رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أثبت السوريون في الذكرى الحادية عشرة للثورة السورية، وهي التي بدأت تدخل عامها الثاني عشر بأنهم أكثر مضاءً، وأكثر قدرة وتعبئة وحشداً على المواصلة رغم الخذلان العالمي الذي تعرّضوا له على مدار السنوات الماضية، وعلى الرغم من جهود الكثيرين للتطبيع مع النظام السوري، فقد تدفق عشرات الآلاف إلى ساحة السبع بحرات وسط مدينة إدلب التي يُنظر إليها اليوم على أنها قلعة الثورة وعاصمتها، بعد أن استقطبت أكثر من أربعة ملايين شخص، معظمهم من المشردين الذين تشرّدوا نتيجة جرائم الاحتلال والنظام، ومثل هؤلاء لن ينسوا تهجيرهم وقتل أحبائهم. في ساحة السبع بحرات، للمكان عبقريته، وخاصيته وأهميته، ففي عام 1970 يوم كان الرئيس السابق حافظ الأسد يطوف على المحافظات السورية، كسباً للشرعية، من خلال الحشد الجماهيري، قذفه المجتمعون يومها بالحذاء والبندورة، وعلى بعد أمتار من نفس المكان كان آباء وأجداد من قذفوه يلقون بالقائممقام الفرنسي دوفيلتري من نافذة الطابق الثاني للسراي الحكومي، رفضاً للمحتل الفرنسي بعد أن أطلقوا عليه النار وأوجعوه ضرباً، ولكماً... اليوم تُجدد إدلب ولكن هذه المرة على امتداد سوريا كلها، حيث يطلق عليها الكثيرون "سوريا المصغرة" لوجود المشردين ومن كل المحافظات السورية فيها، العهد نفسه، فقد شارك عشرات الآلاف من المتظاهرين في هذه المناسبة، إحياءً لذكرى الثورة، وقد رفعت كل بلده ومنطقة وقرية في المظاهرات الحاشدة لافتة تحيي ذكرى شهدائها، وذكرى معتقليها، ومع صدْح الحناجر بالهتافات والشعارات، التي لم تتغير عن اليوم الأول للثورة عام 2011، شعر المتظاهرون ومن تابعوهم على الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي، أن الثورة قد بدأت من جديد، فالمطالب هي المطالب، والشعارات هي ذاتها، وهو ما أنعش الدورة الدموية العدائية مع الاحتلال والنظام من جديد، وأحيا الأمل لدى المشردين بإصرار وعزم السوريين على المواصلة. يأمل السوريون من خلال هذه المظاهرات الشعبية، بأن تنتقل وتسري روح الثورة إلى الجيل الجديد الذي ربما يجهل أسباب الثورة، ولذا كانت الطبقة الشبابية في المظاهرات حاضرة بقوة، وهي التي لم تكن أعمارها يوم خروج الثورة تزيد عن العشر سنوات، مما زاد من ثقة وأمل الأكبر سناً، في أن روح الثورة تسري، وتمضي حتى بين الأجيال الجديدة، فتزيد بذلك الأكلاف والأثمان على المحتل وعلى النظام الحاكم المصر على مواصلة معركته العبثية. كانت الأمسيات الشعرية قد أقيمت في كل مكان من أجل إحياء الثورة، وشهدائها، فضلاً عن المؤتمرات، والمظاهرات التي عمّت البلدات والمناطق البعيدة، وحتى المخيمات، مما وحّد الثوار يوم رفعوا علم الثورة السورية في كل المظاهرات، واختفت معه كل الرايات الفصائلية الأخرى، مما زاد ثقة الشعب بثورته، وبقدرته على التوحد. ينظر السوريون في الشمال السوري المحرر إلى ثورتهم من خلال المرآة الأوكرانية فما أُهمل وتُجوهل من تغطيات للثورة السورية، والجرائم التي تعرضت لها، يتم تغطيته اليوم في الأحداث الأوكرانية، مما جعل الثورة السورية وما تعرضت له خلال أحد عشر عاماً تتراءى اليوم فيما يرتكب في أوكرانيا من قصف للمشافي والمدارس والمساكن والأسواق والبنى التحتية، وبالتالي غدت الثورة السورية التي تعرضت لنفس التدمير الممنهج منصة إيضاح، حين يتم مقارنة التدمير الحاصل في أوكرانيا بالتدمير الذي سبق وحصل في المدن السورية. يأمل السوريون بانشغال روسيا في أوكرانيا، وخصوصاً مع نقله قوات النخب التابعة للنظام السوري إلى مسرح عمليات أوكرانيا، فضلاً عما يتردد عن نقل معداته وقدراته العسكرية، مما سيوفر ذلك كله فرصة عسكرية قد لا تفوّت على الثوار في التقدم، وتحرير بلدهم من الاحتلال الاجنبي فضلاً عن احتلال داخلي ممثلاً بالنظام السوري، ولعل أكبر ما يتجلى من انعكاسات الحرب الأوكرانية في سوريا، هو غياب قصف المحتلين على المدن والبلدات السورية الآمنة في الشمال المحرر اليوم.
911
| 22 مارس 2022
فجأة تحوّلت أمريكا وجزء من دول الغرب عن استراتيجية المواجهة مع الصين التي لطالما كرّست نفسها لها، إلى الحرب بالوكالة مع روسيا، عبر استغلال المقاومة الأوكرانية في صدّ الخطر الروسي الذي يهدد اليوم أور,با والغرب كله، وإن كان الأخير يفضل استخدام مصطلح " الحرب مع بوتين" على الحرب مع روسيا، إذ لا يريد أن يصطدم مع الروس في هذه الظروف على الأقل، ويسعى بذلك إلى شخصنة الحرب، إذ لا يزال قد وقر في نفسه بأن خطر الصين أعظم من خطر روسيا، على الرغم من قناعة بعض مفكري الغرب من أن الصين أشبه ما تكون بالإمبراطورية الرومانية في القرن الرابع الميلادي يعتريها تمدد وانهيار. فرض بوتين أولوية وأسبقية جديدة على الغرب، وأمريكا تحديداً، يوم غزا أوكرانيا في 24/2 فدفع الجميع إلى التوحد، وليس توحّد دول، بقدر ما هو توحد مجتمعات، فظهرت استطلاعات الرأي بحسب صحيفة الوول ستريت جورنال تتحدث عن كون بوتين أكثر رئيس روسي مكروه في التاريخ المعاصر، فقد وصلت نسبة العداء له في أمريكا إلى 90%. بينما اشتد عصب القومية والمسيحية الغربية لدى الغرب نتيجة الغزو، بحيث استقبلت البيوت الأوربية مهاجرين أوكرانيين، وتدفق السلاح على المقاومة، ومعه هرع المتطوعون الغربيون، ومن جنسيات متعددة، فشكلوا فيلقاً أجنبياً، ردّت عليه روسيا بدعوة مرتزقة، فكان أول من استجاب إليها المليشيات الطائفية، والعصابة الحاكمة في دمشق. لم يعد حلف النيتو الذي وصفه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قبل أشهر بالسكتة الدماغية، مشلولاً، وإنما بدأ يتقدم كقوة قتالية فعلية وحقيقية، قادرة على الوقوف بوجه روسيا الغازية، وإن كان قد اكتفى حتى الآن بمجرد دعم تسليحي ومالي واستخباراتي للقوات الأوكرانية، لكنه لا يزال يتوجس من الدخول في أي مواجهة مع روسيا، وإن كان ذلك لم يمنعه من استقبال طلبات عضوية من دول لطالما ظلت محايدة لعقود من أمثال سويسرا وفنلندا، الأمر الذي ردت عليه روسيا بالتهديد في حال تم قبول الدولتين كأعضاء في الحلف المعادي لها تاريخياً. خرج طائر الفينيق الألماني من الرماد مجدداً، ونفض عن نفسه غبار الحرب العالمية الثانية التي كبّلته بالتزامات شددت على عسكرته، فقد