رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حتمية التعاون حكمت العلاقات الثنائية بين تركيا وإيران فيما التنافس ساد العلاقات غير المباشرة. عرفت العلاقات بين تركيا وإيران تقاليد ثبات مزمنة: 1- ستاتيكو جغرافي عمره من عمر معاهدة قصر شيرين 1639 التي رسمت أقدم حدود ثابتة بين بلدين في الشرق الأوسط. 2- الموقع المتاح لكل منهما: تركيا بوابة إيران إلى الغرب وإيران بوابة تركيا إلى آسيا. 3- النزعة الوطنية - القومية القوية المعطوفة على إرث إمبراطوري لكل منهما بحيث يجتنبان أي محاولة للعب بالتوازنات الداخلية للآخر مهما بدا أن هناك أوراقا قابلة للاستخدام: العلويون في تركيا والآذريون في إيران على سبيل المثال. 4- المصالح الاقتصادية المتبادلة لجهة التجارة والاستثمارات وموارد الطاقة وخطوط النقل حيث لا مصلحة لأحد منهما إضعافها. 5- الإدراك التام أن الصدام المباشر بينهما، في ظل توازن الرعب، هو تدمير لكل منهما. في المقابل يختزن البلدان كل عوامل الصدام: الاختلاف المذهبي – اختلاف التوجهات في السياسة الخارجية – اختلاف طبيعة النظام – الإرث التاريخي الدموي العثماني – الصفوي. استحالة الصدام المباشر نقل التنافس بينهما إلى ساحات ثالثة مشتركة يمتلكان فيها عناصر التأثير ويتواجهان فيها كلما اقتضت الضرورة.وهي حصرا: القوقاز وآسيا الوسطى والمشرق العربي. إن تصاعد أو انخفاض منسوب المواجهة والتنافس في هذه الساحات يرتبط بعوامل منها: 1- مدى وجود أو غياب مشروع أيديولوجي متماسك وطموح في البلدين. 2- طبيعة الساحة الثالثة لجهة مدى حضورها ومناعتها لمواجهة التدخلات الخارجية. 3- طبيعة التحالفات الخارجية لتركيا وإيران. 4- طبيعة اللحظة الإقليمية والدولية من الصراعات بين أطراف النظام الدولي السائد. إذا حاولنا ترجمة هذه الاعتبارات على أرض الواقع الحالي نجد: 1- وجودا فعليا لمشروع أيديولوجي متماسك في إيران منذ العام 1979 وفي تركيا منذ 2002. 2- توازنا قويا في القوقاز وآسيا الوسطى. 3- ترنّحا شبه كامل للساحة العربية. 4- تنافر التحالفات الخارجية لكل منهما.إيران مع روسيا في مواجهة المشروع الغربي. وتركيا مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي في الطرف المضاد. نحن إذا أمام اكتمال عناصر المواجهة في الساحة الثالثة المشتركة التي هي عربية بامتياز وتحديدا في سوريا ولبنان والعراق وفلسطين. هنا يمكن تسجيل الملاحظات التالية: 1- أن الثورات العربية في مصر وليبيا وتونس وحتى اليمن والبحرين كانت داخل مجتمعات منسجمة إلى حد كبير اجتماعيا ومذهبيا أو بعيدة عن الدائرة المشتركة بين إيران وتركيا. 2- فيما ساحة بلاد الشام إن جاز التعبير تختلف جدا لجهة التوازنات الداخلية السياسية والمذهبية.وأي اختلال في المعادلة الراهنة في هذه الساحة سيهدم توازنات تاريخية قديمة وربما جغرافية تفتح أمام اضطراب قد يمتد لعقود بل أكثر. أخطر ما في المواجهة الحالية بين تركيا وإيران أنها تستحضر كل مفردات التاريخ وحساسياته وتؤسس لهدم ما تبقى من آخر لحمة بين العرب وهي رابطة العروبة وحرف جوهر الصراع بين العرب والمشروع الصهيوني إلى صراع بين السنة بشقيهم التركي والعربي والشيعة بشقيهم الإيراني والعربي. كلما تقدم العرب وحضروا على مسرح التاريخ كانت فرص التدخلات الخارجية تتراجع.لكن تراجع الدور العربي وغشاوة تحديد العدو من الصديق قدّمت العرب وجبة دسمة على طبق من ذهب إلى كل القوى الإقليمية والدولية.والمسار الذي يرى في القوى الإقليمية خطرا، ما عدا الخطر الدائم إسرائيل، هو من أخطر التحديات التي تواجهها الأمة العربية. وإذا كانت تركيا وإيران تهربان إلى الصراع في ساحات ثالثة عربية تحديدا فهذا سينعكس سلبا على الجميع.ومع أن التنافس بين تركيا وإيران بلغ أوجها في الفترة الأخيرة فإن التفاهم بينهما على تحصين الساحة العربية هو المدخل للوصول إلى حلول تحفظ الاستقرار للمنطقة العربية لأنها تحفظ الاستقرار لهما أيضا.
341
| 04 فبراير 2012
ليست تركيا جزءا بنيويا من المسألة الشرقية رغم أنها كانت محور المخططات الغربية في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، ورغم أن اتفاقية سايكس بيكو أنهت الدولة التي سادت على ثلاث قارات. لقد تحولت تركيا منذ القرن السادس عشر إلى جزء من المعادلة الأوروبية عندما اتفق السلطان سليمان القانوني، الذي استعيد مؤخرا في مسلسل تلفزيوني تركي ضخم، مع الإمبراطور الفرنسي فرانسوا الأول في منتصف القرن السادس عشر على التعاون العسكري ضد خصوم فرانسوا وسليمان المشتركين من المسيحيين. اتجه العثمانيون إلى المشرق العربي من أجل اكتساب شرعية دينية من الخليفة العباسي الأخير, لكنهم كانوا على الدوام جزءا من المسألة الأوروبية على مختلف الصعد. مثّل الشرق حقلا ومنجما لجباية الضرائب وجمع الجنود للقتال في أوروبا. ومثّلت أوروبا التحدي الذي سيترك أثره على نمط التفكير العثماني كما مثّل العثمانيون التحدي الذي أسهم في صوغ الهوية الأوروبية. لكن الفارق بين عهد السلاطين الأوائل وأولئك الذين في القرن التاسع عشر أن الأولين امتلكوا الثقة بالقدرة على التفوق فيما اتسم سلاطين عصور الانحدار بعقدة النقص تجاه التفوق الأوروبي. وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو ذكّر في الصيف الماضي بأن كل محاولات الإصلاح العثمانية ومن ثم التركية في القرنين التاسع عشر والعشرين كانت تستلهم النموذج الأوروبي. ليس الأمر فقط رغبة واقتناعا بل أيضاً انعكاس لموازين القوى.القوي يحاول أن يفرض سيطرته وثقافته ونموذجه.وهذا ما حصل. أربع محاولات إصلاح عثمانية وتركية اثنتان في القرن التاسع عشر واثنتان في القرن العشرين والواحد والعشرين.اثنتان في العهد الإسلامي من العثمانيين واثنتان في العهد العلماني. من تنظيمات العام 1839 إلى إصلاحات 1856 ثم بدءا من أتاتورك في العام 1923 وصولا إلى عهد حزب العدالة والتنمية في العام 2003. انتقلت تركيا من مرحلة مواجهة الند للند إلى مرحلة التوسل لاستلهام النموذج الغربي. لا تستعيد الثقافة التركية نفسها بقوة في حقبات ما قبل دخول الأتراك الإسلام ولا أيضاً في مراحل لاحقة بمعزل عن التأثيرات الثقافية واللغوية القوية من المسلمين العرب والفرس. واحدة من أهم الأمثلة على غياب الحضور التركي الجدي والعميق هو قدرة شخص مثل أتاتورك على التلاعب بالهوية التركية بسهولة فائقة وتغيير الحرف من أبجدية عربية- فارسية إلى أبجدية جديدة تختلط فيها أبجديات ألمانية وإنجليزية وفرنسية.الذهنية التركية في التفكير استنساخ لتداخل واختلاط الأبجديات في اللغة العثمانية ومن بعدها اللغة التركية. ولا يبتعد الأمر من هذه الناحية في السياسة أيضا والخيارات الاستراتيجية. من المواجهة مع الغرب إلى التواطؤ مع بعضه ضد البعض الآخر إلى استلهامه نموذجا حضاريا إلى استنساخه الاتاتوركي إلى التماهي معه بعد الحرب العالمية الثانية عسكريا واقتصاديا وسياسيا وصولا إلى استراتيجية تعدد البعد الغارقة في أجندا حلف شمال الأطلسي والمتناكفة مع فرنسا والمتواصلة مع إيران والمتصارعة مع سوريا والمترددة مع أكثر من طرف. وفي كل هذه المسارات نجد تركيا التي لا تستطيع أن تتخلص من "عقدة الغرب" فتريد أن تكون جزءا منه ولو على حساب علاقات مع المشرق فيما هو غرب لا يريد أن يقطع مع تركيا لكنه لا يريدها حيث تتعدى المسألة خيارات سياسية إلى خيارات حضارية تتصل بالهوية.وهو ما يفسر كل هذا التخبط التركي في السياسة الذي ليس سوى مرآة لتخبط الهوية الثقافية.أنت لا يمكن أن تكون علمانيا وإسلاميا في الوقت نفسه.أنت لا يمكن أن تسعى إلى التقدم والحداثة على النمط الأوروبي من دون أن تتصالح مع ذاتك في القضية الأرمنية ومشكلات الأقليات العرقية والدينية والمذهبية وقضايا الحريات.أنت لا يمكن أن تنشد نموذجا لا ينبثق من واقعك وتكون في الوقت نفسه نموذجا لآخرين. كيفما جال الباحث والمؤرخ في ثنايا التاريخ التركي، الحديث على الأقل، تلتمع في ذهنه تلك المعضلة التي تختلط فيها الهويات والذهنيات المتعارضة فتدرك أن أزمة تركيا الحديثة ليست في مجرد خيارات سياسة محدودة في الزمان والمكان ولا في تحالفات عسكرية هنا وهناك بل في التشظّي الخطير لهوية لا يزال عامودها يرى في الغرب،لا الشرق، مرتكزه.
