رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مهرجان الجماعات الهندوسية المتطرفة الأخير بمدينة هاريدوا الواقعة 150 ميلاً شمالي العاصمة الهندية نيودلهي، التي هددت فيه هذه الجماعات بإبادة المسلمين، وتحويل الهند إلى هندوسية، فتح الأبواب كلها على تكهنات ومستقبل غامض ليس للمسلمين فقط، وإنما لما عُرف بأكبر ديمقراطية عالمية، واللافت أن المشاركين والمنظمين للمؤتمر يحظون بعلاقة قوية مع حزب جاناتا بارتي الهندوسي، الذي يقوده رئيس الوزراء الحالي نارندرا مودي، المتهم أصلاً بمجازر ضد المسلمين في ولاية كوجرات عام 2002 يوم كان كبيراً لوزراء الولاية، والتي راح ضحيتها حينها 2000 قتيل من المسلمين بعضهم قضا حرقاً، ومع هذا تمكن هو وحزبه بعد سنوات من الفوز برئاسة وزراء أكبر دولة ديمقراطية في العالم. بدأت القصة بتهديد منظمي المؤتمر بقتل كل المسلمين، وتحويل الهند من دولة علمانية، إلى دولة هندوسية، ودعا أحد المشاركين إلى قيام مائة مسلح هندوسي بقتل مليوني مسلم، وأن يستعد كل من يُقدم على هذا الفعل بأن يذهب إلى السجن، ونادى أحدهم باستنساخ النموذج البورمي في التعاطي مع المسلمين، من خلال حرقهم وطردهم، لتغدو الهند هندوسية خالصة. ولم يقتصر التهديد على المسلمين بعد أن صرخ أحد قادة المؤتمر بأنه يأمُل أن يقتل رئيس الوزراء الهندي السابق مانموهان سينغ لأنه سيخي، فهو لا يريد الهند لأحد إلاّ للهندوس، فزاود عليه أحد المنظمين بالقول إنه طلب من فنادق هندية عدة في المنطقة ألاّ تقبل عروض المسيحيين عليها بعقد حفلات أعياد الميلاد في فنادقها. اللافت للمراقبين والمحللين هو ردّة فعل الحكومة تجاه مقطع فيديو المؤتمر، الذي راج على صفحات التواصل الاجتماعي، والذي هدد بإبادة المسلمين، حيث قوبل كل ذلك بصمت مطبق، مما فُسر على أنه حماية حكومية للمؤتمر وللمنظمين، خصوصاً وأن الشرطة المحلية لم تفتح تحقيقاً في الحادث إلا بعد مرور أربعة أيام عليه، حين أحدث ضجة داخلية وعالمية، ومع هذا فقد اكتفت بتسجيل الأمر ضد مجهول، على أن من يثبت عليه التهمة من المنظمين سيُسجن لخمس سنين بتهمة ترقية النعرات الدينية والطائفية. المسلمون في الهند يبلغ عددهم 176 مليون مسلم، ويشكلون 14.2 % من ديانات هندية يصل عددها إلى 900 ديانة، ونظراً للتاريخ الدموي الهندوسي ـ المسلم، والذي يعود إلى بواكير انفصال شبه القارة الهندية وما خلفته من مآسٍ يومها، يخشون نكأ الجراح، ويشعرون بالقلق الكبير إزاء مثل هذه الحوادث وهو ما دفع أحد نوابهم في البرلمان الهندي للتعليق على هذا التحريض بقوله: (إنه تحريض على المجازر)، لكن هندوسية الهند التي يطمح إليها المتطرفون، ومن بينهم حزب جاناتا بارتي الذي يقوده مودي نفسه، محل خوف وقلق هندوسي دائمين مع اعتناق بعض أفراد الطبقات الدنيا الهندوسية للدين الإسلامي وحتى المسيحي، بما يُقلق قادة الأحزاب الهندوسية المتطرفة على مستقبل هندوسية الهند على المدى البعيد، ولذا نراهم يختلقون أعذاراً أحياناً من أجل قمع المسلمين، وشدّ العصب الهندوسي بين الهندوس أنفسهم بالقول إن العمال المسلمين يُغوون الفتيات الهندوسيات في أماكن العمل وحتى في الشوارع على الزواج منهم لتحويلهن إلى الإسلام، وهو ما وجه كاتهام أيضاً للمسيحيين بأنه يتم إغراء الهندوس بالمال، مقابل التخلي عن الهندوسية واعتناق المسيحية. اللافت الذي لحظته النيويورك تايمز هو ما نقلته عن أساتذة في العلوم السياسية بجامعات هندية بأن قلة من السياسيين يرون اليوم حاجة بقاء الهند كدولة علمانية، كما أراد لها مؤسسوها الهنود قبل قرن من الزمان، ويقول أستاذ في العلوم السياسية إن حزب جانا بارتي الذي يقوده مودي ربما لديه الكثير من التحديات، لكنه بالتأكيد كسب رهان الحرب الثقافية، بعد أن انعكست إستراتيجية التحريض الافتراضية على الواقع يوم تعرّض الباعة المتجولون المسلمون للضرب والإهانة وحتى إلى سرقة ممتلكاتهم من قبل هندوس متطرفين. لعل الأشد التفاتاً هو ليس صمت السياسيين الهنود إزاء ما يجري من تغيير هوية وحمض نووي البلد الذي تشكل لمائة عام تقريباً، وإنما ما يُقلق ويثير الدهشة والاستغراب هو صمت منظمات وقوى ديمقراطية هندية على هذه الممارسات التي ستُطيح بهوية الدولة، بعد أن خفّضت مؤسسة فريدم هاوس الديمقراطية تصنيف البلد العام الجاري إلى منزلة (حر جزئياً)، بينما صنّفتها مؤشرات ديمقراطية أخرى على أنها (ديمقراطية معيبة)، وذهبت مؤسسات أخرى أبعد من ذلك بكثير حين قالت عنها إنها لم تعد ديمقراطية بالمرّة.
8388
| 28 ديسمبر 2021
تُصر أمريكا على استخدام دليل عقوبات قديم، لم تنته صلاحياتُه فحسب، وإنما فشل طوال استخداماته لعقود، إن كان بفرض عقوبات على كوبا، أو على إيران، والعراق والنظام السوري وأخيراً على روسيا والصين، ولكن لا تزال أمريكا تصر على استخدام ما أثبت فشله، وإخفاقه، وتهدد به في ظل الحشودات العسكرية الروسية المتعاظمة على حدود من يُفترض أن تكون عضواً في النيتو الآن وهي أوكرانيا، لتتحول إلى ثغرة دوفرسوار روسية حقيقية نحو العمق الغربي. لقد باتت أوكرانيا اليوم مهددة بالابتلاع روسياً كما حصل عام 2014 بالقرم، ومن قبلها بجورجيا، فهي ليست بحاجة لسلاح عقوبات يُشهر بوجه الحشودات الروسية، وإنما تطالب بأسلحة متطورة، ودعم عسكري غربي غير مرخص له حتى الآن. لجأت أمريكا عام 2014 إلى معاقبة الشركات الروسية، ووضع بعض بنوكها على القائمة السوداء، وحرمتها من استخدام البطاقات الائتمانية، ولكن مع هذا، واصلت روسيا سياستها، وإستراتيجيتها الرامية إلى التوسع غرباً، وقضم أوكرانيا، مما يحوّل روسيا لقوة عالمية بحسب تقييم مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق بريجنسكي. عالم اليوم لم يعد عالم 2014 في ظل العملات الرقمية المتعاظم شأنها، والتي تهدد بالتفوق المالي الغربي والأمريكي تحديداً، إذ تستطيع كل من روسيا والصين وغيرهما الالتفاف على العقوبات البنكية، وحتى على خاصية السويفت كود من خلال التعامل بالعملات الرقمية، لاسيما بعد أن تعهدت روسيا بوقف بيع الغاز للغرب بالدولار. كل العقوبات الأمريكية السابقة المفروضة على روسيا لم تُفلح في تعديل سياساتها كما هدفت أمريكا، وإنما واصلت روسيا عمليات الاختراق السيبراني، وواصلت معه قمع معارضيها في الداخل والخارج، بينما تمسكت أمريكا بسياسة العقوبات القديمة، في مواجهة التكتيكات الروسية الهجومية المتعددة والمتنوعة، وبحسب الخزانة الأمريكية فإن العقوبات الأمريكية تضاعفت إلى 933 ضعفاً خلال الفترة الواقعة بين 2000 - 2021، وفي فترة حكم باراك أوباما وُضعت 500 جهة ضمن قائمة العقوبات، لتتضاعفت خلال إدارة دونالد ترمب، ولكن النتيجة هي نفسها، الفشل والإخفاق على الصعيد الأمريكي، والإصرار والهجوم والعناد على صعيد الخصوم. أثبتت العقوبات وبالدليل الواضح والقطعي فشلها تاريخياً وعدم جدواها، بعد أن فقدت كفاءتها وقدرتها على التأثير، بلَه منحت الخصم فرصة للتفكير، بالالتفاف ليس تكتيكياً فحسب، وإنما إستراتيجياً عبر إيجاد بديل كالعملات الرقمية، ونقل وتحويل الأموال بعيداً عن نظام يتحكم به الدولار تقليدياً، ولكن حتى نكون منطقيين لا يمكن تحميل العقوبات الاقتصادية لوحدها الفشل في إرغام روسيا وخصوم أمريكا على تعديل سياساتهم، وإنما لا بد من تحميل من استخدمها في كل مكان تصلح فيه ولا تصلح فيه، فكما قيل لكل مقام مقال، وكما يقول المثل الإنجليزي: (لا يمكن تحميل المطرقة المسؤولية، إن أُريد لها أن تقوم مقام مفكّ البراغي)، فلكل وظيفته ووقته ومداه. بلا شك فإن روسيا تتقدم اليوم سياسياً على