رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

حين أصبح كل شيء محتوى

لم يتغيّر العالم لأن الكاميرات أصبحت أصغر، ولا لأن الهواتف أصبحت أذكى، بل لأن الإنسان نفسه بدأ ينظر إلى الحياة بعينٍ مختلفة. لم يعد يسأل: كيف أعيش هذه اللحظة؟ بل أصبح يسأل: كيف سأعرض هذه اللحظة؟ هناك فرقٌ كبير بين أن توثّق حياتك، وبين أن تعيشها من أجل التوثيق. الأول يحفظ الذكريات، أما الثاني فيُعيد تشكيل الحياة لتناسب عين المتلقي، لا نبض صاحبها. لم تعد المناسبة تبدأ بوصول الضيوف، بل بترتيب زاوية التصوير. ولم يعد السفر رحلة لاكتشاف العالم، بل أصبح سباقاً لإنتاج صورٍ أكثر من إنتاج الذكريات. حتى فنجان القهوة لم يعد مجرد استراحة، بل أصبح مشهداً يحتاج إلى إضاءة، وزاوية، وتعليق، وتوقيت للنشر. ليس في مشاركة التفاصيل ما يُلام، فالإنسان بطبيعته يحب أن يروي قصته. لكن السؤال الحقيقي هو: هل ما زلنا نعيش القصة أولاً، أم أصبحنا نكتبها قبل أن نعيشها؟ لقد صنعت منصات التواصل واقعاً جديداً، لم يعد النجاح فيه مرتبطاً بما نُنجزه، بل بما نُظهره. وأصبح الإنجاز الذي لا يُنشر، عند البعض، يبدو وكأنه لم يحدث أصلاً. حتى الأعمال الإنسانية لم تسلم من هذا التحول؛ فبات السؤال أحياناً: كم شخصاً ساعدت؟ أقل حضوراً من سؤال: كم شخصاً شاهد أنك ساعدت؟ وهنا لا تكمن المشكلة في التقنية، ولا في المنصات، فهي أدوات لا أكثر. المشكلة تبدأ عندما تتحول قيمة الإنسان إلى انعكاسٍ لما تعرضه الشاشة، لا لما يحمله من قيم. عندما يصبح الوجود الرقمي أكثر أهمية من الوجود الحقيقي، ويصبح التصفيق الإلكتروني بديلاً عن الرضا الداخلي. الأخطر من ذلك أن ثقافة “المحتوى” لم تغيّر سلوكنا فقط، بل غيّرت مشاعرنا أيضاً. أصبحنا نلتقط الصورة قبل أن نعيش الدهشة، ونبحث عن العبارة المناسبة قبل أن نستوعب الحدث، ونفكر في ردود الأفعال قبل أن نسأل أنفسنا: ماذا أشعر حقاً؟ حتى الحزن لم يعد بعيداً عن هذا التحول. أصبحت بعض لحظات الفقد تُقدَّم للجمهور قبل أن تُمنح للنفس فرصة لتستوعبها. وأصبح الفرح أحياناً يُقاس بعدد المشاهدات أكثر من عدد الابتسامات الصادقة. وسط هذا المشهد، ينشأ جيلٌ قد يظن أن الحياة تُقاس بحجم التفاعل، وأن القيمة تأتي من الخوارزميات، وأن الصمت يعني الغياب. بينما الحقيقة أن أعظم الإنجازات في التاريخ لم تكن تُبنى أمام الكاميرات، وأن أعمق العلاقات لم تكن بحاجة إلى جمهور، وأن أكثر لحظات الإنسان صدقاً غالباً لم يرها أحد. لسنا بحاجة إلى أن نهجر التقنية، ولا أن نُعلن الحرب على وسائل التواصل، فهي جزء من واقعنا، وقد منحتنا فرصاً هائلة للتعلم والتواصل وصناعة الأثر. لكننا بحاجة إلى أن نستعيد حقنا في أن نعيش بعض اللحظات كاملة، دون أن نبحث لها عن عنوان، أو فلتر، أو توقيت نشر. فليس كل ما يستحق أن يُعاش، يستحق أن يُنشر. وربما سيأتي يوم يكتشف فيه الإنسان أن أجمل ذكرياته لم تكن تلك التي حصدت آلاف الإعجابات، بل تلك التي لم يعلم بها أحد، لأنها كانت صادقة بما يكفي لتبقى في القلب… لا على الشاشة.

426

| 21 يوليو 2026

وصايا لا تشيخ...

