رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عندما دخلت قوات دلتا الأمريكية واعتقلت مادورو واقتادته حياً إلى المحكمة وبثت هذه الصورة في الصحافة العالمية كانت توجّه رسالة مهمة، ولعلها بيان سياسي في المسرح الدولي بلا كلمات في مشهد مدروس بعناية مركزة وبشكل مكثّف لا علاقة له بالعدالة ولا بمحاربة الجريمة المنظمة بقدر ما يرتبط بحرب أكبر تُدار بصمت، بل إدارة ترامب دخلت مباشرة في قلب الصراع على شكل النظام الدولي المقبل، وتُكتب فصوله كما تشاء. ومن هنا لا يكون السؤال: ماذا فعل مادورو ليستحق هذا المشهد المهين الذي بثّته الإدارة الأمريكية على الملأ؟ لكن السؤال الأهم والأكثر دلالة، هو: لماذا أصرّ دونالد ترامب على سحبه حيّاً؟ ولماذا الآن؟ وعلى أيّ ملف سيُحاكم فعلياً؟ بل من السذاجة السياسية اختزال القضية في ملف مخدرات أو اتهامات جنائية تقليدية، لأن الدول العظمى لا تصنع مشاهد بهذا الحجم الرمزي من أجل قضايا يمكن تسويتها في أروقة القضاء بعيداً عن الكاميرات، وحين تُبثّ الصورة بهذه الطريقة المدروسة فذلك يعني أن الرسالة هي المقصودة قبل الحكم وأن السياسة تتقدم على القانون. الولايات المتحدة لم تعد تخوض صراعاتها مع الدول باعتبارها كيانات مستقلة، بل مع أدوار هذه الدول داخل التحالفات الكبرى، لأنّ المعركة مع تموضعهما داخل الحلف الشرقي الصاعد بقيادة الصين، فالهدف لم يعد إسقاط الأنظمة بحد ذاته وإنما تحييدها أو تفريغها من وظائفها الاستراتيجية. ومن هذا المنطلق يصبح المشهد الفنزويلي أكثر وضوحاً، لأنّ الدولة لم تسقط والحكومة لم تُحلّ والجيش لم يُفكك والمؤسسات لم تُمسّ، فلا انقلاب ولا فوضى ولا فراغ سياسي، وكل ما حدث هو إخراج رجل واحد من المعادلة، وهذا بحد ذاته كاشف؛ لأن السؤال هو لم يكن: كيف نُسقط فنزويلا؟ بل: كيف نُعطّل دورها داخل المشروع الصيني؟ وإذا كان جزء من المشهد هو تعطيل قدرتها استراتيجياً فلماذا أخذ مادورو تحديداً؟ والجواب ببساطة لا يوجد في تفاصيل السياسة الداخلية الفنزويلية بل في بكين، لأن وسائل الإعلام تناقلت أن آخر من استقبلهم مادورو قبل اعتقاله كان وفداً صينياً رفيع المستوى وفي توقيت بالغ الحساسية، حيث بلغت المواجهة بين واشنطن وبكين مرحلة إعادة تعريف خطوط الاشتباك العالمية وهذا اللقاء ليس لقاءً بروتوكولياً عابراً ولكن حلقة في سلسلة تفاهمات أعمق تتعلق بانتشار الصين في مناطق النفوذ الأمريكي التقليدي. ذلك أن فنزويلا في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية ليست دولة هامشية، وبحكم موقعها الجغرافي القريب واحتياطاتها النفطية الضخمة ومكانتها في أمريكا اللاتينية تجعلها نقطة ارتكاز حساسة في أي توازن دولي، وحين تدخل الصين إلى هذا الموقع الاستراتيجي المهم بثقل سياسي واقتصادي وأمني فإن الأمر يُقرأ في واشنطن كاختراق مباشر للخاصرة الغربية للولايات المتحدة. ومن هنا تتضح دلالة الإصرار الأمريكي على إخراج مادورو حيّاً لا ميتاً، لأنه مهم عند ترامب وهو ليس هدفاً للتصفية، بل هدف للاستجواب وانتزاع المعلومات الصينية، ولم