رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

المسرح السياسي وديكور التعليم

من يراقب المشهد السياسي اليوم يظن أنه أمام مسرحية تعرض بلا انقطاع، تتغير فيها الأدوار والسيناريوهات بسرعة بينما يبقى الديكور - التعليم - ثابتاً كأنه حجر لا يتزحزح. لكن تبقى حقيقة أن التعليم ليس ديكورا بل صناعة بحد ذاته. صناعة فكر، صناعة قناعات، وصناعة مهارات، بل صناعة مستقبل كامل. فهل وعى المسؤولون أن التعليم يُدار كصناعة إستراتيجية، أم ما زالوا يتعاملون معه كأنّه مطبعة كتب وشهادات اجتياز؟ صناعة التعليم الغائبة التعليم يفترض أن يكون مصنعًا للعقول، مختبرًا للقادة، ومسرحًا للتفكير النقدي. لكنه غالبًا يُختزل إلى دروس جامدة، جغرافيا بلا سياق سياسي، تاريخ يتوقف عند معركة كأن العالم بعدها تجمّد. وما هي النتيجة؟ (صناعة متوقفة لا تُنتج سوى شهادات) في وقت يتطلب العالم صناعةً للوعي، وصناعةً للمواطنة، وصناعةً للقدرة على اتخاذ القرار. (التعليم إن لم يُفهم كعملية إنتاج متكاملة سيظل يكرر نفسه بلا أثر حقيقي). هل فكَّر صنّاع القرار في التعليم؟ ربما… لكن التفكير ظلّ محصورًا في «إنتاج الكتاب» لا في «إنتاج الإنسان». بينما المطلوب هو تحويل التعليم إلى صناعة شاملة تُنتج عقلًا محللًا للأحداث، متفهمًا للمصالح، وصاحب موقف واعٍ. الطالب يجب أن يتخرج وهو يعرف أن السياسة ليست نشرات أخبار، بل مسرح يشارك فيه بقوة عقله ومهاراته. أما أن نظل نحشو المناهج بحقائق جامدة، فهذا يعني أننا نصنع جمهورًا صامتًا ينتمي (لتشارلي تشابلين) لا قادة فاعلين. المسرح السياسي لا ينتظر السياسة تتحرك بسرعة الضوء، تحالفات تنهار، اقتصادات تهتز، وحروب تُشعل العالم في ساعات. التعليم هنا إذا لم يُدار كصناعة ديناميكية سيبقى ينتج «خريجين بلا أدوات»، مجرد جمهور يصفق لأي مشهد هابط. صناعة التعليم تعني أن نصنع عقلًا يقظًا، قادرًا على النقد، وإعادة التوجيه، والابتكار. إنها ليست مجرد صناعة كتب، بل صناعة أدوات لفهم العالم، وصناعة وعي يحصّن الأجيال ضد التضليل. دروس من تجارب عالمية - رواندا: بعد الإبادة حوّلت التعليم إلى صناعة للمصالحة الوطنية وبناء السلام، فنجحت في إعادة الثقة بين مكونات المجتمع. - ألمانيا: جعلت التعليم مصنعًا للديمقراطية بعد أن كان مصنعًا للدعاية النازية، فبنت جيلًا لا يكرر أخطاء الماضي. - تونس: أدخلت صناعة الوعي المدني والحريات العامة في التعليم بعد الثورة، مما فتح الباب أمام جيل يناقش ويشارك بدل أن يكتفي بالصمت. مقترحات وحلول 1. إدراج مادة «صناعة الأزمات وإدارتها»: بدلًا من تلقين الطالب قصائد عن الطيور، تمنحه أدوات لمواجهة العواصف السياسية. 2. مختبرات محاكاة سياسية في المدارس: صناعة قادة الغد تبدأ من صناعة مشاهد تجريبية تُدرّب الطالب على اتخاذ موقف. 3. ربط العلوم بالسياسة: الكيمياء تصنع التفاعلات، والسياسة تصنع التحالفات. فلماذا لا نصنع عقلًا يقرأ الاثنين معًا ويفهم المعادلات المخفية؟ 4. تأهيل المعلمين كصنّاع وعي: كيف يُنتج المصنع جودة إن لم يكن المهندس مدرَّبًا؟ المعلم هنا هو المهندس الحقيقي لخط الإنتاج العقلي. كلمة أخيرة صناعة التعليم هي أعقد الصناعات وأخطرها. فهي لا تقتصر على صناعة الفكر، بل تمتد إلى صناعة القيم، وصناعة القناعات، وصناعة المهارات. أما ترك التعليم مجرد تكرار، فهو كإعادة عرض مسرحية قديمة على جمهور غادر القاعة منذ زمن. والسؤال: هل نريد أن نكون متفرجين في مسرح السياسة، أم صُنّاعًا لوعي جديد قادر على إعادة كتابة السيناريو وإخراج عرض يليق بمستقبلنا؟