أمريكا والغرب عموماً، متسلحة بهزيمة أمريكية وغربية في أفغانستان، وانسحاب من الشرق الأوسط، وارتباك في الأولويات الأمريكية من التركيز على أفغانستان، إلى مواجهة مع الصين، والآن ضاغط أوكرانيا، وتفجير بوتين لصاعق جديد اسمه البوسنة والهرسك الواقعة وسط أوروبا، مما يعني أن الحرائق المشتعلة غدت في مناطق الغرب ذاته. إذ إن عجز أمريكا والغرب بشكل عام على حماية اتفاقها في دايتون 1995، يظهر مدى عجزها وهشاشتها دولياً، لاسيما بعد أن أعلن الرئيس التشاركي البوسني وصربي الأصل ميلوردا دوديك الذي كان موالياً للغرب قبل أن يتحول لصف بوتين، فقد أعلن انحيازه للموقف الروسي، وطالب بفصل منطقته سربسكا عن البوسنة والهرسك، مما يعني انهيار اتفاق دايتون، وانهيار من رعاه في البوسنة والهرسك، وزعزعة لاستقرار الدولة كما قال السفير البريطاني في المنطقة. ومع تكبير الدائرة عالمياً يظهر نجاح بوتين من البوابة الأوكرانية على عدة مستويات، فقد استغل الهزيمة الأمريكية في أفغانستان، والفجوة التي حصلت بينها وبين الهند، فقام بزيارة استثنائية لنيودلهي في زمن الكورونا التي عادة ما تقلّ فيه الزيارات، وعقد صفقات عسكرية امتدت لبيع مضادات جوية إس إس 400، وهو ما ضرب من خلاله عدة عصافير بحجر واحد، فقد خلق شرخاً بين نيودلهي وواشنطن، ووضع الأخيرة أمام استحقاق يطالبها به حتى حلفاؤها من فرض عقوبات على الهند كما فعلت مع تركيا يوم اشترت نفس الصفقة، ومع إبعاد الهند عن الإستراتيجية الأمريكية في المحيط الهادئ الرامية إلى مواجهة الصين، تكون خففت بذلك من غلواء العداء الهندي للصين، وكسبت الأخيرة إلى صفها عبر خدمة مميزة أسدتها للصين. في مقابل التراخي الغربي والتردد الأمريكي، وحالة اللاثقة التي نشأت في الفترة الأخيرة داخل معسكر الغرب إن كان بسبب صفقات أسلحة، أو صفقات الكوفيد 19، أو بسبب الهزيمة في أفغانستان، وحتى الخلاف الأوروبي ـ الأمريكي في سوريا وغيرها، يظهر لنا تماسك وتعزيز المحور الآخر الذي أضلاعه روسيا والصين وإيران، إضافة إلى كسب الهند كما رأينا حتى الآن على الأقل، فجميع مكونات هذا المحور تسير مع بعضها بشكل متناغم، لخدمة هدف واحد وهو تفشيل الإستراتيجية الأمريكية كل في حيّزه، ولعل الساحة الأوكرانية اليوم ساحة اختبار حقيقية للطرف الروسي، كما هي ساحة اختبار أهم للطرف الغربي، فإن حسمت لصالح روسيا فحينها لو كان إدوارد غيبون حياً لكتب كتابه الجديد صعود وسقوط الإمبراطورية الديمقراطية الغربية، كما فعل من قبل مع الإمبراطورية الرومانية!
6921
| 21 ديسمبر 2021
كشف الصراع في أوكرانيا كحال الصراع في سوريا وغيرها من الدول، التي تشهد صراعات دولية، عن غياب القواعد والقوانين الدولية الناظمة للعالم سابقاً، فقد شهد الكثير منّا كيف تحرّك العالم كله لمواجهة الغزو السوفييتي لأفغانستان في مثل هذه الأيام من عام 1979، لانتهاك موسكو يومها سيادة الأراضي الأفغانية، وشنها حرباً على الشعب الأفغاني امتد لعقد كامل، لكن لم يجدْ الأخير نفسه وحيداً في المعركة، وإنما دعمه وسانده العالم كله، وظن العالم يومها أن هذا قد يكون درساً لروسيا وغيرها بكلفة كل من يحاول انتهاك سيادة الدول، حتى استفاق العالم على تدخل إيراني وروسي في سوريا وغيرها دون أن يرد العالم بنفس الطريقة أو شبيهها التي فعلها أيام الجهاد الأفغاني. فمنذ سنوات ونحن نشهد تصاعداً في استخدام المليشيات والجيوش غير النظامية، لتُعفي بذلك الدول من مسؤولياتها الأخلاقية، فضلاً عن كونها أرخص ثمناً، فكانت شركات البلاك ووتر الأمريكية في العراق، وفاغنر في سوريا وليبيا ومالي وغيرها، والمليشيات الطائفية في العراق وسوريا واليمن، مما جعلها حروباً بالوكالة، لا تخضع لقوانين دولية، ولا منظومات أخلاقية عرفها العالم سابقاً، وإنما غدونا أشبه ما نكون بعالم قديم لا ناظم ولا قوانين له، وزاد الطين بلّة استخدام الدول ذرائع جديدة لم يعهدها العالم من قبل، كحق مكتسب لها كما تعتقد في التدخل العسكري، تحت ذريعة التدخل لحماية مراقد، أو لحماية امتدادات دينية وثقافية وإثنية، كما رفعت شعارها موسكو في كييف، وهو يعني باختصار أن الدول ودساتيرها وقوانينها لم تعد هي من تحمي مكوناتها، وأقلياتها، وإنما من يحميها هو تدخل عسكري خارجي، مما جعل العالم في مهبّ الريح، وجعلت الدول ساحة سائبة للقوي القادر على التدخل لحماية مصالحه وفئاته ومكوناته، على حساب العدالة وسيادات الدول وحريتها. تصاعد الصراع في أوكرانيا سيُفضي إلى حالة فوضوية عالمية غير مسبوقة، فإن لجأ الغرب إلى دعم أوكرانيا بالسلاح المتطور كما تريد الأخيرة، فإن موسكو ستُصعّد من جانبها، ولن تقبل وجوداً للناتو على حدودها الشرقية، وهي التي تتذرع بأن الرئيس السابق غورباتشوف انتزع تعهداً من ريغان يومها بعدم تمدد وتوسع الناتو شرقاً، الأمر الذي نفاه غورباتشوف نفسه لاحقاً. تتسلح موسكو اليوم بوجود جيبين شرقي أوكرانيا يديرهما متمردون موالون لها، وهي من تقوم على تسليحهم ودعمهم، ومثل هؤلاء سيكونون بمثابة رأس الجسر للتدخل الروسي في أوكرانيا، التي تنظر إليها موسكو كتهديد حقيقي لها نتيجة تمدد الناتو شرقاً، وكمخالب دب روسي في لعبة دولية، تماماً كما يفعل في سوريا. بكل تأكيد تدرك روسيا تماماً أن واشنطن اليوم بعد هزيمتها المُذلة في أفغانستان، ليست في وارد الصدام مع روسيا، فهي منشغلة بنفسها، فضلاً عن انكفاء أمريكي واضح في أفريقيا، والشرق الأوسط، مع انشغال في بحر الصين الجنوبي، وفوق هذا كله حرب باردة كلامية وسياسية مع أوروبا، وحتى الأخيرة لديها خلافات بينية، ولعلّ أكثر ما تجلى أخيراً بمهاجمة وزير الدفاع الأوكراني لألمانيا لمنعها بلاده شراء أسلحة من الناتو لمواجهة العدوان الروسي المحتمل حسب وصفه، وأضاف الوزير إن ألمانيا تصر على المضي قدماً في مشروع نوردم ستريم الذي سيجرّ الغاز الروسي إلى ألمانيا وأوروبا. واشنطن لا تزال تكتفي بلغة التحذير من الإقدام على أي غزو محتمل، حيث قال وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكن عقب المحادثات الافتراضية بين بايدن ـ بوتين بأن الأيام والأسابيع المقبلة كافية لرؤية فيما إذا كان بوتين أصغى لما قاله الرئيس بايدن، وهو يعكس حجم ومدى التحذير الذي وجهه بايدن لبوتين في لقائهما الأخير. الصراع في أوكرانيا قد يُطلق سباق تسلح، ومثل هذا السباق لا تقوى عليه روسيا في ظل قلّة الموارد، وهو ما لخصه خبير روسي لتقرير مجموعة الأزمات الدولية بقوله: (بوتين لا يريد سباقاً للتسلح، لأنه باختصار ليست لديه موارد لها.)، ولعل التهديدات الأمريكية في فرض عقوبات على الشركات الأوروبية المتعاملة مع روسيا ستُلحق أفدح الضرر بالاقتصاد الروسي، بالإضافة إلى التهديد بحرمان موسكو من خاصية السويفت كود، وهو ما يعني وقف تعاملها مع البنوك العالمية، مما سيضرّ بالتجارة والأعمال الروسيين. الصراع في أوكرانيا في جوهره وتداعياته ليس بعيداً عن الهموم العربية والإسلامية، وإنما سيصيبها سلباً أو إيجاباً، ولعله في حال تطوره العسكري، أو إن كان على شكل عقوبات اقتصادية، سنشهد تراجعاً في الاعتماد الغربي على مصادر الطاقة الروسية، والتفاتاً غربياً لمصادر الطاقة في المنطقة العربية، بالإضافة إلى تقلّص مساحة الأنظمة الاستبدادية المعتمدة على روسيا وغيرها، لكن ومع هذا لا يزال البعض يعتقد أن ثمة فُرجة وفُرصة للتوصل لتسويات ممكنة، قد تكون على حساب أوكرانيا واستقلالها، فكما تسامح الغرب مع الاجتياح في أبخازيا بجورجيا، والقرم في أوكرانيا، ومن قبل في مولدافيا، ربما يتسامح مع روسيا اليوم في أوكرانيا.