«الإنسان هو الثروة الحقيقية لهذا الوطن». — من كلمات الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله. ليست كل الكلمات تُقال لتنتهي، وبعضها يُقال ليصبح دستورًا للأجيال. هكذا كانت كلمات الأمير الوالد، رحمه الله، لم تكن مجرد خطابات رسمية تُلقى في المناسبات، بل كانت مشروع وطن، ورؤية قائد، ورسائل أبٍ أراد لأبنائه أن يبنوا المستقبل قبل أن يصلوا إليه. حين أكد أن الإنسان هو الثروة الحقيقية، كان يختصر فلسفة دولة كاملة. فالأوطان لا تُقاس بحجم الأرض، ولا بعدد الأبراج، ولا بما تختزنه من موارد، وإنما تُقاس بعقول أبنائها، وأخلاقهم، وقدرتهم على تحويل الحلم إلى واقع. لقد آمن الأمير الوالد بأن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الذي لا يخسر أبدًا. لذلك شهدت قطر في عهده نهضة في التعليم، والصحة، والإعلام، والثقافة، والاقتصاد، لأن بناء الإنسان كان يسبق بناء الحجر، ولأن التنمية الحقيقية تبدأ من العقل وتنتهي إلى الوطن. ومن وصاياه التي تجلت في كل خطوة، أن يكون المواطن شريكًا في التنمية، لا متفرجًا عليها. فالوطن ليس حكومة تعمل وحدها، ولا مؤسسات تؤدي واجبها فقط، بل هو مسؤولية مشتركة يحملها الجميع، كلٌّ من موقعه، وكلٌّ بما يستطيع أن يقدم. كما علّمنا أن الكرامة الوطنية لا تُساوَم، وأن استقلال القرار هو أساس احترام الدول. ولذلك بقيت قطر، رغم صغر مساحتها، كبيرة بمواقفها، حاضرة في ميادين الحوار، وصناعة السلام، والعمل الإنساني، حتى أصبحت نموذجًا يُشار إليه بثقة واحترام. ومن أجمل ما تركه لنا أن القيادة ليست سلطة، بل مسؤولية. وأن القائد الحقيقي هو من يصنع قادة بعده، ويؤسس لمستقبل يستمر حتى بعد غيابه. وهذا ما نراه اليوم؛ فالرؤية التي وضع أسسها لم تتوقف، بل واصلت مسيرتها بقيادة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حفظه الله، لتبقى قطر ماضية في طريق النهضة بثبات. رحل الأمير الوالد عن الدنيا، لكن الوصايا الصادقة لا تُدفن مع أصحابها. إنها تبقى في المدارس، وفي الجامعات، وفي ضمير كل شاب يؤمن أن النجاح مسؤولية، وكل موظف يتقن عمله، وكل إعلامي يكتب بصدق، وكل يعالج بإخلاص، وكل معلم يزرع الأمل في نفوس طلابه.إن أعظم وفاء للقادة ليس في تكرار أسمائهم، بل في تحويل مبادئهم إلى سلوك يومي، وقيم تُمارس، وأعمال تُنجز، وأجيال تؤمن بأن الوطن يستحق الأفضل دائمًا.رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فقد ترك لنا إرثًا لا يُقاس بما شُيّد من مبانٍ، بل بما غرسه في النفوس من إيمان بالإنسان، وثقة بالمستقبل، ومحبة لوطنٍ أصبح نموذجًا يُحتذى به. فالرجال العظماء قد يرحلون، لكن الوصايا العظيمة لا تشيخ.

375

| 15 يوليو 2026

ليس كل غياب يسمى رحيلاً

هناك رجالٌ حين يغادرون الدنيا، يتركون خلفهم وطنًا يروي سيرتهم في تفاصيله، وشعبًا يجد ملامحهم في كل إنجاز، وأجيالًا لم تعاصر بداياتهم، لكنها تعيش ثمار ما زرعته أيديهم. هكذا يرحل العظماء… وتبقى آثارهم أقوى من الغياب. اليوم، تقف قطر في لحظةٍ يختلط فيها الحزن بالفخر. الحزن على فراق الأمير الوالد، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، والفخر بأن هذه الأرض عرفت قائدًا لم يكن يرى في الحكم سلطةً تُمارس، بل مسؤوليةً تُحمل، ورسالةً تُبنى، ومستقبلًا يُصنع. ثمة أشخاصٌ يمنحون أوطانهم سنواتٍ من أعمارهم، وثمة آخرون يمنحون أوطانهم عمرًا جديدًا بأكمله. ومن يتأمل قصة قطر الحديثة، يدرك أن التحولات الكبرى لا تُولد مصادفة، وإنما تصنعها رؤى استثنائية، تؤمن بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية، وأن الاستثمار في العقل أبقى من الاستثمار في الحجر، وأن المجد لا يُقاس بما يُشيَّد من مبانٍ، بل بما يُبنى من إنسان. في علم النفس، يُقال إن الإنسان لا يُقاس بما يتركه وراءه من ممتلكات، بل بما يتركه داخل الآخرين من أثر. والأثر الحقيقي لا يُفرض بالقوة، بل يُغرس بالمواقف، وبالصدق، وبالإيمان بالناس. ولهذا، فإن بعض القادة لا يسكنون القصور فقط، بل يسكنون ذاكرة الشعوب. وحين يرحلون، لا يبكيهم التاريخ وحده، بل تبكيهم التفاصيل الصغيرة؛ مدرسةٌ فتحت أبوابها، ومستشفى احتضن مريضًا، وطالبٌ وجد فرصةً ليتعلم، وأسرةٌ عاشت في وطنٍ ينمو أمام أعينها عامًا بعد عام. إن المجتمعات لا تنسى من منحها الشعور بالأمل. فالإنسان قد ينسى الكلمات، لكنه لا ينسى الإحساس بالأمان، ولا ينسى اللحظات التي شعر فيها أن وطنه يمضي بثقة نحو المستقبل. ولعل أعظم ما يتركه القائد بعد رحيله، ليس الأبراج، ولا المؤسسات، ولا الأرقام، وإنما تلك الثقة التي تغرسها رؤيته في نفوس أبناء وطنه؛ أن الغد يمكن أن يكون أجمل، وأن المستحيل ليس إلا بدايةً لفكرةٍ عظيمة. لهذا، فإن الحزن اليوم ليس على رجلٍ غاب عن الدنيا، بل على مرحلةٍ صنعت ملامح وطن، وعلى أبٍ حمل همّ شعبه، وآمن بأن النهضة مسؤوليةٌ تُورَّث للأجيال، لا مشروعٌ ينتهي بانتهاء أصحابه. سيكتب المؤرخون عن الإنجازات، وستوثق الكتب محطات التحول، لكن القلوب ستحتفظ بما هو أعمق من ذلك كله… ستحتفظ بصورة قائدٍ ارتبط اسمه ببداية زمنٍ جديد، وبحلمٍ أصبح واقعًا، وبوطنٍ صار نموذجًا يُشار إليه. وغابت شمسُ قطر… لكن الشمس الحقيقية لا تنطفئ حين تغيب عن السماء، لأنها تكون قد وزعت نورها على البيوت، وعلى الطرقات، وعلى وجوه الناس. وهكذا هم العظماء… يرحلون، ويبقى نورهم في كل بيت، وتبقى سيرتهم دعاءً لا ينقطع، وذكرًا لا يخبو، وأثرًا يزداد حضورًا كلما مضت الأيام. رحم الله الأمير الوالد، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمةً واسعة، وجزاه عن وطنه وأمته خير الجزاء، وألهم دولة قطر، قيادةً وشعبًا، جميل الصبر والسلوان. فالأوطان التي أنجبت رجالًا كهؤلاء، لا تعرف الغياب… لأنها تحفظ أبناءها في ذاكرتها، ويحفظهم التاريخ في صفحاته، وتحفظهم القلوب بالدعاء

423

| 13 يوليو 2026

لسنا متعبين.. نحن مستنزفون

لا أحد يستيقظ صباحًا ويقرر أن يفقد شغفه. ولا أحد يختار أن تصبح الأشياء التي أحبها يومًا ثقيلة على قلبه. لكن الاستنزاف لا يحدث فجأة، بل يتسلل إلينا بهدوء، كقطرة ماء تسقط على صخرة؛ لا تُحدث صوتًا، لكنها مع الأيام تترك أثرًا لا يُرى إلا بعد فوات الأوان. هناك فرق كبير بين أن تكون متعبًا... وأن تكون مستنزفًا. التعب يحتاج إلى ليلة هادئة، أو إجازة قصيرة، أو ساعات من النوم ليزول. أما الاستنزاف، فهو نومٌ طويل لا يوقظك، وإجازة تنتهي قبل أن تبدأ، وضحكة تخرج من فمك بينما روحك لم تعد تعرف معنى الفرح. الاستنزاف هو أن تؤدي واجباتك كلها، لكنك لم تعد حاضرًا فيها. أن تنجز، لكن دون متعة. أن تبتسم لأن الموقف يتطلب ابتسامة، لا لأن قلبك يريدها. أن تواصل السير لأن التوقف ليس خيارًا، لا لأن لديك رغبة في الوصول. إنه ذلك الإرهاق الذي لا يراه أحد. فأنت تبدو بخير. تذهب إلى عملك. تجيب عن الرسائل. تحضر المناسبات. وتقول للجميع: «أنا بخير». بينما في داخلك جزءٌ صغير يهمس كل يوم: «لقد تعبت». ولأن المجتمع لا يرى إلا ما يظهر، أصبح كثيرون يتقنون إخفاء استنزافهم أكثر من معالجته. نخشى أن نصف أنفسنا بالضعفاء، فنرتدي ثوب القوة، حتى ننسى شكلنا الحقيقي. نعتذر عن كل شيء إلا عن حق أنفسنا في الراحة، ونمنح الجميع وقتًا، بينما نؤجل اللقاء مع ذواتنا إلى موعد لا يأتي. والمؤلم أن الاستنزاف لا يسرق طاقتنا أولًا... بل يسرق شغفنا. ذلك الشغف الذي كان يجعلنا نستيقظ باكرًا من أجل حلم، أو نقرأ كتابًا بشغف، أو نتعلم شيئًا جديدًا، أو نكتب لأن الكتابة حياة، أو نلتقي بالأصدقاء لأن وجودهم يبهجنا. فجأة، تصبح الأشياء نفسها بلا طعم. ليس لأنها تغيرت... بل لأننا نحن من تغيرنا. لقد أصبحنا نعيش الحياة بوضعية «النجاة»، لا «الحياة». نؤدي ما علينا، ونؤجل ما يُنعشنا. نركض خلف الإنجاز حتى نسينا لماذا بدأنا الركض أصلًا. وكلما ظننا أن المحطة القادمة ستمنحنا الراحة، اكتشفنا أن الاستنزاف كان يسافر معنا منذ البداية. والحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن الإنسان لا ينكسر غالبًا بسبب موقف واحد، بل بسبب مئات التفاصيل الصغيرة التي تحملها بصمت. كلمة ابتلعها، ودمعة أخفاها، ومسؤولية تحمّلها وحده، وخيبة تجاوزها دون أن يمنح نفسه فرصة للحزن. كل واحدة منها تبدو بسيطة... لكنها مع الوقت تستنزف القلب كما يستنزف الصدأ الحديد. لهذا، لا تجعل معيار قوتك هو قدرتك على الاحتمال. فأقوى الناس ليسوا الذين يتحملون كل شيء، بل الذين يعرفون متى يتوقفون، ومتى يعتذرون لأنفسهم قبل أن يعتذروا للآخرين، ومتى يمنحون أرواحهم حقها في السكون. فالروح ليست آلة، والشغف ليس موردًا لا ينضب، والقلب الذي يُعطي باستمرار دون أن يتلقى عناية، سيصل يومًا إلى مرحلة لا يعود فيها قادرًا على العطاء. ربما لسنا بحاجة إلى حياة جديدة... بل إلى استعادة أنفسنا قبل أن نبحث عن استعادة أحلامنا. فالإنسان لا يفقد شغفه دفعةً واحدة، بل يفقده كل يوم، عندما يعتاد أن يؤجل نفسه، حتى يصبح غريبًا عنها. وعندها، لا يكون أكثر ما يحتاجه هو الراحة... بل أن يجد الطريق أن يعيده إلى ذاته من جديد.

