رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لو استعرضنا سريعا ما ساقه الانقلاب المصري من مسوغات لاختطاف الثورة وخيارات الشعب لوجدناها كلها صارت منكوسة لديهم (الغلاء، وانهيار الجنيه، والتحالف مع العدو .. ) فالانقلاب فقد كل ما ساقه كمسوغات لجريمته بحق مصر (الشعب، والدولة، والاقتصاد، والعدالة، والوزن الإقليمي، والبناء السيسيولوجي - العلاقات المجتمعية والقوى المؤثرة فيها - ومجابهة العدو الإستراتيجي) ما يعني أن البحث المعمق والموضوعي يجب أن يتوجه إلى أربع مسائل؛ هي : هل السيسي سخيف وهزء كما هي الصورة الرائجة ؟ وهل مصر لا تستطيع معالجة أزماتها ؟ وإلى أين يسير الانقلاب بمصر؟ ثم أخيرا : ما علاقة ما يجرى في مصر بالمنطقة ومتغيراتها .. وأقول : أما أن السيسي ساذج فهذا غير وجيه إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنه نظام لا فردا، وأن السيسي كشخص كان رئيسًا لأخطر وأدق جهاز في الدولة - المخابرات الحربية - وإذا نظرنا لكلماته التي تبدو ساذجة في ضوء سيكيولوجية الشعب المصري.وأما أنها أفشال حقيقية؛ فلا يمكن تصديق هذه أيضا، فمصر أكبر من أن تفشل وهي قادرة بنيلها وطولها وعرضها وقناتها وموقعها وداعميها وعشرات المليارات المدسسة لها سوى الـ50 مليارًا العلنية التي دعّمها بها حلفاء الانقلاب؛ ولا يمكن أن ينسب عجز الموازنة للظروف في حين يتقاضى بعض موظفي الداخلية ما يصل إلى مائتي ألف جنيه شهريًا، ثم إن مصر لم تفاجأ بقحط ولا بالزلازل والبراكين ولم تدخل حروبا طاحنة ! وعليه فالمرجح أنها تخضع لمنهجية إفشال وليست فاشلة بالفعل. وأما إلى أين يسير الانقلاب بمصر ؟ فبما أنه يتم هدم كيان الدولة كالذي نرى (الرئيس، والعقيدة، والجيش، والأمن، والقضاء، والوحدة الوطنية، والتراب الوطني ..) فالمرجح أن مصر وقدرة أي نظام ثوري قادم على معالجة مشكلاتها هو المستهدف، والمرجح أن العمل جار على الانقسام الذي خطط له "البنتاجون" منذ ثمانينيات القرن الماضي، وفضحه المرحوم الدكتور حامد ربيع أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية في مقالاته بصحيفة الوفد تحت عنوان (مصر والحرب القادمة)، وأعاد نشره الدكتور محمد عمارة في كتابه (المسألة القبطية حقائق وأوهام) ومفاده تقسيم مصر إلى أربع دويلات؛ قبطية: مركزها الإسكندرية، ونوبية: عاصمتها أسوان، ومصرية من ترعة الإسماعيلية والدلتا حتى حدود الدويلة القبطية، ويهودية تمتد عبر سيناء حتى شرق الدلتا يكون فرع دمياط حدها الشرقي لتحقق الغاية الصهيونية النهاية (من الفرات إلى النيل).وأما عن علاقة ما يجرى في مصر بما يجرى حولها؛ فإن الانقلاب قد جاء للتحضير لما يجرى اليوم في سوريا والعراق واليمن والانقلاب على مشروع الإخوان (تحالف سني يجمع مصر والسعودية وتركيا ! بالتالي فليس ولاء السيسي للعدو الصهيوني وإرساله قوات وأسلحة إلى نظام بشار ولا تخليه عن السعودية ولا مهاجمته لثوابت الدين بالغريب إذا كان جزءا أساسا في هذه الحرب القائمة على أهل السنة ولصالح المخطط اليهودي الغربي الإيراني للمائة سنة القادمة.آخر القول: واضح أن الحالة المصرية أكثر جدية من الاستهزاء بالسيسي، وأعمق خطرا من مجرد حالة فشل ستؤول بحصاد يصب في مصلحة خصوم الانقلاب.
1449
| 10 نوفمبر 2016
محمد دحلان - القيادي المفصول من منظمة فتح الفلسطينية - كان أحد أهم ركائز هذه المنظمة وسلطتها في الانقلاب على الانتخابات التشريعية التي فازت فيها حماس بالأغلبية عام 2006 قد صرح أخيرا بأن "حماس جاءت بإرادة شعبية - يقصد للحكم – وأن فتح رفضت تسليمها الحكم ، لذلك لجأت للسيطرة بالقوة نتيجة الظلم الذي تعرضت له .. وأقول: دحلان يؤكد بهذا التصريح رواية حماس التي أصرت عليها منذ تلك الفتنة، وأنها لم تلجأ للحسم العسكري إلا بعد أن عجزت عن كل مسعىً للتصالح؛ فإن كان لعباس تصريحات مشابهة في تبرئة حماس واتهام دحلان بالاعتداء عليها وسفك دمائها وأمنها؛ فإن على كل فتحوي يؤمن بالوطنية الفلسطينية جامعا مشتركا أن يرجع بالتمحيص والتدقيق على كل موقف منظمته حتى والأمر بين الرجلين خلافات واتهامات، فالرجلان يتحدثان كصانعي أحداث وليس كمحلليْن ومراقبين.ولكن الذي على دحلان ومن يدززونه إلى التفاهم مع حماس أن يفهموه هو أن مشكلته لم تبدأ معها بكلمة لتنتهي بكلمة يقولها؛ ولم تبدأ بإغلاق المعبر حتى يكون فتحه ليومين إضافيين سببا في مصالحة معه؛ ولكنها مشكلة مع كل الشعب الفلسطيني منذ اليوم الذي بدأ فيه التنسيق مع رئيس أركان جيش الاحتلال في هلسنكي عقب اتفاق أوسلو بقليل وما قام به على أثر ذلك كأسوأ ما يمكن أن يقوم به أحد تجاه أهله وشعبه وقضيته بالأخص في 1996 حيث قطع أوصال الود وأهان الكرماء وأساء للشرفاء وزرع الكراهية في قلوب الناس وحوّل مقرات الجهاز الأمني الذي تولاه لمسالخ تعذيب لم تشهد مثلها عصور الظلام الأوروبي. يبدو أن حماس في نظر دحلان مجموعة دراويش تخدعهم الألفاظ المزينة أو يبحثون عن لحظة رضى منه، وأنه قادر بذلك على عقد مؤامرة سوداء ضد "عدوه اللدود عباس" على طريقته في عقد المؤامرات والتدسس بها لنوال ولاء أو دعم أو تسويق .. ولم يتنبه إلى أن الانقلاب الذي أراده عليها قد صيّرها تنظيما شرسا فطنا وأخرجها عن سليكة السلمية والتسامح التي وصلت أحيانا – أو بدت هكذا – أسيرة لأجهزته ومنظمته وسقوفها المنخفضة !أما إن كان السؤال ( هل يعني هذا أن حماس لن تتفاهم مع دحلان بالمطلق ؟ ) فبقراءة واقعية لمنطق الضرورات والخيارات ومنطق الفقه السياسي الإسلامي الذي تؤمن وتتعامل به حماس يمكن القطع بأنه إن تقدم لها بمشروع إستراتيجي يجمع بين المقاومة بكل أشكالها وعلى رأسها المسلحة ومشروع سياسي ورؤية مفصلة عنه وصار هو الخيار الأقل سوءا فلن ترده لا وفاء لعباس ولا خوفا منه – من عباس - وهو الذي لم يدع فرصة للإساءة لها ولمعاداتها إلآ اختطها وخطط لها .. وحماس تفهم أن القرارات السياسية ليست دائما خيارات وتعرف أن الثوابت السياسية هي في الدوافع الأساسية وفي مقاصدها النهائية وليس في الواقع والوقائع والمخرجات التي تخضع للظروف والممكن والمقايسات أكثر من ثوابت الفقه.آخر القول : لن يغري دحلان حماس بفتح المعبر يوما أو أياما للتآمر على عباس ، بقدر ما أن عباس هو الآخر لن يجد عند حماس أوراق لعب ضد دحلان .. فالساحة الفلسطينية مشبعة بالمؤامرات وحماس بقيمها الدينية والوطنية أكثر جدية من أن تقامر أو تتآمر أو تناور في ذلك.