كان الروس يعوّلون عليه كثيراً بالوقوف إلى جانبهم أو على الأقل بقائه على الحياد، لاسيما مع تصريحات قائد سلاح البحرية الألماني المعجب ببوتين، فخدّر وأسْكر ذلك موسكو، مما دفعها للغزو ربما، متوقعة عدم ردّ فعل قوي غربي فضلاً عن ألماني، بينما رأينا المستشار الألماني يعلن عقب الغزو كسر قاعدة لطالما حكمت ألمانيا لعقود، يوم خصص مائة مليار يورو للجيش الألماني الجديد، مما أعاد مخاوف روسية، وذكرها بالتاريخ الألماني ـ الروسي، وبغزو هتلر، فتجدد معه كوابيس وهواجس ماضية. الغرب الذي كان محايداً تجاه روسيا ومن بينه مثلاً بلدان لم تتجاوز نسبة التأييد فيها للانضمام إلى النيتو قبل الغزو الـ 30% من أصوات الشعب، نرى اليوم تصاعداً لافتاً في هذه النسبة بعد الغزو، إذ وصلت إلى 83%، وتصاعد معها خوف وقلق هذه الدول، لاسيما بعد استراتيجية روسيا العدوانية المستمرة والمتعاظمة إن كان على الساحة الإقليمية القريبة منها، أو على الساحة الدولية، وذلك بدءاً من غزو جورجيا،2008، ثم غزو مولدافيا، فقضم القرم في 2014، والغزو الروسي لسوريا 2015، والآن غزو واستباحة أوكرانيا. لغة التهديد والوعيد الروسية للجيران ستدفعهم أكثر فأكثر للابتعاد علن موسكو، والاقتراب من النيتو، بعكس ما تأمله موسكو، فما حصل اليوم بكل تأكيد لم يكن يريده بوتين أن يحصل. لقد غدت روسيا المحاصرة وليس بوتين فحسب، وإن كان قد حوصر اليوم فلا أحد يقترب منه، ومع هذا فقد باتت روسيا محاصرة بكل الاتجاهات والمناحي، عسكرياً وسياسياً وديبلوماسياً، وحتى سينمائياً ورياضياً، وإعلامياً، ولعل مدير المخابرات الأمريكية السي آي إيه بيل بيرنز اختصر ذلك كله في شهادته أمام الكونغرس الأمريكي الأسبوع الماضي حين قال:" لقد فوجئنا من خلال الطريقة التي دفع بوتين فيها أوروبا وأمريكا، فكانوا أكثر قرباً من بعضهما بعضاً."
2348
| 15 مارس 2022
طوابير المدنيين الأوكران المغادرين من بلدهم إلى المجهول، هي نفسها طوابير السوريين الذين غادروا حمص ودرعا ودمشق وحلب وغيرها من المدن السورية، وهي نفسها طوابير الشيشان، ومن قبلها طوابير الذين تم نفيهم إلى سيبيريا خلال الحكم البلشفي المظلم على يد جوزيف ستالين، فعقدة الاستراتيجية الروسية قديماً جديداً، هي الجغرافيا، كون منطقتها سهلية، لا موانع طبيعية تحفها، وبالتالي دائماً ما تسعى إلى التعويض عن ذلك بقضم الجغرافيا، وتوسيع مجالها الحيوي، وإن كان على حساب معاناة البشر، وعلى حساب ممتلكاتها، يزيده اليوم من شخصية بوتين القومية والمتأثرة بالكنيسة الأرثوذكسية. المنطقة العسكرية الروسية من القرم إلى سوريا فالقوقاز هي نفسها تحت قيادة عسكرية واحدة، مما يشير إلى وحدة الحال والمصير، وتشابهها في المنظور العسكري والسياسي الروسي. ولذا رأينا تساقط طائرات روسية في أوكرانيا كانت بالأمس في قاعدة حميميم على الساحل السوري بطواقمها الذين تم أسر بعضهم كما كشفت الصور التلفزيونية التي أفرج عنها الجيش الأوكراني. شكلت منصة الشيشان منطلقاً للرئيس بوتين، عبر القصف السجادي الذي أمطره لغروزني فعرف منذ ذلك اليوم بنموذج غروزني، الذي كرره في حلب تحت سمع العالم وبصره، ولم يتردد في تكراره في أوكرانيا ومدنها القريبة من أوروبا، بينما العالم كله يرقب وينتظر، لكن الفارق بين نموذج غروزني وحلب من جهة، وأوكرانيا من جهة أخرى أن المقاومة في الأخيرة تلقت أسلحة نوعية مكنتها حتى الآن من التصدي للهجوم الروسي، بينما في الحالة الأخرى، حرم المدافعون عن بلدهم من الوصول إلى أي أسلحة نوعية تمكنهم من الصمود كما حصل حتى الآن مع الأوكرانيين. كل ما يتحدث عنه الروس ومؤيدوهم اليوم هو الجغرافية السياسية وأهمية أوكرانيا للروس في مواجهة الغرب الذي يريد محاصرتها من أوكرانيا، كون الأخيرة هي المعبر لكل الغزاة في تاريخ روسيا، بينما كانت سهول آسيا الوسطى وجبال القفقاس، عبارة عن تهديدات لتمردات داخلية، لكن ليست معبراً للغزاة والمهاجمين كما هو الحال في أوكرانيا، بيد أن الروس وكل من يبرر هذا العدوان بهذه الخلفية، يشطب بذلك الشعب، ويشطب معه إرادته الراغبة في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والناتو، بعد أن كان المزاج العام يميل إلى صالح الروس. الخبراء والمحللون يرون في الانحياز الشعبي الأوكراني لصالح الغربي على الروسي، نتيجة طبيعية للاستثمار الاقتصادي الذي استثمرته الدول الغربية في أوكرانيا، فتحسن واقع الفرد الأوكراني، وبدأ يقارن نفسه مع المقيم في روسيا، فيجد فرقاً كبيراً وهو بنظر المراقبين والمحللين سيشجع الروس على النظر إلى مستوى المعيشة في أوكرانيا ويقارنوها بالمستوى المتدني الذي يحظون به، ولعل هذا أهم سبب دفع الرئيس بوتين لغزو أوكرانيا، لتدمير هذا النموذج وجعلها دولة فاشلة غير قابلة للمقارنة مع ما يعيشه الروسي داخل روسيا. بكل تأكيد فإن حالة المقاومة الأوكرانية شكلت محل صدمة حقيقية للرئيس بوتين، الذي كان مع بعض أركان قيادته يظنون أن المقاومة لن تطول أكثر من 72 ساعة، فضلاً عما أظهرته أوروبا من تفتت وتشتت، أغرى الروس في سرعة التحرك العسكري، ليفاجأ الروس بعدها بحجم ونوعية الرد الأوروبي، انعكس في تدفق السلاح الكمي والنوعي من دول أوروبا على أوكرانيا، بل ووصل الأمر إلى انضمام دول ظلت محايدة لعقود مثل سويسرا وفنلندا لدعم المقاومة الأوكرانية، وبدت معه علامات على إمكانية انضمام هذه الدول المحايدة لحلف الناتو، بعد أن أرعبها المثال الأوكراني باجتياح القوات الروسية، وإمكانية أن يتكرر هذا معها في أي لحظة، وأمامها اليوم أوكرانيا، ومن قبل جورجيا، وسوريا وغيرها من الدول. ستظل الشعوب المستهدفة من روسيا تدفع ثمن مغامرات الأخيرة، بتفريغ كل الكتل السكانية الرافضة لاحتلالاتها ومشاريعها، ما لم تتحطم هذه المغامرات على صخرة أوكرانيا أو سوريا أو على كليهما، وربما على غيرهما، فلا تزال نصيحة إبراهيم باشا في طاجكستان ترنّ في آذان الكثيرين حين قال بعد سقوط بخارى بأيدي قوات البلاشفة:" اليوم بخارى وغدا أفغانستان" لتتحقق نبوءته بعد عقود في احتلال الاتحاد السوفياتي لأفغانستان، تماماً كما حذر عام 1994 شامل باساييف، وجوهر دوداييف جوهرتا المقاومة الشيشانية بقولهما: اليوم الشيشان، ومن بعد جورجيا وأوكرانيا، وهو ما تحقق.
4438
| 08 مارس 2022
قيل قديماً بضدها تتمايز الأشياء، ولكن في حالة العنصرية بتماثلها تتمايز الأشياء. فقد كشفت الحرب في أوكرانيا عن جوانب عنصرية في المجتمع البشري، وأكثر ما تجلّت بالمقارنة مع الحالة السورية، كون الغازي واحدا، وهو القوات الروسية، فعلى الفور وبعد غزو بوتين لأوكرانيا أقال الاتحاد العالمي بوتين من رئاسته الفخرية، وهو الذي ظل رئيساً فخرياً للاتحاد على مدى سنوات احتلاله لسوريا، ودكه للمدن والمشافي والمدارس والمخابز والأسواق وكل ما يمتُّ للأحياء بصلة، فقتل عشرات الآلاف وشرّد الملايين، ولم يأت الاتحاد على ذكر رئاسته أبداً، ليفاجأ العالم كله بإقالته من منصبه بعد غزوه أوكرانيا مباشرة. العالم بغربه وشرقه حمّل يوماً ما الدول الخليجية مسؤولية نفرة الشباب العربي والإسلامي لنجدة المجاهدين الأفغان ضد الغزاة السوفييت في الثمانينيات، يوم كان ينعتهم بمقاتلي الحرية، هو نفسه العالم الذي بدأ يشن هجومه على هذه الدول التي نفر بعض شبابها للقتال بموافقة ورضا أمريكي وغربي، لإدماء الدب السوفيتي يومها، ولكن حين انقلب بعض هؤلاء الشباب على الغرب، بدأ ينعتهم بالإرهابيين، ويتهم دولهم التي كان متعاطفاً معها بالأمس بالمسؤولية عن مآلات الأحداث. اليوم العالم ذاته هو الذي يعلن وعلى لسان قادته ورؤساء حكوماته ووزراء خارجيته فتح باب التطوع للشباب الغربي للقتال ضد القوات الروسية في أوكرانيا، بينما صمت تماماً عن كل المليشيات الطائفية التي تقتل الشعب السوري على مدى 11 عاماً، لكن ومع هذا يرفض ويتهم كل من يقاتل إلى جانب الثوار في سوريا بأنه إرهابي متطرف واجب القتل. صورة أخرى من صور العنصرية التي كشفتها الحرب في أوكرانيا هو تمجيد الغرب، سياسيوه وإعلامه بالضابط الأوكراني الذي فجّر نفسه في رتل للدبابات الروسية، فأشاد به الجميع، وأشاد ببطولاته وجرأته، في مقابل الصورة النمطية التي روّجها الساسة والإعلام ومراكز الأبحاث الغربية عن الانتحاريين المسلمين الذين كانوا يقومون بالدفاع عن أنفسهم ضد الغزاة والمحتلين، ولا أتحدث بالطبع عن حماقات البعض في تفجير أنفسهم وسط المدنيين، وللأسف فالصورة النمطية الغربية هذه انسحبت حتى على بعض النخب العربية والإسلامية التي شنت هجوماً على كل المفجرين أنفسهم بالمعتدين والغزاة والمحتلين، على أنه عمل انتحاري غير مقبول شرعاً. ومن صور عنصرية الحرب الأوكرانية مقارنة بعض الساسة والإعلاميين الغربيين بين مهاجري ومشردي أوكرانيا ومهاجري ومشردي الحرب السورية والشرق الأوسطية، الذين رأوا القسم الأول متحضرين ومتعلمين ومتفقين مع تاريخهم ومعتقداتهم، بينما الطرف الآخر غير ذلك، مما كشف عن مدى العنصرية البغيضة التي تسكن في قلوب الكثيرين، في حين ينبغي أن توحّد الحروب المظلومين والإنسانيين والبشر، ونحن نرى تعاطف الشعوب العربية والإسلامية مع أوكرانيا لأنها مظلومة على الرغم من يهودية رئيسها وبعض وزرائه، وتأييده علناً في السابق لعدوان الصهاينة على غزة، ولكن مع هذا لم يمنع الشعوب العربية والإسلامية من التعاطف مع أوكرانيا ضد الغزو الروسي. لكن تبقى الخلاصة فيما قاله المؤرخ اليوناني القديم ثيوسيديدز: (القوي يفعل ما يشاء، والضعيف يعاني ما يجب أن يعانيه.) فما زلنا ضعافاً نفسياً قبل جسدياً، فسنظل نعاني من قوة عدونا النفسية والجسدية، صاحب الإمكانيات. عنصرية الحروب.. بين أوكرانيا وسوريا
5732
| 01 مارس 2022
منذ وصول حكم البعث إلى السلطة في سوريا في مارس/ آذار من عام 1963 وحتى الآن، وأكثر ما يُميز حكمه وسلطته هو المجازر والمسالخ والسجون، حتى غدت جزءاً لا يتجزأ من ثقافة الحكم البعثي على مدى عقود، وتجذّر ذلك أكثر مع وصول حافظ الأسد إلى السلطة في تشرين ثاني من عام 1970 تحت لافتة ما عرف بالحركة التصحيحية لحزب البعث، فدفع الشعب السوري طوال تلك الفترة فاتورة باهظة مُكلفة، لم يدفعها شعب في التاريخ الحديث، ومعه دفع الأشقاء العرب أثماناً باهظة في ابتزاز هذا النظام وأساليبه الدموية. في مثل هذا الشهر من عام 1981 وقعت مجزرة قل مثيلها في التاريخ إنها مجزرة حماة، والتي طالت كل ما يمتُّ للمدينة بصلة، فجرّد حافظ الأسد حملة عسكرية مدججة بكل أنواع الأسلحة من طيران وصواريخ ودبابات ومدفعية ورشاشات، فكان على رأسها شقيقه رفعت الأسد، ومليشيات تحت عنوان الجيش لدك المدينة واستباحتها على مدى أيام، خلّف ذلك عشرات الآلاف من القتلى، الذين دفن بعضهم أحياء، في ظل إغلاق كامل عن العالم الخارجي، وصمت عالمي مطبق ومخيف في ذلك الوقت، فتركت جرحاً غائراً في جسد الأمة لن يشفى ولن يبرأ ما دام القتلة لم ينالوا جزاءهم، ولم يحاكموا محاكمة عادلة، وهو الذي جرأهم على فعل ذلك اليوم، وإلا لو عاقب العالم القتلة بالأمس لما تجرأ قتلة اليوم على فعل اليوم. وعلى مدى حكم الأسد الأب كانت المجازر سمة مميزة في تاريخه، من مجازر حلب وجسر الشغور، إلى مجازر سجن تدمر الذي راح ضحيته بحسب السجناء الذين عاشوا أهوال تلك الفترة أكثر من 30 ألف قتيل على امتداد فترة حكم الأسد الأب، إذ كانت هناك وجبات للإعدام نصف أسبوعية وتحديداً في يومي الإثنين والخميس، وحتى أن بعض الإعدامات بلغت بيوم واحد أكثر من 200 من خيرة من أنجبتهم سوريا من الأطباء والعلماء والمهندسين والطلبة المميزين، ولعل ما كتبه السجناء الذين أفرج عنهم لاحقاً مادة مهمة في توثيق تلك المرحلة الكئيبة من تاريخ سوريا. مع اندلاع الثورة السورية في آذار من عام 2011 والتي تقترب ذكراها الحادية عشرة هذه الأيام، يجد السوري نفسه أمام بانوراما سوداء حقيقية من المجازر التي لطّخت سمعة العصابة الحاكمة، فكان العدل والإنصاف بين مدن وبلدات سوريا فقط هو المساواة بالمجازر والمسالخ على امتداد المدن والبلدات السورية، إذ قلّما يمر يوم واحد دون الحديث عن ذكرى مجزرة قام بها نظام الأسد ومليشياته وشبيحته، أو قام بها سدنته من المحتلين بقصف سوق أو مخبز أو منشآت صحية أو مرافق تعليمية وهكذا، وهنا دعوة لكل سوري معني كشاهد عيان أو قادر على توثيق تلك المرحلة بأن يقوم على توثيق هذه المجازر والمذابح لاسيما من خلال من عايشها، أو ممن رواها وشاهدها وعاصرها، أملاً في تشكيل ذاكرة جمعية للأجيال المقبلة. لا شيء يلد هنا في سوريا سوى المجازر والمذابح والإعدامات، في ظل سلطة بعيدة كل البعد عن كل ما له علاقة بالإنسانية والبشرية، وقوانينها الناظمة، فغض العالم كله النظر عن شحنات المخدرات التي يصدرها النظام، وكأنها شحنات من القمح والشعير، رغم أن أجهزة الأمن العربية والعالمية تضبطها وتعرف مصدرها يوحي بأن هذا العالم رفع شعاره لا أرى لا أسمع لا أتكلم تجاه ما يفعله هذا النظام، ومع هذا كله تطالب الأمم المتحدة عبر وسيطها الدولي غير بيدرسون بالتعاون والتطبيع مع النظام السوري، بل وقدمت نفسها على أنها في طليعة المطبعين يوم نقلت مكاتبها الإغاثية من المدن التركية إلى مناطق تحت سيطرة الأسد، وشجعت الأنظمة العربية على التطبيع تحت سياسة ما وصفتها بالخطوة خطوة، وهو ما رفضتها المعارضة السورية، وتخلت بعض الدول العربية عنها بعد أن رأت أن خطواتها تجاه النظام يقابلها الأخير، بخطوات إلى الوراء.