981

| 18 سبتمبر 2025

في خاصرتي خنجر.. الأمة التي تقرأ جراحها لا تهزم

خنجر في الخاصرة قد لا يبقيك مستقيما لكنه ليس موتًا محتومًا. الطعنة قد تُنهك الجسد، لكنها تُوقظ الوعي. وبين الألم والصمت، يظل التعليم هو السلاح الأصدق يعلّمنا كيف نحول الخنجر إلى درس، والنزيف إلى ميلاد جديد. وحين نتعلم ذلك، سنستطيع أن نكتب تاريخًا لا يُختزل في طعنة، بل في كيفية النهوض بعدها، حتى لو جعلتنا الطعنة لحظةً لا نستطيع أن نستقيم ولا أن ننحني. الطعنة ليست مجرد نزيف جسدي، بل نزيف قيمي، يعكس خيانة الثقة وارتباك المصالح، ويمتد أثره إلى الوعي الجمعي، حيث يتحول الألم الفردي إلى جرح اجتماعي، لا يُعالج إلا ببناء عقول قادرة على فهمه وتجاوزه. ما ردور الأفعال المحتملة بعد طعنة الخاصرة؟ 1. الانكسار والصمت: حين يختار المجتمع الصمت بعد الطعنة، فإنه يتعوّد على الخوف، ويورّثه للأجيال. يصبح الاستسلام عادة، وتتحول الكرامة إلى ذكرى. • انعكاس اجتماعي: مجتمع صامت يولّد أجيالًا مستكينة، ترى في الخضوع نجاة. • المعالجة بالتعليم: غرس قيم الشجاعة الفكرية، وتعليم الطلاب منذ الصغر أن التعبير عن الرأي ليس جريمة، بل حق وواجب. 2 - الانتفاض والثأر. ردّ الفعل الغاضب قد يحوّل الألم إلى شرارة مقاومة، لكنه قد يفتح أبواب العنف. الثورة بلا وعي تُنتج فوضى، لا حرية. • انعكاس اجتماعي: مجتمعات تعيش على وقع الثأر تفقد استقرارها، وتُدخل أبناءها في دوامة عنف متجددة. • المعالجة بالتعليم: تعليم فنون إدارة الأزمات، وتعزيز ثقافة الحوار والمقاومة السلمية، ليُوجَّه الغضب إلى بناء لا إلى هدم. 3. التفاوض والمرونة الطعنات قد تكون رسائل سياسية. المرونة والتفاوض خيارٌ يُنقذ ما تبقى، لكنه قد يُفسَّر ضعفًا أو خضوعًا. • انعكاس اجتماعي: مجتمعٌ يتبنى ثقافة المساومة قد ينقسم بين من يرى فيها حكمة ومن يراها تنازلًا. • المعالجة بالتعليم: إدخال مناهج تُدرّس فنون التفاوض والوساطة، حتى ينشأ جيل يوازن بين صلابة المبادئ ومرونة المصالح. 4. التحالفات الجديدة كل خنجر قد يدفع إلى إعادة الحسابات، والبحث عن حلفاء جدد. لكنه خيار محفوف بالمخاطر، لأنه يبدّل خريطة الولاءات. • انعكاس اجتماعي: قد يعيد الأمل لفئة، لكنه قد يزرع الشك والانقسام في فئة أخرى. • المعالجة بالتعليم: تعليم التاريخ والسياسة بنَفَس نقدي، حتى يفهم الطلاب أن التحالفات ليست أبدية، بل مصالح متحركة يجب التعامل معها بوعي. 5. التجاهل والمكابرة أخطر الخيارات هو الادعاء أن الطعنة سطحية. المكابرة هنا نزيف صامت، يُهلك من الداخل بلا ضجيج. • انعكاس اجتماعي: يولّد مجتمعًا يهرب من مواجهة الحقائق، ويغرق في إنكار الواقع. • المعالجة بالتعليم: إدخال قيم النقد الذاتي والشفافية، وتربية جيل يتعامل مع الأرقام والوقائع لا مع الأوهام. 6. الاستبصار والتحول أرقى الردود أن تتحول الطعنة إلى درس. فكل خنجر في خاصرة الأمة قد يكون بداية نهضة، إذا استُثمر الألم في التغيير. • انعكاس اجتماعي: مجتمع أقوى، يحوّل الجرح إلى مشروع بناء. • المعالجة بالتعليم: تعزيز التفكير النقدي والإبداعي، ليُصبح الألم مصدر قوة، والصمت فضاءً لإعادة صياغة المستقبل. وأنا أقول.. الأمة التي تقرأ جراحها لا تُهزم مهما تكررت الطعنات. وحده التعليم يحوّل الخنجر إلى درس، والصمت إلى صوتٍ أعلى.

1764

| 15 سبتمبر 2025

إذا اهتزت الدوحة.. من يهتز أولاً ؟

ماذا لو اهتزت الدوحة؟ ماذا لو تحوّل الأمان إلى صدمة؟ (تخيل) أن (جهة ما) استهدفت مقرًا سكنيًا لحركة (ما) في قلب العاصمة، بلا سابق إنذار.الضربة لا تهز مبنى وحسب، بل تهز النفوس، والمجتمع، والتعليم، والجامعات… وحتى صورة المستقبل. هنا السؤال الذي يفرض نفسه؟ إذا اهتزت الدوحة.... من يهتز أولاً ؟ اهتزاز المجتمع… بين الصدمة والصلابة: المجتمع بكامله يدخل في اختبار جماعي عند الأزمات. يولد القلق، ويضعف الإحساس بالأمان، لكن في الوقت نفسه تتكشف فرص لصناعة الصلابة المجتمعية. هذه الصلابة تبدأ من وعي المواطن، وتنمو عبر التعليم وتترسخ عبر ثقافة المسؤولية المشتركة بين الدولة والأفراد. اهتزاز الأمن النفسي… الشرخ الخفي: الأمن النفسي هو الركيزة الأولى لأي مجتمع مستقر. فإذا تصدّع هذا الركن، انهارت معه القدرة على التفكير المتوازن، واتسعت دوائر الخوف والارتباك. الأزمات لا تقتل بالجراح المباشرة وحدها، بل بما تزرعه في النفوس من قلق وشعور بالعجز. أما آن الأوان أن يُنظر إلى الأمن النفسي كأولوية وطنية لا تقل عن الأمن العسكري أو الاقتصادي؟ إنه صمام الأمان الذي يحدد قدرة المجتمع على الصمود أمام أي صدمة، وهو الخط الفاصل بين مجتمع ينهار عند أول اهتزاز، ومجتمع يُعيد ترتيب نفسه ليقف أكثر قوة. الأزمات تكشف هشاشة أو قوة المناهج. التعليم لم يعد مجرد رياضيات وعلوم، بل مهارات حياة، كيف يتعامل الطالب مع الخوف؟ كيف يحافظ على اتزانه النفسي وسط الصدمات؟ وكيف يتحول من ضحية محتملة إلى جزء من الحل؟ المطلوب أن تتحول المناهج إلى منصات لتعليم مهارات التكيف والوعي الأمني. الجامعات القطرية مطالبة بتطوير برامج أكاديمية في الأمن وإدارة الكوارث، وإنشاء مراكز بحث تدرس انعكاسات الأزمات على المجتمع والنفس البشرية. لم تعد الجامعة مجرد منارة للعلم، بل أصبحت درع وعي يحمي المجتمع ويُسهم في استقراره. الاستقرار ليس معطى أبديًا، بل بناء يومي يتطلب وعيًا، تعليما، وتأهيلاً نفسيًا وأمنيًا. هذه الصدمة الافتراضية قد تتحول إلى فرصة وطنية لإعادة التأسيس، مناهج أعمق، جامعات أقوى، وأكاديميات أمنية تندمج في صميم العملية التعليمية. لماذا تؤجل دراسة العلوم السياسية حتى تُطرح كتخصص جامعي، وكأنها شأن خاص بالنخبة أو الباحثين. الوعي السياسي في جوهره وعي وطني، يبدأ من المراحل الدراسية الأولى، مثلما يدرس الطالب الجغرافيا أو التاريخ. إدراج مبادئ العلوم السياسية في المناهج المبكرة يمنح الطلبة أدوات لفهم العالم من حولهم، يعزز انتماءهم الوطني، ويُنمّي لديهم القدرة على قراءة الأزمات والتعامل معها بوعي لا بردود فعل عاطفية. إنه استثمار طويل المدى في جيل يعرف كيف يحمي وطنه بالمعرفة، قبل أن يذود عنه بالفعل. فالدرس الأكبر أن الأزمات، مهما كانت قاسية، قد تُعيد صياغة المستقبل على أسس أصلب وأعمق.إن الرسالة ليست مجرد تحذير افتراضي، بل نداء وطني. أما آن الأوان أن نُعيد صياغة حاضرنا لنضمن مستقبلنا؟ وفي قطر، حيث تحفل الساحة بقيادات واعية، قادرة على اتخاذ قرارات جوهرية، يظل الأمل كبيرًا بأن نُحوّل التحديات إلى فرص، وأن نصوغ من زمن التسارع تاريخًا جديدًا يليق بوطن لا يعرف التراجع.

2139

| 11 سبتمبر 2025

حوكمة التدريب.. و(القرعة ترعى)

حين نتحدث عن حوكمة التدريب، فإننا غالبًا نركّز على جانب الضبط والرقابة والمساءلة، وهي بلا شك ضرورية لحماية المهنة من العشوائية وضمان جودة المخرجات. غير أن الحوكمة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها قيدًا على المراكز التدريبية والمدربين، بل كعقدٍ متوازن يقوم على مبدأ الحقوق والواجبات معًا. أولا: مسؤولية مشتركة: الحوكمة في التدريب هي مسؤولية تشاركية بين ثلاثة أطراف: • الجهة المشرفة التي تضع المعايير وتضمن الجودة. • المراكز التدريبية التي تلتزم بالمعايير وتطبقها. • جهات العمل التي تعترف بالمخرجات وتعطيها وزناً في المسار المهني للموظف. وعندما يلتزم كل طرف بدوره، تتحقق المنفعة العامة ويصبح التدريب أداة حقيقية للتنمية المستدامة. ثانيا: تقنين اعتماد التدريب في القطاع الخاص من أبرز التحديات التي تواجه مهنة التدريب اليوم هو تعدد الجهات المحلية التي تمنح التراخيص دون توحيد المعايير. فنجد جهة تصدر تراخيص وتضم أنشطة بلا ضوابط مهنية واضحة تاركين (القرعة ترعى)، وأخرى تمنح رخصًا للمدربين مقابل رسوم سنوية دون متابعة، بينما المراكز التي تحت مظلة وزارة التعليم تخضع لمعايير أكثر صرامة وأعباء مالية بعشرات الآف، هذا التشتت يُربك المراكز التدريبية، ويقلل من مصداقية الشهادات أمام المتدربين وجهات العمل. ثالثا: اعتماد الشهادات رسميًا: إذا كانت الجهة التنظيمية، هي المسؤولة عن وضع معايير الحوكمة، فمن الطبيعي أن تكون الشهادات الصادرة عن المراكز مصدّقة وموثوقة من هذه الجهة. إن هذا الاعتماد الرسمي لا يرفع فقط من مكانة المركز التدريبي، بل يمنح المتدرب قيمة مضافة ملموسة، تترجم إلى ثقة في مؤهلاته ومخرجات تعلمه. رابعا: امتيازات للمتدربين في مواقع عملهم: التدريب لا يكتمل أثره ما لم ينعكس على بيئة العمل. ومن هنا فإننا ندعو إلى أن تُمنح الشهادات المعتمدة وزنًا في التقييم الوظيفي، وفي فرص الترقي، بل وفي الحوافز المالية، بهذه الطريقة يصبح التدريب استثمارًا حقيقيًا يعود بالنفع المباشر على الموظف وجهة عمله، ويحوّل الحوكمة من مجرد ضبط شكلي إلى قيمة عملية. خامسا: حوافز للمراكز التدريبية المعتمدة: المراكز التي تلتزم بالحوكمة وتخضع لمعاييرها تستحق أن تتمتع بمكانة تنافسية متميزة. يمكن أن يكون ذلك عبر منحها أولوية في تنفيذ البرامج الوطنية، أو إعفائها من بعض التعقيدات البيروقراطية، أو إدراجها ضمن منصات رسمية للتعريف بالمراكز المؤهلة. إن هذه الحوافز تعزز التنافسية الإيجابية بين المراكز، وتشجعها على الاستثمار في الجودة بدل الاكتفاء بالكم. ولعل أحد الحلول يكمن في أن تُمارس أنشطة التدريب في القطاع الخاص تحت مظلة وطنية واحدة للحوكمة، تضع المعايير الموحّدة، وتضمن العدالة بين المراكز، وتبني ثقة راسخة لدى المتدربين والمؤسسات على حد سواء. فالحوكمة بلا مقابل هي نصف الطريق، كما أن الحقوق بلا واجبات تفقد معناها. الحل إذن هو بناء معادلة متكاملة.... التزام بالمعايير، يقابله اعتماد رسمي، وامتيازات عملية للمتدرب، والمركز على حد سواء. عندها فقط نصنع منظومة تدريبية متماسكة، قادرة على حماية المهنة، وتعزيز الثقة، والإسهام بفاعلية في تحقيق أهداف التنمية الوطنية.

4908

| 08 سبتمبر 2025

مدرب في حارة السقايين

في السنوات الأخيرة، غَصَّت الساحة التدريبية بأسماء وشعارات و»مدربين» يملأون الفضاء ضجيجًا أكثر مما يملأونه أثرًا والسؤال المؤلم: (هل ما زال المدرب هو من يقود منهجية التدريب، أم صارت المنهجية تقوده؟) لقد تحوّل التدريب عند بعضهم إلى مهنة بلا هوية؛ نسخة باهتة من دورات مقتبسة، عناوين رنانة، ومحتوى مكرّر يُساق من قاعة إلى أخرى دون تطوير أو إضافة، ( كعلكة تم مضغها ويعاد تغليفها) مدربون يبحثون عن الأضواء قبل أن يبحثوا عن الفائدة، وعن الشهادات الورقية قبل أن يسألوا (ماذا سأترك من أثر في عقل المتدرب)؟ الأدهى من ذلك، أن «سوق إعداد المدربين» صار يفرخ مئات ممن يظنون أن الحصول على دورة قصيرة – لا تتجاوز أحيانًا أيامًا معدودة – يجعلهم مؤهلين لحمل لقب «مدرّب» وما إن ينالوا الشهادة حتى يهرعوا إلى وسائل التواصل الاجتماعي ليعلنوا أنفسهم «معدّين»، ويبيعوا وهمًا جديدًا لمن بعدهم فتجد من لم يُجرّب التدريب يومًا، يعلن عن برامج لإعداد مدربين جدد! إنها دائرة مفرغة من التقليد، تُشبه إلى حدٍّ بعيد بيع الماء في (حارة السقّائين). لقد فقدت بعض القاعات هيبتها، وصارت أشبه بمسرح استعراض شخصي، حيث يتفنن البعض في الإلقاء أكثر مما يتقن جوهر التدريب، والأنكى أن هؤلاء لا يستندون إلى فلسفة واضحة أو رؤية متكاملة لا يعرفون شيئًا عن المنهجيات الحديثة مثل: • التعلم القائم على المشروعات (Project-Based Learning). • التدريب المدمج (Blended Training) • التعلم بالخبرة (Experiential Learning) كل ما يعرفونه هو إعادة تدوير شرائح «باوربوينت» مرّ عليها عقد من الزمن. في الدول المتقدمة، لا يُمنح المدرب صفة «مدرب محترف» إلا إذا امتلك سجلًا معرفيًا وتجربة عملية مدعومة بمشاريع حقيقية. ففي كندا مثلًا، لا يُعتمد المدرب المحترف إلا بعد اجتياز معايير صارمة، منها الساعات التدريبية الفعلية، والتقييم الدوري، والالتزام بأخلاقيات المهنة أما عندنا، فالمسألة – للأسف – صارت في بعض الأحيان مجرد رسوم تُدفع، وشهادة تُطبع، وصورة تُنشر على «إنستغرام»! فهل يمكن أن نسمي هذا تدريبًا؟ أم هو أقرب إلى وهمٍ جماعي تُسوّقه دورات عابرة بلا هوية؟ إن المدرب الحقيقي هو من يمسك بزمام المنهجية، لا من تنساق خطواته خلف موضة أو برنامج مستورد، هو من يبني هويته على رؤية، وفلسفته على علم، وممارسته على تراكم تجربة أما أولئك الذين يستبدلون «المعرفة» بالعروض الدعائية، و»المسؤولية» بالبحث عن الألقاب، فهم لا يصنعون تدريبًا، بل يساهمون في إفراغ المهنة من مضمونها. اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تحتاج الساحة التدريبية إلى غربلة، إلى إعادة الاعتبار لمنهجية التدريب بوصفها علمًا ورسالة، لا تجارة موسمية والسؤال الذي يجب أن يطرحه كل مدرب على نفسه قبل أن يقف أمام المتدربين: هل أنا أملك زمام المنهجية… أم أنني مجرد تابع في قافلة بلا هوية؟

1215

| 04 سبتمبر 2025

مدرّب الشنطة

في زمنٍ تتسارع فيه المتغيرات ويُعاد فيه تعريف المعرفة كل يوم، يطلّ علينا مشهد غريب في الساحة التدريبية وهو ظاهرة «مدرّب الشنطة» لم تعد مجرد انحراف فردي، بل تحوّلت إلى أزمة مهنية تهدد جوهر التدريب ومعناه. (مدرب الشنطة) هو ذلك الذي يظن أن دورة قصيرة في «إعداد المدربين» تكفي ليحمل لقب «خبير»، فيسارع إلى طباعة بطاقة عمل، ويفتتح حسابًا على وسائل التواصل، ويبدأ بجمع صورٍ على المنصات وإعادة تدوير المعلومات التي تلقاها معتقدا أن التدريب سلعة معلبة. والأدهى من ذلك، أننا نرى بعض الجهات الوطنية أو الجهات الرسمية تمنح الأفراد صلاحية وكأن المهنة مجرد رخصة قيادة يمكن شراؤها! هذا السلوك لا يُسيء إلى قيمة التدريب فقط، بل يشرعن دخول من لا يملكون هوية ولا خبرة إلى ساحة يفترض أن تُبنى على المعرفة والانضباط والرسالة. وهكذا يتحوّل التدريب – في بعض الأوساط – إلى تجارة مرخّصة، لا رسالة مسؤولة. وكما أننا نرى بعض الجهات المسؤولة عن التدريب ترخّص مدربين لمجرد وجود شهادة إعداد مدربين (TOT) ضمن سيرتهم الذاتية؛ وكأن هذه الورقة وحدها كافية لإثبات الكفاءة! هذا الخلل جعل الميدان يعجّ بمدربين لم يختبروا الممارسة العملية ولم يصيغوا يومًا محتوى، بينما يغيب أصحاب الخبرة الحقيقيون خلف بيروقراطية لا تعترف إلا بالورق. ففي بريطانيا مثلًا، لا يُمنح المدرب اعتمادًا مهنيًا إلا بعد إثبات قدرته على تصميم مناهج متكاملة، واختبار أدوات تقييم فعالة، وإثبات ممارسة فعلية في ميادين مختلفة. أما في كندا فإن المدرب يمر عبر تقييم دوري صارم يشمل أساليبه، وأثره على المتدربين ومقدار تحديثه لمعارفه. إن (مدرب الشنطة) لا يضر نفسه فقط، بل يسيء إلى سمعة المهنة بأكملها، فهو يربك المتدربين، ويفقدهم الثقة في قيمة التدريب. إن الهوية التدريبية ليست حقيبة تُشترى ولا شهادة تُعلّق على الجدار. الهوية هي فلسفة يتبناها المدرب، ورؤية يصوغها من خلال خبراته، ومسار طويل من التعلم المستمر. الهوية الحقيقية تعني أن المدرب يعرف أين يقف، وإلى أين يقود المتدربين، وكيف يُحدث الأثر في وعيهم وسلوكهم. اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، تحتاج الساحة التدريبية إلى صوت ناقد يصرخ في وجه هذه الظاهرة: كفى عبثًا بمهنة نبيلة! على المؤسسات أن تضع معايير صارمة لاختيار المدربين وعلى المتدربين أن يسألوا أنفسهم: من الذي نقف أمامه؟ هل هو مدربٌ بهويةٍ ورؤية، أم مجرد «حامل حقيبة» يتنقّل بلا أثر؟. إن أخطر ما قد يصيب التدريب ليس قلة البرامج، بل كثرة المدربين بلا هوية، هؤلاء يملأون المقاعد، لكنهم يفرغون العقول، ويظل السؤال مفتوحًا: هل نرضى بأن يقود مستقبلنا مدربون يبيعون الوهم في حقائبهم، أم نطالب بهويةٍ أصيلة تجعل التدريب جسرًا حقيقيًا للتغيير؟. (يتبع في المقال القادم )

1383

| 01 سبتمبر 2025

المرأة القطرية والتنمية المستدامة

لم يعد التدريب اليوم خيارًا تكميليًا أو نشاطًا ثانويًا في مسيرة التنمية، بل أصبح أداة استراتيجية تصنع الفارق بين مجتمع يتقدم بخطى واثقة. وفي قطر، حيث تسعى الاستراتيجية الوطنية الثالثة للتنمية إلى تعزيز رأس المال البشري كركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة، يتصدر تمكين المرأة عبر التدريب المتكامل، المهاري، الإداري، التكنولوجي، والتربوي، أولويات التحول الوطني. فالمرأة القطرية لم تعد مجرد متلقٍ للفرص، بل أصبحت شريكًا فاعلًا في صناعة المستقبل، تسهم من خلال التدريب في تحويل المعرفة إلى أثر، والطموح إلى إنجاز. التدريب المتكامل… مفتاح التمكين: التجارب العالمية أثبتت أن الاقتصادات الأكثر تنافسية هي التي تستثمر في بناء القدرات المتكاملة للنساء، ليس فقط عبر التدريب المهاري المرتبط بسوق العمل، وإنما أيضًا من خلال الدمج بين التدريب الإداري الذي يصنع القادة، والتدريب التكنولوجي الذي يواكب التحول الرقمي، والتدريب التربوي الذي يغرس قيم المواطنة والابتكار. حيث تؤكد الدراسات أن الاستثمار في التدريب التكاملي يرفع إنتاجية الاقتصادات بنسبة تتجاوز 12% سنويًا. المرأة القطرية والاستراتيجية الوطنية الثالثة: انطلقت الاستراتيجية الوطنية الثالثة للتنمية لتؤكد أن التنمية المستدامة لا يمكن أن تتحقق إلا عبر تمكين كل مكونات المجتمع، وفي مقدمتها المرأة وقد نصّت الاستراتيجية بوضوح على الدور الريادي للمرأة القطرية التي أثبتت قدرتها على تحويل التدريب إلى قوة ناعمة تخدم الاقتصاد الوطني ينسجم مع أهداف الاستراتيجية التي تضع المرأة القطرية شريكًا رئيسيًا في بناء اقتصاد متنوع قائم على المعرفة. مؤسسات التدريب في قطر… شراكة من أجل التمكين: عند الحديث عن التمكين تجدر الإشارة إلى الدور البارز للمؤسسات الوطنية المعنية بالتدريب مثل معهد الإدارة العامة الذي يسهم بشكل نوعي في إعداد القيادات النسائية وتعزيز الكفاءات عبر برامج متخصصة تلبي متطلبات الأجهزة الحكومية. مراكز الخدمات التعليمية بوزارة التربية التي وضعت بصمتها في دعم المرأة بما يضمن انتقال المعرفة إلى الأجيال القادمة. أما مراكز التدريب الخاصة، فقد شكلت رافدًا حيويًا للجهود الحكومية، معززة بذلك مفهوم الشراكة الاستراتيجية. هذا التكامل بين القطاعين الحكومي والخاص يترجم عمليًا الرؤية الوطنية نحو بناء منظومة تدريبية متكاملة قادرة على تمكين المرأة وإطلاق طاقاتها. نجاحات عالمية تلهم التجربة القطرية: تجربة فنلندا، حيث أدى الاستثمار في الدمج في التدريب الإداري والمهني التكنولوجي للنساء إلى رفع نسبة مشاركتهن في قطاع الابتكار بنسبة 30% خلال عقد واحد. وفي سنغافورة، كان الدمج بين التدريب المهاري وريادة الأعمال سببًا في تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني وتحويل النساء إلى محركات للنمو. من التدريب إلى التمكين: ومن المهارة إلى الريادة، تسير المرأة القطرية بخطى ثابتة لتصنع الفارق في مسيرة التنمية المستدامة. فالتمكين الحقيقي يتحقق عبر منظومة تدريبية متكاملة تجمع بين المهاري والإداري والتكنولوجي والتربوي في برامج متكاملة. ومع دعم مؤسسات الدولة، واستلهام التجارب العالمية، فإن المرأة القطرية تمضي كشريك أصيل في تحقيق النمو.

963

| 28 أغسطس 2025

هل أنا آيل للسقوط؟

حين أنظر حولي، سرعان ما أتوقف وأسأل نفسي: ماذا عني أنا؟ هل يمكن أن أكون جزءًا من مشكلة ما دون أن أشعر؟ هذه الأسئلة قد تبدو صادمة، لكنها ضرورية. أولاً: هل أحتكر القرار؟ هل أرفض أن أُشرك الآخرين في صناعة الرأي؟ هل أصر أن تكون الكلمة الأخيرة لي دائمًا؟ إذا كنت أفعل ذلك، فأنا أُغلق أبواب الإبداع وأحول من حولي إلى مجرد منفذين بلا فكر. ثانيًا: هل أسير الروتين بلا وعي؟ هل أجد نفسي أضيف أوراقًا وشروطًا لا معنى لها؟ هل أُرهق من حولي بالإجراءات فقط كي أشعر بأني مسيطر؟ إذا كان الجواب نعم، فأنا أمارس البيروقراطية القاتلة. ثالثًا: هل أقاوم التغيير؟ هل أخاف من الجديد لمجرد أنه جديد؟ هل أتمسك بالقديم لأنني أكثر إلماما به وبالتالي يبقيني في منطقة الراحة ؟ إذا كان الأمر كذلك، فأنا أختار الجمود بدل التطوير. رابعًا: هل أعيش بلا رؤية واضحة؟ هل أتخذ قراراتي كردة فعل فقط؟ هل أمضي في عملي اليومي بلا أهداف بعيدة المدى؟ هذا يعني أنني أدور في نفس الدائرة. خامسًا: هل أُقصي المبدعين؟ هل أتجاهل رأيًا جديدًا فقط لأنه يختلف معي؟ إذا كنت كذلك، فأنا أدفن الطاقات وأهدر فرصًا لا تعوض. سادسًا: هل أنا ضعيف في التواصل؟ هل أشرح قراراتي بوضوح لمن حولي؟ هل أستمع بصدق لآرائهم؟ إذا لم أفعل، فأنا أزرع الشكوك من دون أن أشعر. سابعًا: هل أُطفئ الحماس بدل أن أُشعله؟ هل أشكر من ينجز؟ هل أُحفز من يبدع؟ أم أنني لا أرى إلا الأخطاء وأمارس النقد بلا تشجيع؟ ألا يقتل هذا روح الفريق؟ ثامنًا: هل أفتقد الشفافية؟ هل أتخذ قراراتي في الظلام؟ هل أخفي النوايا عن الآخرين؟ إن غياب الشفافية يفتح أبواب الريبة ويهدم الثقة. تاسعًا: هل توقفت عن التعلم؟ هل أظن أن ما أعرفه يكفيني؟ هل أهمل تطوير نفسي؟ إذا كان الأمر كذلك، فأنا أحكم على نفسي بالتراجع والموت المهني. عاشرًا: هل أنا متمكن من التواصل مع الثقافات الأخرى؟ هل أستطيع أن أتفاعل مع أشخاص يختلفون عني في اللغة أو العادات أو طريقة التفكير؟ هل أتحلى بالمرونة والاحترام عند التعامل مع الآخر المختلف؟ إذا لم أكن قادرًا على ذلك، فأنني أعزل نفسي عن عالم مفتوح وأفقد فرص النمو. كل هذه الأسئلة وقفة صريحة مع النفس، فإذا وجدت نفسي في واحدة منها، فهذا يعني أن الخطر يقترب مني قبل غيري. السقوط ليس قدرًا محتومًا، لكنه نتيجة طبيعية للتهاون. الإصلاح يبدأ من الداخل، من عقل يجرؤ على المراجعة. فإذا صلحت العقول واستيقظ الوعي الفردي، ارتقت المجتمعات. والسؤال يبقى مفتوحًا: هل أنا آيل للسقوط… أم قادر على النهوض للتأثير في عالم متنوع؟

486

| 25 أغسطس 2025

لؤلؤة في الخاطر

في كل زمنٍ، يبرُز بيننا من يشبه (اللؤلؤة) في صفائها، ومن يبقى في (الخاطر) أثره، لأنه لا يمر مرورًا عابرًا، بل يترك بصمات مضيئة على مسار أمة بأكملها، اليوم نقف أمام قيادات أثبتت أن الإصرار على التغيير لا يعني مجرد تعديل في القوانين أو اللوائح، بل هو رسالة متجددة بأن التعليم هو العمود الفقري للتنمية المستدامة، وهو النبض الحقيقي لاستراتيجية وطنية تسعى لتأمين مستقبل يليق بقطر وأبنائها. لقد حملت القرارات الأخيرة الخاصة بتنظيم مواعيد الانصراف المبكر لطلبة الثانوية العامة، وما رافقها من تعديلات جوهرية في منظومة التعليم، رسالة واضحة مفادها أن مصلحة الطالب فوق كل اعتبار، لم تكن تلك القرارات مجرد إجراءات إدارية، بل كانت انعكاسًا لوعي عميق بأهمية الانضباط، وحرص على بناء جيل يعرف معنى الالتزام، ويستشعر قيمة كل لحظة يقضيها في قاعات العلم. إن تلك القرارات لم تتخذ بمعزل عن رؤية شاملة، بل جاءت متسقة مع الاستراتيجية الوطنية الثالثة للتنمية التي وضعت التعليم ركيزة أساسية لنهضة قطر، فقد نصّت هذه الاستراتيجية على أهمية رفع كفاءة المؤسسات التعليمية، وتحقيق التكامل بين المخرجات التعليمية واحتياجات سوق العمل، بحيث يتحول التعليم من مجرد مناهج نظرية إلى مشروع حياة يبني الإنسان، ويصنع منه مواطنًا قادرًا على الإبداع والمنافسة في عالم سريع التغير. ولعل أجمل ما يميز هذه القرارات هو شجاعتها، لأنها تستند إلى قناعة صادقة بأن كل دقيقة تعليمية هي استثمار في المستقبل. إن الانضباط الدراسي لا يصادر الحرية، بل يؤسس لثقافة المساءلة، ويعزز قيم المسؤولية التي تحتاجها المجتمعات المتقدمة. كما أن التعديلات الأخيرة لم تتوقف عند نقطة الانصراف المبكر، بل انسحبت إلى تطوير السياسات التعليمية بما يتماشى مع حاجات العصر من التركيز على التحول الرقمي، إلى إدماج أساليب تعلم حديثة، وصولًا إلى رفع كفاءة المعلم وتزويده بالأدوات التي تجعل منه شريكًا حقيقيًا في صناعة التغيير. كل ذلك يعكس بوضوح أن هذه (اللؤلؤة) اختارت أن تكون في قلب المجتمع، تحمل همه وتبحث عن الأفضل لأبنائه. إننا ونحن نكتب هذه الكلمات نكتبها كإقرار صادق بحقيقة نلمسها في الواقع، هناك عقول جعلتنا نطمئن على أن أبناءنا بين أيدٍ أمينة، حيث إن المدرسة ليست فقط مكانًا للتعليم، بل مختبرًا لصناعة المستقبل. لذلك تبقى تلك اللآلئ رمزًا لمرحلة جديدة من التميز التعليمي في قطر، ودرسًا في أن القيادة الواعية ليست مجرد ألقاب، بل مسؤولية تُترجم في القرارات، وتُقاس بمدى أثرها على حياة الناس. إنها بحق تضيء طريق التعليم، وتترك في (الخاطر) أثرًا خالدًا.

1128

| 21 أغسطس 2025

البنية التحتية غير المرئية للنمو

لا يخفى على أحد أن الأمم لا تنهض بالموارد الطبيعية وحدها، ولا بالمشاريع العمرانية الضخمة، بل بقيمة الإنسان وقدرته على التعلم والتطور. فالبنية التحتية الحقيقية لأي مجتمع متقدم تبدأ من بناء العقول وصقل المهارات، قبل أن تبدأ من تشييد الأبراج والطرق. وهنا يبرز التدريب باعتباره استثمارًا في رأس المال البشري، وهو الاستثمار الأكثر استدامة والأعلى عائدًا على المدى الطويل. فالمجتمعات التي تجعل التدريب جزءًا أصيلًا من سياساتها التنموية قادرة على مواجهة الأزمات، وصناعة فرص جديدة، وحجز مكانة تنافسية متقدمة على خريطة العالم. عندما نتحدث عن البنية التحتية للنمو الاقتصادي والاجتماعي، غالبًا ما يتبادر إلى الأذهان الطرق والجسور والمطارات وشبكات الاتصالات. غير أن هناك بنية تحتية أخرى، غير مرئية للعين لكنها حاسمة في صناعة المستقبل، ألا وهي التدريب. فالتدريب ليس نشاطًا تكميليًا أو خدمة مساندة، بل هو محرك استراتيجي يعزز القدرة التنافسية، ويمد الاقتصادات بطاقة متجددة، ويمكّن الأفراد والمؤسسات من التكيّف مع عالم سريع التغير. وتشير تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن الاستثمار في تنمية المهارات والتعلم المستمر يسهم في رفع إنتاجية الأفراد بنسبة تصل إلى 12% سنويًا، ويزيد من قدرة الاقتصادات على مواجهة التحولات التكنولوجية المتسارعة. كما تبرز المنظمة أن الدول التي تخصص أكثر من 1.5% من ناتجها المحلي الإجمالي للتدريب والتطوير تحقق معدلات نمو أعلى وأكثر استدامة مقارنة بغيرها. وفي دراسة صادرة عن OECD عام 2022، تبين أن المؤسسات التي تستثمر في التدريب بشكل منتظم تقل لديها معدلات دوران الموظفين بما نسبته 30% ما يعزز الاستقرار المؤسسي ويخفض تكاليف الاستقطاب والتوظيف. شواهد وأرقام تؤكد الأثر: •تقرير Skills Outlook 2023 أوضح أن الاستثمار في التدريب رفع معدلات التوظيف في بعض الاقتصادات الأوروبية بنسبة تتراوح بين 6 – 9% خلال خمس سنوات فقط. •كل دولار يُستثمر في التدريب يحقق مردودًا يقارب أربعة أضعافه عبر زيادة الإنتاجية والكفاءة التشغيلية. •على المستوى الفردي، تزيد احتمالات الترقي الوظيفي للمشاركين في برامج التدريب المستمرة بنسبة 24% مقارنة بغيرهم. هذه الأرقام تكشف أن التدريب ليس مجرد تكلفة، بل استثمار عالي العائد ينعكس على الفرد والمؤسسة والدولة. التدريب ركيزة للنمو المستدام: مع التحولات الكبرى كالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، لم يعد التدريب ترفًا أو خيارًا ثانويًا. فحتى أرقى البنى التحتية المادية لن تحقق أهدافها إذا لم تُدعَم بالإنسان القادر على تشغيلها وتطويرها. وهنا يصبح التدريب ركيزة للنمو المستدام، يربط بين التقنية والإنسان، وبين الطموح والإنجاز. خاتمة إن التدريب هو البنية التحتية غير المرئية التي يقوم عليها ازدهار المجتمعات وقوة الاقتصادات. إنه استثمار طويل الأمد تتضاعف عوائده بمرور الزمن، ويضمن أن تبقى المجتمعات قادرة على المنافسة والابتكار. وعليه، فإن إدماج التدريب كحق أساسي واستثمار وطني لم يعد خيارًا، بل التزام استراتيجي تجاه مستقبل أكثر إشراقًا.

447

| 18 أغسطس 2025

عولمة التدريب

جسر للتواصل بين الثقافات عبر السفارات والملحقيات الثقافية، مفهوم عولمة التدريب يعني أن تكون المعرفة والمهارات متاحة بلا حدود، وأن تنتقل الخبرات بين الشعوب بسلاسة، بما يسهم في تنمية القدرات البشرية على نطاق عالمي، ويعزز التفاهم بين الثقافات. إحدى أهم القنوات لتحقيق هذا الانفتاح تكمن في السفارات والملحقيات الثقافية، التي يمكن أن تتحول من مجرد منصات دبلوماسية إلى بوابات للتعاون التدريبي الدولي. فهذه الجهات تملك شبكة واسعة من العلاقات والموارد، وتمثل صلة الوصل الطبيعية بين المؤسسات التعليمية والتدريبية في الدول المختلفة، مما يجعلها شريكًا محوريًا في عولمة التدريب.من خلال هذا الدور، يمكن للسفارات والملحقيات الثقافية أن: 1. تنظم برامج تدريبية مشتركة بين المؤسسات في البلدين، تجمع متدربين ومدربين من خلفيات متعددة، مما يثري التجربة التعليمية ويعزز التبادل الثقافي. 2. تسهل إجراءات التعاون عبر تبسيط المتطلبات الإدارية والتأشيرات، بما يتيح للمدربين والمتدربين التنقل بسهولة لحضور البرامج الدولية. 3. توفر منصات للتواصل المستمر بين الجهات التدريبية، لضمان استدامة الشراكات وفاعليتها. 4. تعزز التفاهم الثقافي من خلال تضمين برامج التدريب وحدات تعريفية بثقافة البلد الآخر، لتقليل احتمالية حدوث صدامات أو سوء فهم التحديات التي تواجه التدريب في بيئات متعددة الثقافات غالبًا ما تتعلق باختلاف أنماط التواصل، وتباين التوقعات، وتعدد الممارسات الإدارية. وهنا يأتي دور التكامل بين السفارات والملحقيات الثقافية لمعالجة هذه التحديات قبل أن تتحول إلى عوائق. فعلى سبيل المثال، يمكن لهذه الجهات أن تهيئ المتدربين والمدربين على فهم خصوصية الثقافة المضيفة، وتشرح لهم أصول التعامل وأسلوب العمل المتبع، مما يختصر الوقت والجهد، ويزيد من نجاح البرنامج التدريبي. لقد أثبتت بعض التجارب الدولية أن عولمة التدريب تسهم بشكل مباشر في رفع مستوى الكفاءات، وتوسيع آفاق المشاركين، وإيجاد حلول مبتكرة للمشكلات المحلية من خلال الاطلاع على خبرات وتجارب دول أخرى. ففي دول مثل سنغافورة وكندا، أصبحت الملاحق الثقافية جزءًا من منظومة تطوير المهارات، عبر التنسيق المستمر مع مراكز التدريب وإيفاد المتخصصين لتنفيذ برامج في الخارج. فدولة قطر تسعى ضمن الاستراتيجية الوطنية للتنمية الثالثة (2030-2024) إلى تعزيز رأس المال البشري والانفتاح على أفضل الممارسات العالمية، فإن تفعيل دور السفارات والملحقيات الثقافية في عولمة التدريب سيضيف بعدًا جديدًا للتنمية. فالتدريب لم يعد رفاهية أو نشاطًا ثانويًا، بل أداة استراتيجية لصياغة المستقبل، وضمان قدرة الأجيال القادمة على المنافسة في بيئة عالمية متغيرة. إن الدعوة إلى عولمة التدريب ليست مجرد شعار، بل هي رؤية عملية تقوم على الشراكة الدولية، والتكامل المؤسسي، والاحترام المتبادل بين الثقافات. وعندما تتحول السفارات والملحقيات الثقافية إلى محركات نشطة لهذا التعاون، فإننا لا نحقق فقط نقل المعرفة، بل نبني جسورًا إنسانية تمتد أبعد من حدود السياسة والاقتصاد، لتصل إلى عمق التفاهم الإنساني. بهذه الرؤية، يمكننا أن نجعل من التدريب أداة حقيقية للتقارب العالمي، ومن عولمته مفتاحًا لحل التحديات المشتركة، وصناعة مستقبل أكثر وعيًا وتعاونًا بين الأمم.

189

| 17 أغسطس 2025

المدرب العالمي.. سفير المعرفة بين الثقافات

في عصر العولمة والانفتاح، لم يعد التدريب نشاطًا محليًا محدود النطاق، بل أصبح مهنة عابرة للحدود، تتجاوز الجغرافيا لتصل إلى قاعات التدريب في مختلف القارات. وفي قلب هذا التحول، يبرز المدرب العالمي بوصفه سفيرًا للمعرفة بين الثقافات، يجمع بين مهاراته المهنية وخبرته الإنسانية لنقل الأفكار والخبرات من سياق إلى آخر، مع مراعاة الفوارق الثقافية والاجتماعية التي تميز كل بيئة عمل. المدرب العالمي ليس مجرد ناقل لمحتوى تدريبي، بل هو جسر تواصل حيّ، قادر على تكييف أساليبه ومناهجه بما يتناسب مع خلفيات المتدربين، وعاداتهم، وأنماط تفكيرهم. هذه القدرة على التكيّف تمنحه ميزة فريدة في بناء الثقة، وتعزيز الفهم المتبادل، وتحقيق أقصى درجات التفاعل. التحديات التي يمكن أن يحلها المدرب العالمي: 1. تباين الخلفيات الثقافية: في فرق العمل متعددة الجنسيات، قد تؤدي الاختلافات في طرق التواصل، أو فهم الأدوار، أو أساليب العمل، إلى سوء فهم أو ضعف في الأداء. المدرب العالمي يستطيع تحويل هذه التباينات إلى مصدر قوة، من خلال غرس قيم الاحترام المتبادل، وبناء بيئة عمل منسجمة. 2. حاجز اللغة والمصطلحات: حتى مع وجود لغة مشتركة للتدريب، قد تختلف المصطلحات أو المفاهيم من ثقافة إلى أخرى. المدرب العالمي يمتلك القدرة على تبسيط المعاني وتوضيحها بما يناسب كل جمهور. 3. التباين في أساليب التعلم: ما ينجح في بيئة تعليمية غربية قد لا يكون مناسبًا في بيئة آسيوية أو عربية، والعكس صحيح. المدرب العالمي يعرف كيف يختار الأدوات والأساليب الأكثر فاعلية لكل ثقافة. 4. إدارة الصدمات الثقافية: عند دمج فرق من بيئات متباينة، قد تحدث صدمة ثقافية تقلل الإنتاجية. المدرب العالمي يسهم في التهيئة المسبقة، وتقديم استراتيجيات للتكيف السلس. 5. توحيد الرؤية في الشركات متعددة الفروع: حين تعمل مؤسسة في أكثر من بلد، تحتاج إلى مدرب قادر على توصيل نفس الرسالة التدريبية مع الحفاظ على ملاءمتها للبيئة المحلية. الأثر الذي يمكن أن يتركه المدرب العالمي: 1.تعزيز التفاهم الدولي: من خلال برامجه، يصبح المدرب العالمي حلقة وصل بين ثقافات مختلفة، مما يسهم في تقليل الفجوات الفكرية والمهنية. 2.رفع كفاءة المؤسسات متعددة الثقافات: عبر تحسين التواصل الداخلي وبناء فرق متماسكة، ترتفع الإنتاجية وتتراجع النزاعات. 3.تطوير مهارات القادة العالميين: إذ يهيئ القادة للعمل في بيئات متنوعة، ويدربهم على إدارة فرق متعددة الجنسيات بكفاءة. 4.نشر أفضل الممارسات عالميًا: المدرب العالمي ينقل التجارب الناجحة من بلد إلى آخر، مما يسرع من وتيرة التطوير. 5. إلهام التغيير الإيجابي: بفضل احتكاكه بثقافات متعددة، يقدم المدرب العالمي حلولًا مبتكرة تتجاوز التفكير التقليدي. إن المدرب العالمي ليس مجرد ممارس لمهنة التدريب، بل هو رسول للتنمية الإنسانية، يتخطى الحواجز ليبني جسورًا من المعرفة والاحترام المتبادل. وفي عالم تتقارب فيه المسافات يومًا بعد يوم، يصبح هذا الدور أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأنه يسهم في تشكيل بيئة عمل عالمية متفاهمة، وإطلاق طاقات الأفراد والمؤسسات نحو آفاق أرحب.

264

| 11 أغسطس 2025

alsharq
وثائق إبستين ووهْم التفوق الأخلاقي

عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب...

5682

| 08 فبراير 2026

alsharq
الشمال يتألق وأم صلال يتراجع

عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله...

2157

| 04 فبراير 2026

alsharq
فريدريك ما زال حياً

حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م،...

987

| 04 فبراير 2026

alsharq
هل قتل «السور» روح «الفريج»؟

امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على...

750

| 04 فبراير 2026

alsharq
تعاون إقليمي من أجل ضمان الاستقرار

انطلاقا من حرصها على أمن واستقرار المنطقة وازدهارها،...

645

| 04 فبراير 2026

alsharq
قطر والسعودية ركيزة للاستقرار الإقليمي

تعكس الزيارات المتبادلة بين دولة قطر والمملكة العربية...

618

| 05 فبراير 2026

alsharq
حين تغيرت الحياة.. وصارت المرأة ترى نفسها أولًا

أحيانًا لا نحتاج إلى دراسات أو أرقام لندرك...

609

| 03 فبراير 2026

alsharq
هل نعرف هذا المصطلح؟

ليست كل إشكالية في قطاع التدريب ناتجة عن...

486

| 03 فبراير 2026

alsharq
قوة الحضارة الإسلامية

لم يكن البناء الحضاري في الإسلام مشروعا سياسيا...

456

| 08 فبراير 2026

alsharq
قطاع الغاز.. هل يسقط في فخ «سيناريو النفط والفحم»؟

يُردّد المحللون الاقتصاديون مقولة إن «الأرقام لا تكذب»،...

450

| 03 فبراير 2026

alsharq
الجنة وطريقها..

«الآخرة التي يخشاها الجميع ستكون بين يديّ الله،...

402

| 05 فبراير 2026

alsharq
أنا وهم والجزيرة.. لحظة الترجل

الثاني من فبراير 2026م، ليلة النصف من شعبان...

390

| 09 فبراير 2026

أخبار محلية