رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعد طول انتظار لإحدى الحسنيين؛ زيارة الرئيس المصري "محمد مرسي" للسودان أو زيارة الرئيس "عمر البشير" لمصر، من المنتظر أن يحط "البشير" غداً الأحد الرحال في قاهرة المعز بمعية وفد (طويل الساقين عريض المنكبين).. بعض النخب السودانية كانت قد تساءلت لماذا يزور الرئيس "مرسي" الدول الأخرى شرقاً وغرباً، بينما لم يفكر في زيارة السودان لكن هذه الزيارة للرئيس "البشير" قد صبت ماءً بارداً على تلك التساؤلات التي اشتعلت.. الوفد المرافق للرئيس السوداني يضم وزراء رئاسة الجمهورية، الخارجية، الزراعة والري، الكهرباء والسدود، الثروة الحيوانية، الصناعة، بجانب مدير جهاز الأمن ومقرر المجلس الأعلى للاستثمار.. مع تفهم الدلالات العميقة لحجم الوفد وتنوع اختصاصات الوزراء يأمل شعبا البلدين في أن تتجاوز الزيارة مربع العلاقات الكلاسيكي.. أعتقد أن مواطني البلدين سئما تلك البيانات التي تصدر عقب كل قمة رئاسية بين قيادتي الدولتين، وهي بيانات هلامية ونمطية لا تخرج عن إطار هذه العبارات: (ناقش الجانبان العلاقات الثنائية وسبل تطويرها وقد تطابقت وجهات نظرهما في القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك).. نجاح الزيارة في إحداث اختراق في القضايا الأساسية يتوقف على مدى التحضيرات التي أنجزت في كلا الجانبين لهكذا قمة. بطبيعة الحال ليس لمصر في ظل القيادة الجديدة مصلحة في أي توتر مع السودان بل إن مصالحها الاستراتيجية الكبرى تستعصم بأرض السودان؛ مصالح تتعلق بالأمن القومي المصري بمفهومه الشامل، عسكرياً واقتصادياً، فالحلول الناجعة لأزمات البلدين تكمن في علاقات قوية بينهما.. ربما يجد تحالف لمصر مع السودان مقاومة من بقايا نظام "مبارك" أو ما يعرف بالفلول التي ما زالت متنفذة في مفاصل الدولة المهمة خاصة جهاز المخابرات ووزارة الخارجية فضلا عن أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تحبذ أي تحالف أو حتى علاقات تتعدى ذلك المستوى الفاتر إبان عهد نظام "مبارك".. حكومة الرئيس "البشير" هي الأقرب لحكومة "مرسي" إذا ما تجاهلنا ما نُقل عن "مرسي" قوله: (أنا أعرف فقط حسن البنا وحسن الترابي) مما جعل البعض يفسر ذلك على أنه ميل إلى حزب المؤتمر الشعبي المعارض بزعامة "الترابي" على حساب حزب المؤتمر الوطني برئاسة "البشير" وقد كانا حزباً واحداً قبيل انشقاقهما في العام 1999م.. ربما جاء ما نقل عن "مرسي" - إن صحّ - في سياق عاطفي تغلب عليه المجاملة ولا يخفى بالضرورة على القيادة المصرية أن المصالح السياسية لا تعرف المجاملة ولا تعتبر بالعاطفة. ما يجمع بين الدولتين (مصر والسودان) أنهما تواجهان في ظل حكم الإسلاميين ممانعة دولية وإقليمية وإن كانت تبدو خجولة في حق مصر باعتبار أن الإسلاميين فيها جاءوا عبر صناديق الاقتراع؛ فإن الممانعة في حق السودان تبدو سافرة وعنيفة في كثير من الأحيان، ليس لأن الرئيس "البشير" جاء عبر انقلاب عسكري فحسب ولكن لأن بلاده تواجه عدم استقرار بسبب الاضطرابات في ولايات النيل الأزرق وجنوب كردفان فضلا عن دارفور.. دولياً، فإن الولايات المتحدة تقود المعارضة ضد (الإسلام السياسي) تحت مزاعم محاربة الإرهاب الدولي.. إقليمياً فإن إفريقيا بشكل عام تتوجس من الإسلام السياسي والثقافة العربية الإسلامية ونذكر هنا أن رئيس دولة جنوب السودان وقف مستغيثاً عقب الاشتباك العسكري الأخير مع الجارة الأم مخاطباً إفريقيا قائلاً: (أنه يحتاج للدعم لأنه يواجه الإسلام والعروبة القادمين من جهة الخرطوم).. كذلك العدو الخارجي المشترك يتربص الدوائر بالبلدين إلا أن الشأن الداخلي في كليهما يستغرقهما في معارك جانبية.. ففي الوقت الذي اكتملت فيه خطط سرقة مياه النيل وأينعت وأستعد الإسرائيليون لقطافها، كان عدد من من الصحف المصرية منشغلا بكيل السباب للرئيس الجديد "مرسي"، قبل أسابيع عدة وصفت بعض الصحف المصرية أداءه بـ (البلطجة) السياسية في عنوان صحفي عريض، وأشار إليه عنوان صحفي آخر بأنه (الرئيس الفضيحة)!!، وحين تسلم السلطة نشرت صحيفة أن (الفاشي) وصل إلى قصر الرئاسة... في نفس الوقت قالت صحيفة جيروزاليم الإسرائيلية إن إسرائيل وقعت أول اتفاقية دولية مع دولة جنوب السودان.. الاتفاقية لاستغلال مياه النيل ومشروعات تحلية ونقل المياه.. حصة مصر من مياه النيل في خطر داهم وأمن حدود السودان مع الدولة الجديدة تعبث به المخابرات الإسرائيلية.
495
| 14 سبتمبر 2013
ليست المشكلة تكمن في انتهاء صلاحية نظام الأسد في سوريا ولا في إثبات جرائمه ضد الشعب السوري؛ لكن المشكلة تكمن في أن الولايات المتحدة غير مؤهلة أخلاقياً لمعاقبة أو إسقاط نظام الأسد.. عندما يقول الرئيس الأمريكي باراك أوباما: (إن استخدام السلاح الكيميائي في سوريا ليس مأساة فحسب، بل هو انتهاك للقانون الدولي ينبغي تسويته)، فإننا نتساءل مباشرة من هي الدولة الأكثر انتهاكا للقانون الدولي؟! لاشك أن احتلال الولايات المتحدة الأمريكية للعراق الذي لم يشهد عافية منذ ذلك الوقت، كان المثال الأبرز لانتهاك واشنطن للقانون الدولي.. عندما غزت الولايات المتحدة العراق في 20 مارس من العام 2003 لم تراع قانوناً دولياً ولا بعداً إنسانياً بل خالفت بشكل صريح قرارات الأمم المتحدة في هذا الصدد، وعارض كثير من دول العالم حملة الغزو المشؤوم لكونها تخالف القوانين الدولية، وحاولت واشنطن قبيل بدء الحملة العسكرية الحصول على تشريع دولي لكن هذه المحاولات كما سجل التاريخ فشلت فشلاً ذريعاً. بيد أن واشنطن مضت قدماً غير آبهة ودخلت العراق على رؤوس الأشهاد. ويذكر أن السكرتير العام للأمم المتحدة حينذاك كوفي عنان صرَّح بعد سقوط بغداد أن الغزو كان منافياً لدستور الأمم المتحدة. ورأى الكثير من أهل القانون الدولي أن الحملة العسكرية ضد العراق كانت مخالفة للبند الرابع من المادة الثانية للقوانين الدولية والتي تنص على أنه "لا يحق لدولة عضو في الأمم المتحدة من تهديد أو استعمال القوة ضد دولة ذات سيادة لأغراض غير أغراض الدفاع عن النفس".. حتى مبرر واشنطن للغزو سقط في سلة الأكاذيب؛ فقد كان تبرير امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل من أهم التبريرات التي حاولت الإدارة الأمريكية ترويجها في الأمم المتحدة ومجلس الأمن. ولم تفلح واشنطن وهي الدولة المحتلة للعراق بعد ذلك في إثبات مزاعمها بل عمدت إلى حل فرق التفتيش التي شكَّلتها لعدم عثورها على أي أثر على أسلحة الدمار الشامل. وبما أن