386
| 28 يناير 2012
انسحبت القوات الأمريكية من العراق بعدما رفضت حكومة نوري المالكي التمديد لها. الاحتلال الأمريكي للعراق أحدث انقلابا جذريا في التوازنات الإقليمية من حيث تدري حينا ومن حيث لا تدري أحيانا. الاحتلال أفرز نتيجتين سلبيتين جدا وهما تسعير الفتنة الشيعية السنية وإحداث أول خرق لتقسيمات سايكس بيكو عبر إنشاء فيدرالية كردية في شمال العراق. ليس أخطر على وحدة العالم الإسلامي من نبش الحساسيات المذهبية والتاريخية والعمل على التباينات الإثنية. وليس تقسيم السودان سوى إحدى ثمرات تعميم المناخ التقسيمي الذي بدأ في العراق. ما بين سايكس بيكو واليوم حوالي القرن. وها ذكراها المشؤومة تلوح بعد خمس سنوات فقط. أما الفتنة المذهبية فإنها تستنبط قرونا من الصراعات الدموية العبثية التي أوصلت العرب والمسلمين اليوم إلى أسفل سافلين. بالأمس أطلق رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوجان تحذيرا من أن سوريا في طريقها إلى حرب مذهبية. وأعقبه وزير خارجيته أحمد داود أوغلو بالقول إنها ستنعكس حربا مذهبية على مستوى المنطقة. وبعدها تعاقب المسؤولون الأتراك من أن الخلاف بين رئيس الحكومة العراقية وبين طارق الهاشمي رئيس الحزب الإسلامي ونائب رئيس الجمهوري يدفع بالعراق إلى حرب مذهبية. الجميع يحذّر من حروب مذهبية. باتت مفردة"مذهبية" تلوكها الألسن بسهولة واستسهال شديدين كما لو أنهم يتحدثون عن زيادة الأجور للموظفين والعمال. وهنا مكمن الخطورة عندما تترسخ المصطلحات والمفاهيم كما لو أنها أمر عادي وجزء من "ثقافة" المجتمعات الإسلامية. وإضافة إلى الحرب المذهبية بات أيضاً التحذير من خوف الأقليات المسيحية ومستقبلها وسط البحر الإسلامي الذي تتنامى فيه قوة الحركات والتيارات ذات التوجهات الإسلامية. ويأخذون أيضا العراق مثالا على هذه المخاوف. حيث لم تبق في زمن الاحتلال سيارة إلا وانفجرت بوجه الجميع ومنهم المجموعات المسيحية. فقتل من قتل ونجا من نجا وهاجر هربا من هاجر وباتت بلاد الرافدين خلوا أو تكاد من العنصر الثاني الأساس المشكّل للحضارة العربية أي المسيحيين. والأمر انسحب على مصر حيث يتم تظهير المسألة القبطية دماء وقتلى من وقت لآخر. واليوم مع اندلاع الأحداث في سوريا وتصاعد موجة الاضطراب والمخاوف من الانزلاق إلى حرب أهلية يرتفع الحديث من جديد على مصير الأقلية المسيحية التي تقارب الـ 12 في المائة من السكان بحسب تقديرات غير رسمية. وبات "اللعب" بالورقة المسيحية مهنة اللاعبين الإقليميين والدوليين. حيث إن استكمال المؤامرة على وحدة العالم العربي والإسلامي ومنها وحدة سوريا تستدرج تجاوز كل الخطوط الحمر. ولعل من أكبر المفارقات أن تركيا التي عانى المسيحيون خلال الحكم العثماني كثيرا والتي وصف رئيس وزرائها رجب طيب أردوجان الحضارة البيزنطية بأنها"حضارة سوداء" وحيث لا تزال مشكلتها مع المسألة الأرمنية وواقع المسيحيين فيها قائمة، هي التي تحاول أن تقدم "ضمانات" للمسيحيين في سوريا بأن سقوط النظام في سوريا ووصول حكم إسلامي إلى السلطة لن يشكل خطرا على المسيحيين وكل ذلك بضمانة تركيا(!). لا يمكن إنكار أن حركات الإسلام السياسي في العالم العربي فضلا عن تلك التي مرت في أفغانستان لم تقدم حلولا لمشكلة طبيعة الدولة بحيث يشعر المسيحي أن خصوصيته وحقوقه المدنية كمواطن محفوظة، وعلى سواسية مع سائر المكونات الاجتماعية. وفي الواقع أن القوى التي تدير أو تستثمر الاضطراب في الوطن العربي والجغرافيا الإسلامية ليست حريصة على أي نوع من أنواع دولة المواطنة في أي بلد عربي أو إسلامي. وليس في أجنداتها أن تقوم دول حديثة تأخذ بأسباب الحداثة خارج الحساسيات الدينية والمذهبية والإثنية. لذلك يخطئ كل المسؤولين الذين بتصريحاتهم يفاقمون الحساسيات ويسعّرون الفتن. يواجه الوطن العربي اليوم واحدة من أخطر مراحله التي تتوسل الوقود المذهبي والديني والإثني لتمزيق وحدته فيما جوهر هذا الصراع هو منع الأمة من أن تكون سيدة نفسها في ظل قيم الحرية والتسامح والإرادة المستقلة.
439
| 21 يناير 2012
في سابقة في التاريخ التركي الحديث اعتقل رئيس أركان الجيش السابق الجنرال ايلكير باشبوغ بتهمة تنظيم عصابة إرهابية تهدف إلى الإطاحة بالحكومة بطرق غير شرعية عندما كان رئيسا للأركان. ليس باشبوغ رئيسا قديما للأركان بل كان إلى ما قبل سنتين فقط في هذا الموقع. اتهام باشبوغ بهذه لتهمة ليست جديدة. ظهرت التهمة حينها عندما كان في موقعه لم يتحرك أحد ولم تكن الحكومة في موقع ضعيف لكن يبدو أنها كانت تريد أن تمكّن نفسها أكثر وتنتظر التعديلات الدستورية التي أقرتها في 12 سبتمبر لتتيح محاكمة العسكريين أمام محاكم مدنية ولو كانوا في الخدمة الفعلية. باشبوغ ردّ بعبارة معبّرة وهو أنه لو كان يريد الإطاحة بالحكومة فلم يكن ليشكل عصابة مسلحة وتنظيما إرهابيا بل كان باستطاعته أن يتبع أساليب أخرى وتحت إمرته 700 ألف جندي وواحد من أقوى الجيوش في العالم. كان يعني أن باستطاعته القيام بانقلاب عسكري. لم يفعل حينها باشبوغ ولم ينجح غيره من رؤساء الأركان السابقين الذين كانوا في عهد سلطة حزب العدالة والتنمية القيام بذلك. ظهرت أقاويل عن وجود أكثر من خطة ومحاولة فعلية للإطاحة بسلطة رئيس الحكومة رجب طيب اردوغان منذ العام 2003 وحتى اليوم, وكانت كلها تكتشف, بعضها قد يكون صحيحا وبعضها قد يكون مفبركا. لكن في النهاية كانت صورة الجيش تتراجع وهيبته تتدنى في نظر الرأي العام ما يقوّي سلطة اردوغان وحزب العدالة والتنمية. واليوم مع اعتقال باشبوغ يكون الكيل قد طفح في العلاقة مع المؤسسة العسكرية. لكن مع ذلك لا يبدو أن هناك انزعاجا في القيادة العسكرية الحالية من ذلك. ذلك أن الطبقة العسكرية التي تحتل المواقع القيادية في الجيش من رئيس الأركان إلى قادة القوات المسلحة، وباستثناء عدد محدود منهم تنتمي إلى الجيل الجديد من القادة الذين يطلبون رضى السلطة السياسية التي تعينهم أو هي التي يجب أن توافق على تعيينهم في النهاية. ورئيس اركان الجيش الحالي نجدت اوزيل الوحيد الذي"خان" رفاقه في نهاية شهر يوليو الماضي ولم يقدم استقالته، وكان قائدا عاما للدرك، مع رئيس الأركان وقادة القوات المسلحة احتجاجا على اعتقال جنرالات ومنع ترقية جنرالات آخرين. فكانت مكافأته تعيينه رئيسا للأركان, وبالتالي لا يتوقع أن تصدر ردود فعل سلبية من قادة الجيش على اعتقال رئيس أركان سابق لأنهم جميعا يطلبون رضى أردوغان. تحدث باشبوغ بصورة غير مباشرة عن أنه كان قادرا على الإطاحة بالحكومة عبر انقلاب عسكري ولم يفعل. والسؤال هنا لماذا لم يفعل ذلك؟ هنا بيت القصيد في العلاقة بين السلطة السياسية والجيش. لقد نجح أردوغان في تطويع الجيش ليس لأنه يريد استكمال الإصلاح ولا لأنه يحب إضعاف هيمنة العسكر لحساب المدنيين ولا لأنه يريد أن تأخذ العملية الديمقراطية مجراها. ربما يتوجب أن نعود إلى الأسابيع الأولى لحكم حزب العدالة والتنمية في نهاية العام 2002 وبداية العام 2003 حيث كانت أمريكا تتحضر لغزو العراق, كانت تريد أن تغزو العراق من جبهتين كويتية وتركية لضمان نجاح الحرب والتقليل من الخسائر. لم يوافق البرلمان التركي على مشاركة تركيا رغم مذكرة الحكومة التي كانت تريد ذلك.في مطلع مايو كان نائب وزير الدفاع الأمريكي بول وولفويتز يتهم الجيش التركي بأنه لم يرسل "إشارة قوية" إلى البرلمان للتصويت على قرار المشاركة في الحرب. وبعدها بفترة اتهم وزير الدفاع دونالد رامسفيلد أنقرة بأنها تتحمل مسؤولية ارتفاع عدد القتلى الأمريكيين في العراق لأنها لم تشارك في الغزو. الغضب الأمريكي على الجيش التركي كان من أهم أسباب رفع التغطية الأمريكية عن أي انقلاب للجيش على حكومات رجب طيب اردوغان. وكل الانقلابات العسكرية في تاريخ تركيا الحديثة كانت بإيعاز أمريكي. لكن احتضان واشنطن لسلطة تمثل "الإسلام المعتدل" كما وصفها حينها الرئيس جورج دبليو بوش وتقديمها نموذجا للعرب والمسلمين كان سببا آخر لمنع سقوط هذا النموذج. أما السبب الثالث لإضعاف العسكر التركي فهو أن الولايات المتحدة في سياق الرغبة في تدمير القدرات العسكرية للدول الإسلامية (العراق ، ليبيا نموذجان على ذلك) تريد أن تضعف الثقة بالجيش التركي ورفع الحصانات المعنوية عنه لدرجة رؤية جنرال كان إلى ما قبل سنتين فقط رئيسا للأركان داخل السجن فيسهل تحطيم الروح المعنوية لواحد من أقوى الجيوش الإسلامية فيسهل لاحقا إخضاع تركيا وتفتيتها عندما يحين دورها في إطار"الشرق الأوسط الجديد". ولم تحفظ الحكومة التركية حتى في الحدّ الأدنى كرامة الجيش التركي وليس رئيس الأركان السابق كشخص عبر رفض محاكمته وهو قيد الاعتقال الجبري في منزله أو وهو حر. اعتقال باشبوغ هو اعتقال هيبة جيش قبل أن يكون تغليبا للنزعة المدنية على العسكرية.
814
| 14 يناير 2012
لن تخرج حكومة حزب العدالة والتنمية بسهولة من تحت أنقاض ورماد المجزرة التي نفّذها سلاح الجو التركي ضد مجموعة من الشبان الأكراد لا تتجاوز أعمارهم العشرين عاما ومن بينهم صبية أصغر سنّاً. مجزرة "أولوديري" التي ارتكبت عشية بداية العام الجديد أدخلت تركيا بسرعة في "أجندة" مثقلة بالأحداث والتوترات وألقت الضوء، الذي في الأساس لم يخفت يوما، أكثر على واحدة من القضايا التي إذا استمرت في السير على المنوال نفسه فستكون نهايتها حتما على الطريقة العراقية، أي فيدرالية وربما الاستقلال. القضية الكردية في تركيا بعد مجزرة أولوديري ليست كما قبلها. سيقول البعض إن الكثير من الحوادث الكبيرة قد سبقتها على امتداد السنوات الماضية. لكن مع ذلك تميزت حادثة أولوديري بمجموعة من الخصوصيات. أولا أنها ارتكبت رغم التأكد بأن المجموعة الكردية المدنية التي كانت تهرب المازوت والتبغ على ظهر البغال والحمير، من أجل لقمة عيش رخيصة، كانت مدنية بالكامل ويعرفها تماما مخفر الجنود الذي تمر عبره يوميا. ومع ذلك حصل القصف وسقط القتلى الذي فارق بعضهم الحياة من الجروح بسبب عدم وصول أي سيارة إسعاف في الوقت المناسب. وهذا التقصد يرتب مسؤوليات خطيرة على السلطة المسؤولة عن الحادثة. ثانيا وقعت الحادثة في ظل سيطرة السلطة السياسية على السلطة العسكرية وعدم تفرد العسكر بالقرار. أي أن السلطة المسؤولة مباشرة عن الحادثة هي الحكومة التركية برئيسها رجب طيب أردوغان ووزير دفاعها. وللمرة الأولى منذ نهاية أغسطس الماضي بات للعسكر أن يتنصل من مسؤولياته المباشرة ويضعها في ظهر المدنيين. ثالثا وقعت الحادثة في ظل تقديم تركيا نفسها نموذجا للدولة الديمقراطية والداعمة للحريات في الشارع العربي فإذا بها تسقط في "الشارع الكردي" وتقضي على حياة مدنيين في مجزرة علنية وموصوفة لاقت انتقادا عنيفا حتى من أقرب المقربين من الحكومة. ومن يعد إلى الصحافة التركية يدرك حجم "الخطأ" الذي حصل في أولوديري. رابعا وقعت الحادثة في لحظة إقليمية ودولية متوترة جدا تقع تركيا في القلب منها وتزيد من الصعوبات التي تواجهها أنقرة في المرحلة الحالية والمقبلة. لم تكن ردة فعل الحكومة التركية لائقة بحق الأكراد ولا الضحايا الذين سقطوا. ورغم كل المعطيات التي تشير إلى تقصد القصف على المدنيين فلم يصدر أي اعتذار معنوي من الحكومة تجاه الضحايا بل اكتفى بتخصيص تعويضات اعتبرها المسؤولون بأنها بمثابة اعتذار. وبالطبع هذا لا يفي بالغرض. يقول أردوغان إن الدولة لا يمكن أن تتقصد قصف شعبها. ولكن معظم الكتّاب كانوا يشيرون إلى مرحلة جديدة من عدم قدرة القيادة التركية على التعامل بواقعية وحكمة مع ملفات حساسة وفي مقدمها القضية الكردية. وكم كان "علي أكيل" الكاتب الذي ليس بعيدا عن الحكومة وفي صحيفة يني شفق المقربة من الحكومة وهو مراسلها في واشنطن، مصيبا عندما كتب مقالة بعد المجزرة اعتبر فيها أن المشكلة هي في أن "الخطأ" الذي ارتكب في أولوديري، عمره ليس يوما أو يومين بل عمره قرن بكامله. ويختصر بسياسة التذويب والإنكار والإلغاء من قبل "النظام"(السيستام) في تركيا تجاه الأكراد منذ مائة عام. فأُحرقت القرى وهجّر السكان وبل نسي الناس لغتهم الأم من أجل إقامة مجتمعات آحادية على النمط الهتلري والموسوليني والشيوعي. ويعكس نمط التعامل من قبل "السيستام" التركي تجاه الأقليات في تركيا نهجا بنيويا يمكن تعميمه على كل "الدول-الأمة" التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى والتي لم تستطع مغادرة "الأنا" القومية التي تلامس حدّ العنصرية في مقاربته لمشكلة الأقليات بمختلف مكوّناتها. ورغم أن تركيا تحقق تقدما في التنمية الاقتصادية وفي إخضاع العسكر للسلطة السياسية فإنها تبقى قاصرة ومقصرة في طريقة مقاربتها لجميع المشكلات الأخرى التي تتطلب شجاعة وإعادة تكوين ذهنية وفكرية لا يبدو أن "السيستام" في تركيا في ظل حزب العدالة والتنمية، مستعد ليكون مختلفا عن السيستام الذي كان سائدا منذ جمعية الاتحاد والترقي إلى أتاتورك إلى حكومات الوصاية العسكرية والمتشددين من القوميين والعلمانيين. وما لم تتغير هذه الذهنية، عبثا تبحث تركيا في ظل سيستامها الحالي، عن نموذج ناجح ومستقر.