351

| 09 يوليو 2026

منتصف العام.. ليس موعدًا لمحاسبة نفسك بل لمصالحتها

في منتصف الطريق، يحدث شيء غريب. لا ننظر إلى الأشهر التي مضت باعتبارها حياةً عشناها، بل باعتبارها قائمةً طويلة من الأشياء التي لم ننجزها. نفتح دفاتر الأهداف، نراجع القرارات، ونقارن أنفسنا بصورة رسمناها في بداية العام، ثم نحكم على أنفسنا بقسوة، وكأن الإنسان آلة إنتاج لا قلب له، ولا ظروف، ولا انكسارات. لكن... ماذا لو كان نصف العام الذي تظنه ضائعًا، هو في الحقيقة أكثر الفترات التي نضجت فيها؟ ماذا لو كانت أعظم إنجازاتك لم تُكتب في مفكرة، ولم تُعلّق على جدار، ولم يصفق لها أحد؟ ربما كان إنجازك الحقيقي أنك نجوت من مرحلة ظننت أنها ستكسرك. وربما كان انتصارك أنك أغلقت بابًا كان يستنزف روحك، أو سامحت شخصًا دون أن تنتظر اعتذارًا، أو تعلمت أن تقول "لا" بعد سنوات من إرضاء الجميع على حساب نفسك. هناك معارك لا يراها الناس، لكنها تترك في أرواحنا أوسمة لا تمنحها الجامعات، ولا الشركات، ولا المناصب. فكم من شخص يبدو للآخرين أنه لم يحقق شيئًا هذا العام، بينما هو في داخله أعاد بناء نفسه حجرًا فوق حجر، بعد أن هدمتها الحياة مرات عديدة. لسنا مطالبين أن نكون في سباق دائم مع الزمن. فالزمن لا يصفق للأسرع، بل ينصف من استمر رغم التعب، ومن نهض بعد كل سقوط، ومن حافظ على إنسانيته في زمن أصبحت فيه القسوة تُفسَّر على أنها قوة. منتصف العام ليس إعلانًا للفشل، وليس جرس إنذار بأن الوقت قد انتهى. بل هو فرصة هادئة لنقف مع أنفسنا، لا ضدها. أن نسأل: ماذا تعلمنا؟ ومن أصبحنا؟ وما الذي يجب أن نتركه خلفنا قبل أن نعبر إلى النصف الثاني من العام؟ فبعض الأحلام تحتاج وقتًا أطول لتنضج. وبعض الأمنيات لا تتحقق إلا بعد أن يتغير صاحبها من الداخل. وأحيانًا، يكون التأخير رحمة، لأن النسخة القديمة منا لم تكن مستعدة لتحمل النعمة التي كانت تطلبها. لذلك، لا تجعل منتصف العام محطةً لجلد الذات، ولا مناسبةً لمقارنة حياتك بحياة الآخرين. فما تراه على الشاشات ليس الحقيقة كاملة، ولكل إنسان قصة لا تُروى، وأعباء لا تُنشر، ودموع لا تظهر في الصور. صالح نفسك اشكرها لأنها قاومت، وابتسمت رغم التعب، وحملت مسؤولياتها، وأكملت الطريق حتى عندما لم يكن أحد يصفق لها. ثم ابدأ من جديد ليس لأن العام أوشك أن ينتهي، بل لأن الحياة تمنحنا كل صباح حقًا جديدًا في البداية. فلا تخف إن تأخر حصادك، ولا تحزن إن كانت خطواتك أبطأ من غيرك. فالورود لا تتفتح في اليوم نفسه، والنجوم لا تظهر كلها في ساعة واحدة، وكل إنسان له توقيته الذي كتبه الله له. ولعل أجمل ما يمكن أن تهديه لنفسك في منتصف هذا العام، ألا تسألها: "لماذا لم تنجزي أكثر؟" بل اسألها بكل امتنان: "كم مرة سقطتِ... ومع ذلك نهضتِ؟" فهناك فرق كبير بين من أنهى نصف عام بالأرقام، ومن أنهى نصف عام بقلب أكثر حكمة، وروح أكثر سلامًا، ونفس أكثر قربًا من الله.

474

| 06 يوليو 2026

السنغال... ودروس الحياة المريرة

في كرة القدم، كما في الحياة، ليست كل الهزائم سببها ضعف الإمكانيات، ولا كل الخسائر تعني أنك كنت الأسوأ. ما حدث للسنغال في المونديال لم يكن مجرد خروج فريق من بطولة، بل كان درساً إنسانياً عميقاً يختصر كثيراً مما نعيشه في حياتنا. قد تقدم أفضل ما لديك، وتقاتل حتى الدقيقة الأخيرة، وتبذل من الجهد ما يكفي لتستحق الفوز... ثم تجد أن النتيجة لم تكن كما تمنيت. وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي. ليس امتحان القدرة على الفوز، بل القدرة على تقبل ما لم تختره. فالسنغال لم تكن تفتقر إلى الشجاعة، ولم ينقصها الإصرار، لكنها اصطدمت بحقيقة لا ينجو منها أحد: أن الحياة لا تكافئ الجهد دائماً بالنتيجة التي نريدها، لكنها تكافئه بالخبرة التي نحتاجها. كم من إنسان اجتهد في عمله ولم ينل التقدير، وأحب بصدق ولم يُبادل بالمثل، وانتظر فرصةً طالما حلم بها، لكنها ذهبت إلى غيره. هل يعني ذلك أن كل ما فعله كان بلا قيمة؟ أبداً. فالإنسان لا يُقاس بما خسره، بل بالطريقة التي وقف بها بعد خسارته. أحياناً تكون الحياة قاسية إلى الحد الذي يجعلك تدرك أن العدالة ليست دائماً فورية، وأن الاستحقاق لا يأتي في الموعد الذي نريده، وأن بعض الأبواب تُغلق لتقودنا إلى أبوابٍ لم نكن لنلتفت إليها. وهذا ما يجعل الهزيمة جزءاً من رحلة النجاح، لا نهايتها. السنغال ستغادر البطولة، لكن ما ستحتفظ به ليس فقط نتيجة مباراة، بل تجربة ستصنع جيلاً أكثر صلابة، وأكثر إيماناً بأن السقوط لا يعني انتهاء الطريق. وهكذا هي الحياة... قد تخسر جولة، أو وظيفة، أو مشروعاً، أو حتى شخصاً كنت تظن أنه سيبقى معك إلى النهاية، لكن ذلك لا يعني أن قصتك انتهت. فالخسارة الحقيقية ليست أن تتعثر، بل أن تسمح للتعثر أن يسرق منك الرغبة في المحاولة مرة أخرى. ومن يتأمل قصص الناجحين، سيكتشف أن أعظم انتصاراتهم لم تولد فوق منصات التتويج، بل خرجت من رحم الهزائم التي ظنوا يوماً أنها النهاية. لذلك، عندما تخذلك النتائج رغم صدق المحاولة، تذكّر أن الحياة لا تكتب الفصل الأخير عند أول خسارة. فالسنغال لم تعلمنا كيف نخسر مباراة... بل كيف نحافظ على كرامة المحاولة، حتى عندما لم يبتسم لها الحظ.

438

| 02 يوليو 2026

لا تحمل الحياة على كتفيك

هناك من يعيش عمره كله وهو يظن أن عليه أن يحمل العالم فوق كتفيه. إن تعثرت علاقةٌ شعر أنه المسؤول عن إصلاحها، وإن حزن قريبٌ منه حمل حزنه قبل حزنه، وإن تأخر أمرٌ في حياته لام نفسه، وإن تغيرت قلوب الناس اجتهد في البحث عن خطأ ارتكبه، حتى لو لم يكن له ذنب. ومع مرور السنوات، لا يصبح متعبًا من الحياة... بل من كثرة ما حمل منها. الحياة ليست ثقيلة إلى هذا الحد، لكننا نحن من نضيف إلى أثقالها ما ليس منها. نحمل توقعات الآخرين، ونطارد رضا الجميع، ونؤجل راحتنا حتى لا يُقال إننا قصّرنا، ونستهلك أعمارنا في معارك كان يمكن أن نعبرها بابتسامة وصمت. والمؤلم أن الإنسان لا يشعر بثقل الحمل في بدايته، بل يعتاد عليه. يبتسم وهو منهك، ويقول: «أنا بخير»، بينما روحه تستغيث من الداخل. يظن أن الصبر يعني أن يتحمل كل شيء، وأن القوة تعني ألا يشتكي، وأن الطيبة تعني أن يفتح قلبه لكل من يطرق بابه. لكن الحقيقة مختلفة. ليس كل ما يحدث حولك مسؤوليتك، وليس كل شخص يمكنك إنقاذه، وليس كل مشكلة خُلقت لتجد لها حلًا على يديك. هناك أشياء لو تركتها لله، لارتاحت نفسك قبل أن تتغير ظروفك. وهناك هموم لو رفعت يديك بالدعاء بدل أن تحملها في قلبك، لعشت أخف روحًا وأكثر طمأنينة. تذكَّر أن الله سبحانه لم يطلب منك أن تحمل الدنيا، بل طلب منك أن تؤدي ما عليك، ثم تتوكل عليه فيما لا تملك. وما زاد على ذلك، فهو حمل اخترته لنفسك، ولم يفرضه عليك أحد. امنح نفسك الإذن بأن ترتاح. لا لأنك ضعيف، بل لأنك إنسان. فالروح التي تُرهقها الأحمال، لن تستطيع أن تمنح الحب، ولا العطاء، ولا حتى السلام لنفسها. خفف عن قلبك... فالعمر أقصر من أن يُقضى في حمل ما ليس لك، والحياة أجمل حين نؤمن أن بعض الأثقال، أفضل طريقة للتعامل معها... أن نتركها إلى الله.

429

| 01 يوليو 2026

حين يتحدث القائد بقلب الإنسان

ليست القيادة مناصب تُحمل، ولا ألقابا تُكتب قبل الأسماء. القيادة الحقيقية تظهر في اللحظات الصعبة، حين يجد المسؤول نفسه أمام موقف لا تكفي فيه لغة الأرقام ولا البيانات ولا التصريحات الرسمية. في بعض المواقف، ينتظر الناس من القائد أن يكون قوياً، حازماً، ومتزناً. لكنهم لا يتوقعون دائماً أن يكشف عن إنسانيته بهذا الصدق. عندما قال المسؤول: “للأسف، أجد نفسي اليوم أقوم بمهمة كنت أتمنى أن لا أقوم بها أبداً”، لم تكن مجرد عبارة افتتاحية لمؤتمر صحفي، بل كانت جملة خرجت من قلب إنسان قبل أن تخرج من لسان مسؤول. فخلف كل رقم يُعلن، هناك روح رحلت، وأسرة مكلومة، وأحلام انقطعت في لحظة. وحين يدرك القائد ذلك، فإنه لا يتحدث عن حادثة فقط، بل يتحدث عن مسؤولية أخلاقية وإنسانية يشعر بثقلها قبل أي شيء آخر. ما ميّز هذه الكلمات أنها لم تختبئ خلف لغة البروتوكول الجامدة، ولم تكتفِ بسرد الوقائع، بل حملت قدراً عالياً من التعاطف والاحترام لكرامة الإنسان، أيّاً كانت جنسيته أو موقعه. وكأن الرسالة تقول إن قيمة الإنسان لا تُقاس بمنصبه أو بلده، بل بكونه إنساناً يستحق الحياة والاحترام. وفي زمن أصبحت فيه كثير من التصريحات متشابهة، تبقى الكلمات الصادقة مختلفة. لأن الناس قد تنسى التفاصيل، لكنها لا تنسى المواقف التي شعرت فيها أن المسؤول يشاركهم الألم، لا يكتفي بإدارته. القيادة ليست أن تقف بعيداً عن المشهد وتشرح ما حدث، بل أن تشعر بثقل ما حدث وأنت تشرحه. وهذا ما جعل تلك العبارة تلامس القلوب قبل أن تتصدر العناوين. إن أعظم ما يمكن أن يمتلكه القائد ليس السلطة، بل الإنسانية. فالسلطة تمنحه القدرة على اتخاذ القرار، أما الإنسانية فتعطي ذلك القرار روحه ومعناه. وفي النهاية، تبقى بعض الكلمات أكبر من كونها تصريحاً إعلامياً؛ إنها درسٌ في أن المنصب مهما علا، لا ينبغي أن يُفقد الإنسان قلبه. بل لعل أعظم القادة هم أولئك الذين كلما ارتفعت مناصبهم، ازداد شعورهم بالناس، وبآلامهم، وبقيمة الحياة التي لا تُعوّض. فالقائد الذي يتحدث بلغة الإنسان، يبقى في ذاكرة شعبه أطول من القائد الذي يتحدث بلغة المنصب فقط.

339

| 24 يونيو 2026

كتاب لا يُغلق.. وكتاب يستحق أن يُحرق!