هناك اتفاقاً بحرمة استخدام الأسلحة الكيميائية؛ فيجب أن يكون هناك اتفاق بحرمة قتل الأبرياء، وأن قتل أعداد كبيرة منهم جرم كبير يساوي استخدام الأسلحة الكيميائية.. فليس من العدل أن يتغاضى العالم المسمى (حرا) عن مقتل آلاف المتظاهرين السلميين في ميادين رابعة العدوية والنهضة في مصر ويتمسك بضرب نظام سوريا لقتله أعدادا ربما أقل باستخدام الأسلحة الكيميائية.. المعايير المختلة والموازين المزدوجة هي مؤشر للأغراض الخفية وراء الإدانات والحملات العسكرية وإن اتفقنا معهم على فظاعة هذا الجرم أو ذاك. المأساة أيضاً أن واشنطن ماضية في تنفيذ عمل عسكري ضد سوريا رغم رفض الصين وروسيا وألمانيا التي تنادي بوضع حد لأعمال العنف ومعاناة السوريين بأسرع وقت، من دون محاولات للتدخل العسكري الخارجي بالالتفاف على مجلس الأمن الدولي.. لن تنتظر واشنطن نتائج تحقيق الأمم المتحدة حول استخدام هذه الأسلحة الكيميائية ولن تعتبرها الأساس لأي خطوة مقبلة في ملف سوريا.. لن تستمع واشنطن للأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الذي يصرخ بصوت مبحوح قائلا: (إن الحل السياسي هو السبيل الوحيد لتفادي حمام الدم).. ولن تصغي واشنطن أيضاً لرئيس المجلس الأوروبي فإن رومبوي الذي ظل يشدد على الحاجة لمعالجة الأزمة عبر الأمم المتحدة. الولايات المتحدة الأمريكية وعلى لسان سفيرتها لدى الأمم المتحدة سامنثا باور قالت إن بلادها تخلت عن العمل مع مجلس الأمن بشأن الملف السوري وستتحرك منفردة لأنه لا ينبغي ترك النظام السوري "ينتهك القوانين الدولية" ويتصرف دون عقاب باستخدام الأسلحة الكيميائية، مشيرة إلى أن روسيا التي توفر له "الحماية" تعوق مجلس الأمن من التحرك.. والحقيقة الناصعة أن واشنطن ظلت تحمي إسرائيل وهي تنتهك الحق الفلسطيني باستخدام الأسلحة المحرمة دولياً والأكثر فتكا من الأسلحة الكيميائية في غزة وغيرها، بل ظلت تعوق عمل مجلس الأمن حينما يناقش جرائم إسرائيل وانتهاكاتها للقانون الدولي.. الحقيقة الأخرى فإن التحرك العسكري الأمريكي ضد سوريا وغير المبني على قرار من مجلس الأمن هو عدوان ضد دولة ذات سيادة.
488
| 07 سبتمبر 2013
بعد عدة أسابيع من التفاؤل بحدوث اختراق حقيقي في العلاقة بين جوبا الخرطوم، تبرز من جديد قضية أبيي المتنازع حولها.. أقصى درجات التفاؤل بلغت عندما تم الإعلان عن زيارة الرئيس سلفا كير إلى الخرطوم في ثاني زيارة له بعد انفصال دولة الجنوب في يوليو 2011.. التفاؤل في الخرطوم بدا متزامناً مع العمليات الجراحية التي أجراها في حكومته التي أقصى بموجبها نائبه رياك مشار ووزير السلام باقان أموم الذي كان يشغل في الوقت نفسه منصب الأمين العام للحركة الشعبية الحاكمة في جوبا، كما شمل الإقصاء وزير التعاون الدولي دينق ألور وهو أحد قيادات أبناء أبيي من دينكا نقوك الذين يشاركون قبيلة المسيرية العربية في أرض أبيي.. عمليات سلفا الجراحية طالت الذين عرفوا بمواقف حادة ومتطرفة ضد الاتفاقات التي وقعت في سبتمبر 2012 في أديس أبابا بين البلدين وهذا ما بنى عليه المتفائلون تفاؤلهم.. المتشائمون يؤكدون أن كلمات تقاربت قلوب البلدين ظهر ما يعكر الصفو بفعل فاعل مع سبق الإصرار والترصد، وهنا يتشهدون بإثارة قضية أبيي مع قرب زيارة سلفا إلى الخرطوم. من جانبها أعلنت جوبا بدء ترتيبات لاستفتاء أبيي في أكتوبر المقبل وأعلنت الرئاسة الجنوبية منح أبناء ما تسميه إقليم أبيي العاملين في جميع مؤسسات الدولة إجازات مفتوحة للعودة إلى الإقليم لتمكينهم من المشاركة في الاستفتاء.. الاستفتاء الذي كانت قد أعلنت عنه الوساطة الإفريقية ورفضته الخرطوم لأسباب منها توقيته والأشخاص المسموح لهم بالمشاركة في الاستفتاء، وسيقرر سكان أبيي في الاستفتاء مصيرهم بين تبعية جنوب السودان أو البقاء في السودان وفقاً لمقترح الاتحاد الإفريقي.. فور الإعلان الجنوبي أكدت الخرطوم أن الترتيبات الجنوبية غير قانونية بسبب اتفاق مسبق بعدم قيام الاستفتاء من أي طرف دون الآخر.. والرفض الأكثر حدة جاء من قبل قبائل المسيرية العربية صعبة المراس وكشفوا عن تهديد مبطن لحكومة الخرطوم بقولهم إن تفويضهم لحكومة السودان بشأن المنطقة هو تفويض سياسي لا يخول لها التصرف في الأرض ويقول ناظر القبيلة مختار بابو نمر إن المسيرية "باقون في أبيي إما على سطح أرضها أو تحتها".. الخرطوم حاولت التأكيد على عدم رفضها مبدأ الاستفتاء بيد أن هذا الاستفتاء في نظرها لابد أن يتم وفق اتفاقية البروتوكول الموقع في شأن استفتاء المنطقة.. وتقول الخرطوم إن البروتوكول نص على الترتيب للاستفتاء من خلال آليات تحدد كيف ومتى يجري ومن الذي له حق الاستفتاء.. الخرطوم أعلنت بصراحة ووضوح أنه في كل الأحوال لا يمكن أن ينفذ الاستفتاء من طرف واحد، وهو الأمر الذي تصر عليه دولة جنوب السودان في أكتوبر القادم.. المسيرية يتهمون جوبا بأنها تريد إجراء الاستفتاء في أكتوبر لشيء في نفس يعقوب حيث الغلبة لدينكا نقوك باعتبار أن المسيرية يرحلون عن أبيي بحثاً عن العشب لمواشيهم في ذلك التوقيت.. في الوقت نفسه تصر جوبا على أن دينكا نقوك يحق لهم المشاركة في الاستفتاء حتى ولو كانوا يقيمون في أستراليا. في خضم كثرة القضايا المعلقة وتعقيدها ينسى البعض أن أبيي داخل حدود يناير 1956م وهي الحدود الفاصلة بين جنوب السودان وشماله وهي التي قامت عليها اتفاقية نيفاشا، وعليه فإن استفتاء أبيي ليس على الأرض لأنها محسومة الانتماء ولكن على المواطنين أي يُستفتوا على رغبتهم في البقاء في أبيي باعتبارها أرضا شمالية أو العودة إلى داخل حدود دولة الجنوب.. لا مجال لأن تبكي الخرطوم على اللبن المسكوب حيث إنها فرطت في ورقة مهمة كانت بيدها؛ إذ إنها وافقت على استفتاء الجنوب قبل حسم مسألة أبيي وبالتالي استفتي الجنوبيون على أرض غير معلومة الحدود وهنا كمن الداء؛ لكن العقل الرشيد والمنطق السديد يقول لكلا الدولتين إن أبيي (تساوي 1% من مساحة السودان قبل انفصاله) نزاع حدودي ليس بالضرورة حسمه الآن وهناك أكثر من (200) نزاع حدودي على نطاق العالم لكن النشط منها حوالي (13) نزاعاً. السؤال هل سلفا جاد في إجراء الاستفتاء رغم مؤشرات الاستحالة أم أن الرجل الذي ذهب بعيداً في إرضاء الخرطوم، يريد أن يقول للداخل الجنوبي أن إرضاء الخرطوم لن يكون على حساب قضايا حساسة مثل أبيي؟. هل على الخرطوم تفهم المأزق الذي يمسك بتلابيب سلفا؟. هل لدى قبائل المسيرية قابلية لتحمل أي نوع من المرونة يمكن أن تبديها الخرطوم تجاه ملف أبيي؟.
