حاضرها فقط، بل تصنع مستقبلَ أجيال لم تكن قد وصلت بعد إلى مقاعد الدراسة. • ذلك المشهد عاد إلى الذاكرة وأنا أقرأ كلمات صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر وهي تنعى سموه، بكلمات قالت فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي). صدق الله العظيم. استلهمُ من الحزن أعظمَهُ ومن الأسى أعمقَهُ برحيل زعيم قطر التاريخي صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله وطيّب ثراه. وفي لحظة من الخشوع لمشيئة الباري عز وجل في تقدير الأقدار يرتقي الراحل الكبير إلى منزلة خالدة بوصفه رائد دولة قطر الحديثة وصانع أمجادها. وإنني بقلب كسير أتضرع إلى الله سبحانه وتعالى أن يغمد الراحل برحمته ويسكنه فسيح جناته. وإنا لله وإنا إليه راجعون.” • ويبقى عزاء المؤمن أن الإنسان لا يرحل بأثره، وإنما يرحل بجسده، بينما تستمر أعماله شاهدة له. وفي الحديث الشريف يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له.” وحين نتأمل سيرة الأمير الوالد، نجد أن معاني هذا الحديث تجلت في حياته بصورة لافتة. • فقد أمر، رحمه الله، بطباعة مصحف قطر على نفقته الخاصة، ليظل كتاب الله يُتلى في المساجد والبيوت، فيبقى أجره جاريا بإذن الله ما دامت آياته تُتلى. • وأسهم في تأسيس ودعم الجامعات، والمراكز العلمية، والبحثية، والمنح الدراسية، فكانت تلك المشاريع علما يُنتفع به، ينتقل أثره من جيل إلى جيل، ويشهد له كل طالب علم، وكل باحث، وكل مؤسسة خرجت من رحم تلك الرؤية. • كما ترك أبناءً عرفوا ببرهم بوالدهم، وفي مقدمتهم حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، وإخوانه وأخواته، وأحفاده الكرام، الذين يحملون إرثًا من القيم والعطاء. • أما نحن، أبناء هذا الوطن، فقد عرفناه قائدًا وأبًا ملهما، وسيظل حاضرًا في دعائنا وذاكرتنا..نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجعل ما قدمه لوطنه وأمته في ميزان حسناته. • وإلى صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، نقول: جبر الله كسركم، وربط على قلوبكم، ورزقكم الصبر والسلوان. ان الإيمان بقضاء الله وقدره هو السكينة التي تهدئ القلب، واليقين الذي يمنح الروح القدرة على مواصلة الطريق، وإن بقي الحنين ساكنًا في الوجدان. • لقد رحل سمو الأمير الوالد عن عالمنا جسدًا، لكنه بقي حاضرا في وطن بناه، وفي مؤسسات أسسها، وفي جامعات فتحت أبواب العلم أمام الأجيال، وفي رؤية سياسية ودبلوماسية جعلت من دولة قطر دولة ذات حضور وتأثير ومكانة، وفي إرث سيظل شاهدا على مرحلة صنعت ملامح قطر الحديثة. وربما يرحل الإنسان عن الدنيا، لكن الوطن يظل يروي للأجيال قصة الذين صنعوا نهضته. • آخر جرة قلم: العظماء لا يقاسون بطول أعمارهم، بل بامتداد أثرهم. وقد يرحلون عن الدنيا، لكنهم يبقون في ذاكرة الأوطان بما غرسوه في الإنسان قبل البنيان، وبما تركوه من علم، ومؤسسات، ورؤى، وأعمال لا تزال تنبض بالحياة. رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمة واسعة، وأسكنه الفردوس الأعلى، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء، وألهم أسرته الكريمة وشعبه الصبر والسلوان. وإنا لله وإنا إليه راجعون.

327

| 16 يوليو 2026

الأمير الوالد.. حين يبكي الوطن أباه

•حين يرحل الآباء، لا تبكيهم أسرهم وحدها، بل تبكيهم البيوت التي اعتادت حضورهم، والزوايا التي شهدت مجالسهم، والأوطان التي صنعت معهم حكايتها. •قبل أن يعلن الخبر، كان في القلب شيء لا يشبه سواه. ضيق لا أعرف له سببا، وحزن يتسلل بصمت، وكأن الأرواح تستشعر الفقد قبل أن تدركه العيون. امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بصورة سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وتعالت الدعوات من كل بيت ومن كل قلب، وفي كل صورة ومنشور. يسأل الناس الله أن يمن عليه بالشفاء والعافية. لم تكن تلك الدعوات مجرد كلمات، بل كانت تعبيرا صادقا عن محبة قائد لم يكن بالنسبة لشعبه أميرا فحسب، بل كان أبا حقيقيا لوطن بأكمله. •ولم يكن القلب مخطئا فقد جاء الخبر الذي أثقل قطر كلها وأبكاها. ورحل الأمير الوالد. ورحل معه وجه وفي من وجوه قطر، وذاكرة من ذاكرة الوطن، وقلب ظل حاضرا في وجدان شعبه حتى آخر لحظة. رحل سموه لكنه ترك وراءه وطنا مختلفا، وطنا أصبح اسمه حاضرا في العالم كله، لا بحجم مساحته، بل بحجم رؤيته، ولا بعدد سكانه، بل بما صنعه من أثر وإنجاز. • هناك من يقود دولة، وهناك من يصنع تاريخها. وكان الأمير الوالد واحدا من أولئك الرجال الذين لم يكتفوا بإدارة الحاضر، بل صنعوا المستقبل. لم يكن يؤمن بأن تكون قطر نسخة من غيرها، بل أراد لها أن تكون مختلفة، مستقلة في قرارها، واثقة في نفسها، وصاحبة رسالة، وصاحبة حضور لا يمكن تجاوزه. •آمن بأن الأوطان لا تبنى بالشعارات، وإنما بالرؤية والعمل، وأن الثروة الحقيقية ليست فيما تحت الأرض، وإنما فيما تحمله العقول فوقها. لذلك لم تكن نهضته نهضة عمران فقط، بل نهضة إنسان. •علمنا أن الجرأة في اتخاذ القرار ليست مخاطرة عندما يكون الهدف رفعة الوطن، وأن الدول لا تكبر باتساع أرضها، وإنما باتساع رؤيتها، وبقدرتها على الاستثمار في الإنسان. •ولذلك لم يكن غريبا أن تتحول قطر، خلال سنوات قليلة، إلى اسم حاضر في السياسة، والدبلوماسية، والاقتصاد، والتعليم، والثقافة، والإعلام، والرياضة، والعمل الإنساني. •ومن بين أعظم ما تركه الأمير الوالد للأجيال إيمانه بأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار. لذلك لم تكن مؤسسة قطر، المدينة التعليمية، وجامعة حمد بن خليفة التي حملت اسم قائد آمن بأن العلم هو الطريق إلى المستقبل، وكانت تجسيدا لرؤية آمنت بأن مستقبل الأوطان يبدأ من التعليم، ومن البحث العلمي، ومن العقول القادرة على صناعة المعرفة. •وأشعر اليوم بامتنان كبير لأنني كنت واحدة من أبناء هذا المشروع الوطني. فقد كانت رحلتي العلمية، حتى الحصول على درجة الدكتوراه من جامعة حمد بن خليفة، شاهدا على رؤية فتحت لأبناء قطر أبواب العلم، وأثبتت أن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الذي يبقى أثره جيلا بعد جيل. •وفي الإعلام، لم يكن الأمير الوالد يؤسس قناة فضائية فحسب، بل كان يؤسس مشروعا حضاريا سبق عصره. فجاءت فكرة قناة الجزيرة لتقدم للعالم صوتا عربيا مستقلا، ورواية مختلفة، ومساحة أوسع للحوار والاختلاف، حتى أصبحت واحدة من أكثر المؤسسات الإعلامية تأثيرا في العالم. ولم تكتف الجزيرة بتغيير المشهد الإعلامي العربي، بل جعلت اسم قطر حاضرا كل يوم في بيوت العالم، وفي غرف الأخبار، وفي الجامعات، وفي مراكز الدراسات، ورسخت مكانة الدولة. ولأول مرة، لم يعد العالم يروي أخبار منطقتنا نيابة عنا، بل أصبح يستمع إلى رواية تخرج من قلب المنطقة نفسها. بوصفها قوة ناعمة تؤمن بأن الكلمة الواعية لا تقل أثرا عن القرار الحكيم. •وفي السياسة، اختار الأمير الوالد أن تكون قطر جسرا للحوار، وأن يكون السلام رسالة، وأن تمد يدها لكل من يبحث عن حل أو يقرب وجهات النظر، حتى أصبحت الدوحة عنوانا للدبلوماسية والوساطة، ومقصدا لكل من يؤمن بأن الحوار أقصر الطرق إلى الاستقرار. لم يكن يصنع لقطر مكانا على خريطة العالم، بل كان يصنع لها مكانة في ضمير العالم. •وكانت مواقفه الكبرى تنطلق من إيمانه بأن قوة الدول لا تقاس بما تملكه، بل بما تحمله من مبادئ، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي بقيت حاضرة في وجدانه وفي مواقف دولة قطر. ولذلك لم يكن دعم فلسطين وغزة موقفا موسميا، بل امتدادا لقناعة راسخة بأن الكرامة الإنسانية لا تتجزأ، وأن نصرة المظلوم مسؤولية لا تسقط بتغير الظروف. •وفي الرياضة، لم تكن استضافة كأس العالم قطر 2022 مجرد بطولة عالمية، بل كانت رسالة حضارية قدمت للعالم صورة مشرقة عن قطر والعرب والمسلمين، وأثبتت أن الحلم عندما يقترن بالإرادة يتحول إلى إنجاز يبقى في ذاكرة التاريخ. •ورغم كل هذه الإنجازات، بقي الأمير الوالد إنسانا قريبا من الناس. تشرفت بلقائه أكثر من مرة، في معرض الدوحة الدولي للكتاب، وفي معرض الدوحة للمجوهرات والساعات. وما زلت أتذكر ذلك اليوم في معرض الكتاب حين كنت أحدث نفسي: هل يجد الأمير الوالد وسمو الشيخة موزا بنت ناصر وقتا لزيارة معرض الكتاب؟ ولم تمض ساعات حتى رأيتهما أمامي في إحدى دور النشر. وفي كل لقاء كان يبدأ بالسلام، ويسأل باهتمام، ويستمع بإنصات، ويتحدث بعفوية الأب قبل هيبة القائد. لم تكن تلك اللقاءات بروتوكولا، بل كانت مواقف إنسانية بقيت راسخة في الذاكرة، لأن الهيبة يمنحها المنصب، أما المحبة فلا يصنعها إلا التواضع والصدق. •لقد منح المواطن القطري شعورا بالفخر، وجعل اسم قطر يحمل مكانة واحتراما أينما ذكر. لم يعلمنا أن نفتخر بوطننا لأنه غني، بل لأن له رسالة، وله رؤية، وله قائد آمن بأن المستحيل ليس إلا فكرة لم تجد من يؤمن بها بعد. •واليوم، ونحن نودع سموه، ندرك أن الرجال العظماء لا يرحلون عندما تغيب أجسادهم، بل يبقون في الأثر الذي تركوه، وفي المؤسسات التي أسسوها، وفي الأجيال التي آمنوا بها، وفي كل طالب فتحت له أبواب العلم بفضل رؤية آمنت بأن المعرفة هي الثروة التي لا تنضب. وفي كل باحث يكتب دراسة وبحثا ويخدم الإنسانية، وفي كل إعلامي يحمل رسالة، وفي كل دبلوماسي يسعى إلى السلام، وفي كل إنجاز يرفع اسم قطر بين الأمم. وفي هذا المصاب الجلل، نتقدم بخالص العزاء وصادق المواساة إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، وإلى الأسرة الكريمة، وإلى الشعب القطري الكريم، سائلين الله عز وجل أن يتغمد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يجزيه عن قطر وأهلها خير الجزاء، وأن يحفظ وطننا ويديم عليه نعمة الأمن والاستقرار والعزة. •آخر جرة قلم: ليس كل القادة يتركون وراءهم مناصب، فبعضهم يتركون رؤية، وإنسانا، وأثرا يمتد عبر الأجيال. رحم الله الأمير الوالد، وسيبقى وفاء القطريين له جزءا من وفائهم لوطن أحبوه كما أحبه، ووطن سيظل شاهدا على أن الرجال العظماء لا يرحلون ما دامت أعمالهم تنبض في حياة الناس، وما دام التاريخ يروي للأجيال قصة قائد آمن بقطر فآمنت قطر بحلمه، وإنا لله وانا إليه راجعون.

330

| 14 يوليو 2026

حر قطر... أم مقاهي لندن؟

• في كل صيف، تتكرر الحكاية نفسها؛ وجهات تُقترح، وحقائب تُجهز، وتذاكر تُحجز، وأحاديث لا تنتهي عن لندن وإسطنبول وباريس وسويسرا… وكأن الاستمتاع لا يبدأ إلا بتجهيز الحقائب والعبور من صالة المغادرة. حتى أصبح السفر عند البعض مرادفًا للإجازة، وكأن الوطن يتوقف عن صناعة الفرح مع ارتفاع درجات الحرارة. • لكن، هل سألنا أنفسنا يومًا: هل المشكلة في حرِّ قطر… أم في نظرتنا إلى الصيف؟ فالاستمتاع ليس درجة حرارة، ولا مدينة على الخريطة، ولا تذكرة سفر، بل ثقافة حياة، ونظرة ترى الجمال فيما نملكه قبل أن تبحث عنه في مكان آخر. • وفي قطر، ورغم حرارة الصيف، لم يترك الوطن هذا الفصل موسمًا للركود، بل هيأ له كل أسباب الراحة والاستمتاع؛ من مرافق حديثة، وشواطئ ومنتجعات، ومساحات ثقافية وترفيهية، إلى بنية تحتية متطورة جعلت الحركة أكثر سهولة وجودة. ولذلك، فإن الصيف ليس موسمًا للهروب من الوطن، بقدر ما هو فرصة لاكتشافه من جديد. • ومع بداية الإجازات الصيفية، تتجه كثير من العائلات إلى مدن أوروبية مثل لندن وباريس ومدن في ألمانيا وسويسرا وغيرها، طلبًا للأجواء المعتدلة والاستجمام. غير أن كثيرًا من المسافرين يفاجؤون بموجات حر صيفية قد تكون أكثر إرهاقًا مما توقعوا، ليس بسبب ارتفاع درجات الحرارة وحدها، بل لأن كثيرًا من المباني القديمة، وبعض الشقق السكنية، والمتاجر الصغيرة، وحتى بعض وسائل النقل، لم تُصمم تاريخيًا للاعتماد الواسع على أجهزة التكييف كما هو الحال في دول الخليج، فيتحول الانتقال بين الأماكن إلى رحلة بحث عن مكان بارد أو نسمة هواء. • أما في قطر، فقد أصبح التكييف جزءًا من تفاصيل حياتنا اليومية حتى اعتدناه ولم نعد نستشعر عظمة هذه النعمة. فمن المنزل إلى السيارة، ومن المواقف إلى المجمعات التجارية، ومن المتاحف إلى المكتبات، ومن المطاعم إلى المقاهي، صُممت معظم المرافق لتوفر بيئة مريحة تجعل الحركة ممكنة مهما ارتفعت درجات الحرارة. إنها نعمة لا يشعر الإنسان بقيمتها إلا عندما يغادرها. • ولذلك لم تعد المجمعات التجارية الكبرى، مثل بلاس ڤاندوم، ودوحة فستيفال سيتي، وڤيلاجيو، وقطر مول، ومشيرب قلب الدوحة، مجرد أماكن للتسوق، بل أصبحت وجهات متكاملة للحياة والترفيه؛ تضم المقاهي والمطاعم، ودور السينما، ومدن الألعاب، والفعاليات، والمعارض، والمساحات التي تستوعب جميع أفراد الأسرة، فيقضي الناس ساعات طويلة بين الحركة والراحة دون أن يشعروا بحرارة الصيف أو ملل الإجازة. • ولا يتوقف جمال الصيف عند المرافق المغلقة، فالبحر في قطر له حكايته الخاصة. فشواطئ سيلين، واللؤلؤة، والمنتجعات البحرية، ومنتجع سلوى، وجزيرة بن غنام، وغيرها من الوجهات، تمنح الأسرة فرصة للاسترخاء والاستمتاع بين زرقة البحر وصفاء السماء، حيث تمتزج الأنشطة البحرية بأجواء الراحة والسكينة، مع توافر مختلف الخدمات التي تجعل قضاء يوم كامل تجربة آمنة وممتعة. • وهناك من يختار أن تكون الإجازة داخل البيت، فيكتشف أن أجمل الرحلات قد تبدأ من خلف الباب. فالبيت ليس مكانًا للنوم فقط، بل مساحة تصنع فيها العائلة أجمل ذكرياتها. تعود الكتب المؤجلة إلى الأرفف، وتُفتح دفاتر الكتابة، وتفوح روائح المعجنات والحلويات، ويشارك الأطفال والديهم إعداد الطعام وترتيب المائدة، فتتحول التفاصيل الصغيرة إلى ذكريات لا تُنسى. • ومن أجمل ما تحرص عليه كثير من الأسر إعداد برامج صيفية منزلية للأطفال تجمع بين المتعة والفائدة؛ من الرسم، والقراءة، والأشغال اليدوية، والطهي، والعناية بالنباتات، والمشاركة في ترتيب المنزل، فيتعلم الطفل المسؤولية، ويكتسب مهارات جديدة، ويقضي إجازته في بيئة آمنة مليئة بالمحبة والحوار. • كما تزخر قطر ببرامج ثقافية وتعليمية تثري الإجازة الصيفية؛ فمكتبة قطر الوطنية، ومتاحف مشيرب، ومؤسسة قطر، وغيرها من المؤسسات، تقدم برامج وورش عمل تناسب مختلف الأعمار، لتصبح الإجازة فرصة لتنمية العقل، واكتشاف المواهب، وبناء المعرفة، إلى جانب الترفيه والاستمتاع. • ولا يقتصر الأمر على تنوع الوجهات، بل يمتد إلى التخطيط المتواصل لصناعة تجربة سياحية متجددة. فمن خلال حملة زوروا قطر (Visit Qatar)، وتقويم قطر السنوي للفعاليات، أصبحت الأنشطة الثقافية، والترفيهية، والرياضية، والفنية تُنظم على مدار العام، لتمنح المقيم والزائر خيارات متنوعة تناسب جميع الأعمار والاهتمامات. فالصيف في قطر لم يعد موسمًا ساكنًا، بل أصبح موسمًا حافلًا بالمهرجانات، والمخيمات الصيفية، والورش التعليمية، والعروض العائلية، إلى جانب العروض الفندقية والبرامج السياحية التي تجعل من كل فصل تجربة مختلفة. • وتكمن قيمة هذه المبادرات في أنها لا تروّج لمكان فحسب، بل تصنع تجربة متكاملة تعكس هوية قطر، وتبرز ما وصلت إليه من تطور في قطاع السياحة وجودة الحياة. فمن يتابع تقويم قطر أو منصات «زوروا قطر» يدرك أن لكل أسبوع فعالية، ولكل فصل قصة، وأن هذا الوطن أصبح وجهة سياحية وثقافية تتجدد باستمرار، وتستقبل زوارها ببرامج متنوعة تجعل كل زيارة مختلفة عن سابقتها. • وحتى الصحراء، التي يظن البعض أن الصيف يبعد الناس عنها، أصبحت مع تطور وسائل التبريد والخيام الحديثة وجهة مميزة في ساعات المساء. جلسة بين الكثبان الرملية، وفنجان قهوة، وأحاديث الأصدقاء، وصوت المذياع، وسماء تتلألأ بالنجوم… كلها تفاصيل تجعل من الصحراء مساحة يستعيد فيها الإنسان هدوءه بعيدًا عن صخب المدينة. • ولعل أجمل ما في كل ذلك أننا كثيرًا ما نبحث عن السعادة في مكان بعيد، بينما تكون بين أيدينا دون أن نشعر بها. فالإنسان يعتاد النعمة حتى تصبح جزءًا من يومه، ولا يدرك قيمتها إلا