هناك أشخاص يدخلون حياتنا ككتابٍ جميل، نقرأ صفحاته بشغف، ونعود إليه كلما ضاقت بنا الأيام. كل صفحة فيه تحمل ذكرى، وكل سطر يترك أثرًا، وكل فصل يضيف إلى أرواحنا شيئًا من النضج أو الطمأنينة أو الحكمة. وهناك كتب أخرى… كتبٌ تعلمنا منها أكثر مما أسعدتنا. كتبٌ امتلأت صفحاتها بالخذلان، وسطورها بالتناقض، وعناوينها بالوعود التي لم تتحقق. وفي الحياة، لسنا مطالبين بالاحتفاظ بكل كتاب مرّ بين أيدينا. بعض الكتب خُلقت لتبقى مفتوحة في قلوبنا مهما طال الزمن. نعود إليها كلما اشتقنا للصدق، أو افتقدنا الأمان، أو أردنا أن نتذكر أن في هذه الدنيا أشخاصًا كانوا نعمةً في الطريق. هؤلاء لا تُطوى صفحاتهم، لأن أثرهم لا يطويه الزمن. وفي المقابل، هناك كتبٌ لو بقينا نقرأها لأضعنا أعمارنا كلها في الفصل نفسه. كتب تعيد الألم ذاته، والخذلان ذاته، والأسئلة ذاتها. كتب لا تمنحنا معرفة جديدة، ولا تضيف إلى أرواحنا سوى التعب. وهنا تكمن الحكمة… ليس كل ما بدأناه يجب أن نكمله، وليس كل ما أحببناه يجب أن نبقيه معنا إلى الأبد. أحيانًا تكون الشجاعة في إغلاق الكتاب، وأحيانًا تكون في تمزيق آخر صفحة منه، لا كراهيةً لما كان، بل احترامًا لما تبقّى منا. فالحياة أقصر من أن نقضيها أسرى لفصول انتهت، أو لشخصيات غادرت المسرح وبقيت تسكن ذاكرتنا دون حق. احتفظ بالكتب التي جعلتك إنسانًا أفضل. احتفظ بالكتب التي كلما عدت إليها وجدت فيها دفئًا لا وجعًا، وسلامًا لا صراعًا. أما تلك الكتب التي استنزفت قلبك، وأرهقت روحك، وسرقت من عمرك أكثر مما أعطتك… فلا تتردد في إحراقها رمزيًا، وإلقاء رمادها خلفك، ثم المضي نحو فصل جديد. لأن أجمل ما في الحياة، أنها لا تتوقف عند كتابٍ واحد، ولا عند قصةٍ واحدة، ولا عند نهايةٍ ظننا يومًا أنها نهاية كل شيء. بل قد يكون الكتاب الذي يستحق القراءة حقًا… لم نفتح صفحته الأولى بعد.

378

| 22 يونيو 2026

المرأة التي لم تعش لنفسها يوماً

في كل بيتٍ امرأةٌ لا تُذكر تفاصيل تضحياتها كاملة، ولا تُكتب قصتها في الكتب، ولا تُمنح الأوسمة التي تستحقها، لكنها كانت طوال العمر تحمل أسرةً بأكملها فوق كتفيها دون أن يشعر أحد بثقل ما تحمل. إنها الأم...المرأة التي لم تعش لنفسها يوماً. منذ أن أصبحت أماً، تغيّرت قوانين حياتها. لم تعد تفكر في ما تريد بقدر ما تفكر في ما يحتاجه أبناؤها. أصبحت أحلامهم أولوية، وراحتهم هدفاً، ونجاحهم مشروع عمرها الطويل. كانت تؤجل نفسها باستمرار، وكأن لديها يقيناً داخلياً بأن الوقت سيتسع لها لاحقاً، بينما كانت السنوات تمضي بهدوء وتأخذ معها الكثير من الأشياء التي لم تعشها لنفسها. كم مرة نامت متعبة لأنها كانت منشغلة براحة الآخرين؟ وكم مرة أخفت ألماً في قلبها حتى لا تسرق من أبنائها لحظة فرح؟ وكم مرة ابتسمت وهي تحمل من الهموم ما لو وُزع على جماعة لأثقلهم؟ الأم لا تخبر أحداً عن خسائرها الصغيرة. لا تتحدث عن الأحلام التي تنازلت عنها، ولا عن الأمنيات التي وضعتها جانباً، ولا عن الطرق التي لم تسلكها لأنها اختارت طريقاً آخر عنوانه الأبناء. هي الوحيدة التي تعتبر خسارتها مكسباً إذا كان فيه سعادة لمن تحب. ومع مرور العمر، يكبر الأبناء، وينشغل كل واحد منهم بحياته، بينما تبقى الأم كما هي؛ قلباً مفتوحاً، وباباً لا يُغلق، ودعاءً لا ينقطع. قد تتغير ملامحها، وقد يثقل الشيب رأسها، لكن شيئاً واحداً لا يتغير أبداً: خوفها عليهم. تظل الأم تحمل أبناءها في قلبها حتى بعد أن يتوقفوا عن حملها في ذاكرتهم اليومية. ولعل أكثر ما يؤلم في قصة الأم أننا غالباً لا ندرك حجم ما قدمته إلا عندما نصبح مسؤولين عن غيرنا، أو عندما نفقدها. حينها فقط نفهم أن تلك المرأة التي كانت تبدو عادية في تفاصيلها اليومية كانت في الحقيقة أعظم مما تصورنا. كانت جيشاً كاملاً يرتدي ملامح امرأة. كانت وطناً صغيراً نلجأ إليه كلما ضاقت بنا الحياة. وكانت الحضن الوحيد الذي يمنحنا الأمان دون شروط. لهذا لا يكفي أن نحب أمهاتنا، بل يجب أن نشعر بهن، وأن نرى ما وراء صمتهن، وأن ندرك أن العمر الذي منحْنَه لنا لم يكن فائضاً من الوقت، بل كان جزءاً من أعمارهن اقتطعنه بمحبة. فالأم ليست المرأة التي أنجبت أبناءً فقط... بل المرأة التي وهبت عمرها كله للحياة في الآخرين حتى نست أن تعيش بعض الحياة لنفسها.