460
| 03 نوفمبر 2016
بعد نشري لقصيدة ملقاة سماعا في صفحتي حول التشنيع على من يتزوج الثانية لمجرد التشهي أو الاستجابة لمنطق المتحمسين له .. سألني إخوة عن حكم التعدد وما إن كان يليق بمثلي - تخصص شريعة - أن أروج هذا ؟ فقلت: مقصود الزواج هو السكن والمودة وإمتاع النفس بالحلال ثم الإنجاب والذرية والتعارف بين الناس .. وهذا المقصود يتحقق بواحدة بل هو مع الواحدة أكثر تحققا .. إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن التعدد في الأغلب الأعم - وبالتجربة والمشاهدة - أقل انسجاما في البيت ومقصود تأسيسه.وأما التعدد فقد جاء في سياقين لا يشجعان عليه بل يخفضان قيمته واتجاهه من حيث تشريعه، السياق الأول تخفيض عدد الزيجات المعتادة في الجاهلية فقد كانوا يتزوجون العشرة والخمسين ويعدون ذلك شرفا ومكانة .. فهو إذن تشريع للتقليل وهذا اتجاهه .. أما السياق الثاني فهو مضمون ما روت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها من أنه تشريع لحل مشكلة وليس ابتداء .. وبالرجوع لنص الآية فهي (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) ومثل ذلك أن تقول لشخص يتبرم من تاجر وينوي الإساءة له اذهب واشتر من سواه واحد واثنين وثلاثة.أما المشكلة التي أثارت التشريع .. فهي أن بعض الناس يكون وصيا على اليتيمة ( كأن تكون ابنة أخيه ) فيطمع في مالها ( لغناها ) فيعمد لتزويجها من ابنه ولا يمهرها حقها فهو المستفيد من غناها والخاسر من مهرها .. وهنا خشية أن يظلمها فأمره الشرع بسواها مثنى وثلاث .. فيأتي التعدد وفق هذا الفهم على سبيل إقامة الحجة وتكثير سبل الإفلات من إغواء الشيطان .يصح أن يتزوج الرجل بأكثر من واحدة فهذا حلال لا غبار عليه ولكن العدل شرطه، وكذا القدرة المالية والنفسية .. فلا يليق بمن حظه من الإدارة أن يؤتمن على نعجتين أن يسمح له بزيجات متعددات فيقع المحذور ويتورط في المحظور.ولابد من مراعاة جملة آداب يليق بالمسلم الذي صنعه الله تعالى واصطفاه ليجسد عدالة الإسلام ورحمته وأن يكون حكما عدلا في إعمار الدنيا والخلافة فيها .. منها :- أن لا يعدد الزواج لمجرد التشهي والتنويع فما من امرأة إلا وثمة من هي أجمل منها فهو إذن بحر لا شطآن له وما من مكسب فيه إلا وله ضد أكبر وأكثر منه .- وإذا بلغت الزوجة من العمر العتي وصارت لها ( الكناين ) فإن ذلك هو الوقت الذي يجب أدبا ووفاء أن تحترم فيه وأن تعوَّض عما بذلته كل عمرها من خدمة وولادة ووفاء فلا يليق أن يكافئها عن كل ذلك بضرة تكايدها وتستخفها .- ولابد أن يكرم الرجل بنيه إذا كبروا وكبرت أمهم فهم لا يقبلون - بمضاررتها - ومن يفعل فإنما يغامر بود ولده وولائهم وقد رأينا هذا في واقع حياة الناس .آخر القول : ليس من سبيل إلى التشكيك في أصل حلية التعدد، ولكن لا يجوز رفعه بدون معول عليه إلى اعتباره أصلا فقد ظل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الأكثر فهما وتمثلا لشرع الله تعالى على خديجة وحدها دون تعدد حتى ماتت.
2386
| 27 أكتوبر 2016
ذات يوم سمعت "محمود الهباش" وكان يومها وزير أوقاف محمود عباس في رام الله - يتحدث عن فقهٍ أسماه " فقه التنازلات " يقصد به جمع الأدلة الشرعية وضم اجتهادات العصر وتقديرات الأحوال وصولا إلى منظومة متدرجة من التنازلات أمام العدو الصهيوني .. استهجنت يومها كل الفكرة وإن ظلت تدور في ذهني فمرة أتذكرها ومرة أنساها ولكن على قاعدة الرفض . وبعد تفكير وتقليب وجدت المشكلة مع الفكرة ليست في ذاتها فجوهرها منطق سياسي واقعي يمكن تنزيل الدين والنصوص عليه بطريقة صحيحة فيكون إبداعا وفتحا من الفتوح في الدفاع عن وجود الأمة وخاصة أبنائها بكيفية أخرى ، ووجدت مشكلة هذه الفكرة فمن أربع جهات تصرف الناظر فيها عنها لأول وهلة .أما الجهة الأولى فإن الذي أطلقها يعمل وزيرا في سلطة وجدت لتقديم التنازلات للعدو وفي ذلك ما فيه من إساءة الظن فيها ، والجهة الثانية أنها - بالسياق الذي تأتي فيه - تحاول امتطاء الشريعة لتبرير المزيد من التهرؤ بما يصدق على الدين دعوى أنه " أفيون الشعوب " التي راجت وتوجهت ذات مرة ، أما الجهة الثالثة ففي تسميتها " فقه التنازلات " وهي تسمية فجة صادمة لقوم مثلنا يعانون من تكدس وتراكم الهزائم ، وأما الجهة الرابعة فإن مطلقها جاء يخاطب بها المضمون الإسلامي للمقاومة وهو استفزاز آخر لتنظيمات بنيت لرفع السوية الثورية وليس للمزيد من التخفيض والتخريب .الفكرة في ذاتها لا أرى فيها ما يذم إن وضعت و" حُذفِرَتْ " على أصول الدين الصحيحة ، وانضبطت بمفهوم النصوص الصريحة ، وقامت على تقدير صحيح للواقع وضروراته ، ووضعتها المقاومة في سياق توسيع هوامش العمل السياسي الإسلامي الذي يعاني كثيرا من الجمود ( على منطق الاستعلاء المطلق ، والدوران مع الذات النرجسية ، وتكبير الخلافات وتصغير الجوامع مع شركاء الوطن ) ويعاني من وهم الصواب المطلق والخلط بين النص المقدس والفهم غير المعصوم ومن أبدية وشمول المواجهة ومن تقسيم الناس إلى حلفاء يتطابقون فهما واتجاها ، أو أعداء وهم الكثرة داخل وخارج الوطن .الفكرة يا سادة تدور حول " طريق ثالث " بين الحدين اللذين لم يحسن كثير من الإسلاميين التنسيب بينهما وربط الممكن بالممكن منهما ؛ حد الثوابت الفقهية والعقدية المشرعة لأحوال الوسع ، وحد الرفض العالمي لها وللإسلام واتجاهات تفعيل قوته الدعوية والجهادية .والمطروح تحديدا وعلى الإسلاميين والإخوان منهم لمكانتهم وإمكاناتهم وخطورة هزيمتهم هو أن يتوجه فكرهم الاستراتيجي للبحث الحقيقي عن الالتقاء مع شركاء الوطن ومعايشة الفكر الإسلامي مع العمل السياسي ، والتصالح مع الحالة العالمية ، وإيجاد نقاط تقاطع مع القوانين الدولية والفكر العالمي .. تكسبهم قواعد انطلاق أشمل ومساحات عمل أوسع وتنوعا في الأدوات أكثر ، من جنس المرونة السياسية ولغة المناورات والتنازلات الحقيقية وتدرجها ومعاييرها وضوابطها كالذي قدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حال مكة ولم يصلح أن يقدمه في المدينة ، ومن جنس ما قبل به في صلح الحديبية وفي ثمار المدينة ولم يصلح قبل ذلك أو بعده .آخر القول : أتصور أن أي إسلامي يفهم الواقع وإشكالاته ويعي رحابة الدين ويسره لا يختلف مع هذا الطرح ، وإلا فهو الاحتباس على الموهوم - وليست كل الثوابت موهومة - وهو التلاشي والتطرف .
599
| 20 أكتوبر 2016
قبل سنوات ومنذ زمن بعيد وفي إحدى الدول العربية البعيدة عن محور فلسطين الجغرافي وحتى الوطني وفي اجتماع لنا كمدرسين تمت ترقيتهم وكنت أحدهم بوكيل وزارة التربية والتعليم، قال السيد الفطن فكرة قام يروج لها، فذكر ضرورة إلغاء نصوص قرآنية ونبوية حول عقيدة "الولاء والبراء" من مناهج التربية الإسلامية ثم راح يبرر "فتنته" ليقول: بعد المصالحات "العربية - الإسرائيلية" لم تعد النصوص التي تحرض على اليهود مناسبة لواقع علاقاتنا المستجدة، فاليهود لم يعودوا هم ذات اليهود !! أذكر يومها أنني قمت فتحدثت خلافا لكل الساكتين والمترددين والخائفين وسألته: إن كانت الآيات لا تناسب الواقع فأيهما حكم على الآخر، وهل علينا أن نلغي الآيات ونبقي الواقع أم نلغي الواقع ونبقي الآيات ؟ عندها استشاط الرجل غضبا فأزبد وأرعد وكان مما قال "هذا تحميل لكلامي ما لا يحتمل من مضامين لم أقصدها" وانتهى اللقاء بذلك ثم العام الدراسي وتم فصلي من العمل بدل تسلمي موقعي الجديد الذي تمت ترقيتي له "ويا فرحة ما تمت" .أتذكر هذا وأنا أشاهد اليوم بعد كل هذه السنوات بعض وزارات التربية والتعليم في أكثر من بلد عربي تغيّر المناهج وتتجاوب مع ثقافة التدجين الثقافي والفكري ومعاندة الإصلاح والتغيير واتجاهات الأسلمة والسعي في قتل روح الثورة ومقاومة الاحتلال، أتذكر هذا وأنا أراهم يدافعون عن تغييراتهم بسيول من التدليس والتلفيق والتزوير ومحاولة التأثير على الرأي العام، ويستعينون بفيالق من الإعلاميين الغشاشين الذين يحاولون تمرير كل مفسدة بكل وسيلة، ويروجون للباطل بكل طريقة، تساندهم قوى ظلت طول عمرها تدعوا لليسارية والليبرالية والعلمانية والإلحادية وتدّعي أنها شعبية وديمقراطية وذات أجندات وطنية، وليقولوا لنا إن المناهج الحالية تغذي الإرهاب وتنّمي الفكر المتطرف وتشحذ روح العداوة والعنف.ولنا أن نتساءل هل سيعالج أم سيعزز التطرف تجاهل مناهجهم للواقع السياسي للأمة ؟ وتقوم بتعمية الصراع مع العدو الصهيوني ؟ وهل سيعالج أم سيعزز التطرف تجاهل تاريخ الاستعمار الغربي لبلادنا وتفتيته لأمتنا ؟ وهل سيعالج أم سيعزز التطرف اعتماد المناهج المغيّرة رواية الاستشراق عن دموية التاريخ الإسلامي ؟ وهل سيعالج أم سيعزز التطرف حذف آيات قرآنية مثل قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) التي تدعو للأخوة والمساواة والتقوى والإيمان ؟ ومثل قوله تعالى ( فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تجري .. ) التي تبين حقوق المرأة ومساواتها في الجزاء بالرجل ؟ ومثل قوله تعالى ( قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ ) التي تشرع الشورى والمشاركة السياسية ؟ نتساءل هل كل ذلك سيعالج أم يعزز التطرف ومنحى المتطرفين في اتهام النظم بالتجديف ضد الأمة وضد الإسلام ؟ وتكفيرها وصولا للتكفير العام والخروج الكامل على الأمة ؟ وهل سيوفر هذا المنحى مساحة ولو صغيرة للتفهم والتسامح والتلاقي الوطني أم سيصنع مساحات واسعة لتقبل رواية المتطرفين التي تخلط أحكام العاجزين بأحكام المتآمرين ؟ وهل هذه الثقافة الموجهة الضيقة قادرة على منافسة ومواجهة ثقافة التكفير والتطرف المدعّمة بوقائع التعديات والاحتلالات ضد الأمة ؟ الحقيقة أن مسألة المناهج التعليمية هي مسألة غاية في الموضوعية والمهنية والوطنية، فلا يجوز أن تخضع لجدليات الأيديولوجيا الخاصة أو الطائفية أو لمؤقت الزمان والمكان، ويجب أن تظل مؤسسة على التقنية المهنية والعلمية التي تناسب المصالح العامة للأمة، ولابد من أن يخرج من يضبطونها ومن يعتمدونها عن أجنداتهم الخاصة إلى مضامين الدستور كمصدر للتشريع والتثقيف أيضا .. آخر القول : ضروري أن يعلم من يقومون على صناعة المناهج التعليمية واعتمادها أنهم على ثغرة خطيرة من ثغور الأمة ودينها وحاضرها ومستقبلها، وأن يعلموا أن الأوطان ليست لهم ولا لأحزابهم وولاءاتهم الخاصة وحدهم، بالتالي فلا يجوز أن يغيبوا الحوار الحقيقي الجاد مع مخالفيهم شركائهم في الأوطان على قدم المساواة في الدين والحقوق الواجبات.
362
| 13 أكتوبر 2016
تمر العلاقات الأمريكية - الروسية في هذه الفترة بتأزمات حول الملف السوري والمنطقة وصلت بروسيا أن تتخذ قرارا بتعليق اتفاق التخلص من البلوتونيوم القابل للاستخدام في صنع الأسلحة النووية المبرم بينهما في 2010 وتصعيدا لفظيا ودبلوماسيا يذكرنا بالحرب الباردة التي استمرت بينهما لأكثر من أربعين سنة قبل انهيار الاتحاد السوفييتي ووراثة روسيا له ثم انسجامها مع ما سمي من بعد بالنظام العالمي الجديد.ولا شك أن جدية وجود هذه الخلافات والمدى الذي قد تذهب إليه كله موضع شك وظن.. ولكن الأقرب إلى منطق الوقائع - حسب رأيي - هو التفريق بين خلاف في العموم وهو حقيقي، واتفاق بخصوص منطقتنا وهو حقيقي أيضا.. وأقول: في البداية يجب أن نقر بأن منطقتنا منطقة تفاهمات بين المعسكرين الكبيرين منذ خمسينيات القرن الماضي وأن لها حساسية خاصة في المزاج الدولي لوجود الكيان الصهيوني فيها، وأنها عقر دار الإسلام الذي يناصبونه العداء ويحذَرون من أي تغير في معادلات الانتصار عليه.. ومن هذا المنطلق يمكن القطع بأن الخلاف الأمريكي – الروسي في منطقتنا يقف عند حدود التنافس، ولا يتوقع أن يتطور لأكثر من مقايضات السياسة وتدافعات المصالح، وسيظل كل منهما يعرف حدود ما يخصه وما يتجنبه وكيف يحافظ على تفاهمات استمرت منذ أعقاب الثورة الشيوعية.ولنلحظ في هذا السياق سماح أمريكا لروسيا بالوصول إلى المياه الدافئة وإلى حدود (إسرائيل) ما لم تسمح به من قبل! وسكوتها على توغلات إيران – الثورية – حليفة روسيا في منطقة نفوذها - أي أمريكا -! ولنلحظ انحياز أمريكا ضد السعودية رأس الخصام في مواجهة إيران وروسيا وآخره قرار الكونجرس لتعويض ضحايا 11 سبتمبر 2001 الذي يتوقع أن يكلف السعودية – إذا مضى حتى آخره - أكثر من ثلاثة تريليونات وثلاثمائة مليار دولار! ولنلحظ رفض أمريكا الدائم لوصول الأسلحة النوعية للثوار في سوريا! هنا ينشأ السؤال: ما الذي تغير حتى تمكن أمريكا روسيا من دخول المنطقة من بابها الأوسع؟ والجواب: هي ثلاثة متغيرات فرضت ذلك، فإن تحدثنا بالتفصيل: فأولها: أن أمريكا لم تعد ترغب في التدخلات العسكرية المباشرة في المنطقة بعد فشلها في العراق، وفي الوقت نفسه هي لا تريد أن تترك المنطقة للتمدد الإيراني أو التركي أو لصراعهما أو لداعش والثوار.. فاتجهت لروسيا لتقوم بالدور القذر المستعدة له ولدفع ثمنه من دمها ولحمها الحي.التحول الثاني: أن أمريكا بدأت تفقد اهتمامها بالمنطقة التي لم تعد مجدية اقتصاديا لها وصارت تتجه إلى الاهتمام بشرق آسيا وبحر الصين ؛ ولا بأس أن تقايض روسيا على تلك المنطقة.. هنا نتذكر مقالة كتبتها " هيلاري كلينتون " في العام 2009 في مجلة "فورن بوليسي" تؤكد فيه هذا التحول وتبرره.التحول الثالث: ما فرضته تحديات الربيع العربي الذي حمل الإخوان لسدة الحكم في أكثر من موقع وقارب أن يصنع تحالفا عربيا إسلاميا (يجمع إيران بقوتها الثورية، وتركيا بقوتها الصناعية وبعدها التاريخي، ومصر بقوتها البشرية والزراعية، ثم السعودية بقوتها المالية والدينية) فجاء الانقلاب المصري الذي دعمته أمريكا وحلفاؤها ليستهدف هوية مصر وتموقعها وثورتها، وجاءت محاولة الانقلاب التركي الذي لو قدر له أن ينجح لكان سحق تركيا سحقا مكانها ومكانتها وتطلعاتها، وجاء الصدام المذهبي الإيراني - السعودي لإغراق إيران في مستنقع حرب ممتدة متواصلة تستنزف مالها وتفكك حاضنتها وتبدد فرصة أي تحالف بينها وبين بيئتها الإقليمية، ووضعت للسعودية معادلات ضغط وتخويف وإشغال كالتي أسلفنا.كل ذلك اقتضى أن تستعين أمريكا بروسيا، وأن توثق تحالفها معها، وأن تقايضها على تدخل محسوب ووظيفي في المنطقة، يضمن مصالح الطرفين وإستراتيجية الاحتواء المزدوج لها ؛ الاحتواء الأمريكي القائم على دعوى الحماية والسيطرة لمنع خروج ردات الفعل عن الحد الآمن، والاحتواء الروسي القائم على الضرب الدموي المباشر. آخر القول: ما بين روسيا وأمريكا فيما يتعلق بمنطقتنا أكثر من مجرد تنسيق إلى أن يكون تحالفا وإن بدا غير ذلك؛ ويبقى أن على الأمة أن تبحث عن إمكاناتها هي الأخرى وعن تحالفاتها خارج وهم الاستثمار في الخلاف الروسي الأمريكي.
233
| 06 أكتوبر 2016
بعيدا عن التجاذبات والتباينات حول مقتل الكاتب الأردني "ناهض حتر" على سلم قصر العدل في عمان بالأردن – الأحد الماضي- فإن هذا الحدث ليس عاديا، فلم يسجل في تاريخ الأردن مثيل له؛ نعم حدثت اغتيالات سياسية ولكنها كانت لدبلوماسيين ورسميين أردنيين وغير أردنيين على أرض الأردن وخارجها، ولكنها لم تكن لمفكرين أو كتّاب أو رسامين أو إعلاميين.بعض من هيجهم الرسم الذي نقله القتيل إلى صفحته واعتبروه ازدراء للذات الإلهية كتبوا أو عرّضوا بما يشعر برضاهم وربما تشفيهم بما وقع له؛ وأراه خطأ جسيما لا يمكن تمريره أو تبريره.وبعيدا عن رأيي في "حتر" وإدانتي لفعله الفادح الذي أتى به وتأييده للقاتل بشار أو سواه، ودون أن أقف في جهة المدافعين عنه أو المتلمّسين عذرا له فلابد من التأكيد على أن مواقف القتيل الفكرية والسياسية أو كونه على ملّة النصارى أو انتمائه للفكر اليساري أو مهاجمته للإسلاميين.. كل ذلك لا يبرر ولا يقبل دينيا أو قضائيا كمسوغ لقتله؛ وغاية ما يؤخذ عليه هنا هو الازدواجية في النظر لجرائم من يواليهم ومن يعاديهم.وأما الرسم الكاريكاتيري الذي نقله واعتبر ازدراء للذات الإلهية فإنه - ورغم جرائميته الدينية والعرفية - من منظورنا الإسلامي فإنها لا تبرر قتله من زاويتين؛ الأولى: أن ملته – النصرانية - تجوّز له رسم الذات الإلهية خلافا لما نحن - المسلمين – عليه ؛ وهذه كنائسهم تتحدث عن ذلك، ولا نطالبهم بالامتناع عنه فلا وجه لقتله أو قتلهم عليه، الثانية: أن مقصده من الرسم – كما أفاد – هو إدانة ما يعتقده المتطرفون "الداعشيون" في حق الله تعالى وتنزيهه عن عقيدتهم الشائهة وتطبيقاتها السلوكية الخاطئة، وهذا تأويل لا وجه لرفضه خاصة أن الرسم يحتمله كما تحتمله ثقافة الرجل وكتاباته.وبصرف النظر عن حجم الخطأ في نيته ومقصده أو في فعله وموقفه فإن نشره لذلك الرسم قد كان خطأ جليا ؛ ويظل السؤال: هل نقله للرسم يستوجب قتله؟ وإن كان كذلك فمن ينفذ فيه الحكم؟ وأقول: بمنطق الدين ذاته قبل أي منطق؛ ليس من حق مواطن – أيا كانت غيرته أو إخلاصه - أن يعاقب الناس أو يقتلهم أو يتسلّم تنفيذ القانون بنفسه دون تفويض من الأمة ونائبها - السلطان - الذي يقيم الحكام والقضاة ويكسب أحكامهم صفة العمومية والشرعية.وحتى القضاء عندما ينظر قضية من هذا النوع – قضية تكفير – فإن عليه بمنطق العدل أن يسلك مسارا كاملا من المحاذير والتحقيقات يحتاط بها في تنزيل الأحكام على المتقاضين؛ فالحكم بالكفر على كلمة أو فعل أو تصرف لا يستلزم بالضرورة تنزيل حكم الكفر على شخص معيّن قالها أو قام به ثم محاسبته عليه، فالمجنون مثلا لا يكفر إن نطق بكلمة الكفر لأنه معذور بالجنون وكذا المكره والمدهوش.أما الذين أظهروا الشماتة بمقتل – حتّر – فأذكرهم بأنه لا شماتة في مظلوم، وأن القتل أدعى للقتل وأمهد لاستشراء الدم بالدم والشر بالشر، وأنه إن قتل اليوم رجل مخالف لهم فلا ضمانة أن لا يقتل غدا مؤيد حميم لهم يترصده مخالف ما في مكان ما.ثم أليس هذا الاغتيال مصادما لاتجاهات المطالبة بإعلاء لغة الحوار السياسي وتوسيع الحريات العامة والصحفية، فكيف يمكن الجمع بين المطالبة بإعلاء سقف الحريات وقتل من يستفيد منها! وأما من يتهمون التيار الإسلامي كله باغتيال الرجل ويريدون تحميل المسؤولية على كل من انتقدوا الرسم أو تظاهروا ضد الإفراج عن المقتول فلا أراهم إلا يحاولون توظيف الحدث لإرهاب الخصوم وتسكيت المخالفين بطريقة هي غاية في الإهانة والاستغلال والمقت والإفلاس، ولا أراهم إلا يستهدفون الفسح الدستورية لتخفيض سقف الحريات وتمييع القضية، بقدر ما هم يغامرون بحالة التوافق الوطني التي يقوم عليها استقرار بلد في قلب منطقة ملتهبة.آخر القول: لا شك أن "حتر" سقط ضحية التطرف؛ وهما تطرفان لا تطرف واحد؛ تطرف كان هو يحمله ويستعدى به الخصوم، وتطرف نقيضا له وصار ضحيته، وعليه فلا يجوز أن تقوم المعالجة على تطرف ثالث يقوم على الإقصاء أو التضييق على الحريات.
408
| 29 سبتمبر 2016
المشكلة أن كثيرين من القادة والنشطاء والنخبة من كل الأحزاب والتنوعات القومية والدينية والاتجاهية والمذهبية في بلادنا لا يضيفون لذاتهم ولا لأحزابهم ولا لاتجاهاتهم الكثير بل يصيرون بعد فترة من ترديد نفس الأفكار وذات المواقف ومن الدفاع عنها بالحق وبالباطل عبئا على اللُحمة الوطنية ويتحولون إلى مجرد نسخ مكرورة عن بعضهم وعن الأقوى منهم والمؤثرين فيهم.. يتوارثون التناقضات ويستغلهم الآخر البعيد القادم من وراء البحار أو من تحت ركام التاريخ لإيقاع المزيد من التفتيت والتقسيم.. وأقول: لهذه الإشكالية تداعيات يمكن رصدها وإحصاؤها بتتبع ومعايشة أحداث بعينها وأشخاص بذاتهم ممن هم ضحاياها..هذه الإشكالية منها ما يعود على ذات الاتجاه وبنائه الإداري والفكري والمواقفي بالفساد والتخلف وعلى علاقتها بالخارج الآخر في دائرة الوطن وخارجها.. فذلك يؤدي إلى أن يتصدى لقيادة التيارات والنخب من ينافسون على الأكثر اتباعا وانقيادا لمصطلح (الروح العامة) في جهتهم، فيتأخر بل يمتنع التصعيد الإداري والترقية المناصبية داخليا على من يناقشون ويراجعون، ويُرفض رأي من يعتبرون مستجدين في مقابل رأي من يعدّون مستقدمين، ثم يصير التقبل والرفض على أساس القرب والبعد من المجاملات، وتنحسر القدرة على النقد الداخلي وتصير سببا في الاتهام بالنشوز ومبررا لإيقاع العقوبات والعزل والفصل والتشويه، ولا يبرز النوابغ الذين يقودون ولا يكتفون بالإدارة ويوجّهون ولا يكتفون بالتوافقات، وينحصر النبوغ فيمن قدموا من بيئات واسعة، أو تعرضوا لإشكالات، أو دعكتهم الأحداث أو في ظروف استثنائية.ذلك بالضرورة هو الذي يؤدي إلى ما نراه اليوم من عجز العقل الجمعي عن فهم الآخر الوطني أو المذهبي الذي لم يُسمع رأيه أو سُمع عنه من أفواه كارهيه.. وإلى الجمود على سياسات وسلوكات ومواقف وتناقضات وأشكال صارت بالتوالي والتوارث وعدم التمحيص قناعات عقدية وثوابت سياسية لا تقبل النقاش يعبر عنها المستجدون على العمل السياسي والديني بالتكفير والتخوين، فيما يعبر عنها الأكثرون دهاء وتجربة بالتخطيئ أو بالتقبل المدسس بالرفض أو بالرفض المزوّق بالقبول الظاهري.هذه الإشكالية التي أراها عظمى وشريرة وسببا أساسا في تحويل الخلافات لصراعات ولقسمة عمودية وأفقية يستغلها الآخر وتكاد تفتك بكل المنجزات التاريخية للأمة، أرى أن الجوهر في علاجها ألا تنبني الثقافة والتربية منذ التأسيس الفردي للشخص على الاتباع والتقليد ولكن على الإبداع والقيادة وعلى النمذجة والقدوة والاستحسان، وأن يصوب الخلل في مفهوم الالتزام بالفكرة والمنهج ذاته.فالعلماني الذي صار يرى العلمانية نقيضا لأصل التدين وصار يقرب الناس أو يباعدهم حسب مدى قربهم أو بعدهم من الإلحاد يجدر أن يعيد الاعتبار للفكرة الأصلية للعلمانية التي تقوم على نقل التدين من العمومية إلى الخصوصية فقط (هذا إن لم يعُد عن فكرة العلمانية ابتداء باعتبارها لا تتناسب مع واقعنا الديني والثقافي والمصلحي).والإسلاميون كذلك صاروا يرون الدين نقيضا للوطنية والقومية والقبلية ينبغي أن يعيدوا الاعتبار إلى قوله تعالى (وأنذر عشيرتك الأقربين) وإلى قوله صلى الله عليه وسلم يخاطب بلده مكة إذ هاجر منها تحت ضغط التعدي الإجرامي للكفر "والذي نفسي بيده إنك لأحب أرض الله إلى الله وأحب أرض الله إلىّ ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت". وأنه لا صدام مع هذه القيم - القومية والوطنية.. - إلا عندما تطغى على الحد العادل لها.لا شك أن خوف النخبوي على فقدان روابطه ومصالحه المنتسجة داخل حزبيته واتجاهه أو من خلالها وخوفه من أن يتعرض للإعدام النفسي والاجتماعي والوجاهي بسبب رأي يقوله أو مشاغبة يفسر موقفه بها.. يضعف - بلا شك - قدرته على صوغ المواقف المستقلة والآراء الخاصة والذاتية الفردية.. لذلك فإن عليه أن ينسج علاقات ومصالح حقيقية فوق حزبية وأن ينفتح على الآخر وأن ينتقل من الإعجاب بالثناء الشخصي إلى البحث عن الثناء على الفكرة والمنهج. آخر القول: من الضرورة بمكان أن يتمسك النخبوي بأخلاق النقد والمحاسبة داخل ذاته الشخصية والاتجاهية، وأن يوسع أفقه بشبكة علاقات حقيقية تعاونية مع الآخر ليطّلع أكثر ويعطي أكثر ويكون قويا بلا تتردد سواء كان الذي أمامه أبا بكر وعمر أو كان الذي يواجهه أبا جهل وأبا لهب.
612
| 22 سبتمبر 2016
المؤتمر الذي عقد في 25 أغسطس الماضي في العاصمة الشيشانية "جروزني" على مدى يومين بعنوان "من هم أهل السنة والجماعة؟" ثم انتهى إلى إبعاد السلفييين والإخوان من هذا التصنيف ليحصروا أهل السنة والجماعة في أنفسهم وما يمثلون من الأشاعرة والماتريدية والصوفية الخرافية.. هو مؤتمر إشكالي لا يمكن إغفال هوية الداعين إليه أو تجاهل علاقتهم بالانقلابات والنظم المستبدة والحرب الدائر رحاها على أهل السنة في إيران ومصر والعراق وسوريا واليمن.. كعقيدة ومكتسبات ومصالح ومآلات؛ فضلا عن أن المؤتمر متهم ابتداء في صدقية تمثيله لأهل السنة والجماعة..وأقول: أما القيمة العلمية لدعوى إخراج السلفية والإخوان من أهل السنة وبصرف النظر عن مواقف هؤلاء السياسية والفكرية أو تموقعهم في الثورات ومحاربة الاستبداد الرسمي أو ضدها فلا مضمون علميا أو فقهيا أو عقديا لهذه الدعوى، بالتالي فلا يصلح أن يسمى هذا المؤتمر بمؤتمر إسلامي أو علمي أو تخصصي أو سنّي مهما زعم مؤتمروه لأنفسهم من العلم الشرعي أو انتسبوا لوظائف دينية أو مواقع إفتائية رسمية في دولهم أو ادعوا نسبة حصرية لهم بأهل السنة والجماعة؛ ولكنه مؤتمر ذو مضمون مجرد سياسي انحيازي جهوي فئوي انقلابي بامتياز.وما يجب التنبه إليه وعدم استصغاره هنا أنه عندما يقرر المؤتمرون إخراج السلفية والإخوان من أهل السنة والجماعة، ويفرقون بينهم وبين الشيعة والصوفية والأشاعرة والماتريدية.. فإنهم حينئذ يتجهون لتكفيرهم؛ بالإخراج ليس السياسي الذي يتعلق بمعارضة أو التمرد على الدولة ولكنه إخراج ديني مذهبي عن لافتة عقدية وفقهية؛ وإذن فهو الطريق إلى التكفير والفتح لباب صراع داخلي سني ممتد تماما وبذات القدر كما تفعل داعش؛ باب إن فتح لا يظن أنه سيغلق إلا بعد الكثير من التكفير والتكفير المضاد.وفي ضوء معطيات المكان والزمان والمشاركين والمحظورين فإن أسئلة تطرأ على الذهن.. هل يريدون تحويل الانقلابات السياسية والجرائم العسكرية إلى انقلابات دينية وعلمية ودعوية ومذهبية أيضا؟ وهل هي محاولة انقلابية على الاتحاد العام لعلماء المسلمين وإفراغ مؤسسات المسلمين العلمية والدعوية من قيمتها ووجاهتها؟ وهل ينزع المؤتمرون إلى شغل أهل السنة ببعضهم وإثارة حروب دموية لا ترقأ بينهم أبدًا؟ وهل يريدون تنصيب عدو جديد للمسلمين من ذات بينهم؟ وإذا كان هذا التحالف العُلَمائي السياسي "الصوفي والصفوي" ومن ورائه روسيا وأمريكا (بالضرورة وإسرائيل) قد تُأطر بفتاوى من هذا الحجم وهذه المغامرة فهل على الإخوان والسلفيين أن يظلوا يرقبون التطورات من بعيد وأن ينظروا للتحولات كلعبة "بنغ بونغ" مسلية أو موترة حتى تقع الفأس في الرأس؟واضح أنها حرب على أهل السنة بتقمص دعواهم ونزع شرعيتهم وإخراج أبرز رموزهم منهم - السلفيين والإخوان - وهذا يوجب على أهل السنة "الحقيقيين" أن يتكلموا بلسان فصيح وبيان صريح أنهم يجسدون حقيقة الأمة الإسلامية، وأن يعملوا بجد على استعادة الرمز والشعار والراية قبل "ولات مندم"، وأن عليهم ألا يسمحوا بخطوة أخرى تستغل غيبتهم عن الرأي العام، وأن لا يكتفوا ببيان يتيم أو مؤتمر صحفي عاجل أو بمقال شارد في صحيفة محلية أو عمود داخلي في خارجية.أليس من المنطق والحال هذه أن ندعو السلفية والإخوان ليعيدوا قراءة الخارطة السياسية ويرصدوا متغيراتها ويبحثوا عن الجوامع المشتركة التي تجمعهم وأن يغلّبوا ضرورات الواقع ووحدة الاستهداف على خلافات الوهم وصغيرات التنافس واحتكاريات البدايات البعيدة؟ أليس من الصراحة أن نقول للإخوان إن الحرب عليكم لن تتوقف عند حدود انقلاب السيسي وتربصات السبسي وحفتر وإشاعات وشبهات إيران ومماحكات أخرى نراها ونسمعها كل يوم؟ وأن نقول للسلفية إن مؤتمر "جروزني" هو خط الانطلاق في عزلكم وحربكم بدعوى أنكم الجذر الحيوي لداعش والقاعدة؟ آخر القول: الأكيد أن الخلاف بين السلفية والإخوان لا ينكر ولا يستنكر؛ ولكن الذي ينكر ويستنكر ويذم وينفي هو أن يصير التفاهم بين السلفية والإخوان مستحيلا! وأن يغرق مثقف النخبة داخل كل طيف في جدلية صراع لا تنتهي! ليجد القتاتون المتسمّعون على الأمة في هذه الخلافات ما يتطاولون به عليها ويفسدون به ودها وذات بينها.
447
| 15 سبتمبر 2016
نفذت سلطات بنجلاديش السبت الماضي 3 / 9 حكم الإعدام شنقا في القيادي البارز في حزب الجماعة الإسلامية "مير قاسم علي" بعد إدانته بارتكاب جرائم حرب خلال حرب الانفصال عن باكستان عام 1971 من القرن الماضي. وكانت المحكمة العليا هناك قد أيدت في مارس الماضي عقوبة الإعدام بحق مير قاسم علي في التهم ذاتها فيما تقول جماعات حقوق الإنسان إن إجراءات المحكمة تفتقر للمعايير الدولية. هذا الإعدام وما سبقه من أحكام مماثلة تم تنفيذها بحق مجموعة من قيادات الجماعة الإسلامية تأتي في سياق حرب معلنة تشنها حكومة اليسار العلماني الموالية للغرب والمدعومة بسكوته وتأييده ضد الإسلام وبالتعاون مع الهند وأمريكا ومخططات مذهبية وطائفية عالمية وإقليمية. سياق الحرب على الإسلام الذي يأتي فيه هذا الإعدام هو الحرب الكونية الشاملة التي تدور رحاها اليوم على الإسلام (كمفاهيم ودعوة ودعاة وحركات ورموز ووجاهة) كما تأتي مترافقة مع مساعٍ حكومية لإعادة فتح ملفات وتصفية حسابات قديمة ضد الإسلام مثل قضية إلغاء الدين الإسلامي كديانة رسمية للبلاد التي تقدّم بها قبل 28 سنة أحد المواطنين، وتأتي مترافقة مع مساعي حكومة "شيخة حسينة" اليسارية العلمانية لإلغاء المواد الدستورية المعبرة عن إسلامية البلاد، وعن ارتباطها بالدول الإسلامية، وإلى إلغاء التعديلات الدستورية التي كانت أدخلت على دستور البلاد بعد الانقلاب العسكري عام 1975. إعدام "مير قاسم علي" السبت الماضي وما سبقه من إعدامات لأبرز زعماء وقادة الحركة الإسلامية حتى الآن (مطيع الرحمن نظامي، وموتيور رحمن نظامي، وعلي إحسان محمد مجاهد، وصلاح الدين قادر تشودري، وعبدالقادر ملّا، ومد قمر الزمان" كلها إعدامات لا يسندها قانون ولا منطق ولا حيثيات حتى بمنطق اللفلفة والتزييف. ولنأخذ على ذلك قضية الشيخ "علي أحسن مجاهد" أمام "قضاء بنجلاديش الشامخ!"، "للتعرف على كيفية إجراء المحاكمات ضد الإسلاميين الأحكام فقد اعترف الضابط الذي أجرى التحقيق في قضية هذا الشيخ"، أمام المحكمة وبلغة صريحة أنه (لم يحصل على أي معلومات تفيد بتوجيه تهمة واحدة للشيخ، وأنه لم يتم تحرير أيّ محضر كتابي أو نيابي في ذلك، وأنه لم يحصل على أي معلومات تفيد بانتمائه إلى أيّ من العصابات أو الميليشيات المسلحة التي كانت موجودة آنذاك "كعصابات البدر والرازاكار" أو غيرها، ورغم كل ذلك فقد رفضت المحكمة العليا الطعن المقدم منه وبدلا من ذلك فقد اتهمته بالضلوع في مقتل عدد من المفكرين والمثقفين آنذاك، وقامت بتأليف لائحة اتهام له لم تذكر فيها ولو لمرة واحدة كيف ومتى وأين فعل ذلك ولا أسماء الذين اتهم بقتلهم كما لم تستدع أحدا من الشهود على ذلك. الحقيقة أنها حرب شاملة وأن رحاها تدور على الإسلام وعلى الأمة واستقلالها وثوارها وهويتها؛ هذه الحرب يعتبرها البعض "الجيل الرابع" والأخطر من الحروب بعد حرب السلاح الأبيض، والسلاح الناري، والحرب النووية، وهي تقوم على ضرب الأمة ببعضها وإكساب النظم شرعية استثنائية بجعل الفوضى والدموية البديل عنها في البلاد التي يخشون من ثورات شعوبها عليها، كما تقوم على استهدف الإسلام والتطبيع مع العدو الصهيوني وطلب الدعم الخارجي ضد الشعوب عند التأزم واللزوم. آخر القول: ما يقوم بها نظام حسينة اليساري العلماني في بنجلاديش هو صورة مكملة لما يقوم به في بلادنا نظام السيسي وبشار وحفتر والحوثي وداعموهم وأضرابهم من الطارئين على تاريخ الأمة وقرارها، وهي حرب تجتمع فيها معسكراتهم الأربعة (!) واليقين أنهم لن ينجحوا فيما فشلوا فيه دائما، والله تعالى يقول (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين).
530
| 08 سبتمبر 2016
منذ قامت السلطة في الـ93 والتوقع أنها سوف تتصادم مع حركة فتح مهما بدا في بعض الأحيان أن بينهما نسبا شرعيا؛ فالفوارق بين "فتح التنسيق الأمني" و"فتح المقاومة" أكبر من أن يجمعهما اسم مشترك حتى لو كان اسم الرئيس..فالطريقان مختلفان ومتناقضان في المصالح والارتباطات والدور الوظيفي ومنطق التفكير ومبرر الوجود والمبدأ والمنتهى.. الكيان الصهيوني جرب ذات مرة تشكيل ما أسماه في حينه "روابط القرى" كنقيض للثورة الفلسطينية ففشلت تجربته أمام حركة "فتح" فلم يكن متوقعا أن ينجح في مواجهة فتح وحماس لو قام بذات النموذج الصهيوني المفضوح..لذلك قدم لفتح ذلك الطعم "السلطة" التي بها أسكر تفكيرها وأشبع جوعها ورفع بعضها على بعض حتى سجن بعضهم بعضا وقتل بعضهم بعضا وصار من رعيلها الأول من يعتبر التعاون مع الاحتلال "الذي هو الخيانة بعينها في كل الأعراف الثورية في كل الدنيا قديما وحديثا" صار منهم من يعتبره وطنية محضة ووجهة نظر محترمة ثم انتهى ببعضهم أن يصرحوا في مقامات رسمية بأنه فوق النقد وأنه مقدس. لا يمكن أن يكون جميع أبناء فتح على هذه الشاكلة من التدهور الخلقي والوطني والديني والمعرفي وكما كان فيها من صادق الاحتلال وتقبله وقام يسوغه ويدافع عنه، كان فيها قوم هم الرصيد الوطني والتجسيد الثوري الذي يخافه الاحتلال ويحسب حسابه. من الواضح أن مرحلة التستر واللملمة بين التشكيلين قد انتهت بالأخص في ظل ما يفرضه تحدي تنصيب خليفة لعباس على ذات المقاس أو أكثر منه تقاربا وتقديسا للاحتلال والكلام هنا عن دحلان خاصة.. لذلك وفي هذا السياق وصلت المصادمات بين التشكيلين "في نابلس" حد القتل والقتل المضاد وأن تطلق السلطة الرصاص الحي على جماهير فتح وأن يكون شعار المرحلة تجريدها من السلاح "غير الشرعي!". العدو يعلم أنه إذا مات عباس قبل أن يحسم مسألة خلافته في رجل على ذات المقاس فإن القاعدة التنظيمية المسلحة لفتح هي الخطر الحقيقي على السلطة وأن فكرة تجريمها على غرار تجريم وتخوين "الروابط" ماثلة في ذهن الشعب الفلسطيني ما لم تقف دون ذلك "فتح" التي فيها من لا بد من تقليم أظافرهم ونزع أضراسهم. من السهل أن نقول: أين العقلاء والأقوياء في فتح؟ وأين الضمير الوطني للقادة؟ وأين الذين تعلموا في مدرسة أبي عمار وأبي جهاد وصلاح وغيرهم؟ وأن نكتب مقالا نطالب فتح بالمعاجلة إلى خطوة قبل أن تأتي لحظة التوهان ثم التفكك والتلاشي، وأن نطالبهم بالعودة لشعبهم، وبأن يقروا بأن السلطة باتت خارج أيديهم، وأنه لم يبق لهم من مشروع السلطة إلا قدر ما يحمله الاحتلال منها على أكتافهم وأكتاف ثورتهم لترويجها وتعليتها عليهم قبل سواهم (كما حمل محمود عباس ذات يوم على أكتاف عرفات ليعليه على من يحبونه ومن يكرهونه). كل هذه أسئلة مشروعة ومطالبات منطقية وواقعية..ولكن المشكلة والصعوبة الحقيقية هي أن "فتح" لم تعد تملك إلا مسايرة الأقوياء - الاحتلال وجوقته من العرب - الذين استضعفوها وفككوا رمزيتها وباعوا رصيدها..فلم تعد تقوى على الرفض أو التبرم ولا حتى "الحرد السياسي" الذي كان يلجأ إليه أحيانا "أبوعمار رحمه الله!". فتح -يا سادة- لم يعد لديها خيار إلا تقبل ما يتفضل به الاحتلال، ولم يعد فيها قيادات ومتنفذون يجسدون التنوع والنبوغ والجرأة والتضحية، ويمكن أن يوقفوا المهزلة، ولا حتى يطالبوا بتفكيك السلطة ولو بلغة التحليل السياسي المجرد! آخر القول: الأكيد أن هذه ليست نهاية المشروع الوطني الفلسطيني فالقضية والشعب لا يمكن اختزالها في فتح مهما كانت رمزيتها أو سبق من امتدادها في الشعب الفلسطيني..ولكن ما يؤسف له أن تكون هذه نهاية "الشاطر حسن" وقد وصلت نار الاحتلال ومؤامراته فراشه وطاولت رأسه على ذات الطريقة وبنفس المسوغات التي قبلها في غيره.
297
| 01 سبتمبر 2016
في حدود متابعتي الجزئية لهذا المسلسل الذي بثه تلفزيون المقاومة الفلسطينية (الأقصى) في الفترة الأخيرة فإني أسجل إعجابي به دون تردد وأعتبره نقلة نوعية في الدراما الفلسطينية المقاومة من حيث النص والتمثيل واللباس والديكور والمؤثرات والإخراج..وذلك من زاويتين؛ زاوية مقارنته بما تعرضه شاشات تلفزيون السلطة الذي ينساح إلى المسلسلات وينداح في الأفلام التي لا تمت للمقاومة ولا لهذه القضية وتفاعلاتها الكبيرة بصلة؛ ثم زاوية أن الفن الإعلامي الفلسطيني كله مستجد لا تتوافر له الإمكانات التقنية والمادية والفنية كمثائله في الإعلام العربي. ولكن ثمة ملحوظات على هذا الجزء من المسلسل وجدتها في الجزء الأول منه وتكررت في هذا الجزء، كما وجدتها تكررت في أكثر الأعمال الفنية الأخرى التي تدور حول ذات مضمون (المقاومة) والتي جسدتها من قبل فضائيات ومؤسسات فنية عريقة وفنانون مشهود لهم بالبراعة والنجومية. هذه الملحوظات تتعلق بالجانب التثقيفي وبالرسالة القيمية التي يعالجها المسلسل، وهذا ما يعنيني وأظن أنني أفهم الحديث فيه..وأختصر فأقول: هي خمس ملحوظات. الملحوظة الأولى: أن المسلسل لم يمرر إلى ذهن المشاهد الصفات الموضوعية الثابتة للعدو الصهيوني (كالجبن والحرص على الحياة والتردد والكفر والنزوع للجدل والتشدد واحتقار وكراهية الأمم الأخرى - الأغيار القويم - وكالغدر بالمقربين والمسالمين) وهذه كلها خطوط أساسة يجب أن توجد وأن تؤكد وأن تكثف في كل عمل فني لتوطيد الصورة الذهنية الموضوعية لهم وتنميط هذه الصفات عنهم في وجدان الأمة. من الجدير ملاحظة أن العمل الفني - أي عمل فني والدراما تحديدا - ليس تقريرا سياسيا تطلب فيه الدقة الوصفية المطلقة، وإنما هو كراكاتور يركز على قيمة ويسوّق فكرة. الملحوظة الثانية: أن المسلسل ركز على الأحداث الأمنية المقاومية دون ربطها بسياقها السياسي (من الانقسام الفصائلي والجغرافي، وعبثية المفاوضات، والتنازلات الإستراتيجية التي قدمتها السلطة، والمعيقات الجيوسياسية واللوجيستية للمقاومة، وكالحصار على غزة، والتعقبات الأمنية التي تنسق لها السلطة..) أو بسياقها المجتمعي والتربوي (بالمساجد، والبلديات، وشيوخ العشائر، ومراكز التعليم والتوجيه، وسلوك الحياة الاعتيادي وحياة الأسواق والترفيه.. إلخ) . الملحوظة الثالثة: أنه ركز على بطولة الأشخاص ولم يركز على بطولة الحركة والتنظيم والوطن ككل فسقط منه ما يتعلق بخطورة تناقض البرامج وبالرسالة الوطنية وبالتشكيلات السياسية الرسمية والفصائلية. ربما كان السبب في ذلك أن المسلسل جاء أقرب لتوثيق مرحلة بعينها (المقاومة في مطالع التسعينيات) لكن ذلك يفترض أن لا يمنع من صناعة خلفية سياسية له تتعلق على الأقل بمقدمات تلك المرحلة فبعضها موجود أصلا منذ أن صارت القضية قضية. والملحوظة الرابعة: أن المسلسل سلط الضوء على الأحداث العسكرية والأمنية وأغفل كثيرا تلك الأسماء الكبيرة التي عايشت تلك الأحداث ووفرت لها الغطاءات الشرعية والوطنية واستثمرت فيها نقلت المقاومة نقلات هائلة والتي حقها على شعبها وعلى أي عمل فني أن يقر بأثرها وفضلها وأن ينصّبها نموذجا تتربى عليه الأجيال (أمثال الشيخ ياسين وصلاح شحادة والرنتيسي والمقادمة والزهار والجمالين في نابلس وأبو هنّود.. إلخ). الملحوظة الخامسة: أن المسلسل لم يعالج الكم الهائل والحثيث من الإشاعات التي يطلقها خصوم "المقاومة" عليها زورا وكذبا مثل التهمة (بالتشيع، والارتهان للمحاور الخارج الفلسطينية، وأن أيديولوجيتها مغلقة، وأنها تتفاوض سرا مع العدو، وأنها تسعى لسرقة ميراث منظمة التحرير، وأنها ناشزة عن الحالة السياسية الفلسطينية، وأن جهادها يجرجر إلى التهلكة، وأنها المسؤولة عن الانقسام..) فهذه كلها قيم لا بد من إعادة غسلها ولا تقل أثرا عن مضمون المقاومة العسكرية بل قد تزيد في بعض العناوين. ولا أعتقد أن مسلسلا مقاوما كهذا يقف عند شروط ومحددات التسويق التجاري كما تفعل التلفزيونات والفضائيات الرسمية لكي يتوقف عن طرح هذه الجوانب. آخر القول: مسلسل الفدائي (2) من بواكير العمل الفني المقاوم الذي دخل الساحة ذات يوم كتوثيق لمعركة أو لمرحلة ولكنه شكل نقلة نوعية تمتاز بالجدية والهدفية.. ولكنه ككل عمل بشري مبتدئ يعتريه بعض النقص ويحتاج لتصويب وتعديل دون أن يقلل ذلك من قيمة الفكرة والاتجاه إليها.
1467
| 25 أغسطس 2016
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع...
8991
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل...
4902
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز...
4296
| 23 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية...
2958
| 24 سبتمبر 2026
ما لفتني في خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ...
2211
| 23 سبتمبر 2026
لا تكمن خطورة ما يجري في منطقة باب...
1350
| 20 سبتمبر 2026
شهدت دمشق الأسبوع الماضي حدثًا ثقافيًا وفنيًا استثنائيًا،...
753
| 21 سبتمبر 2026
أخطر التضليل الإداري لا يحتاج إلى تزوير رقم...
729
| 27 سبتمبر 2026
كان ظهور جهاز جديد في الماضي يعني أن...
714
| 23 سبتمبر 2026
في الثالث والعشرين من سبتمبر، لا يحتفل العالم...
510
| 22 سبتمبر 2026
الحاقا لمقالي الأسبوع الماضي في الشرق -" مستقبل...
447
| 20 سبتمبر 2026
يحظى المعلم في دولة قطر بالاهتمام الكبير والتقدير...
441
| 25 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية