رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما نهاية "الحقبة الأمريكية" المباشرة في العراق عندما حسم بشكل رسمي ما كان رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي أعلنه قبل حوالي الشهر من أن العراق لا يريد التمديد ولا التجديد لبقاء القوات الأمريكية على الأراضي العراقية بعد نهاية العام الحالي. وبذلك لا يبقى للأمريكيين في العراق من وجود مادي مباشر إلا ما تضمه السفارة الأمريكية في بغداد من موظفين يعدّ عددهم بالآلاف! وما يمكن من خبراء تتعاقد معهم الحكومة العراقية. إذن هي نهاية وجود احتلالي مباشر استمر ثماني سنوات عانى خلاله العراقيون الويلات والمصائب ومحصلة الضحايا لن تعرف بدقة قبل مرور وقت طويل. ناهيك عما تركه الاحتلال من عشرات بل مئات آلاف الجرحى والمعوقين والأرامل. غير أن ما تركه الاحتلال من تدمير للبنى الاجتماعية وتخريب لوحدة الأراضي وإثارة للحساسيات المذهبية كان عنوان تلك المرحلة. وفي المختصر كان إيقاظ الفتنة السنية – الشيعية ليس فقط في العراق بل في العالم الإسلامي من أخطر ما تركه الاحتلال الذي لا يميز سنيا عن شيعيا. تارة يقف مع هذا وطورا مع ذاك والمحصلة واحدة وهي ضمان المصالح الأمريكية المتجسدة في عنوانين باتا واضحين لكل مراقب وإنسان عادي وهي تفتيت إضافي للعالم العربي والإسلامي وخلق المزيد من "سايكس- بيكوات " جديدة فتسهل السيطرة على ثروات العرب والمسلمين وتزداد شروط الحماية لأمن إسرائيل. ولقد كان العراق مهما من هذه الناحية لتهيئة المناخ النفسي لحالات مماثلة في أماكن أخرى. فالنموذج العراقي التفتيتي كان مدخلا لقبول نفسي لتقسيم السودان وفصل جنوبه وثرواته عن شماله. والسودان يشكّل أيضا نموذجا لأية خطط غربية لتقسيم دول عربية يراها ضرورية لمصالحه وأمن إسرائيل. ومع أن انتهاء الوجود الأمريكي العسكري المباشر في العراق لا يجعل هذا البلد خارج التأثيرات الأمريكية، غير أن هذا يطرح العديد من التحديات الداخلية والخارجية التي تظهر ليس لشيء إلا لأن النظرة السائدة هي أن المجتمعات العربية لا "يضبطها" سوى إيقاع خارجي بالترغيب أو بالترهيب. وهذا برأيي يسيء إلى قدرات الأمة العربية والإسلامية في أن تحكم نفسها وتجد حلولا محلية لمشكلاتها خارج استدعاء الخارج واستدراج الاحتلالات. من هذه العناوين التي لا تهدف إلا لاستكمال المخططات الخارجية هي مقولة "الفراغ الأمني" الذي تركه الاحتلال. ومنطلق ذلك أن أي خلاف يتجدد في العراق حول قضايا حساسة لن يجد من يلجمه إلا قوة تدخل خارجية. أي أنه إذا وصل البحث عن حل لمشكلة كركوك إلى جدار مسدود فلا محالة من صدام عسكري بين العرب والأكراد وبين التركمان والأكراد. وفي هذا السياق يكثر الحديث في الغرب وفي تركيا عن أن الانسحاب الأمريكي النهائي من العراق سيدخل العراق نفسه في اهتزازات سيكون مدخلا لعودة تركيا إلى الساحة العراقية من النافذة العسكرية بعدما أخرجت من اللعبة على امتداد ثماني سنوات. وفي تركيا يوجد دائما من يحرّض على توريطها في المستنقع العراقي من خلال الإيهام أن دورا عسكريا تركيا ضاغطا فيه هو السبيل إلى تعزيز النفوذ التركي هناك. ويزداد مثل هذا الاعتقاد بعد التوتر الذي يسود علاقات تركيا مع العراق وإيران بسبب موقف الحكومة العراقية المؤيد للنظام في سوريا الذي تقف منه تركيا موقفا عدائيا. كذلك هناك من يروّج إلى أن استمرار تواجد حزب العمال الكردستاني في شمال العراق كما استمرار التوتر في قضية كركوك سيكون ذريعة ذهبية لتركيا للعودة إلى الساحة العراقية من البوابة الكردية والتركمانية. لا تخلو كل هذه الإشارات والأقاويل من عناصر موجودة بالفعل على أرض الواقع. لكن الفرصة الأكبر ستكون أمام العراقيين أنفسهم بكل مكوّناتهم لكي يتعظوا من تجارب الانقسامات الداخلية ومن مخاطر وكلفة التدخلات الخارجية العسكرية ليتفقوا على عقد اجتماعي وسياسي جديد يقيهم شرائر الخارج ويثبتوا أنهم أبناء تلك الأرض التي أعطت العالم أولى حضاراته النوعية.
632
| 29 أكتوبر 2011
مخطئ من كان يعتقد أن الهجوم الذي شنه حزب العمال الكردستاني على مواقع عسكرية للجيش التركي في منطقة تشوكورفا على مقربة من الحدود العراقية، كان مفاجئا. وردة الفعل التي ووجه بها من جانب الحكومة التركية كانت أيضا مبالغا فيها. فقبل شهرين حصل حادث مماثل أوقع 12 قتيلا من الأتراك وقبل هذا حصلت حوادث متعددة وشبه يومية كانت تودي بحياة العشرات من الجنود الأتراك. الوضع في جنوب شرق البلاد أي في المناطق التي تتواجد فيها أكثرية كردية بات منذ أشهر خارج سيطرة الدولة. عناصر حزب العمال الكردستاني تقيم في وضح النهار حواجز على الطرقات بين المدن والقرى وتخطف معلمي المدارس وتقتل جنودا وموظفين. وتقوم بعمليات شبه يومية ضد عربات ومواقع للجيش. قبل يوم واحد فقط من عملية تشوكورفا كان «الكردستاني» يهاجم ناقلة عسكرية ويقتل خمسة من رجال الشرطة ومعهم ثلاثة مدنيين كانوا مارين في المكان نفسه. لذا ليس من مبرر لهذا الغضب التركي المستجد سوى أن عدد القتلى هذه المرة كان كبيرا وبلغ في عملية واحدة 26 قتيلا. تهديد الرئيس التركي عبدالله جول بـ"انتقام كبير" لن يفيد شيئا. كما أن تحذير رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوجان لـ "الصديق والعدو" من أن تركيا لن تحني الرأس لا معنى له. العمليات العسكرية التركية لن تسهم في إضعاف قوة حزب العمال الكردستاني وما يمثله. فقد جرّب الأتراك حتى الآن أكثر من 27 غزوا لشمال العراق وكانوا مرتاحين جدا في عهد صدام حسين حيث كانوا يتوغلون أكثر من خمسين كيلومترا. ومع ذلك لم تتوقف ولم تتراجع عمليات الكردستاني. مأزق تركيا الأساسي أنها لم تستطع حتى الآن مقاربة المشكلة الكردية فيها من زاوية عقلانية ومعاصرة. لم يستطع الأتراك تشخيص المشكلة جيدا لذا لم يستطيعوا إيجاد الحل المناسب. أما إذا كانوا يعرفون حقيقة المشكلة ولكنهم لا يريدون في الأساس الاعتراف بالواقع وإيجاد حل مناسب له فهذه طامة كبرى. المشكلة الكردية موجودة قبل حزب العمال الكردستاني واستمرت معه وهي ستبقى بعده إن لم يوجد حل جذري لها. لم تختلف مقاربات كل السلطات التركية المتعاقبة في نظرتها إلى الواقع الكردي. من مصطفى كمال أتاتورك الذي أسس لمبدأ الإنكار واستئصال الهوية الكردية وعدم اعتبارهم إثنية خاصة بل "أتراك الجبال" إلى الإسلامي عدنان مندريس وكل فترات حكم الجنرالات. وعندما اعتقل زعيم الحزب عبدالله أوجالان في العام 1999 وأعلن التخلي عن العنف وانسحاب مقاتليه من جنوب شرق تركيا إلى شمال العراق وتخلى أيضاً عن شعار الدولة المستقلة والقول بتركيا جمهورية ديمقراطية كانت الفرصة متاحة أمام النظام التركي لإنهاء معاصر لهذه القضية. ومع مجيء حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002 كان الأمل كبيرا بأن ينسحب "النفَس" الإصلاحي على المشكلة الكردية أيضا. لكن ما كان يقدمه الحزب على هذا الصعيد كان نسخة كاريكاتورية مما كان يحدث سابقا. وما حكي لاحقا عن سياسة الانفتاح الكردي الحكومية تحوّل إلى مهزلة وبان أنه غير جدي عند أول امتحان له. ومع الانتخابات النيابية الأخيرة ركب حزب العدالة والتنمية موجة تصعيد الخطاب القومي المتشدد فتراجع أردوجان عن اعترافه بوجود "قضية كردية" عام 2005 وقال إنه توجد مشكلة مواطنين أتراك من أصل كردي وما لبث أن توعد الأكراد بالمزيد من التشدد بالقول إنه لو كان في السلطة لدى اعتقال أوجالان لكان نفّذ به فورا حكم الإعدام. وبعد ذلك مارس النظام التركي سياسة الضغوط على النواب الأكراد فأبطل عضوية أحدهم ولا يزال خمسة في السجون. وعلى قاعدة عمليات حزب العمال الكردستاني كان الحل الأمني هو السائد لدى الدولة فاعتقل المئات بل أكثر من كل من يشتبه به أنه يدعم "الإرهاب" وكان الضحية قادة وكوادر من حزب السلام والديمقراطية الكردي الممثل في البرلمان والعشرات من رؤساء البلديات. لا أحد ينكر أن حزب العمال الكردستاني يستفيد من مناخات الفوضى في الشرق الأوسط وحتى من الدعم الخارجي. لكن المشكلة الأساسية تبقى في الداخل وفي أن علاجها يبدأ من جرأة الاعتراف بالواقع الكردي وممثليه بمن فيهم أوجالان. فالأكراد في تركيا ليسوا "جالية" أجنبية أو مجموعة من "الخارجين على القانون" أو عصابة مسلحة بل هم "شعب" بكل معنى الكلمة يتألفون من 12-15 مليونا لهم الحق بلغتهم الأم وجامعتهم ومدرستهم وإذاعتهم وتلفزيونهم وبقانون انتخابي جديد لا يسرق أصواتهم. وإلا فلن تعرف المشكلة الكردية في تركيا حلا آخر سوى على الطريقة العراقية أو السودانية.