795

| 13 يونيو 2026

تساؤلات تنهش الروح

هناك معارك لا يراها أحد. لا أصوات فيها، ولا دموع معلنة، ولا شكاوى تُرفع للناس. مجرد إنسان يجلس مع نفسه، وتحاصره أسئلة لا يجد لها إجابة، فتبدأ في التهام روحه بصمت. لماذا نشعر أحياناً أننا غرباء في الأماكن التي كانت تشبهنا؟ ولماذا نكبر لنكتشف أن بعض الأحلام التي قاتلنا لأجلها لم تكن لنا من البداية؟ هل نحن نتغير فعلاً، أم أن الحياة تكشف النسخة الحقيقية منا مع مرور الوقت؟ كيف يمكن لشخص أن يكون محاطاً بالناس، ومع ذلك يشعر بوحدة لا يستطيع تفسيرها؟ لماذا نتذكر الكلمات المؤذية أكثر من مئات الكلمات الجميلة؟ ولماذا تبقى بعض المواقف عالقة في الذاكرة رغم مرور السنوات عليها؟ هل كان يمكن أن تكون حياتنا مختلفة لو اتخذنا قراراً آخر في لحظة واحدة فقط؟ هل نحن نعيش الحياة التي نريدها، أم الحياة التي فرضتها علينا الظروف؟ كم مرة ابتسمنا بينما كانت أرواحنا تستغيث؟ وكم مرة قلنا "أنا بخير" لأننا لم نجد من يفهم حجم ما بداخلنا؟ لماذا نركض خلف أشياء نظن أنها ستجعلنا سعداء، ثم نصل إليها فنكتشف أن الفراغ ما زال في مكانه؟ ولماذا نبحث عن التقدير من الآخرين بينما نعجز أحياناً عن تقدير أنفسنا؟ هل خذلتنا الحياة حقاً، أم أن توقعاتنا منها كانت أكبر من حقيقتها؟ وهل الأشخاص الذين رحلوا كانوا خسارة لنا، أم كانوا درساً تأخرنا في فهمه؟ لماذا يأتي الفقد بأشكال متعددة؟ فقد شخص... وفقد حلم... وفقد نسخة قديمة من أنفسنا كنا نحبها. أيؤلمنا ما خسرناه؟ أم يؤلمنا أننا لم نكن مستعدين لخسارته؟ لماذا نخاف من الغد رغم أن الأمس الذي نجونا منه كان أكثر صعوبة؟ ولماذا نستهلك أعمارنا في القلق على أمور لم تحدث بعد؟ هل نحن حقاً نعيش أيامنا؟ أم أننا نقضي معظمها بين ندم على ما مضى وخوف مما سيأتي؟ وماذا عن تلك التساؤلات التي لا نجرؤ على قولها بصوت مرتفع؟ هل أنا كافٍ؟ هل أنا محبوب كما أنا؟ هل يراني الآخرون كما أرى نفسي؟ هل سأصل يوماً إلى المكان الذي أطمح إليه؟ وهل سيأتي ذلك اليوم الذي أشعر فيه أنني مطمئن تماماً؟ ثم يأتي السؤال الأعمق... لماذا تحدث لنا بعض الأمور رغم أننا لم نؤذِ أحداً؟ لماذا تتأخر الأمنيات التي ندعو الله بها سنوات طويلة؟ ولماذا يختبر الله قلوباً أنهكها الانتظار؟ أسئلة كثيرة تتزاحم داخل الإنسان حتى يظن أن الإجابات هي ما ينقصه. لكن مع النضج يكتشف أمراً مختلفاً... أن الحياة لم تُخلق لتمنحنا تفسيراً لكل شيء. وأن بعض الأقدار لا تُفهم إلا بعد مرورها. وأن بعض الأبواب أُغلقت رحمةً بنا لا عقاباً لنا. وأن بعض التأخير كان حماية. وأن بعض الخسارات كانت نجاة. وأن أكثر ما ينهش الروح ليس غياب الإجابات، بل غياب الثقة بأن وراء كل ما يحدث حكمة لا نراها الآن. وعندما تصل النفس إلى هذه المرحلة، لا تختفي الأسئلة تماماً، لكنها تفقد قدرتها على التهام الروح. لأن القلب الذي امتلأ يقيناً، لا تهزمه التساؤلات مهما كثرت، بل يتعامل معها بهدوء المؤمن الذي يعلم أن الله يرى الصورة كاملة، بينما هو لا يرى سوى جزء صغير منها . "ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبراً"

