رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الذات والذات المحمدية

شُجّت وجنتاه، وكُسِرت رُباعيته، ودخلَ المغفر في رأسه — صلى الله عليه وسلم — يوم أُحُد، فقال وهو يجفف الدم السائل من وجهه الكريم الشريف: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) نحيا هذه الحياة، فنفرح في أيامها تارة، ونشقى فيها تارةً أخرى، ثم إنه قد يزيد الشقاء، ويعظم البلاء، ويشتد الكرب، ويطيش العقل، وتعم الحيرة، وتُظلم الحياة إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا. ولأننا بشر، يعترينا من النقص الشيء العظيم، ومن القصور القدر الخطير، فقد توجهنا بأحزاننا إلى البحث الحثيث عن مخرج من عالم الحزن والضنك، فنتوغل في كتب تطوير الذات، وقوانين ما وراء الطبيعة كطاقة الجذب والاتصال بالطاقة، وغيرها مما قد يخوض فيهِ الإنسان للوصول إلى حالةٍ مُرضية. ولأنني أؤمن بعبارتي التي حرّفتها عن ديكارت فأذكر أنني قد قلت (أنا أقرأ إذاً أنا موجود) فكنتُ أن خضت تجربة قراءة كتب تطوير الذات، ككتاب السر لروندا بايرن، وفجر طاقتك الكامنة في الأوقات الصعبة لديفيد فيسكوت. خرجت من رحلة القراءة بفائدةٍ يسيرة واستفهامٍ عظيم، فأما الفائدة فهي إضافة كتابين جديدين لمكتبتي الذهنية، وأما استفهامي العظيم، فأين أنا من (الذات المحمدية) حينما كنتُ أبحث عن فائدةٍ في كتب الذات وتطويرها..!؟ إن أنموذجاً ومثالاً وقدوةً كالحبيب المصطفى ذُكرت سيرته وصفاته في القرآن فكان أن صارت أخلاقه المحمدية أسوة للمؤمنين، ألا أخجل حينها من ذاتي التي وددت بتطويرها على أسسٍ لم يقتنع بها ذهني، ناهيك أن تقتنع بها ذاتي..! إن رجلاً قال (لا تغضب)، فحملت هاتين الكلمتين مئات من القوانين الطبية والقواعد النفسية، فلا تُغضبه الدنيا وما كان لها، ألا يحق لنا أن نتخذ منه أسوة لذواتنا..!؟ إن رجلاً أدرك ما يسمى الآن بالحاجة إلى التفكير الإيجابي، فجمع بين الرحمة والصبر، فلما وجد عمه — حمزة — وقد بُقر بطنه عن كبده، ومثّل به، فوضعه بين يديه ليصلي عليه، بكى حتى أُغمي عليه من شدة الوجد والبكاء، كل ذلك بصبرٍ واضح، وعدم الجزع لمصابه العظيم، أليس حقيقٌ بنا أن يكون لنا كتاباً نقرأه في الصبر وحبس النفس، ونفي الجزع والسخط..!؟ إن رجلاً جمع بين المزاح والحق، فكان أن قال لخادمه (يا ذا الأذنين) وهي مداعبة ظاهرة، وحق واضح، إذ أن كل إنسانٍ ذات أذنين اثنتين، ألا تستحق ذواتنا أن نتخذ من هذا الرجل، العظيم الرسالة، الكريم الخلق، الحبيب الودود، تطويراً لنا، ألا نجد في توغلنا لسيرته الطيبة، طريقاً للنجاح والشعور بالرضا والسلام الداخلي..! إن ديننا هو الشمولية الحقة، وفي قرآننا الشفاء المُبين، وفي السنة العلاج الأكيد، ولزاماً علينا أن نغير فكرة التطوير السائدة، فطاقة الجذب هي الثقة بالله تعالى وحسن ظن العبد به، أما سبيل النجاح والرضا والتفكير الإيجابي، وطرق تطوير الذات، فقد انصبت في الذات المحمدية، بأبي هو وأمي..! اللهم إني آمنت بك رباً، وبأعظم الخلق وأشرفهم نبياً ورسولاً، اللهم اجعلنا من زمرته في الآخرة، ومن المُقتدين به وبسنته في الدنيا، اللهم لا تحرمنا منه رؤىً في الدنيا، وحقيقةً في الآخرة، اللهم صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الجادل Aljaadel.84@gmail.com