يُسحب إلى المحكمة بقدر ما نُقل إلى مساحة اعتراف سياسي، حيث لا تُطرح الأسئلة عن الماضي بقدر ما يُنقّب عن الحاضر والمستقبل، وما تريده واشنطن ليس صورة انتصار إعلامي بل بنك معلومات يُستخدم في معركة طويلة النفس مع الصين. ومادورو بحكم موقعه كرئيس هو نقطة تقاطع لخطوط نفوذ معقدة، لأنه اطّلع على طبيعة التغلغل الصيني في أمريكا اللاتينية وعلى أساليب التفاوض وشبكات الوساطة وأشكال الدعم غير المعلنة وهذا النوع من المعلومات لا يُقدّر بثمن في صراع تُدار معظم فصوله بعيداً عن العلن. أما ترامب الذي يفكر بعقلية الصفقة لا بعقلية الحروب المفتوحة فهو يدرك أن المواجهة مع الصين لا تُحسم بالقوة العسكرية المباشرة لأنّ الصين لا تُهزم بإسقاط نظام بل بإضعاف شبكاتها وكشف مسارات تمددها وتفكيك حلقات الوصل بينها وبين حلفائها، ومادورو كان إحدى هذه الحلقات الحساسة التي أصر ترامب على قطعها. مادورو قاد دولة تقع على مقربة جغرافية مباشرة من الولايات المتحدة وعاش في قلب توازنات دولية دقيقة ويعرف ما يجري خلف الستار بين بكين وشركائها في النصف الآخر من العالم، لذلك كانت قيمته السياسية أكبر وهو حي لأنه يحمل ما لديه من معلومات من أن يُغلق الملف باغتيال أو إسقاط دموي. وما نشهده هو ملامح حرب باردة بصيغة جديدة لا دبابات في الشوارع ولا أعلام تُنزل من فوق القصور ولكن عمليات دقيقة تستهدف الأشخاص لا الجغرافيا والمفاصل لا الواجهات عبر صراع يُدار في الظل، حيث تُسحب الشخصيات واحدة تلو الأخرى، وتُعاد صياغة الأدوار دون إعلان رسمي. وفي ضوء هذا التحول هناك عدة سيناريوهات محتملة للمرحلة المقبلة، أبرزها: السيناريو الأول: يتمثل في توظيف ملف مادورو كورقة ضغط غير معلنة على الصين عبر رسائل محسوبة تُوجّه إلى حلفائها، مفادها أن التمادي في التموضع داخل المشروع الصيني قد يحمل كلفة شخصية على مستوى القيادات، وفي هذا السياق يتحول مادورو إلى نموذج ردعي أكثر منه قضية قانونية. والسيناريو الثاني: يقوم على استخدام ما يتوافر من معلومات لإعادة رسم خريطة النفوذ الصيني في أمريكا اللاتينية، ثم العمل على تفكيكها تدريجياً عبر بدائل اقتصادية وسياسية وأمنية تقودها واشنطن، وهنا لا نتحدث عن مواجهة صدامية وإنما عن سباق نفوذ طويل يستهدف الدول المتأرجحة أكثر من الخصم المباشر. أما السيناريو الثالث: وهو الأكثر تعقيداً، فيفترض أن بكين ستتعامل مع ما جرى باعتباره إنذاراً استراتيجياً فتُعيد تقييم أدواتها الخارجية وتقلّص اعتمادها على شخصيات سياسية بعينها لصالح شبكات أعمق وأقل قابلية للاختراق، وعندها قد يتحول الصراع إلى لعبة صبر طويلة بلا انتصارات سريعة ولا هزائم معلنة. وفي كل الأحوال فإنّ ما جرى مع مادورو يؤكد أننا دخلنا زمناً مختلفاً في إدارة السياسة الدولية وهذا الزمن تُقاس فيه القوة بامتلاك المفاتيح الخفية لا باستعراض القوة وتُحسم فيه المعارك عبر الملفات والعقول لا عبر الجبهات ومن يقرأ هذه التحولات بأدوات قديمة سيبقى أسير تفسير قاصر لعالم يُعاد تشكيله بهدوء ولكن بصرامة لا تخطئها العين.
318
| 13 يناير 2026
في السياسة ليست كثرة اللقاءات دليلاً على الانسجام، بل أحياناً تكون باعثاً على القلق، وفي السياسة الدولية، لا تُقاس اللقاءات بعددها بل بسياقها، ولا تُقرأ التصريحات بسطحها بل بما تخفيه من مآلات، وفي هذا العام يعد هذا اللقاء الخامس بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو وهذا لا يعكس متانة العلاقة بقدر ما يكشف عن محاولة متكررة لإعادة ضبط بوصلة الخطر في العقل الأمريكي، فنحن أمام حليفين، لكن بأولويات مختلفة، وبذاكرة سياسية غير متطابقة. دخل نتنياهو اللقاء وهو يعلم أن ملف البرنامج النووي الإيراني، الذي شكّل لسنوات حجر الزاوية في خطابه السياسي والأمني، لم يعد ورقة رابحة في واشنطن، لأن ترامب مقتنع – أو يريد أن يكون مقتنعاً – بأن الضربة الأمريكية السابقة عطّلت المشروع النووي الإيراني فعلياً، وهذه القناعة ليست تقنية بقدر ما هي سياسية، تخدم صورة الرئيس الذي «حسم الملف» ولا يريد أن يعود إلى نقطة الصفر. من هنا، يدرك نتنياهو أن محاولة إقناع ترامب بأن إيران أعادت بناء برنامجها النووي خلال أسابيع أو أشهر ستبدو في أحسن الأحوال مبالغة استخبارية، وفي أسوأها محاولة جرّ الولايات المتحدة إلى مواجهة لا ترغب بها، لذلك كان لا بد من تغيير زاوية الهجوم، لا لأن الخطر النووي انتهى، بل لأن تسويقه لم يعد ممكناً في هذه المرحلة. البديل هو المنظومة الصاروخية البالستية الإيرانية، وهنا تظهر براعة نتنياهو التكتيكية، فبدل الإصرار على ملف خاسر، انتقل إلى مساحة رمادية «المنظومة الصاروخية البالستية الإيرانية» وهذا الملف أقل حساسية سياسياً، وأكثر قابلية للتضخيم أمنياً، لأنّ الصاروخ لا يحتاج إلى تخصيب ولا إلى مفاعلات، ولا يخضع لاتفاقيات دولية صارمة، فهو خطر متحرك، عابر للحدود، ويمكن تصويره كتهديد مباشر لحلفاء واشنطن في المنطقة، وليس للكيان الصهيوني وحده. بهذا المعنى لا يتخلى نتنياهو عن النووي بل يؤجله، ويضعه في الخلفية كـ «تهديد كامن»، بينما يقدّم الصاروخ بوصفه الخطر العاجل، وهذه ليست مناورة تقنية، بل إعادة تعريف للخطر بما يتلاءم مع المزاج الأمريكي الحالي. لكن الهدف الحقيقي لنتنياهو لا يتوقف عند إقناع ترامب بوجود خطر صاروخي، ذلك أن الحقيقة ما يسعى إليه هو ما يمكن تسميته «الضمانة المسبقة»، فهو لا يطلب قرار حرب الآن، لان الكيان القلق من التحولات الإقليمية، يريد ضمان أن تبقى اليد الأمريكية على الزناد، بل يريد التزاماً سياسياً غير مكتوب: إذا قرر الكيان الصهيوني في المستقبل توجيه ضربة لإيران، فإن الولايات المتحدة لن تعارض، بل يجب أن تساند. هذا الطلب يضع ترامب أمام معادلة معقدة، فمن جهة، هو رئيس لا يريد حرباً جديدة في الشرق الأوسط، ولا يريد أن يُتّهم بإعادة إنتاج سياسات التدخل المكلفة، ومن جهة أخرى، لا يستطيع أن يخذل الكيان الصهيوني علناً، ولا أن يبعث برسالة ضعف لحلفائه أو خصومه، ومن هنا كان الحل كما جرت العادة في السياسة الأمريكية، هو الغموض البنّاء: لا التزام واضح، ولا رفض قاطع. في الزيارة ذاتها، يأتي ملف حزب الله، الذي لا يطرحه نتنياهو كقضية منفصلة، بل كجزء من المنظومة الإيرانية، لتكون الرسالة واضحة: إذا كانت إيران خطراً بالصواريخ، فإن حزب الله هو الترجمة الميدانية لهذا الخطر، لذلك، يسعى نتنياهو إلى توسيع هامش الحركة العسكرية ضد الحزب، أو على الأقل إلى إزالة القيود الأمريكية الصارمة التي فُرضت في مراحل سابقة. أما ملفات غزة، والمرحلة الثانية من العمليات فيها، والاتفاق الأمني الصهيوني - السوري، فهي حاضرة على جدول الأعمال، لكنها ليست في مركز القرار، ولذا تُناقش بوصفها ملفات إدارة، لا ملفات حسم، بينما إيران – بنسختها الجديدة – هي ملف إعادة رسم قواعد الاشتباك في الإقليم. وإذا وسّعنا زاوية النظر، سنجد أن هذا اللقاء يعكس تحوّلاً أعمق في الاستراتيجية الأمريكية، لأن واشنطن لم تعد تريد أن تكون اللاعب المباشر في كل صراع، بل المدير من الخلف، وتريد حلفاء أقوياء يتحملون العبء ويتحركون ضمن سقف مرسوم، دون أن يجرّوا واشنطن إلى مواجهة مفتوحة. الكيان الصهيوني من جهته، يخشى هذا التحول فهم كيان قام تاريخياً على فكرة الدعم الأمريكي غير المشروط، ويدركون أن أي تراجع في هذا الدعم – ولو كان شكلياً – يفتح باب الأسئلة الوجودية، لذلك، يحاول نتنياهو أن يثبّت هذا الدعم عبر ربط أمن الكيان مباشرة بمفهوم «الاستقرار الإقليمي» في العقل الأمريكي. الخلاصة أن هذا اللقاء ليس فقط عن أدلة صاروخية، ولا عن تقارير استخبارية، بل عن إعادة تموضع الكيان، ولذا نتنياهو يحاول أن يقول: الخطر لم ينتهِ، بل غيّر شكله، وترامب يحاول أن يقول: أسمعك، لكنني لن أدفع الثمن وحدي. وهنا تحديداً تكمن خطورة المرحلة المقبلة: حين تتغيّر أشكال الخطر، بينما تبقى أدوات التعامل معه أسيرة الحسابات القديمة.
411
| 06 يناير 2026
جاءت زيارة باراك لبغداد بعد انتخابات 11/11/2025 كخطوة مدروسة زمنياً وسياسياً، فالعراق يقف على أعتاب تشكيل حكومة جديدة، والقوى السياسية تتوزع بين ولاءات مختلفة، ودخول باراك في هذا التوقيت يشير إلى أنه جاء ليضع «خطوطاً حمراء» واضحة أمام أي حكومة مقبلة، أهمها: 1. منع العراق من أن يكون منصة دعم لوجستي أو مالي للفصائل. 2. فكّ ارتباط الفصائل العراقية بحزب الله والحوثيين ضمن مشروع نزع الأذرع العسكرية الممتدة. 3. ربط الاستقرار الاقتصادي في العراق بملف السلاح خارج الدولة. 4. تحذير القوى السياسية من تبعات التحالف غير المحسوب في لحظة دولية مضطربة. والأهم هو أن زيارته ترافقت — أو سبقت بقليل — قرارات حكومية عراقية بتجميد بعض الأموال ومنع التحويلات للفصائل، وقرار اعتباري يضع الحوثيين وحزب الله ضمن قوائم الإرهاب، فهذا التطابق الزمني ليس مصادفة، إذ إنه يعكس ضغوطاً سياسية أمريكية مباشرة، وقد يكون باراك هو حامل «النسخة الهادئة» من هذه الضغوط. وقد تكون له رسالة للفصائل العراقية كذلك مفادها: «انتهى زمن العمل المسلح المتجاوز لحدود الدولة، ومن يصرّ على هذا النهج سيُستنزف سياسياً ومالياً وربما أمنياً». إن زيارة بهذا الوضوح، قبيل تشكيل الحكومة العراقية، لا تُقرأ إلا بصفتها ترتيباً للمشهد قبل أن تتبلور السلطة التنفيذية، ورسالة لمن يعنيه الأمر بأن مستقبل علاقاته مع العالم سيتحدد بما يفعله تجاه ملف السلاح غير الشرعي في العراق. باراك - عبر ما تسرّب من لقاءاته - أوضح أن دعم لبنان اقتصادياً من الخليج أو الغرب لن يحصل ما لم يتم نزع سلاح حزب الله وإعادة تشكيل الحياة السياسية بعيداً عند هيمنته. بمعنى آخر: لن تُبنى بيروت قبل أن يُعاد ضبط ميزان القوة فيها. وتأتي مهمة باراك في سوريا أكثر حساسية: الدفع لفتح باب إعادة الإعمار لكن بشروط عربية – أمريكية، وقطع خطوط الإمداد بين طهران ودمشق وبيروت. ودعم توجهات عربية لإعادة استيعاب سوريا مقابل تقليص النفوذ في الجيش والأجهزة، ورسم دور جديد للعراق كجسر يساعد عودة سوريا إلى محيطها العربي. ومن هنا يظهر الربط العميق بين مهمته في لبنان وسوريا: لأن كلاهما جزء من عملية حصار ناعم للنفوذ، عبر الاقتصاد والسياسة، لا عبر الحرب المباشرة. - الخلاصة وتحليل استشرافي 1. مهمة توم باراك ليست «وساطة» أو «إدارة أزمة» فحسب، بل هي جزء من إستراتيجية أمريكية شاملة لإعادة هندسة ترتيب النفوذ، عبر تفكيك شبكة الميليشيات، وإعادة ترتيب تحالفات سياسية واقتصادية جديدة. 2. رسالته إلى العالم العربي واضحة: «إما أن تختار دولة المؤسسات، الاستقرار، الاقتصاد، التنمية أو تتجه نحو صراعات مستدامة، فوضى، وتفتّت». 3. زيارته الأخيرة إلى العراق تُعدُّ إنذاراً للاستقرار الإقليمي، وضغوطاً على الفصائل والطبقة السياسية العراقية قبل تشكيل الحكومة، وقد تكون بداية مرحلة ضغط اقتصادي/ مالي لتقويض دور تلك الفصائل. 4. إذا نجحت هذه الإستراتيجية - بمرحلة «نزع سلاح» وتحول نحو الدولة - فقد نكون أمام شرق أوسط جديد: دول قائمة على ميزان قوة مختلف، وتحالفات أقل طائفية وأكثر استقرارا لكن عبر دمج الكيان الصهيوني بالمنطقة. 5. لكن في حال الفشل قد يقود إلى فوضى خطيرة: انقسامات، صراعات داخلية، ربما صدامات مسلحة؛ خصوصاً في لبنان والعراق وسوريا. بمعنى أن الشرق الأوسط أمام مفترق: إمّا «بداية نظام جديد» أو «فوضى خلاقة». وفي كلتا الحالتين، توم باراك ليس حلقة عابرة، بل قناة أمريكية متعمدة، تستهدف إعادة النسيج السياسي، العسكري، والاقتصادي لمنطقة كانت لسنوات تموج بالنفوذ والولاء للخارج.