522
| 31 أغسطس 2013
يبدو أن هناك خطأ إجرائياً وبرتوكولياً تتحمله الحكومة السودانية في حادثة منع عبور طائرة الرئيس عمر البشير الأجواء السعودية في طريقها إلى إيران لحضور مراسم تنصيب الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني أول أغسطس الجاري، بيد أن هذا "الخطأ" ربما كان للرياض فيه فائدة؛ باعتبار أن السعودية لن تكون سعيدة بأي تقارب أو علاقة حميمية بين الخرطوم وطهران.. لذا كان من السهل تفسير المنع باعتباره قراراً سعودياً قائم على حيثيات سياسية وصادر عن أعلى المستويات. الجهات السودانية المسؤولة ذات الصلة بترتيبات زيارة الرئيس سعت بدورها للتنصل عن مسؤوليتها مما حدث وتعليق فشلها على التفسير السياسي لقرار المنع.. لكنه كان إجراءً صادماً وأثار استياءً كبيراً وسط السودانيين. ومنذ للوهلة الأولى ظهرت صعوبة تفسير الإجراء السعودي. بعد مضي عدة أيام من الحادثة بادرة هيئة الطيران المدني السعودي بإصدار بيان بصبغة فنية بحتة عزت فيه أن منع طائرة الرئيس السوداني من عبور الأجواء السعودية، إلى أربعة أسباب، تتعلق بأنظمة الطيران المحلية والدولية، والبروتوكولات الدبلوماسية. وبينت الهيئة السعودية أن حكومة السودان لم تتقدم بطلب رسمي للحصول على تصريح دبلوماسي للطائرة التي سوف تقل الرئيس، سواء عن طريق سفارة المملكة في الخرطوم، أو سفارة السودان في الرياض. وأشارت تقارير صحفية سعودية شبه رسمية بعد ذلك إلى أن السودان كان قد استأجر طائرة تجارية مسجلة في بريطانيا تعود ملكيتها لمواطن سعودي، وأن السلطات السعودية لم تكن تعلم بأنها تقل الرئيس البشير فتعاملت معها على أساس أنها طائرة تجارية. كثير من حيثيات البيان السعودي تطابقت مع حيثيات ردود الفعل السودانية، فقد أكد بيان صحفي من رئاسة الجمهورية في السودان أن الطائرة الرئاسية كانت في الصيانة وتم الاستعاضة عنها بطائرة تجارية كما أشار بيان لاحق لسلطة الطيران المدني السوداني إلى طاقم الطائرة التجارية كان على علم بأن شخصية مهمة جداً على متن الطائرة دون الإفصاح عنها وبالتالي كانت حدود علم الطيران المدني السعودي في بداية الاتصالات أن شخصية سودانية مهمة على متن الطائرة ولم تفصح السلطات السودانية عن معلومة أن الشخصية المهمة هي الرئيس البشير إلا في اللحظات الأخيرة والطائرة على بعد دقائق من دخول الأجواء السعودية حين تعذر الإذن بسماح عبور الطائرة من جانب سلطات الطيران المدني السعودي.. الأمر غير المبرر أن يترك أمر أخذ إذن العبور لطائر تقل رئيس دولة إلى شركة تجارية، كما أنه من الناحية البرتوكولية لا يمكن قبول عبور رئيس دولة أجواء دولة أخرى دون الإفصاح عن شخصيته لسلطات تلك الدولة إذ التعامل مع رؤساء الدول في مثل هذه الحالات يتطلب إجراءات أمنية وبروتوكولية محددة. لعل هدوء رد الفعل السوداني ربما يشير إلى اعتراف ضمني بالخطأ الإجرائي والبرتوكولي الذي وقع فيه الفريق السوداني المعني بترتيبات الزيارة.. لكن مع تحمل الجانب السوداني مسؤولية ما حدث فإنه يؤخذ على الجانب السعودي عدم اهتمامه بإجراء معالجة سياسية تطمينية تتناسب مع حجم علاقة البلدين وكذلك الحرج الذي صاحب وجود الرئيس السوداني على متن الطائرة التي أجبرت على العودة من حيث أتت. لم يكن من باب المعالجة المقبولة أن يُقدم القائم بالأعمال السعودي في الخرطوم أن يسلم على الرئيس البشير بالأحضان وهو يقدم تهاني العيد الفطر المبارك ضمن تقليد درجت عليه الرئاسة السودانية حيث يتلقى الرئيس تهاني العيد من رؤساء البعثات الدبلوماسية في مناسبات الأعياد، وكتب رئيس تحرير صحيفة "السوداني" المقربة جداً من القصر الجمهوري منتقداً تصرف الدبلوماسي السعودي قائلا: إن السعودية أخذت على السودان أخطاء إجرائية وبروتكولية في حادثة طائرة الرئيس، لكن أيضاً من غير المقبول بروتوكولياً أن يأخذ القائم بالأعمال السعودي الرئيس البشير بالأحضان حتى لو أراد إرسال رسالة اعتذار بشأن ما حدث. على كل حال لم يكن مسار علاقات البلدين قبيل حادثة الطائرة الرئاسية يشي بأن قرار المنع كان قراراً سياسياً فقد وقعت وزارتا العدل السودانية والسعودية في يونيو الماضي، اتفاقاً في إطار التعاون القانوني المشترك بين البلدين وسبق ذلك قيام الملتقى الاستثماري السوداني بالرياض. وكانت السعودية وجهة البشير العلاجية الأخيرة في أكتوبر الماضي حيث أجرى عملية حبال صوتية في أحد مستشفيات جدة. ومن المؤكد أن السعودية تنظر إلى علاقتها بالسودان من منظور إستراتيجي، فللمملكة شواطئ ساحلية تمتد نحو (1670) كم علي البحر الأحمر من ناحية الغرب بينما للسودان شواطئ ساحلية من الناحية الشرقية وإن كانت أقل طولا. وكان اهتمام الرياض مركزاً دائماً على تحقيق الأمن في البحر الأحمر بالاعتماد على نظم عربية صديقة على أن تقدم السعودية المعونات المالية لهذه الدول في سياق التنسيق المشترك في المنطقة. وتزايدت أهمية مصالح السعودية في البحر الأحمر بعد مشروع خط أنابيب ينبع الذي يمتد من حقول أبقيق إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر ويبلغ طوله 1200 كم والذي قصد منه تقليل الاعتماد تصدير بترولها عبر الخليج العربي والاعتماد بشكل أكبر على البحر الأحمر.
544
| 24 أغسطس 2013
لعل أهم مؤشرات فشل نظام ما بعد 30 يونيو في مصر إخفاقه في معالجة اعتصام رابعة العدوية بالوسائل السياسية والاستعاضة عن ذلك بهجوم مسلح فاق في همجيته، همجية التتار والمغول.. الصحافة العالمية هي التي وصفت ما حدث في رابعة العدوية وهي في خضم الصدمة والذهول بـ(هجوم مسلح على معتصمي مصر) وربما كان ذلك أخف وصف لما حدث.. صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية ذائعة الصيت، نقلت عن امرأة عجوز تعرضت لإطلاق الرصاص الحي، قولها: (ساعدنا يا الله، فنحن غير مسلحين).. مجزرة رابعة العدوية فعلها الجنرال عبدالفتاح السيسي، كما لم يفعل العقيد القذافي سفاح ليبيا ولا حتى الجنرال اوغوستو بينوشيه سفاح الأرجنتين ولا بول بوت زعيم الخمير الحُمر.. في سويعات قليلة سقط أكثر من (2200) مصري مضرجين بدمائهم في ميادين مصر أول حقول الموت وهذا ليس إحصاء المستشفيات الميدانية فحسب، بل إن تقارير لوكالة الأنباء الأوروبية تحدثت عن سقوط آلاف الضحايا.. الصور التليفزيونية وهي لا تكذب أظهرت وجود قناصين على البنايات المحيطة بميدان رابعة العدوية قاموا بإطلاق النار، وقد كانت معظم الإصابات في مناطق قاتلة من الجسد.. لم أصدق عيني تلك الصورة التي حمل فيها أحد الأشخاص مخ أحد الضحايا في كفه والضحية جثة هامدة فقد اصطادته طلقة متفجرة في رأسه؟! ما هو الفرق بين الجنرال بشار الأسد في سوريا وبين الفريق عبدالفتاح السيسي في مصر؟. عشر منظمات دولية معنية بحقوق الإنسان، حذرت من انزلاق مصر نحو حرب أهلية.. المنظمات طالبت حكومة السيسي بحماية حقوق الإنسان والحريات العامة، وحماية كافة المتظاهرين بغض النظر عن توجهاتهم ومواقفهم، ووقف حملات الاعتقال والملاحقة على خلفيات سياسية خارج نطاق القانون. لو كانت مياه نيل مصر مدادا لكلمات الإدانة المستحقة في شأن مجزرة الجنرال عبدالفتاح السيسي، لما كفتها من فرط بشاعة ما اغترفته أيدي القوات الأمنية التي تلوثت بالدماء البريئة.. لقد كانت معركة طرفاها مصر ضد مصر، هجوم مسلح شنه المسؤولون عن حماية المواطنين (الشرطة والأمن) على المواطنين أنفسهم، كم هزتني كلمات الكاتب المصري المخضرم فهمي هويدي الذي كتب بعد المجزرة يقول بأسى بالغ: (وقع المحظور وانطلقت شرارة الحرب الأهلية، وقتل المصريون مصريين آخرين حتى غرق الفضاء المصري في بحر من الدم.. إذن (عنف رسمي مقنن + حالة الطوارئ = حرب أهلية لا تبقي ولا تذر). نعم مصر اليوم عبارة عن مشهد درامي ليس حزيناً فحسب بل مرعباً؛ إنها دراما سوداء.. رئيس شرعي ومنتخب مُودعٌ في غياهب السجون مع عتاة المجرمين، ونائب رئيس وخزه ضميره فقدم استقالته مخلياً مسؤوليته مما حدث.. رغم المآخذ على محمد البرادعي إلا أنه لا يمكن تجاوز موقفه الشجاع بتقديم استقالته من حكومة مشكوك في شرعيتها.. الرجل أرجع استقالته المدوية، لأنه كان يرى أن هناك بدائل سلمية إلا أن الأمور سارت إلى ما سارت إليه.. سمعنا العالم (الحر) و(الديمقراطي) و(الليبرالي) يطالب السيسي (بحنية) بعدم استخدام القوة المفرطة ويدعو الفرقاء للحوار!! إن كيل العالم الغربي بأكثر من كيل بشأن الديمقراطية جعلها تبدو كمفهوم هلامي بيد أن هلامية مفهوم الديمقراطية أمر يبدو أنه مقصود في حد ذاته بغرض ذر الرماد على العيون وإتاحة هامش من المرونة يمكّن من الاستخدام السياسي لهذا المفهوم عند الحاجة فتصبح الديمقراطية سيفا مشرعا في وجه القوى المتمردة على النظام الدولي الجديد والنازعة إلى المضي في طريق الإسلام السياسي كامل الدسم.
512
| 17 أغسطس 2013
لو أن الفرح والابتهاج والسعادة فلسفة قائمة على الغنى والمال الوفير لبقي معظم أهل الأرض تعساء لا تغشاهم غيمة السعادة حتى لو كانت برهة أو سويعات مثلها مثل سحابة الصيف التي يضرب بها المثل في قصر مدتها.. العيد لوحة شاعرية وروحية وسراج وصل أزهر بيننا.. إنها مناسبة فلسفتها تقوم على الفرح، والفرحة في كل عيد جديدة كالورود الوليدة.. فرحة تفتح مغاليق القلوب الحزينة، فيه الكلمة الطيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين.. من لا يستطيع أن يفرح في العيد فإنه لن يستطيع أن يفرح في غيره.. حياة الإنسان منذ الأذل أكواخ وقصور وسفوح وقمم وتخمة وفقر.. البعض يغرق في مياه الغيث والبعض الآخر يشتهي شربة ماء وتقرقر أمعاؤه جدباً وسغباً.. الشاعر الكبير إيليا أبو ماضي لام في مستهل قصيدته (الغبطة فكرة) من لا يستغل موسم العيد ليغترف من الفرح غرفة بيده ومضى يؤكد على فلسفة الفرح حيث يمكن جداً أن تستوطن الغبطة الكوخ وليس فيه مُزعة لحم أو كِسرة، يقول أبو ماضي: أقبلَ العيدُ، ولكنْ ليسَ في الناسِ المسرَّهْ لا أَرى إلاَّ وُجُوهاً كالحاتٍ مُكْفَهِرَّهْ أيّها الشاكي الليالي إنَّما الغبطةُ فِكْرَهْ ربَّما اسْتوطَنَتِ الكوخَ وما في الكوخِ كِسْرَهْ وخَلَتْ منها القصورُ العالياتُ المُشْمَخِرَّهْ تلمسُ الغصنَ المُعَرَّى فإذا في الغصنِ نُضْرَهْ كثيرٌ من الناس مفعم بالنكد والحزن حتى الثمالة، ويبقى يرسف في قيوده المصطنعة.. حتى أنه يجعل من اليأس قيدا يخنق كل أمل يغشاه.. حزن غير مبرر في نفسه دفين، كأنما يتوشّح سواد الليل حدادا.. نكدٌ وضجرٌ تظل عنقه له خاضعة، نفسه أسيرة حالة قسرية على نحوي يقول: كيف أنجو يا خالقي من نكد عارم، عاصف التوثّب ضاري.. يقولون: الإنسان مخلوق يولد باكيا ويعيش شاكيا.. أبو ماضي، مضى يقول في قصيدته المشار إليها آنفاً: وشفاهاً تحذرُ الضحكَ كأنَّ الضحكَ جمرَهْ ليسَ للقومِ حديثٌ غير شكوى مستمرَّهْ قد تساوى عندهُمْ لليأسِ نفعٌ ومضرَّهْ لا تَسَلْ ماذا عراهُمْ كلُّهم يجهل أمره العيد فلسفة لابد وأن تتأسس على ضرورة النظر في النصف الممتلئ من الكوب.. هناك بالضرورة أم تنتظر قبلة أبنائها الذين اغتربوا عنها دون جدوى، وتلك الزوجة التي تنتظر هاتف زوجها المرابط في العمل بحثا عن الرزق.. ذلك الزوج الكادح المثابر ينتظر عودة زوجته بعد أن غضبت من عدم قدرته على شراء مستلزمات العيد. ظللت أتعجب بل أتأمل في ذهابي وإيابي من العمل كل يوم ذلك (الكوخ).. (عشة) من غرفتان قوامهما مخلفات مواد البناء.. كانت (العشة) لرجل يعمل حارسا لعمارة تحت التشييد.. ذاك الرجل له قدرة فائقة على تحدي الفقر والظروف الصعبة.. في العيد كان لذلك البيت بهاءً ورونقا بديعا.. عندما عدت ليلا أو في الساعات الأولى من أول أيام العيد كانت العشة محاطة بالزينة المتلألئة الأخاذة.. الرجل صاحب (العشة) الذي يفيض تفاؤلا وغبطة وحبا للحياة أحاط عشته بأشكال وألوان بهية من الزروع، ورودا وأزهارا.. كم من أصحاب القصور الشاهقة والحسابات البنكية المتضخمة قد فشل في استدرار الفرح كما يفعل صحاب تلك العشة؟! لقد علمنا ذلك الرجل أن البحث عن الفرح لا يستدعي اللجوء لاستخدام الميتافيزيقا؛ والميتافيزيقا أو الباراسكيولوجي هو علم ما وراء الطبيعة وهو علم له احترامه وليس كما يظنه البعض مجرد خزعبلات. العيد فرصة لتجديد حسن الظن في الله وفي من حولنا حيث يطيب عيشنا.. إنه مناسبة لاعتناق الفرح بمساراته الروحية والدنيوية.. كيف لا نفرح ومع نسمات صباح العيد الأولى ترن نواقيس الأطفال وتعلو ضحكاتهم البريئة.. ليس السعيد الذي تسعده أمواله بل السعيد من يتذوق فرحة العيد التي لا تكلفنا مالا ولا رهقا.. السعداء أولئك الذين لم يسرفوا ولم يقتروا في مستلزمات العيد بل اتخذوا بين ذلك قواما.
