رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
"أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي" قول مأثور ومعروف وقد كان لسان حال السودانيين وهم يستقبلون بحفاوة ظاهرة وسعادة غامرة الرئيس المصري محمد مرسي الخميس الماضي وهو يقوم بأول زيارة له للخرطوم بعد انتخابه رئيساً لمصر.. القاعدة الفكرية التي تربط بين الحزبين الحاكمين في الخرطوم والقاهرة، جعلت كثيرا من السودانيين يظنون أن عجلة العلاقات بين البلدين ستدور بسرعة فائقة في اتجاه التمتين، بيد أن الأمر على أرض الواقع ربما بدا أقل من سقف التوقعات بكثير.. إما أن حزب الحرية والعدالة قد انشغل كثيراً بمعاركه الداخلية المتعددة الجبهات؛ أو أن الحزب قصد التريث وتقليل سرعة العجلة عمداً حتى يبتعد إلى حين من دائرة اتهام الإسلام السياسي التي تجعله في مرمى غضب إقليمي ودولي فضلاً عن تربص المعارضة في الداخل التي تتفق مع الفلول في (مكافحة) الإسلام السياسي. عدة ألغام وقضايا معلقة تتوسد طريق علاقات البلدين التي ينتظر منها أن تضع على أقل تقدير آليات لكسر الجمود؛ فالسودان عاتب على بطء القاهرة في تنفيذ جوانب مهمة من اتفاقية الحريات الأربع.. والخرطوم تقول إن الحريات الأربع ممنوحة اليوم للمواطن المصري في السودان بينما هي منقوصة للمواطن السوداني في مصر.. حلايب واحدة من القضايا المعلقة وإن كانت الخرطوم تعرض على القاهرة وضع الملف في ثلاجة الانتظار إلى حين ميسرة.. كذلك فإن الخرطوم غاضبة على استقبال القاهرة وفوداً من الحركات الدارفورية المسلحة مؤخراً فضلا عن نشاطها العلني.. واحدة من الطلبات المهمة واللافتة لمرسي قبل الزيارة بأن يلتقي كلا من حسن الترابي زعيم حزب المؤتمر الشعبي المعارض والصادق المهدي زعيم حزب الأمة القومي، أما لقاء الأخير فلا اعتراض عليه من جانب الخرطوم، لكن الأول (الترابي) فإن للخرطوم حساسية مفرطة تجاهه.. أحد قادة حزب الترابي، ذكر أن مرسي قال له حين التقاه ضمن وفد رفيع من الحزب زار القاهرة مهنئاً، إنه لا يعرف غير حسن البنا وحسن الترابي.. إن صح ما نقله ذلك القيادي فإنه يحمل عدة دلالات منها أن القيادة الإخوانية في مصر تتعاطف مع حسن الترابي الذي اختلف مع الرئيس عمر البشير في العام 1999م في مفاصلة شهيرة بين الإسلاميين في السودان، أكثر مما أنها تتعاطف مع الشق الآخر المتمثل في حزب المؤتمر الوطني برئاسة الرئيس عمر البشير وهذا مربط حساسية حزب المؤتمر الوطني بقيادة الرئيس البشير. لقد سبقت زيارة مرسي زيارة محمد سعد الكتاتني رئيس حزب العدالة والحرية الذي ينتمي له الرئيس مرسي إلى السودان أول مارس الماضي، وسبقت زيارة الكتاتني زيارة محمد بديع عبدالمجيد سامي المراقب العام لجماعة الأخوان المسلمين التي يعتبر حزب العدالة والحرية ذراعها السياسية، حيث شارك في نوفمبر الماضي في المؤتمر العام الثامن للحركة الإسلامية السودانية.. إذن فزيارة مرسي سبقتها زيارات استكشافية أو شئت سمها (تصبيرية) مما يشير إلى تمهل القاهرة في مقابل تعجل الخرطوم ولكل أسبابه ومبرراته.. المنطق يقول إن ليس لمصر في ظل القيادة الإخوانية مصلحة في أي جمود مع الخرطوم بل إن مصالحها الاستراتيجية الكبرى تستعصم بأرض السودان؛ مصالح تتعلق بالأمن القومي المصري بمفهومه الشامل، عسكرياً واقتصادياً، فالحلول الناجعة لمشكلات مصر تكمن في علاقات قوية مع السودان، وربما كان الذي نقل عن مرسي قد جاء في سياق عاطفي تغلب عليه المجاملة، ولكن المصالح السياسية لا تعرف المجاملة ولا تنحني للعاطفة. كلا الدولتين (مصر والسودان) تواجهان في ظل النظامين الإسلاميين ممانعة دولية وإقليمية وإن كانت تبدو خجولة في حق مصر باعتبار أن الإسلاميين فيها جاءوا عبر صناديق الاقتراع؛ لكنها حق السودان تبدو سافرة وعنيفة في كثير من الأحيان ليس لأن الرئيس البشير جاء عبر انقلاب عسكري فحسب ولكن النظام في الخرطوم يعاني كذلك ضعفاً وعدم استقرار بسبب الاضطرابات السياسية في ولايات النيل الأزرق وجنوب كردفان.. دولياً فإن الولايات المتحدة تقود المعارضة ضد (الإسلام السياسي) تحت مزاعم محاربة الإرهاب الدولي، إقليمياً فإن إفريقيا بشكل عام تتوجس من الإسلام السياسي والثقافة العربية الإسلامية ونذكر هنا أن رئيس دولة الجنوب سلفا كير ميارديت وقف مستغيثاً عقب آخر اشتباك عسكري مع جارته في الشمال مخاطباً إفريقيا قائلاً إنه يحتاج للدعم لأنه يواجه الإسلام والعروبة القادمين من جهة الخرطوم وربما وراء الخرطوم (القاهرة). على الإسلاميين في الخرطوم والقاهرة الدفاع عن الإسلام بطريقة متجددة، وبناء شبكة قوية من التنسيق بينهما وبين ثورات الربيع العربي.. عليهما نشر المفاهيم الوسطية وتحجيم ظاهرة التطرف والغلو. وليعلما أن إنعاش اقتصاديهما مدخلا مهماً للاستقرار وتبادل المنافع وهو أمر تزداد أهميته مقابل الشحن الروحي والحماسة الفكرية.