379
| 22 أكتوبر 2011
الحوار الذي أجراه مؤخرا وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو مع 12 صحفيا تركيا في جلسة مغلقة وكان لمناقشة قضايا السياسة الخارجية التركية ، كان استثنائيا ومهما وخطيرا في الوقت نفسه. داود أوغلو الذي لا يزال محرك السياسات الخارجية لتركيا، ذهب بعيدا في شرحه لما تفعله تركيا والموقع الذي تقع فيه في هذه المرحلة. في خلاصة الشرح المسهب الذي قدمه الوزير التركي وكما نقل عنه حرفيا بعض الذين كانوا مدعوين إلى اللقاء أن "تركيا تأخذ مكانها في "البلوك الغربي". كان واضع نظرية "العمق الاستراتيجي" واضحا وحاسما في تحديد خيارات تركيا الحالية والمستقبلية. وهي خيارات له وللشعب التركي الحق في تحديدها في الاتجاهات التي يرونها. لكن ما كانت تدعو إليه تركيا في السنوات التي تلت وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002 كان خلاف ما يعلنه الوزير التركي اليوم. الانتقادات التي وجّهها بعض العرب إلى التحول في السياسات التركية لم يقتصر عليهم.انضمام عدد كبير من الكتّاب الأتراك المعتبرين إلى حملة الانتقاد لهذه السياسات أخرجت المنتقدين من الكتّاب العرب ، وأنا واحد منهم، من أن يكونوا جزءا من "دعاية سوداء" لتشويه صورة تركيا ووضعها في موقف صعب كما اتهمهم داود أوغلو. كان مرتكز الانتقادات التي نوجهها أن أنقرة انقلبت على سياساتها السابقة واتخذت موقعها كجزء بنيوي من السياسات الغربية.وإذا كان كتّاب علمانيون ويساريون وليبراليون أتراك قد اتخذوا موقفا منتقدا ويمكن للوزير التركي أن يفسرّه كما يريد فإن كتّابا مثل أحمد طوران ألقان وعلي بولاتش وعبدالحميد بالجي من المحسوبين على التيار الإسلامي القريب من حزب العدالة والتنمية، لا يمكن لسعادة الوزير أن يضعهم أيضا في خانة الدعاية السوداء آنفة الذكر. من حق البعض أن يحاسب اتجاهات السياسة الخارجية التركية انطلاقا من ايديولوجيا يعتنقها أو أغراض سياسية معينة.لكن عندما تتم المحاسبة على أساس التناقض بين ما كان يدعو إليه حزب العدالة والتنمية وما هو عليه الآن فأعتقد أن من واجبات مهندسي السياسة الخارجية التركية أن يوضحوا ويبرروا التحول الذي حصل. يقول بالجي إنه بمعزل عن أسباب تحول تركيا من بلد محاط بالأصدقاء إلى بلد محاط بالأعداء فإن اللوحة التي ترتسم اليوم هي أن الجبهة المعادية لتركيا تكبر وتشمل معظم جيرانها ولا تغير الأسباب النتيجة وهي ان تركيا عادت الى مربع العداء الذي سبق وصول العدالة والتنمية إلى السلطة. كل العناوين التي رفعها حزب العدالة والتنمية انقلبت رأسا على عقب. من ذلك على سبيل المثال شعار "القوة الناعمة" الذي كان سرّ قوة تركيا وفرادتها في السنوات الأخيرة: دبلوماسية واقتصاد ومجالس تعاون استراتيجية وفتح الحدود ودور وسيط. فجأة حلت محلها صورة"القوة الخشنة" أو "القوة الصقرية"،كما يسميها علي بولاتش.تهديد بالحرب مع قبرص اليونانية واسرائيل ومشاركة في الحرب الليبية وأخيرا التهديد بالتدخل العسكري في سوريا. ولم يقتصر التوتر التركي مع بلدان دون أخرى بل وصل الى حد التعارض حتى مع روسيا التي هي شريكتها التجارية الأولى في العالم. لا يمكننا نحن كمشرقيين،وعرب خصوصا، أن نوافق على أن تكون تركيا جزءا من البلوك الغربي.هذا البلوك الذي لم يوفر ساحة عربية وإسلامية إلا وانتهكها بالاحتلال والتدمير ونهب الثروات ناهيك عن احتضانه المستمر للكيان الاسرائيلي الطفل المدلل للغرب. لقد اعتقدنا أن تركيا قد عادت إلى توازنها بسياسات تعدد الأبعاد وتصفير المشكلات والعمق الاستراتيجي.لكن كلام داود اوغلو الأخير إلى الصحفيين الأتراك هو من الخطورة بمكان بحيث لا يمكن إلا أن نرفع الصوت عاليا من تداعياته الخطيرة على العلاقات التركية مع كل العرب دون استثناء الذين لا يزالون يتعرضون للمطامع الغربية.ونحن لا نريد لتركيا إلا أن تكون جزءا من قضايانا وهويتنا المشرقية. وهي دعوة الى الأخوة الأتراك ان يتنبهوا الى هذا الفخ الذي ينصبه الغرب لهم بأنه يدعمهم لزعامة إقليمية فلا يجدون أنفسهم لاحقا إلا وقد جاءهم الدور في الفتنة والتفتيت وحسب "الأجندا الغربية" تحديدا. مصلحة تركيا أن تكون جزءا من البلوك المشرقي وليس جزءا من البلوك الغربي.هذا ما يجب أن يعرفه الجميع.
707
| 15 أكتوبر 2011
تتغير الحكومات في تركيا من العلمانية إلى الإسلامية ومن العسكرية إلى المدنية. تسود انقلابات وحكم الحزب الواحد أو الجنرال الواحد وتنقلب أحيانا إلى حكومات ائتلافية وأحيانا يسارية ثم يمينية. يتغير كل شيء في تركيا. من دولة طرف أثناء الحرب الباردة إلى بلد متواصل مع الجميع خلال السنوات الأخيرة. ثم تنقلب من جديد على سياسات بدت وصفة سحرية لتنمية الدور والحضور. تتعاقب أزمات اقتصادية ويليها نمو وارتفاع مستوى الرفاهية. تتحول تركيا من التطلع إلى الاتحاد الأوروبي إلى المشرق. فترى مستنقعاته فتغرق فيها ثم تخرج منها إلى مظلة أطلسية. كل شيء في تركيا كان يتحول يمنة ويسرى، أماما وإلى الوراء، إلى أعلى وإلى أسفل، إلا ثابتة واحدة لم تتغير كأنها نص مقدّس: الموقف من القضية الكردية. خرج أمس أحمد تورك أحد زعماء الحركة الكردية في تركيا ونائب حزب السلام والديمقراطية الكردي، مطلقا أثقل اتهام للسلطة في تركيا ولحكومة حزب العدالة والتنمية تحديدا بأنها تمارس "إبادة سياسية" للأكراد في تركيا وأنها تحاول تصفية المحرك الأساسي لهذه الحركة. اتهام خطير لكنه ليس بجديد. تكاثفت عمليات حزب العمال الكردستاني في الأسابيع الأخيرة. لكن ذلك ليس مرتبطا تحديدا بتطورات إقليمية وتحديدا بالتوتر التركي السوري. فالعمليات مستمرة منذ العام 1984. فكانت حملة اعتقالات واسعة في صفوف زعماء الأكراد وممثليهم في جنوب شرق الأناضول وفي العاصمة الاقتصادية اسطنبول. المعتقلون كانوا رؤساء بلديات انتخبهم الشعب في انتخابات نزيهة وحرة وديمقراطية على ما يحلو للنخبة الحاكمة في تركيا التغني بالنموذج التركي. والمعتقلون كانوا من زعماء فروع حزب السلام والديمقراطية المعترف به رسميا وله 35 نائبا في البرلمان. المعتقلون بالمئات بتهمة التعاطف السياسي مع طروحات حزب العمال الكردستاني.إذا كانت التهمة أنهم جميعا يساندون حزب العمال الكردستاني فهذا يعني أن هذا الحزب يمثل الشريحة الأكبر من الأكراد في تركيا. وبالتالي على السلطات التركية أن تكون شجاعة في الاعتراف به تماما كما اعترفت أيرلندا بجيشها الجمهوري وإسبانيا بالجناح السياسي لحركة الباسك الانفصالية وإسرائيل بياسر عرفات فلماذا تكون تركيا استثناء في الاعتراف بخصمها داخل الوطن؟ وتناقض أنقرة نفسها عندما ترفض "إرهاب" حزب العمال الكردستاني لكنها تحاول سرا أن تفاوض عبدالله أوجالان، زعيم الحزب، للبحث في سبل حل المشكلة الكردية. تحاور أنقرة أوجالان فيما تقصف جبال قنديل وتعتقل البنية التحتية السياسية للحركة الكردية. تدور الجهود لحل المشكلة الكردية في حلقة مفرغة منذ ثمانين عاما. سنوات من الحروب وسنوات من الهدوء، أنظمة وحكومات تغيرت لكن المشكلة بقيت في مكانها. كان رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان يقول إن المهم ليس إقرار قوانين للإصلاح بل تغيير الذهنية وهي المهمة الأصعب. وهي مقولة سليمة طبقها أردوغان وحزبه بنجاح على العلاقة مع العسكر فأقصى هذا عن تدخله في الحياة السياسية. وطبقها بنجاح على الجسم القضائي مستأصلا مزاجية قضاة في اتخاذ قرارات بحظر هذا الحزب أو حرمان هذا السياسي من العمل. لكنها مقولة كانت تقف عند باب القضية الكردية. تقدم كل شيء في تركيا إلى الأمام إلا ما يتعلق بالمسألة الكردية. ولم يكن أردوغان مختلفا عن رؤساء حكومات اعترفوا بوجود قضية كردية ثم تراجعوا عنها من مسعود يلماز إلى طانسو تشيللر وسليمان ديميريل. وخلال الحملة الانتخابية الأخيرة فجّر أردوغان قنبلته بالتراجع عن قوله بوجود قضية كردية واعتبر أنه توجد فقط مشكلة أفراد من أصل كردي. في الانتخابات الأخيرة حصد حزب السلام والديمقراطية الكردي غالبية أصوات الأكراد ودخل إلى البرلمان بـ 36 نائبا بصفة مستقلة أسقطت عضوية أحدهم. ولو كانوا ترشحوا كحزب لنالوا أكثر فيما لو كان النظام الانتخابي لا يشترط الحصول على عشرة في المائة لدخول البرلمان. وكانت نتيجة الانتخابات انتصارا للحركة الكردية وهزيمة لحزب العدالة والتنمية في المناطق الكردية. ومع ذلك استمرت "الذهنية" الموروثة وعمرها من عمر الجمهورية أي منذ تسعين عاما بأن "الكردي" في تركيا فرد من الدرجة الثانية وربما الثالثة لا حق له لا بلغته ولا بمدرسته ولا بجامعته ولا بتجسيد هويته. وإذا كانت المشكلة الكردية في تركيا تتداخل فيها أحيانا عوامل إقليمية ودولية، فإن ذلك لا يلغي أن الذهنية الاستئصالية الكمالية(نسبة لمصطفى كمال أتاتورك) لا تزال في أساسيات سلوك حزب العدالة والتنمية تجاه قضية كان ثمن عدم حلها في العراق نشوء كيان كردي شبه مستقل. يأخذ "النظام" في تركيا بيده وبسياساته الإنكارية البلاد إلى حل شبيه بالحل العراقي وربما أخطر على كيان لا يزال شعاره"يا لسعادة من يقول: أنا تركي"!
494
| 08 أكتوبر 2011
"نحن أمام أردوغانين:واحد قبل سنة وواحد الآن".هذا ما خلص إليه الكاتب التركي حسن بولور في صحيفة "ميلليت". الكلام جاء في خضم نقاشات كثيرة تظهر منذ مدة بين الباحثين والمثقفين الأتراك حول السياسة الخارجية التركية بعد ظهور توتر مع إسرائيل وآخر مع قبرص اليونانية وثالث مع اليونان وقبلها توترات مع دول مجاورة وإقليمية. عناوين كثيرة في السياسة الخارجية التركية تغيرت إلى نقيضها بفعل التحولات الحاصلة على الأرض والتي يمكن اعتبارها نتيجة إعادة النظر بطريقة تعاطي أنقرة مع القضايا والمشكلات الإقليمية. العنوان الأول هو سياسة "القوة الناعمة".حيث تميزت تركيا في السنوات القليلة الماضية بدورها الدبلوماسي في التعاطي مع المشكلات ومبادرتها إلى الوساطة في خلافات الآخرين ومنع التهديد باستخدام القوة.وقد نجحت تركيا بذلك خصوصا أن الرئيس التركي عبدالله غول وغيره من المسؤولين الأتراك كان يعتبر القوة الناعمة سرّ قوة تركيا. غير أن الملاحظ اليوم هو خلاف ذلك. يشير سميح أيديز الكاتب التركي إلى أن رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان تحدث في نيويورك إلى محطة تلفزيونية قائلا إنه إذا اقتضى الأمر فسندخل في حرب مع إسرائيل.وذكّر أيديز بكلام الناطق باسم الحكومة بولنت ارينتش من أن تركيا تأمل ألا تضطر إلى استخدام القوة في التوتر مع قبرص اليونانية. ونضيف إلى هؤلاء تصاعد الجانب العنفي من المشكلة الكردية وسقوط عدد كبير من القتلى وقيام الجيش التركي بغارات على شمال العراق واعتقالات ضمن الأكراد بتهمة التعاون مع حزب العمال الكردستاني والاستعداد لعملية عسكرية برية في شمال العراق. أيضا كان الرئيس التركي صرّح مرة أن تركيا قد اتخذت كل الإجراءات السياسية والعسكرية تحسبا لأسوأ السيناريوهات المتصلة بالوضع في سوريا. فضلا عن ذلك كانت تركيا شريكا عمليا في عمليات حلف شمال الأطلسي العسكرية ضد ليبيا. هذه الأمثلة الخمسة هي نماذج حصرية لا كلية عن تحوّل في صورة تركيا"الناعمة" والتي كسبت احترام وتقدير ودعم الجميع إلى صورة جديدة وصفها الكاتب أيديز بـ"القوة الخشنة". العنوان الثاني في السياسة الخارجية التركية هو "تصفير المشكلات". وقد كان عامود أو عماد هذه السياسات المبادرة إلى أوسع انفتاح سياسي واقتصادي على دول الجوار.ومن هذه الدول سوريا وإيران واليونان وقبرص وإسرائيل واليونان وروسيا وأرمينيا، بحيث خرجت تركيا من أن تكون بلدا محاطا بالأعداء إلى بلد محاط بالأصدقاء بل الشركاء أيضا. لكن الناظر إلى وضع تركيا اليوم يرى صورة مغايرة تماما لهذه السياسة حيث إن التوتر يطبع علاقات تركيا مع جميع الدول التي ذكرناه. قطيعة مع سوريا،اشتباك سياسي كبير مع إيران بسبب نصب الدرع الصاروخية على الأراضي التركية وهي موجهة في الأساس إلى إيران وروسيا،حالة حافة الحرب مع قبرص اليونانية وتلقائيا مع اليونان.اتهام روسيا بأنها تشكل درعا لقبرص اليونانية.توتر مع إسرائيل وتجميد العلاقات معها بل التهديد باستخدام القوة.ومع أرمينيا لا يزال الوضع السلبي مكانك راوح.وبذلك ما كان فخرا في السياسة الخارجية التركية قبل سنة تحول إلى مصدر قلق.وانتقلت تركيا من سياسة "تصفير المشكلات" إلى سياسة" تصفير السياسة" التي أخلت المكان للغة التهديد لا السياسة حسب استخدام كتاب أتراك بارزين ومنهم جنكيز تشاندار وقدري غورسيل وآخرين وباتت تركيا من جديد بلدا محاطا بالأعداء لا الأصدقاء. أيضا كان شعار سياسة " تعدد الأبعاد" الذي من أبرز عناصر السياسة الخارجية لتركيا ضحية للتحولات في السياسة الخارجية التركية عندما أشار كتّاب أتراك إلى أنه تحوّل إلى سياسة"تعدد المشكلات". كذلك تخلت تركيا عن أحد أبرز مكامن قوتها السابقة وهي البقاء على مسافة واحدة من جميع المتخاصمين سواء بين الدول أو داخل كل دولة لتكون طرفا مع هذه الدولة ضد تلك أو مع هذا الطرف ضد ذاك داخل كل دولة.وكان يمكن اعتبار ذلك وجهة نظر أو نصيحة في مرحلة أولى لكنه تجاوز ذلك إلى المس بسيادات الدول وآخرها انتقاد عصام العريان في مصر لأردوغان ودعوته له إلى عدم التدخل في الشأن الداخلي المصري وذلك بعدما دعا أردوغان المصريين إلى عدم الخوف من نظام علماني.وأمثلة التدخل التركي في الشؤون الداخلية هذه الأيام كثيرة ومنها ليبيا وسوريا وهو ما أفلت من يد تركيا أحد عناصر قوتها السابقة. أما عنوان "العمق الإستراتيجي" فهنا المأزق الأبرز في التحول في السياسة الخارجية التركية حيث بات المرء يعتقد أن تركيا تقع على حدود الولايات المتحدة الأميركية. وسط انقلاب هذه العناوين على نفسها يتساءل العديد من الكتّاب الأتراك ونتساءل معهم:أليس من مسؤول داخل عن هذه الانقلابات في العناوين ويجب أن يتحمل مسؤوليته ويعتزل موقعه؟أم أن تركيا هي على حق وجميع هذه الدول على خطأ؟نعم: تركيا إلى أين؟
366
| 01 أكتوبر 2011
سخنت المياه مجددا في شرق البحر المتوسط. وإذا كانت الحرارة بدأت بالارتفاع مع بدء التوتر التركي-الإسرائيلي بعد انتهاء شهر رمضان فإن الموقد الأساسي الذي لا يزال يغذّي النيران في المتوسط كانت ولا تزال القضية القبرصية. فبعد استيلاء البريطانيين عليها في العام 1878 من السلطنة العثمانية دخلت الجزيرة في مرحلة جديدة حتى العام 1960 تاريخ إعلان الجمهورية القبرصية. نصف قرن والتوتر يلازم مسيرة الجمهورية الوليدة. و تتحول مشكلتها إلى نقطة تقاطع للصراعات الإقليمية والدولية.وإذ تمتاز الجزيرة بموقع استراتيجي مشرف على العديد من الدول فإن بلدين معنيين بها أكثر من غيرها وهما تركيا واليونان. اليوم تكاد مياه المتوسط تشتعل من جراء الصراع على ثروات النفط والغاز التي يمكن أن تظهر في الحدود الاقتصادية البحرية للجزيرة. ويتفاقم التوتر بسبب أن الاتفاقات التي وقعتها قبرص اليونانية هي مع إسرائيل التي تمر علاقات تركيا معها في مرحلة من التردي والسلبية. بدء قبرص اليونانية التنقيب عن النفط شكل شرارة التوتر الجديد وطرح علامات استفهام حول احتمال تصاعد الخلاف وتطوره الى صدام عسكري. وهنا من المفيد الإشارة إلى أن قبرص حالة خاصة بالنسبة لتركيا. فهي مفتاح للأمن القومي التركي بحيث أن من يسيطر عليها بإمكانه كشف كامل الأناضول ووضعه تحت السيطرة. صحيح أن البعض يملك أقمارا صناعية للتجسس لكن الجغرافيا لا تزال عاملا مؤثرا وليس كل الدول تملك أقمارا صناعية.لذلك تضع تركيا خطا أحمر على أية محاولة لتفرد القبارصة اليونانيين ومن خلفهم اليونان بمصير الجزيرة خصوصا أن لتركيا الحدود الأطول على البحر المتوسط وبحر ايجه وقبرص لها أهمية مركزية في القدرة على حماية هذه السواحل الطويلة. ثم إن تركيا لا يمكن أن تسمح بأن يميل ميزان القوة في الجزيرة لصالح القبرصة اليونانيين بشكل يهدد الوجود القبرصي التركي في الجزيرة وهو وجود سكاني ومادي له اهمية استراتيجية للوجود التركي في الجزيرة وفي شرق المتوسط. ويمعزل عن الأبعاد الأخرى المتصلة بالتوتر القبرصي فإن قبرص مرتبطة باتفاقية الضمانات التي وقعتها عشية تأسيسها في العام 1959 مع كل من بريطانيا وتركيا واليونان. ومنحت الاتفاقية الحق لأي من الدول الثلاث الضامنة التحرك مجتمعة أو منفردة لتصحيح الوضع في الجزيرة في حال انتهاك البند الذي يمنع الجزيرة أن تنضم إلى أي اتحاد سياسي أو اقتصادي مع دولة خارجية وهو ما اعتبرته تركيا أساسا قانونيا لتدخلها العسكري في الجزيرة عام 1974 بعد حصول انقلاب طالب بالوحدة مع اليونان.ومنذ ذلك الوقت والأزمة القبرصية لم تجد حلا لها. من هذه الزاوية فإن لتركيا خطوطا حمراء لا يمكن التخلي عنها حتى لو تسبب ذلك بالحرب ولها سوابق في هذا المجال. من هنا فإن رفض أنقرة أن تنقب قبرص اليونانية عن الغاز الطبيعي في المياه الاقتصادية للجزيرة منشأه عدم الاعتراف بسيادة القسم اليوناني على كامل الجزيرة.وهذا يعني أن أي تنقيب قبرصي يوناني عن الغاز الطبيعي في مياه الشطر الجنوبي سيكون مقبولا من تركيا ما دامت لا تتعدى على مياه الشطر الشمالي التركي. ولا يبدو في الأفق ان قبرص اليونانية ستجازف وتمدد التنقيب في مياه الشطر الشمالي. واحتمالات الحرب تتراجع بقوة مع إعلان تركيا أنها وقعت اتفاقا مع قبرص التركية للتنقيب عن النفط في المياه الإقليمية لقبرص التركية. وبذلك يتقاسم الأتراك والقبارصة اليونانيون الثروات كل في منطقته أو منطقة نفوذه لأن البديل هو الحرب. مع ذلك فإن تركيا تمر اليوم بظروف صعبة في سياساتها الخارجية حيث التوترات تسود علاقاتها مع سوريا ومع إيران والعراق وقبرص واليونان وهي دخلت في توتر ايضا مع اسرائيل مع إعلان أنقرة أنها سترسل قطعا بحرية إلى المتوسط لمواكبة سفن المساعدات إلى غزة. والتوتير في قبرص إذ يحفظ المصالح التركية فإنه يشكل فرصة لتركيا لاستعراض قوة في عملية رابحة مسبقا وتعوض بعض الشيء الإخفاقات التي شهدتها الديبلوماسية التركية التي تحول شعارها وفقا لمحللين وسياسيين أتراك من سياسة "تعدد البعد" إلى سياسة "تعدد المشكلات" ومن سياسة "تصفير المشكلات" إلى سياسة "تصفير السياسة". في الخلاصة قبرص خط تركي أحمر لكن استدراج فتح توتر فيها قد يكون مصلحة للديبلوماسية التركية للتعويض في زمن الخسائر المتتالية.