507

| 09 يونيو 2026

رفيق كل الدروب

في رحلة الحياة الطويلة، نلتقي بالكثير من الأشخاص. بعضهم يمر كنسمة عابرة لا تترك أثراً، وبعضهم يمر كفصلٍ كامل من العمر، يغير فينا شيئاً، ويضيف إلى أرواحنا شيئاً، ويترك خلفه ذكرى لا تغيب مهما تعاقبت السنوات. وفي وسط كل هذه الرحلة، يرزقنا الله بأشخاص لا يمكن أن نضعهم تحت أي مسمى عابر. أشخاص كانوا معنا حين كنا في أفضل حالاتنا وأسوأها، عرفوا تفاصيلنا التي نخفيها عن الآخرين، وشاهدوا لحظات ضعفنا قبل قوتنا، وتقلبات مزاجنا قبل ابتساماتنا، ومع ذلك اختاروا البقاء. إلى رفيق الدرب... إلى ذلك الإنسان الذي لم يكن مجرد صديق أو قريب أو زميل، بل كان مساحة أمان في عالم مزدحم بالضجيج. إلى من تحملنا في الأيام التي لم نكن فيها سهلين، واستوعب صمتنا حين عجزنا عن الكلام، وفهم مشاعرنا قبل أن نحسن التعبير عنها. كم هي نادرة تلك الأرواح التي لا تربط وجودها في حياتنا بالمصلحة، ولا تقيس علاقتها بنا بحجم ما تأخذ، بل تمنح لأنها تحب، وتقف لأنها تؤمن أن الوقوف إلى جانب من نحب واجبٌ لا فضل. هناك أشخاص يمنحوننا أكثر مما ندرك. لا يقدمون المال ولا الهدايا فقط، بل يقدمون شيئاً أثمن من ذلك كله؛ يقدمون وقتهم، واهتمامهم، وصبرهم، وقلوبهم. يمنحوننا شعوراً بأننا لسنا وحدنا مهما اشتدت الظروف، وأن هناك من يسند ظهورنا حين تثقلنا الأيام. إلى كل شخص احتمل مزاجنا حين خانتنا القدرة على التوازن، وإلى كل شخص تفهم انفعالاتنا التي كانت وليدة تعبٍ أو ضغطٍ أو حزنٍ لم نعرف كيف نفسره. شكراً لأنكم نظرتم إلى ما وراء التصرفات، ورأيتم الإنسان الذي يحاول أن يتجاوز ظروفه لا الشخص الذي أخطأ في التعبير عنها. شكراً لكل من وقف معنا دون أن نطلب، ولكل من حضر حين غاب الجميع، ولكل من اختار أن يكون سنداً في وقتٍ كان فيه السند أثمن من أي شيء آخر. الحقيقة التي نتعلمها مع مرور العمر أن الحياة لا تقاس بعدد الأشخاص الذين نعرفهم، بل بعدد الأشخاص الذين نستطيع الاتكاء عليهم حين تتعب أرواحنا. فالكثيرون يشاركوننا لحظات الفرح، لكن القليل فقط من يرافقنا في لحظات الانكسار دون أن يشعرنا بثقل وجودنا. وما أجمل الإنسان الذي يظل ثابتاً رغم تغير الظروف. ذلك الذي لا يتغير حضوره بتغير المصالح، ولا تتبدل مشاعره بتبدل الأحوال، ولا يجعل من المواقف الجميلة ديناً يطالبنا بسداده. إنما يعطي لأنه صاحب قلبٍ كريم، ويحب لأنه صاحب روحٍ نقية. إلى كل شخص أعطى دون انتظار، وسامح دون ضجيج، واحتوى دون مقابل، وآمن بنا حين شككنا نحن في أنفسنا. إلى كل من رأى فينا الخير حتى في لحظات ضعفنا، وإلى كل من كان جزءاً من رحلتنا الجميلة مهما كانت المسافات اليوم بيننا. نعترف أننا قد لا نجيد التعبير دائماً، وقد تمر الأيام دون أن نقول كلمة "شكراً" كما ينبغي، لكن الامتنان الحقيقي لا يسكن اللسان فقط، بل يسكن القلب. وهناك أشخاص مهما كتبنا لهم من كلمات ستبقى مشاعرنا تجاههم أكبر من كل الحروف. فبعض البشر لا تعوضهم الأيام، ولا تستبدلهم الظروف، ولا تنسينا إياهم مشاغل الحياة. يبقون في الذاكرة لأنهم كانوا صادقين، ويبقون في القلب لأنهم كانوا أوفياء، ويبقون في الدعاء لأن الجميل لا يُنسى مهما طال الزمن. إلى رفيق الدرب... شكراً لأنك كنت جزءاً من الرحلة، وشكراً لأنك جعلت الطريق أخف مما كان يمكن أن يكون، وشكراً لأنك كنت حاضراً في اللحظات التي صنعت الفرق دون أن تشعر. شكراً لأنك علمتنا أن الوفاء ما زال موجوداً، وأن العلاقات الحقيقية لا تُبنى على المصالح العابرة، بل على المحبة الصادقة والمواقف النبيلة. سيبقى لكل موقف جميل منك مكان في الذاكرة، ولكل كلمة طيبة أثر في القلب، ولكل لحظة دعم بصمة لا تمحوها الأيام. ومهما تغيرت الظروف، يبقى الامتنان لك شعوراً ثابتاً، وتبقى مكانتك محفوظة في زاوية لا يصل إليها النسيان. فالأشخاص العظماء ليسوا أولئك الذين يملكون الكثير، بل أولئك الذين يمنحون الآخرين شيئاً من قلوبهم، فيجعلون الحياة أكثر دفئاً، والأيام أكثر احتمالاً، والرحلة أكثر جمالاً. ولأن الجميل لا يُنسى... لكم في القلب دعاء، وفي الذاكرة مكان

600

| 07 يونيو 2026

وصل عيالك!!
وصل عيالك!!

هل الطريق إلى المدرسة مجرد مسافة نقطعها كل...

14814

| 01 سبتمبر 2026

العودة للمدارس خطأ !!
العودة للمدارس خطأ !!

كل عام وقبل العودة إلى المدارس يبدأ الاستعداد...

5865

| 25 أغسطس 2026

السودان متى يستعيد عافيته؟
السودان متى يستعيد عافيته؟

-أخطر دروس المأساة السودانية أن الدولة لا تحتمل...

4185

| 30 أغسطس 2026

لماذا تفشل بعض المؤسسات رغم كفاءة مديريها؟
لماذا تفشل بعض المؤسسات رغم كفاءة مديريها؟

قد تضم المؤسسة مديرين أكفاء، وتملك خططًا جيدة...

3384

| 29 أغسطس 2026

حين تتحول الرؤية إلى كفاءة إدارية
حين تتحول الرؤية إلى كفاءة إدارية

بحكم أن أحد أفراد أسرتي يتلقى العلاج في...

1872

| 25 أغسطس 2026

الترميز العقاري.. كيف تملك جزءاً من عقار؟
الترميز العقاري.. كيف تملك جزءاً من عقار؟

هل يمكن لشخص يملك عشرة آلاف ريال أن...

1782

| 26 أغسطس 2026

جماهيرنا نبض المدرجات
جماهيرنا نبض المدرجات

اليوم تنطلق الجولة الثانية من دوري نجوم بنك...

1128

| 27 أغسطس 2026

المختبرات المدرسية..  عين على العلوم وأخرى على السلامة
المختبرات المدرسية.. عين على العلوم وأخرى على السلامة

مع انطلاقة العام الدراسي الجديد، تتجدد تطلعات الميدان...

885

| 30 أغسطس 2026

لا تسرقوا من أبنائكم حلم الغد
لا تسرقوا من أبنائكم حلم الغد

كم مرة سمعت نفسك تقول: “ انتهت الإجازة،...

867

| 28 أغسطس 2026

لماذا لا نحتفل بمولد سيد البشرية؟
لماذا لا نحتفل بمولد سيد البشرية؟

* يحل علينا في شهر ربيع الأول من...

816

| 26 أغسطس 2026

أخلاق الفرسان.. مروءة الخلاف
أخلاق الفرسان.. مروءة الخلاف

في الحياة المهنية، لا تظهر أخلاق الإنسان عندما...

771

| 26 أغسطس 2026

إلى الرؤساء بالوزارات والهيئات.. من حق المجتمع أن يعرف
إلى الرؤساء بالوزارات والهيئات.. من حق المجتمع أن يعرف

هذه رسالة أوجهها إلى كل مسؤول أول في...

606

| 27 أغسطس 2026

أخبار محلية