رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تعود تركيا شيئا فشيئا إلى المرحلة التي سبقت وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في العام 2002 فيما يتعلق بواقعها الجيوبوليتيكي. وهذا أمر خطير على مجمل الآمال التي بنيت على امتداد السنوات الماضية لتكون تركيا جزءا فاعلا ايجابيا من محيطاتها الإقليمية ليس فقط العربية والإسلامية بل أيضا الأوروبية والقوقازية والسلافية عموما. فقد رفعت حكومات حزب العدالة والتنمية شعارات مهمة وجديرة بالتطبيق والدعم ومن أهمها سياسة المسافة الواحدة من كل القوى والدول. ولقد نجحت في ذلك لفترة معينة بدا خلالها المشهد الإقليمي متقدما نحو وضع يسوده الاستقرار نتيجة للدور الإيجابي الذي لعبته سلطة حزب العدالة والتنمية في النزاعات الإقليمية وبعضها كان ولا يزال من النوع التاريخي والحساس جدا مثل الصراع العربي الإسرائيلي والعلاقات بين الدول العربية والصراعات الإثنية والدينية في البلقان والقوقاز. لكن بعض الأحداث والتطورات وضعت تركيا في موقع حرج لم تعد خلالها قادرة على الاستمرار في سياسة المسافة الواحدة أو أنها هي اختارت أن تكون مع طرف دون آخر. الثورات العربية المتنقلة من بلد إلى آخر كان من نماذج الارتباك التركي وصولا إلى فقدان الأدوار الوسيطة. فلم نعد نسمع عن زيارات مكوكية لوزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو إلى هذا البلد أو ذاك لفض النزاعات البينية أو حتى الداخلية.بل تحولت تركيا نفسها إلى طرف في نزاعات تحتاج إلى وسطاء لحلها. وهذا أفقد تركيا أحد أهم عوامل صورتها الايجابية ونفوذها وهو الدور الوسيط. ورفعت تركيا في سياساتها الخارجية شعار "تصفير المشكلات" مع جيرانها كافة. وبلغت تركيا في ذلك نجاحات غير مسبوقة.حتى في المشكلة الأرمنية كادت أنقرة تحقق المعجزة. نقول كادت لأن التطورات الأخيرة في القضية الأرمنية أعادت عقارب الساعة في العلاقات التركية- الأرمنية ليس إلى ما قبل العام 2002 بل إلى ما قبل مجازر 1915 وربما إلى عهد الدولة السلجوقية حين انتزع السلاجقة الأتراك في القرن الحادي عشر بر الأناضول ومنه جبل أرارات من البيزنطيين وحيث كان الأرمن يتواجدون بكثافة إلى بداية القرن العشرين وعمليات قتلهم وتهجيرهم على يد قادة الاتحاد والترقي العنصريين. بالأمس خرج الرئيس الأرمني سرج سركيسيان يخاطب مجموعة من طلاب أرمينيا قائلا إن جيله قام بما عليه واستعاد مقاطعة قره باغ من أذربيجان.أما استعادة جبل أرارات المقدس لدى الأرمن فمتروك لهمة الجيل الجديد. فتح سركيسيان بذلك جرحا لم يغلق أصلا لنقول أنه فتح من جديد.وكان رد رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان أن قره باغ أرض محتلة وعلى أرمينيا أعادتها إلى أذربيجان ملحقا ذلك بزيارة عاجلة إلى باكو. تعود العلاقات التركية الأرمنية بذلك إلى نقطة الصفر في إخفاق لسياسة "تصفير المشكلات" التي سعت إليها تركيا. ووفقا للسياسة نفسها كانت المبادرة التركية عام 2005 بالموافقة على خطة كوفي أنان لحل المشكلة القبرصية. لكن القبارصة اليونانيين والاتحاد الأوروبي كان لهم رأي آخر واستمرت المشكلة القبرصية توتر العلاقات التركية مع جمهورية قبرص ومع الاتحاد الأوروبي.وبالأمس كان أردوغان يزور قبرص التركية في استعراض للقوة أطلق خلاله تصريحات نارية ضد الاتحاد الأوروبي قائلا إنه لا يمكن لتركيا أن تقيم علاقات مع بلد لا تعترف به أصلا. لم تكن المياه القبرصية ساكنة وصافية حتى نقول إنها تعكرت لكن التطورات الأخيرة تعيد أيضا إلى مربع الصفر العلاقات بين تركيا وجمهورية قبرص اليونانية.بل أضيف إليها التوتر مع إسرائيل بسبب الخلاف على تحديد المياه الإقليمية للتنقيب عن النفط والغاز الطبيعي في شرق المتوسط. لا يمكن لأي دولة أن ترسم سياسات أبدية.بل إنها يمكن أن تمارس عكسها إذا تطلبت المصالح الوطنية ذلك. فمصطفى كمال أتاتورك الذي رفع شعار سلام في الوطن سلام في العالم وانكفأ على الداخل التركي لترتيب أولوياته، في عهده تماما عملت تركيا من دون نجاح على ضم شمال العراق إلى تركيا وفي نهاية عهده سعى ونجح في سلخ لواء الإسكندرون عن سوريا بالتواطؤ مع فرنسا وعصبة الأمم. اليوم تعاني السياسة الخارجية التركية المعلنة من ندوب وتورمات تحتاج إلى إعادة النظر بالعديد من العناوين التي رفعت وواجهت بالتجربة خلال الأشهر الأخيرة حائطا مسدودا وفي رأسها شعارا "المسافة الواحدة" و"تصفير المشكلات".
862
| 30 يوليو 2011
عرفت تركيا خلال أقل من مئة عام ثلاثة اختبارات تتصل بالهوية. الأول الهوية العثمانية الإسلامية خلال العهد العثماني. الثاني الهوية العلمانية الأوروبية المتنكرة تماما للهوية الإسلامية وبدأ مع مصطفى كمال أتاتورك عام 1923 واستمر حتى الأمس القريب. الاختبار الثالث كان مع حزب العدالة والتنمية الذي أراد المزاوجة بين الهويتين. ليس من شعب أو مجتمع تعرض لامتحان هوية ثلاث مرات خلال أقل من قرن. ولعل من العوامل التي ساهمت في خلق هذه المفارقة هو الموقع الجغرافي لتركيا بين الغرب والشرق والشمال والجنوب وكونها خط تماس حضاري بين المسيحية والإسلام. وكلما تغيرت التوازنات الدولية كانت تركيا عرضة لتحولات الهوية تارة إلى الشرق وأخرى إلى الغرب وثالثة بين بين. المحاولة الأخيرة أو الاختبار الأخير كان الأكثر تحديا لمنظري الاستراتيجيات في تركيا.وقد انطلقت تركيا مع حزب العدالة والتنمية في نظرية حاولت ممارستها عمليا تقول بالتوازن بين الجميع .أي أن تكون على علاقة جيدة مع إسرائيل والفلسطينيين ومع إيران وسوريا والسعودية ومصر ودول الخليج ومع الشيعة والسنة ومع العرب والأكراد والأرمن واليونانيين. وأن تكون في الوقت نفسه عضوا في حلف الناتو وفي منظمة المؤتمر الإسلامي وأن تدافع عن القضايا الإسلامية وأن تكون جزءا من عمليات الأطلسي وكلها في الجغرافيا الإسلامية تحت ذرائع شتى. بعدما انتصر رجب طيب أردوغان في الانتخابات الخيرة وقف من على شرفة مقر حزب العدالة والتنمية مهديا الديموقراطية التركية إلى العالم العربي. أراد أن يقول إن تركيا بلد غربي ديموقراطيا في الشرق الإسلامي. وفي اجتماعاته مع حلف الناتو ومع دول الاتحاد الأوروبي يطرح أردوغان تركيا على أنها البلد الإسلامي الوحيد في الحلف والاتحاد. وهي لعبة محفوفة بالمخاطر. ليس من بلد واحد في العالم يمكن أن يجمع الأضداد. لو قدر له ذلك فبدافع الصدفة غير الدائمة. لكن مع التوغل في الأزمات والتحديات لا مناص من حسم الوجهة. كسبت تركيا لفترة هي الفترة التجريبية بعض النقاط في سياسة تصفير المشكلات وتعدد الأبعاد.لكن ما إن ارتفع جدار التحدي كان العجز واضحا على الاستمرار في هذه السياسة. ففي القضية الليبية اضطرت أنقرة إلى أن تقف في النهاية إلى جانب التدخل العسكري للأطلسي بل أيضا المشاركة فيه. وفي أفغانستان الأمر نفسه.وفي الموقف من سوريا ومن معها من حلفاء كان الافتراق المفاجئ. لم يكن ممكنا أن تواصل تركيا سياسة الموقفين في القضية الواحدة. كان هذا سؤالا ارتفع منذ اللحظة الأولى.هل يمكن لتركيا أن تكون مع إسرائيل عسكريا واقتصاديا وحتى سياسيا وأن تكون في الوقت نفسه مع حركة حماس والمقاومة الفلسطينية؟إما أن تركيا هي في الأساس مع إسرائيل وتكون القضية الفلسطينية لزوم ما لا يلزم.وإما أن تكون تركيا مع القضية الفلسطينية والتحرير وعودة اللاجئين والقدس عاصمة لفلسطين ويكون لها مواقف واضحة من أجل ذلك وتكون إسرائيل عندها لزوم ما لا يلزم في السياسة الخارجية التركية. على سبيل المثال تتباين مواقف دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية من قضايا المنطقة لكنها في النهاية تنطلق من قاعدة مركزية أساسية وهي أمن إسرائيل والهيمنة على المنطقة ويكون العالم العربي والإسلامي لزوم ما لا يلزم. بالفعل إن مشكلة تركيا الرئيسية هي في أزمة الخيار والهوية.كانت الخيارات محلولة إلى حد ما أثناء الفترة العثمانية وأثناء الفترة الأتاتوركية وما بعدها.لكن اليوم إن محاولة أن تكون غربيا وشرقيا في الوقت نفسه هو مما يفاقم أزمة الهوية في تركيا.وقد أكدت الثورات العربية وأزمة أسطول الحرية وليبيا والدرع الصاروخية وقبرص أن "لعبة الهويتين" غير واقعية وغير ممكنة وغير مطلوبة.إنها هروب من الهويتين معا.وهي أخطر على تركيا من خيار الهوية الواحدة. الهوية الواحدة ليست خيارا ضد الأخرى.الهوية الواحدة انتماء إلى أصل وجذر واحترام للهوية الأخرى والاستفادة منها لكن ليس إحلالها محل الهوية الأصلية. وهوية تركيا الأصلية هي الهوية الإسلامية المنفتحة والمستفيدة من إنجازات الحضارة الغربية.وحينها لن تخسر تركيا إحدا.ستكسب أبناء الهويات الأصلية من جيرانها من إيران وسوريا إلى السعودية ومصر وتحظى باحترام الهوية الأخرى..الغربية. تركيا اليوم تعاني من "قلق الهويتين".وما ظن أنه معجزة الجمع بين المحورين ليس سوى لهو في وقت ضائع ونتيجته اكتساب عداوة الجميع وانتصار خيار " اللاهوية".
507
| 16 يوليو 2011
حقق رجب طيب أردوغان انتصارا شعبيا كبيرا في الانتخابات النيابية الأخيرة حاصدا نصف عدد الناخبين بالتمام. ومع أن أردوغان لم ينجح في تحقيق عدد كاف من النواب يمكنه من التفرد بالإصلاح في البرلمان كما يرغب فإنه لم يكن بحاجة لأحد لكي يشكل حكومته الجديدة التي يكفيها نصف عدد أعضاء البرلمان زائد واحد أي 276 صوتا في حين يملك أردوغان وحزب العدالة والتنمية 327 نائبا. هي الولاية النيابية الثالثة لحزب العدالة والتنمية والحكومة الأخرى في سلسلة متتالية من حكومات برئاسة أردوغان. مع كل حكومة جديدة تزداد وضوحا"بصمة" أردوغان. ومع أن المدافع الثقيلة في حزب العدالة والتنمية كانت مع وصوله إلى السلطة عام 2002 متعددة ومنها الرئيس الحالي للجمهورية عبدالله غول والزعيم القوي بولنت ارينتش،غير أن مركز الثقل في حزب العدالة والتنمية كان دائما ولا يزال رجب طيب أردوغان شخصيا.وإذا كان غول يمثل عقل الحزب وارينتش "قوة التقليد" فإن أردوغان هو الصوت الهادر والجاذب والذي يطلق عليه "الكاريزما". ولعل الفضل الأكبر لصعود الوجوه الموصوفة بالإسلامية في تاريخ تركيا الحديث يعود إلى الزعيم التاريخي نجم الدين اربكان الذي رغم كل كاريزماتيته لكنه كان يفسح دائما للوجوه الجديدة بالتقدم إلى الواجهة ونيل فرصتهم وتحقيق ذاتهم.ومن هؤلاء عبدالله غول ورجب طيب أردوغان. وليس أبلغ دليل على أهمية مشاركة الإسلاميين في الحياة السياسية والنزول إلى الأرض لمشاركة الناس همومهم وقضاياهم والتعرف عليهم عن كثب هو أن حكومة أردوغان الجديدة تضم معظم مساعديه عندما كان رئيسا لبلدية أسطنبول في منتصف التسعينيات.بل أن صورة أردوغان ونجمه كان بفضل موقعه ذاك الذي كان يعني الخدمة للناس وليس الشعارات. وهذا بالطبع سؤال مطروح على الحركات الإسلامية في العالم العربي وضرورة أن تشارك بكامل قوتها في الشأن العام ومنها الانتخابات البلدية والنيابية لكي تتلمس القضايا الأساسية للناس بعيدا عن المناكفات الفقهية التي لن تجلب رغيفا لفقير في القاهرة أو مشرّد في صنعاء. حمل أردوغان تجربته البلدية إلى البرلمان وإلى الحكومات التي لا يزال يقودها. هذا واحد من أهم الأسباب التي تحمل الناخب التركي لكي يصوّت لرجل مثل أردوغان. وأثناء الحملة الانتخابية أطلق أردوغان مشاريع وصفت ب "المجنونة" ومنها شق قناة بين البحر الأسود وبحر مرمرة موازية لمضيق البوسفور وإقامة ما يعرف بينهما بمدينة أسطنبول رقم 2. وتركيا التي تعرف نموا اقتصاديا استثنائيا وصل إلى 11 في المائة وتخطت بذلك النمو الموجود في الصين والهند تحتاج إلى سلطة تنفيذية قوية ومتخصصة لتتمكن من تنفيذ هذه المشاريع بكفاءة مهنية عالية.ومن خصائص الحكومة الجديدة أنها تضم وجوها متخصصة مارست العمل الوظيفي وليست غريبة عليه. غير أن التحدي الأكبر أمام الحكومة يبقى في مجالات السياسة. في مقدمة هذه التحديات إعداد الدستور الجديد.وإذا كان أردوغان غير قادر على إعداد دستور بقوة أصوات حزب العدالة والتنمية فقط فإنه يخطئ إذا اعتمد على الـ 53 نائبا لحزب الحركة القومية اليميني المتشدد ليصل إلى 367 نائبا الكافية حينها لتعديل الدستور في البرلمان. إذ أن الدستور يحتاج إلى توافق وطني ولاسيَّما مع التيارين الأساسيين المعارضين لحزب العدالة والتنمية.التيار العلماني الذي يمثله حزب الشعب الجمهوري وتيار الحركة الوطنية الكردية الذي يمثله حزب السلام والديمقراطية. إن إعداد دستور جديد من دون هذين التيارين أو حتى من دون أحدهما لن يجلب الاستقرار إلى تركيا. وانطلاقا من هنا فإن أهم التحديات أمام الحكومة الجديدة هو تحقيق اختراق في المسألة الكردية التي يبدو أن الأكراد مصممين على حسم الأمور إما في اتجاه تلبية مطالبهم من قبل أنقرة أو المضي في حل انفصالي كامل أو جزئي. كذلك تمثل مشكلات المجموعات الدينية والمذهبية تحديا قويا أمام الحكومة الجديدة. ومع أن السياسة الخارجية التركية بقيت في عهدة مهندسها أحمد داود أوغلو غير أن الإرباكات والإخفاقات التي واجهتها هذه السياسة في الآونة الأخيرة في المنطقة العربية وتحديدا منذ بدء ما يسميه الأتراك بـ "الربيع العربي" تحتاج لإعادة نظر جدية لاستعادة الدور والصورة والثقة التي اهتزت مع أكثر من دولة عربية.
657
| 09 يوليو 2011
سيبدأ البرلمان التركي دورة انعقاده بعد إجراء الانتخابات النيابية قبل أكثر من أسبوعين،بغياب أكثر من أربعين نائبا. الخبر بالتأكيد ليس عاديا وليس طبيعيا بعد انتخابات في بلد تطورت التجربة الديمقراطية فيه كثيرا. ومنشأ الأزمة الحالية هو إسقاط اللجنة العليا للانتخابات فوز المرشح الكردي خطيب دجلة بسبب أن المحكمة رفضت الاعتراف بنجاحه لأن عليه أن يمضي ثلاث سنوات إضافية في السجن بتهمة دعم الإرهاب. أيضا حكم القضاء بعدم إطلاق سراح سبعة آخرين من الأكراد والشعب الجمهوري والحركة القومية لوجودهم في السجن وبتهم متعددة لكن من دون أن تسقط اللجنة العليا فوزهم. لكنهم سيكونون غير قادرين على ممارسة مهنتهم الجديدة لأنهم في السجن ولن يقسموا اليمين الضرورية لذلك. تطرح المشكلة الناشئة أسئلة حول آليات النظام الديمقراطي في تركيا إذ كان على اللجنة العليا للانتخابات في الأساس أن ترفض طلب ترشيح هؤلاء ما داموا محكومين ومسجونين ولا تتوفر لديهم شروط العضوية البرلمانية. وبالطبع هذا يطرح تحديا أساسيا أمام الحكومة وحزب العدالة والتنمية بضرورة الإسراع في إعداد دستور جديد يتضمن تنظيفا شاملا لكل القيود على الحريات السياسية والفكرية. وهذا، كما دعا الرئيس التركي عبدالله غول، من مسؤولية البرلمان. ولا شك أن إعداد دستور جديد سينقل تركيا من مرحلة إلى مرحلة ويسهّل أمامها الدخول إلى الاتحاد الأوروبي ذلك أن إعداد دستور جديد هو مطلب أوروبي. غير أن مسألة إسقاط عضوية خطيب دجلة لها وجه آخر هو الأهم. فالمشكلة ليست في بعض الثغرات الدستورية والقانونية التي يمكن أن ينفذ منها أعداء الديمقراطية، بل في أن هناك مناخا لا يريد لتركيا أن تكون دولة حديثة تحترم الهويات وحقوق الأقليات على اختلاف أنواعها. ليست المشكلة بين خطيب دجلة واللجنة العليا للانتخابات بل في أزمة انعدام الثقة المتبادل بين الأتراك والأكراد وذلك المسار الطويل المثقل بالكراهية والإنكار والدم والهجرات. ذلك أن الدولة التركية لم تنجح بعد منذ تأسيسها في العام 1923 في أن تؤسس دولة المواطنين المتساوين. بل إن الايديولوجيا الرسمية التي اتبعها مصطفى كمال أتاتورك كانت نموذجا في إنكار الهوية الكردية وبممارسات غير إنسانية. ورغم تعاقب الحكومات والتيارات السياسية على السلطة فإن أي تطور إيجابي لم يتحقق على صعيد الاعتراف بالهوية الكردية. وقد أعطي الكثير من الأهمية لخطوات حصلت على عهد الرئيس الراحل طورغوت أوزال في الثمانينيات ومطلع التسعينيات تخفف القيود على التحدث باللغة الكردية. والأمر نفسه انسحب على بعض خطوات حصلت في عهد حزب العدالة والتنمية في السنوات الأخيرة. غير أنها كلها لم تلامس جوهر المطالب الكردية. بل إنه بعدما كان رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان قد اعترف في العام 2005 بوجود "قضية كردية" في تركيا عاد وأنكر وجود هذه القضية قبل الانتخابات الأخيرة حاصرا إياها بأنها مشكلة مواطنين من أصل كردي. يكرر المسؤولون الأتراك أهمية حل المشكلة الكردية والرئيس غول قال إنه من دون حل هذه المشكلة فلا استقرار في تركيا. لم تنته المشكلة الكردية في العراق إلا بحل الفيدرالية ولم ينته الصراع بين الاتنيات والأديان في السودان إلا بانفصال جنوبه عن شماله. وفي غياب ذهنية تحمل مشروعا حديثا ومعاصرا يساوي بين الجميع ويعترف بكل مكونات المجتمع الثقافية والإيمانية فإن "الطلاق" بات الحل الذي يستسهله المعنيون وتدفع إليه الدوائر الغربية والإسرائيلية. بعد اعتقال عبدالله أوجالان زعيم الأكراد في العام 1999 لاحت فرصة تاريخية لإنهاء القضية الكردية على أساس وحدة الأراضي وخارج أي صيغة تقسيمية وهو ما دعا إليه أوجالان. لكن اعتقاله شجّع التيارات الشوفينية في تركيا على المضي في سياسات الإنكار. اليوم رفع الأكراد سقف مطالبهم إلى الحكم الذاتي وضمانات في الدستور الجديد لهويتهم،فضلا عن المطالب المزمنة بالتعليم باللغة الأم. وفي غياب البحث الجدي بين السلطة والأكراد حول هذه المطالب فإن حوادث "صغيرة"،مثل إسقاط عضوية خطيب دجلة، ستكون كافية لوضع تركيا أمام مخاطر عراقية أو سودانية.
404
| 02 يوليو 2011
إنها الانتخابات الـ 17 منذ اعتماد التعددية الحزبية في تركيا في العام 1946. وهي مسيرة ديمقراطية كانت محفوفة بالتحديات والنجاحات والإخفاقات، ثلاثة انقلابات عسكرية ومثلها غير مباشر من وراء الستار فضلا عن نظام وصاية عسكري مستمر. الانتخابات الـ 17 هي الأولى التي تجري منذ انتهاء نظام الوصاية الذي سقط في استفتاء 12 سبتمبر من العام الماضي. جرت الانتخابات وسط توقعات عامة بانتصار كبير لحزب العدالة والتنمية. وأهمية الانتخابات، أي انتخابات، إنها تكشف عن مكنونات لا تظهر على السطح لدى المواطن إلا في الانتخابات. فغالبا ما يرجّح الإعلام والضجيج كفة على أخرى بصورة خادعة أو غير عادلة. الانتخابات النيابية التركية التي جرت الأحد الماضي كشفت عن مجموعة من الحالات المهمة جدا والضرورية لتصويب مسار أي حكم إن أراد ولصورة ما يمكن أن تكون عليه تركيا المقبلة. 1- فوّض الشعب التركي بنصف ناخبيه رجب طيب أردوغان ليستمر في قيادة حزب العدالة والتنمية والبلاد لولاية جديدة عندما حصل على خمسين في المائة من الأصوات.وليس غريبا ذلك إذ أن أردوغان منح الأتراك رفاهية اقتصادية مهمة واستقرارا سياسيا وموقعا مميزا لتركيا في المنطقة والعالم. 2- لكن هذا الشعب نفسه منح أيضاً دعما إضافيا لسائر الأحزاب المعارضة، حزب الشعب الجمهوري العلماني تقدم خمس نقاط من 21 إلى 26 في المائة وزاد عدد نوابه من 112 إلى 135. وحافظ حزب الحركة القومية على موقعه بـ 13 في المائة رغم حملات أردوغان الشرسة جدا لتدميره ووراثة أصواته. كما أن حزب السلام والديمقراطية الكردي حقق انتصارا مدوّيا في المناطق الكردية واسطنبول ورفع عدد نوابه في سابقة تاريخية من 20 إلى 36 نائبا. 3- هذا الدعم الشعبي للجميع ترجم عبر خريطة توزيع المقاعد النيابية رغبة في التوازن بين القوى السياسية وعدم منح أردوغان سلطة مطلقة لترجمة سياساته.إذ أن أردوغان فشل في ترجمة أبرز عناوين حملته الانتخابية والتي كانت بين حدّين. الأول الحصول على ثلثي المقاعد النيابية أي 367 من أصل 550 نائبا بما يتيح له تقديم دستور جديد في البرلمان من دون العودة إلى استفتاء شعبي. والثاني هو الحصول على الأقل على 330 مقعدا هو الحد الأدنى الضروري لأي تعديل دستوري يفشل في البرلمان لكن يمكن إحالته إلى استفتاء شعبي. حتى هذه الإمكانية حُرم منها أردوغان. وهو ما يعكس رسالة شعبية إلى أردوغان بضرورة عدم التفرد بحكم تركيا وضرورة التفاهم مع المعارضة في القضايا الأساسية ولاسيَّما في إعداد الدستور الجديد. إذ أن المخاوف من تحوّل سلطة أردوغان إلى حكم الحزب الواحد والشخص الواحد تزداد في تركيا. وما أسفرت عنه الانتخابات يعتبر بالفعل خطوة مهمة نحو إعادة التوازن السياسي الداخلي. 4- غير أن الدرس الأكبر أمام أردوغان كان استمرار تراجع حضوره في الوسط الكردي حيث مقابل تقدمه في كل المناطق كانت شعبيته تشهد تراجعا ملحوظا في المناطق الكردية ما يعني أن سياسته الكردية لم تلق القبول وأن عليه أن يبحث عما هو أبعد من خطوات فولكلورية في مقاربة هذه المشكلة والاستماع جيدا للعصب الكردي الأساسي المطالب بالحكم الذاتي وضمانات في الدستور الجديد تعترف بالهوية الكردية. وستكون القضية الكردية مقياسا لجدية أردوغان وكل القوى السياسية التركية في أن تكون تركيا بلدا حديثا يحترم الحريات والهويات. 5- ومن الظواهر اللافتة التي عبّرت عنها نتائج الانتخابات هي نزوع تركيا إلى التكتلات الحزبية الكبيرة.إذ أن حاجز العشرة في المائة لدخول البرلمان بدا عديم الأهمية لأنه لم يعد هناك أحزاب في الأساس تفشل في نيل العشرة في المائة. ذلك أن الأحزاب التي فشلت في الدخول إلى البرلمان لم تنل سوى واحد أو نصف في المائة أي كأنها غير موجودة لكي ترثها الأحزاب الفائزة. وبلغت نسبة تمثيل الأحزاب الفائزة للناخبين حوالي 96 في المائة وهذه نسبة عادلة جدا إذ لم يبق أحد له حيثية غير ممثل في البرلمان. وباتت خريطة النزعات السياسية في تركيا تتمحور حول أربعة اتجاهات: اليمين المحافظ الذي يمثله حزب العدالة والتنمية(50 في المائة). اليسار العلماني المتشدد الذي يمثله حزب الشعب الجمهوري(26 في المائة). القوميون المتشددون ويمثلهم حزب الحركة القومية وهؤلاء قد يتداخلون مع حزب العدالة والتنمية(13 في المائة). والنزعة القومية الكردية ويمثلها حزب السلام والديمقراطية(7 في المائة تقريبا ولهم 36 نائبا دخلوا البرلمان كمستقلين). ومثل هذه الخريطة السياسية الجدية ستكون لها تأثيراتها المستقبلية على طبيعة الصراعات السياسية في اتجاه المزيد من الاستقطابات. 6- وإذا كانت رسائل الانتخابات الداخلية واضحة فإنها فرضت أيضاً تحديات على أردوغان في سياساته الخارجية. فتكبيل يديه في إعداد دستور جديد يؤثر سلبا على زخم التقدم على الطريق الأوروبي وهي أحد رهانات أردوغان الخارجية. لكن أردوغان حاول أن يلتف على هذا القيد على حركته الإصلاحية بتعويم صورته الخارجية عبر خطابه من على شرفة مقر حزب العدالة والتنمية الذي أهدى فيه الانتصار الشعبي إلى عواصم المنطقة العربية وبعض المناطق في البلقان والقوقاز، وفي هذا يريد أردوغان أن يقول للأوروبيين إن تركيا هي حاجة لهم في الشرق الأوسط كنموذج للديمقراطية وهذا يستدعي أن يثق الأوروبيون بالتجربة التركية و"يعطفون" عليها أكثر لتسريع انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي. إنه انتصار لأردوغان بطعم الهزيمة، لكن الانتصار الفعلي كان للتوازن في اتخاذ القرارات ومنع البلاد من الجموح إلى شخصنة الحاكم، وهذا هو جوهر العملية الديمقراطية.
492
| 18 يونيو 2011
غالبا ما كانت الانتخابات النيابية في تركيا محطة تعكس الاختلافات والتوترات الداخلية في بلد لم يعرف الاستقرار الفعلي في يوم من الأيام. وكان يمكن أن تكون الانتخابات الجديدة يوم الأحد المقبل في 12 يونيو الجاري محطة مختلفة لولا أن كمّ المشكلات التي تواجهها تركيا كبير إلى درجة يحتاج معها إلى المزيد من الوقت وإلى المزيد من الإبداع والجرأة لمواجهة التحديات بل الأخطار. كان يمكن لحزب العدالة والتنمية الذي جاء بانتصار تاريخي في العام 2002 إلى السلطة والذي جدد انتصاره وبصورة أكثر دويّا في العام 2007 في مواجهة الإنذار العسكري، أن يصل إلى انتخابات الأحد المقبل وهو في ذروة سكونه وانفجاره الإبداعي لو أنه نجح في تجاوز المشكلة الإتنية المتصلة بالأكراد تحديدا. ليس من أدنى شك في فوز حزب العدالة والتنمية الأحد المقبل بل في أن يفوز بغالبية مريحة جدا تزيد على النصف بعدد كبير من النواب وتخوّله أن ينفرد بالسلطة أربع سنوات أخرى. يحتاج حزب العدالة والتنمية إلى أربع سنوات أخرى لاستكمال برنامجه الإصلاحي على المستوى الداخلي. يحتاج لكي يكون في السلطة لمواصلة برنامجه للتنمية الاقتصادية وقبله للتنمية السياسية المتمثلة في إعداد دستور جديد. لم يعد الدستور الجديد المؤمل جديدا بالكامل، فخطوات الإصلاح في السنوات الثماني الماضية أثخنت الدستور العسكري الموروث منذ العام 1982 بعمليات جراحية بعضها كبير وعميق. وآخرها رزمة الإصلاح التي طالت أكثر من 28 مادة في الدستور والتي فازت بنسبة عالية في استفتاء شعبي في 12 سبتمبر الماضي. مع ذلك فإن البلاد تحتاج إلى إعادة صياغة لكامل الدستور من نقطة الصفر تعكس التحوّلات التي حصلت في تركيا في السنوات الأخيرة، ومن أهمها استكمال استئصال "فلول" البنود والقوانين التي لا تزال تعطي العسكر حق التدخل في الحياة السياسية وأهمها المادة 85 من قانون الخدمة الداخلية للجيش. وتحتاج تركيا لدستور جديد يكفل كل الحريات ومن أهمها الحريات الفردية والدينية ومن أهمها حرية ارتداء الحجاب في الجامعات كما أيضاً في القطاع الحكومي كما هو معمول به في الولايات المتحدة وكندا. ومع أن تركيا ضمنت الكثير من الحريات الفكرية والإعلامية فلا تزال مسألة التضييق عليها من وقت لآخر تشكل إحراجا لحكومات حزب العدالة والتنمية. لكن من بين التحديات الكبرى التي تواجهها بل في مقدمتها هي استيعاب المشكلات الإتنية والمذهبية وإخراجها من أن تكون صاعقا يطيح بوحدة البلاد واستقرارها. للمرة الأولى تذهب تركيا إلى انتخابات تكون فيها المشكلة الكردية عنوانها الأهم رغم كل ما يحاول حزب العدالة والتنمية إظهار عكس ذلك. يعرف رئيس حزب العدالة والتنمية رجب طيب أردوغان أن معركته ليست مع منافسه الأول حزب الشعب الجمهوري العلماني المتشدد الذي لن يشكل منافسا جديا له وستقف أصواته في حدّها الأقصى عند الثلاثين في المائة بل هي في الأساس على الصوت الكردي الذي يجتمع للمرة الأولى في لوائح مشتركة لكن بصفة مرشحين مستقلين. يطوّر أكراد تركيا معركتهم السياسية وربما العسكرية من الدولة التركية وهم يذهبون إلى انتخابات عنوانها الحكم الذاتي للأكراد ومنحهم حقوق التعلم بلغتهم الأم. والأهم أن يعيد الدستور التركي المقبل تعريف هوية الأمة التركية بشكل تمنح ضمانات في الدستور للاعتراف بالهوية الكردية. وهنا معضلة المعضلات. حيث لا يتوقع أن يتجاوب حزب العدالة والتنمية مع هذه المطالب كما لا يتوقع من الأحزاب الأخرى أن توافق عليها. لذا يخوض الأكراد معركة مصير لكي يكون الدستور الجديد صورة عن تركيا الجديدة التي يراد لها أن تكون عضوا في الاتحاد الأوروبي. والخطر الأكبر،هنا، أن يستمر حزب العدالة والتنمية في نهج إنكار الهوية الكردية وبالتالي يسمح لعدم الاستقرار في الاستمرار بل في انتقال النضال الكردي إلى مرحلة جديدة يلوّحون بها ليس أقلها ثورات تفوق عنفا ما تشهده البلدان العربية من ثورات متنقلة. ولعل ما يعطي التهديدات الكردية مصداقية أنها تتزامن مع الاضطرابات التي تشهدها سوريا والتي يمكن أن تكون شرارة لاضطرابات إقليمية وفوضى يستفيد منها "البلوك الكردي" في كل منطقة الشرق الأوسط وهو ما يعني خريطة جديدة في المنطقة تكون تركيا أبرز ضحاياها. ولن ينفع القول إن قوة الدولة في تركيا أو انتماءها إلى حلف شمال الأطلسي هما ضمانة لوحدة البلاد ولعدم هزّ الاستقرار فيها. فهي مقولة كانت ترددها عن نفسها بعض الدول العربية فإذا بها تشهد اضطرابات أوسع من غيرها. تتوقع استطلاعات الرأي أن يحقق حزب العدالة والتنمية انتصارا كبيرا بنسبة تتراوح بين 40 و50 في المائة. ونظريا يفترض أن يوفر نجاح حزب العدالة والتنمية لولاية ثالثة استمرارا أيضاً للنهج المعروف في السياسة الخارجية. لكن التطورات الإقليمية قد لا تفيد حتما باستمرار ذلك. وإذا كانت المسؤولية الأولى في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية تقع على حزب العدالة والتنمية فإن ذهنية الحزب لا تقتصر عليه وحده بل إنه يختصر واقعا يشمل غالبية شرائح المجتمع التركي وهنا، كما الفرصة الأكبر، المشكلة الأكبر.
364
| 11 يونيو 2011
ربما تكون تركيا هي البلد الأكثر ارتياحا للعفو العام الذي أعلنه الرئيس السوري بشار الأسد عن المعتقلين السياسيين فيهم سوريا بمن فيهم عناصر تنظيم الإخوان المسلمين. ذلك أن المسؤولين الأتراك ولاسيَّما وزير الخارجية أحمد داود أوغلو ما برحوا يكررون بصورة شبه يومية منذ فترة بضرورة مبادرة الأسد إلى خطوة صادمة أو ما أسموه "العلاج بالصدمة". ورأى داود أوغلو أن الأسد تأخر كثيرا في اتخاذ إجراءات عملية لكن الوقت لم يفت ولا يزال ممكنا رغم أنه يستنفذ. وفي الواقع إن تركيا كانت في الفترة الماضية أمام ثلاثة احتمالات أو سيناريوهات أملت عليها مواقف قد تبدو متناقضة أحيانا لكنها تعكس الاستعداد التركي لكل الاحتمالات بكل ما تحمله من ضمانات أو مخاطر على الأمن القومي التركي والمصالح التركية عموما: 1- سيناريو التغيير في ظل الأسد: بدت تركيا منذ اللحظة الأولى لاندلاع شرارة الاحتجاجات في سوريا متخوفة جدا من ذهاب البلاد إلى صدامات مذهبية. ونظرا لتشابه الأوضاع في البلدين من ناحية البنية الاجتماعية والديموغرافية فإن أنقرة كانت تفضل الحفاظ على الاستقرار في تركيا والقيام بإصلاحات بقيادة الأسد نفسه. وحمل الموفدون الأتراك ومنهم داود أوغلو شخصيا العديد من النصائح إلى القيادة السورية ومنها المساعدة العملية في كيفية تطبيق الإصلاح في ظل مؤسسات عفنة غير قادرة على تنفيذ الإصلاح، ذلك أن الإصلاح مع بقاء الأسد قد يكون السيناريو الأفضل لتركيا لمنع تطور الأحداث بصورة لا يمكن توقعها. 2- السيناريو الثاني هو سيناريو الاستعداد للتعامل مع نظام بديل للنظام السوري في حال اتجهت الأوضاع إلى مزيد من التدهور تفضي إلى الإطاحة لاحقا بالنظام السوري. وهنا يبدو السيناريو الليبي هو الأقرب من خلال تهيئة المعارضة السورية لتكون ذات حيثية تنظيمية. وأنقرة هنا ليست بعيدة رغم نفيها لذلك عن تنظيم هذه المعارضة عبر استضافة مؤتمراتها في اسطنبول وانطاليا والتحضير لتشكيل مجلس وطني انتقالي ومواكبة ذلك عبر العقوبات الأمريكية والأوروبية على شخصيات في النظام السوري ومنها الأسد وصولا إلى قرارات من مجلس الأمن توفر غطاء شرعيا دوليا لخنق النظام والإطاحة به، والأتراك وإن ليسوا مع هذا السيناريو كخيار أول لكنهم لا يعارضونه إذا كان هو الطرح الوحيد المتبقي، خصوصا أن تركيا باتت خبيرة في استضافة المعارضات ومنها المعارضة الليبية. 3- أما السيناريو الثالث فهو سيناريو الفوضى في سوريا والدخول في فتنة داخلية وحرب أهلية تتخذ طابعا مذهبيا واتنيا وتحوّل سوريا إلى ساحة مفتوحة تكون تركيا هي المتضرر الأكبر وهو ما حمل داود أوغلو على اعتبار ذلك يحمل "مخاطر عالية" على تركيا. ويزداد حجم التأثيرات السلبية على تركيا من هذا السيناريو وسط عجز أنقرة عن حل المشكلة الكردية كما المشكلات الأخرى وهو ما دفع بعبدالله اوجالان زعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل إلى التهديد بتحويل تركيا إلى جحيم بعد 15 يونيو الجاري إذا لم يأخذ رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان بمطالب الأكراد. إن أي فوضى لن تتوقف عند انتقال شرارتها إلى تركيا بل يمكن أن تنعكس سلبا على كيفية تعاطي تركيا مع أكراد المنطقة عموما حيث سيستغل حزب العمال الكردستاني هذه الفوضى لتوسيع نشاطه ضد تركيا من الحدود السورية وما يمكن أن ينشأ من "بلوك" كردي سيجد أكراد العراق أنفسهم يؤيدونه تلقائيا نظرا لروابط الدم. لقد ارتبكت السياسة الخارجية التركية تجاه الثورات العربية لكنها كانت تواجه المخاطر الأعلى في الحالة السورية وجاءت الانتخابات النيابية المقررة في تركيا يوم الأحد في 12 يونيو الجاري لتربك أكثر الموقف التركي من سوريا. وغالبا ما كان المسؤولون الأتراك يعيدون بعضا من مواقفهم المنتقدة للأسد لاعتبارات انتخابية حتى إذا انتهت الانتخابات كان لأنقرة رأي آخر. لا يمكن اختصار الموقف التركي بحسابات انتخابية محلية ضيقة لذا فإن خطوة العفو العام، التي يجب أن تلحق بخطوات أخرى، ستضع أنقرة أمام سلوك يعزز خيارها الأول وهو التغيير في ظل استمرار الأسد في السلطة، ودور تركيا هنا، برعايتها للمعارضة السورية، أساس في لعب دور عملي لجهة التمهيد لحوار وطني في سوريا ينقذ تركيا قبل غيرها من سيناريو "المخاطر العالية".
385
| 04 يونيو 2011
بدأت الثورات العربية تلقي بظلالها الثقيلة على علاقات تركيا ببعض البلدان العربية، وكان لابد من أن تترك التطورات التي تمر بها المنطقة العربية ندوبها على علاقات العرب بتركيا نظرا لعدم وحدة المعايير التي اتبعتها تركيا في مواقفها مما يجري في الشارع العربي. ففي مصر كانت أنقرة مبادرة إلى استعجال رحيل الرئيس حسني مبارك وإلى زيارة القاهرة من جانب الرئيس عبد الله غول لحث الجيش على ترك السلطة في أقرب وقت إلى المدنيين الذين يبرز منهم حركة الإخوان المسلمين. لكن في ليبيا لم يكن الأمر كذلك حيث دافعت أنقرة حتى الأمس القريب عن موقفها المعارض لضرب الرئيس الليبي معمر القذافي أو التدخل الأطلسي في ليبيا. وكان الموقف من سوريا أكثر حرجا لتركيا حيث إنه بلد مجاور وتربط القادة الأتراك علاقات جيدة مع الرئيس السوري بشار الأسد. لكن الأتراك ما لبثوا أن تدرجوا في تصعيد موقفهم من الأسد وصولا إلى قطع الاتصالات به واستضافة الاجتماع الثاني للمعارضة السورية بدءا من يوم الثلاثاء المقبل في اسطنبول في رسالة قوية إلى النظام السوري وفي إشارة ربما على القطع النهائي لحبل العلاقة الذي قد يمهد لموقف تركي "أكثر تطورا" من الرئيس الأسد، قد يتضح خلال الأيام القليلة المقبلة ويسبق مباشرة الانتخابات النيابية التركية التي ستجري بعد أيام في 12 يونيو بما يخدم حصد رئيس الحكومة وحزب العدالة والتنمية رجب طيب أردوغان المزيد من أصوات الفئات الدينية والمحافظة في تركيا. غير أن ما لم تحسب له تركيا هو الصوت الذي خرج من العراق وتطرق إلى قضية كانت في رأس التوترات التركية العربية في مرحلة ما قبل سلطة حزب العدالة والتنمية وهي مشكلة المياه بين أنقرة وكل من سوريا والعراق. وهذه المشكلة الناتجة عن بناء تركيا للسدود على نهري الفرات ودجلة ضمن ما يسمى مشروع "غاب" أدت إلى كوارث زراعية في سوريا والعراق كما إلى تلويث للبيئة نتيجة الانخفاض الكبير في كمية المياه الممررة إلى سوريا والعراق فضلا عن رداءة نوعيتها. وكانت سوريا والعراق تحملان المشكلة إلى جامعة الدول التي كانت تؤيد موقف عضويها العربيين. لكن مع تحسن العلاقات التركية – السورية والعراقية تخلت دمشق وبغداد عن حمل القضية إلى المحافل العربية والقانونية وذلك كرم لتطوير العلاقات المتحسنة بين العرب والأتراك من دون أن يترافق ذلك مع أي تغيير في الموقف التركي المصرّ على أن نهري الفرات ودجلة تركيين عابرين للحدود وليسا دوليين. وهكذا استمر الموقف التركي في عهد حزب العدالة والتنمية نفسه الذي كان في عهود طورغوت اوزال وسليمان ديمريل وسائر الحكومات العلمانية السابقة. التطور الجديد أن العراق يقف للمرة الأولى رافعا الصوت أمام التعنت التركي بشأن مسألة المياه، ويتفق كل الخبراء العراقيين على أن العراق الذي تلازمت حضارته مع وجود المياه ووصفت بأنها "حضارة مائية"يتجه نحو مشكلة تصحر كبيرة من جراء مشاريع السدود التركية على نهري الفرات ودجلة. والأمر ينسحب أيضاً على سوريا. ونظرا لأن العراق كان تحت الاحتلال ومر بفترة لا سلطة فيه ونظرا لأن سوريا لم ترغب أن تكون مشكلة المياه عائقا أمام تطور علاقاتها مع أنقرة فإن مشكلة المياه لم تثر من جانب العراق وسوريا. اليوم ومع استقرار الوضع في العراق ومع التوتر المتصاعد بين تركيا وسوريا أصبح الظرف مناسبا لإثارة مسألة المياه من جديد ودعوة تركيا لتوقيع اتفاقية جديدة تأخذ في الاعتبار القوانين الدولية. وهو ما فعلته الحكومة العراقية بتصريح وزير الدولة والناطق الرسمي للحكومة علي الدباغ بأن العراق لن يوقع على اتفاقية التعاون الاستراتيجي مع تركيا إن لم توقع أنقرة على اتفاق جديد حول مسألة المياه. وأكد ذلك رئيس البرلمان أسامة النجيفي الذي قال إن اتفاقية التعاون الاستراتيجي لن تمر في البرلمان قبل اتفاقية حول المياه. سوريا الصامتة حتى الآن مشغولة باضطراباتها الداخلية، لكن انقلاب تركيا على علاقاتها الجيدة مع النظام لن يمر دون ردود فعل سورية خصوصا إذا نجح النظام في البقاء، وإذا كان من دروس يستفاد منها فيما يتعلق بقضية المياه هذه فهو أن العلاقات الدولية حتى بين الإخوة لا تبنى على الثقة والكلام المعسول والمشاعر بل بالترجمة العملية للمصالح وفي مقدمها توقيع اتفاقية جديدة للمياه بين تركيا وكل من سوريا والعراق.
516
| 28 مايو 2011
لم يكن السؤال الذي توجه به الدكتور عزمي بشارة رئيس المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسية جديدا، لكنه كان يذكّر بأن كل القوى الإقليمية من الشقيقتين إيران وتركيا إلى إسرائيل العدوة، تعرف ماذا تريد وماذا تفعل وكيف تسعى بوعي وتخطيط إلى مشاريعها. وحدهم العرب ليسوا على "أجندا" الصراع والحضور في المنطقة، لذلك عندما انفتحت تركيا على العرب في عهد حزب العدالة والتنمية قوبلت بترحيب كبير، واحد من أسباب هذا الترحيب والقبول هو الفراغ العربي. لم يستطع العرب أن يؤسسوا كيانات ذات حيثية سياسية واقتصادية ومدنية حديثة، بقوا على انقساماتهم وغيابهم فكان سهلا على الآخرين أن يتقدموا في حقل خال من "الألغام" التي تحمي الهوية وتستفيد من التاريخ وتؤسس للمستقبل. قبل مدة قصيرة عقد المركز العرب للأبحاث مؤتمرا حول العرب وإيران. واليوم عقد المركز مؤتمرا في الدوحة وليومين حول "العرب وتركيا: تحديات الحاضر ورهانات المستقبل". ليس هو المؤتمر الأول بل جاء بعدما كادت مثل هذه المؤتمرات تستنفذ أغراضها في ظل التحولات الكثيرة التي شهدتها العلاقات العربية التركية، لكن دراسة السياسات ليست عملية محدودة بوقت أو بحدث أو بمرحلة، بل هي عملية مفتوحة على الدوام. وإذا كانت العلاقات العربية التركية شهدت منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في العام 2002 قفزة نوعية في توثيقها وتعزيزها ولاسيَّما أن التغيير جاء في الأساس من الجانب التركي، فإن المرحلة الحالية من هذه العلاقات بعد قيام الثورات وحركات الشارع العربي وما تشهده من حيث المبدأ من "تحولات" في المواقف التركي من هذه الثورات تستحق التوقف والتأمل والبحث في حيثيات التحولات الجديدة وآفاق المشهد التي سترتسم داخله. وفي نظرة إلى العلاقات بين الطرفين التركي والعربي بات واضحا أنها تمر الآن بمرحلة حرجة بعد الاهتزاز الذي أصابها في إثر الارتباك والتناقضات التي وسمت النظرة التركية إلى الأحداث بحيث إنها وللمفارقة كسبت غضب العرب بجناحيهم "المعتدل" و"الممانع". وهذه تعتبر نكسة خطيرة لعامل الثقة في الأساس الذي بناه الطرفان على امتداد سنوات حزب العدالة والتنمية. هذا الاهتزاز الذي يكاد يطيح بكل المرحلة السابقة يعكس واقع أن العلاقات لم تكن قائمة على أسس متينة وأنها رهينة ردات فعل وتمنيات وانبهار وأطماع ومؤامرات وما إلى ذلك من صفات. هذا يستدعي إعادة تقييم لما جرى. ولما كان العرب هم ساحة الصراع وتطلع القوى الإقليمية والدولية فإن ذلك يستدعي تأملا من الجانب العربي قبل أي شيء آخر. بين شيء من الحنين وشيء من الإعجاب وشيء من الأنانيات كانت ترتسم العلاقات العربية التركية من دون فكّ أي مشكلة حقيقية لا على صعيد التوازن في العلاقات الاقتصادية ولا الاتفاق على مبادئ محددة في التعاون الإقليمي ومواجهة التحديات. كانت هذه العلاقات أقرب إلى الفولكلور التي ليس أفضل من "مهند ونور" عنوانا لها حتى إذا ما واجهت هذه العلاقات تحديا جديا مثل الثورات العربية لم ينفع لا "مهند" ولا "الكباب التركي" وانكشفت العلاقات على بناء هش يكاد ينهار من مجرد موقف من هنا أو من هناك كأن شيئا لم يتحقق خلال الفترة الماضية. المسؤولية الأولى تقع على العرب. لا يجادل أحد في ذلك. العرب، كما قال عزمي بشارة،عليهم أن يثبتوا أولا أنهم موجودون. هم موجودون، يقول، بـ"الافتراض". لذلك رأى بشارة أنه قبل التحاور مع الأتراك "علينا أن نتحاور مع أنفسنا ونحدد أولا ماذا نريد من تركيا؟ وهذا لا يتم إلا بدراستها خارج فيضان المقالات والنصوص الشعرية وفي اتجاه تفكيك الأساطير والشعوذات حول العلاقة معها". العلاقات العربية التركية كما العلاقات العربية الإيرانية مفتاح للعلاقات الإقليمية. والخطوة الأولى لإرساء توازن في المنطقة هي عودة العرب إلى دورهم. وتحديد الإجابة على سؤال ماذا يريدون هم من الآخرين وأولهم تركيا؟ وهو ما يهدف إليه مؤتمر"العرب والأتراك".
506
| 21 مايو 2011
ليست "التفاصيل" التي يقال،وعن حق غالبا، أن الشيطان يكمن فيها،"تفصيلا". وينطبق ذلك أكثر شيء على البلدان والمجتمعات التي لم تنجح بعد في إرساء هويات حديثة تتجاوز مكوناتها الأولى،"البدائية" غالبا. وليست العلاقات الدولية استثناء من هذه النظرة.اذ أن الدول بما فيها العظمى كانت تقف جهودها لمعالجة مشكلة معينة عند بعض التفاصيل. لكن الأخطر ان تكون"التفاصيل" احيانا هي "بيت القصيد" وأساس النظريات الاستراتيجية التي تغلف نفسها احيانا أيضا بشعارات براقة فيما تكون "الأجندا" في مكان آخر. لم يكن وزير الخارجية التركي أحمد داود اوغلو في كتابه العمق الاستراتيجي إلا واحدا من أولئك المنظّرين وواضعي الاطار العام للاستراتيجيات الكبرى لبلدانهم وهي هنا تركيا. والكتاب بالفعل مطالعة عميقة في كل أوجه الجيوبوليتيك التركي بماضيه العثماني وامتداده الأوروبي. وقد سعت تركيا في عهد حزب العدالة والتنمية الى تطبيق هذه النظريات ونجحت بذلك إلى حد كبير. وانسحبت صورة تركيا الجديدة على الواقع العربي والإسلامي والإقليمي في شمالها وغربها وشرقها.غير ان الاختراق التركي الأساسي تم في "الجسم العربي" وفي خاصرتين رئيسيتين: فلسطين وسوريا. باتت صورة تركيا إيجابية لدى الإنسان العربي بسبب وقفات رجب طيب اردوغان وغيره من دافوس إلى القدس وغزة وما الى ذلك. ومع سوريا بل بفضلها أمكن لتركيا أن تدخل البيت العربي على حصان أبيض بل بجناحين أيضا. كان فتح القوميين العرب البعثيين في دمشق باب بلادهم والعالم العربي أمام أحفاد العثمانيين مهما جدا بعدما كانوا الجدار المجابه لتركيا الطورانية منذ بداية القرن العشرين ثم تركيا المديرة ظهرها للعرب والمسلمين في عهد اتاتورك ثم تركيا الاسرائيلية في الحرب الباردة وحتى العام 2002. لم تعد تركيا تلك العدوة بل الشريكة في الهمّ والمستقبل. ولم يكن ينقص فتح السوريين الباب لتركيا سوى ان تدخل الدراما التركية الى كل بيت عربي باللجهة السورية التي أصبحت بفضل مسلسل باب الحارة عنوانا للانتشار والاعجاب. لكن النظرية الاستراتيجية التي رسمت في " العمق الاستراتيجي" واجهت تحديات كبيرة وجدية مع بدء الثورات في العالم العربي. لم تعد تركيا تلك الجهة المحايدة والتي تقف على مسافة من الجميع أنظمة وشعوبا. وكان اتخاذها مواقف واضحة مما يجري داخل كل بلد عربي دخولا في "التفاصيل الشيطانية" التي وإن بدت تفصيلا لكنها هزّت الأسس الاستراتيجية التي قام عليها كل المشروع التركي الجديد في ان تكون تركيا قوة ناعمة وذات اقتصاد قوي تنتمي الى عمق استراتيجي مسلم وعربي و"عثماني". استسلمت تركيا لوهم "فائض القوة" و "فائض الثقة بالنفس" لتمارس أدوارا أقل ما يقال فيها انها أكبر منها ولا تليق ببلد يريد ان يكون قوة اقليمية عظمى تمارس ايضا دورا عالميا في بعض القضايا. وهمُ فائضَي القوة والثقة أوقعا تركيا في سلسلة من الأخطاء القاتلة التي تبدو "تفصيلا" لكنها أثرت سلبا على صورتها وحضورها ودورها ونفوذها ومستقبلها في المجال الجغرافي العربي وجزء من المجال الجغرافي الاسلامي. مارست تركيا منذ اللحظة الأولى دور "الوصي" عندما دعا اردوغان الرئيس المصري حسني مبارك ومن قبله الرئيس التونسي زين العابدين بن علي للتنحي. كان يمكن للقوة العظمى الوحيدة في العالم ان تمارس مثل هذا الدور الاستعلائي مدفوعة أولا بغطرستها وثانيا بقدرتها على التغيير او التأثير. ومنذ اللحظة الأولى أدركنا خطأ هذه الخطوة التركية في منطقة عربية متحركة جدا ولا تزال مشبعة بحساسياتها التاريخية والمذهبية والقومية. وفي الحالة الليبية لم يكن ممكنا تفسيرا منطقيا للإزدواجية التركية التي لم تستطع وضع معمر القذافي في مصاف مبارك وزين العابدين رغم التشابه الكبير في الحالتين. وفي الحالة السورية لم تكتف تركيا باللعب بالتفاصيل بل غرقت فيها ولم يعد اردوغان ولا وزير خارجيته قادرين على الإمساك بلسانيهما فكانت التصريحات والمواقف اليومية الضاغطة على دمشق ليس فقط من باب الإصلاح وهذا امر محق وعادل بل من باب تحريك الفتنة المذهبية بالتركيز عليها.وهنا كنا ايضا كما لو اننا امام مسلسل "الاستاذ والتلميذ" لكثرة النصائح والدروس التي كانت انقرة ترسلها يوميا الى دمشق.في وقت لم يمارس أحد من العرب "أستذته" على تركيا رغم ان الحالة متشابهة جدا في الحالتين. خرجت تركيا من المواقف من حركات الشارع العربي بخسائر جسيمة أصابت بندوب صورتها الايجابية. ولم تقتصر الخسائر على بلدان "معتدلة" وأخرى"ممانعة" بل طالت صورة تركيا لدى الجميع. والأخطر من كل ذلك وهو ما يثير العجب ان يكون جانب من "الوصاية والنصائح والدروس" التركية له بعد داخلي ضيق لكسب بضعة أصوات انتخابية هنا وهناك. ولو ان هذه الأصوات حاسمة في النتائج لبررنا " الفعلة" التركية لكن السلوك التركي كان "لعباً بنار" التفاصيل العربية ونربأ بواضعي النظرية "العميقة" الخاصة ب"العمق الاستراتيجي" ان يقعوا فيها ويغرقوا في زواريبها حتى لكأن الذي يدير السياسة الخارجية التركية الآن شخص آخر غير داود اوغلو. للأسف نقول ان صورة تركيا ودورها ما قبل الثورات العربية هو غيرها ما بعدها. والأسس التي قامت عليها ما يسمى ب"الشراكات" بين تركيا والدول العربية لن تعود كما كانت. وفي ذلك ضربة "عميقة" لأسس المشروع التركي في المنطقة الشرق أوسطية وليس فقط في المنطقة العربية.
544
| 14 مايو 2011
لم ينقطع الحديث منذ عدة سنوات عن صورة تركيا لدى العرب واحتل ما يسمى بـ "النموذج التركي" قائمة النقاشات التي كثرت في الآونة الأخيرة ومنها ورشة عمل حول العلاقات العربية التركية عقدت في بيروت مطلع الأسبوع الحالي بمشاركة نخبة من المثقفين والباحثين الأتراك. وقد كان لكاتب هذه السطور مطالعة حول النموذج التركي والتحديات التي يواجهها. وقد سجلتُ الملاحظات التالية: 1- أن الأتراك يرفضون أن يطرحوا أنفسهم نموذجا، ويرون أنه فقط يمكن استلهام بعض جوانبه كما استلهم الأتراك "الأشياء الجميلة" من تجارب غيرهم في عملية التحديث السياسي والتنمية الاقتصادية. 2- لا يمكن استنساخ أي نموذج من بلد لآخر مهما تشابهت الظروف والشروط فلكل بلد خصوصياته التي تنتج نموذجه الخاص به. 3- أن النموذج التركي نفسه لم يكتمل بعد وأمامه تحديات وصعوبات كثيرة ولاسيما فيما يتعلق بالمسألة الاثنية والمذهبية واتخاذ النموذج التركي مثالا قد يكون مؤذيا للنموذج التركي نفسه وعائقا أمام استكمال تجربته. 4- أن مقاربة صورة تركيا لدى العرب لم يقابلها،ما خلا حالات محدودة، بالاهتمام نفسه مقاربة صورة العرب لدى الأتراك. وبدا أن العلاقة العربية التركية هي علاقة "حب من طرف واحد". حيث إن 39 في المئة من الأتراك ينظرون بشكل سلبي إلى العرب مقابل 33 في المئة ينظرون إليهم بصورة إيجابية.أيضا أن الاهتمام العربي بالدراما التركية ودبلجة عشرات المسلسلات التركية إلى العربية لم يقابلها دبلجة أي مسلسل عربي إلى التركية علما أن المسلسلات التركية المدبلجة إلى العربية لا تعبر عن واقع المجتمع التركي بل تسيء إليه أحيانا كثيرة. 4- الحديث العربي عن النموذج التركي يلامس أكثر ما يلامس بعده المتصل بالعلاقة بين الإسلام والديمقراطية وبين الإسلام والعلمانية. وهنا نسجل خلطا لا يؤخذ في الاعتبار وهو أن النموذج التركي ليس نموذجا يجمع بين الإسلام والديمقراطية ولا بين الإسلام والعلمانية.فحزب العدالة والتنمية حزب محافظ ديمقراطي وليس حزبا إسلاميا لا في منطلقاته ولا في مشاريعه ولا في سلوكياته العامة. انه حزب المشاريع لا الشعارات وحزب البدائل لا الايديولوجيا.مرجعيته دفتر الشروط الأوروبية لا الشريعة الإسلامية بما في ذلك زاوية النظر إلى مسألة الحجاب كخيار شخصي لا كفرض ديني. ولقد أكثر قادة بعض الحركات الإسلامية ولاسيما الإخوان المسلمين في مصر وسوريا وتونس القول إنهم سيطبقون النموذج التركي في لو وصلوا إلى السلطة. لكن السؤال الذي يطرح على قادة الحركات الإسلامية العربية:هل هم مستعدون ليخرجوا من كونهم أحزابا دينية وأن يكونوا مجرد مسلمين في أحزاب ديمقراطية وعلمانية تحترم الهوية الدينية كما هو حال حزب العدالة والتنمية؟ إذا كان الجواب بنعم فنحن أمام ثورة في مسيرة الحركات الإسلامية في العالم العربي.لكن من المفيد أن نسمع الجواب من فم هؤلاء القادة أنفسهم ليبنى على الشيء مقتضاه وفيما يتعلق بصورة تركيا في المنطقة العربية يجدر التوقف عند بعض التحديات التي تواجه هذه الصورة في المرحلة المقبلة. من هذه التحديات إحساس تركيا بوجود فائض قوة لديها وفائض ثقة بالنفس.وهو ما يدفعها أحيانا للتصدي لملفات أكبر من قدرة دبلوماسيتها ومن قدرتها الفعلية على القيام بها. وأعتقد أن الإحساس بفائض القوة هذا أوقع تركيا في ارتباكات بل إخفاقات في أكثر من ملف من ليبيا والبحرين إلى مصر وسوريا. ايضا فائض القوة هذا جعل تركيا أحيانا تمارس سياسة اللعب على توازنات القوة بين الدول العربية كما داخل كل دولة ما اعتبر أحيانا بأنه تدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية.وهو ما قد تكون له آثار سلبية على صورة تركيا ودورها في المنطقة العربية. حيث عادت مثلا مفردات "الاحتلال العثماني" في الكتب المدرسية في العراق للمرة الأولى في العام الدراسي 2001 وعادت مفردات "الاستعمار العثماني التركي" على لسان صحافيين كبارا في سوريا. لا تزال صورة تركيا لدى الشارع العربي قوية وإيجابية. لكن التحديات الجديدة تفرض على قادة تركيا جهدا استثنائيا وسلوكا أكثر واقعيا للحفاظ على هذه الصورة إن لم يكن تعزيزها، وأثق تماما أن حزب العدالة والتنمية الذي قام بثورة صامتة في أصعب الظروف سيكون قادرا على استخلاص الدروس وتعزيز الشراكات الإقليمية مع كل العرب والمسلمين.