403
| 24 سبتمبر 2011
كثرت التعليقات على جولة رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان على دول "الربيع العربي" مصر وتونس وليبيا.بين من رأى فيها تكتيلا إضافيا في الاصطفافات الإقليمية الحادة أصلا وبين من رأى أنها هرولة على غرار الرئيسين الفرنسي والبريطاني للحصول على حصة من الكعكة الليبية الدسمة وآخرون رأوا فيها تجسيدا للطموح التركي للعب دور قائد وليس فقط رائدا في المنطقة عبر الاستيلاء على الدور العربي الغائب. غير أن الملاحظ أن الارتباك في الديبلوماسية التركية الذي رافق نشوب الثورات العربية لا يزال مستمرا بعد حصولها ونجاحها في بعض الدول واستمرارها في دول أخرى. من الواضح أن هناك اعتدادا تركيا زائدا بالنفس يجعلها تشعر بوجود فائض قوة لديها يجعلها تقدم على خطوات أكبر من قدرتها على إنجازها. وإذ تدرك ذلك ضمنا ومتأخرة ترفع من سقف خطابها الإيديولوجي ليلامس الإعلان عن تسيير دوريات بحرية ترافق سفن المساعدات الغذائية التركية إلى غزة من دون أن تعلن عما إذا كانت هذه السفن الحربية سترافق سفن المساعدات إلى غزة نفسها أم إلى المياه الإقليمية الفلسطينية هناك. اليوم يصل أردوغان ضمن مناخ يضع تركيا في قلب الأحداث الجارية سواء لجهة مواقفها المتناقضة من الثورات أو لرغبتها في أن تكون لها حصة من الكعكات الإقليمية. لذلك فإن زيارات أردوغان إلى الدول الثلاث المذكورة جاءت في "وقت ضائع"من تاريخ هذه الدول حيث ليس فيها سلطة "نهائية" بل "مؤقتة" لا يعرف أحد ماذا ستكون صورة السلطة السياسية المقبلة فيها وما هي خياراتها الاستراتيجية.وهذه مرحلة تتطلب من سنتين إلى أربع سنوات على الأقل.بل إن هذه الدول ولا سيما مصر تشهد صراعات حادة وانقسامات طبقية واجتماعية وايديولوجية، لذا كان مستغربا أن يعلن الطرفان التركي والمصري عن خطوة نوعية مثل تأسيس مجلس تعاون استراتيجي أعلى بين البلدين في ظل سلطات وحكومة مصرية لا تعكس بعد إرادة الشعب المصري بل تعتبر امتدادا لفلول النظام المباركي البائد. ولم يعرف أحد أيضا مغزى أن يطالب أردوغان المصريين اعتماد نظام علماني على غرار النموذج التركي كشرط لبناء مصر الجديدة. ومع أن أردوغان قال إن العلمنة لا تعاني معاداة الدين فإن العلمنة المطبقة في تركيا والتي يتغنى بها أردوغان لا تنتمي إلى أي نوع من العلمانيات المعروفة في العالم وليس أبلغ مثال على ذلك أنها لا تزال تميّز ضد المحجبات في الدوائر الرسمية والجامعات ومراكز القضاء وغيرها كما لا تقف على مسافة واحدة من كل الأديان والمذاهب في الداخل التركي. وانعكس مثل هذا الارتباك التركي رفضا للدعوة من حيث لم يحتسب أردوغان وفريقه أي من الفئة التي تتقاطع إيديولوجيا مع حزب العدالة والتنمية أي الإخوان المسلمين عندما رفض أحد قادتهم البارزين عصام العريان الدرس الأردوغاني ودعاه إلى عدم التدخل في الشؤون الداخلية المصرية في انعكاس أيضا للحساسية الوطنية المصرية التي حاول أردوغان إلغاءها وشطبها عبر تنصيب نفسه وصيا عليها. قد تكون العلمانية حلا في دول لها خصوصيات معينة ولكنها قد تكون سببا لاضطراب اجتماعي في مجتمعات أخرى.وإذا كان أردوغان رضي لبلاده هذا النمط الخاص من العلمانية فهذا لا يعني أنه سيكون صالحا لمجتمعات أخرى. وهنا نذكّر بأن الأتراك من عبدالله غول إلى أحمد داود أوغلو كانوا يكررون دائما القول إنهم لا يريدون أن يكون النموذج التركي مثالا لأية دولة أخرى. وما فعله أردوغان هو تكرار الخطأ نفسه عندما كان القادة الأتراك ينصّبون أنفسهم زعماء على بلادهم و"أساتذة" على دول أخرى. وفي ذلك عدم رؤية الحدود الفاصلة بين ظروف كل مجتمع ومتطلباته علما أن تشريح النموذج التركي على أكثر من صعيد وتبيان تناقضاته وثغراته لا يحتاج إلى ميكروسكوب. في ظل هذا الارتباك التركي لا ندري لماذا لم يرد أردوغان على دعوة رئيس المجلس الانتقالي الليبي مصطفى عبدالجليل إلى أن يكون الدين الإسلامي مصدر التشريع الأساسي في الدستور الليبي الجديد رغم أن الجواب واضح وهو أن العين التركية في ليبيا هي على كعكة النفط والاستثمارات ولن يهمها شكل النظام حتى لو كان على غرار الصديق الحميم السابق لأردوغان، معمر القذافي. إذا كان العرب يعانون في المرحلة الراهنة ويمرون في مرحلة انعدام توازن وانتقالية فلا يعني هذا أن يأتي من يحاول سرقة دورهم ليس لتحقيق غاياتهم وطموحاتهم بل لتحقيق مشاريع استعادية مرفوضة في العالم العربي قبل أن يرفضها من هم خارجه.
609
| 17 سبتمبر 2011
التوتر التركي- الإسرائيلي الأخير، بعد نشر تقرير حول عدوان إسرائيل على أسطول الحرية ومقتل تسعة أتراك، سلّط الضوء من جديد على طريقة تعاطي تركيا مع القضية الفلسطينية. لا يمكن الشك لحظة بأن الشعب التركي يحمل في داخله من الحب والتعاطف مع القضية الفلسطينية الكثير الذي يتجاوز حتى تعاطف بعض العرب مع هذه القضية. ولا أحد ينسى الموقف التاريخي للسلطان عبدالحميد الثاني في رفضه بيع أي أراض فلسطينية إلى الحركة الصهيونية عبر ممثلها تيودور هرتزل وكان رفضه السبب المباشر لعزله عن العرش في العام 1909. لكن "النظام" في تركيا بعد ذلك اتبع سياسات لا تسر فلسطينيا ولا عربيا ولا حتى تركيا عندما وقفت تركيا إلى جانب الكيان العبري منذ اللحظة الأولى لإنشائه على يد القوى الاستعمارية. فكانت تركيا أول دولة مسلمة تعترف بإسرائيل في العام 1949 واستمرت وحدها في هذا الاعتراف لسنوات طويلة. لم تكتف أنقرة بتسديد فاتورة حماية الغرب لها ضد الشيوعية بالاعتراف بإسرائيل بل ذهبت في اتجاه تحالفات بنيوية أمنية وعسكرية واقتصادية في الخمسينيات. واللافت للأسف هنا أن الحكومة التي قادت هذا التحالف مع إسرائيل كانت برئاسة شخصية لها كان لها الفضل في "إحياء" الحالة الإسلامية في تركيا في الخمسينيات أي عدنان مندريس. لسنا هنا في مجال إعادة عرض العلاقات التركية الإسرائيلية فهذا يتطلب مجلدات لكن المفارقة أن عهد طورغوت اوزال الذي كان يعتبر أيضا "إسلاميا" ومنفتحا على الحالة الإسلامية كان أيضاً عهد انفتاح كبير على إسرائيل واليهود عموما. مع حزب العدالة والتنمية، الإسلامي أيضا، كان الانطباع أن تركيا ستمضي إلى علاقات باردة مع إسرائيل مقابل انفتاحها على العرب والمسلمين. غير أن السنوات الأربع الأولى من حكم الحزب لم تعكس هذا التوقع بل كان حزب العدالة والتنمية عاملا أساسيا في الضغط على قوى فلسطينية مثل حركة حماس من أجل أن تغير موقفها من وجود إسرائيل ونهج المقاومة. وسعت أنقرة أيضاً إلى إيجاد تسوية بين إسرائيل والفلسطينيين أبرزها السعي الذي قام به رئيس الجمهورية عبدالله غول بعد انتخابه رئيسا في صيف 2007 عندما جمع بين شمعون بيريز ومحمود عباس في القصر الجمهوري في أنقرة بل كان لبيريز، حينها، "شرف" أن يكون أول مسؤول إسرائيلي يلقي كلمة أمام البرلمان التركي. قضية غزة والعدوان عليها أعاد ترتيب بعض الأولويات التركية التي توّجت بوقفة دافوس من قبل رجب طيب أردوغان ضد شمعون بيريز. ورغم العدوان على أسطول الحرية ومقتل تسعة أتراك غير أن مسار العلاقة التركية مع إسرائيل كان عموما "طريّا" تحكمه اعتبارات لا تزال تلقي بظلالها على سياسة تركيا الخارجية. أول هذا الاعتبارات أن تركيا لا تزال عضوا فاعلا في حلف شمال الأطلسي وهي شاركت في كل عملياته من البلقان إلى أفغانستان إلى ليبيا واليوم ها هي تنشر الدرع الصاروخي على أراضيها في خطوة لن تترك تركيا في منأى عن تداعياتها الإقليمية والدولية. الاعتبار الثاني أن تركيا تريد أن تكون عضوا في الاتحاد الأوروبي وهي بخلاف كل ما يقال لم تتخل عن هذا الطموح. الاعتبار الثالث أن تركيا تريد أن يكون لها دور رائد بل قائد في منطقة الشرق الأوسط. هذه الاعتبارات مجتمعة تجبر تركيا على أن تكون منسجمة مع السياسات الغربية في المنطقة ومن ذلك إبقاء علاقات جيدة مع إسرائيل لأنه لا يمكن أن تكون عضوا في الأطلسي وتريد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وأن تكون في الوقت نفسه معاديا لإسرائيل، إذ ليس من دولة أطلسية واحدة ولا أوروبية واحدة إلا وتحتضن إسرائيل وسياساتها من الألف إلى الياء. وتركيا لن تكون استثناء. إن التوتر الأخير بين تركيا وإسرائيل يستوجب أن يُنظر إليه من زاوية الخيارات الإستراتيجية لتركيا وموقعها من الاستقطابات الدولية. وما لم تنه تركيا علاقاتها البنيوية الأطلسية والأوروبية( التي لا تعني العداء ولا القطيعة مع الغرب) فلا يمكن وضع التوتر الأخير بينها وبين إسرائيل إلا كونه خلافا بين أصدقاء وداخل العائلة الواحدة لتكون القضية الفلسطينية أولى ضحاياه خصوصا بعدما شرّع تقرير بالمر حصار غزة وكل ذلك من سوء إدارة الدبلوماسية التركية لملف العدوان على سفينة مرمرة.
399
| 10 سبتمبر 2011
في الوقت الذي كانت تركيا تحقق إنجازات مهمة على صعيد الانتقال إلى الديمقراطية الكاملة لا تزال التحديات التي تواجهها كبيرة جدا وتهدد مجمل خطوات الإصلاح. ولا تختلف تركيا في هذا المجال عن بقية العالم العربي والإسلامي لجهة التناقض بين مسارات متعددة. ففي نهاية شهر أغسطس أي قبل أيام قليلة كان الرئيس التركي عبدالله غول يسجل سابقة في تاريخ تركيا الحديثة حين كان هو نفسه يستقبل المهنئين بعيد النصر الذي يعتبر عيدا للجيش التركي وتخليدا للموقعة التي هزم فيها أتاتورك الجيش اليوناني في العام 1922. ومنذ ذلك الحين كان دور الجيش رئيسيا في الحياة السياسية. وإذا كان أتاتورك مؤسس الجمهورية هو الرمز الأعلى حينها سياسيا وعسكريا فإن رئاسة الأركان كانت هي لا رئيس الجمهورية في سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى الثلاثين من أغسطس الحالي هي المرجعية المباشرة لعيد النصر الكبير رغم أن رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة. وكان الاحتفال بالعيد يتم في رئاسة الأركان أو البيت الحربي وكان رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والوزراء هم الذين يأتون لتهنئة الجيش بالعيد. غير أن المناسبة هذا العام كانت مميزة لجهة أن رئيس الجمهورية عبدالله غول بصفته القائد الأعلى للجيش هو الذي نظم الحفل في القصر الجمهوري وإليه جاء قادة القوات المسلحة ورئيس الأركان يقدمون التهنئة لقائدهم الأعلى، المدني عبدالله غول. وكم كانت معبرة تلك الصورة التي يبدو فيها غول منتصب القامة مستقبلا رئيس الأركان الجنرال نجدت أوزيل المنحني لرئيس الجمهورية. كانت صورة المرحلة الجديدة التي لم تعد تركيا فيها دولة الوصاية العسكرية ولا الديمقراطية العسكرية. بل دولة السلطة السياسية المنتخبة من الشعب والتي تعود إليه، بحسب أتاتورك نفسه، السيادة الوطنية. انتهى نظام الوصاية العسكرية نهائيا في 12 سبتمبر 2010 في الاستفتاء الشعبي المشهود. لكن استقالة قادة القوات المسلحة في أواخر شهر يوليو الماضي بدلا من ممارسة هوايتهم القديمة في القيام بانقلابات عسكرية طوي بالتجربة العملية تركيا ذات الوجه العسكري. وإذا أضيف إلى ذلك تنمية اقتصادية كانت السلطة السياسية تحقق إنجازين يسجلان لحزب العدالة والتنمية. غير أن الإنجازات لن تكتمل ما لم تتحقق التنمية السياسية المتمثلة في بعدها المتوازن فيما خص قضايا الحريات والحقوق الفردية وحقوق الجماعات القومية والدينية. تركيا الذاهبة بقوة إلى قطع يد النفوذ العسكري لم تنجح بعد في تغيير الذهنيات المتعلقة بحقوق الجماعات الإثنية أولا والحريات الدينية ثانيا. لذا نجد أن وزير الدفاع التركي يطلق قبل أيام تهديدات بأن كل الاحتمالات قائمة بالنسبة لمواجهة الإرهاب المقصود به حزب العمال الكردستاني. وإذا استذكرت تركيا تاريخ الصراع مع أكرادها فهو يعود إلى تسعين سنة خلت لم يتحقق أي شيء خلالها من الحقوق الثقافية التي يطالب بها الأكراد والتي يسعون من خلالها تحقيق هويتهم القومية وفي مقدمها التعلم باللغة الأم إلى جوار اللغة التركية الرسمية. لذا يتفاجأ المرء كيف أن معضلة مزمنة مثل الوصاية العسكرية يتم تجاوزها فيما لا تزال ذهنية الحل العسكري هي السائدة لحل المشكلة الكردية. وفي حين تدعو تركيا إلى إحلال الديمقراطية والحريات في الدول العربية التي تشهد ثورات فإنها نفسها مقصرة عن إحقاق ذلك تجاه المسألة الكردية. كذلك تواجه الحريات الدينية في تركيا قيودا شديدة بل إنكارا لبعض المجموعات المسلمة وغير المسلمة بحيث لا يمكن الحديث عن ديمقراطية جناحها الأول تقليم أظافر القوات المسلحة فيما جناحها الثاني مهيض بل مكسور، وهو ما يبقي تركيا في دائرة استنزاف القدرات وعدم الاستقرار ويهدد بتحويلها إلى بلد يحتاج بدوره إلى "ربيع" تركي خصوصا أن الموزاييك التركي لا يختلف بشيء عن الموزاييك العراقي أو السوداني أو السوري أو حتى المصري. فهل يعقل المسؤولون الأتراك أم يثبتون أن تركيا رغم كل إنجازاتها تبقى بلدا ينتمي إلى الجغرافيا المسلمة البائسة؟
378
| 03 سبتمبر 2011
الأجواء "التأجيلية" التي حملتها زيارة وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو إلى دمشق ولقاؤه مع الرئيس السوري بشار الأسد والتي حدد سقفها الزمني لاحقا رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان بأسبوعين أو في أحسن الأحوال إلى ما بعد عيد الفطر السعيد، ما لبثت أن تلاشت مع تصريح مسؤول تركي رفيع المستوى رفض الكشف عن اسمه عن أن تركيا ستكون مستعدة لتدخل عسكري لغايات إنسانية في سوريا في حال صدر قرار عن مجلس الأمن الدولي. كما اعتبر المسؤول التركي أن نظاما لا يحترم حقوق الإنسان لا يمكن أن يكون صديقا لتركيا. وجاء إسقاط نظام العقيد معمر القذافي في سوريا ليثير في الأوساط الغربية إسقاطات الحالة الليبية على سوريا في المرحلة المقبلة. في الواقع إن الثورات العربية ككل وليس فقط الوضع في سوريا، وضع تركيا أمام إرباكات باتت تميل شيئا فشيئا لتتبنى الخطاب الغربي تجاه الوضع هناك إلى حد التنسيق شبه اليومي بين أنقرة وواشنطن وهو ما دفع بزعماء المعارضة في تركيا إلى اتهام أردوغان بأنه وكيل للسياسات الغربية في المنطقة. في الواقع إن تدخل تركيا العسكري في سوريا إن حدث لن يكون الأول من نوعه إذ إن تركيا قامت بتدخلات فردية أو بالمشاركة مع آخرين سواء تحت مظلة الأمم المتحدة أو مظلة حلف شمال الأطلسي أو من دونهما.كما حصل في كوريا وقبرص وأفغانستان وليبيا والصومال وكوسوفا وهي تدخلات كانت عبارة عن عمليات قتالية.كما شاركت تركيا في قوات تابعة للأمم المتحدة لحفظ السلام كما حصل في لبنان أو غيره. انطلاقا من أن "سوريا شأن داخلي تركي" بدأت تركيا تعد العدة لتطوير تدخلها في الشأن السوري وصولا إلى عمليات عسكرية إذا تطلب الأمر. وفي الواقع إن تركيا من خلال مواقف مسؤوليها وما يتسرب أحيانا من مصادر، قد تكون مستعدة للتدخل في سوريا عسكريا في ظل ثلاثة شروط: 1- التدخل العسكري مع قوات أخرى لكن وفقا لقرارات تصدر عن مجلس الأمن الدولي كما حصل في ليبيا.وهي بذلك تتظلل الشرعية الدولية.وتركيا هنا عصب أساس في مثل هذا السيناريو إذ إنها الوحيدة من جيران سوريا المباشرين الذين يمكن أن يبدوا استعدادا لمثل هذا التدخل فضلا عن طول حدودها مع سوريا الذي يقارب الـ 900 كلم. 2- السيناريو الثاني وهو التدخل بناء على قرار من حلف شمال الأطلسي.ومع أن هذا الخيار لم يطرح بعد لكنه،بعد نجاح الحلف في إسقاط القذافي بأقل قدر من الخلافات البينية، من بين الخيارات التي قد تظهر في حال تفاقم الوضع في سوريا.وتركيا هنا ستتحمل مسؤولية كبرى ليس فقط في العمليات العسكرية بل أيضاً في عملية اتخاذ القرار.إذ إن قرارات الحلف تؤخذ بالإجماع وإذا لم تكن تركيا تحبّذ هذا التدخل فلن توافق عليه وسوف تحول دون اتخاذه وهنا ستكون تركيا أمام تحديات أكبر خصوصا أمام التداعيات التي يمكن أن تظهر من جراء هذا القرار والعمليات العسكرية. 3- أما السيناريو الثالث فهو الأخطر لكنه الأسهل، ويتمثل في تدخل تركي أحادي الجانب مرتبط بتطورات سورية تفقد النظام في دمشق السيطرة على الوضع وتدخل البلاد في فوضى تخشى تركيا بسببها من نشوء شريط كردي في شمال سوريا يكون بؤرة لنشاطات أمنية ضدها من جراء التنسيق بين أكراد سوريا وأكراد تركيا كما العراق. وتركيا في هذه الحالة تحبّذ الدخول إلى الشمال السوري واحتلاله ووضع أكراد سوريا تحت السيطرة المباشرة. إن جميع السيناريوهات التي أوردناها توصل إلى نتيجة واحدة وهي أن تتحرك تركيا عسكريا في الداخل السوري بمعزل عن التبريرات.وإن حصل أحد هذه السيناريوهات ستكون المرة الأولى التي يدخل فيها جيش تركي إلى الأراضي السورية من بعد هزيمته أمام قوات الحلفاء في الحرب العالمية الأولى.وبمعزل عمن يحكم في دمشق أعتقد أن التداعيات السلبية لأي من هذه الخيارات على العلاقة الطردية بين العرب والأتراك ليست بهذه السهولة التي يخيل لواضعي هذه السيناريوهات العسكرية.خصوصا أنها تأتي عشية الذكرى المئوية لثورة الشريف حسين وطرد الأتراك من الأراضي العربية وما قد تحمله السيناريوهات الجديدة من أبعاد ثأرية.
529
| 26 أغسطس 2011
ارتفعت في الآونة الأخيرة في تركيا سيناريوهات متعددة لاحتمالات تدخل عسكري في سوريا. وزاد من جدية هذه التسريبات أن رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان قد رفع أيضا منسوب الانتقاد لسوريا عندما أعلن أن الصبر التركي قد بلغ لحظاته الأخيرة مستعينا بالأمثال العربية والشعر التركي للتشهير بالنظام السوري وطريقة تعاطيه مع الاحتجاجات الداخلية. بل إن الصحف التركية نفسها ذكرت أن اجتماعين أمنيين وسياسيين رفيعي المستوى برئاسة أردوغان قد ناقشا المسألة السورية ومنها الاستعدادات العسكرية التركية على الحدود مع سوريا تحسبا لأي تطورات. ومع أن زيارة وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو إلى دمشق أعطت في الظاهر "نفسا" حدده اردوغان بأسبوعين فإن الحديث عن احتمالات تدخل عسكري تركي يتناقض مع صورة تركيا التي سعت إليها في السنوات الأخيرة حول تصفير المشكلات وإقامة علاقات جيدة مع جيرانها. وبما أنه ليس في السياسات أمر دائم وخالد فإن الثورات العربية قد أربكت السياسات التركية من ليبيا إلى البحرين وصولا إلى سوريا. وبالتالي كانت السياسة الخارجية التركية أمام استحقاق إعادة النظر بمجمل سياساتها السابقة التي انتقلت من سياسة تصفير المشكلات إلى سياسات تخلو من الثقة ليس مع طرف عربي بعينه بل مع معظم الدول العربية. لكن الأخطر على تركيا أن تفكر بسياسات عمودها الفقري الاستعداد لتدخلات عسكرية في الدولة الجنوبية المجاورة لها أي سوريا في تطور أن حصل سيكون الأول من نوعه منذ الحرب العالمية الأولى خصوصا أننا أمام الذكرى المئوية لهذه الحرب المشؤومة وللطلاق التركي العربي. ويعيد البعض التذكير أن التهديد بتدخل عسكري تركي في سوريا ليس الأول في التاريخ الحديث بل سبقه محاولات في الخمسينيات لمنع تحول سوريا إلى المعسكر السوفيتي وبعد إقامة الوحدة بين مصر وسوريا عندما كانت تركيا جزءا لا يتجزأ من المنظومة العسكرية الأطلسية والغربية وطرفا ضد حركات التحرر العربية. والمحاولة الأخيرة للجوء إلى القوة العسكرية كانت في خريف 1998 عندما هدد رئيس الجمهورية التركية سليمان ديميريل وقادة قواته المسلحة باختراق سوريا من شمالها إلى جنوبها إذا لم يطرد الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان من الأراضي السورية. وحينها انتهت الأزمة إلى إخراج أوجلان من سوريا ليعتقل لاحقا في عملية شارك فيها الموساد الإسرائيلي والسي آي إيه في كينيا وهو الآن يقبع في أحد سجون جزيرة ايمرالي في مرمرة. لقد رفضت تركيا في العام 2003 المشاركة في غزو العراق بسبب رفض البرلمان التركي مذكرة الحكومة بهذا الصدد وبالتالي فإن الرغبة في التدخل والمشاركة لم يكن يعارضها اردوغان ولا قادة حزبه حينها لكنها سقطت في البرلمان. وتركيا عادت ووافقت في خريف 2003 على إرسال قوات إلى العراق لكن الأمريكيين رفضوا استقبالهم. وتركيا شاركت ولا تزال في قوات حلف الأطلسي في أفغانستان رغم أنها ليست بقرار دولي عن الأمم المتحدة. كما شاركت بعمليات عسكرية في كوسوفا واليوم تشارك بعمليات أطلسية في ليبيا رغم أنه لا يوجد قرار دولي باستخدام القوة المسلحة لخلع القذافي. لذلك فإن "مبدأ" التدخل العسكري في الشؤون الخارجية قائم في السياسة الخارجية التركية ولا علاقة له بطبيعة السلطة السياسية علمانية أم إسلامية. واليوم تواجه تركيا تحديات خطيرة في حال إبداء استعدادها للتدخل في سوريا، إذ إنه لا يوجد أي قرار لمجلس الأمن الدولي، كما لا يوجد بعد أي قرار في إطار حلف شمال الأطلسي علما أن قرارا أطلسيا يوجب اتخاذه بالإجماع وتركيا إن لم تكن موافقة عليه فلا يمكن له أن يبصر النور. لذلك فإن السياسة الخارجية التركية أمام منعطف في أزمة تطال بلدا مجاورا ومهما لها مثل سوريا. وإذا كانت ثورة الشريف حسين ضد الحكم العثماني لا تزال تجرجر في الذاكرة التركية تداعيات وجراحا حتى الآن فإن نكأ الجراح مهما كانت الذرائع سيكون عملا غير عاقل بكل المقاييس في ظل وجود ألف وسيلة ووسيلة لتجسيد ما يرونه مناسبا وفي مصلحة الشعب السوري.
604
| 13 أغسطس 2011
خطت تركيا خطوة كبيرة وشبه نهائية نحو مَدْينة الحياة السياسية في البلاد وهي التي لم تغادر نظام الوصاية العسكرية منذ نيل الاستقلال وإعلان الجمهورية في العام 1923. ففي الأسبوع الماضي كان تقديم رئيس الأركان وقادة القوات المسلحة البرية والجوية والبحرية استقالات جماعية من مواقعهم الأرفع والمهمة جدا مؤشرا على طي مرحلة وبدء مرحلة جديدة من تاريخ تركيا الحديثة. ومع أن أول انقلاب عسكري في تركيا حصل في العام 1960 وتلاه أكثر من انقلاب مباشر أو غير مباشر فإن الفترة التي سبقت ذلك كانت عمليا فترة حكم حزب الواحد وبعصب المؤسسة العسكرية ولا سيما بين عامي 1923 و1950 عندما نجح الحزب الديمقراطي بقيادة عدنان مندريس في إلحاق الهزيمة بحزب اتاتورك،حزب الشعب الجمهوري. لكن فترة العشر سنوات لم تكن كافية لترسيخ أية ديمقراطية حقيقة خارج النفوذ العسكري خصوصا أن مندريس كان حليفا وثيقا للولايات المتحدة وفي عهده خاضت تركيا غمار مغامرات عسكرية في كوريا كما كانت جزءا من الأحلاف العسكرية في الشرق الأوسط فضلا عن أنها في عهد مندريس انضمت إلى حلف شمال الأطلسي.اي أن الطابع العسكري للسياسة الخارجية التركية كان غالبا بحيث لا يمكن القول أن عقد الخمسينيات كانت استثناء عن عقود الوصاية العسكرية. مع حزب العدالة والتنمية كانت تركيا تتقدم لتقليم أظافر المؤسسة العسكرية .وقد استغرق الأمر تسع سنوات وهو لم ينته بعد بالكامل. وفي الواقع أن نجاح السلطة السياسية لحزب العدالة والتنمية في استئصال نفوذ المؤسسة العسكرية من الحياة السياسية يعود لبضعة عوامل من المفيد تلخيصها بالتالي: 1- أن جزءا من النفوذ السياسي للجيش كان من جراء تخاذل وتهاون الطبقة السياسية نفسها بأحزابها اليسارية واليمينية وأيضا الإسلامية. ولم تكن هذه الطبقة لترفع رأسها اعتراضا على ممارسات بل تجاوزات الجيش لأن مصير الحظر والتصفية الدستورية عبر المحكمة الدستورية والقضاء ينتظر المعترضين لذا كانت غالبية هذه الطبقة تفضل البقاء في السلطة على أن تكون خارجها. في حين أن حزب العدالة والتنمية كان مصمما وبالتدريج على الوقوف بوجه المؤسسة العسكرية متبعا تكتيك التدرج والتشهير عبر الإمساك بملفات قضائية تسيء إلى سمعة المؤسسة العسكرية. 2- غير أن إرادة المواجهة ليست كافية من دون ادوات كان في مقدمها الاعتماد على القاعدة الشعبية بحيث كانت الإرادة الشعبية هي الأداة الأقوى لحزب العدالة والتنمية في مواجهة ليس فقط المؤسسة العسكرية بل كل خصومه.وقد نجح في ذلك على أساس أن من كانت دعامته الشعب لن يخسر ولو تعرض إلى نكسات أحيانا. 3- وكان الجيش غالبا ما يلجأ إلى مؤسسات موازية قضائية تقوم بدور "البلدوزر" المستأصل لخصومه السياسيين.ومثّل القضاء والمحكمة الدستورية أحد أهم أدوات المؤسسة العسكرية لتصفية خصومه.لذا كان الدخول في عملية إصلاح القضاء في استفتاء 12 أيلول - سبتمبر الماضي خطوة حاسمة لسحب ورقة القضاء من يد المؤسسة العسكرية.بحيث أن حزب العدالة والتنمية كان يجرّد الجنرالات من أوراق القوة التي كانوا يملكونها ورقة تلو أخرى. 4- وكان استفتاء 12 أيلول - سبتمبر 2010 المسمار الأخير في نعش "استقلال" المؤسسة العسكرية عندما فرض تعديلا دستوريا يسمح بمحاكمة العسكريين مهما علت رتبهم أمام محاكم مدنية وهو ما أتاح اعتقال العشرات من ضباط الجيش المتهمين بالإعداد لانقلابات عسكرية تم الكشف عنها في السنوات الأخيرة. 5- لكن أيضا يجب عدم إهمال عنصر مهم في اضعاف العسكر والظروف والتحولات الدولية ومن أهمها نزع التغطية الأميركية عنه بعد اتهام واشنطن له في مطلع العام 2003 بأنه كان وراء عدم مشاركة تركيا بغزو العراق وبالتالي إرباك الخطط الأميركية للغزو ومضاعفة الخسائر الأمريكية البشرية هناك. إن رفع الغطاء الأمريكي عن أي انقلابات عسكرية للجيش التركي قيّد حركة الجيش في وقت كانت إدارة جورج دبليو بوش تحتضن ما يسمى بالإسلام المعتدل الذي يمثله حزب العدالة والتنمية والذي واصل باراك أوباما ولا يزال احتضانه حتى الآن.وهو ما وفّر لحزب العدالة والتنمية الفرصة لإصلاحات تعزل الجيش عن المشاركة في الحياة السياسية. 6- أن عدم مشاركة تركيا في الغزو الأمريكي للعراق شجع الاتحاد الأوروبي على بدء مفاوضات العضوية مع تركيا على أساس أنها لم تظهر ككوكب يدور في الفلك الأمريكي.الإصلاحات التركية عامي 2003 و2004 كانت مهمة لتكون أكثر أوروبية ومدنية ولاحتضان الأوروبيين للإصلاحات ولأي إصلاح يقلل من نفوذ العسكر.لذا كان الترحيب الأكبر لاستقالة قيادة الجيش التركي الأسبوع الماضي من جانب الاتحاد الأوروبي. اليوم تركيا أكثر مدنية من دون أدنى شك.لكنها تحتاج إلى الكثير لتكتمل المسيرة الديمقراطية سواء بالنسبة لمواد يجب ازالتها من القوانين حول دور الجيش أو على صعيد الاعتراف بالهويات الإتنية ولا سيما الأكراد وهي معضلة صعبة جدا، أو الهويات الخاصة بالأقليات الأخرى وهي أيضاً معضلات صعبة. في جميع الأحوال، تركيا أكثر مدنية لكنها تحتاج إلى الكثير لتكون أكثر ديمقراطية.
588
| 06 أغسطس 2011
مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع...
2829
| 15 فبراير 2026
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة...
1911
| 12 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة،...
1662
| 10 فبراير 2026
الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وهي...
885
| 12 فبراير 2026
لم يكن الطوفان حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه مع...
867
| 10 فبراير 2026
لقد طال الحديث عن التأمين الصحي للمواطنين، ومضت...
699
| 11 فبراير 2026
منذ إسدال الستار على كأس العالم FIFA قطر...
618
| 11 فبراير 2026
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم...
603
| 16 فبراير 2026
يشهد الشرق الأوسط منذ سنوات طويلة حالة مزمنة...
603
| 09 فبراير 2026
لم يعد هذا الجهاز الذي نحمله، والمسمى سابقاً...
537
| 09 فبراير 2026
في السنوات الأخيرة، أصبحنا نلاحظ تزايدًا كبيرًا في...
531
| 12 فبراير 2026
يستيقظ الجسد في العصر الرقمي داخل شبكة دائمة...
459
| 10 فبراير 2026
مساحة إعلانية