2802
| 10 أغسطس 2013
تموج الساحة السياسية السودانية هذه الأيام بجدل التشكيل الوزاري الجديد وهذا أمر طبيعي يحدث كلما اقتربت حكومة الرئيس عمر البشير من تعديل أو تشكيل وزاري جديد؛ بيد أن المثير هذه المرة بروز تسريبات صحفية تتحدث عن ابعاد الرجل الثاني في الدولة النائب الأول لرئيس الجمهورية علي عثمان محمد طه واسناد منصب رئيس البرلمان له بحجة أن البلاد مقدمة على معركة دستورية فاصلة تتمثل في إقرار دستور دائم يحل محل الدستور الانتقالي الحالي الذي صدر مع انفاذ اتفاقية السلام الشامل الموقعة في 2005 بين حكومة السودان والحركة الشعبية التي كانت تقاتل الخرطوم في أحراش الجنوب يعضد ذلك خلفية الرجل القانونية.. لكن هل بالفعل سيتخلى البشير عن ساعده الأيمن الذي كان الكفة الراجحة في ما عرف بالمفاصلة التي خرج بموجبها الدكتور حسن الترابي من الحكومة وكوّن حزباً معارضاً باسم المؤتمر الشعبي وأصبح طه رمزاً للقيادة الحركية للإسلاميين الذين إنحازوا لجانب البشير؟.. أم أن الأمر مجرد تسريبات صحفية في صحف بعينها يقف من وراء تلك التسريبات منافسو طه في حزب المؤتمر الوطني الحاكم برئاسة البشير والغرض منها ارباك الرجل واخراجه عن وقاره الذي عرف به؟.. البعض يؤكد أن الرئيس البشير يثق فقط في بعض قادة الجيش ولا يعول كثيراً على النخب السياسية المدنية من أمثال طه؛ بل يستخدم معهم تكتيكا معينا بحيث لا يتمكن أيٌّ منهم من الاستقواء والبروز على حسابه، ولذا فهو أي البشير سعيد بأن تدور معارك بينهم ليضعف بعضهم بعضا ويكون وحده هو الرابح.. في نفس الوقت يرى البعض الآخر أنه لا غنى للبشير من رجل بمواصفات نائبه الأول الذي تمثل إزاحته في الوقت الحاضر خسارة كبيرة للبشير قد يصعب تقدير حجمها. ومنهم من يرى أن إزاحة الرجل استهداف مباشر للبشير نفسه من خلال كشف ظهره، ويرون أن طه زاهد في كرسي الرئاسة رغم أنه الأقرب في حين أن آخرين يسعون بطرق مختلفة وأساليب مستحدثة لخلافة البشير وربما يرون في طه عقبة كأداة في طريقهم سواء كونه ذراع يمين للبشير أو باعتباره خليفة قويا محتملا له. يعتبر طه رجل دولة من طراز فريد ويمتلك قدرات سياسية كبيرة واحترام وتقدير سواء من جانب الذين يتفقون معه أو من جانب الذين يختلفون معه.. عند وفاة النائب الأول الأسبق للرئيس البشير الفريق أول الزبير محمد صالح في حادث سقوط طائرة في العام 1998م، وجد البشير في طه الذي كان يشغل منصب وزير الخارجية حينها الرجل المناسب لملء فراغ منصب النائب الأول.. لقد برز نجم الرجل منذ أن انتخب رئيساً لإتحاد طلاب جامعة الخرطوم عام 1967م.. وقد ظهرت مواهبه السياسية منذ أن أُبتعث وعمره 30 عاما إلى بريطانيا في العام 1977 للقاء القيادي الاتحادي البارز المرحوم الشريف حسين الهندي، زعيم الجبهة الوطنية المعارضة لحكم الرئيس الاسبق جعفر نميري، لينقل وجهة نظر جبهة الميثاق الاسلامي حول عملية المصالحة الجارية حينذاك مع نظام نميري.. كذلك استفاد طه كثيراً من تقديمه المبكر للقيادة، تحديداً منذ العام 1986م عندما أصبح نائباً للأمين العام للجبهة الإسلامية القومية التي كان يقود أمانتها العامة الدكتور الترابي، وكذلك قيادته للمعارضة البرلمانية في مواجهة الصادق المهدي.. لعل أبرز المحطات السياسية للسيد علي عثمان محمد طه ترؤسه مفاوضات السلام بين شمال وجنوب السودان حيث أفضت إلى توقيع اتفاق السلام الشامل في التاسع من يناير 2005م.. دور الرجل في انجاح الاتفاقية أكسبه احتراماً دولياً وإقليمياً.. وكنتيجة لاستحقاقات هذه الاتفاقية أدى طه القسم نائباً ثانياً لرئيس الجمهورية مفسحاً المجال لقائد تمرد الحركة الشعبية في الجنوب جون قرنق كنائب أول ممثلا للحركة التي وقعت مع الحكومة الاتفاقية. إن كان الهدف من إزاحة طه توسيع المشاركة السياسية بإسناد المنصب لحزب الأمة على سبيل المثال أو حزب المؤتمر الشعبي فإن الإزاحة تكون منطقية ومن المؤكد أنها ستتم بكامل الرضا من جانبه أما إن كانت حلقة من حلقات الصراع بين أفيال حزب المؤتمر الوطني الحاكم برئاسة البشير فإن تداعيات الأمر قد لا تكون محسوبة وستقضي على من تبقى من تماسك في حزب المؤتمر الوطني وحينها سيكون الرئيس البشير أكبر الخاسرين.
601
| 03 أغسطس 2013
على الرغم من أن القرارات التي اتخذها رئيس دولة جنوب السودان سلفا كير بإقالة نائبه رياك مشار الذي ينتمي إلى قبيلة النوير وحل الحكومة وتكليف وكلاء الوزارات بتسيير أعمالها، أمر يكفله له الدستور في تلك الدولة الوليدة إلا أن تلك القرارات أثارت الكثير من التساؤلات بشأن أسباب هذا الخطوة ومآلاتها، في ظل تصاعد مستمر للصراعات القبلية فضلا عن التدهور الاقتصادي المريع نتيجة لوقف تصدير النفط الذي تشكل عائداته (98%) من مجمل إيرادات الدولة.. كذلك تزامنت هذه القرارات الخطيرة مع تشكيل سلفا كير لجنة للتحقيق مع الأمين العام لحزب الحركة الشعبية الحاكم باقان أموم الذي ينتمي لقبيلة الشُلك بتهمة الدعوة للعنف والفساد المالي، وظل باقان يوجه في الفترة الأخيرة انتقادات حادة لسلفا ووصفه بأنه فشل في إدارة شؤون البلاد وتحقيق تطلعات الشعب.. ومعلوم أن سلفا ينتمي لقبيلة الدينكا أكبر قبائل دولة الجنوب وأكثرها نفوذاً.. ولعل أكثر المخاوف التي تحيط بالدولة الوليدة أن تتحول الخلافات السياسية بين قادة الحزب الحاكم إلى قتال قبلي مثلما حدث في دول إفريقية أخرى مثل رواندا بورندي وليبيريا. ورغم حضور العامل القبلي في صراعات القيادة في دولة الجنوب إلا أن عوامل أخرى فرضت نفسها على المشهد السياسي؛ فالعلاقات مع الخرطوم ظلت متأزمة رغم محاولات سلفا الحثيثة لتطبيق اتفاق التعاون المشترك الموقع بين البلدين في سبتمبر من العام الماضي. ويضمن الاتفاق لجوبا تدفق النفط عبر الأراضي السودانية ليتم تصديره عبر ميناء بورسودان في أقصى شمال شرق السودان على بعد حوالي (1600) كيلو متر.. لكن السودان ظل يتهم جوبا بدعم الحركات المتمردة عليه وربط تنفيذ الاتفاق بمعادلة (الأمن مقابل النفط)، وبدا من الواضح أن قيادات سياسية وعسكرية جنوبية ظلت تدعم التمرد ضد الخرطوم دون موافقة سلفا كير، وسبق للرجل أن أقال قيادات في الجيش الشعبي وبعض ولاة الولايات الجنوبية المتاخمة للسودان وعرف أولئك بممانعتهم لإقامة علاقات مع الخرطوم في انتظار أن ينجح التمرد ضد الخرطوم في إسقاط نظام الرئيس عمر البشير. كذلك ينظر لقرارات الرئيس سلفا في إطارات محاولات إعادة هيكلة الجهاز التنفيذي للدولة حيث تم تقليص عدد الوزارات من (39) إلى (18) وذلك يسهم في إدارة الأزمات المالية التي تسبب فيها وقف إنتاج النفط. وقبل عدة أسابيع تحدث سلفا كير بمناسبة العيد الثاني لاستقلال البلاد قائلا إن أوان التغيير قد حان، ملمحا بتعييّن حكومة كفاءات تهتم بتقديم الخدمات للمواطنين وتحسين الاقتصاد القومي. لقد ظل باقان أموم ومجموعة قيادات بالحركة الشعبية عرفت بـ(أولاد قرنق) وقرنق هو القائد التاريخي للحركة الشعبية الذي قتل في حادث تحطم طائرة في 2005، ينظرون إلى سلفا كير باعتباره قائدا "طارئا" وجد نفسه في صدارة الأحداث دون سابق إنذار بسبب الغياب المفاجئ لقرنق.. لذا ظل هؤلاء يمارسون الوصاية على سلفا إذ يعتبرون أنفسهم الأكثر دراية بلعبة السياسة من سلفا الذي كان في أغلب الأوقات في أدغال غابات جنوب السودان لا يتعاطى السياسة إطلاقا بينما كان قرنق في المقابل منفتحا على عالم السياسة بالإضافة إلى قبضته العسكرية.. رغم أن كثيرا من المراقبين رأوا في أداء سلفا الكثير من المقبولية وأنه اجتاز منذ سنوات امتحان رجل الدولة بنجاح كبير لكن ذلك لم يعجب (أولاد قرنق).. وأخذ البعض على سلفا أنه لم يكن مثل قرنق الذي كان لا يتورع في استخدام القوة المفرطة ضد أي محاولة لمعارضته.. لكن يبدو أخيراً أن سلفا كشّر عن أنيابه وضاق ذرعاً بـ"استخفاف" أولاد قرنق وقرر إقالتهم وإزاحتهم عن طريقه. لكن يظل المشكل القبلي ماثلا ومثلما هي إفريقيا قارة متعددة القبائل واللغات والأعراق والأديان فإن دولة جنوب السودان بلد متعدد القبائل واللغات والأعراق والأديان بيد أنه بدلا من أن يكون هذا التنوع مصدر قوة إلا أن النظام السياسي في تلك الدولة فشل في إدارته ومن ثمّ تحول هذا التعدد إلى عامل ضعف وانطبقت عليه مقولة ابن خلدون في مقدمته الشهيرة التي قال فيها: (الأوطان الكثيرة القبائل والعصائب قل أن تستحكم فيها دولة، والسبب في ذلك اختلاف الآراء والأهواء، وأن وراء كل رأي منها هوى وعصبية تمانع دونها فيكثر الانتفاض على الدولة والخروج عليها في كل وقت).. لقد ظلت الحركة الشعبية تنحو في ممارستها السياسة الرسمية إلى مصادرة المجال السياسي كمجال عمومي، وتنمية وتغذية شروط احتكار السلطة، ومنعها من أن تصير إلى تداول عام ديمقراطي بين مكونات الفضاء السياسي والاجتماعي.. حين يستعصم البعض باحتكار النشاط السياسي سواء داخل التنظيم السياسي الواحد أو داخل الدولة في عمومها، فلا نجد حينها مساحة لممارسة العمل السياسي الحر حيث ينكفئ تيار بحثاً عن طريقة مناسبة ربما رفع السلاح للتعبير عن الذات ولتحقيق التوازن النفسي والمادي.
626
| 27 يوليو 2013
الغرب (الديمقراطي) لم يستطع إخفاء ارتياحه لمآلات الأوضاع في مصر حيث تضافرت قوى داخلية وخارجية مناهضة لما يعرف بالإسلام السياسي في تداعياته، فقد رأت صحيفة لوموند الفرنسية أن الإسلام السياسي أصبح في مأزق عقب عزل الرئيس محمد مرسي، وقالت إن الإسلام السياسي فقد معركة حاسمة معتبرة مشروع حكومة الإخوان المسلمين سجل إخفاقاً في مصر. ومضت الصحيفة تؤكد أن شعار الإسلاميين (الإسلام هو الحل) لم يعد له مصداقية بعد الآن، ورأت الصحيفة أن الإسلام السياسي ما هو إلا حركة احتجاجية في المقام الأول وليس برنامجا حكوميا جاداً.. الإخوان المسلمون في مصر لم يفهموا أو أنهم فهموا وتجاهلوا، أن الغرب إن قبل التعايش مع الإسلام السياسي فإنه يريده منزوع الدسم؛ أي أن إسلامية الدولة تكون محصورة في تطبيق الحدود وقوانين الميراث، حينها سيتجاهل الغرب تطبيق الحدود رغم أنها في ثقافته مناهضة لحقوق الإنسان وكذلك سيتجاهل منع المرأة قيادة السيارة على سبيل المثال ما دام نظام الحكم ينأى عن تفعيل حقيقي للفكر الإسلامي وتنزيل طروحاته السياسية والاقتصادية إلى أرض الواقع. المأزق الحالي الماثل هو إن أجريت انتخابات حرة ونزيهة عقب عزل الرئيس محمد مرسي فإن المعادلة السياسية التي أتت بالإخوان ستعيد نفسها وإن لم تكن نزيهة فستكون مصر إزاء نسخة جديدة لنظام مبارك السابق الذي اشتهر بتزوير الانتخابات.. المشفقون يشيرون إلى حل وسط وهو طريق التمثيل النسبي أو ما اصطلح على تسميته في لبنان بالديمقراطية التوافقية، بمعنى أن يتم تجاهل واقع الأوزان الانتخابية والاستعاضة عنه بتقسيم (كيكة) السلطة بين القوى السياسية بنسب لا علاقة لها بتلك الأوزان.. ولعل من الدروس المهمة في المشكلة اللبنانية أن هناك نظاما سياسيا للحكم تواضع عليه اللبنانيون وأرسيت دعائمه عبر حقب متعاقبة من الحرب واللاحرب، فهو نظام من صناعة لبنانية خالصة وبمواد محلية نشأت وتشكلت من تضاريس الواقع السياسي اللبناني.. والديمقراطية التوافقية في لبنان لها الكثير من المعارضين والمعترضين على أسسها، لأنها تعني أن يكون لكل طائفة نصيبها المتفق عليه من كعكة الحكم بغض النظر عن أقلية أو أكثرية هذه الطائفة أو تلك، ولذا قد كان هناك توافق بين دهاقنة السياسة اللبنانية في وقت سابق بأن يكون رئيس الجمهورية مارونيا، ورئيس الوزراء سنيا، ورئيس مجلس النواب شيعيا. ونتج عن هذا الأمر طغيان ما عُرف بالمارونية السياسية التي وجدت دعما ومساندة غربية مشهودة آنذاك. وألّف آرنت ليبهارت كتابا باسم (الديمقراطية التوافقية في عالم متعدد) صدر عن معهد الدراسات الإستراتيجية في بيروت جاء فيه: (ولدت النظرية التوافقية من الحاجة إلى توسيع ديمقراطية الأغلبية المعهودة، أي منع الأغلبية من التسلط على الأقلية، ومنع الأقلية من تخريب الديمقراطية ذاتها بحجة وجود أغلبية تستبد برأيها).. الديمقراطية اللبنانية لم تضع حداً للمشكلات السياسية في لبنان وظلت لبنان إلى يومنا هذا على شفا حفرة من الحرب الأهلية.. العجيب في أمر هذه الديمقراطية التوافقية أنها تعطي الأقليات السياسية المرتبطة بالطوائف الدينية حق فرض التوافق فرضا وقسرا علاوة على أنها ترفض حق الأكثرية إذا كانت لا تناسب الأقلية؟!. إن كيل الغرب بأكثر من كيل بشأن الديمقراطية جعلها تبدو كمفهوم هلامي بيد أن هلامية مفهوم الديمقراطية أمر يبدو أنه مقصود في حد ذاته بغرض ذر الرماد على العيون وإتاحة هامش من المرونة يمكّن من الاستخدام السياسي لهذه المفهوم عند الحاجة فتصبح الديمقراطية سيفا مشرعا في وجه القوى المتمردة على النظام الدولي الجديد والنازعة إلى المضي في طريق الإسلام السياسي كامل الدسم. خلاصة القول وصفوته أن على أي نظام حكم ألا ينفي ويضطهد الرأي الآخر، فالرأي الآخر شرط ضروري في عملية الالتزام بالعقد الاجتماعي.. الكثير ممن تصدى للعمل السياسي لا يكاد ينفك من داء الخلط بين الدولة والحكومة أو النظام السياسي القائم فتستحيل عنده الفواصل بين الاثنين إلى سراب يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.
2675
| 20 يوليو 2013
صحيح أن جون كيري وزير الخارجية الأمريكي قد تولى منصبه في الأول من فبراير الماضي، إلا أن الرجل معروف على الصعيدين، داخل أمريكا وخارجها، فقد كان مرشحا للحزب الديموقراطى لانتخابات الرئاسة في العام 2004 والتي خسرها لصالح الرئيس جورج بوش الأبن.. حركة كثيفة وجهود مستمرة يقوم بها الرجل في المنطقة العربية والإسلامية منذ تقلده منصبه الحالي.. لكن من ينتظرون خيراً من كيري فإنهم لن يحصدوا سوى ابتساماته الغامضة والخادعة.. ديدن الرجل أنه (يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروغ الثعلب).. للرجل قصص في السودان عندما كان رئيسا لجنة العلاقات الخارجية بالكونجرس الأمريكي.. الشهور التي سبقت الاستفتاء على فصل جنوب السودان شهدت زيارات مكوكية واطراء على مواقف الحكومة السودانية.. فما سرّ اللطف الذي نزل على كيري وجعله يهيم في (حب) الحكومة السودانية؟..كانت مهمة كيري تخدير الخرطوم بوعود التطبيع ورفع العقوبات حتى يمر الاستفتاء (بسلام) وأن تسكت الخرطوم.. حينها أشاد كيري بحكمة الرئيس البشير ولوّح برفع السودان من قائمة الارهاب.. كان عندما يتحدث الناس عن ضمانات لاستفتاء حر ونزيه تقوم القيامة ويُتهم من يطالب بتلك الضمانات بأنه يريد عرقلة الاستفتاء، بل والتنصل منه تماما.. ذلك الجو الارهابي كان أحد أهم أدوات تزوير الاستفتاء الذي نتج عنه انفصال جنوب السودان.. وبالفعل أنجز كيري مهمة فصل جنوب السودان وذهبت ابتساماته أدراج الغفلة. اليوم يقوم كيري بجولات كثيرة في المنطقة العربية ويوزع ابتسامات أكثر دون أن ينجز ملفاً واحدة سواء فيما يتعلق بسوريا أو مصر، لأن غرق المنطقة في الفوضي مصلحة أمريكية وهي صاحبة نظرية الفوضى الخلاقة، وخلاقة لأنها تساعدها في إعادة رسم خريطة المنطقة خدمة للإستراتيجية الأمريكية التي ليس لها علاقة لا بالأمن والاستقرار ولا حتى بالديمقراطية.. تصف صحيفة يديعوت أحرنوت الإسرائيلية في تقرير لها بأنه (وسيط جاهل).. وتساءلت الصحيفة قائلة: (لماذا يعمل السيد كيري بجهد لتسهيل لقاء بين رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس، في حين تضرب فوضى عارمة بأطنابها في كل من مصر وسوريا؟).. كيري صرح بأن الفلسطينيين والإسرائيليين "حققوا تقدما حقيقيا" باتجاه استئناف مباحثات السلام المباشرة بين الطرفين المتوقفة منذ نحو ثلاث سنوات. في ابريل الماضي تحدث كيري عن أن ثروة الرئيس مبارك في أمريكا تجاوزت مبلغ 31.5 مليار دولار!!.. لكن ثوار (25) يناير تساءلوا لماذا صمتت أمريكا طوال هذه المدة ومخابراتها على علم تام بفساد المخلوع واسرته وشبكة نظامه؟!.. في ديسمبر من العام 2011 استقبل الدكتور محمد مرسي الرئيس المصري المعزول، ورئيس حزب الحرية والعدالة حينها، جون كيرى، برفقة آن باترسون السفيرة الأمريكية بالقاهرة وبحضور الدكتور عصام العريان، نائب رئيس الحزب، والدكتور محمد سعد الكتاتني الأمين العام للحزب.. كيري أكد لمرسي أنه لم يتفاجأ بتقدم حزب الحرية والعدالة للمشهد الانتخابي في مصر، مشيرا إلى احترامه للإرادة الشعبية في مصر.. اليوم وبعد الانقلاب العسكري ضد مرسي يؤكد كيري أن الولايات المتحدة ترفض بشكل قاطع المزاعم الكاذبة والتي لا أساس لها من الصحة من جانب البعض في مصر بأن بلاده تؤيد جماعة الإخوان المسلمين أو أي حزب سياسي أو حركة مصرية بعينها.. هل مازال البعض يقع في حبائل ابتسامات كيري؟!.
503
| 13 يوليو 2013
هل شعوب العالم الثالث وشعوب العالم العربي على وجه الخصوص غير جديرة بممارسة الديمقراطية؟. هل الأمر متعلق بمستوى قناعة هذه الشعوب وفهمها لمقتضيات الُلعبة الديمقراطية؟. أم أن المؤسسات العسكرية هي السبب في انتفاء الحالة الديمقراطية بسبب عدم مهنيتها ونهمها تجاه ممارسة دور سياسي؟. يقول صامويل هنتنجتون مفكر أمريكي في مجال العلوم السياسية اشتهر بتحليله للعلاقة بين العسكر والحكومة المدنية: (كلما كانت المؤسسة العسكرية مهنية في مهمتها، ابتعدت عن التدخل المباشر في السياسة. وكلما قلت مهنيتها، ازدادت تدخلاً في السلطة. وتكمن مهنية القوات المسلحة في تجويد مهمتها الأساسية وهي حماية البلاد من التهديد الخارجي، وهي ليست معنية بقضايا الأمن والسياسة الداخلية).. في السودان على سبيل المثال كان تدخل العسكريين في السلطة امتدادا للعملية السياسية باستخدام القوة الجبرية، فقد بدأ التدخل العسكري في السياسة السودانية بعد عامين فقط من إعلان الاستقلال عن المستعمر البريطاني.. الانقلاب العسكري الأول كان في نوفمبر 1958 وظلت الانقلابات سمة ملازمة للعلاقة بين المؤسسة العسكرية والعمل السياسي.. كان ذلك الانقلاب هو الأول من نوعه في إفريقيا جنوب الصحراء، وأثار حفيظة المستعمر السابق؛ فالبريطانيون أسسوا الجيش السوداني على تقاليد تجافي نهج الانقلابات العسكرية حيث استقى مهنيته وإدراكه للعلاقة بين السياسيين والعسكريين.. نظرية الباب الدوار أصبحت سمة الحياة السياسية في السودان وكذا في العالم العربي، من خلال تعاقب المدنيين والعسكريين على السلطة، أي انقلاب ثم فترة ديمقراطية ثم انقلاب وهكذا دواليك. إن لم تكن الانقلابات هي سبب عدم الاستقرار في كل البلدان العربية فإن هنالك عوامل أخرى صانعة للأزمات ففي داخل بعض النظم السياسية تشرأب الانتماءات الفرعية والهويات الثانوية المانعة من وحدة المجتمع في إطار دولة حديثة تعززّ وتضمن المصالح المشتركة الأمنية والاقتصادية. لجميع المواطنين.. فذلك يمثله النموذج اللبناني الذي ترى فيه إسرائيل تربة صالحة لزرع الفتن ومحفزاً وتحقيق المآرب الاستعمارية. ولأن العالم كله قرية واحدة دعك من العالم العربي، ولأن المعايير والقيم لا ينبغي أن تكون مزدوجة، فإننا معنيون بالضرورة بأخذ العبر مما حدث في مصر قلب العالم العربي.. فالديمقراطية في مصر هي ذاتها الديمقراطية في الولايات المتحدة الأمريكية وفي أي مكان آخر، وليست الديمقراطية هي التي تأتي فقط بالتيارات المتخاصمة مع التوجهات الإسلامية، وليس إن أتت كذلك بالإسلاميين فإن دمها مستباح واستحقت الذبح في وضح النهار من الوريد إلى الوريد كما حدث في تلك لبلاد.. الخوف أن تكون أم الدنيا مقبلة على ديكتاتورية سافرة، والجواب من عنوانه، بدءا بتعليق الدستور واعتقال الرئيس المنتخب ومروراً بإغلاق القنوات الفضائية، وانتهاءً بتعيين رئيس جديد مؤقت من دون دستوري.. أحداث مصر تقول إن القوى السياسية من غير الإسلاميين لم تحتمل أن يحكم الإسلاميون في مصر عبر الانتخابات واللعبة الديمقراطية.. أكثر المواقف مأساوية عندما أبدى القيادي بجبهة الإنقاذ المصرية حمدين صباحي عن عدم ممانعته عشية المظاهرات الأخيرة في التعاون مع فلول نظام مبارك طالما كان هدفهم هو إسقاط الرئيس محمد مرسي.. من قبل في الجزائر تحالفت قوى سياسية متنافسة مع الإسلاميين مع العسكر وأطاحوا بجبهة الإنقاذ بقيادة عباسي مدني بعد أن اكتسحت الانتخابات، فسبحت البلاد في بحر من الدماء سنين عددا. هل كان إسلاميو السودان على حق عندما استولوا على السلطة في (30) يونيو 1989م؟. هل الآخر من الخصوم لا يسمحون البتة للإسلاميين تذوق طعم السلطة ولو عبر اللعبة الديمقراطية؟. مذكرة الجيش السوداني في فبراير 1989م كانت انقلاباً على رئيس الوزراء حينها الصادق المهدي لأنه شكّل حكومة ضمت لأول مرة الجبهة الإسلامية القومية بزعامة الدكتور حسن الترابي.
1304
| 06 يوليو 2013
بكلمات مؤثرات ومعبرات أنهى سمو أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمس الأول فترة حكمه التي امتدت من (1995) حتى (2013).. (18) عاماً أنجز فيها سمّوه الكثير لبلاده الوادعة.. (18) عاماً مدة قليلة جداً بحساب فترات حكم الدكتاتوريات العسكرية دعك من مقارنتها بفترة حكم الملوك.. فقط (61) عاما هي عمر سمو الشيخ حمد، فالرجل شاب بمقاييس من يتشبسون بالسلطة ويفرضون أنفسهم على شعوب التي لا تطيقهم البتة. في كلمته الوداعية المؤثرة قال سمو الشيخ حمد: (والله يعلم أنني ما أردت السلطة غاية في ذاتها ولا سعيت إليها من دوافع شخصية، بل هي مصلحة الوطن أملت علينا أن نعبر به إلى مرحلة جديدة).. معروف أن سموّه حوّل قطر من دولة خليجية نمطية إلى دولة حديثة تؤدي أدواراً فاعلة ومؤثرة على الصعيدين الإقليمي والدولي.. لقد جاء سموّه برؤية جديدة تؤسس لنهج جديد في معالجة القضايا الداخلية، تتجلى في تبني خيار الانفتاح السياسي، والمضي في تحقيق الإنجازات الاقتصادية.. لذلك غرو إن ساهمت هذه الرؤية في جعل دولة قطر محاورا ومفاوضا أساسيا في أزمات دولية عدة، والتدخل في صياغة مبادرات تتعلق بالقضية الفلسطينية والقضية العراقية والوضع في لبنان وقضية دارفور وأخيراً القضية السورية وثورات الربع العربي عموماً، وكان لقطر أن سجلت حضوراً رسمياً بارزاً في الساحتين الدولية والإقليمية.. نهضة قطر انتظمت كل مجالات الحياة الاقتصادية والتعليمية والسياسية.. داخليا، نُظمت أول انتخابات بلدية في مارس 1999، ومارس المجلس البلدي ديمقراطية وقد كنت حاضراً لدورته الأولى أنقل جلساته الساخنة وأعتقد أن المجلس البلدي كان يمارس تمريناً ديمقراطياً توطئة لانتخاب برلمان كامل الدسم.. في أول استفتاء شعبي في أبريل 2003 أُقر القطريون أول دستور مكتوب قضى بتشكيل برلمان يتكون من (45) شخصا منهم (30) يتم انتخابهم بشكل مباشر.. اقتصادياً تحولت قطر من بلد بترولي ذات ثراء متوسط إلى أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم.. خارجيا، أمير قطر السابق قام بدور بارز في أهم الملفات العربية، فكانت الدعوة إلى قمة عربية في الدوحة لبحث العدوان الإسرائيلي على غزة، في خطوة جريئة في ظل انقسام عربي حاد.. كذلك استمرت جهود الرجل لرأب الصدع بين الفصائل الفلسطينية حتى توجت بتوقيع حركتي (فتح) و(حماس) على إعلان الدوحة للمصالحة الفلسطينية في فبراير 2012.. سلام دارفور كان نتيجة لجهود عظيمة مغلفة بصبر مدهش على مماحكات الحركات الدارفورية المسلحة.. ايضاً كما نجحت قطر في عهده في إنهاء أزمة لبنانية مستعصية وصلت إلى حد الصدام المسلح من خلال توقيع الفرقاء اللبنانيين على اتفاق الدوحة في مايو 2008.. إن الإصلاحات التي حققتها قطر على الصعيد الداخلي وسعيها إلى بناء دولة عصرية منفتحة، قامت على أساس دولة القانون والمؤسسات واحترام حقوق الإنسان والاهتمام بالمرأة وتطوير البنيات الاقتصادية، بما يخدم المواطن القطري وتوسيع نطاق مشاركته واستفادته من التنمية الشاملة التي انتظمت الدولة الفتية، وهذه كلها عوامل إيجابية ساهمت في نجاح دولة قطر في رسم سياسة خارجية متميزة في منطقة الخليج العربي. كم كان بديعاً أن يعلن سموه باستمرار اعتزازه بانتمائه الإسلامي والعربي وهذا ما وسم كل سياساته داخليا وخارجيا، وقد ختم كلمته الوداعية بقوله: (مع ثقتي بإدراككم لانتمائكم وهويتكم العربية المسلمة فإنني أوصيكم بالمحافظة على قيمنا الثقافية والحضارية النابعة من ديننا وعروبتنا وانتماءاتنا الإنسانية، فنحن نؤمن بأن الوطن العربي جسد واحد يصلح الواحد من أقطاره بما يصلح به الجميع).. لله درك من رجل أمير لكل القلوب العربية.. نعم فالقلوب مفاتيح حكم الشعوب. إن سمو الأمير الجديد الشيخ تميم بن حمد شبل من ذاك الأسد فقد اطمأن الأسد على نباهة واستيعاب شبله لمتطلبات دولة عصرية مثل قطر.. هنيئاً للقطريين بقيادتهم الجديدة والسابقة، وهنيئاً لكل العرب بدولة تمضي في طريق المؤسسية والحكم الراشد وتعطي دروساً مجانية لكل العرب.
496
| 29 يونيو 2013
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين...
9426
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت...
2226
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً...
1125
| 06 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره...
1104
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين...
549
| 12 أكتوبر 2026
نحن نعيش في وسط يتغير بسرعة، وتتسع فيه...
534
| 07 أكتوبر 2026
-الأمير الوالد كان يتطلع إلى مكتبة وطنية تليق...
510
| 11 أكتوبر 2026
■تكوين الأسرة والإنجاب في الخليج يبدآن من الزواج...
480
| 13 أكتوبر 2026
الراتب الأول لحظة مهمة، وأتذكر كثيرًا من الفتيات...
471
| 07 أكتوبر 2026
ثمة مرتبة من مراتب النبل الروحي تتجاوز حدود...
435
| 06 أكتوبر 2026
توشك المنطقة على دخول منعطف حاسم وعاصف في...
420
| 06 أكتوبر 2026
يُفترض أن تكون الحصة الدراسية المكان الأول الذي...
408
| 11 أكتوبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تابع الأخبار المحلية والعالمية من خلال تطبيقات الجوال المتاحة على متجر جوجل ومتجر آبل