582
| 07 يناير 2012
أقفل العام 2011 على تحديات كبيرة أمام السياسة الخارجية التركية بعضها موروث وبعضها مستجد وبعضها يفتح أمام المزيد من التداعيات. وبعد المشكلة التي انتهت اليها العلاقات مع فرنسا بسبب مشروع القانون الذي أقره البرلمان الفرنسي والذي يجرّم من ينكر وجود "إبادة" بحق الأرمن عام 1915 هاهي تركيا تدخل العام الجديد وهي تواجه مشكلة ترؤس جمهورية قبرص اليونانية للرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي في النصف الثاني من العام الجديد والتي تستمر ستة أشهر. ومنذ الآن أعلنت أنقرة أنها لن تعترف برئاسة قبرص للاتحاد على امتداد الستة أشهر المقبلة.وهذا سوف ينعكس على كل علاقات تركيا مع الاتحاد بما فيها مفاوضات العضوية المباشرة. بل أن انقرة لمحت إلى أنها قد تسحب قوات لها من أراضي الاتحاد على اعتبار أن قبرص ستترأس بدورها كما هو متعارف عليه رئاسة أركان الجيوش الأوروبية المشتركة كونها الرئيسة الدورية للاتحاد. لا يختلف اثنان على أن قبرص تعتبر "شأنا داخليا" تركيا انطلاقا من الاتفاقيات الراعية لاستقلال الجزيرة حيث تركيا طرف فيها.كما أن الوجود التركي في قبرص يعتبر خطا أحمر فهو الوحيد الذي يحول دون وقوع كامل قبرص بيد اليونان والحضارة الهلينية. لكن استمرار هذا الوضع غير الطبيعي بين تركيا وقبرص يضع منطقة شرق المتوسط في مناخ غير مستقر ومفتوح على كل الاحتمالات. ولقد كان هذا الخلاف فرصة للقوى الأخرى الساعية إلى الهيمنة على شرق المتوسط لتتغلغل عبر هذا الخلاف وتزيد من تعقيد التوازنات القائمة. فإسرائيل على سبيل المثال مدت خيوط التعاون مع قبرص بعدما اهتزت علاقاتها مع تركيا بل بادرت إلى توقيع اتفاقيات للتنقيب عن النفط والغاز في شرق المتوسط ما أثار حنق الأتراك الذين اعتبروا ذلك تجاوزا لما هو من حقوق القبارصة الأتراك. وروسيا بادرت بدورها لى إعلان دعمها لقبرص اليونانية في وجه التهديد التركي.وروسيا تاريخيا وثقافيا راعية للقبارصة اليونانيين ولليونان على قاعدة الثقافة الارثوذكسية المشتركة فضلا عن أهمية البلدين في الصراع مع تركيا ومن ورائها الولايات المتحدة على النفوذ في المتوسط. لا تزال قبرص تشكل عقدة لتركيا في سعيها الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.وهي إجمالا تقع موقع الطرف الأضعف في هذا الصراع. فأنقرة هي التي تمد يدها طالبة "القرب الأوروبي"وفي هذه الحال عليها أن تتقيد هي بدفتر الشروط الأوروبية.وما فعلته تركيا أنها تريد أن تدخل أحيانا إلى الاتحاد بشروطها هي وهو ما يتعارض مع نظرة الأوروبيين إلى الوضع. ورغم السياسات الجديدة المنفتحة على حلول عقلانية فقد فشل حزب العدالة والتنمية في اختراق حاجز قبرص من أجل مواصلة طريقه الأوروبية.فرفض تركيا للتعامل مع قبرص اليونانية على أنها تمثل كل جزيرة قبرص دفع الاتحاد إلى وقف المفاوضات مع تركيا حول ثمانية فصول.فيما تتقدم المفاوضات حول بقية الفصول ببطء شديد بحيث لا يتوقع أن يحصل اختراق استثنائي للجمود الحاصل. وإذا كانت تركيا لا تستطيع أن تفرض شروطها على الاتحاد فإنها ستكون مقيدة بشروطه.ولا معنى لتقول أنها تريد العضوية من دون الاعتراف بدوله الأعضاء ومن بينهم قبرص اليونانية. وبين الخلاف مع فرنسا حول "الإبادة" الأرمنية التي يعترف بها الاتحاد الأوروبي، والتهديد بوقف العلاقات مع الاتحاد بسبب ترؤس قبرص اليونان للاتحاد تكاد أنقرة تجد نفسها في وضع حرج.خصوصا أن استطلاعات الرأي المتعددة في تركيا لم تعد تعكس تأييدا وحماسة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.وإذا كان النمو الاقتصادي الإيجابي الذي تشهده تركيا يشجع الأتراك على الاعتقاد أن بإمكانهم أن يتفدموا من دون اتحاد أوروبي،غير أن العلاقة التركية- الأوروبية لم تعد خيارا حرا لا للاتحاد ولا لتركيا.إذ أن تداخل العوامل الجغرافية والسكانية والثقافية لم تعد تسمح ب "ترف" رفض الواحد للآخر.لذا لم تكن مواقف رئيس الحكومة التركية رجب طيب اردوغان من فرنسا حادة على الصعيد العملي واستمرت العلاقات الاقتصادية بكامل زخمها. وإذا كان من المستبعد أن تصل العلاقات بين الطرفين التركي والأوروبي إلى مرحلة الزواج الكامل فإن لعبة"الطرد والجذب" ستبقى عنوان هذه العلاقات لفترة طويلة.
371
| 31 ديسمبر 2011
انفجرت العلاقة بين تركيا وفرنسا على خلفية المسألة الأرمنية. فرنسا التي كانت اعترفت بـ"الإبادة" الأرمنية قبل عشر سنوات في العام 2001، تقدمت اليوم خطوة أخرى إلى الأمام في تشريع قانون يعاقب من ينكر وجود إبادة ضد الأرمن في العام 1915. ولأن الحكم استمرارية والجمهورية التركية وريثة الدولة العثمانية قانونيا ومعنويا مثلما كانت روسيا الاتحادية وريثة الاتحاد السوفييتي فإن قرار البرلمان الفرنسي يمس مباشرة الدولة التركية حاليا. ليست المرة الأولى التي تهتز فيها العلاقات التركية – الفرنسية. ففي العام 2006 أقر البرلمان الفرنسي معاقبة منكري الإبادة لكن الرئيس الفرنسي نفسه عطل القانون وفقا لصلاحياته ولم يصل إلى مجلس الشيوخ الفرنسي. اليوم وفي عهد ساركوزي نفسه تتم محاولة إعادة الكَرّة مع فارق أن الحسابات الداخلية الفرنسية المتمثلة في انتخابات الرئاسة الفرنسية في الربيع المقبل سوف تكون عاملا في أرجحية مرور مشروع القانون في مجلس الشيوخ ومن ثم للتصديق عليه من جانب الرئيس ما لم تطرأ عوامل تحول دون ذلك. الرئيس الفرنسي يدرك أن استطلاع الرأي يضعه في موقف ضعيف تجاه منافسه الاشتراكي في انتخابات الرئاسة وقد تكون النتائج متقاربة بل لعله بحاجة لكل صوت لكي يضمن بقاءه في دائرة السباق والمنافسة وبالتالي الفوز للاستمرار في قصر الإليزيه. ويحسب ساركوزي حسابا للأصوات الأرمنية التي تقارب النصف مليون. التوتر التركي – الفرنسي الجديد يأتي في سياق العلاقة ذات "التوتر المستدام" بين البلدين. إحدى أبرز مشكلات تركيا داخل الاتحاد الأوروبي هي مع فرنسا التي تتزعم جبهة المعارضين لانضمام أنقرة إلى الاتحاد الأوروبي. معارضة الفرنسيين لانضمام أنقرة لا تقتصر على اليمين الفرنسي بل تطال أيضا الاشتراكيين وإن كان موقف الاشتراكيين أقل حدة ويمكن أن يتطور إلى قبول ضمن شروط معينة. ومؤخرا كرر ساركوزي موقفه المعارض لتركيا ليس لكونها بلدا مسلما أو لأن عدد سكانها كبيرا وغير قابل للهضم من جانب الأوروبيين بل لأن الاتحاد هو للبلدان الواقعة جغرافيا في نطاق القارة الأوروبية وتركيا، بحسب ساركوزي تقع في "آسيا الصغرى"، كما ذكر حرفيا، وبالتالي أزاح جانبا الأسباب الكامنة لرفض الانضمام التركي وهو اختلاف العقيدة الدينية. وتدخل تركيا في تنافس مع فرنسا في منطقة البحر المتوسط وكانت ليبيا مؤخرا ميدانا لهذا الصراع عندما وافقت أنقرة على تدخل شمال الأطلسي لكي تنزع من فرنسا تفردها في قيادة العمليات العسكرية. وبطبيعة الحال إن العطف الذي تكنه فرنسا على القضية الأرمنية يجعلها تجد نفسها بجانب أرمينيا أكثر من تركيا في النزاع التركي- الأرمني. ومع ذلك فإن العلاقات بين البلدين رغم كل توتراتها لم تشهد تطبيق تلك التحذيرات التي كانت أنقرة تحذّر منها سواء في عهد حكومات ما قبل حزب العدالة والتنمية أو مع هذا الحزب. ولا يتوقع اليوم مع تشريع قانون معاقبة منكري "الإبادة الأرمنية" أن تبادر تركيا إلى خطوات مهمة أو مؤثرة ضد فرنسا. أولا لأن عملية تشريع القرار لم تستكمل بعد وتحتاج بعد مرور مشروع القانون في البرلمان إلى مروره في مجلس الشيوخ ومن ثم إلى التصديق من قبل ساركوزي. ويأمل الأتراك خلال الأيام المقبلة أن تؤثر ضغوطاتهم وتهديداتهم لمنع موافقة مجلس الشيوخ أو لاحقا لمنع تصديق ساركوزي عليه. وفي حال استكمال عملية تشريع القانون ليس من المتوقع أن تغامر تركيا إلى إجراءات عقابية اقتصادية على فرنسا لأن جزءا مهما من هذه التجارة هي مع فرنسا ومع الاتحاد الأوروبي. وليس من مصلحة تركيا أن تضرّ باقتصادها. خصوصا أن حجم التبادل التجاري كبير يصل إلى 15 مليار دولار في العام 2010. كما أن الاستثمارات الفرنسية في تركيا كبيرة ويعمل فيها أكثر من خمسين ألف عامل تركي ولا تريد حكومة حزب العدالة والتنمية أن تتراجع التنمية الاقتصادية فيها القائمة في جزء منها على الاستثمارات الأجنبية. مع ذلك فإن تصديق البرلمان الفرنسي على قانون"الإبادة" يجب أن يكون حافزا للأتراك لكي يتصالحوا مع تاريخهم الممتلئ بالمشكلات والحوادث المؤلمة مع الأقليات التي كانت موجودة تحت سلطة الدولة العثمانية ومنها الأقلية الأرمنية التي تستحق من أنقرة ولو اعتذار في مرحلة أولى بمعزل عن توصيفها "إبادة" أو "كارثة".
384
| 24 ديسمبر 2011
يثير النموذج التركي إعجاب الكثيرين من الإسلاميين في العالم العربي بل باتوا يشيرون إليه كقدوة أو نموذج للمحاكاة إن لم يكن حرفيا فبجوانب كثيرة منه. بل تعدى الإعجاب إلى بعض رموز العلمانيين العرب. وهذا نلحظه عبر المواقف المتعددة التي صدرت من قادة هذه الحركات في تونس وسوريا ومصر ولبيبا والمغرب. لكن مقاربة النموذج التركي ولاسيَّما من جانب حركات الإسلام السياسي العربية تثير كثيرا من اللغط والخلط بحيث لا يبدو النموذج واضحا لدى هؤلاء لكي نقول بمحاكاته أو استنساخه أو حتى الاكتفاء باستلهامه أو، في المقابل، بمعارضته ورفضه. إن الاكتفاء بالنظر إلى النموذج التركي من خارجه دون الوقوف عند حيثياته وسياقاته التاريخية وتفاصيله التطبيقية على الأرض تجعل الحركات الإسلامية في العالم العربي تبني على الشيء غير مقتضاه. يقوم النموذج التركي على ركائز ثلاث: العلمانية والديمقراطية والرابطة الغربية. وسوف نتوقف هنا هند البعد العلماني من النموذج لأنه يشكل التحدّي الأكبر للحركات الإسلامية. مع أن السلطان العثماني قد سن قوانين وضعية تتعارض أحيانا مع أحكام الشريعة الإسلامية فقد بقيت السلطنة رمزا لنظام أساسه القيم الإسلامية. ومع انهيار السلطنة أقام أتاتورك منظومة جديدة أساسها القيم الغربية ولاسيَّما القانون المدني السويسري واعتمد العلمانية أساسا للنظام خارج أية قيم دينية. واستمر أساس هذا النظام نظاما للحياة السياسية والشخصية في المجتمع رغم تبدل الحكومات من علمانية مرنة إلى علمانية متشددة إلى إسلامية الطابع إلى إسلامية الجذور. ما هو ملفت أن الإسلاميين في تركيا جاءوا إلى النموذج ولم يأت هو إليهم. جاءوا إليه كأفراد لا كإسلاميين. بوصفهم أفرادا يصلّون ويصومون ويحجون لكنهم ينظمون حياتهم العامة وفقا لقوانين علمانية بالكامل. ويمكن القول بالتالي إن نصف إسلاميي تركيا حوّلوا الدين الإسلامي إلى مجرد علاقة بين الفرد والخالق وليس إلى منظومة حكم كما تقتضي التعاليم الإسلامية، تماما كما حوّلت العلمانية في الغرب المسيحية إلى علاقة بالخالق لا إلى منظومة للحكم. جاءوا إليه بداية مكرهين واستمروا به طوعا. لقد هذّبت العلمانية خطاب الإسلاميين وعندما انفردوا بالسلطة منذ العام 2002 لم يغيروا قيد أنملة من علمانيته الموجودة بل زادوه علمانية(تشريع عدم اعتبار الزنا جريمة يعاقب عليها القانون والسماح لجمعيات مثليي الجنس بالعمل) لكنهم لم يزيدوه إيمانا. لا يوفر النموذج التركي في بعده الإسلامي أساسا للحريات الفردية ولا يحمي الخيارات الإيمانية للفرد. فكان منع ارتداء الحجاب في الدوائر الحكومية وفي المدارس الرسمية وفي البرلمان. في حين يسمح بكل ذلك على سبيل المثال في أكثر من دولة علمانية غربية مثل كندا والولايات المتحدة. وكل قوانين الأحوال الشخصية تسير وفقا للقانون المدني المتعارض في كثير منه مع أحكام الدين الإسلامي. ومع أن الركيزة الديمقراطية تعتريها ثغرات كثيرة وأبرزها التضييق على الحريات وعدم الاعتراف بالهوية الكردية، ومع أن الرابطة الغربية يمكن النظر إليها كخيار سياسي للنموذج، فإن البعد العلماني من النموذج التركي يطرح معضلات كثيرة على الحركات الإسلامية في العالم العربي بحيث عليها أن تجد الجواب المقنع ما إذا كانت تؤمن بهذا الجانب من النموذج أم لا. وبالتالي ما إذا كانت بالفعل حركات لها صفة "الإسلامية" أم أنها في طور التحول لتكون نموذجا يحاكي النموذج التركي بالتفاصيل التي عرضنا. إن الحركات الإسلامية في العالم العربي لا تزال تستهل الإعجاب بالنماذج الخارجية في عناوينها الخارجية العامة فيما هذه النماذج لم تتبلور للتصدير إلى غير بيئتها، وما كان على الحركات الإسلامية العربية أن تستعير تجارب خارجية لم تمر بها المجتمعات العربية. إن من أوجب المسؤوليات الملقاة على عاتق الحركات الإسلامية في العالم العربي وفي كل دولة منه على حدة أن تخلق نموذجها المتناسب مع التطور التاريخي للمجتمعات العربية ومع التحديات التي تواجهها هذه المجتمعات. وهذه كلها في تركيا وغيرها في العالم العربي. والحركات الإسلامية ترتكب خطأ وزوغانا إن أرادت التطلع إلى الخارج، أي خارج، سواء إلى النموذج التركي أو غير التركي، خصوصا أن التراث الفكري المعاصر كما ورد في بيان ختامي لندوة عن العرب والأتراك عقدت سابقا في الدوحة، غني جدا بتيارات التجديد التي تصالح الهوية، بكل جوانبها، مع الحداثة، ولا تضعهما وجها لوجه.
1175
| 10 ديسمبر 2011
كانت الجامعة العربية السباقة إلى اتخاذ تدابير سياسية ومن ثم اقتصادية قوية ضد سوريا. وما لبث وزير الخارجية التركية أحمد داود أوغلو أن أعلن يوم الأربعاء الماضي(30/11/2011) رزمة من العقوبات الاقتصادية ضد سوريا. ركّز الوزير التركي على نقطتين أن العقوبات لن تؤذي الشعب السوري. والثانية أن تركيا لن تقطع المياه عن سوريا. أولا يجب أن نسجل أن العقوبات التركية على سوريا تشكل سابقة في تعامل تركيا مع ملف دولة أجنبية، ولو كانت جارة، من خارج سياق المؤسسات الدولية. فتركيا ليست عضوا في جامعة الدول العربية ومصالح وثوابت الجامعة هي غير مصلح وثوابت تركيا. ومع ذلك أعلنت تركيا تضامنها مع جامعة الدول العربية في فرض هذه العقوبات. وإذا كان البعض يذكّر بالعقوبات الأوروبية فهي أيضا أتت تجاه سوريا وكل الدول الأخرى على أساس أنها قرارات صادرة عن الاتحاد الأوروبي وليس على أساس فردي. يلفت النظر أولا من بين قرارات داود أوغلو أنه أعلن وقف العمل بالاتفاقيات الإستراتيجية بين تركيا وسوريا. وتوصيف "الإستراتيجية" غامض ويمكن أن يشمل كل شيء. غير أن ما هو ثابت أن الاتفاقيات الأمنية والعسكرية الأساسية هي اتفاقيات إستراتيجية وكذلك اتفاقيات إلغاء تأشيرات الدخول. وما دام الأمر يتعلق بطريقة تحديد تركيا للاتفاقيات الملغاة وما دام "الضرب بالحديد حام" فيمكن حينها لسوريا أن تعلن أيضا إبطال العمل باتفاقيات لا تؤذيها ولكنها تؤذي تركيا. بمعنى أن جامعة الدول العربية عندما فرضت عقوبات معينة فقد حدّدتها بدقة في حين أن وزير الخارجية التركي ذهب إلى سقف مفتوح. هنا يقفز إلى الذهن مسألة الاتفاقيات الأمنية ولاسيَّما اتفاقية أضنة التي وقّعتها تركيا وسوريا في أكتوبر من العام 1998 والتي أنهت نزاعا بين البلدين حول حزب العمال الكردستاني. الاتفاق كان قضى بخروج زعيم منظمة حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجالان من سوريا. وهذا تفصيل. إذ إن الأهم هو التعاون الأمني الوثيق بين البلدين على امتداد السنوات اللاحقة. وبالفعل شكلت اتفاقية أضنة أساسا متينا جدا لزرع الثقة في العلاقة بين دمشق وأنقرة وقبل أن يأتي حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002. ولا شك أن تركيا كانت المستفيد الأول بل الوحيد من الاتفاقية إذ إن السلطات السورية طاردت عناصر"الكردستاني" واعتقلتهم ومنعت تواجدهم على الأراضي السورية بل حتى خارج الأراضي السورية. واليوم عندما تعلن تركيا أنها أوقفت العمل بالاتفاقيات الإستراتيجية لابد من التساؤل عن مصير اتفاقية أضنة. وهل هي بين هذه الاتفاقيات. وإذا لم تكن كذلك وأعلنت سوريا مثلا أنها ستوقف العمل بها فهل يحق لتركيا أن تعتبر الإجراء السوري عملا عدائيا بعدما قامت تركيا نفسها بوقف العمل بهذه الاتفاقيات الإستراتيجية؟ قبل إعلان داود أوغلو العقوبات سئل وزير الخارجية السوري وليد المعلم عن اتفاقية أضنة فأجاب أن سوريا لا تزال ملتزمة بها. لكن السؤال هو وماذا عن مصيرها بعد عقوبات داود الأخيرة؟ النقطة الثانية في العقوبات التركية هي التي أعلن الوزير التركي أنها لن تحصل وهي قطع المياه عن سوريا. ومن قبلها كان وزير تركي يهدد بقطع الكهرباء عن سوريا. يبدو أن مسألة المياه لا تزال تتحرك وفق العقلية التركية القديمة.وبمعزل عما يجري الآن في سوريا فإن هذه المسألة التي تخص أيضاً العراق تحتاج إلى حل جذري يتجاوز "الترقيعات" وهي مشكلة موروثة منذ عهد الأحزاب العلمانية المتشددة ولم تشهد أي تقدم في عهد حزب العدالة والتنمية رغم إلحاحات بغداد ودمشق. وعدم الوصول أو رفض تركيا الوصول إلى حل، يستبطن دائما إمكانية استخدام المياه سلاحا في أية مواجهة مع سوريا بغض النظر عمن يكون حاكما في دمشق أو في أنقرة. وقد جاء إعلان داود أوغلو أنه لن يتم قطع المياه إنذارا إلى مثل هذه الإمكانية في حين أن المياه "حق طبيعي وقانوني دولي" لا يحق لأنقرة التلويح بها لا من بعيد ولا من قريب. وهي مسألة تذكّر اليوم وبشدة بمحاولات دول منابع النيل حصار مصر وخنقها وتعطيل دورها وفق مخطط عربي إسرائيلي مكشوف. إن التمييز بين الحقوق الدولية وبين مصالح محددة خاصة برجال السلطة في بلد ما هو أكثر من ضروري في هذه المرحلة لمنع تأسيس ثوابت على أسس واهية ما يفتح على اضطرابات وحروب يخرج مها الجميع خاسرين.
866
| 03 ديسمبر 2011
عندما انتقد البعض وقوف رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوجان إلى جانب معمر القذافي في بداية الأحداث في ليبيا عزا أردوجان ذلك إلى أن المصالح هي التي تملي المواقف. كانت مصالح تركيا الاقتصادية في ليبيا كثيرة ووازنة. لكن مع تبدل موازين القوى كانت أنقرة تنحني للعاصفة وتسير معها وصولا إلى المشاركة في عمليات حلف شمال الأطلسي العسكرية. كانت سياسة تركيا في تصفير المشكلات مع الدول العربية قبل الثورات العربية قائمة على التعاون مع الحكومات والأنظمة في هذه الدول التي منها القومي ومنها الجمهوري ومنها الملكي ومنها الديمقراطي ومنها المؤيد للغرب ومنها المؤيد لروسيا ومنها المحايد وما إلى ذلك. بعد ذلك بدأت أنقرة "تطوّر" مقاربتها إلى الأحداث في العالم العربي انطلاقا من الحدث السوري تحديدا الذي وقفت تركيا إزاءه موقفا متدرجا وصولا إلى إعلان"الطلاق البائن" الذي لا عودة عنه. رفعت حكومة حزب العدالة والتنمية شعار الوقوف إلى جانب المظلومين ومع الشعوب وضد الأنظمة. وقام وزير الخارجية أحمد داود أوغلو بـ"عملية التفاف" ذكية، وإن كانت مكشوفة، بتحوير مضمون سياسة تصفير المشكلات من تصفيرها مع الأنظمة إلى تصفيرها مع الشعوب. رفع المسؤولون الأتراك شعارا كبيرا وهو أن التحول الديمقراطي في المنطقة مصلحة تركية تخدم الاستقرار. ومن ليس متصالحا مع الشعب لا يمكن أن يستمر في السلطة. لا أحد يعترض على الشعارات الجميلة. وليس أفضل وأبرع من الولايات المتحدة الأمريكية في رفع شعارات الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، هذا "المثلث الذهبي" الذي غالبا ما تحوّل على يد الغرب إلى مثلثات ومربعات للدماء ونهب الثروات من العراق إلى أفغانستان وبالطبع في فلسطين حيث لا أحد يرى أو يسمع أو يتكلم. تركيا تضع معاييرها الخاصة في التعامل مع القضايا والمشكلات. شيء جميل ومطلوب أن يخلق كل مجتمع نموذجه ومعاييره الخاصة به وألا يبقى رهينة استيراد النماذج والشعارات كما يستورد السيارة والكمبيوتر والدبابة ومقص الأظافر. منذ عدة أسابيع وتركيا تشهد حركة سياسية وأمنية كثيفة لا تجذب الانتباه في الخارج لأن الجميع منشغل بثورات العرب شرقا وغربا. منذ أسابيع ورئيس الحكومة التركية أردوجان يتحدث عن رفض حكومته أن تكون في تركيا "دولة موازية". وكان يقصد بذلك سيطرة عناصر موالية لحزب العمال الكردستاني على مناطق ومحافظات ذات أكثرية كردية في إطار مطالبة الأكراد بحكم ذاتي لهم في جنوب شرق تركيا. ومن أجل مواجهة "الدولة الكامنة" الموازية أطلقت حكومة حزب العدالة والتنمية حملة اعتقالات واسعة جدا لا تزال متواصلة منذ عدة أسابيع لاسيَّما بعد انتهاء الانتخابات النيابية. ومع أن من الأسباب المباشرة لهذه الحملات إنهاك الشارع الكردي وحرمانه من قياداته بعدما حقق حزب السلام الكردي الموالي لحزب العمال الكردستاني انتصارا كبيرا في المناطق الكردية على حزب العدالة والتنمية، فإن للتطورات في المنطقة العربية لاسيَّما في سوريا دورا مؤثرا في عمليات الاعتقال الواسعة. ذلك أن دخول المنطقة العربية المجاورة لتركيا حالة من التوتر والتخوف من دخولها حالة من الفوضى وربما الحروب الأهلية، ومع اقتراب الانسحاب الأمريكي النهائي من العراق بعد رفض حكومة نوري المالكي بقاءها بعد نهاية العام الجاري، أي بعد شهر فقط، هي أيضا من العوامل التي تساعد على حركة أكبر لحزب العمال الكردستاني وأذرعه السياسية في الداخل. وتتخوف تركيا كثيرا من عدم قدرتها على مواجهة النزعة الكردية المتنامية التي تستلهم أيضا من شعارات الثورات العربية لترفع الصوت مطالبة بسقوط سياسات العزل والحجر والاضطهاد للهوية الكردية. والمفارقة أن عمليات الاعتقال التركية للأكراد لا تشمل عناصر عادية أو من الطبقة "السفلى" من الأكراد بل تطال النخب الثقافية والسياسية والنقابية والاقتصادية ولا تستثني نوابا أكرادا سابقين ورؤساء بلديات حاليين ورؤساء فروع وقيادات لحزب السلام والديمقراطية بل طالت أيضا المحامين الذين كانوا يلتقون زعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل في تركيا عبدالله أوجلان ولم توفر الحملة مخرجين وممثلين وأساتذة جامعات وكتّابا وصحفيين متعاطفين مع الحركة الكردية ومع مطلب نشر الحريات وترسيخ الديمقراطية. وتطرح هذه العمليات سؤالا كبيرا عن مدى تحمل القاعدة الكردية لها وإمكانية تطور ردود الفعل إلى انتفاضة مدنية واسعة تدخل تركيا في "ربيع كردي" خصوصا أن النائبة الكردية جولتان كيشاناك وهي نائبة رئيس حزب السلام والديمقراطية الكردي قد حذرت من أن "نهاية" أردوجان ستكون مثل نهاية الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك. وهو ما يستدعي التساؤل عن مدى مصداقية شعار تصفير المشكلات مع الشعوب في الخارج، في وقت يتم تعطيله في الداخل.
392
| 26 نوفمبر 2011
امتد حكم الدولة العثمانية ستة قرون و19 عاما. في العام 1299 بدأت نواة إمارة بني عثمان من مجرد حامية للثغور السجوقية إلى رأس حربة للتوسع غربا فكان أن انتشر العثمانيون على امتداد ثلاث قارات: أوروبا وإفريقيا وآسيا. شأنهم شأن أية امبراطورية، ساد العثمانيون وصالوا في أربعة رياح الأرض حيث كانوا بعد فتح القسطنطينية وتوسعات سليمان القانوني سادة أوروبا والعالم. وكما كل دولة ما لبثوا أن حفروا نهايتهم بأيديهم من حياة السلاطين الماجنة إلى إدخال الأجنبي عبر معاهدات فتكت بالدولة من الداخل إلى نهاية عمر الدول التي لا تخلّد إلى الأبد. غير أن الضربة الأقوى لصورة العثماني جاءت بعد الانهيار الرسمي للامبراطورية في العام 1918. انكفأت الدولة إلى الأناضول الداخلي بقيادة الضابط مصطفى كمال الذي اكتسب لاحقا لقب "أتاتورك"، فكان تأسيس الجمهورية التي مالت إلى الغرب بكل مظاهره. ومن ذلك القطع مع الماضي العثماني. ما كان أحد يتصور أن أتاتورك الذي ملأت صوره وتماثيله وكلماته كل زاوية من تركيا يمكن أن يخرج من المشهد التركي أو أن يتم تهميشه. كان أقرب إلى أيقونة وإلى شيء يكاد ينافس الأنبياء والقديسين. تغير العالم كله على امتداد ثمانين عاما وما تغير تقديس أتاتورك. حتى حزب العدالة والتنمية عندما جاء إلى السلطة عام 2002 كان زعيمه رجب طيب أردوغان يقول إنه تغير وبات مقتنعا بالنظام العلماني وأنه ضرورة لتركيا الديموقرطية. بل إنه خاطب المصريين وجلب عليه غضب الإخوان المسلمين عندما دعا إلى اعتماد النظام العلماني في مصر. تفاوتت النظرة إلى سلوك أردوغان هل هو فعلا صادق في نظرته إلى العلمانية أم أنه يتبع "التقية" في انتظار الانقضاض على النظم العلماني؟. لا شك أن حزب العدالة والتنمية قد رسّخ أقدامه في تركيا. وبات يحكم السيطرة على كل مفاصل الدولة من الاقتصاد إلى المؤسسات التشريعية والحكومية ورئاسة الجمهورية والقضاء وأخيرا وضع يده على الجيش عبر قيادة "سلسة"ومطيعة. لذا لم يكن مستغربا أن يبادر البرلمان التركي في سابقة تاريخية إلى الدعوة لإحياء ذكرى السلطان المجدد عبدالمجيد الأول في قصر دولمة باهتشه بمناسبة الذكرى الـ 150 لوفاته. والسلطان عبدالمجيد الأول ولد في العام 1823 وتوفي في العام 1861 عن عمر 38 عاما فقط وحكم من العام 1839 حتى وفاته. وما أن استلم السلطنة وكان له من العمر 17 عاما حتى أعلن أول إصلاحات واسعة في الدولة دخلت التاريخ تحت اسم "التنظيمات" عام 1839 وهي "خط غولخانه" نسبة إلى حديقة الزهور في اسطنبول الذي أعلنت منه وفي عهده أعلنت الإصلاحات الثانية المعروفة باسم"خط شريف همايون". وقد دخل السلطان عبدالمجيد التاريخ كسلطان مجدد أدخل الدولة في مرحلة تحديث غير مسبوقة. وإن اعتبر البعض أن التنظيمات التي جاء بها دقت إسفينا كبيرا في بنية الدولة انتهت بها إلى الكارثة. رئيس البرلمان التركي الآن جميل تشيتشيك وهو من القيادات البارزة في حزب العدالة والتنمية أعلن عن إحياء ذكرى السلطان عبدالمجيد في البرلمان وعبر ندوة ليومين عنه. لم يكن الإعلان عن ذلك مجرد محاولة لإحياء ذكرى أحد السلاطين العثمانيين المجددين،علما أن السلطان ما كان يفقه شيئا في التجديد عندما كان أقرب إلى شاهد الزور في إعلان التنظيمات التي كان لرئيس وزرائه رشيد أفندي الدور الكامل فيه قبل أن يقتنع به في الإصلاحات الثانية، بل جاءت الدعوة لتكسر محظورا أيديولوجيا ساد على امتداد حقبة أتاتورك وخلفائه في القطع عن الماضي العثماني. ليس حزب العدالة والتنمية اليوم بحاجة لكي يقتلع من على الجدران صور أتاتورك ومن الساحات تماثيله بل يكفيه أنه نجح حتى الآن بتحويل هذه الصور والتماثيل إلى ديكور وزينة لا تقدم ولا تؤخر في أجندة حزب العدالة والتنمية لعودة تركيا إلى هويتها الإسلامية في انتظار اقتلاع الصور من الجدران بعدما اقتلعها من قلوب غالبية تركية واسعة. لم يعد إعلان استعادة دولة الخلافة في تركيا أو من تركيا سوى مسألة وقت!.
485
| 19 نوفمبر 2011
تغرق تركيا في تفاصيلها الداخلية وفي ملفاتها الإقليمية والدولية. تركيا التي خرجت من انتخابات جددت لحزب العدالة والتنمية بخمسين في المائة وفتحت على إمكانية الإعداد لدستور جديد مضت في صورة مغايرة لهذا الأمل. وبلهجة المنتصر كان يمكن لرئيس الحكومة رجب طيب أردوغان أن يفتح صفحة جديدة مع المعارضة لحل المشكلات الرئيسية لتركيا وفي مقدمها المشكلة الكردية. غير أن ما بان في المشهد الداخلي كان مختلفا وغرقت تركيا في دوامة العنف والعنف المتبادل بين جيشها وحزب العمال الكردستاني ولم ينفع زلزال "فان" كثيرا في تليين المواقف والإحساس بوحدة مصير مشتركة بين الأتراك والأكراد فشمت بعض الأتراك بالزلزال الذي أصاب مناطق تسكنها غالبية كردية وعادت بعد ذلك النبرة العالية في الخطاب المتبادل بين حزب العدالة والتنمية وحزب السلام والديمقراطية الكردي. واليوم لا أحد يعرف إلى أين تتجه تركيا في هذه المسألة. مسألة أخرى تلقي بظلالها على المشهد الداخلي التركي وهو التضييق على الحريات العامة واعتقال العشرات من الأشخاص والكتّاب بتهمة دعم "إرهاب" حزب العمال الكردستاني. والمعتقلون السياسيون هؤلاء هم من رؤساء بلديات ومسؤولي فروع حزب السلام والديمقراطية الكردي الممثل في البرلمان. كذلك من كتّاب وباحثين لهم وزنهم على الساحة الفكرية. وغالبا ما يتلقى آخرون رسائل تهديد مبطنة بحيث استعادت تركيا من جديد مناخات التسعينيات من القمع والضغوط على الحريات الفكرية. وفي المشهد الخارجي يلحظ زائر تركيا ارتباكا ملحوظا في كيفية التعامل التركي مع الملفات الإقليمية الساخنة. يسمع الزائر وبخلاف ما يرى من الخارج كثيرا من الكلام على تراجع الدور التركي في المنطقة. وإذا كان الموقف التركي قد أعلن وقوفه إلى جانب الثورات فإن هذه الثورات كانت تعلن عن وقائع جديدة مثل بدء استعادة مصر لدورها الإقليمي. حيث أنجزت انتصارين مهمين هما المصالحة الفلسطينية وصفقة الأسرى بين حماس وإسرائيل. والغائب الأكبر كان الدور التركي الوسيط الذي كان يبرع في مثل هذه الحالات. أيضا إذا نجحت الجامعة العربية برئاسة قطر في حمل ملف الأزمة السورية إلى بر الأمان تكون قد أعادت للدور العربي بعضا من هيبته المفقودة. في حين أن تركيا، التي كانت الصديق الأقرب لسوريا، في حكم الغائبة وكأنها غير موجودة. وهنا ينقل العديد من الباحثين والدبلوماسيين الأتراك المتقاعدين مناخا سلبيا لجهة تراجع تأثير الدور التركي ولاسيَّما في الأزمة السورية. ويرى وزير خارجية سابق أن تركيا أخطأت في عدم تقدير التعقيدات المختلفة في سوريا كما تعقيدات الوضع الإقليمي. وبأن الرئيس السوري أقوى مما تظنه أنقرة. ومن أخطاء السياسة التركية تجاه سوريا أنها رفعت سقف التوقعات كثيرا. واتبعت أسلوبا غير متوازن في التعامل مع بلد مجاور ومهم. وقد قطعت الخيوط وأحرقت الأوراق مع النظام السوري في حين أن دولة صغيرة مثل قطر نجحت كما يبدو بالفعل من ممارسة الدور الذي كان يجب أن تلعبه تركيا وشتان ما بين تركيا"القوة الإقليمية العظمى" وبين قطر"الإمارة الصغيرة". ويرى البعض أن تركيا لم تمارس سياسات واقعية تأخذ في الاعتبار المفاجآت والانقلابات المحتملة بحيث يمكن لتركيا أن تعيد وصل الخطوط تبعا للتوترات الحاصلة. وحدث أن النظام السوري كان أقوى من الضغوطات خصوصا في منظومة علاقاتها الإقليمية. فبات على تركيا إما إعادة النظر في نهجها تجاه السوريين وهذا لم يحصل وإما اعتماد سياسة الهروب إلى الأمام ومنها التصعيدات والتهديدات اليومية التي يطلقها مسؤولو حزب العدالة والتنمية. كما يسمع الزائر إلى تركيا كثيرا من الكلام على انتقال تركيا من سياسات وسطية ومعتدلة ومقبولة من معظم العرب إلى سياسات غربية وأطلسية لا تنسجم مع هوية تركيا وشعارات الدفاع عن هوية المنطقة ووحدتها. "نحن بحاجة أكثر لكي تفهمونا"، قال لي أحمد داود أوغلو. والفهم برأيي، بالطبع يجب أن يكون متبادلا. وأن يشمل كل تعقيدات المنطقة وعلى كل المستويات. والأهم أن يبقى الباب مفتوحا أمام إعادة النظر بالسياسات وعدم حشر النفس في زاوية ضيقة تطلق العنان للصراخ من دون القدرة على الفعل. وتركيا نفسها بحاجة، برأيي، أكثر منا نحن لكي تفهمنا. لقد بقيت تركيا خارج التفاعل الحقيقي مع المنطقة على امتداد عقود طويلة وما يخشى هو أن يكون السلوك التركي لا يزال في طور التجريب والتعرف على المنطقة وهذا يقتضي في الحد الأدنى سياسات حذرة ومتحفظة ومعتدلة لا تقتل الذئب ولا تفني الغنم.
385
| 05 نوفمبر 2011
مساحة إعلانية
تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما...
13977
| 23 فبراير 2026
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة...
2529
| 27 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة...
2067
| 25 فبراير 2026
في رمضان، حين يخفُّ صخبُ العالم وتعلو همساتُ...
999
| 26 فبراير 2026
جوهر رمضان هو العبادة، وتخليص النفس للطاعة، والتقرب...
783
| 25 فبراير 2026
رمضان يأتي ليطرح سؤالًا ثقيلًا: ماذا تبقّى منك؟...
768
| 27 فبراير 2026
يشهد قطاع التعليم تطورًا مستمرًا في أدواته وأنظمته،...
651
| 24 فبراير 2026
استكمالا لما ورد في (مقالنا) الذي نُشر تحت...
612
| 24 فبراير 2026
كشف التقرير السنوي لقطر للسياحة أن عدد الزوار...
606
| 22 فبراير 2026
لم أفهم معنى أن يكون للطفولة ظلٌّ يحرسها...
576
| 23 فبراير 2026
لئن كان صيام رمضان فريضة دينية، إلا أن...
543
| 22 فبراير 2026
لم تكن المساجد في صدر الإسلام مجرد مساحةٍ...
534
| 26 فبراير 2026
مساحة إعلانية