عندما يفقدها أو يقارنها بغيرها. ولذلك، فإن إعادة اكتشاف الوطن ليست رحلة إلى مكان جديد، وإنما رحلة إلى عين ترى ما اعتادت عليه، وقلب يقدّر ما يملكه. • آخر جرة قلم: الاستمتاع لا تحدده مساحة، ولا تصنعه مدينة، ولا يختصره فصل من فصول السنة. إنه ثقافة، وأسلوب حياة، وروح تعرف كيف ترى الجمال فيما حولها. وفي قطر، لا ننعم ببحر وشواطئ وصحراء ومنتجعات ومرافق عالمية فحسب، بل ننعم أيضًا بالأمن، وجودة الحياة، وبنية تحتية متطورة، وتكييف أصبح جزءًا من تفاصيل يومنا حتى نسينا أنه نعمة. ولعل أعظم استثمار تصنعه الدول ليس في بناء الأماكن فحسب، بل في صناعة التجارب والذكريات. وهذا ما نجحت قطر في ترسيخه؛ فكل موسم يحمل فعالياته، وكل زيارة تفتح بابًا لاكتشاف جديد، حتى أصبح الوطن وجهة تتجدد في كل فصل من فصول العام. وما أجمل أن نرى وطننا بعين السائح، وقلب المحب، فنكتشف أن أجمل الإجازات ليست دائمًا تلك التي تبدأ من صالة المغادرة، بل قد تكون تلك التي تبدأ من لحظة امتنان، ومن قرار بأن نستمتع بما وهبنا الله من نعم العائلة والصحبة والأمن والامان في وطننا الغالي قطر.

1323

| 08 يوليو 2026

يقترب.. بحساب..

• لا تمنع الظروف، ولا مشاغل الحياة، ولا المسافات، ولا اختلاف التوقيت والساعات، الإنسان الصادق من أن يسأل، أو يطمئن، أو يعبّر عن شوقه واهتمامه. فالتواصل الحقيقي لا تقيسه المسافات، وإنما تقيسه الرغبة الصادقة في الوصول. وكثيرون يتذرعون بضيق الوقت، وازدحام الأعمال، وكثرة المسؤوليات، بينما الحقيقة أن الإنسان يمنح وقته لما يمنحه قلبه الأولوية. • قيل: "العمر ينتهي، والعمل لا ينتهي"، وهي حكمة تختصر كثيرًا من الحقائق؛ فالأعمال تتوالى، والوظائف تتبدل، والمهام لا تعرف نهاية، وستُنجز يوماً بوجود الإنسان أو بغيابه. أما ما يبقى فهو أثره في القلوب، وطريقته في التعامل، وكلماته، ووفاؤه، وحضوره الإنساني الصادق. تلك الأشياء وحدها هي التي تصنع مكانته، وتترك فراغًا حين يغيب، وشوقًا حين يبتعد. • يؤسف أن كثيرًا من العلاقات أصبحت تُدار بمنطق المصلحة لا بمنطق الإنسانية. فكلما عظمت المنفعة، ازداد الحضور، وكثرت الرسائل، وتتابعت الاتصالات، وامتلأت منصات التواصل بالإعجابات والتعليقات والمجاملات المصنوعة، وكأن إثبات الحضور أصبح وسيلة لحجز موقع في دائرة المصالح. كلمات منمقة، وثناء مبالغ فيه، واهتمام مؤقت ينتهي بانتهاء الحاجة، حتى باتت بعض العلاقات تُرهق صاحبها أكثر مما تمنحه الطمأنينة. • هناك من يطرق بابك كلما احتاج إليك، لا لأنه يحبك، بل لأنه يحب ما تملكه، أو ما تستطيع أن تقدمه له. يقترب بحساب، ويبتعد بحساب، ويقيس قيمة الناس بمقدار ما يحققونه له من منفعة. فإذا انتهت الأسباب، انتهى الحضور، وكأن العلاقة لم تكن يومًا قائمة على معرفة أو مودة. • وفي المقابل، هناك أرواح نادرة لا تبحث عن مقابل، ولا تنتظر منفعة، ولا تزن الناس بميزان المكاسب. تحب الإنسان لذاته، وتطمئن لروحه، وتشتاق إليه لأنه هو، لا لما يملك. هؤلاء يدركون أن أجمل العلاقات هي التي تُبنى على الألفة، والصدق، والراحة، والقدرة على مخاطبة ما وراء الملامح والكلمات. إنهم أولئك الذين يشعرون بصمتك قبل حديثك، ويفهمون غيابك قبل أن تبرره، ويقفون إلى جانبك لأنهم اختاروا الإنسان قبل أي اعتبار آخر. • أصعب العلاقات هي تلك التي تفرض بين القلوب أسوارًا من الغموض، وحدودًا من الحذر، ومسافات من التردد، حتى يصبح الاقتراب مغامرة، والصدق مخاطرة، والتعبير عن المشاعر عبئًا. علاقات تخشى الوضوح، وتغلق نوافذها أمام نور الثقة، فلا يدخلها دفء، ولا تستقر فيها طمأنينة. • لقد خلقنا الله سبحانه وتعالى أرواحًا تتآلف قبل أن تتعارف، وتتلاقى قبل أن تتحدث. وما أصدق قول النبي ﷺ: "الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف." فالفطرة الإنسانية لا تميل إلى العزلة، وإنما إلى الأنس، وإلى المشاركة، وإلى العلاقات التي تمنح القلب سكينة، وتمنح الروح شعورًا بأنها وجدت من يفهمها دون تكلف. وما أجمل أن تبقى العلاقات الإنسانية قائمة على الصدق والشفافية والوفاء، بعيدًا عن الحسابات الضيقة والمصالح العابرة. • نعيش اليوم في زمن تتسارع فيه الحياة، وتزدحم فيه الأيام، وتعلو فيه لغة المادة على لغة المشاعر. أصبح النجاح يُقاس بما نملك، لا بما نحمله في قلوبنا، وأصبح البعض يتعامل مع العلاقات وكأنها استثمار مؤقت، يبدأ حين تتحقق المصلحة، وينتهي بانتهائها. ولذلك لم يعد مستغربًا أن يكتشف الإنسان بعد سنوات أن بعض المشاعر التي ظنها صادقة لم تكن إلا جسرًا يعبر عليه الآخرون إلى غاياتهم. • ومع ذلك، يبقى الخير حاضرًا، وتبقى الأرواح الوفية موجودة، وإن كانت قليلة. أشخاص لا ينسون المعروف، ولا يغيب عن ذاكرتهم موقف نبيل، أو كلمة صادقة، أو يد امتدت يومًا بالعون. يختزنون الوجوه في قلوبهم قبل ذاكرتهم، ويؤمنون أن الامتنان خلق، وأن الوفاء ليس ردًا للجميل فحسب، بل أسلوب حياة، وسمو أخلاق، ونقاء ضمير. •آخر جرة قلم: أن تكون وفيًا في زمن أصبحت فيه المصالح أسرع من المشاعر، والظروف حجة، والانشغال عذرًا دائمًا… فذلك يعني أنك تحمل خُلُقًا نادرًا. تمسّك بكل روح صادقة مرّت في حياتك، وبكل إنسان أحبك دون غاية، وسأل عنك دون مناسبة، وفرح لنجاحك دون أن ينافسك، وحزن لألمك دون أن ينتظر منك شيئًا. فالوفاء لا يُقاس بكثرة اللقاءات، ولا بطول سنوات المعرفة، بل بثبات القلوب حين تتغير الظروف، وبحضورها حين يغيب الجميع. وما أجمل أن نترك في هذه الحياة أثرًا لا تصنعه الأموال، ولا المناصب، ولا المصالح… بل تصنعه قلوب عرفت كيف تكون وفية، وكيف تحفظ الود، وكيف تبقى إنسانًا، مهما تغيّر الزمان.

519

| 01 يوليو 2026

ويبقى تدبير الله..

•يظن بعض البشر أنهم أحاطوا بكل شيء علمًا، وأنهم الأقدر على قراءة الأحداث وتفسير المواقف وفهم النفوس. يظنون أن قراراتهم لا تخطئ، وأن خططهم تسير كما رسموا لها، وأن ما يخفونه عن الناس لن يطلع عليه أحد. لكنهم يغفلون عن حقيقة كبرى؛ أن فوق كل ذي علم عليم، وأن في هذا الكون خبيرًا لا تخفى عليه خافية، يعلم السر وأخفى، ويرى ما لا يراه البشر، ويعلم ما يضمرونه وما يعلنونه. •فهو سبحانه الخبير الذي أحاط علمه بكل شيء، لا تتحرك ذرة في الأرض ولا في السماء إلا بعلمه، ولا يهدأ قلب أو يضطرب، ولا تُفتح أبواب أو تُغلق، إلا وهو سبحانه يعلم أسبابها ومآلاتها. يعلم عدد النجوم في السماء، وحبات الرمال في الأرض، ويعلم ما تخفيه الصدور من خواطر وأمنيات وآلام وأحلام. •ومن الناس من يظن أن الخلوات تستره، وأن الجدران تحجبه، وأن الأبواب المغلقة والحراس وأجهزة المراقبة كفيلة بإخفاء أفعاله عن الأنظار. لكنه ينسى أن الله سبحانه هو السميع البصير، العليم الخبير، الذي لا يغيب عنه شيء، ولا يخفى عليه عمل أو نية أو تدبير. •ومنهم من يحمل في قلبه ظنونًا أو نوايا أو مكرًا، ويعتقد أن أحدًا لا يعلم بها. وينسى أن الله تعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وأنه سبحانه مطلع على السرائر قبل الظواهر، وعلى المقاصد قبل الأفعال. •وهو سبحانه الخبير الحكيم الذي يدبر الأمور بعلمه وحكمته، فيغلق أبوابًا رحمةً، ويفتح أخرى لطفًا، ويصرف عن عباده ما لا يعلمون شره، ويهيئ لهم من الخير ما لم يكن في حسبانهم. فإذا ضاقت السبل، وتعطلت الأسباب، وظن الإنسان أن الأمر انتهى، جاء لطف الله من حيث لا يحتسب. •وهو اللطيف الخبير الذي يجبر القلوب إذا انكسرت، ويواسي النفوس إذا أثقلتها الهموم، ويمنح عباده السكينة وسط العواصف، والأمل وسط الحيرة، والنور وسط الظلمات. فما لجأ إليه عبد صادقًا إلا كفاه، وما تعلق به قلب مؤمن إلا أراحه وطمأنه. •آخر جرة قلم: حين نتأمل أسماء الله الحسنى، ونعيش مع معانيها، ندرك أن الطمأنينة ليست في كثرة الأسباب، بل في الثقة برب الأسباب. وندرك أن ما غاب عنا لم يغب عن الله، وأن ما خفي علينا فهو عنده معلوم، وأن تدبيره سبحانه أرحم بنا من تدبيرنا لأنفسنا. فمهما تأخر الفرج، أو غابت الإجابات، أو استعصى الفهم، يكفينا يقينًا أن الله اللطيف الخبير يعلم ما لا نعلم، ويدبر ما لا ندرك، ويختار لعباده ما فيه الخير والصلاح. ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. اللهم اجعل كل غائبٍ عن أعيننا خيرًا، وكل مجهولٍ في مستقبلنا بشرى، وكل أمرٍ أقلق قلوبنا بابًا إلى رحمتك ولطفك، فأنت اللطيف الخبير.

315

| 24 يونيو 2026

الهوية التي انتصرت مع المونديال

•انطلقت كأس العالم 2026 بتنظيم ثلاثي بين الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، وسط أجواء صيفية وحماسية، لتنطلق معها المنافسات والتوقعات والترشيحات، وتعود معها أيضًا المقارنات بين النسخة الحالية ونسخة كأس العالم قطر 2022 التي ستبقى حاضرة في الذاكرة الرياضية العالمية لسنوات طويلة. •فمنذ فوز قطر بحق استضافة كأس العالم عام 2010، لم تتوقف الانتقادات التي طالت الملف القطري على مدى اثني عشر عامًا. تنوعت تلك الانتقادات بين قضايا العمال وحقوق الإنسان والاستدامة والمناخ والتكاليف المالية، ووصلت أحيانًا إلى اتهامات بالفساد والرشاوى وغيرها من الادعاءات التي ابتعد كثير منها عن جوهر الحدث الرياضي نفسه. بل إن بعض تلك الانتقادات تجاوزت كرة القدم إلى محاولة التشكيك في ثقافة المجتمع وقيمه وعاداته وتقاليده، وكأن البطولة كانت اختبارًا لهوية دولة بأكملها أكثر من كونها منافسة رياضية عالمية. •لكن الأيام وحدها كانت كفيلة بالإجابة. فقد كتب التاريخ شهادته وسجلت الجماهير والإعلام والوفود الرياضية أن قطر قدمت واحدة من أنجح نسخ كأس العالم على الإطلاق؛ بطولة آمنة وعائلية، خالية إلى حد كبير من مظاهر العنف والشغب، قريبة المسافات، سهلة التنقل، متقدمة تنظيميًا وتقنيًا، واستثنائية في قدرتها على الجمع بين الحداثة والأصالة. •ولم يكن النجاح مقتصرًا على التنظيم والبنية التحتية فقط، بل تجلى أيضًا في قدرة قطر على تقديم هويتها الوطنية والثقافية للعالم بثقة واعتزاز. فقد كانت الثقافة العربية والإسلامية والقطرية حاضرة في الشعارات والتصاميم والهدايا والملاعب والفعاليات المصاحبة، لتتحول البطولة إلى نافذة حضارية تعرّف الملايين بثقافة المنطقة وقيمها وموروثها. •كما أثبتت التجربة أن المحافظة على الهوية لا تتعارض مع العالمية، بل قد تكون أحد أهم أسباب النجاح والتميز. فالجماهير التي زارت قطر لم تتذكر الملاعب الحديثة فقط، بل تذكرت كرم الضيافة، والأمن والاستقرار، وروح الأسرة، والأخلاق الرفيعة التي تعامل بها المجتمع القطري مع ضيوفه. وتلك هي القوة الناعمة الحقيقية التي لا تُشترى بالأموال ولا تُفرض بالإعلانات، بل تُبنى بالقيم والسلوك والممارسات اليومية. •وعلى الرغم من كل ما أثير حول الملاعب والمنشآت، أثبتت السنوات أن ملاعب كأس العالم في قطر لم تتحول إلى ما يعرف بـ«الفيل الأبيض»، وهو المصطلح الذي يطلق على المنشآت الضخمة مرتفعة الكلفة قليلة الاستخدام بعد انتهاء الأحداث الرياضية الكبرى. بل واصلت هذه الملاعب أداء أدوارها الرياضية والمجتمعية واستضافة البطولات والفعاليات المختلفة، لتؤكد أن التخطيط طويل المدى كان جزءًا من نجاح التجربة القطرية. •وكان الزي الوطني أحد أبرز مظاهر الحضور الثقافي خلال البطولة. فالزي الوطني للرجل القطري عكس الهوية الوطنية والموروث الثقافي الأصيل، كما عكست الأخلاق والشهامة والكرم وحسن الضيافة الصورة الحقيقية للمجتمع القطري. ولم تكن هذه القيم مجرد شعارات ترفع، بل ممارسات يومية لمسها الزوار والجماهير من مختلف دول العالم. •أما المرأة، فهي جزء أصيل من هذه الهوية الوطنية. فتمثيل الهوية لا يقتصر على المؤسسات الرسمية أو الفعاليات الثقافية، بل يبدأ من الفرد نفسه. وهنا يبرز التساؤل: هل يكون التعريف بالزي الوطني النسائي من خلال عروض ثقافية وصور ترويجية فقط؟ أم أن الصورة الأصدق هي تلك التي تقدمها المرأة بنفسها حين تعتز بحجابها وعباءتها وموروثها الثقافي بصورة راقية ومتزنة؟ •لقد عرفت المرأة القطرية والخليجية عبر تاريخها بملابسها المحتشمة التي تعكس قيم الحياء والوقار والستر، بدءًا من «البطولة» التي اشتهرت بها الأمهات والجدات، وصولًا إلى العباءة التي ظلت رمزًا للهوية والثقافة المحلية. ورغم التحولات الاجتماعية وتأثيرات الموضة العالمية، يبقى الحفاظ على جوهر هذه الهوية الثقافية مسؤولية مجتمعية تتجاوز المظهر الخارجي إلى ما تحمله من قيم ومعانٍ وانتماء. •وعندما نشاهد نساء من دول آسيوية وإفريقية وأوروبية يعتززن بارتداء أزيائهن الوطنية في المناسبات الدولية، ندرك أن الاعتزاز بالهوية ليس تراجعًا أو انغلاقًا، بل هو تعبير عن الثقة بالنفس واحترام الجذور والانتماء. ولذلك فإن المرأة التي تتمسك بقيمها وهويتها وثقافتها تقدم صورة مشرقة عن وطنها تمامًا كما يفعل الرياضي أو الدبلوماسي أو المسؤول الرسمي. •ولعل من أهم الدروس التي قدمها مونديال قطر 2022 أن نجاح الدول لا يُقاس فقط بحجم المنشآت أو عدد الزوار، بل بقدرتها على تقديم ذاتها للعالم بوضوح وثقة. فقد استطاعت قطر أن تقدم نموذجًا يجمع بين الأصالة والانفتاح، وبين التمسك بالقيم والتفاعل مع العالم، وبين الحداثة واحترام الموروث. •آخر جرة قلم: وبعد مرور السنوات، لم يعد السؤال: هل نجحت قطر في تنظيم كأس العالم؟ فالإجابة حسمها التاريخ. وإنما السؤال الأهم: كيف استطاعت دولة صغيرة في مساحتها أن تترك أثرًا كبيرًا في ذاكرة العالم؟ والجواب ببساطة أنها لم تقدم بطولة لكرة القدم فحسب، بل قدمت نموذجًا حضاريًا لدولة واثقة من هويتها، معتزة بثقافتها، مؤمنة بأن الأخلاق والقيم والموروث الوطني ليست عبئًا على التقدم، بل أحد أهم مصادر القوة والتميز والحضور في عالم تتنافس فيه الأمم على ترك بصمتها الخاصة.

342

| 17 يونيو 2026

الحج بين روح العبادة وضجيج المظاهر!

• انقضى موسم الحج لهذا العام، ونجحت المملكة العربية السعودية في إدارة واحد من أكبر التجمعات البشرية في العالم بكفاءة واقتدار، بعد أن سخَّرَت إمكاناتها البشرية والمادية والتقنية لخدمة ضيوف الرحمن. وقد تكاملت الجهود الأمنية والصحية والتنظيمية والخدمية لتوفير بيئة آمنة وميسرة للحجاج، بما مكَّنهم من أداء مناسكهم في أجواء من الطمأنينة والسكينة. • وشهد موسم الحج هذا العام نجاحًا لافتًا في إدارة الحشود، حيث أسهم الالتزام بنظام التصاريح في تنظيم أعداد الحجاج والعاملين والسائقين داخل نطاق المشاعر المقدسة، الأمر الذي انعكس على انسيابية الحركة والتنقل وسهولة الوصول إلى المواقع المختلفة. وقد بلغ عدد الحجاج هذا العام 1,717,301 حاج وحاجة، وهو ما أتاح مستوى أعلى من التنظيم والمرونة في تقديم الخدمات وإدارة الحشود مقارنة بمواسم سابقة. • نجحت المملكة العربية السعودية في تطبيق المعايير الإدارية والتنظيمية والشرعية خلال أداء المناسك، فالحج ليس رحلة ترفيهية أو برنامجًا اجتماعيًا عائليًا، وإنما عبادة عظيمة وركن من أركان الإسلام يحتاج إلى إدارة مهنية وخبرة ميدانية وقدرة على توجيه الحجاج ومتابعتهم في مختلف المشاعر. ومن المهم أن استجابة الحملات لمتطلبات واضحة تتعلق بالكفاءة الإدارية، وخطط الأمن والسلامة، والتأهيل الشرعي للمشرفين، وآليات متابعة الحجاج وتوعيتهم بالمناسك وأوقاتها وأحكامها. كما أن زيادة عدد الحملات لا ينبغي أن تكون هدفًا بحد ذاته ما لم تقترن بمعايير جودة ورقابة فاعلة تضمن قدرتها على أداء رسالتها. فنجاح الحملة لا يقاس بمستوى الرفاهية أو الخدمات الإضافية التي تقدمها فحسب، بل بمدى قدرتها على تمكين الحاج من أداء نسكه على الوجه الصحيح وفق السنة النبوية، وتحقيق الطمأنينة والتنظيم والسلامة طوال رحلة الحج. • كما أن نجاح حملات الحج لا يقاس فقط بجودة السكن أو وسائل النقل أو الوجبات المقدمة، بل يقاس أيضًا بمدى اهتمامها بالجانب الشرعي والتوعوي للحجاج. فالحج عبادة عظيمة تقوم على الاتباع والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هنا تبرز أهمية التذكير المستمر بسنة النبي في أداء المناسك، وشرح الأحكام الشرعية للحجاج بأسلوب مبسط وواضح، والحرص على توحيد التوجيهات الشرعية قدر الإمكان. • ومع التوسع في بعض الآراء الفقهية المعاصرة التي تستند إلى التيسير ورفع الحرج، يبقى من المهم التأكيد على أن التيسير الشرعي لا يعني التوسع في الأخذ بالرخص دون حاجة أو عذر معتبر. فالأصل أن يؤدي المسلم نسكه وفق هدي النبي صلى الله عليه وسلم ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وأن يتعلم مناسكه قبل الحج وأثناءه، مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني مناسككم». • وعاد حجاج بيت الله الحرام إلى أوطانهم وأهليهم سالمين غانمين، يحملون معهم ذكريات لا تنسى ومواقف إيمانية تبقى راسخة في الوجدان. ومع عودتهم تبدأ مظاهر الفرح والتهنئة التي اعتادت عليها المجتمعات الإسلامية، فمنهم من يستقبل الحاج بالزينة، ومنهم من يقيم مأدبة للأهل والأصدقاء، ومنهم من يجتمع للسلام عليه وتهنئته بأداء الركن الخامس من أركان الإسلام. • ولا شك أن هذه المظاهر تحمل معاني المحبة والتقدير، لكنها في بعض الأحيان تتحول إلى نوع من التنافس والمبالغة التي تطغى على روح الحج ومعانيه. فجوهر الحج ليس في حجم الاستقبال ولا في عدد المهنئين، بل فيما عاد به الحاج من إيمان وخشوع وتوبة ومراجعة للنفس. • ومن أجمل ما في عودة الحاج جلساته مع الأهل والأصدقاء وهو يروي لهم مواقفه في عرفات ومزدلفة ومنى والطواف والسعي، فتنتقل إليهم مشاعر الإيمان والسكينة، ويتذكر الجميع أن الحج ليس مجرد رحلة، بل محطة تربوية وروحية عظيمة تذكر الإنسان بالآخرة والوقوف بين يدي الله تعالى. • وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ثم يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده». وهو دعاء عظيم يحمل معاني الشكر والعودة إلى الله بعد إتمام النسك. • آخر جرة قلم: ألقى الله سبحانه وتعالى محبة الحج في قلوب المسلمين جميعًا، ولذلك يظل الشوق إليه حيًا مهما بلغت المشقة وطالت سنوات الانتظار. والحج ليس موسمًا للصور ولا للمظاهر ولا لصناعة المحتوى، بل موسم للتوبة والإنابة والتجرد لله سبحانه وتعالى. وما أحوجنا أن نحافظ على روح هذه الفريضة العظيمة، وأن نغرس معانيها في الأجيال القادمة، وأن يكون حديثنا عن الحج حديث عبادة واقتداء وعبرة، لا حديث مظاهر ومنافسة. فالحج المبرور ليس رحلة تنتهي بالعودة إلى الوطن، بل بداية جديدة مع الله. تقبَّل الله من الحجاج حجهم، وأعظم أجورهم، وأخلف عليهم نفقاتهم، وجعل حجهم مبرورًا وسعيهم مشكورًا وذنبهم مغفورًا بإذن الله.

1617

| 03 يونيو 2026

بين ضجيج التدشين وصمت القراء

• يفترض أن يكون معرض الكتاب مساحة للمعرفة، ومنصة للفكر، وملتقى للقراء والكتّاب والباحثين، لا مجرد فعالية مزدحمة بالصور والتدشينات والمنتجات الجانبية. فمعرض الكتاب، في جوهره، ليس سوقًا عابرًا، بل مناسبة ثقافية تحمل رسالة أعمق من البيع والشراء، وتستحق أن يكون الكتاب فيها هو بطل المشهد لا هامشه. • لكن ما نراه اليوم يثير كثيرًا من التساؤل. فقد أصبح الزائر أحيانًا يشعر أنه يتجول في سوق متنوع، يسمع عبارات مثل: “تفضلي… اشتري… جربي ما تقرين روايات …” وكأن الكتاب عطر نستنشقه أثناء المرور، أو قطعة شوكولاتة نتذوقها، أو عباية نجربها ثم نغادر. • والكتاب الحقيقي أكبر من ذلك بكثير؛ فهو فكر وتجربة وذاكرة إنسانية، وخلاصة عمر يضعه الكاتب بين دفتي كتاب ليصل إلى عقل القارئ وروحه. • ومن المؤسف أن بعض المساحات الكبيرة داخل المعرض، خصوصًا التابعة للجهات المنظمة، لم تعد تركز فقط على الكتاب والثقافة، بل تحولت في أجزاء منها إلى عرض للهدايا والمجوهرات والشموع والحقائب وغيرها من المنتجات التجارية. ومع احترام جميع المشاريع، يبقى السؤال: هل هذه هي هوية معرض الكتاب؟ وكيف تحتل هذه الأنشطة مواقع بارزة، بينما تُحشر دور النشر العربية المعروفة، ودور الفكر والثقافة، في زوايا بعيدة وعلى أطراف القاعات؟ • الأصل أن تكون دور النشر الجادة في الواجهة، وأن يكون الكتاب في قلب المعرض لا على هامشه. أما أن تصبح المساحات الأبرز لمنتجات بعيدة عن جوهر الكتاب، فهذا يضعف الرسالة الثقافية للمعرض، ويحوّله تدريجيًا من معرض كتاب إلى فعالية تجارية واسعة يتوارى فيها الكتاب خلف الزينة والمنتجات والصور. • كما أن الازدحام الشديد أمام بعض دور النشر لا يعكس دائمًا قيمة ما يُعرض، بل يكشف أحيانًا عن سوء في التنظيم، خاصة عند تدشين عدد كبير من الكتب في الوقت نفسه، وتقطيع الكيك والاحتفال والتصوير.. بما يصنع فوضى وضجيجًا لا يليق بمقام الكتاب. فبدل أن يجد القارئ حوارًا هادئًا مع الكاتب، أو تعريفًا حقيقيًا بتجربته ومشروعه، يجد نفسه وسط أصوات متداخلة وازدحام لا يمنح الكتاب حقه ولا القارئ تجربته. • والمؤلم أكثر أن صفة “كاتب” أو “مؤلف” أصبحت تمنح بسهولة شديدة. وليس المقصود هنا التقليل من أي تجربة أو محاربة حماس الشباب والشابات للكتابة والنشر، فكل تجربة تستحق الاحترام والتشجيع، لكن الكتابة الحقيقية تبقى أعمق من مجرد إصدار كتاب أو إقامة حفل تدشين. فالكتابة مسؤولية معرفية وثقافية، تحتاج إلى قراءة طويلة، وصبر، وتراكم فكري وتجربة حقيقية. • فالكاتب الحقيقي لا يكتب بحثًا عن شهرة أو حضور أو ازدحام حول طاولة توقيع، بل يكتب عن تجربة وخبرة وموهبة وثقافة وعلم. والكتاب الحقيقي هو الذي يترك أثرًا خالدًا، يدرس ويتعلم منه، ويثري الروح، ويضيف للعقل، وينقل خبرات عمر وحياة من الكاتب إلى القارئ. • ولهذا ليست كل الروايات متشابهة. فهناك روايات تقرأ كما تؤكل الوجبات السريعة؛ سريعة وعابرة وتنسى فور الانتهاء منها، وهناك روايات عالمية خالدة نعود إليها مرة ومرتين وثلاثًا، لأنها تحمل فكرًا وتاريخًا وحوارًا وقيمًا وتجربة إنسانية عميقة. • كم أتمنى أن يكون في معرض الكتاب لقاء منظم لكل الكتّاب والمؤلفين الذين يعرضون كتبهم ويدشنونها، في مكان محدد يليق بهم وبالكتاب، يتم فيه التعريف بسيرهم الذاتية وخلفياتهم الأدبية والعلمية، حتى يعرف القارئ من هو الكاتب، وما تجربته، وما القيمة التي يضيفها كتابه. فالمعرض ليس مجرد طاولة توقيع، بل فرصة لبناء علاقة معرفية بين الكاتب والقارئ. • ومن المهم أيضًا أن يحظى الكاتب القطري الجاد، سواء كان كاتب مقالات أو صاحب مؤلفات وإصدارات متعددة، بما يليق بتجربته ومكانته، لأن دعم الكاتب الوطني جزء من بناء الهوية الثقافية. ودولة مثل قطر، التي تحرص على التعليم والبحث العلمي وبناء الإنسان، تستحق معرض كتاب يعكس هذه الرؤية، ويمنح الكتاب الجاد والكاتب الحقيقي المكانة التي يستحقانها. • ورغم الجهود الواضحة التي تقوم بها وزارة الثقافة في التنظيم والترتيب، وهي جهود تستحق الشكر والتقدير، إلا أن نجاح أي معرض كتاب لا يقاس فقط بحجم الفعاليات أو عدد الزوار، بل بمكانة الكتاب نفسه، وبمدى احترامه وإعطائه المساحة التي يستحقها. • ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في فلسفة معرض الكتاب، من خلال تشكيل لجنة ثقافية تضم مسؤولين ومثقفين وكتّابًا وباحثين قطريين، لإعادة الاعتبار للكتاب الجاد، وتنظيم التدشينات بصورة أكثر احترامًا، ومنح دور النشر العربية والمعروفة مواقع تليق بها، وتقليل حضور المنتجات التجارية التي لا تنتمي مباشرة إلى هوية المعرض. • فالكتاب ليس زينة لمعرض، ولا خلفية لصور التدشين، ولا منتجًا عابرًا وسط الزحام. الكتاب مشروع وعي وبناء حضاري، ومن حقه أن يعود إلى صدارة المشهد، لأن الأمم لا تبنى بالهبات المؤقتة، بل تبنى بالفكر والقراءة والمعرفة. • جرة قلم: أصبحنا في زمن يغلب فيه عدد المؤلفين عدد القرّاء، وأصبحت تدشينات الكتب بالجملة مشهدًا متكررًا في كل معرض. شيء جميل أن تمتلئ الأرفف بالإصدارات، وأن يتحمس الشباب والشابات للكتابة والنشر، لكن السؤال الأهم: كم واحدًا منهم يقرأ فعلًا؟ كم واحدًا يجلس مع كتاب، يضع خطًا تحت فكرة، ويدون ملاحظة، ويقتبس معنى؟ كم واحدًا يتحاور ويناقش بأسلوب أدبي وعلمي وثقافي؟ كم واحدًا عاش مع الكتب طويلًا قبل أن يقرر أن يصبح “كاتبًا”؟ فالكاتب الحقيقي لا تصنعه حفلات التدشين، ولا الصور، ولا الازدحام حول طاولة التوقيع. الكاتب الحقيقي تصنعه القراءة، والتجربة، والثقافة، والوعي، والأثر الذي يبقى في عقل القارئ وروحه حتى بعد سنوات من إغلاق الكتاب.

462

| 21 مايو 2026

الكاتب القطري.. من يدعمه؟

* اليوم تفتتح دولة قطر معرض الدوحة الدولي للكتاب، ذلك الحدث الثقافي الذي يمثل مساحة للمعرفة والفكر والحوار، وفرصة حقيقية للاحتفاء بالمؤلف والكتاب والقارئ معًا. * غير أن الحديث عن معارض الكتب لا ينبغي أن يقتصر على مشهد الافتتاح والأجنحة والفعاليات، بل يجب أن يمتد إلى مناقشة واقع النشر والتسويق والتقدير الحقيقي للمحتوى العلمي والفكري، خاصة للمؤلف القطري. * للأسف، يواجه عدد من الكتّاب والمؤلفين القطريين تحديات حقيقية عند اتخاذ قرار طباعة كتبهم على نفقتهم الخاصة عبر دور نشر معروفة، إذ يفاجأ الكاتب بعد دفع مبالغ كبيرة بضعف التسويق، وغياب الاهتمام الجاد بإيصال الكتاب إلى القارئ، وكأن دور النشر اكتفت بعملية الطباعة فقط، دون أن تؤدي رسالتها الثقافية والمعرفية الكاملة. وتتضاعف المرارة عندما يكون الكتاب علميًا أو بحثيًا أو قائمًا على جهد أكاديمي وتوثيق ومراجع ودراسات، في وقت تحظى فيه بعض الكتب التجارية الخفيفة أو تلك التي تعتمد على صفحات قليلة وكلمات محدودة بحضور وتسويق أكبر فقط لأنها تحقق رواجًا أسرع. * بينما الكاتب الجاد يحرص على أن تكون كتبه مراجع علمية ومعرفية تخدم الباحثين والطلاب والمكتبات، لا مجرد كتب تُقرأ في استراحة عابرة أو تعتمد على سطرين في كل صفحة ليبدو حجم الكتاب أكبر. * فالكاتب الحقيقي لا يكتب بحثًا عن صورة أو ظهور عابر، بل يكتب لأنه يحمل فكرة، ورسالة، وتجربة علمية أو إنسانية يريد أن يتركها للأجيال القادمة. * وحين يقضي الباحث سنوات من عمره بين الدراسات والمراجع والتحليل والتوثيق، ثم يتحمل تكاليف الطباعة والنشر بنفسه، فمن حقه أن يجد تقديرًا حقيقيًا لجهده، لا أن يتحول الكتاب إلى مجرد نسخ مركونة في المستودعات أو الأرفف دون تسويق أو عرض أو وصول فعلي للقارئ. * كما أن من المؤلم أن بعض دور النشر باتت تتعامل مع المؤلف باعتباره ممولًا فقط، لا شريكًا ثقافيًا ومعرفيًا، في حين أن الدور الحقيقي لأي دار نشر محترمة يجب أن يشمل التقييم المهني للمحتوى، والتحرير الجيد، والتوزيع، والتسويق، والمشاركة الفاعلة في إبراز الكتاب داخل المعارض وخارجها، خاصة مع تطور أدوات التسويق الرقمي والمنصات الإلكترونية. * ولا يمكن الحديث عن نهضة ثقافية حقيقية دون دعم جاد للكتاب العلمي والبحثي، لأنه يمثل ذاكرة الوطن المعرفية، ويوثق تجاربه وقضاياه ورؤاه. * فالأمم لا تبنى فقط بالمشاريع العمرانية، بل أيضًا بما تنتجه من فكر وعلم ومعرفة. ومن هنا، فإن معرض الكتاب يمثل فرصة مهمة لإعادة طرح الأسئلة الجوهرية: كيف ندعم الكاتب القطري؟ وكيف نمنح الكتاب العلمي حضوره المستحق؟ وكيف تتحول دور النشر من مجرد مطابع إلى مؤسسات ثقافية فاعلة؟ وكيف نصنع قارئًا يقدّر قيمة المحتوى العميق لا مجرد الشكل أو الشهرة؟ * كما أن دعم الكتاب لا ينبغي أن يكون موسميًا مرتبطًا بأيام المعرض فقط، بل من خلال سياسات ثقافية مستدامة، تشمل دعم شراء الكتب القطرية للمكتبات، وتشجيع الجامعات والمؤسسات التعليمية على تبني المؤلفات الوطنية كمراجع أكاديمية، وإيجاد منصات حقيقية للتعريف بالإصدارات العلمية الجديدة، إضافة إلى توفير برامج احترافية للتسويق والتوزيع داخل قطر وخارجها. * فالعديد من الكتب القطرية الجادة تحمل قيمة علمية كبيرة، لكنها لا تصل إلى القارئ العربي كما يجب، بسبب ضعف التوزيع أو محدودية الترويج، رغم أن بعضها يناقش قضايا تمس التنمية والاستدامة والاقتصاد والهوية والثقافة والسياسات العامة، وهي موضوعات تحتاجها المكتبة العربية بشدة. * كما أن الكاتب القطري اليوم لا يبحث فقط عن بيع كتاب، بل يبحث عن بيئة ثقافية تقدّر المعرفة، وتحترم الجهد الفكري، وتمنح المؤلف شعورًا بأن سنوات البحث والكتابة والتوثيق لم تذهب هباءً. * فالكتاب العلمي تحديدًا يحتاج إلى صبر وجهد وتكاليف، وقد لا يكون الأكثر مبيعًا، لكنه بلا شك من أكثر الكتب أثرًا على المدى البعيد. * وفي المقابل، لا بد أيضًا من تعزيز ثقافة القراءة الواعية، وتشجيع القارئ على الاقتراب من الكتب العميقة والرصينة، وعدم اختزال قيمة الكتاب في حجمه أو شهرته أو سهولة محتواه. * آخر جرة قلم: المعرفة الحقيقية تحتاج إلى تأمل وقراءة وتفاعل، وهي التي تصنع العقول وتبني المجتمعات. ومع افتتاح معرض الدوحة الدولي للكتاب، تبقى الآمال كبيرة بأن يكون المعرض منصة لدعم الفكر الحقيقي، وفرصة لإعادة الاعتبار للكتاب العلمي والثقافي، وللمؤلف الجاد الذي يكتب من أجل المعرفة لا الضجيج، ومن أجل الأثر لا الاستعراض. إن الاستثمار الحقيقي في الثقافة يبدأ من احترام الكاتب، وتقدير المعرفة، والإيمان بأن الكتاب الجاد ليس مشروعًا تجاريًا سريع الربح، بل مشروع وعي وبناء وطن وإنسان.

522

| 14 مايو 2026

كلمات سمو الشيخة موزا وفرحة التخرج

•جاء شهر مايو حاملاً فرحة التخرج، مع احتفالات الجامعات في دولة قطر، وفي مقدمتها حفل تخريج مؤسسة قطر لعام 2026، الذي أُقيم بتشريف صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، رئيس مجلس إدارة مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، وحضور سعادة الشيخة هند بنت حمد آل ثاني، احتفاءً بخريجين وخريجات يحملون رسالة العلم ومسؤولية خدمة الوطن. •أن نكون ضمن الخريجين نعمة عظيمة، ولحظة تختلط فيها مشاعر الفخر والامتنان بعد سنوات من الدراسة والتحديات والعمل الجاد. ففي تلك اللحظات نستعيد تفاصيل الرحلة؛ من قاعات المحاضرات، إلى النقاشات الفكرية العميقة، ومراكز البحوث، وأروقة المكتبات، وصولاً إلى مسجد المنارتين حيث كانت الدعوات ترافق أحلامنا وطموحاتنا. •ولأنني أنتمي إلى جامعة حمد بن خليفة، فإنها بالنسبة لنا ليست مجرد مؤسسة أكاديمية، بل مشروع حضاري يعكس رؤية دولة قطر في بناء الإنسان والاستثمار في المعرفة، ضمن مسيرة وطنية امتدت من عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، واستمرت في ظل قيادة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، لترسخ قطر نموذجاً عالمياً في التعليم والتنمية البشرية. •لقد أثمرت هذه الرؤية في إعداد أجيال مؤهلة بالعلم والفكر والبحث، قادرة على الإسهام في بناء الوطن وخدمة الإنسانية، في عالم يواجه تحديات سياسية وإنسانية متسارعة. •تبقى دائما رؤية وكلمات صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر للخريجين حافزا وداعما ووسام يظل محفورا في ذاكرتنا ، حين أكدت في حفل 2025 أن التخرج ليس نهاية رحلة العلم، بل بداية شغف مستمر بالمعرفة، وارتقاء بالعقل والروح. •آخر جرة قلم: التخرج ليس شهادة تُعلّق على الجدران، بل مسؤولية ورسالة. فالأوطان لا تُبنى إلا بالعلم، ولا تتقدم إلا بعقول تؤمن بأن المعرفة قوة، وأن خدمة الإنسان والوطن هي أسمى الغايات. خالص التهنئة لكل خريج وخريجة، ولأسرهم الكريمة، مع الأمنيات بمستقبل مشرق لوطننا الحبيب قطر. وهذه الأعداد المتميزة من الخريجين والخريجات ينتظرون القيادات التي تحتضنهم بعدل وأمانة وحسن توجيه لخدمة الوطن ورفعته..

510

| 07 مايو 2026

لحظة غضب.. ودفاتر لا تغلق!

•الإنسان ليس جسدا يمضي في الحياة فحسب، بل هو حصيلة مشاعر وتجارب وذكريات، تتراكم في أعماقه عبر السنين، وتصقل روحه بما يمر به من فرح وحزن، قرب وغياب، رضا وعتب. ومن هذه التجارب تتكون حساسيته تجاه الناس والأشياء، وتتشكل طريقته في الحب، والغضب، والتسامح. •ومع صدق المشاعر وعمق العلاقات، لا تخلو الحياة من خلافات ومشاحنات، فقد يحتد نقاش، أو تثور فكرة، أو تنفلت كلمة في لحظة غضب. وفي تلك اللحظة تحديدا، قد لا يخرج الإنسان غضبه فقط، بل يفتح دفاتر قديمة ظننا أنها أغلقت، وينثر صفحات من الماضي كأنها لم تغادر ذاكرته يوما. •في لحظة غضب، قد نكتشف إنسانا آخر أمامنا؛ إنسانا يحمل أرشيفا كاملا من المواقف، يذكر اليوم والتاريخ والكلمة والنظرة، وكأن الزمن لم يمح شيئا. عندها ندرك أن بعض القلوب لا تنسى، وأن بعض العقول تخزن الوجع أكثر مما تحفظ الود. •إن عتمة الغضب قادرة على إطفاء أجمل الذكريات. تجعل الإنسان يرى الإساءة وحدها، وينسى مواقف الوفاء، وكلمات الطيبة، ولحظات النبل التي صنعت جزءا جميلا من العلاقة. فحين يصر البعض على استنشاق دخان الغضب، يفقدون القدرة على استنشاق عبير الذكريات النقية. •والعلاقات الإنسانية، في البيت، والعمل، وبين الأصدقاء والأهل، لا بد أن يمر بها فتور أو اختلاف أو سوء فهم. لكن الخطر ليس في الخلاف، بل في أن يتحول الخلاف إلى محكمة مفتوحة، تُستدعى فيها كل الملفات القديمة، وتُحاكم فيها النيات قبل الأفعال، وتُنسى فيها المحاسن أمام زلة أو موقف عابر. •النسيان أحيانا نعمة، لا لأنه يمحو الحقيقة، بل لأنه يحرر القلب من ثقل لا يحتمل. أما حين لا ينسى الإنسان إلا الإساءة، ولا يتذكر إلا الوجع، فإن ذاكرته تصبح عبئا عليه، تشعل غضبه كلما لاح خلاف، وتمنعه من التصالح والحوار والهدوء. •وما أجمل التسامح حين يأتي من قوة لا من ضعف، ومن وعي لا من سذاجة. فمد اليد لمن أساء إليك، أو الاعتذار ممن أسأت إليه، خلق عال لا يقدر عليه إلا كبير العقل، نقي الروح، عظيم القلب. فالمتسامح لا يسقط حقه، لكنه لا يسمح للغضب أن يسقط إنسانيته. •التسامح لا يعني أن ننسى الدروس، ولا أن نفتح الأبواب لكل من آذانا، لكنه يعني أن لا نترك الحقد يقودنا، ولا أن نجعل لحظة غضب تهدم تاريخا من الود. فالأرواح السامية تعرف متى تعاتب، ومتى تصمت، ومتى ترحل بسلام، ومتى تعفو وهي قادرة. •آخر جرة قلم: المتسامح شفاف الروح، كبير العقل، عظيم القلب، يمضي في هذه الحياة بثقة لا تعطلها الهفوات، ولا تستهلكها الأحقاد. لا ينشغل بدفاتر الغضب، ولا يجعل المواقف العابرة تطمس أصل الإنسان وحقيقة معدنه. فالتسامح قلادة شرف لأجمل المشاعر، ورفعة لا يبلغها إلا من أدرك أن نقاء القلب قوة، وأن العفو لا ينقص صاحبه، بل يرفعه فوق صغائر البشر وضجيج المواقف.

420

| 29 أبريل 2026

أمانة في أعناقنا
أمانة في أعناقنا

هناك أوطان تُبنى بالحجارة، وهناك أوطان تُبنى بالرؤية....

6858

| 20 يوليو 2026

إرثُ الأميرِ الوالدِ الخالد
إرثُ الأميرِ الوالدِ الخالد

هناك لحظات في تاريخ الأوطان تتجاوز حدود الزمن،...

3432

| 18 يوليو 2026

«يبا».. إلى أبي الحبيب
«يبا».. إلى أبي الحبيب

«المقياس قطر».. لا توجد ترجمة حرفية لهذه العبارة،...

1923

| 19 يوليو 2026

قائد غير وجه قطر
قائد غير وجه قطر

شكَّل رحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة...

1089

| 18 يوليو 2026

سيظل إرثه حاضراً في كل إنجاز وطني وفي ذاكرة كل مواطن
سيظل إرثه حاضراً في كل إنجاز وطني وفي ذاكرة كل مواطن

في مسيرة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة...

813

| 17 يوليو 2026

قائد صاحب رؤية وقامة شامخة في تاريخ قطر
قائد صاحب رؤية وقامة شامخة في تاريخ قطر

إن امتلاك حلم والسعي الحثيث لتحقيقه ليس بالأمر...

753

| 19 يوليو 2026

حفظ الله قطر وأميرها الشيخ تميم
حفظ الله قطر وأميرها الشيخ تميم

حكمة لعمر بن الخطاب نقشت على خاتمه لتكون...

723

| 19 يوليو 2026

حين يرحل الكبار.. ويبقى الأثر
حين يرحل الكبار.. ويبقى الأثر

هناك رجال تصنعهم المناصب، وهناك قادة يمنحون المناصب...

675

| 18 يوليو 2026

الأمير الوالد... سيرةٌ خالدة
الأمير الوالد... سيرةٌ خالدة

عندما أمسكت القلم لأكتب عن الأمير الوالد، أدركت...

579

| 20 يوليو 2026

إرث مستدام تركه باني قطر الحديثة رحمه الله
إرث مستدام تركه باني قطر الحديثة رحمه الله

بمشاعر من الحزن والأسى استقبل أهل قطر والخليج...

555

| 19 يوليو 2026

الأمير الوالد نموذج القيادة من المنظور الإنساني
الأمير الوالد نموذج القيادة من المنظور الإنساني

- علاقة الأمير الوالد مع أبناء شعبه أشبه...

549

| 20 يوليو 2026

ماذا يبقى بعد رحيل القائد؟
ماذا يبقى بعد رحيل القائد؟

من المشاهد التي تستوقفني كثيرًا في العمل المؤسسي...

492

| 22 يوليو 2026

أخبار محلية