13714
| 14 ديسمبر 2021
تُجمع الدراسات البحثية والتقارير الموثقة القادمة من أفغانستان على أن البلد على حافة انهيار اقتصادي، لن تكون تداعياته اقتصادية فقط، وإنما ستشمل جوانب أخرى، ولن تكون تأثيراته على الأفغاني بقدر ما ستكون على دول الجوار وما بعدها، ما دامت القضية ستتعدى الجوانب الاجتماعية. يحدث هذا في ظل حديث متنامٍ عن دور الاحتلال الغربي الذي ترك صواعق للانفجار في أي لحظة وتحديداً، صواعق اقتصادية كتجميد عشرة مليارات دولار لأفغانستان في بنوكه بأمريكا، أو سيف ديموقليس ممثلاً بعدم الاعتراف بحكومة طالبان الأفغانية وهو ما يحدّ من أي تحرك سياسي واقتصادي وأمني، فيدفع ثمنه الموظف الأفغاني المحروم من تلقي رواتبه لأشهر، مما دفع الأمم المتحدة إلى تصنيف أفغانستان بأنها البلد الأكثر تسارعاً في انهيار اقتصادي بالعصر الحديث. الدراسات الاقتصادية الدولية التي كشفت عنها مجلة الفورين أفيرز الرصينة مرعبة ومخيفة ليس للأفغان وإنما للعالم كله، لاسيما الدول التي خرجت من أفغانستان كونها المسؤولة بشكل مباشر عن هذه التداعيات، تقول الدراسات إن أكثر من نصف عدد سكان أفغانستان البالغ عددهم 23 مليون نسمة لن يجدوا ما يأكلونه بعد أسابيع فقط، مع عجز الحكومة الأفغانية عن دفع رواتب موظفيها، نتيجة تجميد واشنطن لأموال الدولة الأفغانية، وتتذرع واشنطن بأنها لن تفرج عن الأموال ما لم تُحسّن طالبان من سلوكها تجاه المرأة الأفغانية، والأقليات، وسجل مكافحة الإرهاب، وكلها شروط بحاجة ربما لسنوات لنعرف تطبيقاتها على الأرض، ولا يعرف أحدٌ معاييرها ولا أمد تنفيذها، الأمر الذي يدفع المواطن الأفغاني العادي ثمنها وضريبتها جوعاً، وفقراً وموتاً ومرضاً عاجلاً. وبحسب المنظمات الدولية فإن ثمة ثلاثة ملايين طفل أفغاني، أعمارهم تحت سن الخامسة يعانون من سوء التغذية اليوم، بينما تقدر هذه المؤسسات دخل الفرد الأفغاني الواحد سنوياً بـ 350 دولاراً مما يضع البلاد في سلم الدول الأقل دخلاً في العالم، بحسب تصنيف البنك الدولي، والذي يزيد فيقول إن ملايين الأفغان أمامهم خياران، إما العيش بالفقر في أفغانستان، أو اللجوء إلى الهجرة، أما الاقتصاد الأفغاني فيُتوقع له أن يتراجع بنسبة 30 % مع نهاية العام الحالي، على حالة السوء والتدهور الذي هو فيه أصلاً. على المستوى الاجتماعي البلاد تعاني أصلاً من حالة القحط والجفاف، فالريف الذي كان ملاذ المدن في حال تعرضت لضغوط اقتصادية صعبة، لم يعد ملاذها اليوم، فالكل يعاني من الفقر والقحط وغياب الرواتب، مما يجعل الواقع الاقتصادي وتداعياته الاجتماعية خطيراً للغاية على تفكك المجتمع الأفغاني، وتأثيره وانعكاسه كذلك على دول الجوار وربما الدول الأبعد في حال بدأ الشعب الأفغاني بالهجرة الجماعية من بلاده هرباً من الجوع والفقر والفاقة. بعض المانحين دعوا إلى معالجة سريعة للواقع بحيث تُفرج الولايات المتحدة الأمريكية عن نصف مليار دولار عاجل دعماً للقطاع الصحي، وهو الأمر الذي سيوفر دفع رواتب كادر هذا القطاع، لاسيما وأن أي تحرك دولي لإغاثة الفقراء والمحتاجين بحاجة إلى سيولة نقدية وهي غير متوفرة الآن في ظل العقوبات الأمريكية على الحكومة الأفغانية، التي من المفترض أن يتم التعامل معها كحقيقة واقعية، وإلا فإن التداعيات ستصيب الجميع وليس الشعب الأفغاني أو الحكومة الطالبانية فحسب. التحرك الخليجي أخيراً والذي بدأته قطر بإصلاح مطار كابول بوابة أفغانستان إلى العالم الخارجي، فضلاً عن لعبها دوراً في وصل العالم بأفغانستان، ووصل الأخيرة بالعالم، بعد أن نقلت معظم السفارات الغربية مكاتبها من كابول إلى الدوحة، وتشجعت أخيراً المملكة العربية السعودية ففتحت قنصليات لها في كابول سيساعد في تخفيف الضغوط الاقتصادية على الشعب الأفغاني، لاسيما وأن هناك مئات الآلاف من العمالة الأفغانية في دول الخليج، قادرة على توفير أكثر من مائة مليون دولار سنوياً كتحويلات تضخ في الاقتصاد الأفغاني، بالإضافة إلى فتح خطوط طيران بين الرياض وكابول، وبين الأخيرة ودبي أيضاً، فمثل هذه التحركات ستفتح كوّة أمل أفغانية، لاسيما وأنه في الأسبوع المقبل هناك اجتماع خليجي في الرياض لدرس كيفية الانخراط الخليجي بأفغانستان، الذي تنظر إليه إيران على ما يبدو بعين القلق والتوجس، خصوصاً وأن ذلك تزامن مع اشتباكات طالبانية إيرانية على الحدود، وإن تكن محدودة، لكنها مؤشر لدى البعض في كيفية سير السياسات الإقليمية في أفغانستان وما حولها.