670
| 06 أبريل 2013
اعتبر كثير من الصحفيين والمراقبين المؤتمر الصحفي الذي عقده النائب الأول للرئيس السوداني الأسبوع الماضي ضربة البداية في إطار حملة لخلافة الرئيس البشير الذي جدد وبشكل حاسم خلال حواره مع هذه الصحيفة عدم رغبته في الترشح مرة أخرى لرئاسة البلاد في الانتخابات القادمة في أبريل 2015.. بعد (4) أيام فقط عقب عودته من إجازته السنوية الطويلة نسبياً، دعا علي عثمان محمد طه إلى مؤتمر صحفي دعيت له قيادات أجهزة الإعلام المحلية ومراسلو نظيراتها الأجنبية.. الرجل بدا بلياقة ذهنية عالية ومعنويات تعانق السماء.. المؤتمر جاء على خلفية أحداث سياسية مهمة.. فالرجل معنيٌ بعاصفة إعلان البشير زهده في الرئاسة بحكم أنه الأقرب لخلافة البشير بحكم موقعه القيادي سواء في حزب المؤتمر الوطني الحاكم أو في كابينة القيادة التنفيذية فضلاً عن تاريخ سياسي مترع بالنشاط.. طه جاء من رحلته الخارجية وفي جعبته "اختراق" مهم في علاقة حزبي المؤتمر الوطني بقيادة البشير والمؤتمر الشعبي بقيادة الدكتور حسن الترابي، إذ التقى الرجل الثاني في حزب الترابي المقيم في ألمانيا الدكتور علي الحاج محمد وهو لقاء يعتبر الأول من نوعه على هذا المستوى عقب انشقاق حزب المؤتمر الشعبي عن حزب المؤتمر الوطني في العام 1999 والذي عرف بالمفاصلة.. الممانعون في الطرفين قللوا من اللقاء واعتبروه لقاءً اجتماعياً لا أكثر، بينما أقر الرجلان بأنهما نقاشا القضايا الوطنية كافة وأن نتيجة اللقاء سيعرضها كل منهما على مؤسسات حزبه. في ذات المؤتمر الصحفي طرح طه مبادرة لحوار شفاف وغير مشروط بين الحزب الحاكم وبين أحزاب المعارضة، وقد لاقت المبادرة قبولا من جانب المعارضة مع بعض التحفظات التي ربطت نجاح المبادرة بشرط إطلاق الحريات وتهيئة البيئة الملائمة للحوار.. حشد طه العديد من العبارات والكلمات ليصوغ بها إجابة محكمة تمكنه من تخطى مطبات أسئلة الصحفيين بشأن موقف الرئيس البشير من الترشح، وكان باطن تلك الأسئلة غير ظاهرها وهي تقول للرجل هل أنت خليفة البشير الأكثر حظاً؟ ومعروف أن للرجل قدرة فائقة في التعامل مع الأسئلة "الملغومة"؛ ففيما أكد شعبية البشير وضرورة أن يستكمل استحقاقات سياسية مازالت قيد الإنجاز وأن لمؤسسات الحزب الحاكم كلمة فصل في أمر الترشح، أكد في الوقت نفسه أن البشير صادق في قراره وقناعته بعدم الترشح مع إشارة منه إلى إتاحة الفرصة للوجوه الجديدة في إطار ضرورة تواصل الأجيال ونقل الخبرات إليها.. لقد كسب طه نقاطاً كثيراً إلى رصيده السياسي بالقياس إلى التناول الصحفي لمخرجات المؤتمر وإشادة الصحافة بقدرة الرجل على الإجابة على كل الأسئلة الصعبة وأظهرته وكأنه رجل المرحلة. عند وفاة النائب الأول للرئيس الفريق الزبير محمد صالح في حادث سقوط طائرة في العام 1998م، وجد البشير في علي عثمان الرجل المناسب للقيام بمهمة النائب الأول.. وعند اختلاف البشير مع الترابي في العام التالي 1999م انحاز طه للرئيس البشير وأصبح رمزاً للقيادة الحركية للإسلاميين الذين انحازوا لجانب البشير.. لقد برز نجم طه منذ أن أنتخب رئيساً لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم عام 1967م.. وقد ظهرت مواهبه السياسية منذ أن ابتعث وعمره 30 عاما إلى بريطانيا في العام 1977 للقاء القيادي الاتحادي البارز المرحوم الشريف حسين الهندي، زعيم الجبهة الوطنية المعارضة لحكم الرئيس الأسبق جعفر نميري، لينقل وجهة نظر جبهة الميثاق الإسلامي حول عملية المصالحة الجارية حينذاك مع نظام نميري.. كذلك استفاد طه كثيراً من تقديمه المبكر للقيادة، تحديداً منذ العام 1986م عندما أصبح نائباً للأمين العام للجبهة الإسلامية القومية التي كان يقود أمانتها العامة الدكتور الترابي، وكذلك قيادته للمعارضة البرلمانية في مواجهة رئيس الوزراء الصادق المهدي. لعل أبرز المحطات السياسية للرجل ترأسه مفاوضات السلام بين شمال وجنوب السودان حيث أفضت إلى توقيع اتفاق السلام الشامل في التاسع من يناير 2005م.. دور الرجل في إنجاح الاتفاقية أكسبه الاحترام الدولي والإقليمي.. وكنتيجة لاستحقاقات هذه الاتفاقية أدى طه القسم نائباً ثانياً لرئيس الجمهورية مفسحاً المجال لقائد تمرد الحركة الشعبية في الجنوب جون قرنق ليحتل مكانه كنائب أول ممثلا للحركة التي وقعت مع حكومة البشير تلك الاتفاقية. قد لا يكون الطريق معبداً للرجل لخلافة البشير بهذه البساطة، لكنه بدون شك قد قطع شوطاً مقدراً ويبقى الأقرب للخلافة بكل المقاييس، وستكون خلافة البشير وهو الضابط في القوات المسلحة السودانية محكاً مهماً لتداول السلطة بين العسكريين والمدنيين، فهل يقبل الجيش الذي ظل دوره في مسرح السياسة السودانية حاضراً بقوة بزعامة علي عثمان محمد طه، المحامي ورجل الدولة المحنك؟
861
| 30 مارس 2013
ردود فعل عظيمة أثارها حوار رئيس تحرير هذه الصحيفة الغراء "الشرق" في الخرطوم مع الرئيس السوداني "عمر البشير"الاثنين الماضي.. الحوار تناول العديد من المحاور المهمة بيد أن الصحف السودانية التي نشرت الحوار بالتزامن مع "الشرق" ركّزت بشكل لافت على إفادة "البشير" بشأن عدم نيته الترشح لولاية جديدة في الانتخابات القادمة في أبريل 2015.. معظم العناوين الرئيسية جاءت على هذا النحو: (البشير: كفاية.. لن أترشح للرئاسة مجدداً).. عندما لم يقتنع رئيس التحرير "جابر الحرمي" وهو يحاور الرئيس برفضه الترشح، طرح عليه سؤالا آخر حول ما إذا أصر حزب المؤتمر الوطني الحاكم على ترشيحه مجدداً فردّ بقول قاطع: (لا.. كفاية.. نحن أمضينا كم وعشرين سنة وهي أكثر من كافية في ظروف السودان والناس يريدون دماءً جديدة ودفعة جديدة كي تواصل المسيرة إن شاء الله).. أصحاب المصالح المرتبطة ببقاء الرئيس في الحكم ثارت ثائرتهم وخفقت قلوبهم حتى بلغت الحناجر وظنوا الظنون وتحسسوا مقاعدهم الوثيرة، لأن إفادة "البشير" بهذا المعنى ليست الأولى لكنها كانت قاطعة وحاسمة كقول جهيزة التي قطعت قول كل خطيب.. بغض النظر عن رأي حزب المؤتمر الوطني في الأمر، فإنه أصبحت لدى "البشير" قناعة تترسخ باستمرار بعدم الترشح.. الذين يريدون أن يترشح "البشير" مرة أخرى أمامهم عمل ضخم لإقناعه بالعدول عن رأيه.. الذين يرددون الكلام النمطي الممل بأن البلاد تمر بمنعطف خطير وظروف بالغة الدقة، يريدون أن يضغطوا على الرئيس، لكن حتى لو تراجع عن موقفه بسبب ضغوطهم فهل يتوقعون أن يوافق على مدد أخرى حتى مع استمرار ذلك المنعطف وتلك الظروف؟. على المؤتمر الوطني أن يكون على قدر المسؤولية ويقدم خليفة الرئيس بطريقة مؤسسية وسلسة.. مجرد الخوف من خوض التجربة دليل ضعف. إن ما يصعّب مهمة اختيار الخلف، طول المدة التي قضاها الرئيس "البشير" كأطول فترة قضاها رئيس سوداني على سُدة الحكم منذ استقلال البلاد في العام 1956م.. ويبدو أن التمسك بالكراسي حالة تكاد تكون (ماركة) سودانية خالصة.. فاليوم لا يعرف الناس من سيخلف "الصادق المهدي" رئيس حزب الأمة القومي والذي مضت على رئاسته للحزب مدة تجاوزت الأربعين عاماً، وكذلك الحال بالنسبة لمن يخلف "محمد عثمان الميرغني" رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي والذي قضى مدة مماثلة لمدة "الصادق المهدي"، كما ظل "محمد إبراهيم نقد" زعيما للحزب الشيوعي السوداني مدة مماثلة حتى وفاته قبل عدة أشهر. رغم ارتفاع أصوات أصحاب المصالح المرتبطة ببقاء الرئيس "البشير" في السلطة إلا أن كثيراً من الدواعي والشواهد تصب في اتجاه التغيير.. أهم ذلك عدم رغبة الرئيس "البشير" نفسه.. المناخ الدولي والإقليمي وثورات الربيع العربي تدفع عدداً من راسمي الاستراتيجيات داخل حزب المؤتمر الوطني لطرح التغيير باعتباره محوراً مهماً في خطط مواجهة الأزمات التي تواجهها البلاد، وأن التغيير يمثل فرصة لالتقاط الأنفاس باعتبار أن ذلك التغيير ربما يجعل الفرصة مواتية أمام الدول التي ظلت مناوئة لسياسة "البشير" لفتح صفحة جديدة مع السودان خاصة الولايات المتحدة الأمريكية والمجموعة الأوروبية.. كذلك من أهم دواعي ترجل الرئيس "البشير" أن وصوله للحكم جاء عبر انقلاب عسكري في يونيو من العام 1989م، وهذه الوسيلة رسخت النظرة إليه كحاكم عسكري ولم تتغير رغم انتخابه عبر الاقتراع المباشر كرئيس مدني في أبريل من العام 2010م بعد خلعه بزته العسكرية حسب شرط قانون الانتخابات السوداني.. والانطباع الدولي الذي مازال سائداً، هو أن "البشير" انقلب على حكومة منتخبة وهي حكومة رئيس الوزراء الأسبق "الصادق المهدي". لقد أتيحت لي فرصة لحضور الحوار بصفتي مراسلاً للصحيفة في الخرطوم.. كان الرئيس "البشير" هادئ الفورة، حسن السمت، ثابت الوطأة، عليه وقار وسكينة وذكاء فطري وتلقائية مُدهشة.. كل الأسئلة على سخونتها وحساسيتها كانت إجاباته عليه دقيقة التصويب حاضرة البديهة.. ينظر اليوم إلى الرئيس "البشير" على أنه في قمة تألقه كرجل دولة، وعليه أن يعتزل مثل نجوم الكرة حين يودعونها غير مأسوفين عليها خاصة عندما يتحول اللعب إلى لعب غير نظيف كما أشار بقوله: (كم وعشرين سنة أكثر من كافية في ظروف السودان) فتبقى سيرة هؤلاء اللاعبين عطرة.
597
| 23 مارس 2013
لم أر موقفاً ضعيفاً للدبلوماسية الأمريكية مثل ذلك الذي جرى الثلاثاء الماضي في أروقة مجلس الأمن الدولي.. واشنطن ظلت حريصة على إبداء اهتمام بالاستقرار والسلام في مناطق العالم المختلفة.. ما أن ترفرف حمائم السلام في بقعة من العالم إلا وبرز المتحدث باسم الخارجية الأمريكية أو المتحدث باسم البيت الأبيض في ثياب المهنئين معبراً عن دعم وتشجيع السلام.. لكن في ذلك اليوم أبت نفس المندوبة الأمريكية لدى مجلس الأمن الدولي سوزان رايس إلا أن تعترض بشكل سافر على بيان أجمع عليه (14) عضوا بمجلس الأمن من مجموع (15).. البيان المقترح هدف إلى مباركة التقدم الذي حدث بين السودان وجنوب السودان يوم الثامن من مارس الجاري وما تلى ذلك من تطورات إيجابية متسارعة نحو تطبيع كامل للعلاقات بين البلدين فقد وافقا على سحب قواتهما من المناطق الحدودية المتنازع عليها خلال أسبوع لتخفيف التوتر وتمهيد الطريق أمام استئناف صادرات النفط، حيث اتفقا فيما بعد في غضون (24) ساعة على جدول زمني لاستئناف التصدير. المندوب الروسي لدى مجلس الأمن تصدى لنظيرته الأمريكية متهما إياها بانتهاج (سلوك غريب وترديد مزاعم بعيدة عن الواقع).. تقرير مندوب الأمم المتحدة الخاص في السودان وجنوب السودان هايلي منكريوس أمام المجلس كان القاعدة التي استند بنى عليها أعضاء المجلس موقفهم عدا الولايات المتحدة.. التقرير نوّه بالجهود التي تبذلها الخرطوم وجوبا لتنفيذ اتفاق توسط فيه الاتحاد الإفريقي في سبتمبر الماضي لحسم خلافاتهما حول الأمن والحدود والنفط.. بغض النظر عن السبب الحقيقي للمواجهة الأمريكية – الروسية في مجلس الأمن، فهناك قناعة لدى أوساط عديدة في الخرطوم بأن رايس تنطلق في مواقفها ضد السودان من (عداء شخصي) تتجاوز به حتى السياسة الأمريكية الخشنة ضد نظام الرئيس عمر البشير.. صحيح أن روسيا لديها خلافات شديدة مع الولايات المتحدة بشأن الملف السوري، لكن أيضاً لسوزان رايس موقف ضد الخرطوم يوصف في أحسن الأحوال بأنه متشدد.. الخرطوم تحفظ لواشنطن موقفها السالب من آخر اتفاق في الدوحة بين حكومة الخرطوم وحركة العدل والمساواة؛ فلم تبد أي ترحيب بالاتفاق على أهميته وتجاهلته بالكامل، بل إن البيت الأبيض كان يتهم الخرطوم بقصف بلدات جنوبية بالطيران وهو الاتهام الذي ظلت تردده جوبا في مواجهة الخرطوم التي نفت بشدة ذلك الاتهام. سوزان إليزابيث رايس (49 عاما) امرأة مشهود ٌلها بعدم القدرة على التعاطي مع وجهات النظر المخالفة لها، وكذلك جرأتها على اتخاذ قرارات صدامية.. هذا ربما يفسر عدم تمكن الرئيس باراك أوباما من تعيينها وزيرة للخارجية بعد فوزه بالرئاسة في فترة رئاسته الثانية، وهي مستشارته المقربة الوفية التي تشاركه أصوله الإفريقية وولعه بكرة السلة، وقد رافقته منذ أن قرر خوض معركة الرئاسة الأولى، لكنها مع ذلك كانت قد حظيت بمنصب رفيع وهو مندوبة بلادها لدى الأمم المتحدة لتكون أول امرأة سوداء تتولى تلك المهمة.. السودانيون الذين شعروا بالارتياح لإخفاق رايس في تولي حقيبة الخارجية الأمريكية لا ينسون أن رايس كانت من أهم مؤيدي الهجوم الأمريكي على مصنع الشفاء للدواء في عهد الرئيس الأسبق بيل كلينتون وكانت حينذاك تشغل منصب مساعدة وزير الخارجية للشؤون الإفريقية.. مسؤول رفيع في حزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان وصفها بـ(المتغطرسة والمتعجرفة والعنصرية والحاقدة) على السودان. لاشك أن رايس تسعى لأن يصل ملف قضية السودان بشقيه والذي مازال في الإطار الإفريقي إلى مجلس الأمن، وأن الحديث عن انفراج في علاقات البلدين يبعد الملف عن المجلس وبالتالي فقدان الولايات المتحدة القدرة على التأثير في الملف من مقعدها الدائم في مجلس الأمن.. (العراك) الأمريكي – الروسي في المجلس سواء في الملف السوري أو الملف السوداني يعيد الجدل الذي ثار في السنوات الأخيرة حول صلاحيات المجلس وآلية اتخاذ القرارات فيه وحق الفيتو للأعضاء الخمسة دائمي العضوية.. كثير من دول العالم أشارت في أكثر من مناسبة إلى أن الأمم المتحدة بشكل عام ومجلس الأمن الدولي تحديداً يمر بواحدة من أخطر الأزمات التي واجهته منذ إنشائه بعد أفراغه من مضمونه وانتزاع صلاحياته ومهامه الأصلية، وهي الحيلولة دون قيام الحروب والمحافظة على الأمن والسلام العالمي خصوصاً في ظل هيمنة الولايات المتحدة على القرار العالمي وانتهاكها المستمر للمواثيق الدولية وعلى رأسها مبدأ تحريم استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات بين الدول خارج إطار الشرعية الدولية.. هذا الواقع الأليم نتج عنه مطالبة أغلبية أعضاء المجتمع الدولي بضرورة إصلاح مجلس الأمن.. الحرب الأنجلو - أمريكية على العراق أشعلتها الولايات المتحدة دون إذن من المجلس في مخالفة صريحة لقواعد القانون الدولي كان تحدياً سافراً للأمم المتحدة والمجتمع الدولي.
574
| 16 مارس 2013
معارضة ضعيفة؛ يعني بالضرورة حكومة ضعيفة.. الاتهامات بضعف المعارضة السودانية لم تأت هذه المرة من الحكومة، ولكنها جاءت من الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي وأحد أحزاب المعارضة المهمة وذات الوزن المقدّر.. الجديد أن المهدي صعّد من حدة انتقاداته لقوى تحالف المعارضة ووصفها بالضعف والترهل، وقال إنه ينأى بحزبه أن يلتقي بأحزاب وصف بعضها بـ"الحطب الميت والطرور" وقال لابد من التمييز بين "الطرور والصندل"، وزاد بأن التحالف حالياً غير فاعل ويعاني من التسيب التام والترهل.. الدكتور حسن الترابي زعيم حزب المؤتمر الشعبي المعارض وحزبه عضو أصيل في التحالف كذلك، قال في آخر تصريحات صحفية له إنهم لا يريدون إسقاط نظام الرئيس عمر البشير فجأة لأنهم يخشون الفوضى التي تعقب سقوطه في حال عدم اتفاق أحزاب التحالف حول كيفية حكم البلاد في مرحلة ما بعد البشير، وقال ليس المهم إسقاط النظام بقدر ما أن المهم أن تخطط المعارضة لتلك المرحلة وتتفق حولها.. كلام الترابي فيه إشارة كذلك إلى ضعف المعارضة التي يخشى أن تفشل في قيادة البلاد في حال سقوط النظام الحالي. يعتقد على نطاق واسع أن الخلافات في المعارضة ليست بسبب ضعف بنية الأحزاب المعارضة فحسب بل أيضا بسبب التنازع حول قيادة التحالف.. يقود التحالف الآن فاروق أبو عيسى الذي يقدم نفسه كشخصية مستقلة، وهو رجل صاحب ميول يسارية كان في مرحلة تاريخية سابقة جزءًا من الحزب الشيوعي السوداني، لكن الصادق المهدي يرى فيه رجلا غير كفء لشغل هذا المنصب، وربما حديثه عن الحطب الميت عنى به الأحزاب والشخصيات (خفيفة الوزن) في رأيه التي من بينها أبو عيسى.. وللصادق المهدي قناعة كبيرة بأنه جدير برئاسة تحالف المعارضة لا فاروق أبو عيسى.. الصادق يرى أن حزبه، حزب كبير وقد فاز بأعلى الأصوات إبان ما عرف بالديمقراطية الثالثة (1985 – 1989) الأمر الذي مكنّه من رئاسة الوزراء حتى انقلب عليه البشير في العام 1989 فضلا عن الكاريزما التي يتمتع بها.. بيد أن رئاسة الصادق للتحالف تجد معارضة شديدة من الترابي الذي يرى في أبوعيسى شخصاً لا يشكل خطورة ولا يستطيع تسخير التحالف لأجندته مثل المهدي الذي يتمتع بشخصية قوية وعلاقات خارجية ممتدة ويخشى الترابي أن يسيطر الرجل على التحالف ويجعل من الأحزاب والقيادات الأخرى مجرد (كمبارس). من المؤكد أن حكومة البشير غير سعيدة اليوم بضعف المعارضة ولابد أنها نادمة على النهج الذي سلكته في السابق وعملت من خلاله على "تكسير" وإضعاف أحزاب المعارضة بشتى الطرق والأساليب.. فالبرلمان اليوم يسيطر عليه حزب المؤتمر الوطني برئاسة البشير بنسبة تصل إلى (95%)، في حين تمارس أحزاب تحالف المعارضة نشاطها المعارض خارج إطار البرلمان مما يضعف النظام السياسي ويعكس صورة ترسخ هيمنة نظام البشير على الحياة السياسية بالقوة العسكرية، وقد حاول البشير في انتخابات أبريل 2010 أن يرسل رسائل للعالم الخارجي بأن هناك انفتاحاً وديمقراطية وأن نظامه تحول من الشمولية إلى الديمقراطية، لكن حتى هذه الديمقراطية ينظر إليها المتفائلون باعتبارها ديمقراطية منقوصة أما المتشائمون لا يرون فيها أي بصيص من الديمقراطية وبالتالي لم يستطع النظام أن يحصل حتى الآن على "صك براءة" من المجتمع الدولي. من يخلف رؤساء الأحزاب السودانية بما فيها المؤتمر الوطني، أمر مجهول، فالتداول السلمي لكراسي القيادة في هذه الأحزاب معدوم. فاليوم لا يعرف الناس من سيخلف الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي والذي مضت على رئاسته للحزب مدة تجاوزت الأربعين عاماً، وكذلك الحال بالنسبة لمن يخلف محمد عثمان الميرغني رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي والذي قضى مدة مماثلة لمدة المهدي، كما ظل "محمد إبراهيم نقد" زعيما للحزب الشيوعي السوداني مدة مماثلة حتى وفاته قبل أشهر مضت. ولا يعرف السودانيون أيضا من سيخلف الرئيس البشير الذي يكون قد مكث في السلطة (25) عاماً بنهاية فترته الحالية في أبريل 2015 ومع ذلك يدور الحديث اليوم داخل حزبه حول ترشحه لفترة رئاسية جديدة!!. على المعارضة والحكومة أن يعلما أنه ليس مطلوبا أن يكون هناك إجماع في أمور السياسة، فهذا أمر لا يقره المنطق الرشيد ولا العقل السديد، فإن كانت آراء شخصين متفقة دائماً فليست هناك حاجة لوجودهما لأن أحدهما يكفي. يقول الإمام أحمد بن حنبل: الإجماع من الأمور العسيرة الحدوث في شؤون الفروع الدينية فضلا عن شؤون السياسة والمتغيرات الدنيوية. التاريخ السياسي في السودان سجّل كيف تنازعت الأحزاب ومارست الديمقراطية في فتراتها القليلة، ممارسة مشوهة وغير رشيدة حتى إنها هي سلمت السلطة في بعض الأحيان إلى الجيش وتلك وقائع معروفة.
786
| 09 مارس 2013
قبل عام بالضبط وفي آخر حوار تلفزيوني للرئيس السوداني عمر البشير فاجأ الجميع وهو على الهواء مباشرة وهو يتحدث عن ممتلكاته؛ منها شقة في مجمع النصر السكني بالعاصمة الخرطوم.. الاعتراف أو إبراء الذمة الذي حمله الأثير جاء على خلفية الجدل المتصاعد الذي يدور في السودان منذ أكثر من عام حول ارتفاع نسبة الفساد في الدولة واتهامات طالة كبار المسؤولين والتنفيذيين في الجهاز الحكومي.. آخر تقرير للمراجع العام وهو الشخص المسؤول عن مراجعة حسابات الدولة، أشار إلى أن نسبة الفساد في دواوين الدولة ارتفعت إلى (300%).. آخر زوابع الفساد ضربت وزارة العمل، حيث كشفت إشراقة سيد محمود وزيرة العمل، عن إحالة ملفات خاصة بالوزارة رفضت الإفصاح عنها إلى المراجع العام ووزارة العدل، وقالت إنها ملفات غير قابلة للتحدث عنها. التعاطي الرسمي مع اتهامات الفساد شابه الاضطراب الشديد؛ فمع وجود القوانين والتشريعات الرادعة وآليات تطبيقها، قام الرئيس البشير بتشكيل ما عُرف بآلية مكافحة الفساد وعين وزير دولة سابق بوزارة المالية على رأس تلك الآلية، لكن بعد عام وفي خطوة مفاجئة أُعفي الرجل من منصبه دون الإشارة إلى الأسباب وما إذا كان الإعفاء متعلقا بالآلية كذلك أم مقتصرا على رئيسها فقط.. في ظل وجود آلية مكافحة الفساد نفسها شُكّلت لجنة خبراء ومختصين عقدت (20) اجتماعاً، ثم أوصت بتكوين مفوضية لمناهضة الفساد وبعد الاستماع إلى العديد من المعنيين من شخصيات عامة وعدد من مسؤولي المصالح والأمن الاقتصادي والمباحث الجنائية ومسجل الشركات، ويعتبر ذلك تأكيدا على مدى الاضطراب الذي يشوب تعاطي الحكومة مع وباء الفساد.. قبل إعفائه، كشف رئيس آلية مكافحة عن (5) ملفات لقضايا فساد وضعت أمام الرئيس البشير لكنه لم يكشف تفاصيل حول الجهات المتورطة فيها وشدد على عدم وجود خط أحمر يمنع محاسبة المفسدين، ورفض الاتهام الموجّه للآلية بأنها مجرد مناورة حكومية مشدداً على جدية الدولة السودانية في أعلى مستوياتها تجاه مكافحة الفساد.. لعل أخطر ما أدلى به رئيس الآلية بأن البعض تعدى على أصول الدولة وتحويلها بأسمائهم.. إن الحديث عن الفساد لم يكن حديثاً جزافاً بل يعلنه كثير من الأحيان المسؤولون السودانيون فضلا عن المراجع العام.. في مايو الماضي كشف وزير الإرشاد والأوقاف الدينية السابق عن قصور وفساد إداري ومالي بقطاع الأوقاف خلال العام المنصرم. وقال إن تقاطعات إدارية أسهمت في ظهور تلك الإخفاقات وشملت أوقاف الداخل والخارج، خاصة بالمملكة العربية السعودية.. وأشار الوزير في بيان له قدمه للبرلمان إلى وجود عقود تقاضى بموجبها الأمين العام السابق لهيئة الأوقاف أكثر من ستمائة ألف ريال سعودي في الشهر.. كذلك ثار حديث عن جهات حكومية أهملت في استرداد مبالغ مالية تخص الدولة (شيكات مرتدة).. وبلغ إجمالي قيمة الشيكات المرتدة والمتأخرات طرف الجمارك والضرائب (44) مليون دولار.. في الوقت نفسه كشفت نيابة مخالفات الجهاز المصرفي عن وصول بلاغات الشيكات المرتدة إلى (2847) بلاغاً وبلغ إجمالي المبالغ المعتدى عليها أكثر من (348) مليون جنيه سوداني (حوالي 55 مليون دولار). لقد أصبح الفساد أكبر التحديات التي تواجه حكومة الرئيس البشير بيد أنه حتى اليوم لم تُبد الدولة الجديّة المطلوبة لمكافحته الأمر الذي يشكك في صدقية الدولة مما يهُزّ الثقة فيها، سواء من جانب المواطنين أو كان ذلك من جانب الخارج، حيث تسعى الدولة لجذب الاستثمارات ورؤوس الأموال في محاولة لتعويض فقدان خزينة الدولة أكثر من (70%) عائدات النفط بعد انفصال الجنوب في يوليو من العام 2011.. أما أن يكون الرئيس البشير نزيها في شخصه فإن ذلك لا يعفيه مطلقاً من المسؤولية تجاه مكافحة سرطان الفساد المستشري في مفاصل الدولة.
533
| 02 مارس 2013
آخر قصص النظام السوري الآيل إلى السقوط، إصدار وزارة المالية السورية قراراً يقضي بالحجز على الأموال المنقولة وغير المنقولة لمواطنها "فيصل القاسم" معد ومقدم برنامج الاتجاه المعاكس بقناة الجزيرة الفضائية، وهذا ليس خبراً مدسوساً أو صادرا من المعارضة بل جاء ذلك وفقاً لما نقلته صحيفة الثورة السورية المحسوبة على النظام.. النظام السوري اتهم "القاسم" بالتآمر على الدولة وإثارة الحرب الأهلية؟! على كل حال تعتبر تلك الإجراءات التعسفية في حق "القاسم" صك براءة وقلادة شرف وطنية على صدره.. ليس جديداً أن يستهدف الطغاة الإعلام والإعلاميين، والطغاة عبر العالم هم طغاة سواء كانوا عرباً أو أمريكيين أو أوروبيين.. في يوم 13 نوفمبر 2001، وأثناء الغزو الأمريكي لأفغانستان دمرت ضربة صاروخية أمريكية مكتب قناة الجزيرة في كابل، بيد أنه قبل 11 سبتمبر 2001، أشادت حكومة الولايات المتحدة بالجزيرة لدورها كوسيط إعلامي مستقل في الشرق الأوسط؟! المدهش أن الجزيرة اكتسبت اهتماماً عالمياً في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001 لأنها كانت القناة الوحيدة التي تغطي الحرب على أفغانستان على الهواء مباشرة من مكتبها هناك وبمهنية عالية.. لقد كان جزاء مدير مكتب القناة في كابل تيسير علوني الاعتقال في إسبانيا التي يحمل جنسيتها، في 5 سبتمبر 2003، بتهمة تقديم دعم لأعضاء في تنظيم القاعدة!! رغم ثبوت عدم إدانته في كل التهم الموجهة إليه، إلا أن القاضي الإسباني حكم عليه في 26 سبتمبر 2005 بالسجن لمدة سبع سنوات. فيما بعد كانت معالجة الجزيرة للحرب على العراق محل غضب أمريكي – بريطاني، وكان للرئيس الأمريكي السابق موقف مشهود ومخذ من القناة وصل حد الحقد الدفين؛ فقد نشرت صحيفة الديلي ميرور البريطانية في 22 نوفمبر من العام 2005م موضوعاً حصرياً على غلافها تقول فيه إن الرئيس "بوش الابن" خطط لتفجير مبنى قناة الجزيرة في بلد عربي صديق حسبما كشفت عنه مذكرة سرية جداً top secret صادرة عن 10 داوننغ ستريت.. الديلي ميرور أوردت تقول: (كشف بوش عن فكرته في ضرب المدنيين في الجزيرة أثناء قمة عُقدت وجهاً لوجه في البيت الأبيض مع توني بلير في يوم 16 أبريل من العام 2004م).. وسبق ذلك في 8 أبريل 2003م وبعد أسابيع من غزو العراق أن قصفت الولايات المتحدة مكتب الجزيرة في بغداد وقتلت المراسل طارق أيوب رغم أن الجزيرة تحسبت لذلك وأبلغت الولايات المتحدة لتحديد بإحداثيات مكتبها قبل الحادث الأليم، وذلك لتجنب التعرض لنيران القوات الأمريكية، ومازالت ديما طهبوب، أرملة طارق أيوب، تواصل السعي من أجل تحقيق العدالة لمقتل زوجها، فكتبت لصحيفة الجارديان، وشاركت في فيلم وثائقي بثته قناة الجزيرة الإنجليزية.. عندما ذهب طاقم الجزيرة لإعداد تقرير يتضمن لقطات بيانية من داخل العراق، شجب مسؤولون أمريكيون القناة واعتبروها معادية للولايات المتحدة، وتحرض على العنف.. نعم لقد أغضبت الجزيرة حكومتي لندن وواشنطن حيث (قلاع الحرية الصحفية) المفترى عليها بتغطيتها لأحداث الغزو الأمريكي الأوروبي للعراق.. صحيفة الديلي ميرور قالت أيضاً (تثير مذكرة داوننغ ستريت اليوم شكوكاً جديدة حول مزاعم الولايات المتحدة أن الاعتداءات السابقة على مكاتب الجزيرة كانت مجرد أخطاء عسكرية).. الجزيرة بدورها استنكرت هذه الأنباء وأصدرت بياناً طالبت فيه بريطانيا والولايات المتحدة بتوضيح موقفيهما من هذه الأنباء وجاء في البيان أنه: (إذا ما تبين أن التقرير صحيح فإن ذلك سيكون صدمة قاسية ليس للجزيرة فقط بل ولجميع المؤسسات الإعلامية في العالم بأسره، وسيلقي بشكوك جدية على تبريرات الإدارة الأمريكية لحوادث سابقة استهدفت صحفيي الجزيرة ومكاتبها).. ذلك الخبر الفضيحة أثار موجة من التعليقات الاستنكارية في أجهزة الإعلام العالمية المختلفة، ونشرت صحف الإندبندت والتايمز والجارديان البريطانية رسوماً كاريكاتورية تنتقد وتسخر من تلكم الخطة المعطوبة بسوء الغرض. كذلك تغطية الجزيرة للثورة الليبية في 2011 لم تعجب زعيم ليبيا السابق معمر القذافي، فتعرض علي حسن الجابر رئيس قسم التصوير بقناة الجزيرة للاغتيال في كمين تعرض له فريق القناة بمنطقة الهواري جنوب غرب مدينة بنغازي.. الجابر رجل كان واثقا من نفسه كالنسيم على قناعة تامة بأهمية دوره.
878
| 23 فبراير 2013
فجرت استقالة بابا الفاتيكان بندكت السادس عشر الذي يرأس (1.2) مليار نسمة ينتمون للكنيسة الكاثوليكية الأسبوع الماضي بركان التكهنات؛ تكهنات حول سبب الاستقالة، وأخرى حول من يخلفه.. هل الاستقالة المفاجئة جاءت بسبب خلاف فكري في أعلى هرم الكنيسة، بين العلمانية والدين؟ البعض يرى أن البابا كان ضحية صراع العلمانية والدين، فالعلمانية بدأت تدك حصون الفاتيكان فيما كان الرجل يقاوم حتى استسلم في النهاية.. فالبابا متهم بإعلاء الذكورية في هيكل الفاتيكان، فضلا عن كونه متهما بتقييد بعض الحريات التي يتمتع بها آخرون باسم العقيدة الدينية.. في سبتمبر من عام 2010 قام البابا بندكت بزيارة رسمية تاريخية إلى المملكة المتحدة، ودعا في تلك الزيارة إلى العودة إلى القيم الدينية، مرسلا بذلك رسالة ضمنية مفادها أن العلمانية هي المسؤولة عما اعتبره المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية التي يعانيها المجتمع الغربي. في بحر تكهنات أسباب الاستقالة، يرى أستاذ التاريخ في جامعة الدراسات العليا في مدينة بيزا الإيطالية دانييلي مينوتسي أن فضائح الفساد والاعتداءات الجنسية من دواعي الاستقالة.. بحسب اندريا تورنييلي الخبير في صحيفة "لا ستامبا" اضطر البابا إلى مواجهة الفضائح المتعلقة بالتحرش الجنسي بأطفال من قبل أعضاء في السلك الكهنوتي "بتصميم غير معهود"، لكن الضربة القاضية كانت فضيحة فاتيليكس المتعلقة بتسريب وثائق سرية عن دولة الفاتيكان في العام الماضي 2012 والتي كشفت الخلافات والانقسامات داخل الكنيسة. على كل حال كانت الاستقالة هي الأولى منذ حوالي سبعمائة عام، بعد (8) سنوات من تنصيبه.. البعض تساءل هل يستقيل (خليفة الله في الأرض) حسب العقيدة الكاثوليكية، فالفاتيكان يعتقد أن البابا شخص مُقدس وأن اختياره قدر للبشرية مثل الأنبياء تماما، فهل يستقيل الأنبياء؟! أحد رجال الدين المسيحيين يقول تعليقاً على الاستقالة: (يشعر معظم البابوات في العصر الحديث بأن الاستقالة أمر غير مقبول إلا في حالات الضعف الشديد أو المرض الذي لا شفاء منه، ذلك لأنه من غير الممكن الاستقالة عن كونك أبا).. عبر التاريخ تشير بعض الممارسات في الكنيسة الكبيرة تشكك في تلك (القدسية)، فالبابا "بندكت" التاسع من مواليد روما قدم استقالته عام 1045م عندما بلغ عمره (33) عاما، حتى يتمكن من الزواج والحصول على أموال من أبيه الروحي، وكان الأب الروحي للبابا قد دفع أموالا بالفعل لـ"بندكت" التاسع للتنازل له عن منصب البابوية!!. العلاقة مع المسلمين تعرّضت في عهد البابا بندكت إلى هزة كبيرة، ففي اليوم التالي للذكرى الخامسة لأحداث (11) سبتمبر نبش البابا المستقيل في كتب التاريخ ليقتبس في محاضرة بجامعة ريجينسبورج الألمانية انتقادا للإسلام والرسول صلى الله عليه وسلم على لسان الإمبراطور البيزنطي مانويل الثاني "باليولوجوس" في القرن الرابع عشر الذي كتب يقول: (إن كل ما جلبه النبي محمد كان شراً وغير إنساني مثل أمره بنشر الدين الذي يدعو إليه بحد السيف)!!. صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية وصفت حينها خطاب البابا بأنه مفجع وخطير. في بحر التكهنات يثور جدل يبدو أنه سيكون ساخناً ومفعماً بالظلال العنصرية حول البابا الجديد وإذا ما سيكون الإفريقي الأسود أم أن العنصر الأوروبي الأبيض سيواصل احتكاره لهذا المنصب.. عموماً سيجتمع الكرادلة لانتخاب خلفا للبابا وسيتم دعوة 117 كاردينالا ناخباً للمشاركة في الاختيار قبل عيد الفصح في 31 مارس القادم.. الأفارقة السود يمثلون حوالي 15% من عدد الكاثوليك في العالم، ومع بدء حملات الترشيح لخلافة البابا، فقد طرح حتى الآن أسماء مثل المونسنيور لوران مونسينغو باسينيا، رئيس أساقفة كينشاسا (الكونغو)، والكاردينال الغاني بيتر توركسون، والكاردينالين النيجيريين جون اونايكان وفرنسيس ارينز.. رينيه ليغري هوكو رئيس الرابطة العاجية لحقوق الإنسان اعتبر أن "بابا إفريقي يمكن أن يعطي مزيداً من الحيوية للكنيسة الكاثوليكية في العالم الأسود، وهذا يظهر الطابع الكوني لديانتنا".. بالطبع آسيا تطمح وكذلك أمريكا اللاتينية وقد دفع كل تجمع بمرشحيه.
815
| 16 فبراير 2013
في (21) يناير الماضي فوجئ الناس في أريتريا باحتلال عسكريين وزارة الإعلام في أسمرا، حيث أرغموا أجهزة الإعلام الرسمية على بث بيان يطالب بالإفراج عن سجناء سياسيين، فيما وصفه البعض بأنه (حركة تصحيحية) للوضع السياسي في البلاد.. أهمية أريتريا للسودان جعلت الرئيس عمر البشير يزور أسمرا متفقداً ومستفسراً عما حدث.. بعيداً عن العبارات النمطية التي تصدرها الدوائر الرئاسية مثل (إن الرئيسين أكدا على أنهما سيواصلان المشاورات فيما بينهما لتدعيم السلم والاستقرار والعلاقات الثنائية بين بلديهما)، يمكن أن نجزم أن كلاماً جاداً دار حول الأوضاع الأمنية داخلياً وإقليمياً خاصة أن مدير جهاز الأمن السوداني رافق البشير في زيارته. مازال استقرار كثير من الدول الإفريقية يقوم على كاريزما القادة أكثر من استناده إلى الدستور والقوانين المنظمة للعمل السياسي.. قبل حوالي (3) أعوام التقيت الرئيس الأريتري اسياس أفورقي في فرنسا على هامش مؤتمر الفرانكفونية الذي استضافته فرنسا في مدينة نيس الوادعة في جنوب البلاد.. في ركن قصي بالفندق الذي نزل فيه الرؤساء المشاركون جلس أفورقي متأملا وقد اختاره بعناية.. بمعية زميل صحفي سوداني زاملني في تلك الرحلة قمنا وقد امتطينا الجرأة الصحفية باقتحام عزلة الرجل في تلك اللحظات.. تواضع الرجل فضلا عن قربه الوجداني من السودانيين عوامل ساعدت في ترحيبه بنا.. في تلك الجلسة القصيرة لمست فيها كيف يجمع الرجل بين التواضع والاعتزاز بالنفس.. رغم الملاريا الخبيثة التي تطارده، ورغم التقدم النسبي في العمر - (67) عاماً – كانت نظراته الفاحصة تُحدّث عن عزيمة كعزائم الشباب واصرار على تحدي الصعاب.. لعل أهم (عثرات) أفورقي الخارجية تدهور علاقاته مع اثيوبيا الدولة الجارة التي كانت أريتريا جزءًا منها قبل الاستقلال لدرجة قيام حرب دامية بين الطرفين.. انتماء أفورقي عرقياً إلى أقلية (التيجراي) التي ينتمي لها حليف الأمس رئيس وزراء اثيوبيا الراحل مليس زيناوي والذي يعود بدوره إلى أصول إريترية من ناحية الأم، لم يمنع كل ذلك اندلاع الحرب ونشوء حالة من العداء السافر بينهما حتى وفاة الأخير.. الخرطوم اليوم مؤهلة أكثر من غيرها لإعادة مياه العلاقات الإريترية – الأثيوبية إلى مجاريها، وربما كان غياب زيناوي عاملا إيجابيا يدفع نحو إذابة الثلوج.. استقرار القرن الإفريقي، استقرار للسودان لا محالة.. القرن الأفريقى شبه جزيرة ذات أهمية استراتيجية وهي تضم مضيق باب المندب في جنوب البحر الأحمر ويسكن القرن الإفريقي حوالي (100) مليون نسمة. من المؤكد أن الصراع الأثيوبي – الأريتري ليس بسبب خلاف الرجلين (زيناوي وأفورقي)، فللصراع خلفيات تاريخية معروفة.. في العام 1896م، وُقعت معاهدة أديس أبابا، التي حددت الحدود الأثيوبية مع إريتريا، على أساس أن الحد الفاصل بينهما، هو نهر مأرب، وبذلك ظهرت الشخصية الإريترية، وحدة مستقلة.. بريطانيا كانت تَعُدّ إريتريا جزءاً من مستعمرات إيطاليا، ففي سبتمبر 1948 منحت بريطانيا أثيوبيا جزءاً من الأراضي الفاصلة بين الصومال وإثيوبيا، إضافة إلى أقاليم أخرى.. في نفس الوقت بدأت عصابات الشفتا في إريتريا، مقاومة السلطات الحاكمة.. وقد كان واضحاً أن الإمبراطور هيلاسيلاسي امبراطور أثيوبيا مصمم على ضم إريتريا لإثيوبيا بأي وسيلة، ويرجع ذلك لرغبته في توسيع أرجاء إمبراطوريته، فضلا عن سعيه لإيجاد منفذ على البحر الأحمر لدولته.. من سوء حظ أريتريا أن الأمم المتحدة وهي تحدد مصير المنطقة أعطت الفرصة لهيلاسيلاسي لتحقيق أطماعه من خلال ضعف صياغة قرار الأمم المتحدة، الذي دعا إلى اتحاد بين أريتريا وأثيوبيا والمنطق يقول أنه لن يحدث تكافؤ، لاتحاد يقوم بين طرفين، أحدهما أقوى وأكبر من الطرف الآخر.. ولم يجتهد مفوض الأمم المتحدة، لإيجاد صورة مناسبة، لدستور إريتريا، الذي يقوم على مبادئ الحكومة الديموقراطية، وهذا المبدأ يتنافى مع الفلسفة السياسية، الخاصة بالنظام الإثيوبي، نظراً لأن نظام هيلاسيلاسي لم يكن ليعترف بالأحزاب، في حين أن إريتريا في تلك الفترة، كانت تتمتع بوجود أحزاب متعددة لديها. كذلك، فإن القرار، لم ينص على شكل دستور دولة الاتحاد، ولا على شكل الحكومة فيها.. وفي العام 1964م أعلنت إثيوبيا، ضم إريتريا إليها، على أن تصبح إحدى المحافظات الإثيوبية. في العام 1961م بدأ الكفاح الأريتري المسلح ضد (الاحتلال) الأثيوبي واستمر نمو جبهة التحرير الإريترية، وحصلت على دعم مادي وعسكري، من الإريتريين الذين يعملون في الدول العربية، وكذلك من سورية. وكانت الأسلحة، تُهرب عبر الحدود السودانية، مما حدا بإثيوبيا لتوقيع معاهدة الحدود، مع السودان عام 1965م، بهدف منع تسرب الأسلحة إلى إريتريا. وتُعد مشكلة إريتريا، هي الأساس الذي بسببه، تسوء العلاقات بين السودان وإثيوبيا، أو تتحسن.. في مقابل الدعم العربي لثوار أريتريا بادر هيلاسيلاسي بالاستعانة بإسرائيل، لإعادة تنظيم قوات الكوماندوز الإثيوبية وتسليحها وتدريبها. وجاء ذلك، متمشياً مع اهتمام إسرائيل بإثيوبيا، للاستفادة من الجزر، والموانئ المطلة على البحر الأحمر.. أريتريا استقلت عن أثيوبيا في مايو من العام 1991م، بيد أن علاقاتها مع أثيوبيا ظلت عقبة كأداة.
1123
| 09 فبراير 2013
ماراثون قمم رئيسي السودان وجنوب السودان يدور في حلقة مفرغة، ربما بسبب إحساس جوبا بأن الخرطوم في موقف ضعيف، إما بسبب الأوضاع الاقتصادية والسياسية المهتزة، أو بسبب ثقتها في وقوف إفريقيا والمجتمع الدولي بجانبها، ظالمة ومظلومة.. إقليمياً نجد الوساطة الإفريقية ومن خلفها الاتحاد الإفريقي متعاطفة مع جوبا، ففي التفكير الإفريقي القائم على إرث وتاريخ سلبي تجاه الثقافة العربية الإسلامية، أن السودان دولة عربية بينما دولة جنوب السودان دولة إفريقية.. هذا في ظل غياب كامل للدولة العربية سواء كان ذلك ممثلاً في جامعة الدولة العربية أو في الدول العربية الإفريقية ذات الثقل النوعي مثل مصر وليبيا والجزائر، فالخرطوم تقاتل في جبهة فرض عليها فيها القتال بدون ظهر أو سلاح.. ألم يقل "سلفا كير" رئيس دولة الجنوب عقب معركة هجليج التي استردها الخرطوم من القوات الجنوبية مخاطباً إفريقيا قائلاً: (إنه يحتاج للدعم لأنه يواجه الإسلام والعروبة القادمين من جهة الخرطوم).. وهذا ينسجم مع سيناريو إسرائيل الذي تحقق، لأن انفصال جنوب السودان في إستراتيجيتها يحطم حقيقة أن السودان جسر لمرور الثقافة العربية إلى إفريقيا وبالتالي تتشكل وحدة بين الكيانين لا تكون في صالح إسرائيل.. في ظل هذا الواقع العربي المأزوم وقعت جامعة الدول العربية الخميس الماضي اتفاقية لتطوير العلاقات الثنائية بين الجانبين مع جمهورية جنوب السودان دون أن يتم ربط أي تعاون مع جوبا بالتقدم في ملف علاقاتها بالخرطوم، وفي الوقت نفسه وقعت جوبا اتفاقية نفطية مع إسرائيل، حيث زار وزير النفط في دولة الجنوب إسرائيل نهاية الشهر الماضي.. ومعلوم أن علاقات وطيدة تربط بين إسرائيل وجنوب السودان قبل انفصالها عن السودان في يوليو من العام (2011م)، حيث حصلت الحركة الشعبية الحاكمة في جوبا على أسلحة ومساعدات إسرائيلية متنوعة لعشرات السنين من الحرب الأهلية. غبن السودان الناتج عن لا مبالاة محيطه العربي والإسلامي عبر عنه قبل أسبوعين النائب الأول لرئيس الجمهورية علي عثمان محمد طه وهو يخاطب أمام مؤتمر اتحاد برلمانات (53) دولة إسلامية استضافه السودان.. الخطاب لمس كل القضايا ذات الصلة بالواقع الإسلامي المأزوم.. لكن يبدو أن أقصى سقف استثماري لهذا التجمع يمكن أن يجنيه السودان، أن يبث لواعجه وهمومه وظلم ذوي القربى عليه.. "طه" قال: (سنظل نسدد أسهم انتمائنا للإسلام دون منٍّ أو تخاذل)، مضيفاً: (أن جزءًا كبيراً من معاناة السودان قدمه كفاتورة بسبب رغبة الغرب في اقتطاع جزء من البلاد لمنع الوحدة بين إفريقيا والعالم العربي الإسلامي).. ظني الذي لا يخيب كثيراً أن المشاركين في المؤتمر سينسون تلك الكلمات الطيبة وكرم الضيافة فور مغادرتهم الخرطوم.. التجارب علمتنا ألا نثق في قدرة الكثير من التجمعات الإقليمية على الفعل الإيجابي، طالما بقيت موازين القوى الدولية كما هي دون تغيير حقيقي.. ربما لا أكون قاسياً إن قلت إن منظمة التعاون الإسلامي مثلها مثل العديد من التجمعات الإقليمية لا تعدو أن تكون محفلاً موسمياً لممارسة فن العلاقات العامة سواء على مستوى رؤساء الدول أو أي مستوى أقل.. البيانات الختامية والتوصيات نسخ مكررة لبيانات سابقة مع تغيير في التاريخ وبعض المعالجات الطفيفة.. "طه" قال في خطابه إن الأمة الإسلامية طال انتظارها لمؤسسات إسلامية حية تنبض لا تكون صدى للآخرين. السودان اليوم لديه إحساس طاغ بأنه غدا قصعة تتكالب عليها الأكلة الأمريكية والأوروبية والإفريقية، فمن دعم الحركة الشعبية قطاع الشمال مروراً بالحرب الاقتصادية وانتهاءً بالتنصير.. أوروبا ومعها أمريكا أكبر المنافقين خصصوا مؤخراً مبلغ (24) مليون دولار لدعم النشاط السياسي والعسكري لقطاع الشمال المتمرد على الخرطوم والمرتبط بجوبا.. الدعم الأوروبي وضع في حساب لحكومة دولة الجنوب بأحد المصارف الكينية.. يقول "جون أكوير" الأكاديمي الجنوبي المعروف إن الحركة الشعبية لا تزال موحدة في السودان وجنوب السودان في ميزانيات الجيش والعلاقات الخارجية.. "أكوير" أكد أن كثيراً من الدول الأوروبية تتعامل مع الحركة الشعبية باعتبارها كياناً موحداً في الشمال والجنوب. لقد كان أكثر الأشياء مدعاة للقلق بالنسبة لإسرائيل منذ قيامها هو قيام تضامن عربي إفريقي يؤدي إلى جبهة سياسية واحدة، تزيد من حالة العزلة التي تعاني منها إسرائيل، ولذلك جعلت إسرائيل، من أهدافها المهمة في القارة الإفريقية إضعاف علاقات الأقطار الإفريقية بالعالم العربي.. الحقائق تقول إن أكثر من نصف العرب يعيشون في إفريقيا (حوالي 60%)، و25% من الأفارقة هم عرب، وأكثر اللغات التي يتحدث بها أهل إفريقيا هي اللغة العربية.. انفصال جنوب السودان في إستراتيجية إسرائيل يحطم حقيقة أن السودان جسر لمرور الثقافة العربية إلى إفريقيا وبالتالي تتشكل وحدة بين الكيانين لا تكون في صالح إسرائيل.
774
| 02 فبراير 2013
قبل انفصال جنوب السودان كان الظن أن النشاط التنصيري موجه إلى الجنوب ومنطقة جبال النوبة بولاية جنوب كرفان.. ومع اكتمال مشروع الانفصال المدعوم دولياً؛ كان الظن سائداً بأن السودان بعد الانفصال بمنأى عن النشاط التنصيري.. لكن وسائل الإعلام السودانية انشغلت الأسابيع الماضية بأخبار نشاط تنصيري يجري بجرأة مدهشة في العاصمة مستهدفاً كل قطاعات الشعب بمن في ذلك الذين يتحلقون حول بائعات الشاي في الأماكن العامة.. جهاز الأمن والمخابرات الوطني ضبط شبكة من الأجانب من جنسيات مختلفة وهي تمارس نشاطاً تبشيرياً وتنصيرياً واسعاً انطلاقاً من إحدى الشقق المفروشة بأحد أحياء العاصمة الخرطوم.. عناصر الشبكة يستغلون بالضرورة بسطاء الناس وشرائح الضعفاء في الأحياء الطرفية للعاصمة.. قصص عديدة عن تعرض فتيات وشبان للتنصير، إحدى الأسر السودانية اقتلعت ابنتها الجامعية اقتلاعاً من بين أيدي المنصرين، بعد اختطاف طاف بها مصر ودولة جنوب السودان انتهاءً بإثيوبيا حيث خاض والدها معركة شرسة حتى حظي بابنته بعد غياب دام عدة أسابيع. تهديدات اجتماعية ماثلة وضعت الدولة في مهب عاصفة العولمة والتنصير.. في العام (2009م) أعلن عن ضبط (50) كرتونة تحوي (3400) نسخة من الإنجيل بمقر منظمة أمريكية تدعى (لا مزيد من العطش) بواسطة سلطات ولاية شمال دارفور.. في نوفمبر الماضي أطلق "عثمان محمد يوسف كِبر" والي شمال دارفور صرخة مدوية معلنا عن تسرب أقراص مهلوسة تسمى (بالطفل الهارب) وسط الشباب تعمل على خلق الاكتئاب النفسي وانهيار قوة الشباب البدنية وتؤثر على الرجولة.. قبل صرخة "كِبر" بعدة أسابيع أعلنت وزارة الداخلية أن نسبة تعاطي هذه السموم في ارتفاع وبلغ من تعاظمها أنها تجاوزت نسبة (300%).. في أعقاب سقوط الإمبراطورية العُثمانية أصبح التغريب أشدّ خطورة ليس على الأمن الثقافي فحسب، وإنما على الأمن القومي الإسلامي برمته. فالتنافس المحموم بين الإرساليات الكاثوليكية والإنجيلية أدى إلى قيام منظومتين ثقافيتين عالميتين، هما الفرانكوفونية والأنجلوساكسونية. وهما إلى اليوم تخوضان (حرباً) ثقافية باردة بمعنى أن الصراع الدائر بينهما لم يعد يقتصر، كما كان بالأمس على التبشير؛ وإنما تخطاه إلى كل ما يمت بصلة إلى الشؤون الثقافية والفكرية والإعلامية والفنية والأدبية والعلمية والتكنولوجية واللغوية وغيرها. وما يستدعي الانتباه أن المنطقة العربية والإسلامية لا تزال محور هذا التنافس وموضع تجاذب كبير من جانب المنظومتين، بحيث لم يخل أي قُطر من الأقطار من تأثير كل منهما فيه. اليوم يتأكد أننا أمام معطيات محددة تفرزها العولمة من أبرزها أن هذه العولمة مصدرها ومركزها الغرب؛ وأنها ليست أدوات ووسائل تقنية حديثة أو أنماط إنتاج جديدة بل هي مضامين قيميّة وثقافية ودينية.. لذا يجب النظر باهتمام إلى الجوانب الخفية لبريق العولمة. وليس خافياً أنه عندما يطلق الغربيون ومن شايعهم من المتغربين تعبير "الحضارة" غالباّ ما يقصدون به الحضارة الغربية بكل زخمها. كل شعب من الشعوب معتز بحضارته، فهو بالضرورة في قفص اتهام معاداة الغرب وحضارته وبالتطرف وربما بالإرهاب. العولمة والتنصير والتغريب مترادفات وظلمات بعضها فوق بعض.. الهدف ترويض الهمم لنصبح على استعداد لقبول أي شيء ثم إعادة تشكيل أفكارنا وأحلامنا بوسائل عديدة تبدأ بالإغاثة والإنجيل وتنتهي بالمدفع والدبابة.. والفرانكوفونية والأنجلوساكسونية وجهان لعملة واحدة.
725
| 26 يناير 2013
لم يجد الغرب بقيادة فرنسا مسوغاً للتدخل العسكري في سوريا لإنقاذ شعبها كما لم يجد مسوغاً للتدخل في جمهورية إفريقيا الوسطى رغم طلبها لذلك، لكن فرنسا وحليفاتها وجدت في مالي مسوغاً للتدخل العسكري السريع.. نعم تدفقت جحافل جيوش الصليبية الجديدة تحت غطاء مكافحة الإرهاب والتطرف.. في لمح البصر هاجمت قوات فرنسية قوات مالية أطلقت عليها وصف (مقاتلين إسلاميين) وسط مالي. في حين أعلنت دول أوروبية أخرى أنها ستسهم لوجستيا في العملية العسكرية الصليبية الجارية، فبعد بريطانيا والولايات المتحدة. أعلنت ألمانيا وبلجيكا وإيطاليا أنها ستساعد فرنسا لوجستيا بوسائل بينها طائرات نقل عسكري.. التعزيزات الفرنسية بلغت نحو (800) جندي في العاصمة باماكو. وتخطط باريس لرفع عدد جنودها إلى (2500)!!الرهاب الفرنسي من الإسلاميين جعلها تنسى أو تتناسى تجربة الولايات المتحدة في أفغانستان.. مجلة "تايم" الأمريكية حذرت من تكرار المستنقع الأفغاني، وقالت المجلة: (إن أي دولة غربية تفكر في إرسال قواتها خارج الحدود للحرب في بلد مسلم، فإن هناك مقارنات لا مفر منها يجب أن تفكر فيها تلك الدولة، وعلى رأسها الوضع في أفغانستان).. لقد تعرضت المجتمعات الإفريقية في غرب إفريقيا المسلمة في خمسينيات القرن الماضي لقصف ثقافي مضاد من قبل الاحتلال الفرنسي بعد أن بسط سيطرته العسكرية فلم يجد بُدا من محاربة المكون الثقافي الذي ترسخ بفعل قوة دفع الحضارة العربية والإسلامية التي سبقته إلى تلك الأرض البكر.. تلاميذ الابن الوفي للاستعمار الفرانكفوني "ليبولد سينغور" (الرئيس السنغالي الأسبق) للفكر الغربي وهم الذين يدعمون الحرب الصليبية الجديدة في غرب إفريقيا، يحملون لواء (فرنسة) المجتمعات الإفريقية التي تشربت بالإسلام والثقافة العربية فنشأت الدويلات الإسلامية.. لقد دعوا لأن تكون اللغة الفرنسية لغة رسمية بل اعتمادها لغة للتواصل بين الزنوج لأنها بزعمهم لغة الحضارة.. كانت فترة بقاء الثقافة العربية والإسلامية هي الأطول على الإطلاق مقارنة بالفترة الاستعمارية الأوروبية والتي كانت دون شك على قصرها من أحلك العقود التي مرت بالشعوب الإفريقية.عدد سكان مالي من العرب حوالي ثلاثمائة ألف نسمة بحكم قربها من الجزائر وموريتانيا بينما يبلغ عدد السكان من قبائل الطوارق الامازيغ حوالي ربع السكان ينتشرون بالقرب من الصحراء الكبرى.. يمثل المسلمون (90%) من مجموع سكان مالي.. كانت مالي ذات يوم جزءا من ثلاث إمبراطوريات إفريقية غربية سيطرت على التجارة عبر الصحراء، وهي مملكة غانا ومالي وصونغاي.. استولت فرنسا على مالي أثناء الزحف على إفريقيا أواخر القرن التاسع عشر، وجعلتها جزءا من السودان الفرنسي الممتد من تشاد شرقا وحتى ساحل المحيط الأطلسي غربا. يجب أن تعلم فرنسا والغرب من خلفها أن مغامرتها في مالي لن تجد لها أي مبرر يتقبله الآخرون.. فهو في نظر عامة العرب والمسلمين خذلان مفضوح في سوريا مقابل تدخل سريع لأجل المصالح في مالي.. كما ينظر له المتدينون باستنكار شديد باعتبار أنه ليس من حق أي أجنبي أن يتدخل في شؤون المسلمين، فضلا عن أن يبعث جيوشه ليقتلهم ويحتل بلادهم تحت أي ذريعة.. المراقبون والمحللون يحاولون معرفة كيف ستواجه فرنسا افتراضات إستراتيجية الخروج من مالي التي قد تكون مفتوحة الاحتمالات، مقارنة بالكيفية التي وضعت الولايات المتحدة نفسها فيها فيما يخص إستراتيجية الخروج من أفغانستان.. على افتراض تمكن فرنسا من القضاء على (الإسلاميين)، هل ستبقى القوات الفرنسية في مالي بعد انتهاء مهمتها، وما هي قدرة الجيش النظامي الحكومي في مالي على السيطرة على الأمور بعد خروج الفرنسيين.. وليس بعيدا عن الذاكرة تمكن (الإسلاميين) قبل بضعة أشهر من طرد الجيش المالي من شمال البلاد بكل سهولة ويسر، دون أدنى مقاومة.
574
| 19 يناير 2013
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز...
5889
| 23 سبتمبر 2026
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها...
4218
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية...
3141
| 24 سبتمبر 2026
ما لفتني في خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ...
2232
| 23 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص...
1092
| 28 سبتمبر 2026
أخطر التضليل الإداري لا يحتاج إلى تزوير رقم...
1071
| 27 سبتمبر 2026
بعد أيام من رحيل مؤسس الشركة، يجتمع الأبناء...
1023
| 29 سبتمبر 2026
كان ظهور جهاز جديد في الماضي يعني أن...
765
| 23 سبتمبر 2026
كل شيء سيمر، قد تبدو هذه العبارة بسيطة،...
762
| 30 سبتمبر 2026
جاء قرار معالي رئيس مجلس الوزراء الموقر بإعادة...
690
| 29 سبتمبر 2026
-سمو الأمير لخصَ السياسة الخارجية القطريةفي معادلة تجمع...
654
| 27 سبتمبر 2026
يحظى المعلم في دولة قطر بالاهتمام الكبير والتقدير...
498
| 25 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تابع الأخبار المحلية والعالمية من خلال تطبيقات الجوال المتاحة على متجر جوجل ومتجر آبل