رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في زمن السوشيال ميديا، أصبح من السهل أن تبدو مثقفًا دون أن تكون كذلك فعليًا. صورة مع كتاب، اقتباس طويل من رواية «مئة عام من العزلة»، أسماء كتاب أوروبيين يصعب نطقها ديستوفيسكي، وينتهي المشهد. من الممكن أن تحصل على الإعجابات وإعادة النشر، لكن السؤال الحقيقي: ماذا تغيّر فيك بعد كل هذا؟ هنا تبدأ قصة ما يمكن تسميته بـ «الثقافة الوهمية». ليست جهلًا صريحًا، بل حالة أخطر: انشغال بالمظهر الثقافي أكثر من الجوهر، وأن تحرص على الصورة أكثر من ان تفهم الواقع من حولك. اريد ان اتحدث عن الروايات ولنكن منصفين، الروايات ليست مشكلة بحد ذاتها. الأدب مهم لا اختلف مع هذا ابداً، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الرواية إلى المصدر الوحيد للقراءة وتكون معيار وحيد للثقافة. تقرأ عشرين رواية في السنة، لكنك لا تعرف كيف تشكّلت منطقتك سياسيًا. تحفظ اقتباسات عن كوب القهوة اثناء القراءة، لكنك لا تستطيع تفسير خبر اقتصادي بسيط. من الممكن أن تتأثر وتدمع عيناك مع شخصية هي في الحقيقة خيالية من وحي الكاتب، لكنك لا تملك موقفًا واضحًا من قضية حقيقية. الرواية يمكن أن تجعلك تتعاطف لكنها لا تعلمك كيف تفكك الواقع. وحين يظن القارئ أنه أصبح مثقفًا لمجرد أنه أنهى قائمة طويلة من الروايات، هنا تحديدًا تبدأ الثقافة الوهمية. كما ان القضية ليست في عدد الكتب التي تقراها في كل سنة، بل في نوع الأسئلة التي تخرج بها منها. هل غيّر الكتاب طريقة تفكيرك؟ هل جعلك أكثر وضوحًا في مواقفك «خاصة في قضايا الحق»؟ الأخطر من كل ذلك أن يصبح هدف الإنسان أن يُقال عنه «مثقف» ويقرأ ليُثنى عليه، لا ليتحمل مسؤولية نشر الوعي بين الناس. واثناء حديثه يضيف كلمات معقدة وصعبة ليُبهر الجالسين وليس ليضيف فائدة حقيقية. الثقافة التي هدفها الإعجاب ثقافة «ما منها خير»، لا تبني وعيًا، ولا تنهض بأمة. القراءة الحقيقية ليست لتحسين صورتك أمام الناس، بل لتقوية ظهرك حين تواجه الواقع واعداء الأمة كُثر ويسعون ويبذلون جهودهم في سبيل تدمير هذا الدين. اجعل القراءة هدفاً لتصحيح بوصلتك في هذه الدنيا الزائلة. إن كان هدفك من الثقافة أن يكون مظهرك أجمل، وأن يثني عليك الناس في المجالس، فأنت تبحث عن شهرة صغيرة لا عن أثر كبير. أما إن كان هدفك أن تتعلم أكثر لتنهض بأمتك ولتفهم واقعها لتخدمها بوعي ومسؤولية وتنصرها بكل ما أوتيت من قوة فهنا تبدأ الثقافة الحقيقية. وهناك موضوع آخر، وهو افعالك من بعد القراءة كيف تكون؟ قالها باسل الاعرج رحمه الله بوضوح «مثقف مش مشبك، لا منك ولا من ثقافتك». في هذه الجملة كان يقصد المثقف المنفصل عن قضيته والبارد أمام الدماء التي تُسفك من إخوانه وحين يُطلب منه موقف يكون مرتبكاً ولا يبدي موقفاً واضحاً خشية خسارة بعض المتابعين او التعطل في بعض الامور «الدنيوية» وقد رأينا هذا المثال بوضوح خاصة عندما انتشرت ثقافة المقاطعة بين الناس ولكن بعض التجار لازالوا مستمرين في التعامل مع شركات ساهمت في قتل إخواننا في غزة. هذا هو المثقف “المش مشبك” لا يقف مع الحق حين يكون الثمن مرتفعًا. الثقافة التي لا تُشبك صاحبها بقضية وتكون لديه مبادئ واضحة لا يتخطاها ويكون منحازا للحق مهما كانت الظروف هي ثقافة «ما منها خير» مهما بدت جميلة في الظاهر. المثقف الحقيقي ليس من يقرأ الكتب فقط، بل من يقهره الظلم الذي يراه على أمته، ويبغض من يخون دينه وتدفعه معرفته وثقافته إلى الانحياز لموقف الحق والابتعاد عن المنطقة الرمادية. أما الثقافة التي لا تُكلّف صاحبها شيئًا، فكما قال الشهيد: «لا منك، ولا من ثقافتك» ويبقى السؤال الذي نطرحه على أنفسنا.. هل نقرأ لنبدو مثقفين ام لنفهم ونكون من المصلحين ونساهم بنهضة أوطاننا؟
612
| 12 فبراير 2026
لم يكن الطوفان حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه مع مرور الوقت، ولا مجرد فصل جديد في صراع اعتدنا على تكراره. ما جرى كان لحظة فاصلة، كشفت الكثير مما كنا نفضّل تجاهله، ووضعت الجميع أمام واقع لم يعد من السهل الهروب منه. بعد الطوفان، لم تعد اللغة القديمة صالحة للاستخدام. لم يعد من الممكن ترديد العبارات نفسها، أو التظاهر بأن الصورة غير مكتملة. الصورة كانت واضحة، وربما كانت هذه أوضح لحظة شهدها هذا الجيل. أول ما سقط بعد الطوفان هو وهم الجهل. لم يعد أحد يستطيع الادعاء بأنه لا يعرف، أو أن الأمور بها لبس. كما سقطت فكرة النظام الدولي العادل. القانون الذي يعمل بانتقائية، وحقوق الإنسان التي تُفعّل حين تخدم المصالح وتُعطَّل حين تكون ضدها. والأهم انتهت اخطر كذبة كنا نكررها "ما باليد حيلة". وسقط أيضًا خطاب العجز الذي اعتدنا ترديده. ذلك الخطاب الذي يبرّر الصمت بحجة غياب القدرة، ويتعامل مع المأساة وكأنها قدر لا يمكن الاقتراب منه. ان تكون عاجزاً بعد الطوفان فهذا ليس بسبب الاوضاع بل بسبب اختيارك ان تكون عاجزاً. الطوفان لم يخلق قسوة العالم، لكنه كشفها بوضوح. كشف ازدواجية المعايير، وصمت المؤسسات، وبرود الخطاب السياسي أمام مشاهد لا تحتمل البرود. لكنه في الوقت نفسه كشفنا نحن، بطريقة ربما كانت مؤلمة أكثر. كشف سرعة انفعالنا، وسرعة تراجعنا. كشف كيف نغضب، ثم نتعب ثم نعتاد. كيف تتحول المأساة إلى صور، ثم إلى مقاطع، ثم إلى ذكرى بعيدة. كشف عدم قدرتنا على تحمل المناظر المؤلمة التي نراها في غزة عبر الفيديوات.. بينما اهل غزة يعيشون هذه المناظر فعلياً كل يوم ترك الطوفان أثرًا نفسيًا ثقيلًا. تعب عام، شعور بالعجز، وتقلّب مستمر بين الأمل واليأس. هذا التعب لا يُقاس بالأرقام، لكنه ينعكس في طريقة التفكير، وفي قبول الظلم باعتباره جزءًا من المشهد المعتاد. الخطر هنا ليس في الغضب، بل في الاعتياد. أن نصبح أقل دهشة، أقل صدمة. وضوح العدو لا يُعفي من مراجعة الذات. فالطوفان كشف ضعفنا في البناء الطويل، واعتمادنا المفرط على ردود الفعل. الغضب حاضر، لكن تحويله إلى مشروع مستمر، ما زال محدودًا. كما كشف تردّد النخب في تحمّل كلفة المواقف، وارتباك الجمهور بين الرغبة في الحقيقة والخوف من تبعاتها. النخب التي قال عنهم ابوعبيدة رحمه الله: انتم خصومنا امام الله. ما بعد الطوفان ليس مرحلة شعارات ولا خطابات حماسية. هو مرحلة أسئلة ثقيلة: كيف نفهم القوة؟ كيف نبني وعيًا ينهض بنا؟ إما أن يكون الطوفان نقطة تحوّل حقيقية، أو مجرد محطة أخرى في سلسلة صدمات اعتدنا أن نمرّ بها دون أن نتعلّم منها ما يكفي. ما بعد الطوفان يفرض مسؤولية أبعد من الغضب وأثقل من التعاطف. يفرض انتقالًا من حالة المشاهدة إلى موقع الفاعلية، ومن رد الفعل إلى الفعل الواعي طويل النفس. لم يعد السؤال: ماذا نشعر؟ بل ماذا سنفعل بهذا الشعور؟ لأن المشاعر التي لا تتحول إلى وعي، والوعي الذي لا يتحول إلى سلوك، ينتهي بهما الأمر وقودًا لجولة إحباط جديدة. أخطر ما قد يحدث بعد الطوفان ليس أن نُقهر، بل أن نقتنع أن أقصى دورنا هو أن نتألم ثم نعود إلى حياتنا كما كانت، وكأن الدم الذي رأيناه لم يكن اختبارًا أخلاقيًا مباشرًا لنا نحن، قبل أن يكون إدانة للعالم. بعد أن وقف اطلاق النار "الوهمي" حيث ان القصف لازال موجودا والقتل لازال موجودا ولكن الفرق هو ابتعاد الكاميرات عن غزة، بقيت الأسئلة بلا إجابات سهلة، يظل السؤال الأهم قائمًا: هل تغيّر العالم فعلًا، أم أنه كشف فقط حدود قدرتنا على التغيير؟ والأهم من ذلك.. هل تغيّرنا نحن بما يكفي؟ أم أننا ننتظر طوفانًا ودماء اكثر كي نتحرك فعلياً؟
1194
| 10 فبراير 2026
مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات...
1374
| 18 مايو 2026
تموضع الذكاء الاصطناعي في قلب العملية المعرفية الإنسانية،...
1140
| 14 مايو 2026
تابعت عبر تطبيق (تابع QMC) التابع للمؤسسة القطرية...
948
| 16 مايو 2026
إن جوهر الوعي المجتمعي هو إدراك الأفراد لمسؤولياتهم...
780
| 14 مايو 2026
تستند العلاقات بين تركيا والجزائر إلى روابط تاريخية...
723
| 17 مايو 2026
الوعي هو حالة إدراك الإنسان لذاته ولمحيطه، وقدرته...
633
| 14 مايو 2026
في كل مرة تُطرح فيها قضايا الأسرة والتربية...
594
| 14 مايو 2026
" لا شيء يقتل الكفاءة الإدارية مثل تحوّل...
573
| 14 مايو 2026
تأتي مشاركة معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن...
555
| 17 مايو 2026
خير استفتاح واستدلال لهذا المقال هو الحديث الشريف...
540
| 18 مايو 2026
قد تكون الجغرافيا قدرًا ثابتًا، خاصةً لدول تكتسب...
534
| 17 مايو 2026
يتجاوز معرض الدوحة للكتاب حدود الفعل الثقافي التقليدي،...
522
| 19 مايو 2026
مساحة إعلانية