471
| 08 مايو 2011
واجهت سياسة المسافة الواحدة من كل الأطراف التي اعتمدتها الدبلوماسية التركية على امتداد السنوات القليلة الماضية تحديات جدية للمرة الأولى بعد اندلاع موجات الثورات والاحتجاجات في الشارع العربي. وإذا كانت هذه الدبلوماسية الناعمة في جوهرها قد انهارت مع انهيار العلاقات التركية الإسرائيلية بعد العدوان على غزة، فإن الامتحان للدور الوسيط قد ظهر خلال الأسابيع القليلة الماضية وفي أكثر من ملف. ففي ليبيا حاولت تركيا حقن الدماء هناك من خلال مبادرة من ثلاث نقاط تتيح انتقالا سلميا للسلطة عبر انتخابات حرة لا تستبعد عائلة القذافي منها على قاعدة أنها قوة وازنة لا يمكن تجاهلها. غير أن هذه المبادرة لم تبصر النور لأن القوى المعادية للقذافي الغربية منها والعربية كانت تريد اجتثاث النظام لا إصلاحه فضلا عن الأجندات السرية ولاسيَّما لفرنسا والغرب التي تتجابه مع السياسة التركية في المتوسط وأوروبا ولا تريد لأنقرة نجاحا في ليبيا. وسعت تركيا أن تتوسط بين السلطة في البحرين والمعارضة بعد طلب من مرجعيات عراقية،غير أن هذه الجهود لم تسفر عن أي نتيجة واختفى الحديث عن هذه المبادرة كلية، غير أن التحدي الأبرز أمام تركيا كان في الحالة السورية، فسوريا ليست لتركيا كأي بلد عربي آخر جرت فيه احتجاجات. إذ أن سوريا بلد مجاور لتركيا ولها معها حدود بطول 800 كلم كما أن الأمن القومي التركي مرتبط جدا بالاستقرار في سوريا بسبب تداخل المشكلات الأمنية ولاسيَّما الانفصالية الكردية والتداخل الاجتماعي بين الشعبين وانفتاح الحدود، كذلك تتشابه البنى والمذهبية في البلدين بحيث إن أي اضطراب أو اهتزاز في سوريا يؤثر في الداخل التركي والعكس أيضا صحيح. أيضا أن سوريا كانت المجال الجغرافي الذي مارست من خلاله تركيا وبنجاح سياسات الانفتاح وتصفير المشكلات. ما قدمته سوريا خلال الأعوام الماضية لتركيا كان خياليا، لذا فإن تركيا سعت منذ البداية إلى انتهاج موقف يجمع بين مطلب التغيير وبين ضرورة الاستقرار في سوريا. ذلك أن التجارب التي لا تزال مفتوحة كانت سيئة جدا في بلدان ذات بنى متعددة. من ذلك العراق الذي انتهى إلى التقسيم وكان منشأ للفتنة الشيعية السنية وليبيا التي دخلت في حرب أهلية وتدمير لقدراتها الاقتصادية وثرواتها عموما. وتركيا تخشى أن تكون سوريا أمام واحد من سيناريوهين إما حرب أهلية مفتوحة وعدم استقرار كما هو في ليبيا أو انتهاء الوضع إلى تفتيت كما في العراق. لذا فإن أساس الموقف التركي الآن هو التجاوب مع مطالب الإصلاح من قبل السلطة في سوريا بل قيادة الرئيس بشار الأسد لعملية التغيير. إن معادلة التغيير مع الاستقرار معادلة صعبة لكنها غير مستحيلة بل مطلوبة حتى لا تشهد سوريا نهايات مأساوية يكون المستفيد الأول من إسرائيل التي تستفيد من بعض الثورات لكي تنفذ منها بالتعاون مع الغرب لإحداث تحولات في السياسات الأساسية لسوريا في منطقة الشرق الأوسط. وتركيا بتقديرنا قادرة على لعب دور إيجابي خصوصا أنها تواصل امتلاك العناصر التي أدخلتها إلى المنطقة وهي التواصل مع كل الأطراف. ومن ذلك استمرار التشاور المباشر بين أنقرة والقيادة السورية وأيضا وجود علاقات تركية "حاضنة" للمعارضة السورية التي نشطت مؤخرا على الساحة التركية وهو ما له دلالة رغم أن المسؤولين الأتراك يقولون إنهم لا يستطيعون منع أحد من التعبير عن رأيه وعقد اجتماعات انطلاقا من حرية الإعلام في تركيا، مع ملاحظة أن هذا يمكن أن ينطبق على الأتراك في تركيا وليس على الأجانب الذين يدخلونها وقد يعرضون علاقات تركيا الخارجية للحرج. ربما تستطيع تركيا التعويض عن إخفاقها في ليبيا والبحرين وبعدما خرجت من الوساطة بين سوريا وإسرائيل. وهذه فرصة ليس فقط للدبلوماسية التركية لتحقيق إنجاز ما بل إنها فرصة لسوريا ولمعادلة التغيير والاستقرار التي ليس من بديل لها إلا الفوضى والتقسيم.
411
| 30 أبريل 2011
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية...
5178
| 20 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده...
2598
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة...
2361
| 15 أكتوبر 2026
لعل كثيراً منا في قطر، سواء كان موظفاً...
1512
| 20 أكتوبر 2026
حين يطلب أحد أبناء العائلة منصبًا إداريًا في...
1128
| 18 أكتوبر 2026
قد يكون من أهم إنجازات الدولة خلال الأزمات...
1107
| 14 أكتوبر 2026
شخصيًا ما زلت أرى ضبابية وعدم وضوح في...
1068
| 15 أكتوبر 2026
كيف يتحمل القلب مشهد صالة المسافرين رقم (٤)...
936
| 18 أكتوبر 2026
حدث ذات مساء في قرية فويرط المستلقية على...
723
| 20 أكتوبر 2026
هناك في متحف الإنسان بالعاصمة الفرنسية باريس، تقبع...
558
| 18 أكتوبر 2026
لم يخلق الله عز وجل هذه الدنيا لنخلد...
486
| 15 أكتوبر 2026
الموضوع باختصار إن لي صديقة كانت قد انفصلت...
477
| 15 أكتوبر 2026
مساحة إعلانية