8049
| 22 فبراير 2022
أعادت حادثة مضايقة الطالبات في كليات ولاية كارنتاكا لارتدائهن الحجاب إلى الواجهة قصة المسلمين في الهند، وما يتعرضون إليه من صنوف الوسائل والتكتيكات لمسخ هويتهم وتهميشهم، في ظل حكم الحزب الهندوسي المتطرف" جاناتا بارتي"، وعلى الفور عبّر المسلمون الهنود في المنطقة عن غضبهم وتبرمهم من المضايقات، فأغلقت المدارس أبوابها لثلاثة أيام احتجاجاً على هذه المضايقات. وكانت القصة قد بدأت في يناير من العام الحالي حين منعت إدارة الكلية 6 طالبات من الدخول إلى صفوف الدراسة بغطاء الرأس، فرفضت الطالبات ذلك، تبعه انقضاض متطرفين هندوس على الكلية وغيرها من الكليات في منطقة أودويني، بالولاية، مرتدين ملابسهم الهندوسية الخاصة كاستفزاز لجميع المسلمين في المنطقة. عزز قرار الكلية والمديرية قيام حكومة الولاية بنفسها المحكومة من قبل الحزب الهندوسي المتطرف بإصدار قرار يحظر لبس ما يعكر صفو القانون العام، في إشارة إلى غطاء الرأس الإسلامي، فلجأ المسلمون إلى رفع قضية في المحكمة العليا التي بدأت تنظر في قرار غطاء الرأس وحظره. يشكل المسلمون في الهند 12% من سكان ثاني أكبر بلد في العالم بعدد السكان بعد الصين، وللأسف لم يلقَ التضامن مع المسلمين الهنود بدعم كبير وسط النخب المثقفة والسياسة الهندوسية، سوى من راؤول غاندي عن حزب المؤتمر الهندي، الذي اعتبر هذا اعتداء على الحقوق الأساسية للمواطنين، ولكن بالمجمل حرصت الأحزاب السياسية الهندية على الصمت، ومعها النخب الإعلامية وغيرها، إذ يدرك الجميع اتجاه المجتمع الهندي إلى التطرف بعيداً عن العلمانية التي أرادها له غاندي وغيره من الآباء المؤسسين. وقد ظهر التطرف الهندوسي بشكله الفاقع على يد الحزب الهندوسي المتطرف الحالي بزعامة رئيس الوزراء مودي، عام 1992 حين أصرّ الحزب وهو الذي لم يكن يملك أغلبية مقاعد برلمانية، فهدم المسجد البابري التاريخي بحجة أن قبر معبود الهندوس" رام" في مكان المسجد. وقد تسبب ذلك يومها بانتفاضة كبيرة للمسلمين كادت أن تؤدي إلى مواجهة بين الأقلية المسلمة والأغلبية الهندوسية. ولوحظ لكل ذي عينين أن المضايقات للمسلمين في الهند قد تزايدت، وسبق هذا عقد مؤتمر للمتطرفين الهنود تحت سمع وبصر الحكومة المتطرفة حضره 150 شخصية مهمة دعوا إلى إبادة المسلمين وتهميشهم، وفرض هندوسية الهند، التي تسمى هندوتفا وتعني عودة الهند القديمة، والتي تمتد حدودها إلى مكة كما يقولون، وهو ما تسبب في غضبة على مستوى العالمين العربي والإسلامي. لكن لم تقتصر هذه الاستفزازات على مسلمي الهند وإنما امتدت لتشمل المسيحيين في الهند، حين رأت بعض القوى المتطرفة الهندوسية الفاعلة بأن المسيحيين يسعون إلى تحويل الهندوس إلى الديانة المسيحية، مما قد يغير في تركيبة الهند الديمغرافية على حد زعمهم، وهو الأمر الذي تعدّاه إلى السيخ أيضاً. بكل تأكيد مثل هذا التعاطي يتطلب من الأقليات كلها التضامن فيما بينها لمواجهة مساعي تهميش الأغلبية للأقليات إن كانت مسلمة أو مسيحية أو سيخية، وإلاّ فإن الكل سيدفع ثمناً، قد لا يكون بعيداً، وإنما قريباً في ظل تنامي ظاهر التطرف السياسي والإعلامي وحتى التطرف الخشن بالاشتباك المباشر في ذلك البلد، لكن اللافت والغريب هو أن المنظمات الحقوقية والنسوية التزمت تقريباً الصمت تجاه كل هذه التعدّيات على حقوق المرأة التي طالما جعلت منها هذه المنظمات مادة للتدخل في شؤون العالم العربي والإسلامي.
8545
| 15 فبراير 2022
يتفق الكثيرون على أن لحظة أوكرانيا حاسمة في تقرير مدى تقدم أو تراجع نموذجين متباينين في العالم، أنموذج الحكم الاستبدادي الأوتوقراطي بقيادة روسيا ومعه الصين وكوريا الشمالية، وأنموذج غربي ليبرالي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية اليوم، وبغض النظر عن المواجهة المسلحة بين الغرب والشرق بسبب الأزمة الأوكرانية، إلاّ أنه بالتأكيد فإن المواجهة المسلحة وما ستفرزه من نتائج ستنعكس على النموذجين سلباً وإيجاباً، تقدماً وتراجعاً، فخروج روسيا أو الغرب بقيادة أمريكا من التصعيد في أوكرانيا منتصر سياسياً، سيعزز حلف أحدهما مع شركائه. كلا الفريقين ينظران إلى هذه اللحظة على أنها مهمة في تحديد مستقبل مصيرهما، خصوصاً وأن النموذج الغربي تعرّض لهزات كبيرة في مشروعه، إن كان في تخليه عن الثورات العربية التي هتفت بالحرية والاستقلال، فخذلها النموذج الغربي، مما عنى خذلاناً لنموذجه نفسه، حين وقف مع المستبدين أو صمت عن جرائمهم كحال سوريا، فصمت عن استخدام النظام السوري لـ 330 مرة سلاح الكيماوي ضد شعبه، مما جعله يتماهى تماماً مع الموقف الروسي والصيني، ففقد بذلك المشروع الغربي جاذبيته، والتفاف الشركاء والمعجبين به سابقاً حوله، فانفض البعض عنه، وشكك آخرون في جدوى دعمه، ومساندته، بينما رأينا النموذج الروسي والصيني وشركاءهما قد وقفوا بالكامل مع أنظمة الاستبداد، وحذروا الغرب من أي دعم للثورات الملونة، كما يسميها بوتين، ولم يتوان للحظة في إرسال قواته لسحق انتفاضة قزاقستان خلال ساعات، وسط صمت غربي مطبق، جعل الاستبداد العالمي ينظر بإعجاب إلى روسيا، وبسخرية وهزء وابتعاد عن الغرب وأمريكا، مما جعل النموذج الاستبدادي يتقدم على حساب النموذج الغربي. النموذج الغربي تلقى ضربة قاتلة بانسحابه من أفغانستان، والتي نظر إليها البعض على أنها هزيمة وتراجع أيديولوجي وليس هزيمة عسكرية فقط، لاسيما مع تخلي الغرب وتحالفه المكون من 38 دولة بقيادة أمريكا في أفغانستان عن كل ما بذله واستثمره في أفغانستان، من دماء وأموال، الأمر الذي جرّأ الكل على الغرب، ودفع بالاستبداد إلى الأمام، فزاد من حلفائه وشركائه، خصوصاً مع وقوفه مع الاستبداد في العالم العربي بكل ما يملك من قوة عسكرية وغير عسكرية. الغرب المشتت، المفرّق في صفوفه اليوم، يواجه مشكلة قيادة، ويعاني بالمقابل من فقر رجال الدولة الحقيقيين، المستعدين لاتخاذ قرارات مصيرية، كما كان عليه الأمر خلال الحرب العالمية الأولى والثانية، فالرئيس الأمريكي أو الفرنسي وغيرهما من رؤساء الغرب اليوم إنما يعنيهم مصير التمديد له في دورة انتخابية جديدة، ولذا فهو ليس مستعداً لخسارة شعبيته، من أجل قضية أوكرانيا وغيرها، بينما حلف الاستبداد لا يعنيه ذلك كله، فالرئيس والحاكم ليس بحاجة لعقد انتخابات، ما دام ممسكاً بالسلطة، وممسكاً معها بكل الأجهزة العسكرية والأمنية والاقتصادية والإعلامية وغيرها من أجهزة متناغمة تماماً معه ومع فردانية بالحكم، أما في حال النظام الديمقراطي الغربي الذي يحتوي على مراكز ثقل كثيرة، ومتعددة، ولوبيات ضغط مختلفة، فإن ذلك يحول دون اتخاذ قرار سريع وحاسم كحال حلف الاستبداد. على الصعيد الإعلامي ثمة فرْق كبير بين تعاطي الحلف الغربي الديمقراطي، والحلف الاستبدادي، ومن بينه روسيا اليوم، ففي الحالة الأولى هناك انفتاح كبير على صناعة القرار واتخاذه، مما يشكل فرصة كبيرة للخصم في التعرف على منافسه، بينما حلف الاستبداد منغلق تماماً على نفسه، ولا يمكن أن تصدر أي معلومة أو تحليل بعيد عن السياق الحكومي المعروف، لاسيما في ظل سيطرة الحكومة والاستبداد على وسائل الإعلام وتحكمه حتى بوسائل التواصل الاجتماعي، الأمر الذي يمنحه ميزة السيطرة على التسريبات، وميزة التحكم باتجاهات الرأي العام، والاختراق السيبراني والتضليل الإعلامي الذي اتسم به الحلف خلال الفترة الماضية، وتجلى ذلك بوضوح خلال تدخله في نتائج الانتخابات الأمريكية والغربية بشكل عام، والتلاعب بنتائجها.
8024
| 08 فبراير 2022
أمثالنا الشعبية غالباً ما تكون قواعد وقوانين في السياسة الدولية، فكثير مما ينطبق على الأفراد ينسحب على الدول، ما دامت الأخيرة في جوهرها ومآلاتها نتاج الذاكرة الجمعية والخبرات التراكمية للأفراد. وفي هذه المناسبة يحضرني ما كان يردده أجدادنا وأسلافنا من قبل «على قدّ لحافك مدّ رجليك» وقالوا أيضاً: «المتغطي بلحاف غيره بردان». تذكرت ذلك وأنا أتابع تهديدات روسيا بوقف غازها المصدَّر لأوروبا، في هذا الشتاء القارس، كعقوبة لها، إن هي وقفت مع أوكرانيا المهددَّة بالغزو الروسي، ولم تتوقف عن ضمنها لحلف النيتو. هذا الاستيراد بين دول خاضت حروباً ومعارك وسقط خلالها ضحايا، وخلّفت معاناة لا تزال حافرة بالذاكرة، بل ولا تزال تحكم علاقاتها مرارات الماضي، وخلافات التشوّف للمستقبل، من الطبيعي والمنطقي أن يجعل السلع المستوردة محلّ ابتزاز، وربما عبودية دولية مقنّعة، ووصاية حقيقية على القرار السيادي والمستقل. فالفرد العادي حين يعتاد على رفاهية يتنعم بها صباح مساء، يغدو غير مكترث بقضايا بلاده الاستراتيجية بعيدة المدى، ذاك ما رسخته في الحقيقة سياسة الدولة التي أقرّت منذ البداية استيراد هذه السلعة، مما يفرض التعايش السلمي بين أعداء الأمس، فيغدو تطبيعاً مجتمعياً، وهو في الواقع أقوى من أي تطبيع سياسي ودولي. أتذكر حين توترت الأجواء في أفغانستان بين حكومة طالبان الأولى والحكومة الإيرانية على خلفية مقتل 11 دبلوماسياً إيرانياً في حادث بشمالي أفغانستان لا يزال الغموض يلّفه، هددت حينها طهران باجتياح أفغانستان، كنت يومها في ندوة إذاعية مع أحد المحللين من طهران الذي كان يتهدد ويتوعد بالاجتياح الإيراني وضرب الأهداف الاستراتيجية في أفغانستان، وحين طُلب مني التعليق على ما قاله، ذكرت أن لا أهداف استراتيجية في أفغانستان في بلد دمرته الحروب ودمرت حتى بناه البدائية، بخلاف إيران، ولعل الهدف الاستراتيجي الوحيد المتبقي في أفغانستان اليوم، هو زعيم طالبان الملا محمد عمر نفسه، فإن قُتل فلربما يعتبر ذلك تدميراً لهدف استراتيجي، أما في إيران فثمة آلاف الأهداف التي إن ضربت فستشكل انتفاضة ربما اجتماعية، كاستهداف المراكز الاقتصادية والكهرباء والمياه والجسور، وما ينطبق على إيران ربما ينطبق على غيرها من الدول. قدرات الدول العسكرية ربما يتم تخصيص أكثر من نصفها لحماية هذه المقرات والأهداف الاستراتيجية التنموية، من جسور وأسواق وكهرباء ومياه ونحوها، وقد يُساوم البعض، وقد يُبتز في سيادته خلال أي توتر مع دولة أقوى منه. فكيف إن كانت السلع الاستراتيجية التي تستهلكها قادمة من عدوها كحال أوروبا مع روسيا اليوم، والعاقل هنا هو الذي يعمل على نسج لحافه بيديه، وعلى قدّ حجمه يتصرف، وفي أحايين كثيرة يلجأ بعض العقلاء إلى تنويع مصادر سلعه بحيث لا يضع البيض في سلة واحدة، فيكون عرضة للابتزاز والمساومة. في الحب والحرب يجوز كل شيء، وما دامت روسيا في حالة حرب اقتصادية بسبب العقوبات المفروضة عليها، إلى جانب العقوبات المهددة بها من قبل الغرب، فستلجأ إلى عسكرة الغاز وكل ما تصدره لأوروبا، وهو ما لم يحصل طوال 3 عقود من بدء تصديره، وحتى يوم سقط الاتحاد السوفيتي لم يحدث أن تم التهديد بقطعه وتوقيفه، مما يعكس جدية ومخاطر الصدام الغربي ـ الروسي هذه الأيام. ليس أمام العاقل، رجل الدولة الناظر لبعيد، وليس رجل السياسة الذي تسجنه مدة حكمه، إلا تعميق مقولة «نأكل مما نزرع، ونلبس مما نصنع»، ورحم الله الفاروق رضي الله عنه القائل «اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم».
7685
| 01 فبراير 2022
للعام الحادي عشر على التوالي يقضي النازحون السوريون شتاءهم القارس في خيام بالية، لا تقي حراً ولا برداً، ومع كل عام تتجدد المناشدات وتهرع المنظمات، وتتجدد معها الأسئلة بشأن بناء بيوت للنازحين عوضاً عن خيامهم البالية، ويحتدم كذلك النقاش بشأن الأولويات والأسبقيات، ليخفت مع نهاية الشتاء، وهكذا دواليك، فمشاكل النزوح متعددة، وكقصص الحيّات لا تنتهي، فمشكلة خطيرة وهي التعليم التي تُلقي بتداعياتها على كل جوانب الحياة، لا تزال قائمة منذ سنوات، وهي عدم تلقي كثير من المعلمين رواتبهم، في ظل شح الدعم للمنظومة التعليمية، ومع هجوم فصل الشتاء هجم علينا كارثة تتهدد القطاع الصحي بوقف الدعم عن 18 مشفى في الشمال السوري المحرر بعد توقف المانحين الدوليين عن دعمها. ينشط الدفاع المدني السوري برئاسة رائد الصالح في الاستجابة السريعة للكوارث والمشاكل التي يعانيها الشمال المحرر، بعد أن برزت مؤسسته كمؤسسة ثورية تعالت تماماً فوق كل الفصائلية والحزبية والمناطقية، وأثبت وجوداً داخلياً وإقليمياً ودولياً، الصالح يرى أن الدعم الإغاثي هو غمس خارج الصحن، فالتشديد ينبغي أن يكون على الحل السياسي لا الإسعافي، عبر مساعدة المشردين والنازحين بفتات الدعم والمساندة، فالقضية هي سياسية بامتياز، وما لم يتم إزاحة النظام السوري عن السلطة، فإن المشكلة ستتواصل وتتفاقم وتزداد، مما يزيد من أعبائها ومسؤولياتها، فيضع بذلك المجتمع الدولي في موقف حرج إنساني على الأقل، لا أقله ما حصل للأمم المتحدة بعد جمع اليوتيوبر أبو فلة 11 مليون دولار فأرادت الأمم المتحدة اقتطاع أكثر من نصفهم لمصاريفها الإدارية، فشن الناشطون السوريون عليها هجوماً عنيفاً على مواقع التواصل الاجتماعي فأرغموها على التراجع، لكن بالمحصلة كان على حساب سمعتها الأخلاقية. أكثر من 14 مليون مشرد سوري نازح في الداخل، أو لاجئ في دول الجوار، وكل هؤلاء بانتظار عودة كريمة لمدنهم وبيوتهم، حتى لو كانت خربة مدمرة، هذه العودة بنظرهم وبحسب استطلاعات الرأي التي أجرتها مراكز دراسات عالمية لا يمكن أن تكون بدون إزاحة النظام السوري، ومحاكمة رأس النظام بعد أن فعل ما فعل بشعبه، لاسيما وهم يقرؤون ويتابعون ما يجري من أقاربهم الذي قرر إنهاء معاناة التشرد فعاد إلى بلده، فكان السجن مصيره كما وثقت بذلك منظمات حقوقية دولية كهيومن رايتس ووتش. الجرح السوري لم يعد سورياً أبداً، بعد أن طال فتح، وكعادة الجروح التي تظل مفتوحة تتعرض للفيروسات، فيزداد قيحها، ويزداد تلوثها، حتى تتفشى في أجزاء الجسم فتُحدث ربما الغرغرينا، وما يجري للجرح السوري هو تفشيه حتى أصاب الجسد العربي، ونرى ذلك ونلمسه من خلال تحوّل رأس النظام ومليشياته إلى منتجين ومصدرين لحبوب الكبتاغون والمخدرات للعالم العربي وغير العربي، وقد صادرت وضبطت دول عدة شحنات من هذه الآفة والتي قُدرت الشحنة الواحدة منها بأكثر من مليار دولار، أكدت ذلك صحف عالمية مرموقة من الإيكونوميست والتايمز والفورين بوليسي والنيويورك تايمز بأن البلد غدا عاصمة الكبتاغون العالمي، الأمر الذي يهدد السلم المجتمعي العربي والعالمي. إذن الحل في سوريا اليوم هو حل سياسي ليس من أجل السوريين فقط، وإنما من أجل العالم كله الذي يعاني من بقاء هذا النظام، ومنظومته الفاسدة التي سينعكس خطرها على المنطقة برمتها، أما النازحون فلا أعتقد أنهم بحاجة إلى الإغاثة، حال عودة نازحيه إلى بيوتهم، فالسوريون يملكون النفط والغاز وأراضي زراعية مذهلة، فعلى صعيد الزيتون فقط في إدلب والشمال المحرر يوجد ستة ملايين شجرة زيتون، وهو ما أطلق عليه بالنفط الأخضر، تماما كأشجار الفستق الحلبي التي تدرّ ذهباً على أصحاب أراضيها، لتتحول اليوم إلى أراضٍ بوار مع سيطرة النظام ومليشياته الذي لا يتقن زراعتها وإدارتها وإنما يحسن فقط حرقها وتجريفها.
9646
| 25 يناير 2022
عززت جائحة كوفيد 19 نظرية لا معنى للمكان، التي كان قد أسس لها عالم الإنترنت، ومواقع تواصله الاجتماعي، فلم يعد بسببها حاجة للمكان، ما دام الكل يستطيع من خلال حاسوبه، وربما جوّاله، التواصل، والتحرك، والعمل مع من يريد ومن لا يريد، دون الحاجة للاجتماع بمكان واحد، قد يكلّف الكثير، ويستنزف معه المال والوقت والجهد وفوقه التوتر، كالمتجه إلى عمله في ساعات الذروة الصباحية، والعائد كذلك. أما اليوم فهو قادر على توفير ساعات الذهاب والإياب، أوقات الذروة قد يستثمرها في احتساء كوب من الشاي الصباحية، مع الانكباب على عمله في بيته، يشاركه ربما أهله وأولاده في تفاصيل عمله، فيتعرفون حينها على تفاصيل التفاصيل، مما يجعلهم يشاركونه قراراته بفرز ما هو ضروري لخروجه، وما هو ليس بضروري. حدثني صديق وزميل صحفي أن صحيفة عربية واسعة الانتشار تصدر من لندن يعمل فيها ربما الآلاف من الموظفين والموظفات، لا يحضر أي منهم اليوم إلى المقر الرئيسي، بعد أن ألزمتهم جائحة كوفيد 19 بالمكوث في البيوت والعمل منها، وهذا ما تكرر جزئياً في فترة ذروة كوفيد مع فضائيات عريقة مثل الجزيرة التي نقلت أجهزة بثها المباشرة إلى شقق المذيعين والمذيعات، ليتم البث من البيوت نفسها للحدّ من تفشي الظاهرة، وحرصاً على سلامة العاملين والعاملات في الشبكة. جانب آخر مهم في تأثير جائحة كوفيد 19 هو انعكاسها على الاقتصاد الذي نعيشه اليوم، وسنعيشه وتعيشه أجيالنا المقبلة، فهو لم يزد فقط من إقبال المستهلكين على مواقع التسوّق الاجتماعي، وإنما غيَّر في نمط حياتنا الاقتصادية والمعيشية، ففي دراسة لتأثير جائحة كورونا على طريقة استخدام الناس للنت للتجارة الإلكترونية تبين من خلال استطلاع، أجرته الأوكتاد وهي منظمة التجارة والتنمية التابعة للأمم المتحدة، وشمل الاستطلاع 9 دول بينها تركيا، تبين أن نصف المشمولين البالغ عددهم حوالي 3500 شخص يتسوّقون عبر النت، مما دفع الأمين العام للأونكتاد إلى القول إن كوفيد 19 أدّى إلى تسريع التحول نحو عالم رقمي أكثر، وسيكون للتغييرات هذه آثار دائمة مع بدء تعافي الاقتصاد العالمي. وفي دولة كتركيا تبين أن عدد المستهلكين عبر التسوق الإلكتروني زاد بنسبة 41 %، بينما زاد شراء آلات صناعة الخبز عبر مواقع التسوق بـ 14 ضعفا. وتحدثت دراسة عن تحوّل القطريين بنسبة 100 % إلى التسوق الإلكتروني، وأنهم يرغبون بالاستمرار بالشراء عبره حتى بعد زوال جائحة كوفيد 19. لقد أبرز معنى اللامكان وجوداً صاعداً للشركات الصغيرة الناشئة، ودفع بالشركات الكبرى إلى الخلف، ما دام أصحاب الشركات الصغيرة يديرها أصحاب العقول الشبابية الأكثر قدرة على التعامل مع النت ومع العالم الجديد، بخلاف حركة الشركات التقليدية الكبيرة التي قد تشبه حركة الفيل، بينما شركات الشباب الصغيرة والرشيقة أشبه ما تكون بتقافز الأرانب وهو ما يحتاجه المستهلك في هذه الظروف بأن تكون الاستجابة كسرعة النت، الذي يجيده. لم يقتصر معنى اللامكان على الموظفين والشركات، وإنما تعدّاه إلى الدول، فقد نجحت الصين في ترجمة نظرية اللامكان حين شجعت البث المباشر وعلى مدى ساعتين فقط يوم 6/11 من العام الماضي على التسوّق الافتراضي في شراء الصنوبر الأفغاني، كبادرة على تشجيع الاقتصاد الأفغاني، واستجابة منها لطلب الحكومة الأفغانية، فنجحت العملية في بيع 120 ألف علبة صنوبر بلغ وزنها 20 طنا، فجنى المزارعون الأفغان من جرّائها 20 مليون دولار، مما سيُشجعهم أكثر على مواصلة هذه الزراعة بعد أن خشوا أن تكسد، فيُثبطهم ذلك عن مواصلة زراعتها مستقبلاً. هنا برز دور القوة الناعمة للدول في التعاطي مع الآخر، فقد وظّفت الصين قوتها الناعمة الاقتصادية، وحتى التسوّق الإلكتروني لتعزيز صداقتها مع الحكومة الأفغانية، بل مع الشعب الأفغاني ومزارعه، بينما رأينا نتائج القوة الخشنة الأمريكية في أفغانستان طوال الحرب الممتدة لعقدين، والتي لا تزال تصرّ على استخدامها حتى اليوم عبر عقوبات اقتصادية، وتجميد أرصدة مما انعكس بشكل خطير على الحياة المعيشية للشعب الأفغاني الذي يشعر غالبيته أن ما هو فيه من محنة اقتصادية ومعيشية مردّه للعقوبات الأمريكية المفروضة عليه. هل تدرك الدول أن لا معنى للمكان اليوم في العلاقات الدولية؟! كما أدركت الشعوب ذلك في عالم النت والكورونا. ربما معادلة صعبة أن تفهمها دول تتحرك حركة الفيل، فما ينطبق على عالم الأفراد ينطبق على عالم الدول.
9714
| 18 يناير 2022
فاجأت ثورة قزاقستان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بقدر ما فاجأت الرئيس القزاقي نفسه قسيم جومارات توكاييف، فبوتين الذي كان يُروّج للنموذج القزاقي بتراجع الرئيس نظر باييف إلى الوراء ودفع رئيس جديد يكون مقبولاً نسبياً، مع احتفاظ نظر باييف بإدارة الخيوط من وراء ستار، هذا النموذج كان يأمل بوتين أن يعممه في بيلوروسيا وربما سوريا، وحتى ذاته كان يفكر فيه، لكن ثورة قزاقستان أتت على الفكرة كلها، لاسيما وأن كل حلفائه المستبدين تعرضت بلدانهم، لثورات وانتفاضات بدءاً من أوكرانيا الثورة البرتقالية 2005، وجورجيا 2008، والثورة السورية ضد حليفه بشار الأسد، ومرة ثانية غزوه لأوكرانيا 2014، وخروجها عن نصه ملتحقة بالغرب، وبعدها بيلوروسيا العام الماضي، وهذا العام وما جرى في قزاقستان، كل هذا أغضب القيصر، وجعل مفاوضاته شاقة مع الأمريكيين والأوروبيين بشأن الأزمة في أوكرانيا. بوتين يرى أن أي هجوم على حاكم مستبد موالٍ له، إنما هو هجوم عليه شخصياً، وتحطيم أي تمثال لرئيس موال له إنما هو تحطيم لتمثاله في الغد، فكل هذا إنما يستهدف حكمه وأنموذجه، بالدرجة التي يستهدف حليفه، فحين تعرض الرئيس الفنزويلي نيقولاس مادورو لاحتجاجات شعبية، هبّ على الفور لنصرته والدفاع عنه، ولذلك أُطلق عليه براعي المستبدين، فهو يرى في الثورات التي وقعت في حديقته الخلفية وحتى حديقته البعيدة تحدياً لسلطته، ومجالات نفوذه التي يسعى إلى فرضها على الغرب اليوم بالاعتراف بها من خلال مطالبته بسحب قدرات الغرب وإمكانياته العسكرية التي نشرها في أوروبا، وأن يتعهد بعدم ضم أوكرانيا لحلف الناتو، وهو ما رأى فيه الأخير تدخلاً سافراً في بنية وتركيبة وهيكلية الحلف من قبل دولة أجنبية كروسيا. تصريح بوتين المتداول وبقوة الآن الذي كان قد أدلى به عقب الثورة البرتقالية الأوكرانية 2005 حين قال: ( إن انهيار الاتحاد السوفياتي أعظم كارثة جيواستراتيجية في هذا القرن.) وضع مداميك وأسس العقيدة العسكرية والأمنية البوتينية، وبالتالي فكل تحركاته ربما يفسرها هذا التصريح، فمن الواضح أنه لا يزال مصاباً بالنوستالجيا أي الحنين إلى ماضي الاتحاد السوفياتي، ولذلك يسعى إلى العودة للاتحاد السوفياتي التقليدي وهو ما قاله وزير الخارجية الأمريكي أخيراً أنتوني بلينكن، بينما بوتين المدرك استحالة العودة إلى نفس الشكل، فيطرح بديلاً عنه وهو الاعتراف بالمجال الحيوي الروسي في حديقته الخلفية، لكن السؤال المطروح كيف يمكن الاعتراف بمجالات نفوذ هي نفسها تنقلب على روسيا، وتسعى للإنفكاك عن مدار بوتين، كما تجلى في كل الثورات التي اندلعت ضد حلفائه وخاصة في مجاله الحيوي الذي يطالب به، كما في أوكرانيا وجورجيا ومولدافيا، وسوريا، وبيلوروسيا وقزاقستان. فالطموحات والنوستالجيا البوتينية تتناقض مع الواقع على الأرض، فالعفريت لن يعود إلى قمقمه، عكس ذلك جلب بافلوفسي المستشار السابق لبوتين:( طرح روسيا فكرة الحصول على مجال نفوذ، نادراً ما يتجاوب مع الوقائع على الأرض.) بوتين اليوم الذي كان يودّ أن يلعب دوراً أبعد من حصره ببقعة جغرافية محددة في حديقته الخلفية، وجد نفسه في فخ مع انتشار الثورات ضد حلفائه، وهي في حقيقتها وواقعها ضده وضد نموذجه، كما يراها هو بنفسه، والدليل هو هرعه على وجه السرعة لإنقاذ حليفه في قزاقستان، وحرصه على إنقاذ حليفه في سوريا، وغيرهما، هذا الفخ أو الشرك الذي وقع فيه أبعده عن طموحاته البعيدة بنظر السفير الأمريكي السابق في روسيا ميشال ماكفول،: فبوتين بنظر السفير يرى أن طموحه أكبر من حدود جيرانه، فهو يرى نفسه قائداً لحركة المحافظين الأرثوذكس القومية، والتي ستحارب الغرب المنحل الليبرالي والمفكك والمتعدد.) بالتأكيد فإن الأيام المقبلة وحتى الساعات القادمة قد تجيب عن تساؤلات كثيرة، حيث العالم يترقب نتائج محادثات الروس مع الأمريكيين والأوروبيين مع الروس، وفيما إذا كان الغرب ومعه أمريكا مصممين على مواجهة طموحات الكرملين؟ أم أن الأخير سينجح في رهانه بخلق شقّ وصدع بين الأمريكيين والأوروبيين، أما في حال فشلت الدبلوماسية فحينها هل سيغامر بوتين بشن هجوم سيبراني على أوكرانيا، وربما بهجوم بري حتى لانتزاع الشرق الأوكراني، مما قد يطلق حرب عصابات استعدت أمريكا لتمويلها، وحذرته من أن الدرس الأفغاني ينتظره لكن هذه المرة في أوكرانيا.
7925
| 11 يناير 2022
شكّل التصعيد الروسي الأخير على المرافق الحياتية في الشمال السوري المحرر تطوراً لافتاً، توقف عنده المراقبون والمحللون، لاسيما وقد أتى بعد أيام على اجتماع الأستانة بين ما عُرف بالدول الضامنة على وقف النار، بين النظام والمعارضة، وقد استهدف التصعيد الروسي مرافق حياتية وخدماتية، لم تكن على بنك أهداف القوات الروسية على الأقل في الأشهر الماضية، فبعد استهدافها مخافر الشمال المحرر التي تقف على حماية ناسه وتوفير الأمن لهم، لجأت أخيراً إلى استهداف وبشكل مركز ومقصود، مداجن البيض وتفقيس الصيصان، وتربية الدجاج، وهي من الأساسيات الحياتية كما هو معروف، ليتطور تكتيك القصف إلى استهداف مزارع البقر، ومعامل الكونسرة المحلية، ثم إلى ضرب محطة المياه شرقي أريحا بمحافظة إدلب، مما أخرجها عن الخدمة، وحرم مئات الآلاف من المدنيين في المدينة، مقيمين ومشردين من باقي المحافظات السورية من المياه بشكل كامل. وقد تفاعل ناشطون وشخصيات عربية وغربية على هاشتاغ أطلقه ناشطون سوريون على الفور، تحت وسم" #روسيا تُعطش إدلب، واعتبر بعض المحامين والأكاديمين العرب الهجوم جريمة حرب روسية حقيقية، لكونها استهدفت منشأة مدنية أساسية، كمحطة مياه تروي مئات الآلاف من المدنيين المحاصرين أصلاً، بينما حين خلا القصف من أي إدانة دولية، وحتى من قبل تركيا الدولة الضامنة للإتفاقيات، فلم تتطرق إلى القصف الروسي، والذي بحسب مركز الدفاع المدني" الخوذ البيضاء" في المحرر قد وصل إلى 15 غارة في غضون الـ 48 ساعة وأوقع قتلى وجرحى معظمهم من النساء والأطفال والعاملين في المنشآت المدنية الخدماتية. التصعيد الروسي أتى على خلفية تصريحات المبعوث الرئاسي الروسي الكسندر لافرنتيف الذي حدد للسوريين ومعارضتهم بأن سقف اللجنة الدستورية العاكفة على كتابة دستور جديد لسوريا برعاية الأمم المتحدة، إنما هو بشار الأسد، بحيث ينبغي ألاّ يطاله أحد بتغيير، وهو ما أغضب المعارضة السورية، وذكرها بتصريحات لافروف بداية الثورة حين قال لا يمكن للسنة أن يحكموا سوريا، فانسحب اليوم بعض أعضاء اللجنة احتجاجاً على تصريحات لافرنتيف، وهدد آخرون بوقف العملية السياسية كلها، إذ إن روسيا لم تعد ضامنة برأيهم للعملية السياسية، وإنما هي منذ البداية طرفٌ حقيقي أصيل في العدوان على الشعب السوري، واستغلته المعارضة بالتنسيق مع بريطانيا في اجتراح قرار بالجمعية العمومية يمنع على الدول المشاركة في العدوان من حق النقض في مجلس الأمن، وهو إن حصل، فسيضع روسيا في أزمة حقيقية إزاء دعمها للنظام السوري، لاسيما وأن خلاف الغرب مع روسيا فيما يتعلق بملفات أوكرانيا وغيرها قد ينعكس إيجابياً على الثورة السورية. يدرك السوريون أنهم يدفعون ثمن المناكفات والخلافات والاتفاقات بين روسيا وتركيا، فبيع الأخيرة لطائرات الدرون" البيرقدار" إلى أوكرانيا أقلق موسكو، وقد يغير معادلة الحرب الروسية على أوكرانيا لصالح الأخيرة إن اندلعت الحرب، ولذا فإن موسكو ترسل رسائلها إلى أنقرة عبر صندوق بريد إدلب، ربما يفسره الاتصال الهاتفي الذي أتى بعد ساعات على الهجوم على محطة المياه في إدلب بين الرئيسين الروسي والتركي، واقتصرت تسريباته على أن الطرفين تحدثا عن الوضع في إدلب وقضايا دولية ومن بينها أوكرانيا، مما يؤشر إلى ارتباط الملفات ببعضها بعضاً. حالة الإرتياح الخدماتي الذي يعيشه الشمال المحرر بفضل هروب الطبقات الوسطى العاملة الحقيقية من مناطق النظام إلى المناطق المحررة، للعمل في مشاريع انتاجية، قد انعكس إيجاباً على الواقع المعيشي والاقتصادي النسبي مقارنة بمناطق النظام، وهو أمر لا يروق لروسيا، المتهمة من قبل حاضنة النظام بالمسؤولية عن تدهورها الاقتصادي، وتراجع خدماتها. ولذا ليس أمامها سوى الإنتقام من المناطق المحررة التي تتوافر فيها الأساسيات، بفضل المنظمات الخيرية القادمة من قطر وتركيا والكويت وغيرهم، مع صعوبة الحياة والعيش في المخيمات، التي تؤوي مئات الآلاف من المشردين عن بلداتهم وقراهم. ثمة أمر آخر يُقلق روسيا إلى حد كبير، وهو أن هيئة تحرير الشام المصنفة إرهابية، قد نجحت بشكل كبير في إدارة الشمال المحرر وتوفير خدمات له، أكثر مما وفره النظام السوري لحاضنته، فضلاً عن قدرتها على تسويق نفسها خلال السنوات الماضية على أنها حركة معتدلة، فقاتلت تنظيم داعش، وقضت عليه، ووفّرت خدمات لأكثر من أربعة ملايين نسمة، وتعاونت مع تركيا بعد أن راهن الكثيرون على استحالة ذلك، الأمر الذي يُفرّغ كل الاتهامات والدعايات الروسية من مضمونها.
7182
| 04 يناير 2022
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع...
8991
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل...
4899
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز...
4293
| 23 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية...
2946
| 24 سبتمبر 2026
ما لفتني في خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ...
2211
| 23 سبتمبر 2026
لا تكمن خطورة ما يجري في منطقة باب...
1350
| 20 سبتمبر 2026
شهدت دمشق الأسبوع الماضي حدثًا ثقافيًا وفنيًا استثنائيًا،...
753
| 21 سبتمبر 2026
أخطر التضليل الإداري لا يحتاج إلى تزوير رقم...
726
| 27 سبتمبر 2026
كان ظهور جهاز جديد في الماضي يعني أن...
714
| 23 سبتمبر 2026
في الثالث والعشرين من سبتمبر، لا يحتفل العالم...
510
| 22 سبتمبر 2026
الحاقا لمقالي الأسبوع الماضي في الشرق -" مستقبل...
447
| 20 سبتمبر 2026
يحظى المعلم في دولة قطر بالاهتمام الكبير والتقدير...
441
| 25 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تابع الأخبار المحلية والعالمية من خلال تطبيقات الجوال المتاحة على متجر جوجل ومتجر آبل