3334

| 05 مارس 2012

روح متفانية

( ليس السامع كالمعاين) هكذا قالوا قديماً، فنحن لو سمعنا عن الجمال، ما صدّقنا لولا أن رأيناه، وكذلك الصدق والفرح والحزن، وجميع ما يدور في مدارات الحياة وأفلاك التعامل، تمامًا كما التفاني، فأنا لن أصدّق به، لولا أن رأيتُ برهان ربي. و مفردة التفاني إن جُردّت حيث فعلها، فإنها تكون (فنى)، و(تفانى) هو فعل خماسي لازم متعدٍ بحرف، يأتي بمعنى: أبدى فيهِ إخلاصاً وجدّاً بالغي المستوى، وضحى برغباته ومصالحه من أجله. إذن، لعلّي لا أُلام لو كنتُ أشك بوجود هذه الصفة، ففي خضم الحياة وهمها وضنكها، من ذا الذي يضحي بمصالحه ورغباته من أجل عمله..! ومن ذا الذي يعمل بابتسامة، وأعني بابتسامة هنا، هي الابتسامة الأبدية، التي يختبئ وراءها جهد الحياة، ولكن أبت إلا أن تظهر، تظهر بمعيّة الإخلاص في مجال ما يحدث. فقبل 26 سنة، حيث كنت طفلة في روضة الدانة الخاصة، حيث البراءة الغضة، والخيال الطفولي القديم، حينها أذكر (أبلة منال) تقف كجنديٍ غير مجهول البتة، أذكرها بحجابها الأبيض، وحبة خالٍ تتحدّر مبسمها، تُدخلنا حيث فصولنا، وتحمل من بكى من الأطفال لحظة وداع مؤقتة وادعوا فيها أمهاتهم، نلتف حولها وندخل الروضة، تمشي بنا، بابتسامة أقسم أنني لم أكن لأنساها مطلقاً. وتمر الأعوام، فتُخفي الأيام ملامح الخيال القديمة، إلا اليسير منها، نكبر وتكبر ذاكرتنا، فتشيب وتهرم، لتُنجب لنا الأيام ذاكرةً أخرى، فتشيب وتهرم، وهكذا دواليك، إلا أن تأتي ذكرى تستثير من خزانة الذاكرات ما كان قد مضى، فنتذكر، وغالباً ما نبكي. فبعد 26 سنة، تسوقني الأقدار حيث الطريق القديم، لأقف على شارع الروضة، فأجد خيالي الطفولي العتيق، واقف هاهنا، كشجرة النخيل الباسقة، لا تنحني للزمن وإن هرمت، هامة تقف لها الأيام والسنين تقديراً وإجلالاً، كأن ذات المنظر، يُعاد بعد 26 سنة، هي المرأة ذاتها، بالابتسامة ذاتها، بالتفاف الأطفال ذاته، كنتُ أنظر وأتساءل، كم جيلا التف عليكِ يا امرأة استحقت التبجيل..!؟ كم دمعة للأطفال كفكفتِ، كم ضلعٍ ضممت..! كم روعٍ هدّأت..!؟ ألم يعتريكِ ملل، ألم يُراودكِ كلل..! ألم تتكاسلي في صباحٍ باردٍ ففضلت النوم عن الأطفال..!؟ ألم يتقاعس إخلاصكِ في صباحٍ حارٍ فكان أن فضّلت البيت بتكييفه، عن إزعاج الروضة وصراخ أطفالها..!؟ بل أيُعقل أن يوجد أشخاصٍ بهكذا تفانٍ، ترحّب وهي تستقبل، تبتسم وهي تعمل، تضحك وهي تتلقى من الجمهور إهانات، فكيف لو كان الجمهور أطفالاً..!؟ وهل يُعقل، أنني أتعلم على ذات الشارع مرتين.! فمرة أتعلمها طفلة أتلقى أبجديات الحياة الأولى، والثانية وأنا شابة أتعلّم درساً في الإخلاص والتفاني والجدّ، بعد أن تمثّل لي الأنموذج لكل تلك الصفات...! ألي باستنساخكِ يا معلمتي القديرة، لأنصح بوجودكِ في كل زاوية من زوايا الحياة.! معلمتي، قالوا من علمني حرفاً صرتُ له عبداً، وأنا تعلّمت حروفاً فضلاً عن واحد، وصفاتٍ كثيرة وليست صفة يتيمة، فلكِ الحروف والكلمات وجميع أبجديات اللغة يقفون تقديراً واحتراماً ومحبةً لكِ، شكراً "أبلة منال". Aljaadel.84@gmail.com

1891

| 27 فبراير 2012

أرذل العُمر

تماماً كذلك الطفل، الذي شعر أن العالم أجمع أكبر منه.. فضعفت حيلته وبكى.. هو حال المسن، الذي شعر أن العالم أجمع أقوى منه.. فضعفت حيلته وهوى.. لا فرق بينهما إلا أن الآخر يحتوي على ذاكرة ممتلئة، مُزدحمة بالخبرات الحياتية والمواقف واليوميات والذكريات وسنين لا يُمكن لها أن تكون على مسارٍ واحدٍ من الارتياح والطمأنينة، بل كان لها حقها من الآلام والأوجاع، من الدمع والصدمات،، هو الضعف عينه، وقلة الحيلة، والحاجة للعون والمساعدة.. إن منظر عجوزٍ تخرج من المستشفى، لا تكاد أن تخطو خطواتها لكي تعود حيث أتت، تُمسك بها خادمةً آسيوية، يكاد يقضي على فرحي، ويفجر سداً غزيراً من الدمع في عيني.. لعلّي لا أعرفها، ولكني أشتهي أن أقبّل عروق يديها النافرة، تلك التي تُشبه خريطة الزمن، طُبعت على يديها، فتشبث يديها بيديّ الخادمة يُشبه انقباضة قلبي بالحزن، والخوف، وانعدام الأمن من هكذا مَشهد.. تخيّلتها حينما كانت طفلة، تتفجر طاقةً وحيوية، لا يكفيها اللعب في النهار، حتى يُخيّل لها لُعبها وهي نائمة.. ومن ثم شابة، كزهرةٍ أينعت فحان وقت قطافها، تتزوج وتُنجب، وتربّي، وتدرّس، وتسهر وتكبر.. تكبر فتفقد الأشياء حولها، شيئاً فشيئاً، فلعلّ أول المفقودين، راحتها، ومن ثم حريتها ومن ثم قوتها.. ويكبر الأبناء، فتفتقد وجودهم، ويموت الأصدقاء، فتفتقد صحبتهم، وتكبر بمعيّة الوحدة إلى أن تصل إلى أرذل العمر، فلا أنيس ولا ونيس، ولا صاحب ولا ابن.. ماذا لو آل حالي إلى حالها، فاختبرتُ ألم الوحدة، والفقد، والفراق، أتجرعه فلا أكاد أسيغه.. ماذا لو لم أجد من جموع الأصدقاء، والأهل، والأقارب سوى خادمة أتشبث بيديها لكي لا أهوى من على سلّم الحياة.. ماذا لو فقدت التقدير في خريف العمر القاسي، ولا حول لي ولا قوة.. كانوا مثلي، يلفهم لفيف الأهل والأصدقاء، كما يلتف الغيم على قمم الجبال، ولكن يبقى الغيم غيماً، بخار سريع الانقشاع والاختفاء، ويبقى الجبل وحيداً صامتاً، يتجرع من عوامل التعرية الدهرية، ما يهول قممه، فينحت من دمعه الصخر بائساً.. إن فئةً عظيمة كفئة المسنين، لا ينبغي أن يجدوا منا إلا عظيم احترامنا، وجزيل شكرنا، وصدق برّنا.. يجب أن نحتوي على مداراتٍ لا متناهية من الصبر، يتسع للامدى من ضعفهم، فلا حول لهم ولا قوةٍ إلا بالله، بعد جسدٍ قد هان، وذاكرةٍ قد شابت، وعمرٍ وصل إلى أرذله.. اللهم ارحم ضعفهم وقلة حيلتهم.. اللهم ارحمنا إذا وقف

532

| 24 فبراير 2012

أحزان هوجاء

للحزنِ هجومٌ شرس، مُنهكٌ ومهلكٌ في أحيانٍ كثيرة، لعلّ شراسته تكمن لحظة انقضاضه، ومن ثم مُحاربته لكل جميلٍ أمامه، أما الأنكى أنه أخرس وأعمى، ينقض في النفس والجسد، ويهجم بعنف وشدة، فلا يبقي فيهما ولا يذر، إلى أن يستوطن ويبقى، أو أن يُطرد فيشقى.. ??ولأن الحياة، حياة اختبارٍ وابتلاء فلقد وُجب علينا كعقلاءٍ أن نهذّب أحزاننا، ونحتويها، على أساسٍ ديني وعلمي وخُلقي، لكي لا نتحوّل فريسة لمشاعرٍ لا تتحدث، ولا تسمع ولا حتى تُلمس.. ??و لعلّي لم أجد مهذّباً للأحزان، وبلسماً للآلام، كما وجدت آيات القرآن الحكيم، فالقارئ للمُصحف الشريف، يجد في ثناياه ما هو شافٍ لهمّه، ماحٍ لغمّه، وخالق بفضل الله همّة عظيمة، تتكسر عليها المصائب، كما يتكسر البَردِ على الصخور، أما الصلاة، فهي الشعور بالأمن والأمان، بأننا ما زلنا على تواصل مع خالقنا، نبث له حُزننا، ونشكوه وندعوه ونبتهل إليه ونتوكل عليه، قبل انقطاع الاتصال، وتبدل الأحوال، حيث يكفينا قوله تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة ).. ??وبعد القرآن والصلاة، فالقراءة هي العلاج الفعّال لتهذيب الحُزن، وتعليم النفس الصبر والسلوان، فالقراءة سلوى للنفوس، وهروبٍ من واقع إلى واقعٍ أجمل، ومن حياةٍ قد شابها الهم، إلى حياةٍ مُنيرة، أضاء شوارعها العلم والمعرفة، وكل ما يفتّح المدارك، وينوّر الأذهان.. ??فالقراءة لا تقتصر إفادتها على لحظة الحزن فحسب، ولكن هي للحياة بأكملها، وللعمر كلّه، ولعلّ لحظة الحزن والهم والألم، هي لحظة تحوّل من السيئ إلى الجيد، ومن الأسوأ إلى الأفضل، فلحظة اللجوء للكتاب، هي لحظات دروسٍ لا ينبغي لها أن تُنسى، من خلالها تتوسّع آفاق فكرنا، وتقوى لغتنا، وتتفوّه ألسنتنا، وتتضخم ثقافتنا، ومن ثم نكوّن قد توسدنا سحاب العلوم والمعرفة، وطبقنا أول حروف نزلت من القرآن، على سيدنا محمد — صلى الله عليه وسلم —: (اقرأ ).. ??وقد أنصح بكتابٍ عظيم، جرّبت أن قرأته، فوجدتني أقرأه في كل مرة تضيّق عليّ الحياة طُرقاتها، ولعلّ تصنيفه لم يقتصر على أن يكون ضمن الكتب الدينية فحسب، بل إنني أصنفه أيضاً من ضمن كتب (تطوير الذات)، لأنني بإذن الله استطعت به أن أطوّر من ذاتي، وأن أًسيطر على غمّي، وأُهذّب حُزني وأن أرتقي بذاتي، إلى أن أكون عضوة فعّالة في المجتمع، أستطيع أن أنتج وأكتب، وأن أعيش الحياة مُحبةً لأفراحها، ومُتقبلةً لأتراحها، هو كتاب (لا تحزن) للشيخ عايض القرني، حيث مازلت أحفظ بعض الأسطر التي سطرها في كتابه، ولعلّ أشد ما رُسخ في ذهني، قوله: (من المحال دوام الحال، وأفضل العبادة انتظار الفرج، الأيام دول، والدهر قلّب، والليالي حبالى، والغيب مستور، والحكيم كل يوم هو في شأن، ولعل الله يُحدث بعد ذلك أمراً، وإن مع العُسر يُسرا، إن مع العُسر يُسرا )..

380

| 24 فبراير 2012

ذلك تقدير العزيز العليم

في إحدى صالات السينما، وفي خضم المغامرة والإثارة، كان أن تطايرت تلك العبارة على مسامعنا، (ماذا لو كنا أسياد أقدارنا)..!؟ أَبت تلك العبارة إلا أن تُحدث في داخلي عاصفة ذهنية، محمّلة بالأسئلة والخيالات والافتراضات، فكنت أتساءل (بالفعل، ماذا لو كنا كذلك)..!؟ فان نكون أسياد أقدارنا، يعني أننا نقدّر على أنفسنا أقداراً تتناسب مع أهوائنا وقناعاتنا، بكل ما يعتريها من قصور بشري، ونقص فطري، مع العلم أن ذلك التقدير الدنيوي هو أبعد ما يكون عن علم الغيب ومعرفة المستقبل، أي أنه تقدير ناقص متخبط أيضاً، لا تترتب عليه أقدار مستقبلية دقيقة، ومن ثم مستقبل سوّي. أن نكون أسياد أقدارنا أي أن تكون أقدارنا وفق أمزجتنا المتقلبة، أي أننا نقدّر للحظة ذاتها التي نعيشها ونشعر بها، وما نؤمن به لحظة الحدث، فقد نَعجب بدافع القصور في شيء فنقدّره علينا، فتترتب عليه أحداث أخرى، ثم وبدافع القصور أيضاً قد لا يُعجبنا التقدير ذاك، فنقدّر خلاف ذلك، فتتدمر الأحداث وهكذا دواليك. أن نكون أسياد أقدارنا، يعني أننا نقدّر على أنفسنا علاقاتنا بالبشر، تماماً كما هم يقّدرون علاقاتهم، فقد نقدّر أن نهوى بشراً، هم قدّروا أن يُبغضونا، أو العكس، ذلك يعني أن ثمة خللا يحدث في العلاقات البشرية، فيستحيل دوامها، ودوام السلام في الكون، وكذلك دوام العقل والعقلانية. وفي ظل كل ذلك، فقد تستهوينا الشياطين، فنقدّر الشر، والباطل، ولأننا لا نُبصر دقيقةً واحدة ضمن المستقبل القريب فإننا نتجاهل أن الموت قد يكون قاب قوسين أو أدنى منا، حينها تتبرأ الشياطين، ويقول إبليس: (إني بريء منك، إني أخاف الله رب العالمين). (أن نكون أسيادُ أقدارنا) هو المستحيل المحمود، والجنون إن حدث، هو انعدام السلام، والاختلال الكوني، والاختلاف الهالك، يعني ذلك أننا نعيش كالأنعام بل أضل، فلا سبيل للحياة بعقل، والعيش بعقلانية، فهو كونٌ مداراته الجنون، وأفلاكه الشر، وأبعاده الضلال. (ذلك تقدير العزيز العليم) ربِ لا نبتغي إلهاً إلاّك، ولا أقداراً غير التي قدّرتها بخيرها وشرها، اللهم بك وبنعمتك كنّا قد استيقنا يقيناً غير ظن، ان ما أصابنا لم يكن ليُخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليُصيبنا، ونقرّ بالقدر كله، ونؤمن أتم الإيمان أن الخوض في القدر للوصول إلى سرّه هو الممنوع الذي نهى عنه المصطفى، وهو الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى. اللهم لا تقدير إلا تقديرك، ولا تدبير إلا تدبيرك، ولا مشيئة إلا ما أردت وشئت، ربنا واصرف عنا وسوسة الشياطين، ولا تجعل لها على أنفسنا سبيلاً، ربنا لا تُزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.

1302

| 24 فبراير 2012

إلى مجتمعي

لكل مجتمعٍ عادات، سواءً كانت محمودة أو مذمومة، يتعايش معها أفراد المجتمع، كأسلوب جماعي، نشأ في عقول الناس، وتجسد في أفعالهم وسلوكهم، عن طريق التقليد التدريجي، وبمرور الوقت تكتسب هذه العادة قوة التقليد، لتُدرج بعدئذٍ ضمن لوائح "عادات وتقاليد". ولكن ماذا لو كانت تلك العادات تقف حائلاً بين العبدِ وربه..!؟ إنني أؤمن أتم الإيمان، أن ثمة عادات متفشية لدينا، قد تكون سبباً رئيسياً في معاناتنا من عدم العيش بسلامٍ في المجتمع، إن بعض العادات البالية، قد تُسخط الرب، وتسلب الرزق، وتكون سبباً في الابتلاء بالأمراض والأسقام، وتأخر نزول المطر أيضاً. إنني هنا، أتكلم عن عادة محددة، نراها في المناسبات والأغلب في الأفراح، هي عادة (النقوط) المذمومة، وتعريف النقوط كما أراه، هو رمي رُزمٍ من المال، بجميع فئاته على فتيات يتراقصن على إيقاعات الأغنية أو الموسيقى، تعبيراً عن الفرحة ربما، وأحياناً الرياء، ونادراً الخوف من القصور أو الاتهام بالبخل..! لعلّي أجهل حقيقةً تاريخ هذه العادة، أو مصدرها الرئيسي، أن تُرمى الأموال تحت الأقدام "تعبيراً عن قمة الفرح"، ففي أي دينٍ أو ملة حلل ذلك الشيء..! أي عقيدة سمحت بذلك، وقد غرست فينا عقيدتنا الإسلامية منذ نعومة أظفارنا، الحديث الصحيح عن النبي — صلى الله عليه وسلم — أنه لا تزولا قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع وذكر من ضمنها (وعن ماله فيما اكتسبه وفيما أنفقه )..! ألن نُسأل عن الأموال التي تُداس في لحظاتِ فرحٍ قد نحوّلها جهلاً إلى لحظات بؤس..! ألا نخاف أن ينزل علينا سخط الله عز وجل ونحن في بطشٍ نرمي نعمة وهبها الله لنا، وحرمها عن غيرنا..! ألم نُفطر على كلمةٍ تردد دائماً منذ أن كنا في المهد أن (النعمة زوّالة)..! ماذا لو زالت عنّا نعمة المال، فزالت معها الفرحة والعيش الرغيد، والسلام والأمن..! ماذا لو حقّت علينا الآية الكريمة (ولنبلونكم بشيءٍ من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات)، كيف سنهلك حينها ندماً أليس وارداً جداً أن تعيش الأجيال المُقبلة سنينا عجافا من القحط والفقر، فتقف على أطلال الذكرى وتقول: ان أجدادنا كانوا قد اختبروا رغد العيش، والحياة الفارهة، ومن مظاهر الترف أن كانوا يرمون بالأموال في الأفراح تحت الأقدام وعلى أجساد الفتيات..! إن بعض ما نراه تافهاً، قد يكون عند الله عظيماً، وقد تكون تلك العادات ذات الصفات الجاهلية، تقف كالحائل بيننا وبين أن يصل الدعاء إلى السماء، فسخط الخالق تصحبه نقمة عظيمة وضنك مُقيت، حينها نُحرم الرزق والصحة والعافية والغيث وما خطر على قلب بشر.. رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا، رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا"

690

| 24 فبراير 2012

الاندماج الروحي

نعم.. وبقوة أؤمن بما يسمى بالاندماج الروحي، ذلك الشعور النادر الحدوث، الغريب الأصل، المؤكد الوقوع، وقد زاد إيماني به بعد قراءتي لكتاب (الروح) لابن القيم الجوزية. لعلّي أعرّف (الاندماج الروحي) ومن وجهة نظر خاصة أنه نوع من الائتلاف العميق يحدث بين روحين منفصلتين، ذواتي كيانين مختلفين، دون أي تواصل أو اتصال، فيشعر أحدهما بالآخر، رغم مسافاتٍ تحول دونهما، وظروفٍ تُعيق تواصلهما، شعورٌ خارق فوق العادة، نجم عن التحامٍ بين روحين تسكنان جسدين منفصلين.. و نتيجةٍ لذلك الالتحام، تكوّن جسر من أصلٍ لا ملموس، يصل بينهما، فينقل عامة الحدث كان طيباً أو خلاف ذلك، عن طريق العاطفة أو شعور القلب، أو الحواس الخمس.. و لكن..! لعلّ جل تفكيري ينصب في سؤالي الملح عن ذاتي، أن هل قام ذلك الاندماج أو الالتحام على قوة الشعور والإحساس..! أم أن المسألة هي مسألة تعوّد فقط..! أي إنني عشت مع شخصٍ قريب، كان أخاً أو أختاً أو زوجاً.. إلخ، فعرفت طبيعة يومه، وروتين حياته، فلي بطبيعة الحال أن أتنبأ بما سيفعله في كل وقتٍ من أوقات اليوم، لأنني اختبرت وقته وطبعه عن قرب. و لكنني أرجع وأتساءل، قد يُصيب التعوّد في ما لو كانت الأفعال يومية اعتاد عليها الطرف الآخر، ولكن ماذا في الأحداث ذات الصدف أو الفجأة..! لماذا أشعر إذن أنه وقد كُتم تنفسي، وانقبض قلبي، فيما لو أصاب عزيزاً مكروه، أو ما شابه ذلك، والعكس صحيح بالنسبة للكدر، إذ للفرح نصيبٌ من هكذا شعور خارق..! وعلى مختلف العلاقات، كانت ذات رابطة دمٍ أو غيرها، فإن شعوراً كهذا يحدث للبشر.. من ارتبط منهم برابطٍ عميق ومُخلص وصادق، حيث كان يُقال في القدم: إن (الضلوع) هي التي تُخبر بذلك، فتنقل الخبر للقلب، بما حدث لعزيزٍ نأت به الظروف، فاختلفت الدروب، ولكن بَقيَ شعورٌ ملحٌ لا يَخمدٌ أبداً.. هو إحساس غريب بلا شك، أكبر من أن يُصَب في قالبٍِ من حروفٍ وكلمات، حيث إنه صعب الوصف، عسير التصوير، ومن المؤكد أنه قد حصل للبعض واختبره ففهمه وأدركه، وقد يكون أنه لم يحدث للبعض فلم يُدركه ولم يفقهه.

7052

| 24 فبراير 2012

الوصوليون

ماذا لو حدث واكتشفت في يومٍ ما، أن سذاجتك قد حوّلتك إلى جسرٍ للعبور، حيث إنك كنت حلقة وصلٍ بين شخص انتهازي يُعاني من عقدة الظهور، وآخر (غاية) ظاهر، ثم تكتشف أيضاً أنك أنت لا تعني له شيئاً بقدرِ ما تعني له غايته الشيء العظيم.. حالة بشعة رأيتها للأسف في إحدى علاقاتي المقربة السابقة، ولعلّ أعظم ما آلمني هو توقيت الاكتشاف، وليس الاكتشاف بحد ذاته، فالدهر الذي مضى في استغفالي إلى الوصول إلى الهدف المنشود هو الصدمة عينها. كنتُ أتساءل في ذهول..!؟ هل يوجد على وجه الأرض بشر على تلك الشاكلة.. أيتلوّن الإنسان عشرات الألوان، ويلتوي في مئات الطرق الملتوية ليصل إلى هدفٍ معين، علاقة مثلاً..!؟ أَتهان العلاقات الإنسانية، إلى هذا الحد.!؟ أللعلاقات سوقٌ سوداء، فيه تُباع وتُستبدل الصداقات..!؟ حتى وإن كانت المستبدلة غير مضمونة..!؟ لعلّ ما يقصم ظهر صدمتي هو التصرفات غير اللائقة من شخص كان مقربا ، كالتذلل غير المقبول، والالتصاق الدائم..!؟ ألا يخشى (الوصولي) أن يُنبذ من (غايته) من شدة التذلل، ومن شدة خفض جناح الذل من المهانة، فقط في سبيل الإرضاء..!؟ ألا يخشى (الوصولي) أن يُطرد من بلاط (الغاية) من شدة الالتصاق الدائم، والملازمة المتواصلة جل الوقت..! ثم ألا يخشى نظرة الناس له وهو في ذلك الوضع من اللاكرامة وانعدام عزة النفس، أليس للبشر أعين قد يسقط منها سقوطاً عنيفاً حيث هاوية الهوان.. أم أنها خطط مدروسة، وخطواتٍ محكمة، لكي يصلوا بعد ذلك إلى الغاية الأكبر فالأكبر وهكذا، إذاً كل البشر جسور للعبور في أعينهم..! فأين العلاقة الصادقة إذاً..!؟ أين تتجلى الإنسانية الحقة..!؟ في أي زاوية نرى المبادئ.؟ وتحت أي معطفٍ دسّت، ليخرج لنا مبدأ واحد لا غير (الغاية تبرر الوسيلة ).. إذاً، هو المبدأ الوحيد الذي يؤمنون به بعمق، ويعتنقونه بإخلاص، أما مبادئ الحياة الأخرى فهي مبادئ غير ثابتة، لأنها ببساطةٍ تتغيّر بتغيّر (الغاية) ليضمنوا بذلك الرضا، وعدم التزحزح عن خط سير الغايات.. إن الليالي حُبالى والدهر قلّب، هكذا أؤمن وأتيقن، ولأنني أسير في مسيرة الحياة، فقد وُجب علي إذن أن أستقي من دروسها، وأتعلّم من صفعاتها، ولابد لي من السقوط، والنهوض ثانيةً، وها أنا أنهض، وأعلّق على جدار خبراتي الحياتية، شهادةً أتجرعها ولا أكاد أستسيغها، شهادة تعامل مع (الوصوليين )..

896

| 24 فبراير 2012

يا سِعد من سمى حمد حامي الدار

يقول الشاعر حمود التميمي: ??ما أغلى من الماء في كفوف الظامي ??إلا (قطـــر) للي دعاها يمّه ??تثاقلت خطوات الحروف الأبجدية، يدفع أحدها الآخر على استحياء، متيّقنةً أنها سيُثقل كاهلها، وستُهلك أمها اللغة في استقاء الوصف، فالتيار الذي يُجبرها على ذلك عاتٍ عظيم، لا يُبقي من هجائيتها ولا يذر.. ??فأي أبجدية تستوعب مشاعر تُصب في قطر، وأي وصفٍ قادر أن يصف حب الوطن، خاصةً أن الوطن هو درّة الأوطان، وعروس في أجمل حللها، وأي نعتٍ وصفةٍ تصف افتخارنا بأميرنا، واعتزازنا بحكمته، ففي حين وصف، تتخاصم الروح مع اللسان في التعبير، ليخرّ الجسد ساجداً سجود شكر للمنان.. ??إنني عندما أتحدث عن قطر، فإنني أتحدث بفخر المنتمي لوطنٍ عظيم، إذ هو شعور حقيقي لا يحتمل أية مبالغة، فهي قطر الماضي والحاضر والمستقبل، سماؤها غالية وإن شحت وأرضها عزيزة وإن قحلت، وهواؤها عليل وإن جف، يكفي أنها (قطر)، إنني دائماً ما أقول إن المدن كالبشر، تتشابه في تقاسيمها، ولكن وطني لا يشبه وطناً البتة، كل الأوطان تتساوى في حضرة وطني فلا وطن يشبه وطني.. ??قطر جنة من يسكنها، بتطورها، بنهضتها، بجمالها، بزينتها، بتعليمها، بمعيشتها.. ??قطر هي الحلم المؤكد الحدوث، والحقيقة التي لا ينبغي أن تكون خيالاً، فأنّى يكون الوطن (قطر )، والقائد (حمد).. ??(أبي حمد) ومن أي منطلق أتحدث عن أميرٍ يعشق شعبه، فعشقه فقدّره، فهل أتكلم هنا عن (الأمير الإنسان) أم أترك الحديث للعالم الذي شهد وقفاته الدولية، وإنسانيته اللامتناهية، وحنكته المحكّمة..! ??(أبي حمد) ومن أي منطلقٍ أتحدث عن قائدٍ أعطى أرضه من برّه، فأعطته الأمن والرضا، فتلألأت درة تُرى من على بُعد المجرات والكواكب، كوكباً درياً تصدح حباً ووفاءً وولاءً.. ??(أبي حمد) ومن أي منطلقٍ أتحدث عن والدٍ ينحني على الصغير فيقبّله، ويستمع للمسنّ ويقدّره، فسكن في صدر الشعب أطفالاً وشباباً ومسنين، أعطى فأغنى، فبتنا نفتخر بقطرنا وحمدنا.. ??ففي أي وطنٍ يجتمع الشعب بقائده في مكانٍ عام..! ??في أي قاموس للبساطة تقف في معرض الكتاب لتشتري كتاباً، فتلتفت يمنة، فإذا بالأمير وحرمه يقفان ينتقيان كتباً، لا يفصل بينكما إلا خطوات قليلة، من دون أية تعقيدات أو اغلاق للمدن والعواصم.. ??في أي وطن تصر امرأة عظيمة على أن يكون الشعب شعباً بعلمٍ غزير، وثقافة وافرة، فكان أن حملت لواء العلم والمعرفة، وافتتحت الجامعات العالمية، ليقترن اسمها بالتعليم وتطوره، ليُصبح اسم الشيخة موزا بنت ناصر، يعني لنا حب العلم والتعلّم، والبحث المستمر في بحر الثقافة والمعرفة.. ??ثم هل يَسع الحروف أن تتحدث عن النهضة بجميع مجالاتها في وطني، وطن الرياضة، وطن الصحة، وطن التطور، وطن التعليم، وطن المواطن.. ??تتزاحم المشاعر في صدري، وتشح الأبجدية بحروفها علي، أنا المتهمة الأولى بالشعوبية والتعصب للأرض والتزمت الفكري للوطن، حينها، يستصعب علي وصف الوطن، والكتابة من أجله.. ??اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً.. ??اللهم واحفظ لنا القائد الوالد سمو الأمير، وولي عهده الأمين، وسمو الشيخة موزا بنت ناصر، وارزقهم عمراً مديداً، وصحة وعافية، رب وارفع من شأنهم ومكانتهم.. ??اللهم احفظ شعب قطر، وارفعه ديناً وخُلقاً وعلماً، ونهضةً وكرامة.. ??تعيش دوحة قطر ويعيش حاكم قطر.. ??دام الفخر صفحة التاريخ يقرأ بها.

676

| 24 فبراير 2012

أقرأ

يقول ديكارت: "أنا أفكر إذاً أنا موجود"، ولطالما رددت: (أنا أقرأ إذاً أنا موجودة، وكنتُ موجودة، وسأُوجَدُ في المستقبل". إن القراءة هي تاريخ الفكر وحاضره ومستقبله، بها نعيشُ ما مضى، ونتعايش مع ما يحدث، ونعلم ونتعلم عما سيأتي. أن يكون المرءُ قارئاً، فذلك يعني أنك محمول على مركبٍ يسيّرك فوق بحور المعارف، تخرج من بحرٍ لتدخل في آخرٍ وهكذا، وفي مجموعة الأفكار المطروحة في أوراق كتاب، قد تتراءى فكرة لم نعلم عنها من قبل، فنبتدئ في رحلة بحث تشعبت من قراءتنا الأولى. لا أُنكره أمراً، أنني وبعد الانتهاء من قراءة كل كتاب، أحدّث نفسي في ذهول "ما أجهلني لو لم أقرأ ذلك الكتاب! ما أضحل فكري لو لم أقرأ تلك الصفحات، كيف لقراراتي أن تأخذ مجرى خاطئاً، وكيف لأفكاري أن تنحصر في دائرةً ضيقة لو لم تنورها تلك القراءة..!) فلا أجد نفسي إلا وقد تشبثت بالكتب أكثر، وعشقتها بصورةٍ أعمق. هي المهارة التي توّسع آفاق الفكر، وتفتّح مداركه، هي التي تهذّب الأخلاق، وتجعل الحديث عذباً، والمنطق مقنعاً، وتهب مواهب أخرى كالكتابة مثلاً، فالعلاقة بين القراءة والكتابة، علاقة طردية، تزيد كلما زادت. إنني أؤمن بشدة، أن القراءات الالكترونية لا تُسمن ولا تُغني من جوع، ولا يمكن لها أن تحل محل قراءة الكتب، ففي عالم الانترنت والقراءات ذات الصفحات الالكترونية، لا يوجد هناك أسهل من التعديل، الذي قد يصبح تحريفاً في عالم الحروف والكلمات، أما الكتب، فهي الميراث الكنز الذي لا يقدّر بثمن، وكما قال توفيق الحكيم: ما من شيءٍ أقوى من الميراث، إذا كان للخلود يد فإن الميراث يده التي ينقل بها الكائنات، من زمانٍ إلى زمان). إن اللذة تكمن في أن يقع الكتاب بين اليدين، فتُعانق الأصابع صفحاته، وتقلّبها في فضولٍ ورغبة في الاستزادة، أن يبيت مع الفكر، ويستيقظ معه، فهو الصاحب القديم الذي حكوا لنا عنه مُنذ الأزل، هو الخل الوفي الذي يقع خارج دائرة المستحيلات، بمنأى عن العنقاء والغول. أمتنا هي أمة (اقرأ)، وأول كلمة نزل من كتابها الكريم هي (اقرأ). لذلك، فإن أمتنا تحتاج منا أن نقرأ، أن نتعلم، أن نتحدث بمنطلق المعرفة والثقافة، وأن يكون المرء منا مفوهاً محنكاً يعلم خفايا الأحاديث مُذ الوهلة الأولى لسماعها، وكذلك مجالسنا اليومية، فإن أسماعنا بأشد الحاجة أن تسمع من الحديث أعذبه، ومن العلم أنفعه، وذلك لن يحدث إلا بالانغماس في العلوم والمعارف، عن طريق أعمق البحور، وأجمل الدروب، والانتقال عبر الخيال وعلى متن الحروف والكلمات إلى عالمٍ آخر، قريبا كان أو بعيدا، خياليا أو واقعيا، هي القراءة بالتأكيد، فلننفذ أمر الله لسيد البشر على لسان جبريل عليه الصلاة والسلام: (أقرأ)..

320

| 24 فبراير 2012

حضور ما بين المعرضين

للتو كان قد انتهى معرض الكتاب، بأجوائه الأدبية العذبة، وفعالياته الثقافية الجميلة، كان كل شيء يدعو الصدور أن تثلج، وللأعين أن تقر، الكتب بشتى أنواعها، الجو العام للمعرض، الوجوه الثقافية المشهورة، حتى توجد كتب لم أكن لأجدها من قبل، التي لها قصة طويلة في رحلة بحث حثيثة، ككتب الروائي الفرنسي (ميشيل زيفاكو )، كل شيء مشرّف وزاه ومختلف إلا الحضور..! الحضور، كان هو خيبة الأمل الوحيدة، للمعرض وللكتب، ولي أيضا، فكل من زار المعرض أبصر أروقته الشبه خالية، وكتبه الحزينة، وأفراده المتبسمون بشيء من الكلل، يسلّون أنفسهم بالأحاديث تارة، وبالقراءةِ تارة أخرى. وانتهى المعرض، بمجموع زيارتي الأربع، بشعور عظيم في التقصير والندم، ونفس لم تطب بعد من اقتناء الكتب، ذلك الكنز الذي هو أعظم ما قد يقتنى ويورّث في الحياة. وما هي إلا مدة وقت قصيرة، حيث ابتدأ معرض آخر ، والقائم حاليا على أرض المعارض، والضد تماما لسابقه..! حقيقة أنا أجهل اسمه، ولكن فيه كل شيء، والذي لا تجد لرجلك موطئ قدم، والذي جمع البشر من كل حدب وصوب، باختصار معرض (زحمة يا دنيا زحمة )..! لعلّي لا أنتقد إقامة مثل تلك المعارض، بل ذلك دليل النجاح الذي تعيشه دولة قطر، ولكنني استغرب الإقبال اللامعقول والتزاحم المزعج فيه، على الرغم من أن معظم المحلات التي مررت بها، لها مكاتب وأفرع في قطر، ثم تباع البضاعة بأسعار مضاعفة فترة افتتاحه، لكن ما سر الازدحام والتدافع والضجيج والأمة التي تشعرك أن الأسواق ستختفي بعد أن يغلق هذا المعرض، ولعلّ خير دليل هو سطرا الانتظار لماكينتي السحب الآلي..! هو شعور مزعج أن تصنع المقارنة ما بين الحضورين، حينها ستشعر بكمية من الخيبة عظيمة تصب في ذهنك، وعشرات الأسئلة تدور في مداره..! أليس الكتاب هو الأبقى..! أليس العلم هو الأنفع..! أليست الثياب ودونها تبلى، في مدة هي أقل من سنة..! أليست الأواني تتكسر، في مدة هي أقل من أشهر..! أليس كل تلك الأشياء لديها عمرا افتراضيا فتنتهي، إلا الكتب، فإن جفّت صحفها، ففائدتها في النفس قد تشرّبت، وفي الخلقِ قد أثّرت، وفي اللسانِ قد تمكنّت..! هل فعلا، هي النخبةِ والنخبة فقط هي التي تقرأ..! والبقية خلقت لتشتري وتلبس وتقتني وتتباهى..! أو هو هوس الشراء فقط، حتى ولو كان بقصد التخزين، وليس الاستخدام، إذا فليخزنوا الكتب، فإن لم تقرأ، قد تأتي أجيالهم تقرأ.. فليشتروا كتبا، ويوّرثونها أحفادهم وأجيالهم، فهي الميراث الحق، والنفع الدائم، أما فيما عدا ذلك، فذلك غير قابل أن يوّرث، بل سيبلى، فيرمى.. اللهم علّمنا بما نفعتنا، وانفعنا بما علّمتنا.

368

| 24 فبراير 2012

بنات العرب

"بنات العرب"، عبارة لطالما تم ترديدها على مسمعي، كأسلوبٍ للتربية، وأنموذج يجب أن يُحتذى به، (عيب، بنات العرب لا يفعلن ذلك)، (عفية، فهكذا يفعلن بنات العرب).. وكبرت وأنا أرسم صورة ذهنية لبنات العرب، أنهن بناتٍ حييات، ذوات طباعٍ ملائكية، يختبئن عن أُهيل الحيّ حياءً وحشمة، ويمتثلن للصواب، ويبتعدن عن الخطأ. كنت أتخيلهن ملتزماتٍ بحجاب وملابس فضفاضةٍ ساترة، لا يتركن فرضاً، ولا يعصين الخالق، هن للمثالية أقرب من واقعية البشر، لذلك أمي تُريدني أن يُكن لي مثالاً وأنموذجاً في الطاعة والخُلق الطيب. تتوالى الأيام وأكبر، وأنا أتفقد (بنات العرب) في زوايا الحيّ، فلا أجد لهن وجودا، أكبر ولا يكبرن، هن كما وصفتهن أمي مُذ أنا طفلة، عمرهن لم يتقدم، طباعهن لم تشِن، لم تحدث لهن أية مواقف معنا نحن الفتيات، إذن هن يتعاملن مع من..!؟ من مجتمعهن.!؟ ومن مُحيطهن..!؟ بمن يختلطن ومع من يتحدثن..!؟ ولم لا تصلنا أخبارهن اليومية، فجلّ ما وصل إلينا أخبار وصلتنا مُذ كنا صغاراً، وما زالت تُردد علينا، وعلى الفتيات الأصغر سناً منا..!؟ وإذا كنّ بذلك القدر من الصلاح، فلماذا لم يتزوجن بعد، أليس فتياتٍ مثلهن، حقيقٌ بهن أن يكن مُربياتٍ للأجيال..!؟ وتعاظمت الاستفهامات في ذهني، إلى أن وصلت إلى حقيقة مُفجعة، أن ذلك البضع من الفتيات، ليس لهن وجود أساساً، بل كن شخصياتٍ خيالية، تم رسمهن كمثل أعلى للاقتداء، فارتعت من اللاوجود الذي لطالما آمنت بوجوده.. في ذلك الوقت الصعب، ظهرت لي حقيقة موجودة، كسرت أبعاد الخيال القديم، فتلاشى ألم الوهم، وجزع الصورة الذهنية المُتكسرة، التي اختفت أشلاؤها في كبد زمن.. هي امرأة اختصرت النساء، عرباً وعجماً، كانت هي الأنموذج الممتثل أمامي طوال السنين، التي مضت، ولأنها الراوي فصعُب عليّ كطفلة، الربط بينها وبين ما ترويه.. (أمي) هي المثالية الأبعد عن واقعية البشر، ولا أظن أن ابنةً مثلي، لديها أم كأمي، ولا تراها في قالب المثالية، هي الموجود الذي أُبصره ويُبصره أُهيل الحي، هي المدرسة التي لا تُغلق أبوابها أبداً، والمعلّم الذي كاد أن يكون رسولا هي مدارات من الطهر، وأفلاك من الطيبة، وكونٌ من الإنسانية الحقّة، هي الجنتين، جنة الدنيا والآخرة. (أمي) هي الخير المُطلق، والفضل السابغ، هي حبيبة الضاد وسبب حبنا العميق لتلك اللغة.. طفلةٌ أنا، عندما كانت تضع بين يدي كتاباً حين نوم، فانطلقت للحياة أهوى القراءة. طفلةٌ أنا، عندما كانت تضع في يمناي قلماً حين ضيق، ففتحت لي باباً مُغلقاً فإذا به عالم الكتابة، فانطلقت أكتب، وأكتب، وأكتب، ليُطلق علي بعدئذٍ (كاتبة).. للتو استوعبت، أن (عظيمة كوني) كانت تستخدم ذلك الموروث اللفظي، الذي أرادت به تعليمي، حكمةً وحنكة وفطنة، فهي لم تجعل من ذاتها المثل الأعلى، على الرغم من أنها تختزل جميع تلك الصفات، ولكنها استخدمت خيالاً متوارياً عن الأنظار، لا ينبغي له أن يُرى لانعدامه أصلاً، فما بين المنافسة والفضول كنا نرتقي خُلقاً وأدباً.. هكذا أرادتنا، بشراً أقل قصوراً، وأخف تقصيراً، بشراً نواجه الحياة بكميات كافية من الخلق والدين والعلم، نسير في دروبها بخطىً واثقة، وعزيمةٍ جبارة، وزادٍ كافٍ يوّصلنا إلى الدار الآخرة، بسلامٍ وأمن.. أعتذر يا أمي لو تقزمت العبارات، وتضاءلت الحروف والكلمات، فمقام كمقامكِ يُعجز اللغة في الوصف والتعبير، ولكن كل ما أستطيع قوله، بلغةٍ بسيطة عميقة: (أحبج يمه، وعسى يومي قبل يومج)..

1241

| 24 فبراير 2012

alsharq
رواتب لربات البيوت

في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات...

1410

| 18 مايو 2026

alsharq
طافك رمضان؟ تفضل

في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من...

1122

| 19 مايو 2026

alsharq
مراسيل التوش

تابعت عبر تطبيق (تابع QMC) التابع للمؤسسة القطرية...

963

| 16 مايو 2026

alsharq
العلاقات التركية - الجزائرية من الماضي إلى الحاضر

تستند العلاقات بين تركيا والجزائر إلى روابط تاريخية...

735

| 17 مايو 2026

alsharq
قطر في قلب اتفاق تجاري خليجي بريطاني جديد

أبرمت المملكة المتحدة هذا الأسبوع مع دولة قطر...

600

| 20 مايو 2026

alsharq
قطر تعزز الشراكات الدولية

تأتي مشاركة معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن...

561

| 17 مايو 2026

alsharq
الصحة والفراغ.. ثروات متاحة

خير استفتاح واستدلال لهذا المقال هو الحديث الشريف...

558

| 18 مايو 2026

alsharq
توطين الصناعة من قيود الممرات

قد تكون الجغرافيا قدرًا ثابتًا، خاصةً لدول تكتسب...

549

| 17 مايو 2026

alsharq
"الدوحة للكتاب".. منارة لا تنطفئ

يتجاوز معرض الدوحة للكتاب حدود الفعل الثقافي التقليدي،...

528

| 19 مايو 2026

alsharq
«وسائل التواصل الاجتماعي» مصطلح غير بريء

منذ بدايات انتشار الإنترنت في العالم العربي، استُخدمت...

525

| 18 مايو 2026

alsharq
"الأمراض الإدارية" والانهيار الصامت

في قلب الدوحة الآن، حيث يبرز معرض الدوحة...

516

| 19 مايو 2026

alsharq
ببغاوات الثقافة

هناك إشكالية واضحة لدى بعض مثقفي العرب في...

513

| 16 مايو 2026

أخبار محلية