رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هل شوهتنا الحياة أم شوهناها؟

خُلقنا من نُطفة أمشاج، قطرة مخُتلطة لكل كائن حيّ، يحمل منها خليطاً من صفات الأسلاف والأجداد، تنغرس في جدار الرحم مع أيامها الأولى كانغماس البذرة بالتربة وقت الحرث، معلنةً عن بدء مرحلة التعلق التي نحتاجها لننمو ونتطور، ملتحمين بالخلايا والاغشية التي سنبلغ بها مرحلة الاستقرار الامنة، لتتكون اجسادنا ببطء دون تدخل ليد بشرية. ارواحنا فيها غير محمية من تلوث محيطها الخارجي الذي قد يبث فينا سمومه، إلى ان تحين لحظة الضغط على رئتينا لندوي بصرخات رعب من وجود لم نعهده، نتنفس بأعين حائرة باحثين عن تعلق آمن، لتبدأ أول مراحل الحياة الفطرية دون خبرات أو تجارب، صفحات بيضاء نقية لا تلطخها أفكار ومخاوف وتجارب مؤلمة، نتلقى فيها كل ما هو جميل و قبيح، كاذب و صادق، طيب و خبيث، دون تمييز بينهما فليس لنا حول ولا قوة، سوى مراقبة من حولنا وهم يتشاركون في تعبئة خزاننا الجديد، حرصاً منهم على ان لا تتكرر مأساتهم، فما تعرضوا له علينا تخطيه، وما عانوا منه يجب ان نتحاشاه، ليثرونا بخبراتهم الحياتية منذ نعومة أظفارنا، فيكيلون لنا من الأوامر ما يشعرنا بالعجز، لتتبدد الثقة بالتشكيك وتخور القوى بالترهيب. انها نواياهم الحسنة وقلوبهم المُحبة التي تُحركهم، لنتناغم مع محيطهم، فنكره ما يكرهونه، ونتّبع كل ما لهُ يميلون، وإلا فستُطلق علينا الاحكام ونتعرض للعقاب والحرمان، إذاً فليس أمامنا إلا الانصياع لكيلا نُنبذ من مملكة الحياة التي ألفناها ولا نعلم سواها. يحملنا بساط الأرض الممتد، مُدحرجاً عجلة مراحلنا العمرية، فتكبر همومنا وتتفاقم مخاوفنا، ونحن نتطلع لأهداف الآخرين ونسعى لتحقيق احلامهم التي لم تسعفهم مشاكلهم من تحقيقها، لنحمل اثقالهم مُطأطئين رؤوسنا إلى ان نبلغ نقطة التحول التي نفيق فيها مُكتشفين بأن احلامنا ورغباتنا مُغايرة ومخالفة لاسلافنا، فتحدث الكارثة التي تزلزل ارجاء معمورة ارواحنا المسالمة. ولكن دعونا نتساءل: هل جميعنا نكتشف ذلك؟ أو نبلغ هذه النقطة المحورية؟ ام ان هناك من يقضي طوال عمرة يرتدي ما خيط له ويسير بدروب قاتمة لا تناسبه، لإيقانه بان ما خططه الاخرون أفضل وأنسب! لأنهم أكبر وأحكم ويملكون من الخبرات ما يؤهلهم لرسم الطريق للآخرين والتخطيط لمستقبلهم. دوامة يعيشها الفرد بعد كل المكتسبات المجتمعية التي جعلت منه صورة مطابقة للآخرين، يخشى ان يطير خارج سربها، راضخاً لقيودها وقيمها المركبة، متعايشاً مع تناقضاتها المرعبة. ولا ادعو هنا للعصيان والتذمر، بقدر ما ادعو من يدّعون الحكمة من التوقف مع الذات، لاستيعاب نقطة واحدة فقط وهي بأن ما يناسبك ليس بالضرورة يناسب الآخرين وما يتناسب معهم لست مجبراً على تبنيه ليناسبك، لكون ما اكتسبته من الحياة ليس بالضرورة صحيحاً أو مناسباً لذاتك لتفرضه على الآخرين بحجة انه يتناسب مع محيطك الذي بدوره فرضه عليك. بلغنا القرن الحادي والعشرين، وما زال هناك من يرسم لأبنائه خارطة الطريق فيحدد مجالاتهم العلمية ورغباتهم الشخصية، باختيار رفقائهم وشركاء حياتهم، متشبثاً بقراراته لإرضاء محيطة المجتمعي غافلاً عن متطلباته الروحية التي حُرم منها قسراً، ليحرم منها اجياله تباعاً. كل ما اطلبه لحظة توقف مع الذات تتساءل فيها: هل كان بالإمكان ان أعيش بشكل أفضل؟ قد يسمح لك هذا التساؤل برؤية أبواب لم تفكر يوماً فتحها لأنك لم تلمحها أصلاً، لتثير بأعماقك مشاعر لم تلوثها التجارب والمكتسبات، مجردة من الواقع وخالية من الشوائب، ابحث عما يناسبك بداخلها واترك ما يناسب الآخرين لهم، فهم أقدر على تحديد اختياراتهم التي تتناسب واحتياجاتهم، فلا حاجة لان تبذل طاقة إضافية قد يكون ضررها أكبر من فائدتها وان كانت نواياك جميلة ومشاعرك خالصة. إلا ان الإجابات تعتمد على مرونة الفرد ودرجات وعيه بمستوى استحقاقه الذاتي وسط ظروفه الحياتية التي قد تفتح له فرصا جديدة بقرارات ذاتية، وقد تجره الى حتميات تبناها مجتمعة. لذا، لا تتجاهل كونها تجربة مخيفة، أن تعيش عقوداً طويلة من عدم اليقين، تترقب فيها المجهول، خوفاً من ان يخذلك جسدك والآخرون، تتعارك من اجل البقاء برفقة قائمة طويلة من الخيارات والاحتمالات السوداء الي لم تكن من اختياراتك والتي بالتالي لن تبلغ بها السعادة والرضا الروحي الذي خُلقت من اجله، لتعود لمتلازمة حتمية تثير جدلاً من حتمية فرصة أن تعود الى السديم العدمي الهادئ الذي يسبق مولدك.

1059

| 15 مارس 2023

المرأة بين الاستضعاف والمساواة

أليست المرأة هي عمود الحياة وأساسها؟، شاركت الرجل منذ بدء الخليقة في صناعة العالم وتطوره، عبدتها حضارات وسلبتها إنسانيتها حضارات أخرى، إلى أن جاء الإسلام ليقر كرامة المرأة ويضمن حقوقها، ليعاملها كشريك للرجل في الإنسانية لكونهم خُلقوا من أصل واحد. مما مكنها من لعب دور محوري في نهضة المجتمعات القديمة والحديثة لتثبت من خلال هذا الدور قدرتها على التغيير الإيجابي في تلك المجتمعات، فحضورها اللافت في مختلف جوانب الحياة وإصرارها على الوقوف بجانب الرجل ومساندتها له دليل على كونها عنصرًا أساسيًا في إحداث عملية التغيير في المجتمع. بيد أن الكثير من القيم والأعراف المجتمعية المكتسبة عبر الزمان شوهت كيان المرأة لتعلن التخلف عن موجة التقدم، لتخالف طبيعة الأمور، مؤكدة على أن تطور الأحداث والمفاهيم والتي غالباً ما تأخذ معنى أكثر تمدناً، كانت معاكسة مع قضية المرأة في بعض المجتمعات المتخلفة، التي مارست التمييز وحرمت المرأة من أبسط حقوقها كالتعليم والعمل وممارسة حياتها الطبيعية. مما جعل بعض النساء تتعايش مع حقوقها المسلوبة وكأنها لا تملك أي خيار سوى الاستضعاف والتجرد من طبيعتها الإنسانية، بعد أن سيطرت عليها الذكورة وأقنعتها بعدم الأحقية في امتلاك ما هو مملوك فِطرياً للذكر، الذي بدوره تأثر أكثر من المرأة بالمعتقدات المتوارثة لكونها تصب في مصلحة قوامته الأسرية ومنفعته الذاتية. وبالرغم من أن ذلك لا يخليه من مسؤولية التعصب والتحيز لجنسه البشري، إلا أن الرجال ضحايا كالنساء للأفكار والموروثات السلبية التي دمرت المجتمعات وأعادتهم للبدائية وهم في عصور النهضة. لكن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق المرأة ذاتها، لكونها هي من قبلت الخضوع والاستسلام، وتنازلت عن أبسط متطلباتها بالكرامة والعدل منذ أقدم العصور، فالصورة النمطية للمرأة لم تكن عادلة منذ قرون، مما استدعى ضرورة تحريرها من التقاليد البالية التي كانت تُكبلها. وبما أننا في القرن الأول من الألفية الثالثة، فلقد تطورت تلك الصورة وباتت المرأة في مصاف الرجال بجميع المجالات المجتمعية والعالمية، بدخولها معترك الحياة السياسية والاقتصادية ونجاحها وإبداعها في جميع المحاور والمسارات، ليقاس تطور الأمم بنسبة المشاركة النسائية فيها إبرازاً لتقدمها وتحضرها. بيد أن ما زال هناك نساء اكتفت بدورها الفِطري، ولا ضير في ذلك إن كانت راضية كل الرضا، بعكس اللواتي يتعرضن للاستبداد والسيطرة ويشعرن بالعجز حيال الظروف المحيطة بهن، دون المطالبة بالحصول على حقوقهن الطبيعية، فتمردهن سيؤدي إلى تفكك الأسرة التي هن عمادها. عزيزتي الأنثى تذكري بأنه لا أحد يستطيع أن يجعلك تشعرين بالنقص دون موافقتك وتقبلك للأمر، فلا تغفلي عن سحرك وطقوسك المختلطة بذكائك المتقد، فأنتِ شديدة الملاحظة ويُمكنك أن تجيدين القيام بعدة أمور بذات الوقت وهي ميزة ميزك الله بها، كما أن المرأة الحكيمة لا تُريد أن تكون عدواً لأحد وترفض أن تكون ضحية، فلا تتكاسلي في استخدام تلك المنح الإلهية، لترددي بأن لا حول لك ولا قوة، في مجابهة الصعاب وتخطي الأزمات، لتعيشي دور الضحية الذي لم يعد منسجماً ومناسباً في ظل الثورة المجتمعية التي تعيشها النساء على سطح الخليقة، تنتمي فيها المرأة إلى جميع الأماكن التي تتخذ فيها القرارات، دون استثناء لجنسها. تخطت الحواجز وكسرت القواعد حتى بات شعار يوم المرأة العالمي عن المساواة بين الجنسين في الابتكار والتكنولوجيا، وأنتِ لا تزالين في جحرك منعزلة تبحثين عن فُتات ترمى لك، لاعتمادك مادياً على الرجل الذي حرمك من إكمال تعليمك أو مُزاولة وظيفة تُشعرك بكيانك المجتمعي وحضورك البشري الذي لا يتنافى أبدا مع قيامك بدورك كأم وربة أسرة، إلا أن أغلب الرجعيين منهم ينزعجون من استغلال المرأة المادي ويرونه خطرا على سيادتهم الذكورية. بالرغم من أن قرار الاستسلام كان قرارك وإن فُرضت عليك بعض المعتقدات والممارسات، التي فُرضت على غيرك ولكنها تمكنت من الصمود والوصول لأعلى الشهادات وتفوقت مهنياً بجميع المجالات لتنافس وتواكب مجريات العصر. فإنها لم تنسَ دورها الأساسي بالاهتمام بأبنائها بتربيتهم التربية الصالحة فربت فيهم الهوية وحب الوطن والاجتهاد كما أنها تتصدى لجميع العقبات والتحديات التي يمر بها العالم من ظروف سياسية واقتصادية وصحية وتعليمية، لتُظهر المسؤولية الاجتماعية بقيامها بمهام مضاعفة من أجل أسرتها ومجتمعها ووطنها. لذا فبعد أن ذابت جميع الحدود المُصطنعة، عارٌ عليك ارتداء عباءة الضحية.

3798

| 08 مارس 2023

دوامة الاحتراق الذاتي

نتخبط في وسط حالك، تتعارك فيه الأفكار السوداوية، متلمسين بتوجس مخاوفنا، دون الخوض في غياهب الصدمات التي نظن بأننا كلما ابتعدنا عنها أكثر وتجاهلناها سنكون بمأمن من مشاعرها المؤلمة التي رافقتنا بالماضي، غير مدركين بأن ثمار ما نحن فيه اليوم ما هو إلا نتاج مفعولها السحري المتجدد في أحداثنا اليومية. فكل المعارك النفسية والمشاعر والأفكار المتراكمة منذ نعومة أظفارنا، تطفو على السطح بين لحظة وأخرى لتُدير دفة القارب المتهالك، بلا طوق نجاة، تجرفه تيارات البحر الهائجة لنعتاد على دوار البحر بين الأمواج العالية ونألف عذرنا الواهن بحتمية الواقع، مكتفين بالدعوات والأمنيات لتهدأ العاصفة قليلاً فنتمكن من التجديف بأطرافنا العارية المتثاقلة عسى أن نبلغ البر الآمن ونهنأ بالراحة والاستقرار النفسي، بالرغم من إدراكنا الحقيقي بعدم امتلاكنا للمرساة التي تُلصقنا بالأرض، لنبقى في ريبة من مجهول قادم يُعكر صفو ثباتنا الوقتي. شريحة بشرية تدور في دوامة لا متناهية دون إدراك، رافضةً التغيير، متشبثةً بصحة معتقداتها وصواب منطقها الفكري، ولم لا فممارساتها تتناغم مع صدى الفكر المُتبنى، لكون الحياة دائماً تُثبت لك ما تعتقده وتؤكد لك صحة أفكارك بأن تحيطك بالشواهد والحقائق التي تتناسب ومستوى وعيك وقناعاتك بتلك الفترة، لتحقق غنائمك السطحية. قد يحدث أن تتغير جزئية فرعية في أحد المعتقدات الموروثة أو المكتسبة مما يستدعي أن يتبعها تغير بتوجهك مقروناً باتساع أكبر للمنظور والواقع الحالي، وهنا يتوجب عليك التقبل الضمني لما كان من سابع المستحيلات في نسختك الأولى، لتعود الحياة مرة أخرى باستعراض كل ما يؤكد أفضلية الفكر الحالي ومرونته، حتى تنتقل لمستويات أعلى من الوعي وهلُمَ جرا. ولا أسرد ذلك تنظيراً، فواقعي وواقع أشباهي يُحاكي المراحل الانتقالية التي تؤكد تغير الفكر وتناغم الحياة لتوطين قناعة مكتسبة بأن الإنسان تتغير خلاياه كل سبع سنوات بالمتوسط، بعد أن ثبت علمياً أن الخلايا الإنسانية تتجدد بعد انتهاء دورتها المحددة. وبالرغم من اختلاف الباحثين وتباين آراء العلماء، إلا أن هذه المعلومة الصغيرة فككت العقد بتغلغلها بين القيود لتفتح بوابات مضيئة للتجوال في بحور الفكر المتباينة واستنشاق رحيقها العذب الذي تسلل في أعماقي مُنذراً عن عهد جديد لم تكن لي دراية بوجوده. لأُعلن عن ولادة شخصية مُغايرة.. ليس شكلياً، بل بعمق المشاعر التي باتت تحتويني لمحيطي القريب والمساحات الرحبة في فضاء كوننا الفسيح بجمالياته المعقودة بترانيم الفرح، متسلحة باليقين التام بأنه لن يصيبنا إلا ما كتبه الله لنا وإن كان شراً ظاهراً ففي باطنه خير، مُدركة لطف الله بقلوبنا قبل عقولنا، مُغلفة مجراتي العقلية بالطمأنينة بقدرته وعظمته التي تحيط بنا وبدقائق أحوالنا، متسلحة بالهدوء لبلوغ قاع الصدمات وعبور كهوف القلق التي ظننت بأنني قد تجاوزتها، لأتحسس مواضع الجروح وأفقأ دمامل الألم، مستحضرة كل تفاصيلها المزعجة ومشاعرها المكبوتة، بعد أن بات عفنها مزعجاً لمن هم حولي. لم يكن الأمر سريعاً أو هيناً ولكن العودة لفتح تلك الملفات البالية ورفع طبقات الغبار المتكدسة حولها، خفف من حملها لتطفو على السطح مستسلمة لملمة أطرافها وتوابعها وآثارها لتكديسها في حقيبة صغيرة تمهيداً لرميها في سلة المنطاد المتحفز للتحليق، مُغيباً عن الأنظار.. أراقبه ملوحة لوداع دون رجعة، مؤكدة تصالحي معها وأفضلية حياتي بدونها. لذا، حاول أن تدرب عقلك على فكرة أن لكل معضلة حلا قد لا تراه الآن ولكنه موجود، فلا تُلقِ اللوم على الآخرين وتطلب منهم أن يتغيروا ليتناسبوا مع رغباتك ومتطلباتك. ابدأ بذاتك.. غَيِّرها.. نظفها من الشوائب والصدمات، لتتخلص من مخاوفك وقلقك.. ثم لاحظ الأفكار التي تتبناها وحَدِّد مصادرها دون استعجال، لاستئصال الضار منها وتعزيز النافع، فبالتدرج ستحصل على التغير الذي يناسبك وينسجم مع منظورك وبالتالي ستتغير أحداثك وسيتناغم من هم حولك بتغيرك، مما سيحيطك بغلاف مريح من الرضا النفسي الذي سيجعلك تتقبل كل ما هو مختلف، وتؤمن بأن ما يناسبك اليوم قد لا يناسبك غداً وما كان غير ملائم بات اليوم مناسباً جداً، لتخرج من دوامة الاحتراق الذاتي التي شَلَّت أفكارك، نغَّصَت سكونك، أربكت حياتك واستنزفت طاقاتك بمخلفات الصدمات التي ليس لك يد فيها أو ذنب لتحرمك متعة الاستمتاع بوقتك الحالي.

1980

| 02 مارس 2023

حب الذات وطوفان الأنانية

نتوارى عن أعين الناس لنخفي هواجسنا متلاعبين بالكلمات، دافنين رؤوسنا تحت غطاء العطاء والتضحية، ذواتنا منبوذة، مشاعرنا مكبوتة، مُكبلين بقناعات نسبية فرضتها ظروف وقتية، وأهداف فردية، كي لا نُتهم بالأنانية البغيضة المعنى بالوقع والمسمع. إلى ان وصل الأمر بالبعض بالأنانية الجهرية، ظناً منهم أنها الخلاص من الواقع المرير والملاذ الآمن للأرواح التائهة بين رغباتها الخاصة ورغبات الجموع المحيطة بها. دون إدراك لما تتضمنه تلك الصفة من خبائث تشوه الفطرة البشرية وتقلل الثقة بالذات لتهز التصالح النفسي وتعكر الرضا الداخلي في مفهوم حب الذات الذي يُعد من الصفات الأصيلة التي خُلق عليها البشر للمحافظة على ذاته من المخاطر، فهو فطرة إلهية تُمكن بني آدم من التكيف والتعايش مع الحياة وتحدياتها. كما انه تعبير عن حالة تقدير الذات التي تنمو وتتطور من خلال ممارسة الأعمال التي تدعم نمو الشخص الجسدي، والنفسي، والروحي. وفيه يتقبل الشخص نقاط ضعفه، ويتعامل مع نقاط قوته بشكل أفضل، كما أنه لا يحتاج إلى تفسير نواقصه بل يُركز على تحقيق أهدافه للوصول إلى النجاح. إلا ان هذا التعبير ارتبط ارتباطاً قوياً بالأنانية، بسبب التشابه المجازي بالمعنى رغم اختلاف التصرفات والأفكار ومدلولات الفحوى والنوايا، فبات حب الذات سلاحا ذا حدين حين يساء فهمه ويُفتقد طوق مرساة التحكم به وتقنينه كيلا يخرج عن إطار كونه انطباعا يتبناه الانسان عن ذاته برفع استحقاقه، وشعوره بأنه يستحق الأفضل كأن يضع نفسه بالمرتبة الأولى، فكل ما يُحيط به يخدم علاقة حبه لذاته بشكل أو بآخر، فهو يرغب في كل شيء جميل ويخاف على نفسه ومشاعره من كل سوء، دون ان يطغى على حقوق الاخرين أو يؤذيهم أو حتى يتمنى لهم الشر. في حين ان الانانية درجة أسوأ وأعلى حدة، لكونها الرغبة بامتلاك كل شيء مع عدم ترك شيء يصلح للآخرين وكره الخير لهم مقروناً بالنوايا السيئة، لكونه يرى ان جميع الناس اعداؤه وان نجاحهم سينتقص من نجاحه وقد يُفرط البعض بالبحث عن الطرق التي سيتمكن من خلالها إفشال نجاحات الآخرين ليثبت تميزه واستحقاقه النفعي. وقد تناول العلماء والباحثون الفروقات بينهما، واصفين الشخص الأناني بالذي لم يتمكن من حب ذاته ومعرفة عيوبه وقواه الخفية، فيرى العالم بعين قاصرة، مقتنعاً بفكرة الغاية تبرر الوسيلة، تسيطر عليه فكرة الاهتمام المفرط بالذات مع عدم مراعاة مشاعر الآخرين أو احتياجاتهم. في حين يُعرف المحب لذاته قيمة ما يمتلك من صفات، بدءاً من قناعته بشكله وتقبله لوضعه الاجتماعي والاقتصادي والتعليمي، يواجه عيوبه ويحاورها أمام مرآة عقله للرقي بها واستبدالها بما يحب لأجله هو لا لإرضاء من حوله، مُركزاً على ذاته، دون ان يستاء من نجاح الآخرين، بل يفرح لهم ويساعدهم. وبالرغم من هذا الفارق الكبير، إلا ان الغالبية ترى ان هناك شعرة رقيقة تفصلهما، جعلت من الصعب على بعض البشر التفريق بينهما، فاختلط الحابل بالنابل، وضاعت البوصلة في إطلاق الأحكام، حتى بات حب الذات عند البعض معيباً وبغيضاً، والبعض الآخر جعله شماعة ليعلق عليها نقاط ضعفه وقلة حيلته التي منعته من الوصول الى هذه الدرجة من السمو النفسي. غير مدرك أن تلك الأرواح تبغض الانانية ولا تستمع أو تكترث لأصوات من لا يملكون الوعي بهذه الفروقات الجوهرية أو يميزون بينها، وبأن بصيرتهم القوية التي مهدت لهم الطريق للوصول لهذه المرتبة النفسية، يستشفون من خلالها الأرواح المتثاقلة الضعيفة التي اكتفت بالبقاء والسكون في الظلام بالتقليل من درجة استحقاقها الحياتي في محيط تغلب عليه الأنانية. لذا تراهم دائماً يحثون الآخرين على حب الذات ورفع معدل الاستحقاق النفسي بالرضا والسعادة مع السعي والبحث عن الأفضل دائماً لترتقي الأرواح البشرية. بكلمات أخرى، حب الذات يعني أن تحظى باحترام كبير لرفاهيتك وسعادتك مع الاهتمام باحتياجاتك وعدم التضحية بها لإرضاء الآخرين وكذلك عدم الاستقرار بأقل مما تستحق. ولكن رغم كل هذه المفارقات، إلا انه ما زال هناك من يردد كلمات حب الذات دون ان يطبقها ويُفعّل أسسها الأولية بقناعة يكفلها الرضا والتي يحتاج فيها الى تهذيب وتدريب للروح بالاعتياد على التحدث مع الذات بحب وإيجابية دون إطلاق الأحكام وجلد الذات المستمر، فضلاً عن ضرورة اتقان فن الحياة لضمان السعادة والراحة للجميع دون الحاجة للتنازلات والتضحيات الضارة والمدمرة لأي طرف يتبنى فكرة «أنا ومن بعدي الطوفان».

4029

| 22 فبراير 2023

سأكفنكم بالذنوب قبل أن تميتوهم بالشتات

مجموعة ضخمة من الكُتل المتحركة، تنتشر على كوكب واحد، في محيط جغرافي واسع، تتحدث بلغات مختلفة وتعتنق العديد من المعتقدات والعقائد والقيم، يتفاوت مخزونها وتختلف قناعاتها، لتتشارك في بعض الصفات وتتباين بالبعض الآخر، ورغم ذلك تمكن غالبيتهم من التعايش مع بعضهم البعض في فرق وجماعات أو بشكل فردي. ولكن هناك من ينفر ويرفض متبجحاً هذا التعايش، فيختلق الأسباب ليقاتل ويعتدي ويبطش، وقد ينادي بالتعايش الذي يُلبي احتياجاته هو فقط، كما هو الحال بالعديد من الكتل التي ما زالت تتبنى النظرية النفعية أو الانتهازية، غير مكترثة بحق الآخرين في الوجود والعيش بكرامة، في حين جزء منهم تخلى عن إنسانيته تماماً محيطاً نفسه بأطر مُغلقة أحالته الى جنس لا يمت للبشرية بصلة بل منافياً لها. كأن تتجاهل كارثة حلت بأخوتنا وترفض تقديم المساعدات المصيرية لإنقاذ الأبرياء من الأطفال والنساء وكبار السن بالرغم من كونهم بمحيطك الجغرافي ويتحدثون نفس اللغة ويعتنقون ذات العقيدة، بل الادهى من ذلك ان تحرك هذه الازمات مشاعر الحقد والكراهية الدفينة الظاهرة في عبارات الشماتة، مُعلنة موت الإنسانية المشوهة التي نجد صعوبة في الغوص بأعماقها بعد كل الأحداث الدموية التي توالت على البشرية من كوارث ومجازر وحروب راح ضحيتها الملايين بُثت صورهم في جميع وسائل الاعلام وبرامج التواصل الاجتماعي حتى ألِف الإنسان منظر الجثث المتراكمة والجدران المطلية بالدماء، فلم يعد بكاء الأطفال يحرك عواطفه المتحجرة، ولا صراخ النساء الثكالى يعصر تبلد فؤاده. فغدونا نتفهم ذلك عندما تكون هناك صراعات وانتقامات دائرة بين الأطراف ولكن هل يُعقل ان نبلغ مبلغ الوحوش البشرية اثناء الازمات الكارثية ونتجرد من مشاعرنا الفطرية ونحن نشاهد أرواحاً بشرية تحت الركام تنادي وتستنجد من حرمانها للهواء والماء وهو ابسط احتياجاتها البشرية وحقوقها. اناس لم يجدوا للنومِ سبيلاً طوال أيام لضيق المساحة التي حُشرت بها أجسادهم، فانكتمت أصواتهم وسط صقيع البرد وتجمدت أطرافهم بعد ان توقف عنها تدفق الدماء المتخثرة بسبب تخشب ابدانهم بين لوحين من الاسمنت. وهن الجسد وزاغت الابصار في ظلام حالك يملأ رئتهم بالغبار الذي لا يملكون استنشاق سواه، ودعاء قلوبهم ينادي وسيلة للخروج أو يداً تمتد بوسط الأنقاض تبلل جفاف حلوقهم وتعيد بصيص الأمل الذي بدأ ضبابياً مع مرور الساعات الطويلة والدقائق الثقيلة التي انقطعت فيها كل مظاهر الحياة التي كانوا يألفونها عندما غاب عن موطنهم كل أماني الحياة إلا البقاء بحدوده. ولكن الكارثة أبت إلا ان تنثر الملح على جراحهم المتقيحة منذ عقود ليصرخ الجنين ببطن أمه مستغيثاً الخالق ظلم المخلوقات التي حرمت آلاف الأمهات أطفالهن ويتمت مئات الأطفال والرضع من امهاتهم، فتشتتت الأسر بعد أن فقدت عائلها وانكسرت القلوب لآلام محبيها، ليفيق من نجا يجمع على جبهته من تراب الأرض القبلات سجوداً ودعاءً عسى ان تتلطف الاقدار بحماية من تبقى من أسرته، حافراً بأطراف يديه الجحور المظلمة التي تحول بينه وبين أقاربه، ليتبين مقدار قلة حيلته أمام جبال الطوب المتكدسة التي تفضح عجزه ليخر منهاراً بين دموع القهر، فيهيم شارد الذهن تحاصره الذكريات واللحظات الجميلة التي تشاركها معهم، ماضياً بآهات ملأت الشوارع العارية من المنازل، وأقدام متثاقلة تحاول تخطي الحطام المتناثر كيلا تسحق ما تبقى من الجثث المتناثرة بمدينة أجدبت أرضها وأقفلتْ السماءُ وقبضَ الرعبُ على قلوب من تبقى من سُكانها. وسط موجة صقيع تجمدت فيها أبصارهم متسائلة: هل سيكون هناك صباح؟ بعد ليل يعج بأنين لم يبق معه سوى زمجرة الرياح العاصفة. وهل هناك تحرك لمشاعر الجمود التي خذلت الإنسانية وقيدتها بقوانين دولية ومنظمات عالمية؟ لم تنقذهم وهم على سطح الأرض لتخنق انفاسهم تحت انقاضها. أما آن للبشرية ان تنصر جنسها لتحتضن الأرض من ولدوا في أكنافها وتربوا في أوديتها؟ اما آن للظالم ان يحذر من شؤم ما اقترفت يداه بعد ان اغلق الحدود ورفض فتح المعابر للأيادي البيضاء. ألم تنتبه الأصنام لتحرك الطبيعة الجامدة؟ بعد ان ثارت الأرض واهتزت صفائحها لتقول لهم سأكفنكم بالذنوب قبل أن تميتوهم بالشتات، وسأغرقكم بالعار قبل أن تدفنوهم أحياء. فصبرهم هيج الأحزان وصمودهم أشعل نار الكرامة، وسط خذلان المجتمع الدولي وعجز منظماته، لتثير عواطف لم يطب لها التأوه ولكن لذّ لأولئك الاستماع.

1419

| 15 فبراير 2023

كارثة تزلزل التعايش الفكري للمشاعر

دارت بنا الأيام وانقضت السنون ونحن نتشبث بكل ما ساقته الرياح، فرحين بحظوظنا المتطايرة كورق الصفصاف، مبتهجين بروائحها العطرة، التي تداعب انفاسنا، وهي تبتعد مثيرة قلق رحيلها وكأنها لم تُنبأنا من البداية بأننا نحن العابرون. حقيقة مرة ولكنها واقع لا يمكن نكرانه، فدوام الحال من المحال. مقولة تؤكد اننا نعيش هذه الحياة لنخوض التجربة البشرية بكل معانيها وطقوسها الدنيوية في سبيل حياة سرمدية أخرى، ولكننا في خضم دوامة أفكارنا وأعاصير الاحداث المتراكمة، نتوه في الممرات المظلمة، متجاهلين دواخلنا ومكنوناتنا الآدمية، والاقسى هو تشبث البعض بأفكار الآخرين وكأنها طوق النجاة الذي سيوصلهم الى ضفاف الأمان ويحقق لهم الأبدية الزائفة. وهنا تكمن الإشكالية الأكبر في الفهم الخاطئ والتعصب والتطرف الذي يهيمن على العقل الإنساني لتُسحق البقية الباقية من المشاعر البشرية الفطرية فيحل محلها التوتر والإقصاء والصراع المشحون بغباء الندية. متى سنفيق من غيبوبتنا لنلاحظ ما يدور حولنا؟ متى سنتفكر في أرواحنا وسلامنا الداخلي؟ الذي يجب ان نحققه لننعم بهذه الحظوظ ونسعد بتحقيق الأهداف، فبنقاء ارواحنا نشكل نواة التعايش، المبني على احترام الاختلافات والميل للتسامح والتعاون مع التفاهم والحوار في جميع المجالات كالتعايش الديني والمذهبي والعرفي واللغوي، لتحقيق قيمة اجتماعية كبرى يحثنا عليها ديننا الإسلامي، كالتراحم وتقديم يد العون عند المقدرة، لنعزز من خلالها قيمنا الثقافية وتحضرنا المجتمعي، واضعين الإنسانية في قمة هرم الأولويات لبناء الأوطان والمحافظة على المجتمعات. فجميعنا بشر وان اختلفت الواننا أو عقائدنا ومواقعنا الجغرافية، تحتوينا ذات المشاعر التي تقسمنا الى أجزاء متفاوتة ومتغيرة حسب الظروف المحيطة والمجريات الحياتية والعمليات الذهنية التي تتشابك بالحالة النفسية والمزاج والشخصية، لتعصف بجزء منا وتلقيه على حافة الطريق ليتغذى عليه اليأس والقلق، في حين جزءاً آخر يتدارك أمره، حاملاً عبء معاناته مبتسماً مُكملاً مسيرته بتثاقل، بعكس نضيرة متبلد الشعور، الذي ليس بقلبة رأفة ولا تعنيه معاناة الاخرين ومشاعرهم، مجاهراً بالظلم متباهياً بالفساد. أما الجزء الأكبر (ولله الحمد) فهو المتعاطف، الودود، ذو القلب الحي الذي تفيض مقلتاه لمصاب أخيه ويسعى بكل ما أوتي من حيلة لمساعدته وصون كرامته. وبما ان المشاعر هي القوة المحركة وراء أي سلوك أو دافع، وتمثل ردود للتحركات الداخلية والخارجية، فإننا قد نشعر بالعجز أحياناً أمام ظروف الحياة، بسبب فقداننا للأدوات اللازمة التي تتطلبها تلك المتغيرات المفاجئة، لتدفعنا لا شعورياً نحو البحث عن الأدوات المناسبة والتي تنقصنا لمواجهة الاحداث المستجدة. وبالرغم من مرارة عجزنا الذي يزلزل القلوب إلا ان آلامه تدفعنا للأمام لنسد الثغرات ونكمل النواقص التي لم ننتبه لوجودها، كحالنا جميعاً اليوم نقف عاجزين أمام مشهد كارثي يعصف بمناطق تركية وسورية تتمتع بكثافة سكانية عالية لم تتوفر أو تكتمل بها البنية التحتية المقاومة لهذا النوع من الكوارث الطبيعية، بسبب قلة مواردها ولعدم حدوث هزات تحذيرية منذ عشرات السنين، مما تسبب بوقوع آلاف الضحايا والجرحى وتشرد عشرات الآلاف بعد تهدم المباني وخسارة عائلاتهم وأقاربهم ليفاقم بؤسهم الشتاء القارس. مُعلناً عن خطر قادم يدفعنا للتحرك كأفراد وجماعات ومنظمات دولية، لمواجهة تلك الظواهر الطبيعية وسد الاحتياجات الضرورية التي تحمي العنصر البشري وتحفظ له حياته وكرامته. آن الوقت لننبذ كل مشاكلنا ومشاحناتنا الفارغة، مترفعين عن سفاسف الأمور واضعين نصب اعيننا مصلحة جنسنا البشري، بعد ان اثبتت لنا الليالي الماضية زوال الحال برفة جناح بعوضة، "فما تُمسي عليه قد يفارقك صباحاً وما تُصبح عليه قد يودعك مساءً"، لنتعظ ونتلاحم كشعوب وقيادات، ونوجد حلولاً وأدوات جديدة تُمكننا من مواجهة المصاعب والأحداث التي تحيط بنا. لنتعايش على هذا الكوكب بقيمنا المشتركة المحورية التي تضيف سمواً للنفس البشرية، باحترامنا قيمة الضمير الاجتماعي وتعزيز الوجود الحقيقي لا الشكلي للتعايش ومنحه الحصانة المستمرة. إن هذا المبدأ لم يعد مجرد ترف فكري يقتصر على المثقفين، بل هو ضرورة لحماية مستقبل البشرية من أخطار التفرقة والحروب التي تزيد من معاناة الانسانية. مما يستدعي استنهاض قدرات المجتمعات الإنسانية وتوحيد جهودها، حتى لا يتكرر المشهد ونبدو عاجزين أمام مشاعرنا الحسية وتفاعلاتنا النفسية وبالأخص أمام هذه الكوارث الطبيعية التي بالإمكان ان تكون أقل ضرراً عند امتلاكنا الأدوات اللازمة للحيلولة دون تفاقمها والخروج منها بأقل الأضرار الممكنة عند اتخاذ التدابير اللازمة.

2529

| 08 فبراير 2023

المرأة وقيود النسوية

منذُ الخليقة للمرأة مكانة رفيعة عند خالقها، فلقد خُلقنا نحن البشر من جوهر واحد " نفس إلهية واحدة"، متساوون بمراحل التَّكوين، مختلفون في الصفات والأدوار، مما يقتضي أن تكون العلاقة بين الرّجل والمرأة علاقة تكامل وظيفيّ لا صراعٍ صفريّ، فليس هناك على الإطلاق أفضليّة لأحدهما على الآخر، فمعيار الأفضليّة مفقود منطقياً في هذه المعادلة، إنّما هو تفاضلٌ في الصفات يقود إلى التكامل في الأعمال وأداء المهام. إلا ان المجتمعات وعلى مد العصور قد ذهبت إلى تكريس الظّلم، وتوسيع مساحة التّمييز بين الّرجل والمرأة بصور متعسّفة لا علاقة لها بالأديان السماوية، مما أثار ردّة فعل للمطالبة بفرض المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة، وكلاهما تعسّفٌ متطرّف. فنشأت الحركة النسوية في الغرب قبل أكثر من قرن للاعتراف بأن للمرأة حقوقاً وفرصاً مساوية للرجل وقد كانت في الأساس تهدف إلى منح المرأة الحقوق الأساسية من التعليم والعمل التي حُرمت منها في المجتمع الغربي قبل الثورة الصناعية ثم تطورت فكرتها إلى المطالبة بالمساواة بالرجل في جميع الحقوق السياسية والاقتصادية والجنسية والفكرية. وبسبب ما كانت تعيشه المجتمعات العربية من تخلف وتمييز إبان الاستعمار تسللت هذه الحركة وحققت مكاسبها في منح المرأة حقوقها وتغيير النظرة النمطية السائدة بتلك الفترة بأن دور المرأة الأساسي محصور بالمنزل ورعاية الأطفال فقط. بل توسع الادراك المجتمعي مع تقدم المجتمعات وتطورها لنجد أن المرأة لم تلتزم فقط بواجبها تجاه أسرتها وتربية الأبناء بل أصبح لها دور اجتماعي كبير في شتى المجالات، وبناءً على مؤهلاتها العلمية والثقافية والاجتماعية تنوعت أدوارها في المُجتمع على مُختلف الأصعدة. هذا وبوصولنا للقرن الأول من الألفية الثالثة لاحظنا ان التغيير الايجابي الذي تسعى له المجتمعات المتطورة مرهون بشكل كبير بواقع المرأة ومدى تمكنها من القيام بأدوارها في المجتمع، لكونها لعبت دوراً محورياً في نهضة المجتمعات القديمة والحديثة والذي أثبتت من خلاله قدرتها على التغيير الإيجابي في تلك المجتمعات، كما ان حضورها اللافت في مختلف جوانب الحياة وإصرارها على الوقوف بجانب الرجل دون ندية أو تحد ومساندتها له دليل على كونها عنصراً أساسياً في إحداث تغيير ملحوظ بالمجتمعات على مر العصور. إلى ان باتت حقوق المرأة موضوعاً أصيلاً متأصلاً في المجتمعات الواعية المتواكبة مع القرن الحادي والعشرين، لذا فإنه علينا ان نعترف بأنه لا يوجد في الإسلام نسوية، فشريعتنا منذ الأزل تنص على احترام حقوق المرأة الشرعية ورفع الظلم عنها وقد وردت نصوص كثيرة في هذا الحق الموروث، وذلك لا يتنافى مع مطالبة المرأة بحقها ورفع الظلم عنها -إذا حدث ـ فحمايتها من العنف حق مشروع لها في الدين ولا يلومها أحد على ذلك إذا كانت معها بينة. ولكن ليس علينا ان نفسر أي تصرف فردي أو جماعي مخالف لرغبة المرأة بأنه إهانة وعنف واستعباد للمرأة مما يقودنا للتحسس من الجنس الذكوري ومهاجمته بحثاً عن شماعة مجتمعية لنرمي عليها ضعف إرادتنا وقلة حيلتنا، فالظلم قد يقع على الجميع ويصدر من الجميع دون تمييز. عزيزتي الأنثى، لا تتقمصي دور الضحية بعد الآن فلم يعد يليق بك، فلا تغضبي وتقلقي وتنهاري. لأن كل ما ترغبين به وتطمحين له وكذلك كل ما تخشينه وتعجزين عن فعله هو بداخلك أنتِ فقط، انظري حولك وستجدين بأن هناك العديد من السيدات اللاتي حققن ما لم تستطيعي انتِ تحقيقه. فلقد تبوأت المرأة أعلى المراكز وتقلدت العديد من المناصب الإدارية والعلمية وقامت بجهد فاعل من خلال إسهامها في شتى المجالات المجتمعية وهو ما يُعبر عن مدى فرص التمكين التي تحرص الدول على توفيرها لأحد مُكونات المُجتمع، وهي المرأة القوية التي لا تعنيها النسوية بقدر ما تهتم بكونها أنثى جديرة بموقعها المجتمعي. ربما أُجبرنا سابقاً لأن نكون تابعين لأفكار غربية، ولكن بعد ان تفوقنا على الغرب مجتمعياً، ونضجنا فكرياً واكتشفنا بأنه ليس كل ما يُنادى به حقيقة تناسبنا، جدير بأن يجعلنا نتجرد من هذه الأفكار الدخيلة، لننتقي منها الجزء الذي يخدمنا بعد تصفيته من الشوائب، لنعيش حاضرنا الانثوي الجميل الزاهر بأفكارنا الخاصة والتي تتناسب وتتناغم مع قيمنا ومعتقداتنا الذاتية.

2907

| 01 فبراير 2023

أين أنت في مراتب الوعي؟

كثيراً ما يتداول المفكرون والكتاب وكذلك الفلاسفة والعلماء كلمة الوعي في مجمل حديثهم وفي صياغة تفسيراتهم ونظرياتهم، فللحظة نعتقد انه من أكثر الأشياء وضوحًا، لكن وبمجرد الغوص في دهاليزه يغدو من أكثر المصطلحات غموضًا، وهذا سر اثارته للجدل والحيرة لكونه الوعاء الذي يجمع ببطنه مجموع عمليات الادراك التي تشمل كل العمليات الحسية والتحليلية والمشاعرية، مستخدما الحواس منفذاً لإدراك العالم وتصوره. ومن أجمل النظريات التي تفسر مراحل نموه "نظرية مراتب الوعي" التي يتمرحلُ فيها البشر سواء كانوا افراداً أو مجتمعات ويقطعونها مروراً طبيعياً منذ لحظة الولادة وحتى الوفاة. وتبدأ هذه المراتب الفطرية بمرحلة الطفولة والتي فيها يدرك الطفل حاجاته الخاصة الفسيولوجية الطبيعية الغريزية فقط كالطعام والنوم بالإضافة للمشاعر الأساسية كالاحتواء والحب والأمان، وهناك الكثير منا يعلق بدرجة أو بأخرى بهذه المرحلة وان كبر بالعمر، حيث يتسع إدراكه لأمور جديدة ولكن اهتماماته ووعيه تتركز في الماديات والحاجات الأساسية البدائية. ثم بعدها تأتي مرحلة الطفولة الثانية وهي مرحلة المرونة بدخوله للمدرسة والاختلاط بالآخرين ليدرك ان الكون لا يتمحور حوله هو فقط، فيتجاوز ذاته الغريزية وينتقل من دائرة احتياجاته الصغيرة البدائية الى دائرة احتياجات الاخرين، محاولا كسب رضاهم والتقرب إليهم وهي تبعية عاطفية غرائزية. ثم يكبر ليبلغ مرحلة المراهقة وهي مرحلة الاعتماد على الذات في الحاجات الطبيعية والاعتداد بالقرارات الشخصية والتي قد تصل للتطرف الذي يقوده للعدوانية والنفور فينضم الى اشباهه من جماعات التمرد كتابع دون إدراك أو وعي للصواب والخطأ. ثم تليها مرتبة النضوج الخطرة، التي تبدأ بدخول الجامعة. وهي مرحلة الانتماء لكيانات فكرية وتبعيات أقوى لفكرة أو مجال أو الانغماس في جماعة وفئة محددة، تقوم بتعزيز الثقة لترفعه الى درجات أعلى من الاعتداد والتباهي بما يؤمن به مما يوصله لحالة من التعصب لتبعيته الفكرية فيرى نفسه هو الاصوب والأحق، وهذه هي الطبيعة البشرية في الاغلب لا ترى الا خبراتها ومميزاتها وماهي عليه. أما مرحلة الأهداف فتأتي بعد التخرج وهي المرتبة الخامسة والقائمة على المصلحة الذاتية وأساسها المنفعة الشخصية لتحقيق الغايات والوصول للأهداف وان تطلب ذلك المجاملة أو الانصياع للآخرين، دون إدراك حقيقة ان هذا النوع من التيسير والقبول من اجل الوصول قد يقوده للدمار إن علق فيه. إما إذا بلغ مقصده وحقق امنياته وتشبع من الحياة المادية، فإنه يصل للاكتفاء الذي ينقله للمراتب العليا من حالات الوعي الذاتي والتعاطف الإنساني، فيبدأ بمساعدة الاخرين وتبني قضاياهم غير باحث عن الشهرة والمديح بل يقدم العون عن قناعة تامة وايمان راسخ بأهمية مساعدة الاخرين، فيتفرغ بهذه المرتبة السادسة للعمل الانساني. هذا وإن علق الانسان في إحدى هذه المراتب السابقة، قد يصل لحالة من التعصب الحاد لاحتياجاته وانتماءاته الفكرية لكونه بانتقاله بين تلك المراتب عزز قناعاته لكل ما يؤمن به وينتمي إليه، فعدم معرفته ورؤيته للمراتب التالية تجعله يتمسك بأفكاره التي تمثل ارتكاز النسبة الأكبر لديه. ولكونها مراتب نسبية وغير مطلقة فدائماً هناك تداخل بينها، فما انت عليه اليوم قد لا تكون عليه غداً، وما ترتفع درجة قناعاتك فيه بمرحلة ما قد تنخفض بمرحلة أخرى فالعملية متغيرة ومرنة. ولكن تبقى غالباً هناك منطقة تسيطر على إدراك ووعي الانسان فيعلق بها بدرجة أكبر أكثر من الأخرى. ولكن حين يفكر الانسان بمنظور شمولي يبدأ الوعي الفكري والذهني والعقلي بقيادة زمام الامور ليتسع ادراكه العقلي ونضجه الفكري وهي المرحلة السابعة بالعموم والأولى من مراتب الحكمة، حين يرى العالم كوحدة واحدة فيستقرئ القوانين ليربط الاحداث الصغيرة بقوانين كبرى واضعاً لها قواعدها العامة وهي من أصعب المراتب التي يبلغها الانسان بالتفكر والتدبر باحثا عن الاتقان لذاته، مؤمن بنظرية الفراشة التي تقول "إن رفة جناح فراشة في البرازيل يُمكنها ان تُثير الأعاصير فوقَ سماء الصين"، فأدق التفاصيل تُخرجه من العشوائية والفوضى الحياتية، جامعاً أصغر الحيثيات الصغيرة لبناء النتائج والاهداف الكبيرة. أما المرتبة الثامنة والأخيرة فهي مرحلة نادرة يصل اليها أهل التقوى والاستقامة بالارتباط بين الذات وخالقها ارتباطاً شبه دائم كالأنبياء ومن يلحق بهم، متجاوزين بالمرحلة الروحانية المنظور الشمولي ليبلغوا مرتبة الحكمة، وهي قمة ارتقاء الوعي الإنساني فكلما عظم الأثر ارتفعت قيمة الحياة. فأين انت من مراتب الوعي؟ وبأيهم ما زلت عالقاً؟

3396

| 25 يناير 2023

طاقة الكلمات بين الالتئام والشتات

حروف مُتشابكة، يثمر تراصها عن كلمات مفعولها سحري لصياغة جمل مفهومة ومُعبرة، لها عمق الأثر والتأثير في مرسلها ومستقبلها على حد سواء. فهي وسيلة للتعبير عن المشاعر والأفكار بين البشر كمستقبلين ومصدرين للطاقة، لكونهم يتأثرون بطاقة الكلام التي توصلها المشاعر عبر مفردات الكتابة والحديث. ويؤكد علماء النفس تأثر الإنسان بالكلمات،‏ فكلمة قد تنير طريقة وتبهجه،‏ وكلمة أخرى قد تؤذيه وتجلب له الشقاء‏، وفسروا ذلك علميا بأن الكلمات الجميلة لها تأثير على بعض مراكز المخ التي تساعد على إفراز مادتي الأندروفين والنكيفالين اللتين تؤثران على مراكز الانفعال تحت المهاد والتي تؤثر بدورها على إفراز الغدد الصماء، لترفع مستوى السعادة لدى الفرد. كما أثبتت العلوم الحديثة أن الكلمات التي تحمل طاقة سلبية وتجرح الإنسان، كالكلمات المؤذية، تسبب جروحاً حقيقية في الدماغ، وتميت عدة خلايا أو تتلف عملها مسببة نوعاً من العطل في التفكير، وهو ما يفسر ما يعانيه الشخص المتضرر من آلام نفسية وشعور سلبي وإحباط قد يقوده جرح هذه المفردات السامة إلى الفشل في العمل أو التعليم أو الحياة بشكل عام. فالكلمة عبارة عن طاقة عظيمة تتشكل على أساسها الأنفس، ولعلها أفضل دواء للنفس والروح، لأن قوة الكلمة لا تعادلها قوة، فهي تمس الروح والعقل والقلب، فيكون تأثيرها أكبر في الأذهان والنفوس. الكلمات تمنح الإنسان أجمل ما عنده من أحاسيس ومشاعر من خلال الحروف، إن كانت طيبة تغلغلت كالسحر بالقلوب لتغسل أرواحنا وتطهرها من أي كبوة، وتنثر عطرها بنفوسنا لتزهر وتنتعش لأن للكلمة تأثيرًا كبيرًا على عقولنا كما تتحكم في مسار تفكيرنا وردود أفعالنا، حيث تترك الكلمات الطيبة طاقة إيجابية في الدماغ وأثرا كالذي يخلفه تناول السكر أو العسل، فيعتدل مزاجنا ويقبل على الحياة بسلوك إيجابي. وفي المقابل فإن الكلمة السلبية تدمر طاقة الإنسان الروحية لتصيبه بالاختناق والاكتئاب وتشعره بعجزه وفشله وتحبط كل مقومات القوة النفسية لديه. ولشدة تأثير الكلمة الطيبة والسلبية على الإنسان فقد ضرب الخالق العظيم بها المثل وأجرى عليها التشبيه في محكم كتابه بالشجرة الطيبة والشجرة الخبيثة. وأمرنا بالقول المعروف، الميسور، الحسن، الكريم، اللين، وأثابنا عليه. لأن فن الكلام وانتقاء العبارات هو من أهم المهارات الاجتماعية التي علينا جميعاً التحلي بها، ليس فقط من أجل أن نقول أو نستمع لهذه الكلمات من الآخرين بل من أجل أن ندرب عقولنا على تفعيل المفردات الإيجابية التي نقولها ونرددها بداخلنا لأنفُسنا. متى ستقتنع أن نفسك من الداخل تسمعك وتصدقك؟ متى ستستمع لصدى كلماتك؟ وستلاحظ الفرق الذي تُحدثه الكلمات، عندما تقول لها قولا طيبا وترفع من شأنها. حفزها وأكرمها وامتدحها بل وأحبها وأرسل لها العبارات الإيجابية لتصيغ لك بدورها الحياة التي تستحقها، مبتعداً عن كلمات التأنيب ومفردات التعذيب النفسي، متسلحاً بالأمل والنوايا الجميلة ليردد لسانك قناعاتك وينطق عذب الحديث. فأجمل الكلمات تلك التي ترسم ابتسامة على وجوه مستمعيها وتبشر بالأمان وتزرع الأمل وتوقظ الأحلام وتخلق الفرح والسعادة، اجعل الكلمة التي لا تلقي لها بالا إكسيراً يُخلد ذكراك بقلوب محيطك الخارجي ويحيي نفوسهم ليخرجهم من غياهب الألم المتراكم على كاهل أحدهم الذي لا تعلم عمق الجراح الغائرة التي تستكين فيه من منغصات الحياة التي خلفها الإخفاق المتكرر. فجميل القلب ومعسول اللسان حقا هو من كان وراءنا يدفعنا إلى الأمام لنمضي قدما، وكانت كلماته جنبنا حين سقطنا وسط الطريق تحثنا على النهوض من جديد وبلوغ غاياتنا بعبق كلماته التي رافقنا طوال الطريق، فهو الذي كان بانتظارنا في نهاية المضمار وكان أول المصفقين لنا، الجميل هو الذي يزيل الظلمة التي تجتاح أحدهم من جراء تكاليف الحياة فقط بكلمة طيبة الأثر يخلفها على قلب أحدهم ويمضي، الجميل هو الذي يعطي السكون التام حين يكون داخلك يعج بالزلازل والبراكين، وهو الذي يرمم الكسور الكامنة فيك ويجبر الكسور الناشئة عن كل خيبة تلقاها قلبك، هو الذي يعالج التصدع المخبوء فيك فلا يتركك إلى أن يعيد توازنك الداخلي فقط بكلمات خرجت من القلب لتشفيك وترفه معنوياتك وتعيد الثقة لقلبك. جميعنا نستحق هذا الرفيق ليُلملم شتاتنا، لأن جمال الكلمات وطاقاتها الإيجابية هي من أسمى ملامح إنسانيتنا ورقيها وتحضرها.

3309

| 18 يناير 2023

العقليات المُتحجرة والمُزهرة

جميعنا نتباهى بعقولنا، ونظن بأننا على حق وأفكارنا قريبة من الصواب، هذا إذا لم نكن على يقين تام بأن أفكارنا لا تحيد عن الصراط ومشاعرنا على الدوام لا تقبل الفشل. ولكن هذا المنظور قد يجرنا لقاع مظلم وأفكار جامدة لا تقبل التغيير، بل قد نبلغ مرحلة معارضة غير المألوف ومحاربة كل جديد لحماية مخزون الذكاء الفكري والفطري الذي وهب لنا لحظة الولادة. وإثباتاً من البعض -على ارتفاع ذكائهم واعتدادهم بثقتهم الذاتية- للآخرين وضعوا سقفاً زجاجياً لعقولهم، معتقدين أن ذكاءهم ومواهبهم وقدراتهم الإبداعية جامدة، ولا يمكن تطويرها، فمالوا الى تجنب ارتكاب الأخطاء أو المخاطرة أو حتى بذل الجهد، وعادة ما يستسلم هؤلاء بسهولة عند مواجهة التحديات متجاهلين الملاحظات النقدية المفيدة، شاعرين بالخوف من نجاحات الآخرين وهكذا فقدوا روح المبادرة واستسلموا للواقع الذي تم بنيانه في عقولهم ليصبحوا ذوي عقول ثابتة متحجرة. بالتأكيد واجهنا هذه العقليات وعانى المجتمع منها، لأن غاية العقليات الثابتة أن تكون منتصرة دائما وتظهر بمظهر الواثق، لأن هذه الغاية ترضخها في أحيان كثيرة لمفهوم الغاية تبرر الوسيلة وما يترتب عليها ويصاحبها من أنانية ونرجسية بسبب الاستسلام الذي يجعلهم يفسرون العثرات التي تقابلهم على أنها فشل لا يمكن التغلب عليه، بسبب عدم امتلاكهم للمهارات اللازمة، فينسبون التقاعس لغيرهم أو للظروف حتى لا يرون أنفسهم فاشلين. لذا فهم يميلون للغيرة ولجرح الناجح لأنه يهدد مكانتهم. وقد يعود ذلك للاعتقاد السائد لدى العلماء منذ فترة طويلة من الزمن، بأن الدماغ يتوقف عن التطور بعد فترة الطفولة، بل إنهم اعتقدوا أن شبكة أدمغتنا تصبح ثابتة بعد بلوغنا سن الرشد. لكن، في العقد الماضي، أظهر الباحثون أن الدماغ لا يتوقف أبدًا عن التطوّر والتكيّف، كما وأن بإمكانه أن ينمو ويتغير مع التعلم والخبرة. وهذا ما نسميه بمرونة الدماغ، وتنبع أهمية هذا الأمر، من الأبحاث التي وجدت رباطًا وثيقًا بين العقلية والإنجازات، ووجدت أيضًا، أنه عندما يؤمن الناس بأن أدمغتهم قابلة للنموّ والتطوّر، يتصرفون بشكل مختلف، لأن هذه العقلية تجعلنا ننظر لسماتنا وقدراتنا الطبيعية ببساطة على أنها نقطة البداية وأنه من خلال التجربة والجهد والتعلم سنمضي تجاه ما نريد فعله أو ما نريد ان نكون، مسلحين بالثقة من القدرة على تحقيقه. فهذه العقلية النامية كالشجرة المزهرة تعني بالحرية والانطلاق لحاملها. إنها الإيمان بأن الناس يمكن أن ينمّوا ويطوروا ذكاءهم ومواهبهم وجهودهم الإبداعية. مركزين جهودهم على التعلم بدلاً من الأداء، لأنهم يفهمون جيدًا، أن بإمكانهم أن يتحسنوا ويتطوروا، من خلال التعلم والعمل الجاد والخبرة المكتسبة. هؤلاء يدركون أن عليهم مواجهة التحديات من أجل تحقيق النجاح، كما أن عليهم أن يتعاملوا مع النقد الموجه إليهم مدركين أن الفشل هو جزء من مسيرتهم للنجاح، كما ويرى ذوو هذه العقلية العقبات على أنها إخفاق مؤقت ويرحبون بأي نقد لتحسين أدائهم، ويرون الناجحين كملهمين ويرغبون بالتعاون معهم. ولكن ما نراه ونعايشه واقعيا يوحي بوجود عقلية بالمنتصف حيث تكون هذه العقلية بين ذاك وذاك، فهي تؤمن بالذكاء والقدرات وتحرص على تعزيز الثقة بالذات وحمايتها ومن ثم تنطلق لترسيخها كقاعدة للتعلم والتطوير وهنا يمكن القول انه قد يطغى جانب على الآخر أي قد يطول الثبات ويؤجل النمو بصورة أو بأخرى، حيث ان عقلية الإنسان وصورته عن قدراته يمكن أن تتغير، فأصحاب العقلية الثابتة يمكنهم تغيير حالهم، كأن تأتيهم همة استثنائية تلهمهم التغيير في أمر محدد أو لوقت معين. وكذلك من الممكن لأصحاب العقلية النامية أن تضربهم الصعاب بشدة وتفقدهم شعلة نشاطهم للحظات أو لفترة، وجميعنا يمر بالحالتين. وبما ان رؤيتك لذاتك قد تكون مصدر سعادة أو مصدر شقاء، فإنه عليك دائماً ان تغير طريقة تفكيرك للأفضل وذلك من خلال التعلم والعمل والتطور، بدعم عقلك بالمواد التحفيزية الملهمة، مع الحرص على تقوية مخزون ذاكرتك بالأفكار الإيجابية واختيار صداقات جديدة ذوي عقليات نامية، ولا تنس ان تتوقف عن النقد الذاتي السلبي، مع محاولة النظر للأمور بزوايا مختلفة، بالابتعاد عن المبررات والحجج والتركيز على إيجاد الحلول، واحرص دائماً على ان تفتح سقف امنياتك وترقى بأهدافك، فإذا حلمت بالقليل فإن القليل هو ما تستحقه وإذا حلمت بالكثير ستحصل عليه بلا شك.

3660

| 11 يناير 2023

البدايات الصح

عادة البدايات تُبرز مفاتنها، فتبهرنا بمذاقها المُستساغ لأحداثها المتسارعة، لنغوص بأعماق تفاصيلها متخطين كل البقع السوداء، ومتجاهلين بجهالة الإشارات الواضحة لمفارق الانعطافات المتلاحقة، سالكين أول الطريق للأخطاء والصراعات وغياهب الانتكاسات، لكونها معبرا رئيسيا للتجارب والاختبارات والكشف عن المجهول… يملؤنا الإيمان والثقة بأنه مع الألم ينشأ الأمل، وما من محنة في وقت إلا وكانت سببا لمنحة غير معلومة. فقد يبدو ما نتمسك به الآن ظاهريًّا أمرًا لا مثيل له، وإنه صعب التكرار والحصول، ووجوده مصيري وفي غاية الأهمية، بينما يتضح مع مرور الوقت أنه لا يشكل قيمة المعنى الذي نبحث عنه أو أحلامنا المرجوة. في الغالب، ما يضعنا بعيدين عن البدايات الصحيحة هو الوهم. وهم التملك، والتعلق، والشهرة، والسلطة، وهم الرغبة الملّحة وعدم الاستغناء، لذا لا شيء جدير بأن تخسر سنوات عمرك وتقاتل عليه حتى الأحلام والأهداف والحب. فما لا تستطيع اللحاق به أو تغييره دعه يذهب بهدوء، فمن المؤكد أن أي شيء مقدّر لك لن يذهب إلى قدر غيرك، فجرب أن تجاري الأيام بأحداثها، وتقبض على ما يمكنك اصطياده، وأعظم البدايات تلك التي يتصدّرها الأمل، على الرغم من كل الظلام المحيط. نعم الأمل هو النظرة المستقبلية واليقين بأن ما هو قادم هو الأفضل، والتفاؤل، والإيجابية المستمرة والبعد عن النظرة السوداوية للأشياء والمعرفة والاقتناع بأن الله هو القادر على تغيير الأحوال وأنه لا حال سييء يدوم طويلاً وأنه بعد الصبر دائماً يأتي الجبر، وأنه لولا الأمل لأصبح كل شيء سلبيا، جافا، يعبر فقط عن النقاط السوداء داخل النفس البشرية ليس إلا. أُحاول كثيراً أن امدّ الآخرين بالأمل مثل تزويدهم بالإيجابية المتيقنة بالله القادر على تبديل الأحوال واحاول إقناعهم بأن ما من شيء يدوم على طول الخط في سواد تام، فالأمل جعلني اتيقن بأن ما هو قادم هو الأفضل، وأن ما حدث في الماضي ليس النهاية ولكنه بداية لكل ما هو جديد. ولكن لابد من نقطة ضوء تبدل هذا الظلام، فإن لم ترها ابداً فلا تُطيل الوقوف، عليك ان تكمل طريقك باتجاهات مختلفة حاملاً زاد الخبرة والتجربة لتكتشف خبايا الحياة وتخوض مغامراتها فتستزيد علماً من دروسها وتتقن فنون تقلباتها لتتخطى عواقبها بأقل الخسائر. لتبدأ بداية جديدة مدروسة نابعة من أهداف مركّزة وفكر متيقظ، تتبعها غايات سامية ويصحبها وعي عالٍ، البدايات الصحيحة محاولات لأن نسلك الوجهة السليمة، ففي نهاية المطاف لا يصح إلا الصحيح. ومن مؤشرات صحة البداية سلاسة مجريات الأمور ولا يقصد هنا السرعة بل سهولة تسلسل الأحداث وتناغمها مع أهدافك وقناعاتك، كما أن وضوح المسارات بعيداً عن الغموض - النصوص المفقودة لتساؤلات عقيمة الإجابة - والمنسجمة مع ارتياحك الداخلي من المتطلبات الأساسية لبدايات صغيرة تخلق نجاحات كبيرة. وهنا لا بد أن نعرف أن النجاح لا يولد معنا بل نصنعه بأنفسنا، نكتبه بأيدينا ونرسم المستقبل بفرشاة كسرت مائة مرة ومرة وبعد كل مرة تعود أقوى من قبلها، هكذا يصنع النجاح. ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن نجاحك سيكون مضموناً، فذلك يرجع إلى اجتهادك، وخطواتك الصحيحة، وحجم إنجازك، والمغامرة في التجارب الجريئة، وتعلّمك من خبراتك السابقة. كوِّن شخصيتك المستقلة وفكرك المستقل وعملك المميز وعالمك الخاص، كن أنت نفسك فلا عيب في البداية الخاطئة، فكيف لا تتعلم إذا لم تخطئ! ولكن استقلَّ بذاتك، وحدد أولوياتك والأشخاص الذين يرافقونك مشاوير ترحالك، ودائماً تساءل عن مدى حاجتك لوجودهم؟ ما هو دورهم؟ ماذا لو استغنيت عنهم؟ لتحدد من الذي يستحق البقاء ومن الاستغناء عنه مربحاً. إن الإجابة على أسئلة جوهرية مثل هذه تكشف لنا الحياة التي نريد، وتمنحنا خيط البدايات الصحيحة، وتختصر لنا مهمّات كبيرة، وترفع عنا الكلفة، وتزيد من دائرة وعينا؛ لنعيش ببساطة وخفة مغلفة بحياة عميقة بعيدة عن التشتت والسطحية. فحينما تدرك كيف تفكر، عندها سترزق ببداية جديدة. ولنتذكر، أنه ليس هنالك قطار فائت، ولا عمر محدد لانطلاق البدايات، الوقت كل الوقت لك، متى ما أدركت الرسالة ابدأ. وإن لم تتمكن من أن تعود إلى الوراء لتصنع بداية جديدة لبعض الأمور العالقة، إلّا أنّه يمكنك أن تبدأ من الآن ومع بداية هذا العام الجديد في صناعة نهايات جميلة من بدايات صحيحة صغيرة.

3858

| 04 يناير 2023

هل تأثرنا أم أثرنا

التأثر والتأثير علاقة طردية محورية يقل أو يزيد أحدهما عن الآخر حسب المعطيات والقابلية عند الأفراد أو المجموعات، فقد تكون ظاهرة للعيان ومجردة، وقد تكون باطنة ما يُفسر صعوبة قياسها. كما أن التمييز والفرز عند الاقتباس من الآخرين أمر مهم وضروري، وهو مبدأ تشترك فيه كل الأمم الناهضة والباحثة عن استقلالها الفكري والمادي حفاظاً على الهوية من أن تذوب وتضيع في حدود الآخرين. لذلك فرَّق الأستاذ جلال كشك - رحمه الله- بين التغريب والتحديث، ورأى أن الأول يهدف إلى تقليد المفاهيم والثقافة والأفكار الغربية، التي تتعارض في كثير من أصولها وأسسها مع أفكارنا وقيمنا الإسلامية. أما التحديث فيعني التعامل مع منجزات العصر وعلومه المتطورة، التي فيها مجال فسيح للمشترك الإنساني العام، الذي يجوز فيه النقل والاقتباس. ولكن الشائع استخدام مصطلح الحداثة للدلالة على التحديث والتغريب معاً. وبما أن قطر جمعت البشر من شتى البلدان والدول والحضارات، حتى بلغوا الملايين من مختلف الجنسيات والأعراق والديانات، لدعم وتشجيع المنتخبات التي يؤازرونها في بقعة محددة من الأرض ليتشاركوا مع شعبها الوئام والتسامح والمحبة والسلام في بلد يسعى للتحديث والتميز رغم صغر مساحته، إلا أنه كبير الأثر والتأثير. كان هذا التأثير جلياً على الجمهور الغفير الذي اقتبس من طقوسنا وثقافتنا وتداول العبارات والجمل العربية وتجاوز ذلك بالتعرف على قيمنا وعاداتنا الإسلامية، لنتمكن خلال فترة قصيرة لا تتجاوز الشهر الواحد من تغيير الصورة النمطية السائدة عند الغرب للدول العربية والإسلامية بشكل عام ولدولة قطر تحديداً، ليتجاوز الأثر الحدود الجغرافية. والسؤال الأهم هنا: هل نحن تأثرنا؟ حيث إن مجال الانتقاء هنا قائم، بل مجال الأخذ والاستيعاب وارد، ولا يجادل في ذلك أحد، فالمواجهة ليست مع التحديث والتطور والانفتاح المقنن، وإنما مع رياح الغرب، أفكاراً، وأيديولوجيات، وعلاقات اجتماعية واقتصادية، وقيماً، ومعايير، وأنماط حياة. ومن جوانب التأثر التي أضفت طابع العصرية والإبداع الفني، تعاون دولة قطر مع منظمة الصحة العالمية والاتحاد الدولي لكرة القدم في مشروع مشترك يسعى إلى تقديم كأس عالم صحية، تحافظ على صحة اللاعبين والمشجعين والمنظمين، وتسهم في نشر ثقافة الرياضة الصحية في مختلف أرجاء العالم. من خلال جعل مونديال قطر 2022 نموذجاً مؤثراً ومستداماً يستند على ركائز أساسية وهي دعم الناس على ممارسة أنماط الحياة الصحية من خلال اتباع نظام غذائي صحي، والإقلاع عن التدخين ومكافحته، وتعزيز الأمن الصحي، مع التركيز على ضمان سلامة التجمعات والمناسبات، من خلال التعهد بإجراء بطولة كأس عالم خالية تماماً من انبعاثات الكربون، حيث تم تنفيذ مجموعة شاملة من المبادرات للتخفيف من الانبعاثات المرتبطة بالبطولة، بما في ذلك الملاعب الموفرة للطاقة، وشهادة المباني الخضراء في التصميم والبناء والعمليات والنقل منخفض الانبعاثات، وممارسات إدارة النفايات المستدامة. كما قامت الدولة بالعديد من الإجراءات مثل بذر البذور لبناء أكبر مزرعة للأعشاب في العالم، وإنشاء فنادق وملاعب صديقة للبيئة، وغرس الأشجار وتخضير الطرقات واستخدام الطاقة الشمسية في تشغيل ملاعب البطولة، واستخدام نظام المترو الكهربائي لأنظمة فرامل متجددة تسهم في تقليل الانبعاثات الكربونية، في بادرة هي الأولى من نوعها في العالم. هذا وعززت قطر قوتها الناعمة، وإعادة تحديد تأثيرها ومكانتها ووضعها ومرافقها وأهداف سياستها الخارجية، لتستفيد البلاد اقتصادياً وتصبح مركزاً تجارياً وسياحياً في المنطقة. أما على المستوى الاجتماعي، ولأننا جميعنا نؤمن بقوة الرياضة في إحداث تغييرات إيجابية في المجتمع، فيمكننا تحديد بعض الآثار الظاهرية وهي خروج جميع فئات المجتمع، خصوصاً الجنس الأنثوي للمشاركة في الحدث وبتفاعل ملحوظ من خلال حضور جميع المباريات والفعاليات المقامة على هامش المونديال دون أن نغفل الروح التي أظهرها الجميع من مواطنين ومقيمين في التناغم مع الجنسيات الـمختلفة وذلك لم نكن نألفه من قبل، ما كان له أثر كبير في كسر طابع الجمود. وبالرغم من مخاوف الكثيرين قبل المونديال من التغييرات التي قد تؤثر سلباً على المجتمع ويتداول جزء منهم هذه التأثيرات في صياغة الاستفسارات والتساؤلات، إلا أن الشعب القطري أثبت صلابة ثقافته وهويته أمام جموح الثقافات المختلفة، مؤكداً عمقها وأصالتها عبر التاريخ، حاملة بين طياتها مشعل التسامح والرحمة والمحبة للعالم.

2244

| 28 ديسمبر 2022

الإبعاد الإداري في القانون القطري
الإبعاد الإداري في القانون القطري

لا شك أن قطر من الدول الرائدة التي...

13914

| 17 أغسطس 2026

حماية المستهلك
حماية المستهلك

فيه مشهد يتكرر في أسواقنا ويستحق وقفة مطولة،...

4986

| 17 أغسطس 2026

بغداد.. متى تعود بغداد؟
بغداد.. متى تعود بغداد؟

منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد...

3264

| 16 أغسطس 2026

حين تُفسد الإدارة ثقافة المؤسسة
حين تُفسد الإدارة ثقافة المؤسسة

ليست كل الأزمات التي تواجه المؤسسات مالية أو...

1914

| 16 أغسطس 2026

خمس وعشرون دقيقة بين قطرٍ.. وقطر
خمس وعشرون دقيقة بين قطرٍ.. وقطر

بين سوق واقف في قلب الدوحة ومدينة لوسيل...

1869

| 19 أغسطس 2026

موافقة المريض على العملية  لا تعفي الطبيب من المسؤولية
موافقة المريض على العملية لا تعفي الطبيب من المسؤولية

لا تنحصر رسالة القضاء في الفصل في الخصومات...

1488

| 15 أغسطس 2026

بغداد.. متى تعود؟ وكيف تعود؟
بغداد.. متى تعود؟ وكيف تعود؟

قرأت مقال الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري...

1389

| 18 أغسطس 2026

ورحلت الوالدة أسماء بنت علي آل إبراهيم رحمها الله
ورحلت الوالدة أسماء بنت علي آل إبراهيم رحمها الله

رحيل الأم لهو أشد المصائب وفقدها فقدان لكل...

1173

| 20 أغسطس 2026

قالت لها: سفينة... فماذا فعلت السفيرة؟!
قالت لها: سفينة... فماذا فعلت السفيرة؟!

من المواقف التي لا تُنسى في ملتقيات القمم...

1143

| 17 أغسطس 2026

دورينا بين الآمال وواقع المسؤولية
دورينا بين الآمال وواقع المسؤولية

اليوم تبدأ منافسات دورينا، وتبدأ معها حالة الترقب...

1056

| 20 أغسطس 2026

الغلاء يبدأ من الإيجار!
الغلاء يبدأ من الإيجار!

الاقتصاد سلسلة مترابطة تبدأ من المصدر، وتمر بالنقل...

1050

| 20 أغسطس 2026

وصية «أم الخير»... أم حسن
وصية «أم الخير»... أم حسن

فزّت «أم علي» من نومها ومستضيقه. شافتها أمها:...

717

| 17 أغسطس 2026

أخبار محلية