رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
العالم العربي اليوم أشبه ببحر هائج تتلاطم أمواجه، وتتعاكس توجهاته. فالحركات الشعبية التي ضربته في العمق نهاية العام 2010 لم يستقر حراكها بعد، بل هناك من يتنبأ بموجة جديدة من الثورات ليس بالضرورة أن تنطلق شرارتها في العام الجاري لكنها بالتأكيد ستختمر فيه طالما أن المطالب الأساسية للحراكات الشعبية لم تتحقق، والتي تتمثل في مجتمع أكثر عدالة وأكثر توفيرا لفرص العمل. والثورات التي تبعتها ثورات مضادة في الإطار العام تندرج تحت عدم استقرار الحراكات الشعبية، وإن كانت سارت باتجاهات تبدو متناقضة للوهلة الأولى. ربما صراعات الهوية والمشاريع المختلفة هي ما يعلو سطح هذه الحراكات، مع فائض عنف، يعلو المشهد السياسي برمته في مناطق عدة من العالم العربي.بعيداً قليلا عن الصورة العربية، تتسع الرؤية فنشهد تناميا في القوة لدول الجوار، تركيا وإيران. ولكل منهما مصالح وتطلعات.. وقد كشفت الأحداث الأخيرة من حراك وأزمات عن تصاعد للنفوذ الإقليمي لكل من إيران وتركيا في وقت نشهد فيه تزايد ضعف المنظومة العربية لأسباب كثيرة، منها الثورات، ومنها من انحرف بحراكه المطلبي تحت ضغط موازين قوى إقليمية ودولية، دون إغفال التناحر العربي العربي الذي يفتح أبواب المنطقة واسعا أمام فائض عنف، يعلو المشهد برمته.العلاقات الاقتصادية بين تركيا وإيران كبيرة وهي التي تدفع بحكومتي طهران وأنقرة إلى المحافظة على إبقاء قنوات التواصل السياسي على مستوى عال ومستويات دبلوماسية أخرى وهي تمنع بدورها فلتان حدود التنافس السياسي إلى منزلقات المواجهة التي ليس للبلدين أي مصلحة في قيامها، خصوصا أنهما يتفهمان المصالح الحيوية التي تطال بمستوياتها الأمن القومي لأنقرة وطهران. وهذا الأمر قد لا يحرجهما أمام الحلفاء في الإقليم أو العالم، فموقع تركيا وإيران وحجمهما يتيح لهما ضمن أحلافهما الدولية من موسكو إلى واشنطن مرونة واستقلالا في الحركة وحجماً لا يمكن تجاوزه.في العالم العربي تلتقي إيران وتركيا عبر أنساق التاريخ والثقافة والموقع الاستراتيجي.. تتقاطع المصالح وتتشابك. فالعلاقة بينهما لم يحكمها نهج واحد، ولا يؤطرها قانون ثابت. تارة في تعاون، وطورا في تنافس، وأحيانا يرقى الخلاف إلى صراع مفتوح من كل الجوانب.وإزاء تنامي النفوذ التركي الإيراني في عدد من المناطق العربية، تبدو معظم الدول العربية غارقة في هواية التصادم فيما بينها ومتروك مصيرها لسياقات خارجة عن إرادتها، سياقات تقوم على عوامل كثيرة تديرها القوى الإقليمية والدولية.الخسارة والربح لكل من إيران وتركيا في العالم تبدل بحسب الظروف الداخلية للدول والتحولات التي طرأت على المشهد العام في أكثر من منطقة.قبل الربيع العربي كانت إيران تتقدم في العراق وسورية ولبنان وفلسطين على حساب الحضور التركي، إلا أن الرياح التي حملتها الثورات فتحت الباب على مصراعيه أمام النفوذ التركي الذي اعتبر حليفا قويا وواعدا للإسلام السياسي الذي تقدم في أغلب الدول العربية. النكسة التي ضربت الإخوان في مصر غيرت مسار التحولات في سباق الصراع التركي الإيراني، فتراجع النفوذ التركي كثيرا في حين الأمور قد لا تكون بالضرورة جرت لصالح إيران إذا ما استثنينا الضغط الكبير الذي خُفف عن النظام السوري والتبدل في المزاج الدولي بعد إزاحة الإخوان وقدوم عبد الفتاح السيسي للحكم.تمدد داعش في العراق وسورية شكل ضربة قوية لإيران لصالح قوى أخرى ليست متجانسة تماما منها تركيا ودول الخليج، في حين أعاد التقدم المفاجئ للحوثيين في اليمن دفة النفوذ الإيراني لوضعه الطبيعي في صراع المحاور وتشابك المصالح. يبقى الملف النووي الإيراني وما قد تنتهي إليه الحلول بشأنه خلال العام الجاري الأثر الكبير في التنافس التركي الإيراني والذي سيترك تداعيات كبيرة على المنطقة العربية الغارقة في تنافس وتطاحن وغائبة تماما عن خيار هندسة إستراتيجية متكاملة تهضم التحولات الإقليمية الكبيرة في المنطقة.
824
| 17 يناير 2015
لنثبت بداية أن الاغتيال المادي للصحافة والصحفيين الذي حدث في إحدى ضواحي باريس عمل إرهابي بامتياز، ويُوجب علينا التضامن الكامل مع الضحايا أيا كان النقد الموجه لعملهم، لأن الصحافة مهنة لا تقل عن مهنة رجال الدين وعلمائه في إرشاد الناس ورفع مستوى وعيهم السياسي والمجتمعي.وكيلا تتكرر الحادثة المؤلمة، لنلتقط الأنفاس قليلا ونفكر بعمق، دون انفعالية مولدة لعنف مضاد أو انتهازية لئيمة لبعض شذاذ الفكر وساديّ السلطوية ممن يكتمون فرحهم العامر بهذه الأحداث ويرغبون بالمزيد لحمل الغرب على تأييد سلوكهم المستبد في القمع والإقصاء والاغتيال المادي والمعنوي للمعارضين السياسيين.فأعمال العنف والإرهاب والتطرف ليست حكراً على فئات محبطة أو منحرفة داخل المجتمعات الإسلامية، وهي مهما بلغ عنفها وتطرفها وإرهابها لا يساوي، في معايير الكم والنوع، الإرهاب الذي مارسته جماعات وأحزاب ودول في العالم ليست من الإسلام في شيء، وأوروبا المستعمرة تاريخيا لديها سجل حافل وغني عن الذكر! وبالتالي الفرضية التي تقول إن الإرهاب العالمي اليوم هو إرهاب إسلامي خالص هي فرضية مغلوطة ومضللة ومشبوهة في آن. كما أن معاقبة جميع المسلمين أو تحميلهم المسؤولية بشكل مباشر أو ضمني من شأنه تغذية التطرف وتمدده، وليس مواجهته أو احتوائه. ويكفي أن ندرك كيف أن الإسلاموفوبيا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 أثارت التطرف القومي والديني في المجتمعات الغربية التي انقسم فيها الناس على أساس عرقي أو ديني!.قُدّر للغرب عموما أن يحتوي الملايين من المسلمين داخل مجتمعاته، وبعد قرون من التفاعل بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي أصبح الإسلام ثاني أكبر دين في المجتمعات الغربية ولم يعد دينا مستوردا أو غريبا وطارئاً. هناك أجيال مسلمة نشأت وترعرعت ولا تعرف إلا الدول الغربية وطنا ومجتمعا، ولا تملك أيّ رابط، يربطها ببلاد المسلمين سوى المشترك الديني فقط. على الغرب أن يدرك أن معركته ليست مع الإسلام والمسلمين، وإنما مع التطرف. والتطرف اليوم ظاهرة عالمية، لا دين لها ولا مذهب. وهو قديم قدم الأديان كلها، وقد وقعت به أو مارسته أغلب المجتمعات البشرية، وإن كانت بنسب متفاوتة، البيض في الولايات المتحدة مارسوه ضدّ الهنود الحمر السكان الأصليين، ثم ضدّ السود الذين جلبوا كعبيد أرقاء لخدمة الرجل الأبيض. هل يجوز لنا أن نقول إن ما فعله هؤلاء يتحمل مسؤوليته الدين المسيحي؟!الإرهاب الحديث اليوم هو نتاج جملة عوامل: اليأس، الإحباط، البطالة، التعليم الرديء، القمع، والشعور بالإذلال كلها تساهم بصنع هذا الغول. ثقافة العولمة التي ألغت الخصوصيات القومية والعرقية والدينية وقضت على التنوع الفكري والحضاري واختزلت العالم في سوق استهلاكي كبير يوجهه ويعلوه المذهب الانتقائي المتجسد بالفكر الغربي لم تكن أقل خطورة من فكرة "شعب الله المختار" في الأدبيات الدينية اليهودية.الإرهاب ليس ظاهرة سياسية معزولة عن بعدها الاجتماعي، تماما كما هو الحال بشأن البعد الاقتصادي، وهي أكثر تعقيدا وتشابكا من أي ظاهرة أخرى، وعوامل إنتاجها تبدأ من التاريخ مروراً بالتربية الخاطئة وصولا إلى فشل البرامج الاجتماعية في الدمج الآمن داخل المجتمع الواحد. وقد عجز المجتمع الغربي عن احتضان الشباب المسلم المهاجر، كما فشل الأخير في التأقلم والاندماج في المجتمع الجديد. والإرهاب الناتج عن ممارسات بعض المسلمين، يجمع كل ما سبق من الأسباب ويضاف لها بعدا أشد خطورة، وهو الشعور بالهزيمة النفسية والحضارية أمام الغرب الذي تفوق على المجتمعات المسلمة. وهذه إشكالية يتحملها في الحقيقة ودون مواربة أو مجاملة أهل الإسلام من علماء ومفكرين وسلطات رسمية لفشلها في مشاريع التحديث والتحول السياسي. كما أن انحياز الغرب الفاضح والفج لجانب إسرائيل على حساب الحقوق الإنسانية المشروعة للشعب الفلسطيني، ودعم النظم السلطوية المستبدة في العالم الإسلامي وقيادته للتحالف الدولي ضد التطرف الإسلامي في الوقت الذي يغض فيه النظر عن الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان، أنتجت هذه الثمرة المحرمة. للأسف، نحن اليوم على أعتاب موجة جديدة من العنف الإسلامي شبيه بالحالة التي أنتجها احتلال العراق وأفغانستان، ومردّ هذه الموجة تعود لفشل الثورات في تحقيق أهدافها وما نتج من فراغ أمني وسياسي بسبب سقوط النظم السياسية، وغياب تام لمنظمات المجتمع المدني. وإذا كان التحالف الدولي لمواجهة الإرهاب قد حدّ من توسع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسورية وحال دون اقترابها من دول الخليج والأردن إلا أن الحلف لا يمكنه استئصال التنظيم بقدر احتوائه، والسيناريو الأكثر رعباً وعلى الغرب كما العرب التحسب له هو تفتيت التنظيم إلى خلايا وتنظيمات شديدة الصغر لكنها أكثر راديكالية وأكثر فاعلية!.
868
| 10 يناير 2015
الملفات الشائكة الكبرى في العالم العربي التي لم تنجز خلال الأعوام المنصرمة فرضت نفسها قسرا على العام الجديد كمحددات أساسية تستوجب حلولا عاجلة. وطبيعة التعاطي مع هذه الملفات المتداخلة محليا وإقليميا ودوليا سيحدد مصير السنة الحالية في أن تكون تكرارا لمشهد الدم والكآبة والإحباط الذي طبع العام الماضي أو شيئا مختلفاً تماما علما أن التفاؤل بالتحول نحو الأحسن يكاد يُعدم لتراجع حظوظ الإبداع السياسي في عالمنا العربي الذي يجعل من السهل واليسر التنبؤ بمآلات الأمور قبل وقوعها لكثرة تكرارها ولفقر وضحالة العقل السياسي العربي في إنتاج رؤى جديدة خلاقة لم تُختبر من قبل. وقبل استشراف المصير السياسي للعام الجديد، نعرج قليلا على بعض الانطباعات التي سجلت على مدار العام الفائت، حيث تمدد المحور الإيراني أفقيا وصولا إلى اليمن متمثلا في سيطرة الحوثيين وإطباقهم على كامل مفاصل الدولة اليمنية، مع تنامي الخبرة القتالية التي اكتسبها هذا المحور وراكمت من أدائه العسكري وأبرزت حضوره كفاعل أساسي في المنطقة دون إغفال أن إيران تعرضت ولا تزال لعلمية استنزاف مالي وعسكري مستمرة في سوريا والعراق.أمّا ما كان يعرف بمحور الاعتدال العربي قبل الثورات، فقد تمكن من ترميم نفسه وإعادة إمساكه بزمام الأمور داخليا وزيادة التنسيق بين أعضائه إقليميا ودوليا، وبترميمه لذاته أوجد كتلة صلبة متحفزة ومتحدية ومستعدة لاستئصال أي تهديد داخلي أو خارجي لمصالحه وأهدافه. وقد برزت الإمارات بقوة داخل هذا المحور، كما تخلت السعودية عن سياساتها الهادئة والحذرة والغامضة المعروفة بها تاريخيا، وانبرت كجهة مصممة على المواجهة، من خلال تصنيف الإخوان جماعة إرهابية، الدعم المطلق لمصر، الانخراط في التحالف الدولي لمواجهة الإرهاب، دخول معركة كسر عظم مع إيران عبر سياسات تخفيض أسعار النفط عالميا. في حين تفكك المحور التركي- الإخواني، وخفت حدة التصريحات التركية تجاه مصر وإن بقت على سياسة إيواء الإخوان، وبدأنا نشهد تقاربا قطريا مصريا خجولا مدعوما خليجيا. انطلاقا مما سبق يخيل لي أن العام الجاري سيتسم بعدد من الأمور: التشدد السلفي الجهادي المتمثل في تنظيم الدولة الإسلامية وفروع القاعدة سيزداد ضراوة، وهو إن اجتمعت على محاربته جميع المحاور إلا أنه لن يزول نهائيا، والأرجح أنه سيتفكك إلى مجموعات أصغر مما هو عليه، وسيصبح أكثر فاعلية قتاليا، الأمر الذي سيفرض توظيفا له من بعيد لصالح هذا المحور أو ذاك، كما سيتطلب تنسيقا غير معلن وغير رسمي من الجميع على مواجهته. الاشتباك على المدى المنظور سيظل قائما بين إيران ودول الخليج، وهذا سيعكس توترا مستمرا في كل مناطق الاشتباك. توسع المحور الإيراني عراقيا ويمنيا سيفرض استحقاقات وتحديات عديدة. ويبقى الوضع في سورية من أكثر العوامل تأثيرا على مستقبل هذا المحور.سيتحول الوضع في اليمن إلى عبء على إيران رغم أنها أصبحت لاعبا قويا فيه. فالأوضاع فيه لن تستقر في المدى المنظور، كما أنه عرضة لتفجر الصراع المذهبي، وتنامي نفوذ تنظيم القاعدة، فضلاً عن شراسة المواجهة عربيا ودوليا القلقة من التمدد في الجزيرة العربية أو السيطرة على المضائق البحرية. أي تفاهم أمريكي إيراني قادم سيكون على الأرجح لصالح محور المقاومة على حساب محور الاعتدال وسيضعف كثيرا جبهة محور الاعتدال الذي يكافح من أجل إجهاض هذا التفاهم. تفكك المحور التركي الإخواني لم يلغ نمو تركيا كلاعب فاعل وأساسي في العراق وسورية وكصاحب دور في مصر وليبيا وتونس، وقد برز الحضور التركي في لعبة المحاور الدولية من خلال التقارب والتعاون الغازي بين تركيا وروسيا في مواجهة العقوبات الغربية على روسيا وهو ما قد يغير من خارطة التحالفات والمحاور القائمة، لاسيَّما أن روسيا عادت بقوة إلى المنطقة عبر البوابة السورية كما أبرزت نفوذها العسكري في أوكرانيا، وتماهت رؤيتها بشكل أكبر مع الرؤية الإيرانية خلال السنوات الثلاث الماضية فيما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط، وقد سعت إيران لتوظيف الوجود الروسي في مواجهة التعاون الغربي العربي ضدها في المنطقة مستعيضة به عن تراجع التنسيق مع تركيا الذي كان على أفضل ما يرام قبل العام 2011.لإيران تطلعاتها ولتركيا تطلعاتها وقد لا يلتقي البلدان في جميع الرؤى تجاه المنطقة، لكنه لن يصل إلى مستوى المواجهة. وسينحصر دوره في المنافسة المحمومة على توسيع النفوذ، وهذا يتطلب من تركيا احتضان الإخوان كأبرز فصيل معارض في العالم العربي، مع إعادة الانفتاح على دول الخليج ومصر في مقابل الحضور الإيراني القوي والفاعل في سورية العراق لبنان اليمن.
759
| 03 يناير 2015
في حوار مع صحيفة الخبر الجزائرية يوم الخميس الفائت، رأى رئيس حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي، أن قارب تونس هو الوحيد الذي وصل إلى برّ الأمان من بين خمسة قوارب أبحرت في محيط الثورات الشعبية في العالم العربي. فالشعب التونسي اختار خط الوسط في الانتخابات البرلمانية والرئاسية، مبتعدا ومُبعداً أحزاب الطرف، سواء كان طرفا ثوريا مثل أحزاب شركاء الترويكا قبل خروج النهضة منه أو طرفاً انقلابيا مثل "التجمعيين" انصار النظام القديم ، فلا هؤلاء ولا أولئك نالوا أهمية تذكر في الانتخابات البرلمانية في حين صوت الشعب لصالح نداء تونس ومن ثم حركة النهضة. كان واجبا على النهضة أن تتخلى عن الخط الثوري لصالح التوافق والإصلاح التوفيقي في زمن لا ثوري، وفي بيئة معادية للثورات. وكانت التجربة المصرية ملهمة للنهضة في تونس كي تتخذ قرارها، كما يقول الغنوشي.طبعا تصورات وأحكام لا يؤيده عليها الإسلاميون ممن تبنوا خط الثورة أو وجدوا في الحياد الذي انتهجته النهضة تجاه المرشحين للرئاسة التونسية تخاذلا وخذلانا، وقد تُرجم بخروج قيادات من الحركة مثل حمادي الجبالي الأمين العام السابق للنهضة. بين الموقفين، تستحق الانتخابات التونسية وقفة متأنية قبل استشراف مستقبل البلاد سياسياً. فالمسار الديمقراطي كان موفقاً، ويعتبر النهج الوحيد الذي نجح من بين جميع الدول التي اجتاحتها الثورات العربية. وقد تقدم تونس نموذجا يحتذى عربيا في كيفية إدارة الأزمات واستيعاب جميع القوى الفاعلة في اطار بناء الدولة، وهو أمر تحتاجه أغلب دول المنطقة، ثم حصول المرزوقي على نسبة تزيد عن 45% من الأصوات يعني أن قوى الثورة ما زالت حية، فاعلة ومؤثرة، وقد تربك مسار الأحداث السياسية مستقبلا حيث بإمكانها تشكيل قوة ضغط هائلة لمراقبة المسار الديمقراطي في البلاد. كما أن الاضطرابات التي شهدتها مدن الجنوب التونسي والتي لا علاقة للإسلاميين بافتعالها مؤشرا حقيقيا على ما نقول، وهي إن كانت تعكس قلقا من عودة النظام القديم أو عودة الجنوب إلى حرمانه التاريخي، فإنها بلا شك رسالة الى الحكام الجدد كي يحددوا خياراتهم بدقة. نداء تونس حاليا لا يمثل الثورة المضادة ولا هو يمثل "التجمعيين"، انما هو حزب هجين يضم عدداً من القوى والشخصيات السياسية التاريخية، ومستقبل الوضع السياسي في البلاد متوقف على طبيعة النهج الذي سيسلكه النداء في ادارة البلاد خلال الفترة القادمة. وان يغلب على ظني أن الاولوية ستكون للوضعين الامني والاقتصادي، وسنشهد انخفاضا ملحوظا لعدد الجهاديين التونسيين في العالم نتيجة القبضة الامنية . كما ان تونس ستنخرط أكثر في التحالف الدولي لمواجهة الارهاب في شمال افريقيا نظرا لأثره الشديد عليها. بخصوص حركة النهضة فهي نجحت برئاسة راشد الغنوشي من الخروج من الحكم بأقل الخسائر الممكنة. بل حولت الخسارة الى ربح حين تراجعت خطوات الى الوراء. فقد اظهرت الحركة مرونة فائقة في التعاطي مع المشهد السياسي، وقد تنازلت عن حقوقها وهي تعلم يقينا ان النظم العربية القائمة لن تسمح لها بالعودة الى الحكم. وجاءت الانتخابات البرلمانية الاخيرة لتدفع باستيعاب النهضة داخل المجتمع التونسي باعتبارها مكون أساسي من مكونات المجتمع، وبالتالي أصبحت جزءاً لا يتجزء من المشهد السياسي وبناء الدولة فيه سواء شاركت في الحكومة المقبلة أو كانت في المعارضة إلا أنها ستبقى رقما صعبا في المشهد السياسي وهي تتعلم بسرعة تعقيدات السياسة وكفية التعاطي معها، وإن كنا نسجل عيبا على الحركة يتركز في تمحورها حول شخص الغنوشي، وبالتالي غيابه عن تصدر الحركة لأي سبب ما سيفتت الحركة تماما وربما تشهد الحركة خلال الايام القادمة انشقاق بعض الشخصيات والافراد منها، حيث تشهد صراعا داخليا بين القوى الثورية وبين القوى العقلانية البرغماتية داخلها. ويبقى السؤال: هل نجحت تونس في تحقيق مطالب الثورة أو في التحول الديمقراطي المطلوب؟ لا شك أن مطالب الثورة لم تتحقق بعد، فالفساد ما زال قائما والبطالة ما زالت على حالها، إلا أن الديمقراطية قد وجدت طريقها الى تونس المجتمع، في حين يتطلب الأمر خطوات اخرى من نداء تونس كونه يدير دفة الحكم الآن في البلاد.
836
| 27 ديسمبر 2014
على ندرة حصوله (فعليا لا إعلاميا) في تاريخ العرب منذ زمن، سجلت القضية الفلسطينية نصرين مستوفيين الشروط خلال الأيام القليلة المنصرمة، تمثل الأول بحركة الاعتراف البرلمانية بالدولة الفلسطينية التي بدأتها السويد في دول الاتحاد الأوروبي وكرت السبحة التي ستطال على الأغلب جميع دول الاتحاد، ويبقى النصر الثاني أوروبيا أيضاً، ويتمثل في رفع المحكمة الأوروبية لحركة حماس من قائمة المنظمات الإرهابية التي أدرجتها عليها عام 2003. معترفاً قرار المحكمة بأن إدراج حماس استند إلى حيثيات خاطئة وغير مدققة، غير منكر على حماس "حقها في الدفاع"، مشدداً على أنه "ليس لأوروبا أن تتدخل في الشؤون الداخلية للدول".والفعلان الأوروبيان آنفا الذكر لا يعدوان أن يكونا بداية حركة تصحيحية واحبة أخلاقيا وقانونيا تأخرت طويلا من جانب "أوروبا – المستعمرة" التي أعطت ما لا تملك لمن لا يستحق، وشردت الملايين من الفلسطينيين في بقاع الأرض يكابدون مرارة الذل والتهجير.يؤسفنا القول إنه في الوقت الذي تعترف فيه الدول الأوروبية بحق حماس في المقاومة تعمل دول عربية جاهدة على محاصرة الحركة لأسباب لم تكن يوما مرتبطة بالقضية الفلسطينية أو بالأمن القومي العربي. وإنما لأن حماس ولدت من رحم الإخوان المسلمين، ودعمت الربيع العربي، ورفضت كل الإملاءات العربية والدولية لمساومتها على مشروعها المقاوم بتحرير الأرض واللحاق بركاب المفاوضات التي لم تثمر إلا حصرما للشعب الفلسطيني بعد عشرين سنة من ري شجرتها وتعهد تربتها. ولو أن أسلوب المفاوضات الذي دشنه المرحوم ياسر عرفات وراح ضحيته لاحقاً ضريبة إصراره في الحصول على دولة حقيقية على وهمية، قد أوصل إلى نتيجة بعد عقدين من المفاوضات المذلة والتي تخللتها عدة حروب مدمرة شنتها إسرائيل على الشعب الفلسطيني لقلنا إن حماس تحمل أجندات غير وطنية وتريد تجيير القضية الفلسطينية لصالح مشروعات غير عربية، لكن أيا من ذلك لم يحدث. بل خرج نتنياهو ممتدحا الحالة العربية العدائية لحماس حين قال إن إسرائيل ودولا عربية راضية على حرب غزة.. وما كنا لنستفيق من الصدمة لهول ثقلها حتى أتحفنا وزير الخارجية الأمريكية جون كيري بلاحقة لها، مؤكداً علنا ودون مواربة أن دولا عربية مستعدة للوقوف إلى جانب إسرائيل في مواجهة الإرهاب في المنطقة، والتي تمثل حركة حماس جزءا منه، واضعاً أمامنا كما كبيرا من الأسئلة ثقيلة الحمل على الجميع.. هل أصبحت ممارسات إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني عملا أخلاقيا ونبيلا، ويتفق مع صحيح القانون الدولي ومعايير الضمير العربي حتى تستحق أن تكون جزءا من مشروع دولي لمواجهة من؟ حركة فلسطينية تعلن أنها تريد استعادة الأرض العربية والإسلامية بما فيها القدس الشريف قبلة المسلمين الأولى؟المدهش أنه في الوقت الذي تضيق دول عربية الخناق حول حركة حماس يقوم الاتحاد الأوروبي بفتح قنوات الاتصال ومد الجسور معها، متحديا اللوبيات اليهودية والولايات المتحدة التي لم تستح يوما أمام العرب في دعمها الصلف لإسرائيل في قبل اعتداءاتها ضد الشعوب العربية في لبنان وفلسطين والأردن وسوريا والعراق وتونس.أليس من حقنا أن نسأل لصالح من تتم محاربة حركة حماس وتشويه صورتها وشيطنتها، وهي ما تبقى من نخوة العرب وكرامته في تحصيل الحقوق المشروعة؟!مشكلة العرب أنهم مقتنعون أو يوهمون أنفسهم بذلك طلبا للراحة والسلامة ورفعا للعتب من الشعوب المغيبة أصلا، أنهم فقط بالدبلوماسية الناعمة والمفاوضات المستمرة لعقود وعقود طويلة دون التلويح بخيار المقاومة المسلحة والانتفاضات الشعبية المكلوفة بالقوانين الدولية، قادرون على استجداء بعض حقوقهم من إسرائيل ومستعدون للتسامح معها إلى أبعد الحدود، أما من يرفض هذا الخيار من أبناء الشعب الفلسطيني فمصيره العزل والتشويه والقضاء ونعته بأحط المصطلحات المنحوتة في زمن موضة الإرهاب العابر للحدود والجحور.ما سبق لا يعني التخلي عن خيار التفاوض أو رفض تدويله الذي باشرته السلطة الفلسطينية في مجلس الأمن الدولي، لكن ألا يكون خيارا يتيما يقوم على الاستجداء، طالما أن السلطة الفلسطينية نفسها تعترف بأن المشروع المقدم إلى مجلس الأمن، والذي سيصطدم حتما بالفيتو الأمريكي الذي يرفض أي إزعاج لإسرائيل دوليا مهما بدا ظلمها مكشوفا ومجحفا، هدفه وضع دول مجلس الأمن في صورة المفاوضات وإلى أين وصلت!. يعني من نهاية السطر، محاولة تدويل القضية والسلطة تعلم يقينا أن الأمر لن يثمن شيئا على الإطلاق وأن الفيتو الأمريكي سيجعل هذا الحراك من محاربة إلى بابه أثرا بعد عين، كما كل الفيتوات التي قدمت من قبل إلى مجلس الأمن والتي كان آخرها حول التدخل الدولي في سوريا. وكان واضحا وصريحا (كعادته) الوزير الإسرائيلي المتطرف أفيجدور ليبرمان معلقا على الحراك العربي في مجلس الأمن في بيان، "المؤكد أن ذلك لن يعجل بالتوصل لاتفاق، لأنه لا شيء سيتغير دون موافقة إسرائيل".
486
| 20 ديسمبر 2014
اتهامات كثيرة تلاحق زعيم حزب الأمة السوداني الصادق المهدي من التعاون مع إسرائيل لتفتيت السودان وفقا لتصريحات الرئيس عمر البشير، إلى اتهام منظمة العدل والتنمية، إحدى المنظمات المراقبة للأوضاع بالشرق الأوسط، له بالتخطيط للإطاحة بالنظام بدعم وتنسيق مع دول عربية. لا يكترث المهدي كثيرا بقدر ما يكترث للحال الذي وصل إليه السودان والعالم العربي الذي تموج به رياح التطرف، ففي لقاء جمعنا به في مصر، يرى المهدي أن سبعة تقاطعات تنخر حاليا جسد الأمة العربية والإسلامية، أبرزها، الإسلامي - العلماني، والسني- الشيعي، والإخواني- السلفي، والصوفي- الحركي، داعيا إلى الوعي والحكمة في معالجة هذه التقاطعات، لأن بقاءها سيمزق الأمة.لا يكتفي بتشخيص الداء الذي يغزو الأمة، بل يسعى لإيجاد حلول، على ما يقول، عبر منتدى الوسطية الذي يرأسه، حيث يجهز الأخير لمؤتمر عالمي لمناقشة التقاطعات التي ظهرت بين المسلمين.معني هو بواقع الإسلام السياسي ومستقبله في العالم العربي، ويرى أن الإخوان فشلوا في إدارة البلدان بعد الربيع العربي، لكن عملية القضاء عليهم، فضلا عن أنها خاطئة، سيكون مصيرها الفشل تماما. فالحركة التي أسسها حسن البنا في عشرينيات القرن الميلادي الماضي كانت أكثر الحركات التي دعت إلى الالتزام بالمرجعية الإسلامية واستصحاب التحديث فاعلية من حيث المد الحركي والتنظيم وخوض غمار العمل السياسي. وبتأثير من مقولات مرشدها الثاني الهضيبي صاحب كتاب (دعاة لا قضاة) التزمت الحركة الاعتدال، ولكن اجتهادات الإسلاميين في بيئة التطرف الهندوسي أدت إلى اجتهاد أبو الأعلى المودودي، وبيئة القمع الناصري أدت إلى اجتهادات سيد قطب وكتابه الأشهر (معالم في الطريق).والحركات الإسلامية تحتاج بإلحاح لتقييم التجارب وإجراء المراجعات بعد التجارب الكثيرة التي خاضتها، على أن تنطلق المراجعات من تجاربها، لاسيَّما ذات المرجعية الإخوانية في مصر، والسودان، والجزائر، وتركيا، وتونس، وغيرها، على قاعدة: 1. التمييز الوظيفي بين جماعة الدعوة وجماعة السياسة، فجماعة الدعوة تخاطب المسلمين وجماعة السياسة تخاطب المواطنين.2. تجنب الأحادية والتمكين اللذين أفشلا التجربة السودانية، وخوفا من تكرارها فشلت التجربة في مصر. 3. الاهتمام بدروس التجربة التركية والتجربة التونسية، إن الأحادية والتمكين يؤديان للفساد والاستبداد الذي يجسد التطرف ويؤدي حتماً لتطرف مضاد، فالاستبداد هو التفرد بالشيء وعدم السماح للآخرين بالمشاركة فيما لهم من حقوق شرعية أو إنسانية أو أخلاقية. 4. من أهم الدروس المستفادة الحرص التام على تجنب العنف بالحجة الميكافلية.وإذا كانت جماعة الإخوان بفروعها عقدت مؤتمرا نقديا عام 1989م لتقييم تجاربها السياسية، فالأجدر بها أن تكرر هذا الفعل مرة أخرى، وأن تصل المراجعات إلى القناعات التالية: 1. الاعتراف بارتكاب أخطاء محددة. 2. ضرورة الفصل بين جسم دعوي لا يعمل بالسياسة وجسم سياسي مفتوح لكل من يؤيد برنامجه. 3. الاعتراف بالواقع الراهن واكتساب شرعية للعمل السياسي تحت مظلته التعددية.ما لم يجر هذا التراضي الوطني في مصر، فإن الاستقطاب الحاد سوف يفرز تطرفاً يفتح أوسع الأبواب للغلو. يرى المهدي أن مسرح المواجهة الرئيسي في مصر اليوم فحواه صدام علماني إخواني. هذا الصدام لا يمكن حسمه عسكريا، فإذا اتجه الحكم في مصر إلى اجتثاث الإخوان كجماعة إرهابية وتحالف الإخوان مع فصائل من شباب الثورة سوف تشهد مصر مفاصلات نتائجها التضحية بالديمقراطية، وبالوحدة الوطنية وبالتنمية. هذا الموقف سوف يغذي التطرف في الجانبين، وما لم يحدث توافق بين القوى الإسلامية المعتدلة والنظم العربية القائمة فإن داعش ستجتاح الجميع، ولن يكون هناك مكان لأي نوع من الاعتدال، والمصير سيكون مجهولاً للجميع. بهذا يختم الصادق المهدي وصفته الطبية لإصلاح الوضع السياسي بين الحركات الإسلامية ومجتمعاتها والنظم التي تعمل داخلها. فهل سينجح الصادق المهدي في تحقيق مشروعه عبر منتدى الوسطية بتجنيب العالم العربي المزيد من الحرائق، والسؤال الأبرز هل حركات الإسلام السياسي تجد أنها قد أخطأت في الحكم حتى تجري مراجعات عميقة لأدبياتها وأدائها السياسي؟ وهل الأمر يقتصر على الحركات الإسلامية أم يحتاج إلى وجود أنظمة لديها استعداد لتقبل الديمقراطية والتعددية السياسية؟!.
1042
| 13 ديسمبر 2014
بعض النظم في الشرق الأوسط تبدي صراحة كرهها للرئيس التركي رجب طيب أردوغان وتحرض وسائل الإعلام المملوكة أو الخاضعة لها ضده وضد تركيا كلها أحيانا، وتصور عودة تركيا للاهتمام في المنطقة أنها عودة عثمانية لاستعمار العرب من جديد، وباسم الدين مرة أخرى، لكن عبر قوى الظلام والإرهاب المتمثلة بالجماعات الإسلامية التي تمثل حصان طروادة للمستعمرين الجدد! ولا يخفى على عاقل الخلفيات الحقيقية لهذا التسويق، كما يُفهم تماما المبررات التي تدفع لممارسة هذه اللعبة. فكل له مصالح وامتيازات يريد حمايتها كيفما اتفق. لكن لا أحد من هؤلاء فكر كيف يستفيد من خصمه المحتمل (تركيا- أردوغان) في صنع الاستقلالية الحقيقية لا المزيفة عن قوى الاستعمار، ولا كيف يحفظ مصالحه وامتيازاته ويحصنها بطريقة أكثر ديمومة! باستثناء الطبع الحاد جدا للرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي لا يتفق أحيانا مع ما هو مطلوب من رئيس دولة، فإنه يعتبر صانع نهضة تركيا الحديثة، وهو لا يقل أهمية عن مهاتير محمد في ماليزيا الذي وضع بلاده في مصاف الدول الأكثر نموا وتقدما خلال سنوات قليلة. وبلادنا العربية تشبه في حد كبير ما كانت عليه تركيا قبل وصول أردوغان إلى رئاسة الحكومة، وبالتالي تزداد عملية محاكاة التجربة التركية أهمية في بلادنا لمن يريد بحق أن ينهض ببلاده! تركيا الحديثة منذ نشأتها لم تكن يوماً خارج الحلف الغربي، كانت جزءاً لا يتجزأ من السلاح الغربي في مواجهة المعسكر الشرقي، ولا تزال إلى اليوم عضوا أساسيا في حلف شمال الأطلسي إلا أنها عرفت في عهد أردوغان كيف تقول لا لهذا "المعسكر الغربي" إذا تعارضت مصالحها مع توجهاته! أحدث تصريحات أردوغان الصادمة هو قوله: "أود أن تعلموا أننا ضد الوقاحة والمطالب التي لا حد لها".مضيفاً "لماذا يقطع شخص ما مسافة 12 ألف كلم ليأتي ويبدي اهتمامه بهذه المنطقة؟" في إشارة إلى زيارة جوزيف بايدن -نائب الرئيس الأمريكي- إلى إسطنبول قبل أيام، ثم يوضح أن النفط هو الأساس الذي تسعى إليه الولايات المتحدة في المنطقة!ما يحزن حقا أن ما تجرأ أردوغان على قوله رغم الحظوة التي تنالها تركيا ضمن الحلف الغربي قياسا على حالنا نحن العرب، لم يجرؤ زعيم عربي على فعله. بل ذهبت قيادات عربية مذعنة وبعضها مفتخرة أنها تشارك الولايات المتحدة حربها ضمن ما يعرف بالتحالف الدولي. والجميع يعلم أن العرب لا ناقة لهم ولا جمل في هذا الصراع الذي صنعته الولايات المتحدة بتقديراتها السيئة وسياساتها الرعناء، وأن الارتدادات ستكون كارثية على المجتمعات العربية جميعها وليس على بعضها لأن مسايرة القطار الأمريكي دون التجرؤ على كلمة لا أو إظهار امتعاض يؤكد على سلبية ما نحن بصدده في هذه البلدان. حتى أن بعضنا لا يجرؤ أن يكون مثل تشاك هيجل وزير الدفاع الأمريكي الذي استقال أو أقيل لأنه تجرأ على قول لا وأظهر اعتراضه على سياسة رئيسه وولي نعمته! الدول العربية تدرك أن الولايات المتحدة تتلاعب بهم لمصالحها وأنه في حال وقعت نزاعات إقليمية ضخمة أو وقعت ثورات جديدة فإنها لن تكترث لهم بتاتا بل ستكون سياطا ضاربة لهم مادحة بقوى الثورة الجديدة كما حصل في مصر، هل اختلف حسني مبارك يوما مع الولايات المتحدة طيلة ثلاثين سنة من حكمه؟ لما سقط مبارك.. ألم تبارك واشنطن سقوطه، وأثنت على الثورة وصانيعها؟ دأبت الولايات المتحدة على تكرار سياساتها التي تقول إنها لا تكترث لحلفائها - باستثناء إسرائيل طبعا - متى ما تعرضوا لمهددات حقيقة، وليست وهمية كتلك التي تصنعها واشنطن بين الفينة والأخرى لبيعنا المزيد من السلاح وإثارة بعضنا على بعض! ما تفعله هذه المرة في العراق وسوريا يعيد نفس السيناريو الذي بدأه الرئيس السابق جورج دبليو بوش في العراق وأفغانستان.. مسار كارثي لم تكترث فيه لأحد. ولما أوشكت مصالحها على التهديد في العراق بدأت بحشد سنة العراق من جديد، وتشكيل صحوات جديدة لن تؤدي في نهاية المطاف إلى تصحيح الوضع الشاذ في هذا البلد.
836
| 29 نوفمبر 2014
على نهج الولايات المتحدة الأمريكية سارت قبل أيام دولة الإمارات العربية بوضع قائمة سوداء بالمنظمات التي وصفتها بالإرهابية بلغت 83 منظمة عربية ودولية.. وكانت السعودية سبقتها قبل عدة شهور بوضع قائمة سوداء كان أبرزها وضع جماعة الإخوان المسلمين على رأسها في حادثة تعتبر الأولى في تاريخ المملكة التي عرفت بأنها الحضن الدافئ للإخوان المسلمين خلال حكمي ناصر والسادات. حتى اللحظة لا يُعرف الكثير عن المعايير التي اعتمدتها الإمارات العربية في اختيار هذا العدد الكبير من المنظمات والجمعيات والأحزاب ضمن قائمتها.. وإذا كانت الإمارات تسعى بكل قوة وجهد لمكافحة الإرهاب، فلا أظن أن القائمة الموضوعة إياها من شأنها أن تحقق الهدف المنشود بل الخشية أن تؤدي إلى نتيجة معاكسة تماما.ومفهوم أن الإمارات تهدف بسياساتها الأخيرة لتجفيف منابع جماعة الإخوان المسلمين في كل العالم ما أمكن.. وهي لم تعد تخفي عداءها لها وإصرارها على استئصالها وملاحقتها في أي بقعة على الأرض إلا أن الخشية من أن تعزز خطوة الإمارات، وبطريقة غير مقصودة طبعا، نظرية الإسلاموفوبيا في العالم نظرا للعدد الكبير من الجمعيات المدرجة على قائمتها والتي هي مرخص لها في الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي.ويزداد القلق من أن يؤدي هذا التوجه إلى تنامي ظاهرة الإرهاب وإعطاء مبرر كاف للأحزاب والجمعيات القومية واليمينية في أوروبا والولايات المتحدة للضغط على الحكومات لديها للتضييق على الجمعيات الإسلامية.فقد أُدرجت منظمات وجمعيات لا تعمل أساسا في الشرق الأوسط، ولم يتم توجيه أي اتهام لها في دولها مثل منظمة كير في الولايات المتحدة وهي منظمة تعنى بإقامة جسور تواصل بين مسلمي الولايات المتحدة والحكومات الأمريكية كما تعنى بتوضيح مفاهيم الإسلام في الإعلام الأمريكي. ولا يربطها رابط فيما هو ظاهر مع منظمات خارج الولايات المتحدة.. بل إن بعض المدرجين على القائمة جمعيات إغاثية معنية بالكوارث الطبيعية في العالم.. وبعضها نشأ منذ خمسين سنة في أوروبا تزامنا مع المهاجرين الأوائل من العرب والمسلمين إلى أوروبا ولم يوجه لها أي تهمة بممارسة الإرهاب ودعمه يوما.ثم إن إدراج جمعية الإصلاح في الكويت ضمن القائمة أمر يثير للتساؤل خاصة أن الجمعية تتمتع بعلاقة ممتازة مع الحكومة الكويتية، ولا تمارس السياسة أساسا خلافا للحزب الدستوري المنبثق عنها. وهو ما قد يدفع لتوتر خليجي- خليجي، دول الخليج بمنآى عنه في ظل التحديات الخارجية التي تواجه الخليج.. الأمر نفسه ينسحب على إدراج الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين على القائمة، فمن بين أعضائه مفتي عمان وشخصيات علمائية مرموقة في عدد من الدول الإسلامية ممن لا ينتمون أساسا إلى أيّ تيار إسلامي.ولا يُعرف على أي أسس تم إدراج منظمة الكرامة في سويسرا ضمن القائمة.. وهي منظمة لا ترتبط بالإخوان المسلمين ولا علاقة لهم بها.. وهي منظمة مرخص لها في سويسرا ضمن منظمات حقوق الإنسان.. وتقوم برفع تقارير دورية لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة حول حقوق الإنسان في العالم العربي، وتشارك في مداولات المجلس.ومن الغرابة أن تستغل إسرائيل حالة العداء والخلاف بين مصر ودول الخليج مع الإخوان المسلمين للنيل من المقاومة في فلسطين المحتلة وللقيام بعمليات تهويد جديدة داخل مدينة القدس.. بل إن العداء الخليجي المصري للإخوان أغرى رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بالقول إن من يقوم بعمليات تخريب في القدس هم الإخوان المسلمون لتدمير العلاقة المستجدة بين إسرائيل والدول العربية، وأن إسرائيل تواجه نفس التطرف الذي يواجهه العالم العربي، وبالتالي لابدّ للدول العربية أن تتفهم إجراءات إسرائيل في مواجهة هذا التطرف، بل طالب العرب بدعم إجراءاته ما أمكن!!لا أحد يُفترض به أن يدعم الإرهاب، ولا يستحق أي أرهابي أن يُدعم ولو بالتعاطف.. فالمشاكل والتحديات التي تواجه العرب كبيرة ومتعددة ولا مصلحة لعربي مخلص أن يزيد في صبّ الزيت على النار المتقدة في المنطقة.. ما تحتاجه أزمات المنطقة وتحدياتها مقاربة شاملة تراعي هواجس الأمن والاستقرار دون أن يتخذ مكافحة الإرهاب مطية لإسرائيل وغيرها ممن يتربص بالأمة العربية لحرفها عن التحديات والمشاكل الحقيقية التي تواجهها.
1076
| 22 نوفمبر 2014
قبل أيام كان هناك حديث عن إمكانية أن يكون زعيم تنظيم الدولة الإسلامية أبو بكر البغدادي قد قضى في غارة جوية نفذتها قوات التحالف في الأراضي العراقية.. خرج من تحمس لرواية مقتل البغدادي أن تنظيم داعش انتهى إلى غير رجعة.. خرج البغدادي يوم الأربعاء بحديث صوتي جديد بعنوان "ولو كره الكافرون" يؤكد أن التحالف مصيره إلى الفشل، وأن دولته تتمدد نحو السعودية واليمن بعد العراق وسوريا.. المثير للغرابة أن التنظيم وبعد أزيد من شهر على ضربات قوات التحالف يسير بخطوات ثابتة وإن كانت بطيئة أحيانا نحو تثبيت دولته عبر توفير كل ما يستلزم قيام الدولة من موارد وطاقات غير آبه بكل هذا الغضب الدولي الذي يثيره!لم يكن تنظيم القاعدة الذي واجهته الولايات المتحدة وتحالفها بعد العام 2001 بهذا الازدراء الذي يمارسه تنظيم داعش اليوم.. حاولت القاعدة أن تتنصل من هجمات 11 سبتمبر وتنكرت لها إلى أن تم ضربها في أفغانستان، حينها خرج أسامة بن لادن يبارك تلك العمليات ويتحدث عن رجالها.. بعد سنوات على تلك الحادثة حاولت القاعدة أن تحييد الدول الأوروبية في صراعها مع الولايات المتحدة، ودعتها إلى هدنة وكانت القاعدة مستعدة لذلك لو أن الأوروبيين رغبوا بذلك.. على العكس تماما يقوم تنظيم الدولة الإسلامية اليوم، ففي كل خطاب جديد يقدمه أميره، وفي كل ممارسة تنسب له في العراق أو سوريا، لا يلوي التنظيم على شيء، يسير نحو هدفه حتى لو كان فيه نهاية وجوده، ما يزيد الأمور غرابة أن الذكاء العسكري الذي يظهره في المعارك لا ينعكس على خطابه السياسي بتاتا، فهو كالفيل الذي دخل حقل ذرة، يكسر عيدانه كيفما تحرك، وهو ما يزيد في غيظ صاحب البستان.. هل تثير سلوكيات التنظيم غير ذلك عند الغرب والشرق؟داعش أشبه بالنار المتقدة، كلما حاولت إطفاءها كلما اتقدت ألسنتها.. والسبب في ذلك قد يكون الحل المتبع في مواجهتها، إذ يقتصر على الخيار الأمني فقط.ويبدو أن هؤلاء لن تردعهم كل أساليب الملاحقة من تحقيق مرادهم في إقامة دول يرون أنها إسلامية.فقد اكتسب هؤلاء خبرة واسعة بعد طول المعركة التي خاضتها تيارات الجهاد العالمي ضد أعدائها، وهي تأثرت كغيرها من التيارات والأحزاب بالأحداث التي هزت المنطقة والعالم، فتوالدت من جديد وخلقت طروحات جديدة. وقد تحول مركز الثقل الجهادي من خارج العالم العربي إلى قلبه، وبات تنظيم الدولة الإسلامية يرث تاريخ وثقل تنظيم القاعدة. التيار الجهادي العالمي هو اليوم في قلب العالم العربي وفي أوسطه العراق وسوريا وهو يسعى لربط فروعه ببعضها والتمدد وسط هذا الاضطراب والتغييرات الحادة. وهي لحظة تاريخية مثلى قد لا تتكرر في المستقبل القريب. وقد استثمر التيار الجهادي هذه التحولات ووظّفها لصالحه تماما، وهو يخطو خطوات واسعة نحو تحقيق مشروعه دون تردد وبمقومات لم تتوفر له من قبل.والمشهد العام في الشرق الأوسط يمر بتحولات عميقة لم تألفها المنطقة منذ تشكيلها الحديث، وهذه التحولات لابد من أخذها بالاعتبار حين مقاربة مستقبل الإسلاميين والجهاديين والتنبؤ بمسار الأحداث في عموم المنطقة.من هذه التحولات أن نفوذ الولايات المتحدة الذي ورث كل التركة الاستعمارية الأوروبية في دول المنطقة ودام لعقود هو إلى انكماش بنفس الطريقة التي انكمش فيها النفوذ الأوروبي، كما تتراجع سيطرة الدولة المركزية العربية تزامنا مع صعود القوى القبلية والمذهبية داخل بنية المجتمع الواحد.وما يزيد الطين بلة أن ظاهرة التشدد والانطواء القومي والديني لم تعد حكرا على المجتمعات الإسلامية ولا العربية، هي موضة العصر اليوم، فالانتخابات البرلمانية التي أجريت في الدول الأوروبية بدءا من العام 2010 إلى اليوم، أغلبها أتت بأصحاب التوجهات القومية ممن يؤثرون ثقافاتهم الخاصة على الانفتاح على غيرهم من الشعوب.
1029
| 15 نوفمبر 2014
محمد مصطفى علوشبحجة تردي الوضع الأمني وعدم قدرة الأجهزة الأمنية على تأمين الانتخابات البرلمانية مدّد مجلس النواب اللبناني لنفسه للمرة الثانية بعد أن أصبح شغور كرسي رئاسة الجمهورية أمرا مألوفا للشعب اللبناني وساساته على السواء. ولعل المؤشر الوحيد الملحوظ في هذا الأمر أن المواطن اللبناني لم يعد يكترث بأكثر من لقمة العيش ووضع أمني مستقر بعد أن يئس من توزيع الأدوار وتبادلها بين القوى السياسية المتناحرة إلى ما شاء الله والمتصالحة متى ما دعت الظروف الإقليمية لذلك. فمنذ الخامس والعشرين من مايو الماضي وكرسي رئاسة الجهورية اللبنانية شاغراً، حيث انتهت ولاية الرئيس ميشال سليمان دون وجود بديل منتخب ضمن المهل الدستورية.. والحال أن أيّا من الأطراف السياسية لا يملك تأمين النصاب القانوني لانتخاب رئيس، والانقسام السياسي الحاد بين قوى 8 و14 آذار منذ العام 2005 وتزايد حدته بعد الأزمة السورية العام 2011 على أثر التدخل اللبناني في الوضع السوري حال دون قدرة اللبنانيين داخلياً على إنتاج تفاهمات بالحد الأدنى لانتخاب رئيس أو تسمية مرشح.وخيار التمديد للبرلمان يعكس قلقا من أزمة مستجدة قد تزلزل الواقع السياسي الذي ارتضته القوى السياسية برعاية دولية، وأن تبقى الساحة اللبنانية في حالة من الانتظار السياسي والترقب الأمني، واقتصار عمل الحكومة على الملف الأمني كأولوية تامة مدعومة من جميع القوى في الداخل وبغطاء خارجي لمنع انزلاق البلاد إلى اضطرابات أمنية على شاكلة تلك التي مر بها لبنان خلال السنتين الماضيتين يعتبر أمراً محببا للجميع. يضاف له من أهداف أن التمديد وقع لأنه لا تفاهم على قانون للانتخابات، وأي نقاش حول قانون الانتخاب قد يسقط الحكومة نفسها، وبالتالي يصبح لبنان خاليا تماما من أي مؤسسة دستورية باستثناء مؤسسة القضاء وهو عمليا أخطر بكثير لأنه سقوط للبنان كدولة بشكل تام، ثم إن إطالة أمد الفراغ في مؤسسة الرئاسة يشكل قلقا للمسيحيين الذين يرون في غياب الرئيس قضاء تاماً على حقوقهم، وأن إنتاج رئيس، وإن بسلطات محدودة، أمر مطلوب كونه قادراً على أن يكون رمزا للاعتدال والتعايش يحمي لبنان من الحروب الطائفية المستعرة بين السنّة والشيعة في المنطقة.ويخطئ من يظن أن المعضلة اللبنانية الأساسية تكمن اليوم في ملء شغور منصب الرئاسة أو إجراء انتخابات برلمانية سريعاً، هذه الأمور على أهميتها الدستورية إلا أنها عوارض لمشكلات متجذرة وأزمات مزمنة، وغالباً ما اعتادت المؤسسات الدستورية على العمل في ظروف مشابهة لما نحن فيه اليوم. والشواغر الدستورية مؤشرات على واقع سياسي متردي ومترهل أنتجته طبقة سياسية هي في مجملها عاجزة عن اتخاذ أي قرار دون توجيه خارجي. وهامش حرية التحرك بين الطبقة السياسية المنقسمة في قالب تكتل هنا وتيار هناك ضيق لدرجة يمكن القول إن الطبقة السياسية بجميع تلاوينها مسلوبة الإرادة تماما. كما أن العمل وفق مقتضيات الوحدة الوطنية البحتة أمر شبه غائب من قاموس السياسيين الذين دائما ما يبررون سياساتهم بذريعة حماية لبنان وهويته ومقدراته من الاستلاب لمشاريع دولية وإقليمية مشبوهة.التدخلات الخارجية لم تسمح بوجود مؤسسات دولة قوية، ومستقلة. وحساباتها تتعدى الملف اللبناني إلى ملفات عديدة، نستطيع القول إن لبنان مختطف من يد شعبه منذ زمن، وكل المساعي المخلصة والجادة التي قامت بها قيادات سياسية وطنية في حقبات تاريخية مختلفة لخلق ديمقراطية حقيقية وحماية لبنان من لعبة المحاور باءت جميعها بالفشل مع رحيل هذه الزعامات التاريخية والتي قضى أغلبها باغتيال جسدي أو معنوي. والحلول المقدمة لتفكيك الأزمات كانت تكرس عن عمد في غالب الأحيان النمط الطائفي، وتعزز الفرز بين الشعب اللبناني على أسس دينية ومذهبية ومناطقية.وهناك قناعة بدأت تتشكل عند أطياف سياسية أن أزمات لبنان المتكررة والمستمرة، واستقراره الهش الذي ينهار عند كل هزة داخلية وإقليمية يعكس خللا في بنية النظام السياسي وعقده الاجتماعي، وأن الأمر يتطلب إحداث تغيرات جوهرية في بنية النظام السياسي نفسه.
872
| 08 نوفمبر 2014
أدى الشعب التونسي واجبه الوطني في الإقبال على صناديق الاقتراع لاختيار برلمان جديد لخمس سنوات قادمة في جولة من جولتين متتاليتين حيث ستكون الثانية في الثالث والعشرين من الشهر الجاري لاختيار رئيس للبلاد. الإقبال كان جيدا نسبيا بعد أن تعدى عتبة الستين بالمائة من المسجلين على قوائم المقترعين.. لم تكن النتائج مفاجئة لأغلب المراقبين وحتى الساسة نفسها، وكانت حركة النهضة تقول صراحة إنها ستحقق ما نسبته ثلاثين بالمائة من الأصوات على الأقل، وتقديراتها كانت واقعية حيث نالت ما يقرب من32 بالمائة في حين كانت حظوظ حركة نداء تونس متقدمة أكثر مما كان متوقعاً حتى بالنسبة للحزب.هلل الكثيرون لتراجع حركة النهضة ولتقدم نداء تونس، ولم يكن يعنيهم أبداً التداول السلمي للسلطة بقدر رغبتهم بسحق جميع تيارات الإسلام السياسي أيا كانت طروحاتها، ويغيب عن هؤلاء عن قصد أو غير قصد أن حركة النهضة هي الوحيدة من بين أعضاء المجلس التأسيسي التي وقفت ضد التصويت على قانون العزل السياسي ورفضت إقصاء أي طرف سياسي أو نزع عنه حقه الوطني في الترشح لأي منصب سياسي، وبفعل هذا عاد كوادر عديدة من المنظومة القديمة إلى المشهد السياسي عبر حزب نداء تونس، ولم تظهر حركة النهضة الندم بتاتا، بل ترى أن تونس تحتاج إلى جميع أبنائها، وتصريحات مؤسس الحركة الشيخ راشد الغنوشي خلال الحملة الانتخابية للبرلمان كانت جميعها تؤكد على هذا المنحى.ما يمكن قوله إن تونس اليوم قدمت نموذجا مختلفا عما جرى ويجري في عدد من الدول العربية الأخرى التي تعيش ولادات قيسرية متتالية، والفائز في الانتخابات التونسية، هي تونس المستقبل، تونس الديمقراطية، تونس التعددية السياسية.. ومن خلال متابعتي الحثيثة للمشهد التونسي بحكم وجودي منذ أكثر من شهر في تونس ولقائي بعدد من قادة الأحزاب والمراقبين خلصت إلى أن نداء تونس الفائز في الانتخابات لا يمثل المنظومة القديمة وإن ضم بين جناحيه بعض أقطابها، وأن أغلب من صوت له كان بدافع الغضب من النهضة أو القلق على الأمن والاقتصاد.وخلافا للانطباع العام بأن حركة النهضة خسرت الانتخابات، فإني أرى أن النهضة فازت حين أثبتت بالأرقام التي حصلتها أن الإسلام الحركي حاضر بقوة مهما كان التآمر والتشويه. والفوز ليس بالضرورة أرقاما حسابيا كما يحاول بعض السطحيين في قراءة النتائج.. الأرقام ليست إلا مؤشرات علمية لحقيقة أبعد وأعمق.. وبهذا تكون النهضة أكدت حقيقة أنها قطب سياسي واجتماعي ثابت في الحياة السياسية التونسية.وإذا كان الشعب عاقب طرفي الترويكا بقسوة إلا أنه كان رحيما مع النهضة التي حلت بالمرتبة الثانية، وهذا يعكس ما أظنه رغبة قطاعات كبيرة من الشعب التونسي بمساعدة النهضة على القيام على رجليها بعد التجربة المريرة في الحكم ومنحها فرصة أخرى.وعلى الأرجح أن الإرهاب في تونس تلقى الضربة القاضية بعد خيار الشعب بالاحتكام للخيار الديمقراطي القائم على تداول السلطة والصبر على البرامج المطروحة حتى تحقق أهدافها. إلا أن المقلق في المشهد التونسي ما بعد الانتخابات هو الثنائية القطبية الجديدة، وهذا قد يكون مقلقا في الحالات العربية خلافا لبريطانيا أو الولايات المتحدة وغيرها من الدول الراسخة في الديمقراطية، ومكمن الخوف هنا من أن تبقى المحاصصة السياسية قائمة أو تعود بشكل آخر، البعض يستبعد أي تحالف بين النهضة ونداء تونس مستشهداً بقول الباجي قائد السبسي: "حزب نداء تونس وحركة النهضة خطان متوازيان لا يلتقيان أبداً إلا ما شاء الله.. وإذا التقيا يوما فلا حول ولا قوة إلا بالله".. العبارة تعكس حنكة سياسية لقائلها فهو رجل عرقته التجارب السياسية، ولا غرابة على شخص مثل السبسي إلا أن الرجل أجاب وكأنه لم يجب على السؤال الأكثر إلحاحا اليوم.. هل بالإمكان أن يتحالف نداء تونس مع النهضة؟بعد إعلان النتائج وفوز نداء تونس بفارق مريح على النهضة.. خرج الشيخ راشد الغنوشي وبعد تهنئته للسبسي بفوز حزبه يقول: "لا عودة للحزب الواحد الذي يتحكم في كل شيء ولن نسمح في عودته" فهل النهضة قلقة من ينفرد نداء تونس بالحياة السياسية؟ التكهنات كثيرة والرهانات عديدة إلا أن الثابت في المشهد هي رغبة الجميع بالنهوض بالبلاد وفتح صفحة جديدة مشرقة لصالح جميع التونسيين.
910
| 01 نوفمبر 2014
حوادث الانشقاق داخل الجيش تثير حساسية شديدة لدى اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم السياسية والدينية. فالمؤسسة العسكرية هي الوحيدة من بين مؤسسات الدولة التي مازالت متماسكة، ويقع على عاتقها عبء حماية البلاد وتوفير الأمن لأبنائه وسط محيط يضربه تسونامي من الاضطرابات والحرائق المذهبية والسياسية وهي تتسع دائرتها وتتعمق يوما بعد يوم. وهناك بعد تاريخي مازالت مفاعليه قائمة، فالجيش اللبناني وخلال الحرب الأهلية التي استمرت لعقد ونصف تجزأ فيها واقتتل فيما بينه، وإن كان انشقاقه في الظاهر سياسيا إلا أنه كان انعكاساً لنزاع عميق حول الهوية اللبنانية ووجهتها وليس حول أداء المؤسسة العسكرية وولائها السياسي.قد يذهب كثيرون يتحدثون عن أن حوادث الانشقاقات القليلة التي طالت المؤسسة العسكرية هي حالات شاذة لا يرتقي الأمر لمناقشتها أو الحديث حولها، فضلا من تصنيفها على أنها ظاهرة بدأت تطال المجتمع اللبناني أسوة بغيرة من الشعوب العربية من حوله سوريا والعراق وغيرها. ويحاول البعض أن يخفف من خطورتها عبر تجاهلها أو تهميشها وهو في الحقيقة إن يُظهر حرصاً على المؤسسة العسكرية ظاهريا إلا أنه يكشف في حقيقية الأمر عن قلق كبير ينتاب المواطن اللبناني. القلق من أن تتكرر تجربة لبنان القديمة التي انقسم فيها البلد بين بيروت الشرقية وبيروت الغربية طالما أن مفاعيل الانقسام مازالت تختمر في وجدان التربة اللبنانية بما أن جميع المشاكل التي كانت سببا للحرب الأهلية وما تلاها من مشاكل مستجدة لم تحل بطريقة جذرية وإنما تم التعامل معها وفق إستراتيجية إدارة الأزمات واحتواء الصدمات.نعم المنشقون هم من الرتب المتدنية في الجيش، وينحدرون من مناطق جغرافية يجتاحها الفقر والتهميش الضارب منذ نشأة لبنان وحتى اليوم.. لكن هلا سألنا أنفسنا ما الأسباب الحقيقة المولدة لهذه الحوادث قبل أن تصبح ظاهرة أبعد من الحديث عن الظروف الاجتماعية والاقتصادية؟ هناك أزمة هوية في وجدان المواطن اللبناني تلحظها في حديث سريع مع أي مواطن. الجميع يدرك المشكلة ويحرص أهل السياسة دون استثناء على عدم الحديث عن هذا الموضوع لأنه بشكل أو بآخر يضعهم في قفص الاتهام ويكشف هول فشلهم.نعم، بكل صراحة فشلنا في لبنان في تشكيل هوية جامعة تمثل حصانة للفرد اللبناني من الانزلاق إلى متاهات الحديث مجددا عن الهوية.. ولأن مواضيع الهوية والمواطنة والدولة لم تحسم بشكل واضح وعادل وناجز فقد بدأت "الشعوب اللبنانية"، كما يحلو لبعض المفكرين اللبنانيين تسميتها، تبحث كل منها عن هويتها وخصوصيتها. وبدأنا مسارا طويلاً خلافا للمسار التاريخي الطبيعي في تشكل الدول ونموها.وبدلاً من أن تبحث المجموعات أو"الشعوب اللبنانية" عن القواسم المشتركة بينها وتعززها على حساب المختلف منها والذي ينبغي أن يزداد التهميش له دون قطعه تماما تاركين مهمة قطعه ودفنه للزمن الذي سيتكفل بمزيد من الانصهار بين الشعوب اللبنانية لينتج هوية شعب واحد سرنا في طريق مغاير، فمن يصنع السياسة في لبنان ويحدد الهوية والدولة وتركيبة نظامها السياسي وكيفية إدارة مؤسساتها الدستورية هو المنتصر.. ولم تحسم قضية لبنان إلى عبر البندقية.الأنا تتضخم عند اللبناني المنحاز للدولة وهو تضخم كاذب ما يلبث أن ينحسر عند أول اختبار له. وأصدق مثال على ذلك أن المناطق والطبقات التي ينحدر منها المنشقون عن الجيش وأولئك الذين يذهبون للحاق بركب جبهة النصرة أو تنظيم داعش هم من المجتمعات التي تتغنى بالوطن وتهلل للدولة وتناشدها أن تأتي إليها وتعطف عليها.الهوية المذهبية والطائفية هي المحرك الفعلي لأي هوية اليوم في لبنان وخارطة الطوائف اللبنانية هي من ترسم خارطة التحالفات السياسية وتحكم مسارها وتشي بمستقبل مساراتها.. وما اختلاف الشعب اللبناني من الأزمات العربية في المنطقة وانخراطه بدرجات متفاوتة داخلها فاعلا ومنفعلا إلا دليل على مدى هشاشة الهوية اللبنانية التي فشلت الدولة في ترسيخها في وجدان أبنائها. وإذا ما أصررنا مكابرين على عدم معرفة الحقيقية وأبينا التواضع أو الاعتراف بالفشل المتكرر لنا في بناء الدولة والمجتمع الحامي والمنتج لها سنظل كمن يدور في حلقة مفرغة لا يعرف من أين بدأ وأين سينتهي.. وقفة صادقة ومتأنية ودون مكابرة ستكشف لنا الكثير نحن اللبنانيين.. الحقيقة مرة يا سادة.. وقد أزف أوان الاعتراف بها والبناء عليها.. فقط نرجو تصحيح مسار قد ضللننا عنه منذ عقود!.
553
| 18 أكتوبر 2014
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق...
10809
| 06 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو...
4653
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ...
3771
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات...
2604
| 08 سبتمبر 2026
ألا إن أعظم الفقد فقد الأم، ولن يسد...
996
| 10 سبتمبر 2026
خلال عملي في أجهزة الرقابة المالية، أدركت أن...
984
| 09 سبتمبر 2026
استوقفني مشهد تربويّ جليل لثلاثة أطفال يركضون في...
906
| 11 سبتمبر 2026
- العمل بمعناه الإنساني أوسع كثيراً من الوظيفة...
819
| 07 سبتمبر 2026
وما وراء جدران الفصول يقف إنساناً عظيماً تُبنى...
780
| 09 سبتمبر 2026
لا أعرف إن كان قد مرّ عليكم هذا...
735
| 08 سبتمبر 2026
(كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، حديث...
687
| 06 سبتمبر 2026
على الرغم من تميز الهيئة العامة للتقاعد من...
666
| 11 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية