رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عاصفة هوجاء من الجدل الصاخب ضربت الأسبوع الماضي البرلمان السوداني بسبب طرح مسألة بشأن إجازة قرض كويتي قيمته (25) مليون دينار كويتي يسدد بفائدة ربوية لصالح مشروع كهرباء لولايات شرق السودان.. حزب المؤتمر الوطني الحاكم ذو التوجهات الإسلامية يستحوذ على أكثر من (90%) من عضوية البرلمان.. (52) عضواً وافقوا على القرض بينما أعترض (46) عضواً، وأمتنع (9) أعضاء عن التصويت.. النائبة البارزة في حزب المؤتمر الوطني سعاد الفاتح انتقدت زملائها الذين ساندوا إجازة القرض وشنت هجوما لاذعاً عليهم وقالت بالحرف الواحد "يخسي عليكم".. إذن البرلمان (الإسلامي) تحوّل إلى برلمان (إسلاربوي)!!، فالذين لم تعجبهم تجربة البنوك الإسلامية خاصة من جانب ذوي التوجهات العلمانية هاجموا التجربة مستغلين الثغرات الكثيرة التي انتابتها فبدلا عن قولهم: البنوك الإسلامية، كانوا يقولون (البنوك الإسلاربوية)؛ بمعنى أنها ربوية بـ(يافطات) إسلامية ففي الأمر سخرية من فكرة ومبدأ أسلمة النُظم المصرفية. الذين صوتوا لصالح القرض استندوا إلى فتوى من مجمع الفقه الإسلامي وهو مؤسسة حكومية، لكن الكثيرين يجدون صعوبة في تقبل الأمر نظراً للشعارات التي يرفعها نظام الحكم في السودان.. التحليل قام على ما عرف بـ"فقه الضرورة"، لكن الأسئلة من قبيل هل يجيز فقه الضرورة الربا؟ ظلت ماثلة لا تغادر مربع الشك والريبة.. هل تمويل مشروعات التنمية والمهام الدفاعية في مواجهة العدو ضرورة تبيح القروض الربوية؟.. الشاهد أن مجلس الوزراء السوداني أجاز برئاسة الرئيس عمر البشير فتوى تبيح تمويل مشروعات الدولة بالقروض الربوية، وذكر عصام البشير رئيس مجمع الفقه الإسلامي ووزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الأسبق، أن مجلس الوزراء أخذ بتوصيات ندوة نظمها المجمع وشارك فيها علماء من داخل السودان وخارجه، استعرضوا خلالها (19) بحثاً حوت فقه الشرائع وفقه الوقائع.. رئيس المجمع قال أيضا أن الندوة أكدت أن "الاقتراض بالربا من الكبائر والموبقات، غير أن الدولة إذا وقعت في ضرورة أو حاجة عامة فإنه يجوز لها الاقتراض بالفائدة، شريطة استنفاد كل الوسائل في الحصول على مصادر تمويل مقبولة شرعاً".. يشار إلى أن سد مروي في شمال السودان والذي تم تدشينه في 2009 تم إنشاؤه بقرض ربوي، ومن المفارقة أن من احتج على هذا القرض الربوي في البرلمان (قبل انفصال الجنوب) هم أعضاء الحزب الشيوعي ولكن ليس لأسباب دينية بالطبع، بل لأنهم يصفون الرأسمالية بالطفيلية باعتبار أنها نظام معادٍ للاشتراكية التي يزدينون بها.. المعترضون تمسكون بقاعدة تحريم الربا حيث وجد وبأي صورة كانت على صاحب رأس المال ومن اقترض منه بفائدة، سواءً كان المقترض فقيراً أو غنياً.. رئيس البرلمان غاب عن جلسة إجازة القرض وأناب أحد نوابه، ومعروف عن الرجل تدينه الشديد ويرجح أن سبب غيابه هو عدم اقتناعه بإجازة القرض.. وقد ضغط نائبه في تلك الجلسة على النواب مستندًا إلى فتوى مجمع الفقه، لكن رئيس لجنة التعليم وهو قيادي بجماعة الأخوان المسلمين السودانية المرتبطة بتنظيم الإخوان المسلمين الدولي، شكَّك واعترض على التوصية رئيس الجلسة لغياب إمضاء المختص فقهيًا.. ماذا لو كان المؤتمر الوطني حزب معارضة وأجاز البرلمان ذلك القرض؟. من ضمن ما جاء به بيان الانقلاب الذي جاء بالرئيس البشير للسلطة في يونيو 1989م انتقاده لممارسات البرلمان في عهد رئيس الوزراء السابق السيد الصادق المهدي إذ جاء في ذلك البيان: (مؤسسات الحكم الرسمية لم تكن إلا مسرحا لإخراج قرارات السادة)، اليوم يرى أولئك أن مؤسسة مثل البرلمان لا هم لها إلا الموافقة غير المشروطة على قرارات ورغبات الحكومة حتى لو جاءت مصادمة لأمور فقهية.. لقد كان أكبر مؤشر لإحساس مؤيدي الانقلاب الذي سمي بثورة الإنقاذ الوطني بالإخفاق في تحقيق أشواقهم الإسلامية تلك المذكرة التي أثارت عاصفة من الجدل والتي قدمها عدد من منسوبي الحركة الإسلامية وجناحها السياسي حزب المؤتمر الوطني الحاكم قبل حوالي عام.. المذكرة تناولت انتقادات (مؤلمة) لمآلات الوضع السياسي في السودان، أهمها ما أسمته المذكرة (انحراف عن جادة الطريق) والمقصود هنا التعبير عن إحباطات أصحاب المذكرة جراء ما يرونه من تخلي عن الأهداف (السامية) التي من أجلها صعدت الحركة الإسلامية إلى سدة الحكم في السودان.. في آخر مؤتمر عام للحركة الإسلامية في نوفمبر الماضي تم وضع قيادات الحركة الجديدة في إطار محكم، فالأمين العام الجديد "الزبير محمد الحسن" مرشح الحكومة وجد الرجل نفسه (معتقلاً) داخل بيت الطاعة للسلطة بعد عمليات مرتبة ومعقدة بدءًا بإقرار انتخاب الأمين العام بواسطة مجلس الشورى وليس المؤتمر العام، وانتهاءً بـممارسة (ضغوط) المرشح القوي غازي صلاح الدين عتباني وهو إصلاحي جهر بمواقف لم تعجب السلطة على الانسحاب وتمهيد الطريق أمام الزبير ليفوز بالتزكية.
4351
| 22 يونيو 2013
أبدت دولة جنوب السودان قلقاً بالغاً إثر قرار الرئيس السوداني عمر البشير إغلاق أنبوب تصدير النفط الجنوبي عبر السودان بعد اتهامات أطلقها السودان لحكومة جوبا بدعم المتمردين السودانيين.. سلفا كير رئيس دولة الجنوب أكد أنه لا عودة للحرب بين البلدين مطلقاً وشدد على حاجة بلاده لكل قرش.. في الوقت نفسه أكد برنابا مريال بنجامين وزير الإعلام في جنوب السودان أن زيارة سلفا إلى الخرطوم مازالت قائمة وسيصل إلى بورتسودان لمشاهدة تصدير النفط، وقال برنابا إن الحوار والاتصالات مع الخرطوم مازالت مستمرة.. جوبا التي تعتمد في إيراداتها على البترول بنسبة (98%) قد طال انتظارها منذ أن بادرت من جانب واحد بإغلاق أنبوب النفط إثر أزمة تحديد رسوم العبور.. حينذاك نصح الناصحون جوبا محذرين من إقدامها على عمل أخرق مثل إيقاف ضخ النفط، لأن جوبا ستكون أول المتضررين ليس بسبب وقف العائدات الدولارية فحسب، ولكن لأن الإيقاف سينتج عنه أضرار فنية بالغة يصعب تفاديها مستقبلا، بما في ذلك تدني إنتاج آبار النفط الجنوبية، فضلا عن أن استئناف الضخ سيواجه بمشكلات فنية معقدة تحتاج لكثير من الوقت والصبر.. قبيل قرار البشير زار وزير النفط في دولة جنوب السودان شاكياً "لطوب الأرض" بسبب تدني ضخ إنتاج نفطهم من (200) ألف برميل في اليوم إلى (105) آلاف برميل فقط، وكانت قد استدعت المبعوث الصيني لديها شاكية ويبدو أن المسؤول الصيني حدثهم عن أسباب فنية لا غير.. فنيون كانوا قد حذروا جوبا من خطوة إغلاق الأنبوب التي سينتج عنها انخفاض إنتاج بعض آبارها لمسألة تتعلق بطبيعة نوع النفط الخام. عقب خطوة الرئيس البشير الأخيرة جاء القائم بالأعمال الأمريكي في الخرطوم شافعاً لجوبا متجاهلاً ومتغاضياً عن دعمها لمتمردي السودان، الخرطوم ترى أن المسؤول الأمريكي لم يسأل نفسه عن قيام دولة أجنبية بدعم جماعات أمريكية تسعى لتقويض الدستور ونفس الاستقرار بقوة السلاح والإرهاب؟! ما يثير قلق ودهشة الخرطوم أن جوبا تدعم المتمردين بسخاء لم يكن له مثيل وتقول هذه جوبا وهي في حالة كرم طائي رغم أنها تشكو الفاقة و(الفلس) والجوع؛ فما بال حالها عندما تتدفق إليها دولارات البترول الذي بلغ في مسيره ميناء التصدير على البحر الأحمر؟. ملفان أساسيان يمثلا لب الخلاف بين البلدين، الملف الأول ملف الترتيبات الأمنية وتوليه الخرطوم أولوية قصوى.. والملف الثاني ملف اقتصادي يتضمن استئناف تصدير النفط من جديد وهذا توليه جوبا أولوية قصوى.. وكان الجدل محتدما أيهما أولا لكن اتفق على إنجازهما بالتزامن ليطبق شعار النفط مقابل الأمن إلا أن الخرطوم شعرت بأنها تم خداعها؛ ففي حين وصل نفط الجنوب على الأنبوب إلى مشارف ميناء التصدير، نجد أن الملف الأمني تراجع بشكل مخيف فقد دخلت القوات المتمردة المدعومة من جوبا إلى العمق وقامت بعمليات عسكرية في وسط البلاد.. بل إن الخشية من أن تتمادى تلك القوى وتحاول شن هجوم على العاصمة الخرطوم حيث إن هناك معلومات رشحت تؤكد أن المتمردين يعدون الآن في عملية تجميع لقواتهم قرب مدينة (أب كرشولا) بولاية جنوب كردفان والتي استعادها الجيش من قبضتهم أخيراً. هل ستدعم خطوة الرئيس البشير التطبيع مع جوبا بحيث تتخلى جوبا عن دعم المتمردين السودانيين؟ أم أن الإغلاق سيوسع من حجم الفجوة بين البلدين ويجعل جوبا تبحث بجدية عن أنبوب جديد؟ هل سيرفع الاتحاد الإفريقي يده وينتقل الملف برمته إلى مجلس الأمن وتواجه الخرطوم تحيز الولايات المتحدة ضده وتكسب جوبا الرهان؟
454
| 15 يونيو 2013
يبدو أن تعقيدات جدية تكتنف علاقات دول حوض النيل بسبب سد الألفية الإثيوبي، فضلا عن اتفاقية عنتيبي البديل المحتمل لاتفاقية تقسيم مياه النيل الحالية.. ففيما يستعر الجدل في مصر بسبب السد الإثيوبي، حسمت دولة جنوب السودان أمرها في النزاع والخلاف القائم بين مصر ودول حوض النيل حول اتفاقية عنتيبي.. وهناك خمس دول حتى الآن من دول الحوض وقعت على هذه الاتفاقية، وهي: (إثيوبيا وأوغندا ورواندا وتنزانيا وكينيا.. فهل تستطيع مصر اليوم الدخول في مواجهة جبهتين ساخنتين، تدوران حول قضية (حياة أو موت) تتعلق بأمنها المائي.. والحرب في أكثر من جبهة ينظر إليه الخبراء العسكريون باعتباره خطأً استراتيجياً قاتلاً.. في تقديري أن جبهة اتفاقية عنتيبي هي الأولى بالعناية وبالتالي فإن تبريد جبهة الأخرى - السد الإثيوبي - ضرورة على الأقل في الوقت الحالي.. في (21) يونيو الحالي ستنعقد اجتماعات في جوبا، وسيتم في تلك الاجتماعات منح جوبا عضوية مبادرة حوض النيل.. مصادر وثيقة الصلة بصانعي القرار قي الخرطوم أكدت أن جنوب السودان ستطالب بحصتها من مياه النيل التي تحصل عليها السودان، والمقدرة بـ(18.5) مليار متر مكعب، حيث لم يكن لها حصة محددة من مياه النيل، لأنها كانت جزءاً من السودان عند التوقيع على اتفاقيات اقتسام مياه النيل لعامي 1929 و1959، وبعد الانفصال لم تحدد لها حصة واضحة من مياه النيل.. مصدر قلق مصر أن هذه الاتفاقية تجعل دول حوض النيل في حلٍ من هذه الاتفاقية التي تتحدث عن حصة كل دولة بعبارات فضفاضة وتقول إنها تحددها احتياجات الدولة المعنية بما لا يضر بالآخرين، وهذا مكمن الخطر في رأي مصر التي ظلت تتمتع بحصة وافرة وفقاً للاتفاقية السارية حالياً.. لذا موقف مصر هو أنها لن توقع على اتفاقية عنتيبي إلا بضمان حصتها بشكل محدد وقال وزير الموارد المائية والري المصري الدكتور محمد بهاء الدين: (إن مصر لن توقع على الاتفاقية الإطارية ما لم تنصّ صراحة على ضمان حصتها من مياه النيل). ولأنه من الصعب أن تتحكم إثيوبيا بسبب العنفوان الذي يتميز به النيل الأزرق، في تقليص حصة مصر على الأقل في المدى المتوسط فإن من الأجدى أن تركز على جبهة اتفاقية عنتيبي خاصة أنها تجد مساندة من السودان في موقفها.. ليس من المجدي مطلقاً أن تتماهى الحكومة المصرية مع مواقف الإعلام المصري المتشنج من السد الإثيوبي وقد بنيت في كثير من الأحيان على معلومات مغلوطة، بل إن بعض القوى السياسية تحاول تجريم السودان باعتبار أن موقفه من السد في نظرها سلبياً.. الضجة التي ثارت إثر إعلان إثيوبيا البدء في تحويل مجرى النيل الأزرق لم تكن موضوعية؛ إذ أن تحويل المجرى جاء وفقاً لبرنامج زمني معلوم، وأي سد تحت التشييد يتطلب تحويل مجرى النهر مؤقتاً ريثما يتم الانتهاء من بناء قاعدة السد وهذا الأمر حدث مؤخراً في سير الأعمال بمشروع مجمع سدي أعالي عطبرة وسيتيت داخل الأراضي السودانية.. ما هو خطير أن تصح مقولات بعض المحللين التي ترى أن إعلام المعارضة المصرية المناوئ للرئيس مرسي يبحث عن أي قضية لاستخدامها وقوداً في معركته الشرسة ضده.. يريد ذلك الإعلام أن يُظهر الرئيس مرسي في صورة المفرّط في أمن مصر المائي، ومن قبل أثار زوبعة عقب زيارته للخرطوم وتصريحاته العقلانية بشأن حلايب، حيث دُقت الطبول معلنة تفريط مرسي في حلايب!!. في السودان أُعلن عن موقف الخرطوم من السد الإثيوبي إذ أعلنت وزارة الخارجية السودانية أن السودان لا يتضرر من قيام السد المثير للجدل.. لكن البعض في السودان استجاب إلى مواقف الإعلام المصري المتشنجة إذ تحدث أحد الخبراء عن ضرورة استرداد السودان ما أسماه بالسلفة المائية التي منحها لمصر في العام 1959م مبرراً دعوته الغريبة بفقدان السودان لبترول الجنوب عقب الانفصال؟!، مؤكداً استفادة السودان من قيام السد.. لكن خبيراً آخر قال إن تضرر السودان من قيام السد الإثيوبي يفوق الضرر الذي تتحدث عنه بعض الأوساط المصرية! أعتقد أن السودان لديه دور محوري في لملمة الموضوع وتهدئة الخواطر وتنظيف الملعب من اللاعبين (المشاغبين).. من حق إثيوبيا إنشاء السدود كما هو حق السودان ومصر، ومن حق أي دولة من هذه الدول ألا تتضرر مصالحها بسبب قيام سد في أي منها.. هذه قاعدة ذهبية يرتكز عليها حل أي إشكال يعتري هذه القضية الملتهبة.. سواء في حالتي سد الألفية واتفاقية عنتيبي ليس من المصلحة أن تبدو مصر والسودان في حالة تكتل ضد الدول الإفريقية التي تشاركها في نهر النيل بفروعه المختلفة.. لقد كانت على الدوام مطالبات متزايدة لبعض دول حوض النيل بإعادة النظر في الاتفاقيات القديمة، فقد هددت (تنزانيا وكينيا وإثيوبيا) بتنفيذ مشروعات سدود قد تقلل من كميات المياه التي ترد إلى مصر ما لم يتم تعديل اتفاقية المياه السارية اليوم.. لكن من حسن الطالع أن هذه التهديدات لم ينفذ أغلبها، وقابلتها القاهرة بمحاولات تهدئة وتعاون فني واقتصادي وأحيانًا تقديم مساعدات لهذه الدول.
1117
| 08 يونيو 2013
شكا وزير الإعلام السوداني أمام البرلمان نهاية الأسبوع الماضي من تخفيض وزارة المالية ميزانية وزارته (60%).. في حين تشكو الدولة من أن صوتها مبحوح في المحافل الدولية، وترمي باللائمة على إعلام الآخر، متمسكة بأفكار لجنة (ماك برايد) التي شكلتها اليونسكو، وقد تحدثت عن هيمنة الإعلام العالمي على إعلام الدول الضعيفة، كما تحدثت عن التدفق غير المتوازن للمعلومة من الشمال إلى الجنوب.. شكوى الوزير تشير إلى أن خلل الإعلام السوداني ليس بسبب إعلام الآخر بقدر ما أنه يكمن في أن الإعلام في السودان في الدرك الأسفل من الأولويات.. لم تكن بأي حال من الأحوال ميزانية وزارة الإعلام السودانية قبل تخفيضها كافية أصلاً، الأمر الذي انعكس سلبا على مجمل المشهد الإعلامي في السودان. الإعلام الرسمي تقهره الميزانية، بينما الإعلام غير الرسمي تقهره إجراءات جهاز الأمن السوداني المتعسفة.. وزير الإعلام والمجلس القومي للصحافة والمطبوعات آخر من يعلم بالإجراءات التي يتخذها الجهاز ضد الصحف وضد الصحفيين.. ما يؤخذ على وزير الإعلام أنه عندما يوقف جهاز الأمن صحيفة أو صحفي، فإنه يبدو مستسلما قليل الحيلة هذا إن لم يكن مؤيداً.. هذه الأيام أوقفت سلطات جهاز الأمن صحيفتي "الانتباهة"، و"المجهر السياسي" بدعوى أنهما خاضتا في الشأن العسكري.. صحيح أن قانون الصحافة والمطبوعات الساري يجد الإشادة من قبل الصحفيين، إلا أن المشكلة في قانون جهاز الأمن والمخابرات الذي يخول لضباط الجهاز إغلاق الصحف تحت طائلة المادتين (24) و(25)د، تهديد الأمن الوطني.. قرارات الجهاز غير قابلة للطعن، بينما قرارات الإيقاف وفقا لقانون الصحافة والمطبوعات يمكن الطعن فيها وإيقاف تنفيذها ريثما يقول القضاء كلمته.. وسبق أن تعرضت صحيفة (الجريدة) للإيقاف من جانب الجهاز واستمر الإيقاف لفترة (4) أشهر وكسبت الصحيفة قضية رفعتها ضد قرار الجهاز، لكن المحكمة لم تستطع أبطال قرار الإيقاف رغم أنها برأتها من التهم التي قذفها بها جهاز الأمن تحت طائلة المادتين (24) و(25) د.. وعاودت الصحيفة الصدور لكنها لم تجد من يعوضها خسائرها خلال فترة الإيقاف التي أبطلت المحكمة أسبابها.. لقد أدهش الجهاز الساحة الصحفية عندما أوقف رئيس تحرير صحيفة الصحافة المستقلة قبل أكثر من شهر بشكل مفاجئ.. وقال النور أحمد النور رئيس التحرير المعني بقرار الإيقاف: إن اثنين من ضباط الجهاز حضرا إلى مقر الصحيفة وأبلغاه شفاهة أن الجهاز أصدر قراراً بوقفه عن العمل فوراً وسحب اسمه من ترويسة الصحيفة وطلب من مجلس إدارة الصحيفة تكليف رئيس للتحرير بالإنابة.. وعزا النور السبب إلى مشادة نشبت بينه وبين ضابط في الجهاز قبل أكثر من عشرة أيام من قرار الإيقاف، حيث طلب الأخير منع نشر خبر بعينه لكن النور قال له إن الخبر المعني تناولته صحف أخرى وليس من العدل حجبه من صحيفة الصحافة وانتهت المجادلة بحجب الخبر.. الجهاز اعتبر ما جرى (إهانة) موجهة إليه ولذا قرر تلك العقوبة.. يشار أن النور ظل رئيساً لتحرير الصحيفة لما يقارب ثمانية أعوام وقد شغل من قبل منصب الأمين العام لاتحاد الصحفيين السودانيين. الحقيقة أن الإعلام الرسمي في السودان ينعته البعض بإعلام الصحاف!! نذكر جميعا محمد سعيد الصّحاف آخر وزير إعلام في نظام الرئيس العراقي صدام حسين.. كان (أرقوزا) يثير الشفقة أكثر مما كان يثير الضحك والأرقوز مخلوق مضحك بلا قيمة.. من منا لم يستغرب الأسلوب والنهج الذي اعتمده الصحاف في مواجهة الآلة الأمريكية الغاصبة، وهي آلة بذراعين؛ عسكرية وإعلامية أتت على الأخضر واليابس.. كان الرجل يقفز فوق الحقائق في عصر ثورة الاتصال.. كان للعراق قضية وكان العراقيون معتدى عليهم، بينما كانت أمريكيا معتدية وظالمة، ومع ذلك خسر الصّحاف ومعه العراق كله المعركة، فلم يعرف الإعلام العراقي والعربي مصيبة مثلما عرف الصّحاف.. والسودان اليوم يشهد هجمة إعلامية شرسة مرتكزة على الأوضاع الاقتصادية والسياسية الهشة، مما دعا البعض يحذر الإعلام الحكومي من نهج إعلام الصّحاف.
576
| 01 يونيو 2013
كان الشّد والتجاذب بين جوبا والخرطوم قبل الاتفاق الأخير في مارس الماضي بشأن ما عرف بالمصفوفة يدور حول من يسبق من؟. الملف الأمني أم الملف الاقتصادي؟. الخرطوم كانت تضع أولوية قصوى للملف الأمني وتريد أن تقطع جوبا ارتباطها العسكري والسياسي مع متمردي الحركة الشعبية قطاع الشمال؛ بينما كانت جوبا تضع أولية قصوى للملف الاقتصادي، بعد الأزمة الضاغطة التي سببها انقطاع إيراداتها النفطية جراء وقف تصدير نفطها عبر الأراضي السودانية من طرف واحد من جانب جوبا.. الخرطوم ترى أن تطبيع العلاقات يمر بتسوية الملف الأمني؛ فيما ترى جوبا أن ذلك يمر عبر تسوية الملف الاقتصادي.. تسوية الملفين بالتزامن كان حلا مناسباً أنهى جدلا بيزنطيا تطاول عهده.. بعد أسابيع عسل معدودة تفجرت الأوضاع مؤخراً عندما هاجمت الجبهة الثورية وهي مجموعة حركات متمردة على السودان تجد الدعم من جوبا، منطقتي (أم روابة وأبو كرشولا) في ولايتي شمال وجنوب كردفان.. الخرطوم اتهمت جوبا بعدم إيفائها بالتزامها بوقف دعم المعارضة المسلحة؛ في الوقت ذاته تعثرت عمليات ضخ نفط الجنوب الذي عزته الخرطوم لأسباب فنية لكن جوبا اتهمت الخرطوم بتعمد تعطيل انسياب النفط عبر أراضيها. الخميس الماضي وصل وزير النفط في دولة جنوب السودان (متلهفاً) وشاكياً لطوب الأرض لتدني ضخ إنتاج نفط جنوب السودان من (200) ألف برميل في اليوم إلى (105) ألف برميل فقط.. جوبا كانت قد غضبت واستدعت المبعوث الصيني لديها شاكية، (بكين شريك أساسي للبلدين في صناعة النفط) وفي الوقت نفسه استدعت سفير السودان لديها ونقلت له احتجاجها.. المسؤول الصيني حدثهم عن أسباب فنية لا غير، فيما نقل لهم سفير الخرطوم نفياً قاطعاً بوقف الضخ عمداً.. الخرطوم تحفظ للقيادي بالحركة الشعبية وحكومة جوبا باقان أموم تهديده بإيقاف ضخ النفط متهماً السودان بسرقة نفطهم، ونفذت جوبا فيما بعد وعيدها.. حينذاك نصح الناصحون جوبا محذرين من إقدامها على عمل أخرق مثل إيقاف ضخ النفط، لأن جوبا ستكون أول المتضررين ليس بسبب وقف العائدات الدولارية فحسب، ولكن لأن الإيقاف سينتج عنه أضرار فنية بالغة يصعب تفاديها مستقبلا، بما في ذلك تدني إنتاج آبار النفط الجنوبية، فضلا عن أن استئناف الضخ سيواجه بمشكلات فنية معقدة تحتاج لكثير من الوقت والصبر.. وكيل وزارة الخارجية السودانية قدم شرحاً لرؤساء وممثلي البعثات الدبلوماسية الغربية وبعض البعثات الدبلوماسية الأخرى بالسودان عن المشاكل الفنية التي واجهت نقل بترول جنوب السودان.. المسؤول السوداني أوضح أن تعثر نقل البترول بسبب مشاكل فنية بحتة، وليس بسبب قرار سياسي من حكومة السودان.. واحدة من هذه الصعوبات حسب المسؤول السوداني، كانت ارتفاع نسبة المياه في البترول القادم من الجنوب فاقت نسبة الـ(40%) بينما الحد الأعلى المسموح به (10%) مما سيضر بالأنابيب إلى جانب تعطل شبكة منظومة الاتصالات اللازمة للتحكم في متطلبات التشغيل بسبب وقف العمل منذ العام الماضي فضلاً عن العقبات التي يواجهها فريق الصيانة من الجانب السوداني في الدخول والخروج إلى ومن جنوب السودان. لاشك عندي أن الخرطوم أحرص ما يكون على تبريد الجبهة مع جوبا ومن هنا فإن ما أدلى به جهاز الأمن السوداني من معلومات عن دعم جوبا للمتمردين ضد الخرطوم عندي صحيح (100%)، فلو لا فاض الكيل لما تدفقت تلك المعلومات الخطيرة.. الجرأة التي اقتحمت بها قوات الجبهة الثورية مدن (أم روابة) و(أبو كرشولا)، لا تتأتّى إلا لمن أمّن ظهره بدعم سخي.. الخرطوم تهمس قائلة هذه جوبا وهي بهذا الكرم رغم أنها تشكو الفاقة؛ فما بال حالها عندما تتدفق إليها عائدات البترول الذي بلغ في مسيره نحو التصدير مسافة مقدرة؟ السؤال الكبير هو، ماذا فاعل ثابو أمبيكي رئيس الوساطة الإفريقية رفيعة المستوى، بعد الإدانات الدولية لعملية (أم روابة) و(أبو كرشولا)، ابتداءً من بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة ومروراً بالجامعة العربية وانتهاءً بالاتحاد الإفريقي؟
566
| 25 مايو 2013
كان الشّد والتجاذب بين جوبا والخرطوم قبل الاتفاق الأخير في مارس الماضي بشأن ما عرف بالمصفوفة يدور حول من يسبق من؟. الملف الأمني أم الملف الاقتصادي؟. الخرطوم كانت تضع أولوية قصوى للملف الأمني وتريد أن تقطع جوبا ارتباطها العسكري والسياسي مع متمردي الحركة الشعبية قطاع الشمال؛ بينما كانت جوبا تضع أولية قصوى للملف الاقتصادي، بعد الأزمة الضاغطة التي سببها انقطاع إيراداتها النفطية جراء وقف تصدير نفطها عبر الأراضي السودانية من طرف واحد من جانب جوبا.. الخرطوم ترى أن تطبيع العلاقات يمر بتسوية الملف الأمني؛ فيما ترى جوبا أن ذلك يمر عبر تسوية الملف الاقتصادي.. تسوية الملفين بالتزامن كان حلا مناسباً أنهى جدلا بيزنطيا تطاول عهده.. بعد أسابيع عسل معدودة تفجرت الأوضاع مؤخراً عندما هاجمت الجبهة الثورية وهي مجموعة حركات متمردة على السودان تجد الدعم من جوبا، منطقتي (أم روابة وأبو كرشولا) في ولايتي شمال وجنوب كردفان.. الخرطوم اتهمت جوبا بعدم إيفائها بالتزامها بوقف دعم المعارضة المسلحة؛ في الوقت ذاته تعثرت عمليات ضخ نفط الجنوب الذي عزته الخرطوم لأسباب فنية لكن جوبا اتهمت الخرطوم بتعمد تعطيل انسياب النفط عبر أراضيها. الخميس الماضي وصل وزير النفط في دولة جنوب السودان (متلهفاً) وشاكياً لطوب الأرض لتدني ضخ إنتاج نفط جنوب السودان من (200) ألف برميل في اليوم إلى (105) ألف برميل فقط.. جوبا كانت قد غضبت واستدعت المبعوث الصيني لديها شاكية، (بكين شريك أساسي للبلدين في صناعة النفط) وفي الوقت نفسه استدعت سفير السودان لديها ونقلت له احتجاجها.. المسؤول الصيني حدثهم عن أسباب فنية لا غير، فيما نقل لهم سفير الخرطوم نفياً قاطعاً بوقف الضخ عمداً.. الخرطوم تحفظ للقيادي بالحركة الشعبية وحكومة جوبا باقان أموم تهديده بإيقاف ضخ النفط متهماً السودان بسرقة نفطهم، ونفذت جوبا فيما بعد وعيدها.. حينذاك نصح الناصحون جوبا محذرين من إقدامها على عمل أخرق مثل إيقاف ضخ النفط، لأن جوبا ستكون أول المتضررين ليس بسبب وقف العائدات الدولارية فحسب، ولكن لأن الإيقاف سينتج عنه أضرار فنية بالغة يصعب تفاديها مستقبلا، بما في ذلك تدني إنتاج آبار النفط الجنوبية، فضلا عن أن استئناف الضخ سيواجه بمشكلات فنية معقدة تحتاج لكثير من الوقت والصبر.. وكيل وزارة الخارجية السودانية قدم شرحاً لرؤساء وممثلي البعثات الدبلوماسية الغربية وبعض البعثات الدبلوماسية الأخرى بالسودان عن المشاكل الفنية التي واجهت نقل بترول جنوب السودان.. المسؤول السوداني أوضح أن تعثر نقل البترول بسبب مشاكل فنية بحتة، وليس بسبب قرار سياسي من حكومة السودان.. واحدة من هذه الصعوبات حسب المسؤول السوداني، كانت ارتفاع نسبة المياه في البترول القادم من الجنوب فاقت نسبة الـ(40%) بينما الحد الأعلى المسموح به (10%) مما سيضر بالأنابيب إلى جانب تعطل شبكة منظومة الاتصالات اللازمة للتحكم في متطلبات التشغيل بسبب وقف العمل منذ العام الماضي فضلاً عن العقبات التي يواجهها فريق الصيانة من الجانب السوداني في الدخول والخروج إلى ومن جنوب السودان. لاشك عندي أن الخرطوم أحرص ما يكون على تبريد الجبهة مع جوبا ومن هنا فإن ما أدلى به جهاز الأمن السوداني من معلومات عن دعم جوبا للمتمردين ضد الخرطوم عندي صحيح (100%)، فلو لا فاض الكيل لما تدفقت تلك المعلومات الخطيرة.. الجرأة التي اقتحمت بها قوات الجبهة الثورية مدن (أم روابة) و(أبو كرشولا)، لا تتأتّى إلا لمن أمّن ظهره بدعم سخي.. الخرطوم تهمس قائلة هذه جوبا وهي بهذا الكرم رغم أنها تشكو الفاقة؛ فما بال حالها عندما تتدفق إليها عائدات البترول الذي بلغ في مسيره نحو التصدير مسافة مقدرة؟ السؤال الكبير هو، ماذا فاعل ثابو أمبيكي رئيس الوساطة الإفريقية رفيعة المستوى، بعد الإدانات الدولية لعملية (أم روابة) و(أبو كرشولا)، ابتداءً من بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة ومروراً بالجامعة العربية وانتهاءً بالاتحاد الإفريقي؟
504
| 25 مايو 2013
يقول الدكتور عبد الله النفيسي المفكر الكويتي المعروف أنه اطلع على وثائق مهمة تشير إلى أن مؤتمراً دولياً عقد في ألمانيا في العام 1985م تم الاتفاق فيه على تفكيك وتقسيم السودان إلى (4) دول: جنوب، ووسط وغرب وشرق.. على أن يتم تنفيذ المشروع على مراحل ويستكمل في العام 2020م.. كلام النفيسي يُعضّده الواقع الذي يتلبس السودان اليوم؛ فالدولة في الجنوب قامت، بل أصبحت واحدة من معاول تنفيذ بقية المخطط.. قضية دارفور توشك أن تذهب بالجزء الغربي من البلاد، ويرى البعض أن الاستقرار النسبي الذي يسود الإقليم حالياً، هو استقرار مصنوع، أي أنه يتم بجهود دولية خارقة، وليس بسبب ظروف موضوعية ماثلة على الأرض؛ وريثما تنتفي الجهود الدولية فإن الاستقرار سيصبح في خبر كان.. وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي سبق وأن قال في تصريحات شهيرة أنهم لن يسمحوا لدولة عربية مسلمة تمتلك مثل إمكانات السودان بالاستقرار المفضي لتوظيف تلك الإمكانات لأن فيها تهديدا فعليا لإسرائيل، ونضيف أن السودان بالإضافة إلى ذلك يشكل جسراً للثقافة العربية الإسلامية نحو إفريقيا.. من أكثر الأشياء مدعاة للقلق بالنسبة لإسرائيل هو قيام تضامن عربي إفريقي يؤدي إلى جبهة سياسية واحدة، تزيد من حالة العزلة التي تعاني منها، ولذلك جعلت إسرائيل، من أهدافها المهمة في القارة الإفريقية إضعاف علاقات الأقطار الإفريقية بالعالم العربي.. وتعطي بعض الأرقام صورة عن أهمية الترابط الجغرافي إذ أن أكثر من نصف العرب يعيشون في إفريقيا (حوالي 60%)، و25% من الأفارقة هم عرب، وأكثر اللغات التي يتحدث بها أهل إفريقيا هي اللغة العربية.. عندما تحرك الجيش السوداني في أبريل من العام الماضي في أول مواجهة بين جيشي البلدين (السودان وجنوب السودان) بعد الانفصال لتحرير منطقة هجليج القريب من الحدود مع جوبا؛ خاطب رئيس دولة الجنوب سلفا كير إفريقيا والعالم مستغيثاً قائلاً: (إنه يحتاج للدعم لأنه يواجه الإسلام والعروبة القادمين من جهة الخرطوم).. عندما تحسنت العلاقات بين جوبا والخرطوم في مارس الماضي بعد تعثر دام طويلا إثر توقيع اتفاق التعاون المشترك في سبتمبر الماضي بأديس أبابا، قالت إسرائيل على لسان مسؤول رفيع إنها لن تسمح بإطفاء الحرائق في السودان. كانت الحركة الشعبية الحاكمة في دولة جنوب السودان اليوم، منذ أن بدأت نشاطها العسكري والسياسي ضد الخرطوم منذ أكثر من عقدين من الزمان تتأبط خطة سياسية عسكرية من قسمين (أ)، (ب).. تحقيق القسم (أ) يغني بالضرورة عن القسم (ب)، بينما يتم اللجوء إلى الخطة (ب) في حال فشل الخطة (أ).. المآل النهائي لهدف الحركة استقر على الخطة (ب) وهي فصل جنوب السودان وتأسيس دولة تتبنى نهجاً وسياسة على النقيض مما تتبناه حكومة (البشير) في السودان الأم.. الخطة (أ) تبنت شعار تحرير السودان وصولاً إلى (سودان جديد) يتم فيه طمس الهوية العربية الإسلامية وإزاحتها من الحياة العامة وإرساء قواعد نظام حكم علماني بملامح زنجية إفريقية خالصة.. فشل الخطة (أ) لا يعني التخلي تماماً عن هدف (السودان الجديد)، ولكن يتم تحقيقه بوسائل وطرق سياسية وعسكرية جديدة، ولذا تدعم جوبا الجماعات المتمردة المسلحة سواء في دارفور أو ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، وتم تأسيس ما عرف بالجبهة الثورية التي تضم حركات دارفور غير الموقعة على سلام الدوحة والحركة الشعبية – قطاع الشمال التي تنطلق من ولايتي النيل الأزرق.. آخر عمليات الجبهة الثورية العسكرية الهجوم على مدينة أم روابة وأبو كرشولا والقيام بعمليات تصفية جسدية واسعة النطاق ونهب ممتلكات المواطنين.. بالأمس جدد النائب الأول للرئيس السوداني علي عثمان طه وهو يتحدث في لقاء صحفي جامع بقيادات الأجهزة الإعلامية، على خلفية هجوم الجبهة الثورية، والرجل الذي قليلا ما يتكلم قال إن السودان يتعرض إلى مؤامرة دولية محكمة التخطيط. حتى إن وافقنا على هاجس المؤامرة بشكل أو بآخر؛ فإن مشكلة السودان ليست في المؤامرة الدولية فحسب، بل إن إشكاليات ماثلة تمسك بتلابيب كل المكونات السياسية في البلاد، وهذه الإشكاليات هي التي تُعجّل بنجاح المؤامرة الدولية.. الحكومة والمعارضة بشقيها السلمي والعسكري، يعانون من ضعف وارتباك كبيرين.. فالحكومة أو المؤتمر الوطني الحاكم غير متصالح مع نفسه دعك من أن يكون متصالح مع القوى السياسية الأخرى.. فالخلافات بين مكوناته بلغت ذروتها عندما حاول البعض منه القيام بانقلاب عسكري.. المعارضة السلمية مفككة ومكوناتها وهياكلها بعيدة كل البعد عن العمل الديمقراطي وهي حينما تتحدث عن الديمقراطية فإنها تفتقدها تماما ولا تمارسها مطلقاً.. أما المعارضة المسلحة، فقد انزلقت في أتون عمل عنصري وجهوي وتحاول زيادة شعبيتها من خلال العزف على وتر العنصرية، هذا فضلا عن اعتمادها العمل العسكري الدموي سبيلا أوحداً لتحقيق أهدافها السياسية.
866
| 18 مايو 2013
بالتزامن مع الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة يثور الجدل في السودان حول الصحافة التي تعاني أوضاعاً اقتصادية مزمنة، فضلاً عن مضايقات أمنية يومية ممثلة في الرقابة القبلية التي عادت أكثر شراسة بعد توقف لحين.. الاتحاد العام للصحفيين السودانيين اكتفى بإصدار بيان جدد فيه اعتراضه على الإجراءات الاستثنائية التي تجأر بها الصحافة السودانية وذلك مبلغ ما يمكن أن يتخذه من مواقف، ودعا في بيانه إلى وقف كافة أشكال الرقابة على الصحف، وإيقاف الصحفيين ومنع بعضهم من الكتابة، داعيا في الوقت ذاته للاحتكام إلى القانون في المخالفات الصحفية، وأبدى الاتحاد رفضه لفكرة إنشاء نيابات للصحافة بولايات السودان المختلفة لأنها في رأيه تمثل نوعا من أنواع محاربة الصحافة والصحفيين، وطالب بتطبيق العقوبات المدنية في قضايا النشر الصحفي، بدلا من العقوبات الجنائية... وزير الإعلام الذي شارك في احتفال الاتحاد عبر عن عدم سعادته بالرقابة القبلية وإيقاف الصحف والصحفيين، لكنه حاول تبرير تلك الإجراءات التعسفية بحالة الحرب وعدم الاستقرار التي تمسك بتلابيب البلاد.. الإيقاف الإداري والترخيص بإصدار الصحف ليس من اختصاص وزارة الإعلام بل هو من اختصاص المجلس القومي للصحافة الذي يتبع مباشرة لرئاسة الجمهورية، وبالتالي لا ولاية مباشرة للوزير على الصحافة. مجلس الصحافة الذي يضم لجنة اسماها لجنة ترقية أخلاقيات المهنة، لديه مآخذ على الأداء الصحفي ويرى أن الخطاب المستخدم تدهور كثيرا في اتجاه معاكس للقيم والمثل.. نماذج تحريره عرضها أحد أعضاء المجلس القومي وصفها بغير اللائقة في ندوة موضحاً أن الأمانة العلمية تقتضي الإشارة لذلك (الغثّ) طالما نحن في إطار معالجة وتصنيع دواء لذلك الداء.. الندوة حملت عنوان (تأصيل وترقية أخلاقيات مهنة الصحافة).. (3) ورقات مهمة رفعت درجة حرارة النقاش؛ الأولى بعنوان (الصحافة بين المهنة والرسالة)، والثانية (ضوابط ومواثيق العمل الصحفي)، والثالثة (نماذج للمخالف الصحفية والإدانة والعقوبات)، والأخيرة كانت الأكثر إثارة للجدل. عند تعقيبي على الورقة المثيرة ذكرت واقعة سمعتها من صحفي مخضرم من جيل صحافة الستينات ويرأس حالياً لجنة مساءلة ومحاسبة الصحفيين باتحاد الصحفيين، يقول الرجل إن كلمة اغتصاب لم تكن تستخدم مطلقا حتى في أخبار الجريمة، وفي مرة أوردت إحدى الصحف عبارة (إسرائيل تغتصب الأراضي الفلسطينية)، فقامت الدنيا ولم تقعد وحوسب الصحفي (المدان) بالإيقاف (15) يوماً.. لكن لن أحدثكم عن مفردات اليوم فهي معلومة.. قناعتي أن الإثارة ليست كلها جريمة بل مطلوبة لتسويق المادة الصحفية وهي أحد أهم عناصر الخبر الصحفي، وذكرت في تعقيبي أن رئيس تحرير وناشر صحيفة ألوان التي بدأت بها حياتي المهنية كمحترف، استخدم مرة الإثارة في مثال قوي للاستخدام (البريء).. ففي العام 1987م كتب الزملاء في القسم الرياضي (مانشيتا) نمطيا عن مباراة الهلال والمريخ وجاء فيه (المريخ يكسب الهلال هدفا مقابل لا شيء)، وكان حينها يلقب مشجعو نادي المريخ (المريخاب) بـ(الصهاينة) فيما كانت الأخبار السياسية مفعمة بأحداث انتفاضة أطفال الحجارة في فلسطين الجريحة.. رغم أن شعار المريخ (نجمة خماسية)، إلا أنه اعتبر الأقرب لنجمة داؤود (سداسية) عند الإسرائيليين.. المباراة تخللها احتجاج من جماهير نادي الهلال على حكم المباراة وقد أمطروا الملعب بحجارة كثيفة كحجارة طير الأبابيل.. جاء رئيس التحرير والصفحات في طريقها إلى المطبعة، لكنه أوقفها وغير (مانشيت) الرياضة إلى (الصهاينة يحبطون ثورة الحجارة)، وجعله أيضا (مانشيتا) رئيسياً للصفحة الأولى التي كان عادة ما يتصدرها (مانشيت) سياسي.. أعتقد أنه لا تعارض بين الإثارة الحميدة والسعي للربح والانتشار وبين الضبط الأخلاقي.. فكل صحيفة تعتمد على مصداقيتها وترتكز عليها.. ومهما اختلفت فلسفات الصحف إلا أنها يجب أن تجمع على مبادئ الحقيقة والدقة والموضوعية والحياد الإيجابي والتسامح والمسؤولية. هناك اليوم في السودان أكثر من (50) صحيفة بين يومية وأسبوعية وسياسية واجتماعية، وهذا عند البعض مؤشر لوجود هامش مقدّر من الحرية الصحفية، لكن هذا الرأي يجد من يعارضه ويركز على أن وجود الإجراءات الاستثنائية أيّاً كانت المبررات يدحض القول بوجود هامش حرية صحفية في البلاد.
653
| 11 مايو 2013
مع انهيار مفاوضات الخرطوم مع الحركة الشعبية (قطاع الشمال) بأديس أبابا نفذت الجبهة الثورية المعارضة هجوماً مباغتاً على مدينة أم روّابة (حوالي 400 كيلو متر غرب الخرطوم).. الجبهة الثورية عبارة عن تحالف حركات مسلحة معارضة للخرطوم وتضم فيما تضم حركات من دارفور وقطاع الشمال، ورئيس الجبهة الثورية (مالك عقار) هو ذاته رئيس قطاع الشمال.. رسالة سياسية مؤثرة بعث بها قطاع الشمال إلى الخرطوم، لكنها في رأي البعض كانت رسالة باهظة الثمن وممهورة بدماء الأبرياء.. ربما أراد قطاع الشمال أن يحسّن من موقفه التفاوضي خاصة أن تبايناً كبيراً ظهر في أجندة كل طرف في أول جلسة للحوار برعاية الوساطة الإفريقية.. الهجوم على المدينة وما حولها من مناطق، خلف ضحايا كُثر نتيجة لتفشي أعمال السلب والنهب والمحاكمات الميدانية، ومثّل ما حدث صورة مجهرية لما يمكن أن يكون عليه حال السودان إذا ما انفرط عقد الأمن.. لن يقف الأمر عند (صوملة) أو (لبننة) ولكن العالم سيشهد نوعاً فريداً من الفوضى الأمنية التي لا تبقي ولا تزر.. يحكى أن جزارا قتله المتمردون في تلك "الغزوة" وقطعوه إرباً إرباً وجلوا جثته كومة من اللحم فوق ذات المنضدة التي كان يكوّم فيها (ضحاياه) من الماشية التي اعتاد على تقطيعها لبيعها.. البعض يقول إن أكثر ما دفع المتمردون لغزوتهم محاولتهم سد رمقهم بعد ما تقطعت بهم السبل عقب تحسن علاقات الخرطوم بجوبا التي كانت تموّل وتموّن المتمردين عبر حبل سُرّي.. وما يعضّد ذلك أن المدينة المستهدفة بشكل رئيسي هي عبارة عن مخزن كبير للسلع الغذائية وبها أكبر مخازن البنك الزراعي السوداني ومصانع للحلوى والزيوت النباتية، فضلا عن أنها تتمتع بثروة حيوانية ضخمة تقدر بحوالي مليون و(500) ألف رأس من الأبقار والضأن والإبل، ولذا ركّز المتمردون على تنفيذ عمليات سلب ونهب واسعة.. ويحكى أن اسم المدينة (أم روّابة) دالٌ على خيراتها؛ حيث كان عربٌ من قبائل البقارة الرعاة يأتون إلى المكان بماشيتهم ويقومون بتحويل اللبن الحليب إلى لبن رائب، لاستخراج الزبدة ومن ثم تحويلها إلى سمن لبيعه في الأسواق القريبة ويصبون ما لم يباع من الرائب أو الروّابة- كما يطلقون عليه - على الأرض في المجاري الصغيرة فسمي المكان باسم أم روّابة،أي أم اللبن الرائب. لم تكن القوات المهاجمة ترغب البتة في مواجهة مع الجيش السوداني ولذا غادرت المدينة بعد ساعات من الفوضى، لكنها فضحت خللا أمنياً خطيراً جعل وزير الدفاع في مهب عاصفة انتقاد واسعة.. ومما زاد من شراسة النقد أن ما حدث يعتبر الثالث من نوعه وذات الرجل يجلس على كرسي وزارة الدفاع؛ الأول كان في مايو من العام 2008م عندما تمكنت قوات حركة العدل والمساواة من الوصول إلى مدينة أمدرمان العاصمة الوطنية، والثانية في أبريل من العام الماضي عندما دخلت قوات الجيش الشعبي التابع لدولة جنوب السودان مدينة هجليج النفطية. السؤال الذي يعتمل كالمرجل وسط الشارع السوداني الغاضب هو: هل سيقيل الرئيس عمر البشير وزير دفاعه؟، أم أنه سيقدم استقالته من تلقاء نفسه؟. المعروف أن وزير الدفاع الفريق أول عبدالرحيم محمد حسين يحتفظ بعلاقات خاصة جداً بالرئيس البشير، فضلا عن أنه مثل البشير أصدرت المحكمة الجنائية الدولية، في حقه في فبراير 2012 مذكرة اعتقال.. ويصف نفسه بأنه جندى شديد الإخلاص لـنظام (الإنقاذ) ومشروعها، وجاء هذا الوصف في خطاب استقالته من وزارة الداخلية منتصف يونيو 2005م.. لقد قاوم البشير كل الانتقادات التي وجهت للفريق عبدالرحيم بشدة ولم يأبه بها والتي رافقت مسيرة الرجل في العمل التنفيذي، سواء كان وزيراً للداخلية أو وزيراً لرئاسة الجمهورية أو في موقعه الحالي وزيراً للدفاع.. آخر الانتقادات كانت بسبب احتلال الجيش الشعبي لمنطقة هجليج التي تنتج وحدها أكثر من %50 من نفط السودان، ورغم إعلان عبدالرحيم استعادة جيشه السيطرة على هجليج إلا أن ذلك لم يعفه من سهام اللوم والتقصير بعد تصادم هذه المطالبات مع رأي البشير في الرجل والذي لا يتزحزح عنه قيد أنملة خفتت حدة المطالبة بإقالته واستقر الرأي على طلب المحاسبة فقط وحتى هذه لم تتم.
571
| 04 مايو 2013
عندما يتزوج أوروبي أبيض من إفريقية سوداء؛ فإن ذريتهما ستعاني الإقصاء والتهميش من كلا الإثنيتين (الأوروبية والإفريقية)، فلا هم أفارقة سود ولا هم أوروبيون بيض، وهذا التهميش ليس بسبب الشكل الخارجي فحسب وإنما بسبب الثقافة المختلطة على افتراض أنهم نهلوا من الثقافتين بنسبة متساوية، فنتج عن ذلك هجين ثقافي (غريب).. لجأت إلى هذا الاستطراد والتمثيل لأشرح مدى التعقيد الذي ينتاب التكوين الثقافي للزول السوداني الممتزج بالثقافتين العربية والإفريقية؛ فالتمثيل له طاقة بيانية مستمدّة من خاصية التصوير، والتصوير يسهل استجلاب المفاهيم والحقائق وإعارة ملامحها التشخيصية.. بعض الأشقاء العرب لا يبذلون قليل عناء لفهم الشخصية السودانية، وكذا الحال بالنسبة للأشقاء الأفارقة وما بين حيرة أو سوء فهم العرب والأفارقة للشخصية السودانية تقف مضطرة في منطقة وسطى ما بين الجنة والنار. كثير من الإخوة العرب يحاول تفسير مواقف السودان السياسية تجاه الدول الأخرى، وهي مواقف في نظرهم تُثير الدهشة، لأنها تتعارض مع (قوانين) السياسة والمصالح الدولية.. الوفاء السوداني ونصرة الضعيف عندما يكون مُكلّفاً ينظر إليه أولئك باعتباره نوعاً من (العَبَط).. الضعف قد لا يكون قلة حيلة أول نقصا في القوة ولكن قد يتمثّل في الإصرار على موقف بعينه تترتب عليه عزلة يفرضها الآخرون.. في السياسة الدولية والإقليمية كثير من النماذج والأمثلة جعلت السودان يتحمل كُلفة سياسية باهظة.. لن نذهب بعيداً في التاريخ، ففي عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري؛ حينما ذهب الرئيس المصري الأسبق أنور السادات بعيداً وفاجأ العالم وزار (إسرائيل) وخاطب الكنيست في جلسته الخاصة رقم 43 بتاريخ نوفمبر من العام 1977م وهي الزيارة التي أدت إلى توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر و(إسرائيل).. حينها هبت عاصفة سياسية عاتية على مصر من محيطها العربي ونُقلت منها الجامعة العربية إلى تونس ووضعت في عزلة تامة.. بالمقاييس والمعايير السياسية في ذلك الوقت فإن موقف الدول العربية كان صحيحاً وأن السادات والنظام المصري كان يستحق أكثر من ذلك.. لكن (الكاريزما) السودانية أبت إلا أن تقف بجانب مصر (الضعيفة) والمعزولة ولم يجار الرئيس نميري الدول العربية رغم موقفه المتماهي مع مواقفها من اتجاه مصر المنفرد نحو (إسرائيل).. كلّف ذلك الموقف السودان الكثير، لكنه كان موقفاً نابعاً من (وفاء) خاص على الطريقة السودانية.. تكرر الأمر في العام 1990م عندما احتل العراق الكويت وكان بالطبع تصرفاً غير مبرر وخرقا لكل الأعراف والمواثيق الدولية وقوبل ذلك بهجمة دولية وعربية فيها استنكار كبير لتصرف العراق.. رغم أن الكويت كانت ضعيفة ومعتدى عليها إلا أن الوقفة العالمية بجانبها جعلت من العراق في نظر السودان هو الأضعف في مواجهة العالم كله.. مرة أخرى وقف السودان بجانب العراق، وتحمل كلفة سياسية كبيرة مازالت آثارها باقية.. (كاريزما) الشخصية السودانية هي التي تغلبت على الحسابات السياسية وربما المنطق في كلا الحادثتين رغم اختلاف النظام الحاكم؛ ففي المرة الأولى كان نظام (مايو) برئاسة نميري وفي المرة الثانية كان نظام (الإنقاذ) برئاسة عمر البشير. للسودان دور مهم للتواصل والحوار والتعاون العربي – الإفريقي، لكن هذا الدور غير مسموح به البتة لأنه يضرب الأمن الإسرائيلي في مقتل ويحول دون استمرار انتهازية الرجل الأوروبي واستنزافه لخيرات القارة.. إن الملابسات التي صاحبت انفصال جنوب السودان ليست إلا نموذجا مصغرا لما يحيكه الغرب لإفشال أي تقارب إفريقي- عربي، لقد قصدت الإدارة البريطانية الاستعمارية في السودان إلى فصل أراضي الجنوب فعليا توطئة لضمها إلى أراضي شرق إفريقيا وعزلها عن أي تأثير عربي وإسلامي، وكان افتراض السياسة الاستعمارية المهيمنة في الجنوب وجود فراغ ثقافي، وإذا كان لابد من ملء هذا الفراغ فليكن بالثقافة الغربية بدلا من الثقافة العربية.. تاريخيا كان التوسع في إفريقيا والسيطرة على مناطق الموارد الإستراتيجية أحد الأهداف الاستعمارية للإمبراطوريات البريطانية، والفرنسية، والألمانية، والإيطالية، وكانت تتصارع بعنف وتتسابق بنشاط لاقتسام مناطق النفوذ وتوزيع الإرث، خاصة ما كان يطلق عليه وقتها «أرض بلا صاحب»، وما كان أكثر تلك الأراضي التي وضعها الاستعمار الأوروبي تحت هذا الشعار، خاصة في إفريقيا. لماذا لا تتوجه الأنظار العربية إلى إفريقيا عبر البوابة السودانية؟، فهذه الصين العملاق الذي يثير الفزع الأمريكي والأوروبي تحدد أسس نوع جديد لشراكة إستراتيجية مع إفريقيا، فمنذ العام 2006 قام رئيس وزراء الصين الأسبق لي جاو سيانغ بجولة إفريقية وصدور وثيقة صينية بعنوان (سياسة الصين حيال إفريقيا)، تقول إن بكين تعمل على إقامة وتطوير نوع جديد من الشراكة مع إفريقيا، فليطلب العرب الحكمة من الصين، والأقربون أولى بالمعروف. إن الدلائل تُشير إلى أن ليل إفريقيا يوشك أن يتولى وفجر مستقبلها يكافح الظلام في قوة، فهل سيخوض العرب الإعصار ويرسون في آخر الأمر على الشاطئ السعيد؟!
968
| 27 أبريل 2013
تساءلنا من قبل كيف ستواجه فرنسا افتراضات استراتيجية الخروج من مالي التي قد تكون مفتوحة الاحتمالات، مقارنة بالكيفية التي وضعت الولايات المتحدة نفسها فيها فيما يخص استراتيجية الخروج من أفغانستان، وهل ستبقى القوات الفرنسية في مالي بعد انتهاء مهمتها؟. في يناير الماضي وفي لمح البصر هاجمت قوات فرنسية قوات مالية أطلقت عليها وصف "مقاتلين إسلاميين" وسط مالي. في حين أعلنت دول أوروبية أخرى أنها ستسهم لوجستيا في العملية العسكرية.. اليوم يبدو أن فرنسا وجدت نفسها في وسط المستنقع المالي، وبدأت الأسبوع الماضي في سحب قواتها منها.. متحدث عسكري فرنسي قال إن باريس تنوي إتمام سحب ثلاثة آلاف جندي هذا العام.. فرنسا المتورطة تريد أن تنفد بجلدها على أن تحل محلها قوات حفظ سلام دولية؛ حيث دفعت بمشروع قرار لمجلس الأمن الدولي يقضي بنشر قوات حفظ السلام، تتألف من حوالي (13) ألف جندي، ويندرج القرار الذي صاغته فرنسا بنفسها، تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الخاص باللجوء إلى "كافة الوسائل الضرورية"، لحماية المدنيين وتحقيق استقرار المدن الرئيسية خاصة شمالي البلاد.. ومعلوم أن تلك العملية ستكون رابع أكبر عملية لحفظ السلام تقوم بها الأمم المتحدة، وتبلغ تكاليفها (800) مليون دولار سنويًا.. لتمرير هذا القرار قدمت باريس "عربونا" للولايات المتحدة الأمريكية لتضمن دعمها للقرار وهي العضو الدائم في مجلس الأمن الدولي حيث لن تستخدم حق النقض (الفيتو) لمعارضة اقتراح أمريكي بتكليف قوات لحفظ السلام تابعة للأمم المتحدة بمراقبة حقوق الإنسان في الصحراء الغربية، رغم أن ذلك يغضب حليفتها المغرب، حيث تعارض الرباط فكرة جعل مراقبة حقوق الإنسان ضمن مهام بعثة حفظ السلام في الصحراء الغربية بيد أن جماعات لحقوق الإنسان وجبهة بوليساريو المطالبة بالاستقلال تطالب منذ زمن طويل بهذه الخطوة، وظلت فرنسا الداعم التقليدي للمغرب في مجلس الأمن ملوحة باستمرار باستخدام "الفيتو" منعا لمثل هذا القرار. لعل الاستعمار الفرنسي من أنكى أنواع الاستعمار الذي ضرب القارة الإفريقية خلال القرنين الماضيين؛ وفرنسا تريد استمرار استعمارها ولكن بتكلفة أقل من خلال أنظمة إفريقية موالية لها تسبح بحمدها ليلاً ونهاراً.. التعاون الفرنسي مع الأنظمة الدكتاتورية الإفريقية قائم على تبادل المنافع ولكن بطريقة مختلة لا تصب في صالح الشعوب الإفريقية، ومن لا يذكر ذلك الفساد الفاضح عندما كان الإمبراطور جين بيدل بوكاسا آكل لحوم البشر الذي حكم جمهورية إفريقيا الوسطي منذ عام 1966 وحتى نهاية السبعينيات، يرسل أغلى أنواع المجوهرات للرئيس الفرنسي آنذاك فاليري جسكار ديستان.. نعم هذا الضعف الإفريقي كانت تقابله انتهازية فرنسية حيث استمرت في نهب موارد القارة الأولية في مقابل تثبيت أركان الدكتاتوريات الإفريقية ولا عزاء للشعوب الإفريقية.. مالي المسكينة التي يبلغ تعداد سكانها (15) مليون نسمة منهم (66%) ما دون (24) عاماً، وبها ثاني أعلى نسبة إنجاب في العالم بمعدل (6) أطفال لكل امرأة، وتمثل النساء نسبة (53%) من مجموع السكان، ومع ذلك فإن متوسط عمر الفرد لا يتجاوز (53) عاماً، ومن الأرقام المخيفة أن نسبة التعليم لا تتعدى (27%)، بينما تتجاوز نسبة العطالة (30%). فرنسا الماكرة تتحدث عن التطرف الإسلامي في مالي وأنها جاءت لمحاربته، ونعلم أن التطرف ناتج عن السياسات الاستعمارية لفرنسا ومن بعدها الأنظمة الديكتاتورية التي تدعمها دون مواربة.. الفرنسيون معنيون بفرض ثقافتهم ولغتهم فضلا عن نهب ثروات الشعوب وفي مقابل ذلك ينشأ رد فعل عنيف في شكل حركات الإسلام (المتطرف).. فرنسا تعارض ما يسمى بالإسلام السياسي وهو مفهوم عريض يشمل الإرهابيين الذين يخرجون عن الملة بأفعالهم المدمرة كما يشمل المعتدلين الذين يؤمنون بالديمقراطية لكن فرنسا لا تطمئن على مصالحها بأسلوب تبادل المنافع المختل في ظل وجود الإسلام السياسي (المعتدل) ولذلك حاربت صعود الإسلاميين في الجزائر في التسعينات من القرن الماضي عبر الانتخابات الديمقراطية ولم تهز المذابح التي حدثت بعد ذلك شعرة فيها.. لابد أن تقبل فرنسا الحوار مع الإسلام المعتدل ولابد أن تكتفي بما نهبته من ثروات وأن تقبل تبادل المصالح والمنافع بميزان معتدل وليس مختلاً بعيداً عن الانتهازية التي تستغل الضعف الإفريقي.. على باريس أن تحترم خيارات الشعوب الإفريقية سواء كانت (إسلام سياسي) أو غير ذلك طالما جاءت تلك الخيارات عبر عملية ديمقراطية حرة.
1734
| 20 أبريل 2013
معطيات سياسية عديدة قد تبدو غير متقاطعة ولا رابط بينها، بيد أن الناظر بعين التحليل قد يجد فيها عكس ذلك تماما.. زيارة سمو أمير دولة قطر إلى إثيوبيا الأسبوع الماضي وتوقيع (3) اتفاقيات تعاون و(3) مذكرات تفاهم.. زيارة وزير الدولة للشؤون الخارجية القطري إلى مشاريع السدود في السودان قادماً من إثيوبيا مباشرة.. جمود في علاقات دول حوض النيل بعد توقيع اتفاقية (عنتبي) لإعادة تقسيم مياه النيل وتوجس مصري- سوداني فضلا عن مضي إثيوبيا قدما في بناء سد الألفية المثير للجدل.. مسار دبلوماسية قطري جديد حوّل قطر خلال أكثر من (10) من بلد يسعى إلى تثبيت أقدامه على الساحة الدولية، إلى بلد يقوم بدور ريادي غير مسبوق على الصعيدين الإقليمي والدولي. السؤال الذي يفرض نفسه: هل تقوم قطر بدور ما في دعم فرص السلام في ربوع إفريقيا واعتماد الوسائل السلمية لحل النزاعات، خاصة نزاع دول حوض النيل؟. من قبل حركت قطر دبلوماسيتها بشكل مؤثر ووظفتها لخدمة قضايا فلسطين والعراق ولبنان والسودان ومشاكل القرن الإفريقي، والملف النووي الإيراني، بل إنه قبل ذلك التزمت قطر بمبدأ الحلول السلمية في طي خلافها الحدودي مع جارتها البحرين وتمكنت من تسويته بشكل حضاري عن طريق المفاوضات.. في لبنان قامت قطر بدور كبير في الحد من تداعيات الحرب الإسرائيلية على لبنان (حرب يوليو 2006)، بل لم تكتف بالجهود الدبلوماسية والسياسية حيث ظلت تبذل جهوداً إنسانية، وتقدم مساعداتٍ مالية وعينية حين قررت إعادة بناء مدينة بنت جبيل في لبنان بعدما تعرضت لدمارٍ واسع من قبل القوات الإسرائيلية.. نعم؛ لقد حجزت قطر مساحة مميزة على المسرح الدولي، وأظهرت سياسة خارجية معتدلة وديناميكية في الوقت نفسه مما مكنها من التعاطي السلس مع قضايا إقليمية ودولية معقدة.. دبلوماسية براغماتية، قامت على تفضيل لغة الحوار، واحترام الشرعية الدولية. قطر تعلم أن لإثيوبيا دورا مفتاحيا في القضايا الإفريقية؛ فهي مقر الاتحاد الإفريقي الذي كان وسيطا مهما أسهم في نجاح قطر في حل قضية دارفور، وإثيوبيا كذلك واحدة من أهم دول حوض النيل خاصة بالنسبة لمصر إذ يشكل النيل الأزرق الذي ينبع من الهضبة الإثيوبية (85%) من المياه الواردة إلى مصر.. تعضيد علاقات الدوحة بأديس أبابا يمهد الطريق للدبلوماسية القطرية للوصول إلى العرين الإفريقي ومن ثمّ القيام بدور ريادي في إرساء السلام والاستقرار في منطقة حوض النيل. اتفاقية عنتبي لدول حوض النيل الموقعة في يوليو 2007 في ظل ممانعة مصر والسودان، تفتح باب تقاسم مياه النيل على مصراعيه ومصر تقول إن إسرائيل أعلنت الحرب عليها من خلال الضغط على جيرانها من دول الحوض، ودفعها لزيادة مطالبها تجاه مصر حول إعادة توزيع مياه النيل.. لقد ظلت مصر ومنذ عهد الخديوي تحدّث خطة عسكرية كل سنة هدفها التدخل إذا ما أضيرت مصالحها في مياه النيل، فالأمر عندها جدُّ خطير والمساس بحصتها في مياه النيل يعقبه شرٌّ مُستطير.. قطر بعلاقاتها مع مصر الثورة والسودان فضلا عن تأثيرها المتنامي في إفريقيا عبر البوابتين الإثيوبية والإريترية قادرة على إطلاق مبادرة سياسية برغماتية سلمية تنزع فتيل قنبلة (اتفاقية عنتبي) الموقوتة.. يشار إلى أن السودان ومصر اللذين يعارضان الاتفاقية القنبلة يؤكدان ملكيتهما أن لهما حقوقا تاريخية في النيل بموجب اتفاق تقاسم مياه النهر الذي تم توقيعه في العام 1929 بين مصر وبريطانيا وتمت مراجعته عام 1959.. الاتفاق يمنح مصر حصة قدرها (55.5) مليار متر مكعب من المياه سنويا بينما يبلغ نصيب السودان (18.5) مليار متر مكعب من مياه النيل البالغة (84) مليار متر مكعب سنويا، أي أن البلدين يحصلان على حوالي (87%) من مياه النهر.. وتمتلك مصر بموجب هذه الاتفاقية كذلك حق النقض فيما يتعلق بأي أعمال أو إنشاءات يمكن أن تؤثر على حصتها من مياه النهر مثل السدود والمنشآت الصناعية اللازمة للري. ووفقا للإحصاءات الرسمية فإن احتياجات مصر المائية ستزيد عن مواردها في عام 2017.. وتقول أوغندا التي احتضنت اتفاقية عنتبي إنها تتفهم مخاوف مصر بشأن أمن المياه لكنها تعارض إصرارها على الاحتفاظ بحق الاعتراض وفقاً لما نصت عليه الاتفاقيات الاستعمارية في إشار للاتفاقيات التي تتمسك بها كل من مصر والسودان.
466
| 13 أبريل 2013
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها...
4365
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام...
3198
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص...
1242
| 28 سبتمبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم...
1122
| 01 أكتوبر 2026
بعد أيام من رحيل مؤسس الشركة، يجتمع الأبناء...
1113
| 29 سبتمبر 2026
أخطر التضليل الإداري لا يحتاج إلى تزوير رقم...
1110
| 27 سبتمبر 2026
كل شيء سيمر، قد تبدو هذه العبارة بسيطة،...
957
| 30 سبتمبر 2026
جاء قرار معالي رئيس مجلس الوزراء الموقر بإعادة...
735
| 29 سبتمبر 2026
-سمو الأمير لخصَ السياسة الخارجية القطريةفي معادلة تجمع...
729
| 27 سبتمبر 2026
لقد فطر الله تعالى عباده على حب المال،...
555
| 27 سبتمبر 2026
ما يجري اليوم في مضيقي هرمز وباب المندب...
510
| 29 سبتمبر 2026
•لكل مجتمع عاداته في مناسبات الفرح والحزن، لكن...
507
| 01 أكتوبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تابع الأخبار المحلية والعالمية من خلال تطبيقات الجوال المتاحة على متجر جوجل ومتجر آبل