16191
| 07 ديسمبر 2021
تفاقم الوضع في البلقان أخيراً مما ينذر بمواجهات عسكرية وسياسية وصراعات علنية ومستترة بين القوى الداخلية والإقليمية والدولية، مما يُعيد إلى الأذهان ظروفا دولية معقدة شهدتها المنطقة في التسعينيات، وما أسفر حينها عن صراعات دينية وعرقية دفعت إلى تدخل النيتو ووقف مذابح البوسنة والهرسك لكن بعد مجازر ومذابح واسعة النطاق على أيدي الصرب وداعميهم الروس. بدأت قصة التوتر علنياً في البلقان في شباط/فبراير الماضي حين فاز الحزب القومي الكوسوفي في الانتخابات العامة بقيادة القومي ألبين كورتي الذي يقود رئاسة الوزراء حالياً، ورحب على الفور بإجراء استفتاء ديمقراطي للوحدة مع ألبانيا، لكنه بالمقابل لم يجعلها أولوية من أولويات حكمه، وهو الذي يدرك أن تعقيدات المشهد المنطقوي ليس في صالح مشروعه، فمجرد الحديث عن الأمر قد أثار حفيظة وغضب واستعداد وتهيؤ الصرب للقادم. وكانت كوسوفو قد أعلنت الاستقلال عن صربيا في عام 2008 باعتراف أمريكي وألماني وبريطاني وهو ما عارضته صربيا ومعها بالتأكيد حليفتاها روسيا والصين، فالصرب ينظرون إلى كوسوفو كمهد لأجدادهم وديانتهم، ولم تفلح طوال تلك المرحلة جهود الاتحاد الأوروبي في الاستجابة لإصرار الصرب في منح منطقة شمالية ذات أغلبية صربية بالاستقلال حيث يصرون ومعهم الروس على اقتطاعها من إقليم كوسوفو. سكان ألبانيا التي تستعد للانضمام للاتحاد الأوروبي ولديها علاقات قوية معه حتى الآن، لكنها لم تدخله بعد، تحظى بعلاقات دينية وثقافية وروابط قوية مع كوسوفو، وباعتبارها دولة معترفا بها دولياً، فهي قادرة على حل مشكلة اعتراف العالم بكوسوفو إن اتحدت معها، مما يجعل فرصها بالانضمام للاتحاد الأوروبي مع ألبانيا أفضل، وهي التي تنتظر دورها لتكون عضواً بالاتحاد. في عام 2015 بدأ قادة ألبانيا يرفعون أصواتهم بالوحدة مع كوسوفو، بل ويرونها حتمية ويدعون لمجلس رئاسي مشترك، وفي استطلاع للرأي أجري عام 2019 تبين أن 75% من الألبان يؤيدون الوحدة، بينما 64% يؤيدها في كوسوفو، وثمة ممانعة دولية، وصعوبات اقتصادية في عملية الاندماج التي تحتاج لمليارات الدولارات، لاسيما مع إعادة تشكيل حدود أبعد من المنطقتين. مثل هذا الواقع قد يدفع للمطالبة بألبانيا الكبرى، وهو ما سيُزعزع وضع مقدونيا، لمطالبة الألبان في داخلها بالانضمام إلى ألبانيا الكبرى، وسيُزعزع بالتالي الوضع في كل من البوسنة ومونتينيغرو، حيث سيطالب صرب البوسنة بالانضمام إلى صربيا الكبرى وعاصمتها بلغراد، وحينها بالتأكيد سيعارض ذلك حليفا الصرب روسيا والصين مما يجعل الاعتراف الدولي أزمة دولية، وغير ممكنة التحقيق في ظل الاستقطاب الدولي تجاه القضية. واشنطن التي تعترف بألبانيا كعضو في النيتو ستتردد كثيراً في الدخول بخطة تفضي إلى زعزعة غرب البلقان وهي التي خرجت من حرب كلفتها الكثير في أفغانستان مالياً وبشرياً، وفوق هذا سُمعة وعلاقات دولية، فهي على الأقل في حالة تسعى للتعافي مما أصابها طوال العقدين الماضيين، أما الاتحاد الأوروبي، فلن يُشجع ذلك، وهو المفكك في داخله الآن، بل والمتناقض في جوهره بسبب تباين واختلاف دوله في كثير من القضايا الدولية والحساسة التي تمسه بشكل مباشر. في ظل هذه الأجواء المنطقوية والدولية، تبقى الحرب صامتة وقوية وبعيدة عن الأضواء بين صربيا وكوسوفو، بفرض الضرائب على لوحات سيارات بعضهما البعض الداخلة لمناطق الطرفين، مما تسبب في أزمة حقيقية قد تتطور إلى أزمة أمنية على الحدود مع نشر كل طرف لقواته على حدوده للتعاطي مع أزمة الشجارات والخلافات التي تدب بين الطرفين وبين السائقين، الأمر الذي قد يتطور إن لم يتم معالجته سريعاً، وبشكل حاسم لأزمة تستقطب حلفاء دوليين لكل طرف من الطرفين المتصارعين.
10337
| 30 نوفمبر 2021
مع بدء كل عام دراسي في المناطق السورية المحررة، تُنكأ جراح قديمة جديدة، جراح تتعلق بمستقبل التعليم في المناطق المحررة، تحديداً في مناطق إدلب التي تضم حوالي أربعة ملايين شخص، معظمهم مهجرون ومشردون من سوريا كلها. يعيشون في خيام معظمها بالية لا تقيهم برداً ولا حراً، ولكن الخطر الساحق الذي يتهددهم هو مستقبل أبنائهم وأجيال أحفادهم، ممثلاً بخطر افتقار كثير منهم للتعليم، خصوصاً أن منظمات دولية تشترط لدعمه الاقتصار على المرحلة الأولى، وهي الابتدائية، وتتخلى عن دعم المرحلتين الإعدادية والثانوية. هذا الواقع دفع كثيراً من الأساتذة الذين حرموا من راتب أقل من القليل، للتخلي عن مهنة التعليم، واللجوء إلى كسب يدوي، لكفالة أنفسهم وعائلاتهم. وبالعودة إلى لغة الأرقام والبيانات والحقائق، فإن المعلم الواحد في مناطق إدلب المحررة لا يتجاوز راتبه مائة دولار شهرياً، وفي الغالب خمسون دولاراً فقط. وبحسب المعلومات المتوافرة لدينا فإن عدد المدارس في منطقة إدلب، التي تحتاج إسعافاً عاجلاً وأولياً قبل فوات الأوان، يصل إلى 405، وعدد المعلمين والمعلمات فيها من غير المدعومين يبلغ 5707 معلمين ومعلمات، أما عدد الأطفال المتسربين من التعليم بشكل عام فيصل إلى 145285 طالباً وطالبة، وهو أمر شديد الخطورة على بلد، قد يتحول هؤلاء كلهم لاحقاً إلى مشاريع لجريمة منظمة، يهددون مستقبل البلد بأكمله. إنَّ تسرّب الأطفال من المدارس ينعكس سلباً على الحالة الاجتماعية والأسرية، فأول انعكاساته على الأسرة، بقاء الأطفال في البيت أو الخيمة في حالة توتر متواصلة على مدار الساعة، في حين على الطفل أن يقضي جزءاً كبيراً من وقته كما يُفتَرض خارج المنزل في المدرسة، يُفرغ فيها طاقته، ويتعلم فيها ما ينقله لأسرته، لكن الأخطر في تداعياته، هو تحول الجيل القادم إلى مشاريع للتطرف والراديكالية، وربما للهجرة، بعد أن سُدَّ المستقبل في وجهه، لاسيما أن دولة واحدة فقط تفصل بين اللاجئ السوري وأوروبا، كما أن ذلك قد يدفع الطفل أو الطفلة للزواج في سن مبكرة، مما يسبب مشاكل كثيرة إما في عدم فهم وتقدير الحياة الزوجية لأطفال لم يُهَيَّأوا لذلك، أو في انشغال الطفل مبكراً في حياة غير مهيَّأ لها بعدُ، فضلاً عن التسبب بحالات طلاق، نظراً لأن الطفلة أو الطفل لم ينضجا بعدُ، والطفلة لا تزال عاجزة عن فهم مصلحتها بشكل واعٍ، فيكون القرار هو قرار أسرتها، مما يحرمها من اتخاذ قرار صائب بنفسها، في قضية تمسها بشكل مباشر وتمس مستقبلها. والواقع أن المعلم أو المعلمة اليوم يضربون أروع الأمثلة في التضحية والفداء لصالح جيل التعليم في المحرر، إذ إن رواتبهم لا تسدّ رمقهم لأيام، ومع هذا يصرون على مواصلة العملية التعليمية، فهم يدركون تماماً مخاطر التخلي عن خطوط الجبهات، التي هي آخر الحصون في المنطقة، فانهيارها يعني انهياراً لا للجيل الحالي فحسب، وإنما انهيار للأجيال اللاحقة. وقد نجح المحرر في إدلب في إنشاء جامعة حكومية تابعة لحكومة المحرر، وهي حكومة الإنقاذ، حيث تأسست جامعة إدلب التي تضم أكثر من 16 كلية، والتحق بها ما لا يقل عن 17 ألف طالب وطالبة، وفيها تخصصات مهمة مثل الطب والصيدلة والهندسة بأنواعها، بالإضافة إلى العلوم الإنسانية والشرعية واللغويات. ولذلك فإن الطالب المتخرج في المدارس يجد الفرصة أمامه سانحة لمواصلة التعليم الجامعي وما بعده. وبالإضافة إلى جامعة إدلب، فإن هناك جامعات خاصة أيضاً مهمة في مناطق إدلب المحررة، تستوعب آلاف الطلبة الذين لم تستوعبهم جامعة إدلب. آفة الأمية التي قد يعاني منها المحرر في إدلب لن تكون أضرارها على المحرر فقط وإنما ستنعكس على المناطق المجاورة وما بعد المجاورة، وميزانية التعليم وإن كانت تبدو بسيطة في ظل راتب المعلم الهزيل، لكنها ستسدّ حاجة لا لكفاف المعلمين والمعلمات فحسب، وإنما لسد ثغرة خطيرة قد تفتح في داخل أحشاء المجتمع السوري المحرر. ولا بد من التذكير بأن رواتب قسم كبير من المعلمين في سوريا قبل الثورة كانت تدفعها منظمة اليونيسف التابعة للأمم المتحدة، فإن كانت بلداً مستقراً قبل الثورة وقد عجزت حكومته عن دفع رواتب معلميها، فلنا أن نتخيل الوضع هذه الأيام في المناطق المحررة، بعد أن تخلى كثير من الداعمين والممولين عن دعم التعليم وغير التعليم. إنَّ انشغال المجتمع الدولي بقشور الحل السياسي، واللجنة الدستورية، وطبخ الحصى على مدى سنوات، هو في الواقع انشغال عن مشكلة حقيقية، لا تهدد سوريا وما حولها فحسب، وإنما تهدد أوروبا والعالم في المستقبل، إن تم التخلي عن الطفولة وتعليمها وتثقيفها، ورميها في متاهات الجهل والتطرف والراديكالية. لا بد من مقاربة دولية سريعة وعاجلة للمناطق المحررة، أما وضع الرؤوس في الرمال، وكأن إدلب والمناطق المحررة غير موجودة، هو تخلٍّ عن مستقبل وليس عن واقع يمس أهل المنطقة جميعهم.
9418
| 23 نوفمبر 2021
في بلادنا المستبدة يُستغل المواطن حتى وهو يلفظ أنفاسه، ما دام في رمقه الأخير ما يمنحُ الحاكمَ نسغ حياة ولو لثوانٍ، أتذكر مشهد امرأة سبعينية في عمرها على أطراف دمشق، بعد أن قصف النظام بلدتها، فأُصيبت بجراح خطيرة، وقبل أن تُودع ما أُصطلح عليه حياة، هرعت مندوبة التلفزيون السوري لتقف بجانبها وتسألها عن الإرهابيين والمسلحين والتدخلات الخارجية ودورهم في مأساتها، لم تستطع المسكينة بالطبع الردّ على هذه الأسئلة، وهي التي كانت تصارع الموت، ففاضت روحها بين كاميرا الصحافية. اليوم نرى استغلال اللاجئين، ليس على أطراف دمشق وحلب وحمص وحماة وإدلب وغيرها، بعد أن غدت أعجاز نخل خاوية، إثر تشريد أكثر من 14 مليون سوري منها، وإنما نرى استغلال اللاجئين، وبعضهم مجندون من قبل النظام ذاته للاتجار بهم في لعبة جيوسياسية على حدود أوروبا هذه المرة، لتقديم ذخيرة حية لحروب روسيا وبيلاروسيا مع أوروبا. كشفت التقارير الاستخباراتية الغربية عن تورط النظام السوري في تجنيد شركات سياحية لـ بيلاروسيا في شحن لاجئين من دمشق، وزاد العبء عليها بعد توقف بغداد عن ذلك في أغسطس الماضي لاعتراض دول أوروبية على ذلك، حيث كان اللاجئون يسافرون بتأشيرات من سفارة بيلاروسيا إلى مينسك ومنها يتجهون لحدود بولندا لقرع أبواب أوروبا، ودخلت بيروت على الخط بحسب تقارير غربية إذ يتم تجنيد لاجئين وسفرهم على متن خطوط أجنحة الشام المملوكة لـ رامي مخلوف ابن خال رئيس النظام السوري بشار، العلاقة بين عائلة آل الأسد وبيلاروسيا قديمة، فالأخيرة هي التي رحبت وساعدت على هروب رفعت الأسد عم بشار الأسد من القضاء الفرنسي أخيراً، وكذلك تحتضن خاله حافظ مخلوف منذ سنوات، ويبدو أنها تقوم بمساعدتها في شحن لاجئين أملاً في الضغط على أوروبا التي تفرض عليها عقوبات اقتصادية، ويظن لوكاشينكو من خلال هذه اللعبة أنه يستطيع فكّ ورفع العقوبات الأوربية المفروضة على بلاده. الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يسعى إلى الاستثمار في قنبلة اللاجئين عبر الضغط على أوروبا، وانتزاع تنازلات منها في مناطق أخرى، ولذا فقد صعّدت لندن أخيراً من لهجتها ضد روسيا وطالبت الاتحاد الأوروبي بمواقف أكثر صرامة، ووصل الأمر إلى تلميح وزيرة الخارجية إلى الاستعداد للحرب مع روسيا، وأن ما يجري اليوم لم نشهد خطورته لعقود، لكن وزير خارجية روسيا لافروف سعى إلى ابتزاز أوروبا بمطالبتها بدفع خمسة مليارات دولار لمينسك كما فعلت حسب قوله مع تركيا في مساعدة اللاجئين السوريين. ويخال الروسي أن ما فعله عام 2016 مع فنلندا حين دفع باللاجئين على حدودها فأجبرها على رفع تجميد علاقات اقتصادية معه كرد على اجتياحه أوكرانيا عام 2014، لكن يبدو أن أوروبا اليوم ليست مستعدة لقبول الابتزاز، لاسيما وأن الأمر متعلق بألمانيا كدولة متضررة مباشرة من قنبلة اللاجئين ولذا فقد أرسلت مع بريطانيا قوات لهما إلى بولندا لمواجهة احتمالية تدفق اللاجئين، خصوصاً وأن التقارير الغربية تتحدث عن أن البوليس والجيش البيلاروسي يطلق غازات مسيلة للدموع لإرغام اللاجئين المتكدسين على الحدود لاجتياز الحواجز باتجاه بولندا. قنبلة اللاجئين صاعقها في دمشق وعواصم عربية موالية لها، وما لم يتم نزع هذه الصواعق بمعالجة الجروح المتقرّحة، ستكون جروح عدوى لما بعدها، وها نحن نرى ذلك بانتقال عدواها من اللاجئين إلى حدود أوروبا، فكما وصف خبير بريطاني ذلك: (الغرب اليوم سقفٌ يتسرّب الماءُ منه، والروس يحاولون النفاذ من خلال هذه التشققات) فما نشهده اليوم غرب ليس كغرب قبل عقد أو عقدين، فالخلافات التي نشبت بين فرنسا وبريطانيا، وبين فرنسا واستراليا ثم بين فرنسا وأمريكا، ونرى تداعيات انسحاب الأخيرة من أفغانستان، وعجزها عن التعاطي مع مشاكل ضاغطة عليها، وخلافها في الصراع مع روسيا والصين، كل هذا شكل حالة شلل حقيقي للغرب وتحركاته، وفضلاً عن ذلك انقلابات عسكرية متتالية في أفريقيا، مما يعكس تراجع القيم الديمقراطية الغربية، بل وقبوله بأنظمة استبدادية تدعمها موسكو المتمددة في الساحة العربية على حساب تراجع نموذج الغرب، الذي غدا أقرب للنموذج الروسي في الحكم بعد أن تعايش مع أنظمة موالية لموسكو وربما فاقها في التحالف معها.
18333
| 16 نوفمبر 2021
تنهار مصداقية الإعلام والإعلاميين، حين ينشرون أخباراً يظهر كذبها وتضليلها بعد ساعات، لاسيما مع وجود الشبكة العنكبوتية، التي توفر لكل من يتعامل معها ميّزة فرز القمح من الزوان، والصدق من الكذب، فينكشف الغطاء، ويظهر كذب صاحب الخبر أو صدقه، وهو أمر معيب لوسائل إعلام شهيرة اكتسبت مصداقيتها ومهنيتها لعقود، لكنها آثرت أن تضحي بسمعتها وشهرتها من أجل تشويه جهة ما، لا تتفق معها أيديولوجياً أو فكرياً، فأعلنت الحرب على الحقيقة والصدق، ولو أدى ذلك إلى تبين كذبها بعد دقائق أو ساعات، مثل هذا يتكرر كثيراً، وسيتكرر أكثر مع انتصار حركة طالبان الأفغانية، وهزيمة التحالف الدولي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية من أفغانستان. فاجأت وسائل إعلام دولية غربية وعربية العالمَ كله بنشر خبر عن قطع حركة طالبان الأفغانية لرأس لاعبة كرة الطائرة الأفغانية (محجبين حكيمي)، وبعد التحقق من الخبر تبين أن القصة حصلت قبل دخول حركة طالبان الأفغانية إلى العاصمة كابول، وأن الواقعة وقعت في آب/أغسطس على الأرجح، حيث روى والدها محمد سرور حكيمي الحقيقة لوكالة آماج الأفغانية، قائلاً: "إنها لم تنتحر ولم تقتلها طالبان، وإنما من قتلها هو خطيبها"، وتابع والدها روايته فقال للوكالة: "في السادس من آب الماضي، وبينما كان أشرف غني رئيساً، كنت أقوم بعملي في منطقة جاغوري بولاية غزني، فرنّ هاتفي، وحين أجبت المتصل، أبلغني أن ابنتي حاولت قتل نفسها، وهي الآن فاقدة للوعي، وفي المشفى. اتجهت إلى كابول حيث كانت تقيم ابنتي مع أهل خطيبها، ليتبين أنها لم تنتحر، وإنما قتلوها، بخلاف ما أعلنوه". لقد وظفت وسائل الإعلام الدولية المتشفيّة من طالبان، كل عناصر الحبكة الدرامية للروايات البوليسية، فعناصر الرواية البوليسية كما ذكرت، هي سيدة أفغانية تقيم في العاصمة كابول، وفي الوقت نفسه لاعبة بكرة الطائرة، وهو أمرٌ نادر جداً في بلد معروف عنه بأنه مجتمع تقليدي محافظ، يُضاف إليه أنها من عرقية الهزارة الأقلوية، وهي الأقليات التي تطرب لها آذان الإعلام الغربي وبعض الإعلام الشرقي. كلها عناصر تشويقية للقصة يرقص لها طرباً الإعلام المعادي لطالبان. لكن الفرحة لم تكتمل لهذا الإعلام الذي طار بالخبر، وركّب له أجنحة وذيلاً وكل ما يحتاجه للطيران ليصل لكل مكان، فقد عرّى النبأ سريعاً المواقع المحسوبة حتى على الهزارة أنفسهم، وفضح الأمر أكثر تصريحُ والد المغدورة الذي لم يدع مجالاً للتأويل والتفسير. الإشكالية ستظل تلاحق الإعلام الذي يبحث عن أي خبر، حتى ولو كلّفه مصداقيته وتاريخه الإعلامي المهني، وهو ما ظهر بوضوح، في قصة حكيمي وقصص أخرى شبه يومية، يتم اختلاقها ضد طالبان وغير طالبان. فقد كنا نظن أن مثل هذه الأخبار حكرٌ على الصحافة الصفراء، فتحوّلت للأسف كثير من الصحف ووسائل الإعلام المعروفة إلى إعلام أصفر حين تعلّق الأمر بطالبان، وبمن يراه الإعلام على شاكلة طالبان، لتخسر وسائل الإعلام هذه مصداقيتها إرضاءً لشهوة أصحابها، بعيداً كل البعد عن المهنية والمصداقية، وهي شهوة لا تتعدّى الساعات وربما الدقائق، فلم يعد العالم واسعاً مترامي الأطراف، بعيداً عن بعضه، بحيث تستطيع الوسيلة الإعلامية تضليل متابعيها وقرائها إلى الأبد. إن أي خبر يحصل اليوم يمكن تأكيده ودحضه خلال دقائق، فهل تدرك وسائل الإعلام أنها لم تعد قادرة على تضليل الجمهور وخديعته!. لعل في قصة حكيمي درساً لمن أراد أن يصحو من سكرته، فظن أنه لا يزال لوحده قادراً على التفرد بالخبر، وقراءته وتحليله، بل فرض أجندته الخبرية. وللأسف ففي ظل ما ينسجه كثيرون من روايات وقصص عن طالبان، ظنت بعض وسائل الإعلام أنها حتى لو أتت بالغرائب والعجائب فإن المشاهدين والقراء والمتابعين سيصدقونها، ولن يجادلوها، أو يبحثوا في مصداقية ما تقذف من كذب وأضاليل، فقد رفعت شعارها العملي: (حدثوا عن طالبان ولا حرج!).
12059
| 09 نوفمبر 2021
احتضنت اسطنبول المؤتمر التأسيسي للهيئة العالمية لنصرة نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، وسط حضور إسلامي مميز، ضم مئات العلماء والمفكرين والسياسيين والمثقفين والإعلاميين، واللافت أن انطلاقة المؤتمر أتت مع إكمال مقاطعة المنتجات الفرنسية عامها الأول، رداً على الرسوم المسيئة للنبي عليه الصلاة والسلام، ويأمل القائمون على الهيئة العالمية في حشد العالم الإسلامي، للتعريف بالنبي عليه الصلاة والسلام، والدفاع عن زوجاته وصحابته، كما جاء في البيان التأسيسي للهيئة، إضافة إلى مشروع التعريف بسيرته عليه الصلاة والسلام وهديه. على مدار أشهر كان الأمين العام للهيئة فضيلة الدكتور محمد الصغير يطوف على العلماء والكتاب والمثقفين والإعلاميين، من أجل حشدهم واستنهاض هممهم، وقد ساعده في ذلك مشايخ وفضلاء في الهيئة التأسيسية، ولجنة إعلامية من شباب مهرة متدربين على التعامل مع وسائل ووسائط الإعلام الحديث، مما مكنهم من إبراز الفكرة إلى العلن بشكل لاقى قبولاً وحماساً من شرائح الأمة كافة، كما نجحت الهيئة سريعاً في تأطير العمل وجمعه وتوحيده بعد أن كان مشتتاً انفرادياً على مدار العام، منذ انتفاضة الأمة لنصرة النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك رداً على الحملات المغرضة بحقه. حفل المؤتمر استمر ليوم كامل بكلمات من سياسيين أتراك على رأسهم وزير الديانة التركي السابق الدكتور محمد جورماز، والمستشار السابق للرئيس التركي ياسين أقطاي، بالإضافة إلى رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في الخارج خالد مشعل، كما شارك فيه علماء كبار من أمثال الأمين العام للاتحاد الإسلامي لعلماء المسلمين الدكتور علي القره داغي، والشيخ العلامة أسامة الرفاعي رئيس المجلس الإسلامي السوري، والشيخ العلامة محمد حسن ولد الددو، والدكتور العلامة عصام البشير، والشيخ سليمان الندوي، والشيخ الحسن الكتاني، والشيخ نواف تكروري رئيس جمعية علماء فلسطين، وشخصيات كبيرة وعديدة، قدم بعضها من دول عدة خصيصاً للمشاركة في المؤتمر. تأمل الهيئة أن تعمل على امتداد العالم في التعريف بالنبي عليه الصلاة والسلام وهديه، وباللغات الحية المتعددة، وقد أطلقت منصات إعلامية على مواقع التواصل الاجتماعي، لتلقي كل ما يكتب عن النبي عليه السلام في العالم، ومما يلفت في الهيئة هو اهتمامها الإعلامي، ما دام الإعلام ناقلاً للخبر والمعلومة، وبدونه يصعب تبليغ الرسالة، وإيصالها للآخرين، وكان لافتاً اعتناء الفضائيات العربية والمحلية بالحدث واهتمامها به، حيث كانت التغطية تُنقل على الهواء مباشرة، من خلال منصات الهيئة العالمية؛ إذ بلغت مشاركات صفحة الهيئة على مواقع التواصل الاجتماعي أكثر من ألف مشاركة، مما عكس مدى الاهتمام والحرص الذي أبداه المسلمون بهذا الحدث الكبير. الفكرة والرسالة تظل حبيسة الأدراج، وسجينة الجدران ما لم يتعاطَ معها الإعلام، وما لم يتم نقلها بوسائل تتناسب مع تطورات العصر وتقنياته، فأتى إطلاق الهيئة لمنصاتها الإعلامية، ليساهم في إيصال رسالتها، والوصول إلى شريحة واسعة من الأمة، تحديداً شريحة الشباب الذين يعوّل عليهم في نصرة النبي وزوجاته وصحابته، ولفت العالم السوداني المبرز الدكتور عصام البشير في كلمته القيمة، إلى أن المشكلة ليست فقط في نصرة النبي عليه السلام بالرد على شبهات أعداء الإسلام والإنسانية، وإنما لا بد من التركيز على الشبهات التي يطلقها أعداء الداخل إن كان بالتعرض لصحابته وزوجاته، أو بالتعرض لسنته من خلال التشكيك بصحيحي البخاري ومسلم والسنن، وهذا لا بد من إيلائه اهتماماً كبيراً بحسب قوله. رموز الأمة عليهم مسؤولية كبيرة في نصرة النبي عليه الصلاة والسلام، فهم مدار الاهتمام الشعبي، وهم ورثة الأنبياء، ووجهة الأمة في تلقي دروس النصرة، ولذا فإن تحركهم وأقوالهم وأفعالهم ما هي إلا إرشادات للأمة التي تنتظرها للسير على هداها، وبمقدور الرموز أن يفعلوا ذلك عبر تزكية أوقاتهم ومنصاتهم، وصفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي بالدعوة إلى نصرة النبي عليه السلام والدفاع عنه وعن زوجاته وصحابته وأمته. بقي أن أقول إنني سمعت الكثير من المشاركين عن حالات الارتياح والطمأنينة التي شعروا بها، وهم يتابعون أعمال المؤتمر، فقد قال لي وزير التربية في حكومة الإنقاذ في إدلب والأستاذ في كلية الشريعة بجامعتها الدكتور بسام صهيوني: إنه لم يشعر بجو طمأنينة وسكينة وهدوء كما شعر به في هذا المؤتمر، ولعل ذلك ببركة وشرف صاحب المؤتمر عليه الصلاة والسلام. وقال لي أحدهم بأنه كان يعاني دائماً بالليل من تعب وألم إن هو وقف طويلاً في النهار، لكن على الرغم من وقوفه طوال اليوم مستقبلاً ومودعاً المشاركين، فإن الآلام اختفت عنه بفضل الله، ولعله ببركة وشرف الانتصار للنبي عليه الصلاة والسلام.
16751
| 02 نوفمبر 2021
يروي من عرف الرئيس الراحل ياسر عرفات، أنه حين تجول خارج مقاطعته التي كان يقيم فيها برام الله، فوجئ بسرطان المستوطنات الإسرائيلية وهو يتفشى ويلتهم الأراضي الفلسطينية، فالتفت إلى مرافقه قائلاً: "لم يبق شيءٌ نفاوض عليه، لقد اغتصبوا الأرض كلها!" وكما قيل فإن التاريخ ظل الجغرافيا، والقائد الصيني الراحل ماوتسي تونغ قال قولته المشهورة: "تفاوض على المكان الذي تصل إليه نيران مدافعك". تذكرت هذا كله وأنا أرى هرع أعضاء اللجنة الدستورية السورية لمفاوضات المعارضة السورية إلى جنيف، بعد أن تقزّمت مفاوضاتهم ولجانهم من جنيف والانتقال السياسي، إلى مهزلة الحديث عن الدستور، بل يمنّ النظام على العالم كله بأنه عاد إلى مفاوضات اللجنة الدستورية، بعد تسعة أشهر من الانقطاع، وهي عودة عكست خيبة أمل الوسيط الدولي (غير بيدرسون) ذاته، كونها لم تسفر عن شيء! وما تزال طبخة الحصى مستمرة. قارن بين مفاوضات اللجنة الدستورية حول مواد دستورية لا تُسمن ولا تغني من جوع في ظل نظام برميلي، كيماوي قيصري، يحمل في تضاعيفه كل رزايا الخليقة ومصائبها، وبين دول كبرى وإقليمية وهي تهرع للحديث عن الجانب العسكري التفصيلي، الذي هو محلّ الفوز والنصر، وليس الحديث عن هلاميات دستور لن يطبقه وينفذه أحد، فرئيس الوزراء الإسرائيلي يلتقي بوتين ليتحدثا عن الواقع العسكري وتحركات الطيران الإسرائيلي المقبل، والإيراني يعلن أن لا مستقبل للأمريكي في سوريا وعليه الانسحاب، ويشدد بدوره على أن لا خلاف بينه وبين الروسي في سوريا، في حين تنشغل المعارضة بالدستور الذي لم تحترمه العصابة لعقود، وهي التي خنقت شعبها بالكيماوي وقتلته بالبراميل المتفجرة وبالاحتلالات والعصابات الأجنبية، فهل عصابة بهذه المواصفات تنتظر الدستور؟! باعت روسيا ومعها النظام السوري وهماً لبعض الدول العربية اللاهثة وراء التطبيع مع النظام، وباعت معها الوهم ذاته لبعض القوى الدولية، يوم ضغطت ظاهرياً على النظام بالعودة إلى مفاوضات اللجنة الدستورية الذي قاطعها لتسعة أشهر، لتتظاهر بأنها قدمت شيئاً مقابل انفراجة بعض الدول العربية على النظام السوري، وكذلك رفعاً للحرج الأمريكي، يوم ابتلع تهديداته السابقة بمعاقبة كل من يتعامل مع النظام السوري، وفقاً لقانون قيصر الذي فرضته بحق النظام، فموسكو ودمشق وطهران تعمل مجتمعة على عامل الوقت، في استنزاف المعارضة السورية، وحلفائها، وتشتيت قوتهم، والأخطر من هذا، وهو من تجليات التفاوض مع النظام هو ما حصل مع المفاوضين في أوسلو، حين اتكأت عليها بعض الدول للتفاوض وعقد الصفقات مباشرة مع تل أبيب، متذرعة بأنه ما دام الفلسطينيون يتفاوضون مع الإسرائيليين، إذن فالمشكلة في طريقها إلى التسوية، ولذا كررت بعض الدول العربية هذه المعزوفة اليوم مع السوري، على الرغم من أن الإسرائيلي لم يسبق له أن قتل ربع ما قتله النظام السوري، ولا استخدم أسلحة دمار شامل، فضلاً عن استدعاء احتلالات ومليشيات طائفية لقتل الفلسطينيين. اليوم لا يتذكر أحدنا مفاوضات أوسلو ورجالها وأقطابها، إلاّ بأنهم خُدعوا وخَدعوا شعبهم في فلسطين، ولا يذكرون تلك المفاوضات إلاّ على أنها بقعة سوداء في تاريخ النضال الفلسطيني، فقد شرعنوا وجود احتلال دون أي ثمن، ولعل النظام السوري سيكون أبرع بكثير من الصهاينة في تشويه وإحراج كل من تفاوض معه، ولعل فيما قاله وفد النظام السوري في آخر جلسة، عن تجريم كل من تنظيمات الإخوان المسلمين والنصرة والجيش الحر، صورة تنتظر من صدّر نفسه للتفاوض في حال انتصر نظام الكبتاغون، وبالتأكيد لم تهدد إسرائيل مفاوضها الفلسطيني بما هدد به النظام السوري، وهنا لا أقلل من إجرام إسرائيل، بقدر ما أقيس أفعال نظام على أسوأ حقبة واحتلال في تاريخ الأمة. وتبقى الكلمة الفصل في ذلك هي أن الجغرافيا من تحدد مفاوضاتك، وقل لي كم تملك من الأرض أقل لك نتيجة مفاوضاتك، وما دونها عبث في عبث.
15146
| 26 أكتوبر 2021
تبريد التعاطي الدولي مع حركة طالبان أفغانستان وحكومتها الجديدة، يُواجَه بتسخين أمني وعسكري على الجبهة الإقليمية، تجلّى ذلك بلقاءات مكثفة، ورحلات مكوكية بين عواصم نيودلهي ودوشانبه وطهران وموسكو ولندن وواشنطن، للدفع على ما يبدو لتشكيل معارضة للتحالف الشمالي الأقلوي، لممارسة ضغط على حكومة طالبان سياسياً وعسكرياً، والظاهر أن من يحمل لواء هذه الجبهة على المستوى الإقليمي الهند، التي ترى نفسها أكثر المتضررين والخاسرين جراء وصول طالبان إلى السلطة، حيث فقدت كل استثماراتها الاقتصادية والعسكرية والأمنية طوال العقدين الماضيين من الاحتلال الأميركي لأفغانستان. تحوّلت نيودلهي إلى قبلة لكل مديري المخابرات المعنية بتشكيل هذه الجبهة، فكان أن وصلها مدير المخابرات الروسية والأميركية والبريطانية والطاجيكية، ووفقاً للمعلومات فإن الاتفاق الذي حصل بين الجانب البريطاني والهندي بهذا الخصوص، يقضي أن تتولى الأخيرة مهمة التنسيق بين الجماعات المعارضة في الشمال الأفغاني، على أن يتفرغ الجانب البريطاني للعمل في جنوب غرب أفغانستان وجنوب شرقها، بحكم خبرته التاريخية في المنطقة. ويقوم الجانب الأمريكي من طرفه باستخدام قاعدة لدّاخ الهندية القريبة من الحدود الأفغانية والباكستانية، لمراقبة نشاطات طالبان وهو ما أقلق الباكستانيين، فهرع على الفور مدير المخابرات الأميركية ويليام بيرنز إلى إسلام آباد لطمأنة الباكستانيين الذين لن يطمئنوا بكل تأكيد، ما دام الخصم الهندي جزءاً من اللعبة. الخطوة العسكرية الأوضح في هذا التحرك، هو طلب واشنطن من دوشانبه السماح لها باستخدام قاعدة هندية قريبة من العاصمة الطاجيكية. وتنوي واشنطن نقل 20 مروحية عسكرية أفغانية إليها كانت قد فرّت إلى أوزبكستان قبل دخول الحركة إلى كابول، من أجل صيانتها استعداداً لاستخدامها ربما مستقبلاً في أي حرب ضد طالبان، ومعلوم أن الرئيس الطاجيكي إمام علي رحمانوف من أشد المناوئين لطالبان، وبرز أخيراً بحشد قواته على الحدود الأفغانية، مما استدعى حشداً طالبانياً مماثلاً. الجانب الروسي الذي يحظى بدوره بعلاقات تاريخية مع التحالف الشمالي، لا يخفي انزعاجه وقلقه من وصول طالبان إلى السلطة، وينسق على ما يبدو مع الطرف الإيراني لمواجهة الحركة، لاسيما مع مباحثات رئيس هيئة الأركان الإيرانية المشتركة الجنرال محمد باقري مع وزير الدفاع الروسي، الذي تحدث في نهاية المحادثات عن الوضع المقلق في أفغانستان، وتبادل الخبرات والتجارب بين الطرفين، ولعل التفجيرين اللذيْن استهدفا مسجدين للشيعة في ولايتي قندوز وقندهار تكئة وذريعة للتصعيد الإيراني وربما للتصعيد الإقليمي ضد الحركة. حكومة طالبان تواجه تحديات متعاظمة لاسيما في الجانب الاقتصادي، فضلاً عن الجانب الأمني، حيث التضخم يُرهق المواطن الأفغاني العادي، مع تجميد واشنطن عشرة بلايين دولار أميركي لأفغانستان، حيث تصرّ على شروطها في توسعة الحكومة الأفغانية وتحسين تعامل طالبان مع ملف حقوق الإنسان والأقليات، وإن كان باعتقاد الكثيرين أن هذه شروط مطاطة، لا يمكن قياسها، ومن ثم ستظل واشنطن تمارس عملية الابتزاز والضغط على الجانب الطالباني كسباً لمزيد من التنازلات، وربما استغلالاً للوقت بانتظار عمل عسكري معارض ضدها. لقد دعت روسيا إلى اجتماع يوم التاسع عشر والعشرين من الشهر الجاري في موسكو تشارك فيه باكستان والصين وأمريكا لمناقشة الوضع الأفغاني، وهو الذي يأتي بعد يوم واحد من زيارة رئيس الأركان الإيراني الذي سبق أن زار باكستان أيضاً. مثل هذا المؤتمر ربما يرمي لتنسيق الجهود في التعامل مع طالبان وحكومتها الجديدة، لاسيما في ظل دخول روسيا في تحالف إقليمي لمواجهة طالبان، وهو ما قد يتطور إلى اتجاه عسكري، وبالتأكيد فإن حلف إسلام آباد بكين يتباين إزاء التعاطي مع طالبان عن الدول الأخرى، فقد دعا وزير خارجية بكين إلى رفع التجميد الأميركي عن الأموال الأفغانية، والاعتراف بحقوق الشعب الأفغاني وخصوصيته، وكانت قمة العشرين الأخيرة قد فشلت في اتخاذ موقف موحد إزاء طالبان في ظل دعوة روما وأنقرة إلى الفصل بين الاعتراف وإغاثة الشعب الأفغاني، وإن كان الكثير يرى صعوبة فك الأمرين عن بعضهما. من جانبها سعت حكومة طالبان إلى كسر العزلة الدولية والإقليمية عليها، عبر زيارة وفدها برئاسة وزير الخارجية أمير خان متقي إلى تركيا، ولكن على ما يبدو تعاني الحركة من خلافات داخلية، تحول دون تقدمها السريع، الذي يتطلب منها تنازلات ومراجعات فكرية وعملية عاجلة وسريعة، وهو أمر ليس سهلاً وعليها القيام به، خصوصاً أنه يتطلب إقناع رموزها فضلاً عن قواعدها بالتخلي عن تركةٍ عمرها مئات السنين.
15646
| 19 أكتوبر 2021
كان أول لقاء لي مع عبدالقدير خان، أبي المشروع النووي الباكستاني، في أعقاب التفجيرات النووية الباكستانية في مايو/أيار 1998، التي أتت رداً على تفجيرات الهند النووية. لم تُفلح يومها جهود واشنطن الحثيثة، ترغيباً وترهيباً في ثني باكستان عن الرد، فقد كان الشارع الباكستاني يغلي، ويطالب بالرد على تفجيرات بوذا كما أسمتها الهند عام 1974، حينها ردّت حكومة نواز شريف المنتخبة بخمسة تفجيرات، مقابل ثلاثة تفجيرات هندية. كان لقائي مع خان مع مجموعة صحافية في بيته، الكائن مقابل تلال مارغالا، حيث بداية سلسلة جبال الهندكوس، لا يفصل بيته عن التلال سوى شارع واحد، شدّني يومها منظر القردة التي كانت تتقافز حول البيت، وهي التي تَفد من التلال المجاورة، لتأكل ما حرص عبد القدير خان على إطعامها إياه صباح مساء، مما شجعها على ارتياد المكان المُغري لبطونها، أكلاً وشرباً، أما داخل البيت، فقد كانت أقفاص الطيور والعندليب تحفُّ بالمكان، وحين سألْنا عن سبب حرصه على اقتناء الطيور، قيل لنا إن مصانع النووي ومعامله تزيد من توتر الشخص، والاعتناء بالطيور قد يساعد في تخفيف توتره. وهنا في هذه المناسبة الأليمة، أود أن أذكر في ظلال رحيله رحمه الله وتقبله، عدة زوايا ذات صلة: 1- شكّل المشروع النووي الباكستاني الذي كان بذرته عبدالقدير خان نواة أمن قومي باكستاني ملموس بين كل الأطراف الباكستانية، مدنية وعسكرية، معارضة وموالاة، كباراً وصغاراً، ولذا فإن المشروع الذي تبناه ودعمه بداية رئيس الوزراء في حينه ذو الفقار علي بوتو، تواصل على الرغم من تغير الحكومات والأشخاص والأحزاب. وستبقى الكلمة التي قالها بوتو خالدة: "سنأكل العشب لنحصل على الردع النووي"، رداً على تفجيرات الهند النووية الأولى عام 1974، ولم يُفلح تهديد وزير خارجية أمريكا القوي يومها هنرى كيسنجر في ثنيه عن قراره، وكان مما نقل عن كيسنجر قوله: "سنجعل منكم أمثولة إن أصررتم على المشروع". الانقلاب الذي قاده الجنرال ضياء الحق علي بوتو، لم يغير من قواعد اللعبة النووية شيئاً، وسار على نفس النهج حكومات عسكرية ومدنية ظلت وفية للمشروع، وداعمة له، حتى وصل الأمر برئيسة الوزراء الباكستانية السابقة بي نظير بوتو أن تساهم بنفسها في تهريب أقراص مدمجة، خلال زيارتها إلى كوريا الشمالية، وتعود بها إلى باكستان، تحتوي على معلومات حساسة عن صناعة برنامج الصاروخ البالستي الكوري. 2- تقلّبت حياة عبدالقدير خان بين الوطنية المفرطة لدى الباكستانيين، فأطلقوا عليه (مُحسن باكستان)، لإحسانه إليها بصنع القنبلة النووية، وبين الاتهامات التي طالته بشأن إفشاء معلومات نووية وبيعها لدول أخرى مثل ليبيا وإيران، وهو ما كلّف باكستان ضغوطاً أمريكية عام 2004 أيام مشرف، فتعرض للإهانة بإظهاره على التلفزيون الباكستاني معتذراً عما فعله، إرضاءً للأمريكيين، وقد نفى خان حيثيات اعتذاره بعد سقوط مشرف، ومع هذا يعتقد بعضهم أن وراء الإفشاء خطة باكستانية ذكية وبعيدة المدى، ترغب في نشر النووي بين دول عدة، كي لا يتم استفراد باكستان بالضغط الدولي على مشروعها النووي، فيتوزع الضغط على دول عدة، ولكن تبين أن كلاً من ليبيا وإيران اللتين تعاونت معهما باكستان، قد فضحتاها لدى الأمريكيين. شعر كثير من الباكستانيين بالإحباط وهم يرون أبا المشروع النووي الهندي أبو الكلام آزاد، يُكافأ بالوصول إلى أعلى منصب بالدولة رئيساً لها، بينما يتعرض مُحسن باكستان للإهانة، على التلفاز مباشرة أيام مشرف. 3- سيذكر التاريخ النووي الباكستاني كيف تمكن الجهاز الأمني الباكستاني على مدى عقود، من حماية أبي المشروع النووي ورفاقه، والآلاف من المهندسين المهمين في المشروع، ولم يحصل أن تعرض أحدٌ منهم مهما علا شأنه أو خفّ لحادث قتل أو خطف، بخلاف ماحدث في إيران في حماية أرشيفها النووي، يوم سرقت إسرائيل في عملية سرية عشرين طناً منه، فضلاً عن اغتيال أحد علماء إيران النوويين وهو محسن فخري زادة في شوارع طهران. 4- تمكن عبدالقدير خان من جعل باكستان قوة نووية بحمايتها من خصمها الهندي، وفوق هذا تمكن من حمايتها من أمريكا، يوم ثار النسر الجريح بسبب أحداث 11/9، ولولا قوتها النووية لكان وضعها ربما مختلفاً عما هي عليه. تحدّى عبدالقدير خان المألوف، وتحدّى الواقع، وتحدّى العالم كله، يوم حوّل هجرته إلى هولندا وعمله في معاملها النووية إلى منحة، فلم ينس بلده رغم هجرته، فسعى إلى نقل تجربته في هولندا، وجعلها انطلاقاً لمشروع كبير حمله إلى رئيس وزرائها بوتو في السبعينيات، الذي وافق فوراً على بناء قنبلة نووية باكستانية. رحل عبدالقدير خان رحمه الله بعد أن مكّن باكستان من امتلاك 165 رأساً نووياً مقابل 156 رأساً نووياً لخصمه الهندي. لقد جعل من باكستان أول وآخر دولة مسلمة نووية.
19213
| 12 أكتوبر 2021
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع...
8973
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل...
4881
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز...
4242
| 23 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية...
2835
| 24 سبتمبر 2026
ما لفتني في خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ...
2196
| 23 سبتمبر 2026
لا تكمن خطورة ما يجري في منطقة باب...
1347
| 20 سبتمبر 2026
شهدت دمشق الأسبوع الماضي حدثًا ثقافيًا وفنيًا استثنائيًا،...
741
| 21 سبتمبر 2026
كان ظهور جهاز جديد في الماضي يعني أن...
684
| 23 سبتمبر 2026
في الثالث والعشرين من سبتمبر، لا يحتفل العالم...
504
| 22 سبتمبر 2026
الحاقا لمقالي الأسبوع الماضي في الشرق -" مستقبل...
438
| 20 سبتمبر 2026
اليوم تنطلق في جدة النسخة الـ 27 من...
417
| 23 سبتمبر 2026
يحظى المعلم في دولة قطر بالاهتمام الكبير والتقدير...
414
| 25 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تابع الأخبار المحلية والعالمية من خلال تطبيقات الجوال المتاحة على متجر جوجل ومتجر آبل