رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

وساطة في هامش ضيق بين جولات التصعيد وفرصة الاختراق

تواجه الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران معضلة تتجاوز الخلاف على بند أو ملف بعينه. فبنية الصراع تدفع نحو المواجهة، إذ يعتقد كل طرف أنه خرج من الحرب منتصراً، أو صمد بما يكفي ليعلن النصر. وحين تتحول قراءة الوقائع إلى رواية داخلية عن الانتصار، يصبح التراجع أصعب من مجرد تعديل موقف تفاوضي، إذ قد يُقدم أمام الجمهور بوصفه هزيمة. تختلف حسابات الصورة لدى الطرفين، لكن أثرها متشابه. فالولايات المتحدة قوة عظمى ترى أن مصداقيتها ومكانتها الدولية على المحك، وأن أي تنازل غير متوازن قد يُقرأ ضعفاً لدى الخصوم والحلفاء. أما القيادة الإيرانية، فتواجه حساباً داخلياً يتعلق بصورة النظام وقدرته على الصمود، وتخشى أن يبدو أي تراجع دليلاً على أن الضغط أجبرها على التخلي عن مواقفها. وهكذا لا يتفاوض الطرفان على المصالح وحدها، بل على معنى الخطوة أمام الداخل والخارج. وقد لخص مشهد المفاوضات في سويسرا جانباً من هذه المعضلة. رفض الوفد الإيراني دخول القاعة، ثم بقي لساعات طويلة حتى الفجر لمواصلة النقاش مع الوفد الأمريكي. في هذا التباين بين إظهار الصلابة والاستمرار في التفاوض، تتجسد طبيعة المسار. لا رغبة في الظهور بمظهر المتراجع، لكن لا رغبة أيضاً في إغلاق الباب تماماً. وربما لا تسير الأزمة في خط مستقيم من الحرب إلى التسوية، بل عبر جولات من التصعيد تتخللها محاولات تفاوضية لقياس مواقف الطرفين، واختبار حدود تحملهما، ومعرفة ما يمكن انتزاعه أو تقديمه. ويزداد الأمر تعقيداً إذا رأت أطراف في الصراع أن غايتها تتجاوز تعديل السلوك الإيراني إلى إسقاط النظام. عندها لا تعود المفاوضات مجرد بحث عن تسوية، بل قد تصبح أداة ضغط أو مرحلة في مواجهة أوسع. كما أن استمرار الصراع قد يخدم حسابات أطراف ترى في إضعاف إيران أو تغيير موازين المنطقة مكسباً استراتيجياً. لكن هذه الحسابات ليست ثابتة. فالعامل الإسرائيلي قد يغيّر مسار الأزمة، سواء عبر توسيع المواجهة أو التأثير في توقيتها وشروطها. كما أن تعقيدات تشكيل الحكومة الإسرائيلية وحسابات الائتلاف قد تجعل قرار التصعيد مرتبطاً بالتوازنات السياسية الداخلية، لا بالتقدير العسكري وحده. لذلك قد تتقاطع نافذة التفاوض مع اعتبارات داخلية وإقليمية تزيد فرص الاختراق أحياناً، وتضيّقها أحياناً أخرى. وتبقى أجندة التفاوض نفسها غير محسومة. هل تكون الأولوية للبرنامج النووي، أم لأمن الملاحة في مضيق هرمز، أم للأموال الإيرانية المجمدة؟ ثم تبرز عقدة ترتيب الخطوات. من يبدأ، وماذا يحصل كل طرف في المقابل؟ لا يمكن مطالبة طرف بخطوة مكلفة سياسياً من دون مقابل ملموس، ولا يستطيع الوسيط بناء تفاهم مستدام إذا بقيت المقايضة غامضة أو غير قابلة للتحقق. لهذا يبدو الحيز المتاح للوساطة ضيقاً، لكنه ليس مغلقاً. وقد لا يكون الاختراق اتفاقاً شاملاً ينهي الصراع، بل تفاهمات محدودة ومتبادلة تجمّد خطوات تصعيدية، وتخفف تهديد الملاحة، وتفتح مساراً فنياً للملف النووي. وربما يكون الهدف الأكثر واقعية الآن تأجيل الحرب ومنع اتساعها. فالتأجيل لا يحل الصراع، لكنه يمنح الأطراف وقتاً لاختبار الخيارات قبل أن يصبح منطق القوة هو الخيار الوحيد. وتكمن فرصة الوساطة في تحويل هذه الاستراحة من جولة تصعيد إلى بداية مسار تفاوضي، قبل أن تفرض الحسابات الداخلية والإقليمية مواجهة يصعب التحكم بنتائجها.

192

| 03 نوفمبر 2026

أمن المنطقة يبدأ من الحوار الإقليمي

لم تعد المنطقة تحتمل أن تبقى رهينة لحسابات التصعيد والمواجهة، أو أن يُترك مستقبل أمنها لتفاهمات تُصاغ خارجها دون مشاركة حقيقية من دولها. فالحروب المتكررة أثبتت أن الصراعات قد تبدأ بقرار من طرف واحد، لكنها لا تنتهي عند حدوده الجغرافية، وأن كلفة المواجهة تتجاوز أطرافها المباشرين لتطال أمن الدول واقتصاداتها ومجتمعاتها. ومن هنا، تبرز أهمية الانتقال من إدارة الأزمات بعد اندلاعها إلى بناء تفاهمات إقليمية تمنع تكرارها. في هذا السياق، تكتسب زيارة وفد دول اتفاقية مكة للدفاع المشترك، الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان، إلى طهران أهمية سياسية تتجاوز طبيعتها الدبلوماسية. فالزيارة تعكس إدراكاً متزايداً بأن تعزيز القدرات الدفاعية لا يتعارض مع الانفتاح على الحوار، بل قد يمنح الدبلوماسية مساحة أوسع للتحرك. وهي رسالة مهمة في بيئة إقليمية اعتادت النظر إلى التحالفات الأمنية باعتبارها مقدمة للاستقطاب والمواجهة، بينما تكشف هذه الخطوة إمكانية توظيفها في دعم الاستقرار واحتواء التصعيد. وتتضاعف أهمية هذه التحركات مع استمرار جهود الوساطة القطرية والباكستانية بين واشنطن وطهران. فقد أثبتت التجارب أن الوساطة لا تقتصر على نقل الرسائل أو تقريب وجهات النظر، وإنما تتطلب خلق ظروف سياسية تسمح للأطراف بتقديم تنازلات متبادلة دون أن تبدو وكأنها تتراجع تحت الضغط. وهنا تبرز القيمة المضافة للتنسيق الإقليمي؛ إذ تستطيع الدول المجاورة توفير ضمانات سياسية، وتعزيز الثقة في تنفيذ التفاهمات، وتقليص احتمالات انهيارها عند أول اختبار. لكن الأهم هو ألا ينحصر الحوار في معالجة الأزمة الأمريكية الإيرانية وحدها. فحتى لو نجحت المفاوضات في تجنب مواجهة عسكرية جديدة، فإن ذلك لن يعالج بالضرورة مصادر التوتر الإقليم. فهناك قضايا تتعلق بسيادة الدول، وأمن الملاحة، والصواريخ والمسيّرات، وأدوار الفاعلين المسلحين من غير الدول، وهي تحديات تستدعي تفاهمات مباشرة بين دول المنطقة، لا مجرد تفاهمات ثنائية بين واشنطن وطهران. ولا يعني ذلك استبعاد القوى الدولية من ترتيبات الأمن، فالمصالح الدولية مترابطة مع أمن المنطقة، وإنما يعني ضرورة ألا تكون دولها مجرد أطراف تتلقى نتائج التفاوض. فالأمن الإقليمي المستدام يحتاج إلى مشاركة الدول المعنية في صياغة قواعده، وتحديد خطوطه الحمراء، ووضع آليات واضحة لمنع التصعيد وإدارة الخلافات. ومن الضروري كذلك إدراك أن الحوار لا يشترط تطابق المواقف أو غياب الخلافات. فالدول قد تختلف في مصالحها وتصوراتها للتهديدات، لكنها تستطيع الاتفاق على قواعد تمنع تحول هذا الاختلاف إلى مواجهة عسكرية. فنجاح الحوار الإقليمي لا يُقاس بإزالة الخلافات، بل بقدرة الأطراف على إدارتها دون اللجوء إلى القوة. ولذلك، قد تكون الخطوة الأكثر واقعية هي البدء بتفاهمات محددة وقابلة للتنفيذ، تشمل احترام السيادة، وعدم استهداف البنية التحتية المدنية والاقتصادية، وحماية الملاحة، وإنشاء قنوات اتصال أمنية دائمة. ويمكن لهذه التفاهمات أن تشكل أساساً تدريجياً لبناء منظومة أوسع من التعاون الإقليمي. لذلك، إن ما تحتاجه المنطقة اليوم ليس هدنة تؤجل الحرب المقبلة، بل مسار سياسي يغيّر الظروف التي تجعل الحرب خياراً متكرراً. وهنا تكمن أهمية الجهود القطرية والباكستانية، والتحرك السعودي والتركي، وإمكانية البناء عليها نحو حوار إقليمي أكثر شمولاً. فالسلام الذي يُتفاوض عليه مع المنطقة قد يوقف الحرب، أما السلام الذي تشارك المنطقة في صياغته فهو الأقدر على منع عودتها.

165

| 27 أكتوبر 2026

شراكة تبني القدرة وتعزز أمن المنطقة

يمثل توجه قطر نحو إنشاء مركز للإنتاج الدفاعي المحلي خطوة مهمة في تطوير قدراتها، وفي توسيع مفهوم الأمن من شراء المعدات إلى بناء الخبرة وتطوير الكفاءات وفتح مجالات جديدة للتعاون. ولا ينبغي قراءة هذه الخطوة على أنها محاولة لإنتاج كل شيء محلياً أو الاستغناء عن الشركاء؛ فالصناعات الدفاعية المتقدمة تقوم بطبيعتها على التكامل وتبادل المعرفة. لكن بناء قاعدة محلية، حتى في مجالات محددة، يمنح الدولة قدرة أكبر على الاستجابة ويعزز جاهزيتها على المدى الطويل. تكتسب المبادرة أهميتها من توقيتها ومن طبيعة التهديدات التي تواجه المنطقة. فالصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية باتت تمس أمن الدول ومنشآتها الحيوية، فيما تتصل حماية البنية التحتية بأمن الطاقة والمياه والملاحة والاتصالات. وقد أظهرت الأزمات الأخيرة أن تعزيز القدرة على الصيانة والإمداد والتدريب وتطوير الحلول المناسبة لمخاطر المنطقة أصبح جزءاً أساسياً من حماية الاستقرار واستمرارية الحياة الاقتصادية. ويفتح التعاون مع شركاء إقليميين ودوليين، من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، آفاقاً لنقل الخبرات والاستثمار وتطوير الصناعات. فالتعاون هنا لا ينتقص من بناء القدرة الوطنية، بل يمكن أن يكون طريقاً إليه، إذا اقترن بتأهيل الكوادر، وتوسيع مشاركة الشركات المحلية، وتطوير مجالات مثل الصيانة والإصلاح ودمج الأنظمة وإنتاج بعض المكونات والحلول. ومن خلال التدرج، تستطيع قطر أن تبني خبرة متراكمة وتحدد المجالات التي يمكنها التميز فيها، مع الاستفادة من الشراكات في المجالات التي تتطلب تقنيات واستثمارات واسعة. ولا تقتصر قيمة المبادرة على بعدها الوطني. فدول المنطقة تواجه مخاطر متقاربة، ما يجعل تبادل الخبرات والتنسيق والتعاون الصناعي فرصاً عملية لتعزيز الجاهزية الجماعية. ويمكن لمركز الإنتاج الدفاعي أن يشكل منصة لتطوير القدرات، وإعداد الكفاءات، واستكشاف فرص تعاون تخدم أكثر من دولة، وتساعد على حماية المنشآت والبنى الأساسية من تهديدات تتجاوز الحدود. وفي الوقت ذاته، ينسجم هذا التوجه مع المسار الدبلوماسي الذي تدعمه قطر. فالدبلوماسية تعمل على فتح قنوات الحوار وخفض احتمالات التصعيد، فيما يسهم تطوير القدرات في تعزيز الجاهزية وحماية القرار الوطني. إن الاستثمار في الدفاع لا يعني التخلي عن الحوار؛ بل يدعم قدرة الدولة على صون أمنها، ويمنح التعاون الإقليمي أساساً أكثر توازناً. تبدأ المبادرات الكبرى بإعلان ورؤية، ثم تكتسب وزنها من التنفيذ والاستمرارية. ومن هنا، تكمن أهمية الخطوة القطرية فيما يمكن أن تتيحه من معرفة وفرص تدريب واستثمار وتعاون. فليس المطلوب أن تصنع قطر كل منظوماتها بمفردها، بل أن تبني قدرات حقيقية ومتنامية، وأن تكون شريكاً فاعلاً في تطوير أمن المنطقة. وهذا طموح واقعي، يستند إلى التعاون، ويمنح قطر والمنطقة فرصاً أوسع لمواجهة تحديات المستقبل.

246

| 20 أكتوبر 2026

خطاب الأمير ومجلس الشورى

يفتتح حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، اليوم دور الانعقاد السنوي لمجلس الشورى، في مناسبة وطنية تتجاوز مراسم الافتتاح، لتجدد الثقة بمؤسسات الدولة وتؤكد أن مسيرة البناء تقوم على وضوح الرؤية وتكامل الأدوار. ويترقب المواطنون خطاب سموه لما يمثله من محطة مهمة لاستعراض مسيرة الوطن، وتحديد أولوياته، وبيان ملامح المرحلة المقبلة في ضوء ما تشهده المنطقة والعالم من تحولات متسارعة. وتنبع أهمية خطاب سمو الأمير من كونه يضع الشأن الوطني في إطاره الشامل؛ فيربط بين ما تحقق من إنجازات، وما تتطلبه المرحلة من عمل واستعداد، ويؤكد الثوابت التي تستند إليها الدولة وهي تمضي نحو المستقبل. فالخطاب ليس مجرد تقليد سنوي، بل مناسبة لتجديد العزم، وتوضيح اتجاهات العمل، وتعزيز الثقة بقدرة قطر على مواصلة التنمية وصون مصالحها، مع الحفاظ على هويتها وقيمها ومكانتها. وفي هذا السياق، يضطلع مجلس الشورى بدور مهم في ترجمة الرؤية الوطنية إلى عمل مؤسسي. فالمجلس، بما منحه الدستور من اختصاصات في التشريع وإقرار الموازنة العامة وممارسة الرقابة على السلطة التنفيذية، يمثل ركناً أساسياً في منظومة الدولة. وتتيح هذه الاختصاصات دراسة مشروعات القوانين ومناقشة آثارها، والنظر في الأولويات العامة، ومتابعة أداء الجهات التنفيذية، بما يسهم في تطوير السياسات وتحسين جودة القرار. ولا تنحصر قيمة المجلس في صلاحياته الدستورية وحدها، بل تتصل أيضاً بما يوفره من مساحة للحوار المسؤول وتبادل الرأي حول القضايا التي تمس المجتمع ومستقبله. فالنقاش المتخصص، والاستماع إلى الخبرات، والوقوف على احتياجات المواطنين، عناصر تساعد على أن تكون التشريعات أكثر استجابة للواقع، وأن تتسم القرارات بقدر أكبر من الدقة والاستدامة. وكلما ارتبط عمل المجلس بتطلعات المجتمع، تعززت الصلة بين مؤسسات الدولة والمواطن، وتأكدت أهمية المشاركة في خدمة الصالح العام. وتتسع أمام المجلس في كل دور مسؤولية الإسهام في مناقشة ملفات تمس جودة الحياة، من التعليم والصحة إلى الاقتصاد والاستثمار وتمكين الشباب. وتكتسب هذه الملفات أهميتها من ارتباطها المباشر ببناء الإنسان وتعزيز تنافسية الدولة، ومن حاجتها إلى سياسات متوازنة تستوعب تطلعات المجتمع وتواكب المتغيرات، في إطار رؤية قطر الوطنية وأهدافها بعيدة المدى. كما أن الرقابة التي يمارسها المجلس تمثل وجهاً من وجوه المسؤولية الوطنية؛ فهي تعزز الشفافية، وتتابع تنفيذ الخطط، وتفتح المجال لمعالجة التحديات وتطوير الأداء. وتتكامل هذه المسؤولية مع جهود الحكومة ومؤسسات الدولة، ضمن علاقة تقوم على التعاون واحترام الاختصاصات، لا على التعارض. فالدولة القوية هي التي تتضافر فيها المؤسسات لتحقيق أهداف مشتركة، وتتحول فيها الملاحظات إلى فرص للتحسين، والطموحات إلى برامج قابلة للإنجاز. ويمنح خطاب سمو الأمير أعمال المجلس إطاراً وطنياً جامعاً، إذ يوضح الأولويات الكبرى التي تسترشد بها مؤسسات الدولة في عملها. ومن هنا، تبرز مسؤولية المجلس في دراسة الموضوعات التي تتصل بتلك الأولويات، ومواصلة أداء اختصاصاته بروح وطنية، والاستفادة من أدواته الدستورية لدعم مسيرة التنمية. فالتنمية لا تتحقق بالخطط وحدها، بل تحتاج إلى تشريعات مواكبة، ومتابعة جادة، وتنسيق فعال بين الجهات المعنية. لقد رسخت قطر، بقيادة سمو الأمير، مسيرة تنموية جعلت الإنسان محوراً للتقدم، وعززت حضور الدولة ومكانتها، ومضت في تطوير مؤسساتها وخدماتها. وافتتاح دور جديد لمجلس الشورى مناسبة لتأكيد مواصلة هذه المسيرة، وتجديد الالتزام بالعمل من أجل رفعة الوطن وازدهاره. فحين تلتقي الرؤية التي يرسمها خطاب سمو الأمير مع المسؤولية التي ينهض بها المجلس، تتعزز قدرة الدولة على تحويل التطلعات إلى إنجازات، ومواجهة التحديات بثقة، وصناعة مستقبل يليق بقطر وأهلها.

255

| 13 أكتوبر 2026

تسعير الملاحة والنظام الدولي

لم تعد أزمة الممرات البحرية مسألة عبور سفن فحسب؛ إنها اختبار لمن يملك حق وضع قواعد الحركة في العالم، ومن يملك القدرة على فرضها. فالنظام الدولي القائم تشكل إلى حد بعيد تحت قيادة غربية، لكن شرعيته لا تستند إلى القوة وحدها، بل إلى الإيحاء بأن قواعده عامة، وأنها تحمي مصالح تتجاوز مصالح من صاغها. فإذا بدا أن حرية الملاحة تُصان حين تخدم القوى الكبرى، وتُترك رهينة القوة حين تتعارض مع حساباتها، فلن تكون النتيجة أزمة في مضيق بعينه فقط؛ بل تآكلاً في الثقة بالنظام نفسه. تكشف التطورات في هرمز أن استعادة حركة التجارة لا تعني بالضرورة عودة النظام إلى طبيعته. فقد ارتفعت صادرات النفط من الشرق الأوسط إلى مستويات قاربت ما قبل الحرب في بعض الأيام، لكن ذلك جرى وسط مخاطر أمنية متواصلة وكلفة نقل استثنائية. وتشير بيانات نقلتها رويترز إلى أن استئجار ناقلة نفط ضخمة من الشرق الأوسط إلى آسيا تجاوز 1.2 مليون دولار يومياً، بعد أن كان نحو 30 ألف دولار في يناير. هذه ليست كلفة عسكرية تتحملها الحكومات وحدها؛ إنها تدخل في أسعار الطاقة والنقل والسلع، وتصل في النهاية إلى المستهلك في كل مكان. وحين تصبح الملاحة رهينة المرافقة العسكرية، والتأمين المرتفع، والمسارات البديلة، تتحول حرية التجارة من قاعدة مستقرة إلى خدمة مكلفة لا يستطيع الجميع الوصول إليها بالشروط نفسها. عندها قد تبحث الدول عن ترتيبات إقليمية تحمي احتياجاتها الأمنية والتجارية، وتضع قواعدها الخاصة. لن يعني ذلك بالضرورة اختفاء النظام العالمي دفعة واحدة؛ الأرجح أن يبدأ تشظيه تدريجياً: قواعد متداخلة، وممرات محمية بتحالفات مختلفة، وتكتلات تتعامل مع التجارة والأمن وفق حساباتها. وحين تتعدد القواعد، لا تتعدد معها الحماية فقط؛ بل تتعدد أيضاً فرص سوء التقدير والصدام. إنشاء مثل هذه الترتيبات في الشرق الأوسط يبدو أكثر تعقيداً من مناطق أخرى؛ فالنظام الإقليمي لا يقوم بالقوة العسكرية وحدها، بل يحتاج إلى تصور مشترك للحدود، واعتراف متبادل بالحقوق، واستعداد لتقييد القوة بقواعد يقبلها الجميع. وهذه الشروط تتآكل عندما يوجد مشروع توسعي إسرائيلي تتقدم فيه السيطرة على الأرض على حساب القانون الدولي، وتصبح الحدود والحقوق الفلسطينية موضوعاً مفتوحاً لإعادة التشكيل بالقوة. لا يمكن بناء أمن جماعي مستقر إذا كان أحد أطرافه يرى تفوقه الأمني وحرية حركته فوق أمن الآخرين وسيادتهم. ويزداد هذا المأزق تعقيداً عندما تُطبق المبادئ بصورة انتقائية. فالدول لا تحتاج فقط إلى ضمانات أمنية، بل إلى الثقة بأن القواعد التي يُطلب منها احترامها تُطبق أيضاً على القوى الأقوى منها. وحين يصبح القانون الدولي صارماً في ملف، ومرناً في ملف آخر، تتحول القواعد من مرجعية مشتركة إلى أداة سياسية. وهذا أخطر من الخلاف على قضية بعينها، لأنه يدفع الدول إلى الاستنتاج بأن أمنها لا يتحقق بالقانون، بل بامتلاك أدوات الردع والتحالفات والقدرة على فرض الوقائع. ومن هنا فإن البديل عن الفوضى ليس مزيداً من عسكرة الممرات أو توسيع شبكة القواعد العسكرية، بل إعادة بناء مفهوم الأمن الإقليمي نفسه. يحتاج الشرق الأوسط إلى ترتيبات تعترف بأن أمن الخليج، وحرية الملاحة، وسيادة الدول، والأمن الفلسطيني ليست ملفات منفصلة؛ بل أجزاء من معادلة واحدة. فلا يمكن مطالبة دول المنطقة بالدفاع عن حرية التجارة العالمية فيما تُقبل في الوقت نفسه سوابق تغيير الحدود بالقوة أو انتهاك سيادة الدول دون كلفة سياسية حقيقية. السؤال الذي يفرضه هرمز، إذاً، يتجاوز كيفية إبقاء ناقلات النفط في البحر. إنه سؤال عن نوع النظام الذي ستعيش فيه المنطقة مستقبلاً: هل تحكمه قواعد مشتركة، أم موازين قوة متغيرة؟ وإذا لم تستعد القواعد صدقيتها، فقد تكون أزمة المضائق مجرد مقدمة لعالم تصبح فيه التجارة نفسها امتداداً للمنافسة العسكرية، ويصبح الوصول الآمن إلى الأسواق امتيازاً سياسياً بدلاً من أن يكون حقاً تحميه قواعد مستقرة.

174

| 06 أكتوبر 2026

الانتصار لا يصنع نظاماً

تبدأ معظم الحروب بوعد واضح، استخدام القوة لتغيير واقعٍ لم تعد السياسة قادرة على تغييره. وقد تنجح الحرب في تدمير قدرات الخصم، أو انتزاع تنازلات منه، أو إعادة رسم ميزان القوى. لكن التاريخ يكشف مفارقة تتكرر باستمرار، وهي أن كثيرين امتلكوا القوة الكافية للانتصار في الحرب، وقليلين امتلكوا الحكمة اللازمة لبناء ما بعدها. فالانتصار العسكري والنظام السياسي ليسا شيئاً واحداً. الأول يقاس بما خسره الخصم، أما الثاني فيقاس بقدرة الأطراف على العيش داخل قواعد تمنع عودة الصراع. قد تنتهي المعركة بانسحاب جيش أو سقوط قيادة أو تدمير منشآت، لكن ذلك لا يعني أن أسباب المواجهة قد انتهت. وعندما تعجز القوة عن إنتاج تسوية، يتحول الانتصار من نهاية للحرب إلى مجرد بداية لجولة جديدة. يكمن أخطر أوهام القوة في الاعتقاد بأن هزيمة الخصم تعني القدرة على التحكم في سلوكه مستقبلاً. فالضغط يستطيع إجبار دولة على التراجع، لكنه قد يدفعها أيضاً إلى الانتظار وإعادة بناء أدواتها والبحث عن لحظة أكثر ملاءمة للرد. كما أن إذلال الخصم قد ينتج هدوءاً مؤقتاً، لكنه نادراً ما ينتج قبولاً دائماً. ولهذا يمكن للردع أن يؤجل الحرب، لكنه لا يعالج بالضرورة الظروف التي صنعتها. هناك فارق جوهري بين الانتصار والردع والنظام. الانتصار يغير ميزان القوى، والردع يرفع كلفة استخدام القوة، أما النظام فيحدد القواعد التي تضبط استخدامها. ومن دون المستوى الثالث، تظل المنطقة أسيرة معادلة هشة: كل طرف يستعد للحرب المقبلة لأنه لا يثق بأن خصمه سيلتزم بحدود الحرب السابقة. هذه هي المعضلة التي تواجه الشرق الأوسط اليوم. لا تعاني المنطقة نقصاً في القوة العسكرية بقدر ما تعاني غياب تصور مشترك لما يجب أن يأتي بعدها. فكل دولة تعرف التهديد الذي تريد منعه، لكن ليس هناك اتفاق على القواعد التي ينبغي أن تحكم الأمن الإقليمي، أو على حدود التدخل، أو حماية الملاحة ومنشآت الطاقة، أو كيفية إدارة الخلافات قبل انتقالها من السياسة إلى الصواريخ. ومن هنا تكتسب الدبلوماسية والوساطة معناهما الحقيقي. فالوساطة ليست نقيضاً للقوة، ولا تعبيراً عن المثالية في عالم تحكمه المصالح؛ بل هي الأداة التي تحول اللحظة التي صنعتها القوة إلى ترتيب سياسي قابل للاستمرار. تستطيع القوة أن تدفع الأطراف نحو طاولة التفاوض، لكنها لا تستطيع وحدها بناء الثقة أو صياغة الضمانات أو منح كل طرف مخرجاً يحمي مصالحه من دون أن يحول التسوية إلى استسلام. ولا يعني ذلك مساواة المعتدي بالضحية، أو مطالبة الدول بالتخلي عن حقها في الدفاع عن نفسها. بل يعني إدراك أن الدفاع الناجح لا يكتمل بإحباط الهجوم، وإنما بمنع تكراره. فالقدرة على اعتراض الصواريخ تحمي الدولة في لحظة الخطر، بينما القدرة على بناء قواعد وضمانات وقنوات اتصال تحميها من تحول الخطر إلى حالة دائمة. القوة الحقيقية، إذن، ليست القدرة على بدء الحرب أو حتى الانتصار فيها، بل القدرة على إنتاج واقع لا يحتاج إلى الحرب كي يستمر. وقد يكون أصعب اختبار يواجه المنتصر هو مقاومة إغراء تحويل تفوقه المؤقت إلى إذلال دائم؛ لأن السلام الذي يقوم على عجز الخصم ينتهي عندما يستعيد قدرته، أما السلام الذي يقوم على قواعد مقبولة فيمتلك فرصة البقاء. فالحروب تكشف من هو الأقوى في لحظة معينة، لكنها لا تجيب وحدها عن سؤال: من يستطيع بناء نظام يعيش فيه الجميع في اليوم التالي؟ هنا تحديداً يبدأ الفارق بين قوة تنتصر، وقوة تصنع التاريخ.

285

| 29 سبتمبر 2026

قطر في زمن الاضطراب.. الدولة التي تبني ما بعد الأزمة

في أوقات الاستقرار تتشابه خطابات الدول، لكن الأزمات هي التي تكشف الفارق بين دولة تنتظر ما ستؤول إليه الأحداث، ودولة تعرف ماذا تريد بعد انتهائها. وهذا تحديداً ما يمكن قراءته في حديث معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني هذا الأسبوع في المنتدى الاقتصادي في نيويورك، وما يمهد في الوقت ذاته للرسالة الأوسع التي يحملها خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام العالم. فالرسالة القطرية اليوم لا تقول إن الدولة استطاعت فقط أن تتحمل صدمات مرحلة استثنائية، بل تقول شيئاً أبعد من ذلك بكثير: إن قوة الدولة الحقيقية تظهر عندما تتحول الأزمات من مصدر استنزاف إلى دافع لبناء قدرة أكبر على الصمود والاستقلال والمبادرة. ولهذا جاء الحديث عن الاقتصاد والاستثمار والمؤسسات والطاقة بالتوازي مع الحديث عن الأمن والدبلوماسية. ليست هذه ملفات منفصلة، بل أجزاء من مفهوم واحد للأمن الوطني. فالاقتصاد القوي يحمي القرار السياسي، والمؤسسات القوية تحمي المجتمع عند الأزمات، والدبلوماسية تقلل كلفة الصراعات، والاستثمار في المستقبل يمنع الحرب من أن تفرض على الدولة أولوياتها ومسارها. وهنا تكمن أهمية التجربة القطرية في هذه المرحلة. قطر تقع في قلب منطقة تعرضت لهزات أمنية وسياسية واقتصادية متلاحقة، لكنها اختارت ألا تجعل الجغرافيا حكماً على مستقبلها. لم تتخل عن الدبلوماسية عندما أصبحت الدبلوماسية أكثر صعوبة، ولم تتراجع عن الوساطة لأن أطراف الصراع أصبحت أكثر عدوانية، ولم تسمح للاضطراب الإقليمي بأن يتحول إلى ذريعة لتعطيل مشروعها الاقتصادي. هذه ليست مثالية سياسية، بل قراءة واقعية لمصلحة الدولة. فالحرب في الخليج لا تبقى داخل حدود ساحتها العسكرية، وإنما تصل إلى الموانئ والمطارات والطاقة وسلاسل الإمداد والاستثمارات وحياة الناس. ولذلك فإن الدفاع عن الاستقرار ليس موقفاً أخلاقياً فقط، بل ضرورة أمن قومي. ومن هنا أيضاً يجب أن تبدأ أي رؤية لمستقبل المنطقة. لا أمن مستدام إذا بقيت سيادة الدول قابلة للانتهاك، ولا استقرار إذا تحولت الممرات البحرية والطاقة والبنية التحتية المدنية إلى أوراق ضغط، ولا يمكن بناء نظام إقليمي إذا اعتقد أي طرف أن أمنه يمكن أن يتحقق على حساب أمن الآخرين. المنطقة لا تحتاج إلى منتصر جديد بقدر حاجتها إلى قواعد جديدة تمنع إنتاج الحرب نفسها مرة أخرى. واليوم، عندما يتحدث سمو الأمير من على منبر الأمم المتحدة، فإن أهمية الرسالة القطرية تتجاوز الدفاع عن موقف دولة إلى الدفاع عن فكرة أصبحت أكثر إلحاحاً في عالم مضطرب: لا يمكن أن يستمر النظام الدولي بقواعد تطبق على طرف وتتوقف أمام طرف آخر. السيادة لا تتجزأ، والقانون الدولي لا يمكن أن يكون أداة تستخدم عند الحاجة ثم يتم تجاهلها عندما تصبح مكلفة سياسياً، وحياة المدنيين لا تختلف قيمتها باختلاف الجغرافيا أو هوية المعتدي. وإذا كانت المنطقة قد تعلمت شيئاً من السنوات الأخيرة فهو أن ازدواجية المعايير لا تنتج استقراراً، بل تراكم غضباً وفقداناً للثقة وتمهد لأزمات جديدة. ومن هنا تبدو الرسالة القطرية مترابطة في الداخل والخارج. في الداخل دولة تستثمر وتبني وتحصن اقتصادها ومؤسساتها. وفي الإقليم دولة تتمسك بالحوار والوساطة من دون التنازل عن سيادتها وأمنها. وعلى المستوى الدولي دولة تطالب بقواعد عادلة تحمي الجميع لا بمنظومة تمنح الحماية للبعض وتطلب من الآخرين التعايش مع الانتهاكات. هذه هي قطر التي ينبغي أن يراها العالم اليوم: دولة لا تنتظر نهاية الأزمة لتفكر في اليوم التالي، بل تبني اليوم التالي بينما الأزمة لا تزال مستمرة.

348

| 22 سبتمبر 2026

واقع الجغرافيا.. وحسابات السياسة

لم تعد الحرب في المنطقة تُخاض فقط بالصواريخ والطائرات والقوة العسكرية المباشرة، بل أصبحت الجغرافيا نفسها جزءاً من أدوات الصراع. فمضيق هرمز، وباب المندب، والموانئ، وخطوط الأنابيب، ومنشآت الطاقة، لم تعد مجرد بنية تحتية تخدم اقتصادات المنطقة، وإنما تحولت تدريجياً إلى أوراق ضغط تستخدمها الأطراف عندما تريد رفع كلفة المواجهة على خصومها. وهذه ربما تكون واحدة من أخطر نتائج المرحلة الحالية، لأن استهداف هذه المسارات لا يبقى داخل حدود الصراع بين طرفين، بل ينقل كلفته إلى دول لم تختر الحرب، وإلى الاقتصاد العالمي بأكمله. ما نشهده اليوم يوضح أن أمن هرمز لا يمكن فصله عن أمن باب المندب، وأن تعطيل طريق بحري واحد يدفع التجارة والطاقة نحو طريق آخر، ليصبح هو الآخر أكثر أهمية وأكثر عرضة للضغط. وهنا تتحول الجغرافيا من مصدر للقوة الاقتصادية إلى مصدر مستمر للهشاشة. فإذا كان العالم يعتمد على المنطقة للطاقة والتجارة والممرات البحرية، فإن المنطقة نفسها تصبح أكثر عرضة لأن تستخدم هذه الأهمية ضدها كلما دخلت في دورة جديدة من التصعيد. المشكلة الأخطر ليست في أزمة واحدة أو في طرف واحد، بل في ترسيخ منطق سياسي يقوم على أن من يملك القدرة على تعطيل ممر بحري أو استهداف منشأة للطاقة يملك بالضرورة ورقة تفاوضية أقوى. هذا المنطق يجب ألا يتحول إلى قاعدة في العلاقات الإقليمية. فحين يُغلق مضيق أو تُستهدف منشأة أو تُهدد سفينة تجارية، فإن الضرر لا يقع فقط على الدولة المستهدفة، وإنما يمتد إلى أسعار الطاقة والتأمين والشحن وسلاسل الإمداد، ومن ثم إلى مصالح عشرات الدول حول العالم. وبذلك يتحول ما يُقدم باعتباره أداة ضغط على خصم محدد إلى ضغط على الجميع. والأخطر من ذلك أن نجاح هذه الأدوات ولو بصورة مؤقتة قد يشجع على إعادة استخدامها في أزمات أخرى. لذلك فإن التحدي أمام دول المنطقة لا يجب أن يكون فقط كيفية إعادة فتح ممر بعد تعطيله، بل كيفية منع استخدام الممرات والمرافق الحيوية كسلاح من الأساس. العودة إلى الوضع السابق بعد انتهاء كل أزمة لا تكفي، لأن ذلك يعني ببساطة إبقاء السلاح ذاته على الطاولة بانتظار الجولة المقبلة. من هنا، تحتاج المنطقة إلى مفهوم أوسع لتحييد الجغرافيا عن الصراع. وهذا لا يعني إلغاء الخلافات السياسية أو العسكرية، ولا افتراض أن التنافس بين الدول سينتهي، وإنما وضع حدود واضحة لما يمكن إدخاله في هذا التنافس وما يجب أن يبقى خارجه. حرية الملاحة، وسلامة المرافق المدنية، ومنشآت الطاقة، والموانئ، والممرات التجارية يجب أن تُعامل باعتبارها مصالح إقليمية مشتركة، لا أدوات يمكن استخدامها في تبادل الرسائل بين القوى المتصارعة. مثل هذا التفاهم يحتاج إلى إرادة سياسية وآليات عملية؛ من قنوات اتصال مباشرة بين دول المنطقة، إلى ترتيبات لمنع الحوادث البحرية وسوء التقدير، وتنسيق في حماية الملاحة والاستجابة للطوارئ. والأهم أن تنظر دول المنطقة إلى هذه المسائل باعتبارها مسؤولية مشتركة، لا ملفات تُترك للقوى الكبرى كي تديرها نيابة عنها كلما انفجرت أزمة جديدة. لقد أثبتت الحرب أن الجغرافيا ربطت مصالح دول المنطقة قبل أن تنجح السياسة في ذلك. ما يحدث في هرمز ينعكس على الخليج، وما يحدث في باب المندب يصل أثره إلى البحر الأحمر وقناة السويس وأسواق أوروبا وآسيا، وأي استهداف للطاقة في دولة واحدة تصبح له تداعيات على الجميع. لذلك فإن المصلحة الحقيقية لدول المنطقة ليست في امتلاك كل طرف قدرة أكبر على تعطيل الآخر، بل في بناء تفاهم يمنع الجميع من تحويل هذه الجغرافيا إلى سلاح. لا يمكن تغيير موقع المنطقة على الخريطة، لكن يمكن تغيير الطريقة التي تُدار بها هذه الجغرافيا. والسؤال الذي يجب أن يطرح بعد كل ما حدث ليس من يملك القدرة على إغلاق هذا المضيق أو تهديد ذاك الممر، وإنما كيف نحول هذه الممرات من نقاط ضعف تستغل في الصراع إلى مصالح مشتركة تفرض التعاون. فالمنطقة أمام خيار واضح: إما جغرافيا يستخدمها الجميع للضغط على بعضهم، أو جغرافيا تدفع الجميع إلى التفاهم.

258

| 15 سبتمبر 2026

أي نظام إقليمي نريد؟

لا يكفي أن نسأل من سينتصر في أزمات الشرق الأوسط الراهنة، بل يجب أن نسأل سؤالاً أكثر أهمية: أي نظام إقليمي سيولد من هذه الفوضى؟ فالمنطقة لا تحتاج إلى استبدال قوة مهيمنة بأخرى، ولا إلى إدارة مؤقتة للصراع، بل إلى نظام يخدم جميع دولها وشعوبها، ويقوم على ثلاثة أسس مترابطة: احترام السيادة، ووضع القانون الدولي في صلب العلاقات الإقليمية، وإنهاء ازدواجية المعايير. فالاستقرار الحقيقي لا يتحقق بتفوق طرف على بقية الأطراف، وإنما بوجود قواعد مشتركة تقيد سلوك الجميع، وتمنح الدول، مهما تفاوتت أحجامها وقدراتها، ضمانات متساوية للأمن والاستقلال. الأساس الأول هو السيادة. لقد أصبح انتهاك سيادة الدول في الشرق الأوسط ممارسة متكررة، حتى بات الاستثناء هو احترام الحدود لا اختراقها. فإسرائيل تنفذ هجمات متواصلة داخل أراضي دول أخرى، وإيران بدورها استخدمت القوة ضد دول في المنطقة، بينما تتحول أراضي دول ثالثة إلى ساحات لتبادل الرسائل وتصفية الحسابات. وخطورة ذلك لا تقتصر على الخسائر المباشرة، بل تكمن في تطبيع فكرة أن القوة تمنح صاحبها الحق في تجاوز الحدود متى شاء. وعندما تصبح سيادة الدول قابلة للتفاوض، يفقد النظام الإقليمي معناه، وتتحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة للأقوى. لذلك لا يمكن قبول أي تصور أمني يمنح دولة حق حماية أمنها عبر اختراق سيادة جيرانها أو تعريض شعوبهم للخطر؛ فالأمن الإقليمي وحدة مترابطة، وما يبدأ بانتهاك محدود قد ينتهي بفوضى لا يستطيع أحد التحكم في مسارها أو نتائجها. أما الأساس الثاني فهو القانون الدولي. لا يمكن بناء استقرار حقيقي إذا استُدعي القانون عند الحاجة، ثم جرى تجاهله عندما يتعارض مع مصالح القوى النافذة. فما يحدث في غزة، من قتل وتجويع وتهجير وتدمير واسع، يكشف حجم الفجوة بين النصوص الدولية والقدرة على إنفاذها. كما أن تهديد حرية الملاحة وتقييدها واستخدام الممرات البحرية أداة للضغط السياسي يضع أمن المنطقة والاقتصاد العالمي تحت رحمة التصعيد. القانون الدولي لا يحقق السلام بمجرد وجوده، بل عندما يُطبق على الجميع دون انتقائية. وهنا نصل إلى الأساس الثالث: إنهاء ازدواجية المعايير. فقد قاومت إسرائيل الالتزامات والاتفاقات المتعلقة بغزة، وواصلت عملياتها دون محاسبة حقيقية، بينما اكتفى المجتمع الدولي في كثير من الأحيان ببيانات القلق والإدانة. وفي المقابل، تُفرض على دول أخرى عقوبات وضغوط قاسية عند ارتكاب انتهاكات مماثلة أو أقل منها. هذه الانتقائية لا تحمي النظام الدولي، بل تقوضه؛ لأنها تقنع الأطراف بأن القوة، لا الشرعية، هي مصدر الحماية، وأن امتلاك أدوات الردع أكثر أهمية من احترام القواعد. وكما يقال: من أمن العقاب أساء الأدب. إن النظام الإقليمي الجديد لا ينبغي أن يُبنى على توازن الخوف أو تقسيم مناطق النفوذ، بل على توازن الحقوق والالتزامات. وهذا يتطلب مبدأ بسيطاً وحاسماً: لا دولة فوق القانون، ولا أمن لدولة يُبنى على انعدام أمن جيرانها، ولا سيادة تُحترم انتقائياً. وللمسألة بُعد يتجاوز الشرق الأوسط؛ ففي كل إقليم قوى تسعى إلى الهيمنة، وأخرى تحاول مقاومتها أو التكيف معها. وإذا رسّخ الشرق الأوسط نموذجاً يسمح للأقوى بانتهاك السيادة وتجاوز القانون والإفلات من المحاسبة، فسوف يتحول إلى سابقة تحتذي بها قوى أخرى في أقاليم مختلفة. عندها لن نكون أمام أزمة إقليمية فحسب، بل أمام تفكك تدريجي للنظام الدولي نفسه. المطلوب، إذن، ليس البحث عن مهيمن جديد، بل بناء قواعد تمنع الهيمنة؛ فالنظام الإقليمي المستدام لا يصنعه انتصار طرف، وإنما تصنعه قواعد تحمي الجميع، خصوصاً عندما يملك بعضهم من القوة أكثر مما يملك الآخرون. وهذه ليست دعوة مثالية، بل ضرورة سياسية لضمان ألا تصبح القوة وحدها اللغة التي تتحدث بها دول المنطقة في المستقبل.

276

| 08 سبتمبر 2026

ستة أشهر من الحرب.. ماذا تعلمنا وكيف نستعد للجولة القادمة؟

بعد مرور ستة أشهر على اندلاع الحرب، ربما لم يعد السؤال الأكثر أهمية هو ما الذي حدث خلالها؟، بل ما الذي تعلمته الأطراف منها؟. فالحروب الممتدة لا تتكون فقط من جولات القتال، وإنما أيضاً من الفترات الفاصلة بينها؛ تلك المساحات التي تعيد فيها الدول تقييم أدائها، وتعويض ما استنزفته، وتصحيح أخطائها، وبناء خياراتها للجولة التالية. ومن هذه الزاوية، يصعب النظر إلى الوضع الراهن باعتباره نهاية للتصعيد. فالمشهد أقرب إلى مرحلة إعادة ترتيب للأوراق، حيث إن هناك جهودا دبلوماسية مستمرة لنزع فتيل الأزمة، لكن بالتوازي معها تتحرك الولايات المتحدة لتعويض مخزوناتها من الذخائر، وتعزيز قدرتها على استدامة وجودها العسكري، فيما تستعد حاملة الطائرات ثيودور روزفلت للانتشار في المنطقة. وعلى المسار الاقتصادي، تعمل واشنطن أيضاً على توسيع هامش المناورة في أسواق الطاقة، بما في ذلك زيادة الإمدادات القادمة من فنزويلا. هذه المؤشرات لا تعني بالضرورة أن قراراً بجولة عسكرية جديدة قد اتُخذ، لكنها تعكس منطقاً معروفاً في إدارة الصراعات، وهو التفاوض من أجل منع الجولة القادمة، واستعد لها في الوقت نفسه. وهنا يأتي السؤال الذي يجب أن يشغل دول المنطقة: إذا كانت الأطراف الأخرى تستخلص دروس الأشهر الستة الماضية، فما الذي تعلمناه نحن؟ أول هذه الدروس أن الفترة بين جولتين ليست فترة انتظار، بل فترة تعلم استراتيجي. ففي كل حرب، لا يتعلم طرف واحد. الولايات المتحدة تراجع معدلات استهلاك الذخائر وسلاسل الإمداد وانتشار قواتها، وإيران بدورها تدرس ما نجح وما فشل في أدوات الردع والهجوم وقدرتها على إدامة المواجهة. ومن الطبيعي أن تكون أي جولة مقبلة مختلفة عن سابقتها، لأن الأطراف ستدخلها بعد أن اختبرت قدرات خصومها ونقاط ضعفها هي أيضاً. لذلك، يجب ألا تدخل دول الخليج أي جولة محتملة بالأدوات والافتراضات نفسها التي دخلت بها الجولة الأولى. والدرس الثاني يتعلق بمفهوم الردع ذاته. فقد أثبتت الأشهر الماضية أن امتلاك منظومات عسكرية متقدمة يختلف عن امتلاك القدرة على استدامة استخدامها. السؤال الاستراتيجي لم يعد فقط: هل تستطيع اعتراض الصاروخ أو الطائرة المسيّرة؟ بل: كم مرة تستطيع فعل ذلك؟ وماذا يحدث إذا استمرت المواجهة لأشهر؟ وهنا ينتقل الأمن من مسألة شراء المنظومات إلى بناء المرونة الاستراتيجية، مثل مخزونات كافية، وسلاسل توريد متعددة، وقدرات للصيانة والإنتاج المحلي، وتكامل أكبر في الإنذار المبكر والدفاع الجوي، وخطط لاستمرار عمل المنشآت الحيوية تحت الضغط. أما الدرس الثالث، فهو أن الحرب ألغت عملياً الحدود التقليدية بين الأمن العسكري والأمن الاقتصادي. فما حدث في مضيق هرمز أثبت أن الممر البحري قد يتحول إلى أداة ضغط استراتيجية، وأن منشأة للطاقة أو ميناءً أو مطاراً أو شبكة مياه قد تصبح في لحظة جزءاً من معادلة الردع. وبالتالي، فإن الاستعداد للجولة القادمة لا يمكن أن يكون عسكرياً فقط؛ بل يجب أن يشمل أمن الطاقة والغذاء والمياه والاتصالات والموانئ وسلاسل الإمداد، وقدرة الاقتصاد نفسه على امتصاص الصدمات. وهنا نصل إلى الدرس الرابع والأهم: الدبلوماسية والاستعداد للتصعيد ليسا خيارين متناقضين. من الخطأ الاعتقاد أن دعم الوساطة يعني خفض الجاهزية، أو أن الاستعداد العسكري يعني التسليم بفشل الدبلوماسية. في الأدبيات الاستراتيجية، تصبح الدبلوماسية أكثر فاعلية عندما تعمل في ظل قدرة حقيقية على منع الإكراه. فكلما كانت دول المنطقة أكثر قدرة على حماية مصالحها وتقليل تكلفة تعرضها للضغط، اتسعت مساحة العمل الدبلوماسي أمامها. لذلك يجب أن تكون المعادلة خلال المرحلة المقبلة واضحة: دبلوماسية تعمل وكأن الحرب يمكن منعها، وجاهزية تعمل وكأن الدبلوماسية قد تفشل. بالتالي، كل يوم تنجح فيه الوساطة في تأخير التصعيد ليس مجرد يوم بلا حرب، بل فرصة لإعادة التموضع، وملء المخزونات، وتقوية الدفاعات، وتأمين البنية التحتية، وبناء سيناريوهات أكثر دقة للجولة المحتملة.

408

| 01 سبتمبر 2026

من يخاف من سوريا مستقرة؟

ربما لم يعد السؤال الأهم في سوريا اليوم هو: من سينتصر فيها؟ بقدر ما أصبح: من يريد لها أن تستقر فعلاً؟ بعد أكثر من عقد تحولت فيه سوريا إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، ظهرت للمرة الأولى فرصة حقيقية لإعادة بناء الدولة واستعادة قرارها السياسي. خرج المشروع الإيراني من واحدة من أهم ساحاته الإقليمية، وبدأت دمشق الجديدة إعادة ترتيب علاقاتها مع محيطها العربي، بالتوازي مع علاقة استراتيجية متنامية مع تركيا. لكن المفارقة أن كل خطوة تقرب سوريا من استعادة عافيتها تبدو وكأنها تفتح أمامها جبهة جديدة. فالضربات الإسرائيلية لم تتوقف، ووصل آخر التصعيد إلى استهداف قاعدة أبو الظهور بعد تحركات مرتبطة بالتعاون العسكري السوري التركي، قبل أن تتعرض مناطق في جنوب سوريا لاستهداف جديد بعد أيام فقط. إسرائيل تقدم تحركاتها باعتبارها إجراءات استباقية لحماية أمنها ومنع نشوء تهديدات جديدة على حدودها. لكن المشكلة أن مفهوم الأمن عندما يصبح بلا حدود يمكن أن يتحول إلى حق دائم في إبقاء الدول المجاورة ضعيفة. وهنا تظهر المعضلة السورية. فسوريا المفككة والمنهكة والمنشغلة بصراعاتها الداخلية لا تشكل قوة إقليمية قادرة على فرض معادلات جديدة، أما سوريا المستقرة التي تعيد بناء مؤسساتها وجيشها واقتصادها وعلاقاتها الخارجية فهي لاعب مختلف تماماً. ولذلك فإن ما يجري لا يمكن قراءته فقط من زاوية منع تهديد عسكري آني، بل أيضاً في سياق أوسع يتعلق بشكل سوريا التي ستولد بعد الحرب، ومقدار القوة والسيادة المسموح لها باستعادتهما. الأكثر إثارة للمفارقة أن دمشق نفسها تبدي استعداداً للذهاب في الاتجاه المعاكس تماماً. وزير الخارجية السوري تحدث هذا الأسبوع عن توقع استئناف المفاوضات الأمنية مع إسرائيل، وعن أولوية الاستقرار وإعادة البناء، رغم انعدام الثقة بين الطرفين. والولايات المتحدة تعمل بدورها على إنشاء آلية لتفادي الاحتكاك بين سوريا وتركيا وإسرائيل. وهذا يعني أن أمام المنطقة مسارين واضحين: إما بناء قواعد جديدة لإدارة المصالح والمخاوف عبر السياسة، أو الاستمرار في فرض الوقائع بالقوة بحيث تصبح سيادة سوريا نفسها متغيراً يخضع لتقدير الأطراف الأقوى منها. وهنا تحديداً تبرز أهمية تركيا والدول العربية. استقرار سوريا ليس مشروعاً سورياً فقط. إنه مصلحة إقليمية تتعلق بالحدود واللاجئين والإرهاب والتجارة وإعادة الإعمار ومنع عودة الميليشيات والفراغات التي ازدهرت فيها القوى الخارجية طوال السنوات الماضية. وكلما أصبحت دمشق أكثر ارتباطاً بمحيط عربي وتركي داعم للدولة ومؤسساتها، انخفضت احتمالات عودتها إلى نموذج الساحة التي تتنافس فوقها القوى الأخرى. ولذلك فإن دعم سوريا اليوم يجب ألا يقتصر على مساعدتها اقتصادياً، بل يتطلب أيضاً حماية حقها في بناء دولة ذات سيادة تستطيع إقامة علاقاتها وتحالفاتها من دون أن تتحول كل خطوة تقوم بها إلى ذريعة لضربها. الصراع الحقيقي على سوريا إذن لم ينته بسقوط النظام السابق؛ لقد تغير شكله فقط. لم تعد المعركة بالضرورة حول من يحكم دمشق، بل حول أي سوريا ستخرج من الركام. هل تكون دولة عربية مستقرة تستعيد موقعها الطبيعي في المنطقة، أم تبقى دولة ضعيفة ومكشوفة يحتاج كل قرار سيادي فيها إلى موافقة غير معلنة من الخارج؟ وربما لهذا يصبح السؤال الأكثر أهمية اليوم ليس من يخاف من سوريا، بل: من يخاف من سوريا مستقرة؟

390

| 25 أغسطس 2026

انتهت الستون يوماً.. فهل نبدأ التفاوض على التفاوض؟

انتهت مهلة الستين يوماً التي وضعتها مذكرة تفاهم إسلام آباد للوصول إلى اتفاق نهائي بين الولايات المتحدة وإيران، لكن الاتفاق لم يصل، والحرب لم تعد إلى صورتها الأولى، والتفاوض نفسه أصبح موضع تفاوض. وربما تكون هذه هي النقطة الأهم في المرحلة القادمة. فبدلاً من السؤال: متى يوقع الطرفان الاتفاق؟ قد يصبح السؤال: كم من الوقت سيحتاج الطرفان للاتفاق على كيفية العودة إلى طاولة المفاوضات أصلاً؟ إيران تريد من واشنطن العودة إلى المذكرة والالتزام بما تعتبره تعهدات سابقة، بينما الولايات المتحدة تبدو أقل استعجالاً للعودة إلى المسار الذي بدأ في يونيو. وهكذا قد ننتقل من مهلة الستين يوماً إلى مرحلة جديدة مفتوحة، لا يجري فيها التفاوض على الحل فقط، بل على شروط التفاوض وإطاره وتسلسله ومن يبدأ بتنفيذ ماذا أولاً. بالنسبة إلى إيران، لا ينبغي النظر إلى التفاوض باعتباره مجرد طريق قصير ينتهي باتفاق أو فشل. في الثقافة الاستراتيجية الإيرانية، يمكن للعملية التفاوضية أن تكون هدفاً سياسياً بحد ذاتها. الجلوس مع الولايات المتحدة، والحديث عبر الوسطاء مع أكبر قوة دولية، وتبادل المقترحات والرسائل، كلها تمنح طهران شيئاً يتجاوز مضمون الاتفاق نفسه: الاعتراف بأنها طرف لا يمكن تجاوزه. إيران تنظر إلى نفسها باعتبارها قوة إقليمية كبرى تستحق أن تُعامل على هذا الأساس، ولذلك قد يكون استمرار التفاوض أفضل أحياناً من الوصول السريع إلى خاتمته. التفاوض يمنحها الوقت، ويحافظ على قنوات الاتصال، ويؤجل الخيارات العسكرية، ويجعل القوى الكبرى تتعامل معها باعتبارها طرفاً في معادلة دولية، لا مجرد دولة خاضعة للعقوبات والضغط. ولهذا قد نرى جولات تفاوض هدفها الحقيقي الوصول إلى جولة أخرى. أما واشنطن، فيبدو أنها بدأت تنظر إلى الزمن بصورة معاكسة تماماً. إذا كانت طهران تعتقد أن الوقت يساعدها على المناورة، فإن إدارة ترامب تراهن على أن الوقت أصبح يعمل ضد الاقتصاد الإيراني. لذلك يتحول مركز الثقل الأمريكي تدريجياً من الاستنزاف العسكري المكلف إلى الاستنزاف الاقتصادي: عقوبات أشد، تضييق أكبر على صادرات النفط والتمويل، استهداف شبكات الالتفاف على العقوبات، وزيادة كلفة استمرار الوضع الحالي على الداخل الإيراني. المنطق الأمريكي هنا بسيط: لماذا يتم منح إيران تنازلات حالياً إذا كانت ستضطر لقبوله بعد أشهر تحت ضغط اقتصادي أكبر؟ ولذلك قد لا تكون واشنطن في عجلة من أمرها، خصوصاً إذا اعتقدت أن ميزان القوة التفاوضي يتحسن مع مرور الوقت. لكن هناك ساعة أخرى تتحرك في الخلفية: انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في نوفمبر. وكلما اقتربت، أصبحت تكلفة الحرب وأسعار الطاقة والسياسة الخارجية جزءاً أكبر من الحسابات الداخلية الأمريكية. وهذا قد يدفع ترامب إلى تجنب حرب واسعة جديدة، دون أن يعني بالضرورة تقديم تنازلات سريعة لإيران. لذلك قد تكون الأشهر المقبلة مرحلة انتظار تحت الضغط حيث واشنطن تشدد الخناق الاقتصادي وتترك باب الدبلوماسية موارباً، وطهران تحاول الصمود وإطالة العملية التفاوضية حتى تتغير الحسابات السياسية في واشنطن. المفارقة إذن أن الطرفين قد يعودان إلى الطاولة، لكن ليس لأنهما أصبحا أقرب إلى بعضهما. بل لأن كليهما يريد استخدام الطاولة ضد الآخر. إيران تريد تحويل الزمن إلى مساحة للصمود والمساومة، وأمريكا تريد تحويله إلى أداة للاستنزاف. ولذلك فإن انتهاء الستين يوماً قد لا يكون نهاية مذكرة التفاهم، بقدر ما يكون بداية المرحلة الأصعب منها، وهي التفاوض على التفاوض، وانتظار أي الطرفين سيكتشف أولاً أن الوقت لم يعد يعمل لمصلحته.

435

| 17 أغسطس 2026

كرفانات من ذهب
كرفانات من ذهب

هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات...

8766

| 27 أكتوبر 2026

الجزيرة التي لا تغرق
الجزيرة التي لا تغرق

حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله...

4602

| 03 نوفمبر 2026

شكراً قطر على 22 عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان
شكراً قطر على 22 عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان

سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات،...

3819

| 30 أكتوبر 2026

الكلاسيكو المنتظر
الكلاسيكو المنتظر

سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين...

3150

| 30 أكتوبر 2026

تحيا العدالة
تحيا العدالة

لم يكن الخبر عادياً بالنسبة لي، بل كان...

1569

| 29 أكتوبر 2026

حين يصبح التوظيف بداية الفشل
حين يصبح التوظيف بداية الفشل

قد تبدأ مشكلات المؤسسة قبل أن يتخذ الموظف...

1422

| 27 أكتوبر 2026

حتى لا نغرق أكثر!
حتى لا نغرق أكثر!

كل مشروع جديد في قطر يحتاج إلى أيدٍ...

1419

| 29 أكتوبر 2026

قطر... حين يصبح الوطن أمنية
قطر... حين يصبح الوطن أمنية

* كثيرًا ما تسألني بعض السيدات: هل يمكنني...

1218

| 29 أكتوبر 2026

حين تكافئ المؤسسة السلوك الخطأ دون أن تدري
حين تكافئ المؤسسة السلوك الخطأ دون أن تدري

قد تحقق مؤسسة جميع مؤشرات الأداء التي وضعتها...

1143

| 01 نوفمبر 2026

المخاطرة تصنع رواد الأعمال.. والتهور يقضي عليهم
المخاطرة تصنع رواد الأعمال.. والتهور يقضي عليهم

ليست كل فرصة تستحق أن نقتنصها، حتى لو...

981

| 03 نوفمبر 2026

جامعات قطر تتألق في التصنيفات العالمية
جامعات قطر تتألق في التصنيفات العالمية

تواصل دولة قطر ترسيخ حضورها في ميدان التعليم...

855

| 30 أكتوبر 2026

ضريبة القيمة المضافة.. الاستحقاق المُؤجّل
ضريبة القيمة المضافة.. الاستحقاق المُؤجّل

كتبتُ قبل حوالي عشر سنوات مقالاً حول القيمة...

585

| 02 نوفمبر 2026

أخبار محلية