405
| 14 ديسمبر 2025
في عالمٍ تتزاحم فيه القوى الدولية فوق خرائطنا، وتتداخل فيه خيوط الاقتصاد والسياسة والأمن في نسيجٍ واحد، لا يمكن لأي زيارة لمسؤول أمريكي رفيع أن تُقرأ بمعزل عن السياق الدولي العريض، لا سيما إذا كان هذا الرجل من طراز توم باراك؛ لأنّه شخصية تتجاوز البروتوكولات، ويمزج دوره بين الاقتصاد السياسي وصناعة القرار، والتأثير داخل مراكز القوة في واشنطن، والعلاقات العميقة مع شبكات المال والقوة في الشرق الأوسط. وفي لحظة إقليمية مشتعلة تمتد من غزة إلى لبنان، ومن مضائق اليمن إلى صحراء الأنبار، ومن حقول سوريا النفطية إلى جنوب العراق، يأتي باراك إلى المنطقة وهو يحمل ما هو أبعد من «رسالة سياسية»، بل يحمل خطة إعادة هندسة وترتيب النفوذ على وفق الرؤية الأمريكية بما يعرف عندهم بــ «الشرق الأوسط الجديد». وإن هندسة باراك تسعى لخلخلة بنى النفوذ التقليدية وفتح الطريق أمام صيغة جديدة للمنطقة، ولا تزال ملامحها ضبابية، لكنها تلوح خلف كل خطوة يتخذها الرجل. وقبل الغوص في تحليل رسائله ومهماته، لا بد من تساؤل جوهري: هل هو بالفعل «مبعوث محايد» يسعى لتحقيق سلام واستقرار؟ أم هو أداة لفرض ترتيب جديد في المنطقة وترتيبٌ يُقصي كل من يخالف الرؤية الأمريكية حتى وإن كان صاحب حق ضمن المواثيق الدولية كما هو حال (المقاومة الفلسطينية – حماس)؟!!. في هذا المقال نحاول - بأسلوب تحليلي إستراتيجي - استنطاق مهمة توم باراك في ضوء معطيات الواقع، وبحث التساؤلات المعمّقة حول مغزل الزمان والمكان، والمآلات المحتملة للمنطقة العربية على ضوئها. أولاً: لماذا توم باراك؟ وما الذي يجعل مهمته مختلفة؟ توم باراك ليس مجرد مبعوث أمريكي تقليدي، بل هو رجل يمتلك شبكة هائلة من العلاقات تمتد عبر الخليج وأوروبا والولايات المتحدة، ولديه نفوذ يتجاوز حدود المؤسسات الرسمية، والولايات المتحدة تستخدمه في اللحظات التي تحتاج فيها إلى قنوات شخصية ناعمة تكمل عمل القنوات الرسمية الخشنة. ولذا، في الإدارة الأمريكية، يُنظر إلى باراك بوصفه «مهندس العلاقات العربية الأمريكية» في مراحل حساسة، ورجلاً يجمع بين حنكة الاستثمار وفهم الديناميات الاجتماعية والسياسية في الخليج والمشرق، ولذلك فإن أي تحرك يقوم به لا يمكن عزله عن مشروع أوسع وهو إعادة ضبط ميزان القوى في المنطقة. السؤال الأساسي هنا: هل جاء باراك مجرد وسيط لنزع سلاح الفصائل؟ أم أنه يحمل مهمة أكبر تمتد إلى إعادة صياغة النظام الإقليمي؟ الجواب الأقرب للتحليل السياسي العميق: إنه جاء لتنفيذ المهمة الثانية، ومن هنا جاءت فكرة هذا المقال. ثانيا: مهمته في العالم العربي. إذا أردنا صياغة رسالته في جملة: «نريدك أن تختار: إمّا السلم والاستقرار والتنمية، أو تخاطر بأن تصبح ساحة حرب بالوكالة». ويمكن تفصيلها على النحو التالي: 1. نزع سلاح المحور الإيراني عبر رسالة واضحة: الفصائل المسلحة (حزب الله في لبنان، الفصائل في العراق، الحركات المدعومة في سوريا، الحوثيين في اليمن)، ولم تعد مقبولة في الحسابات الأمريكية ــــ الصهيونية، بمعنى رسالته: على لبنان أن يختار بين سلاح الدولة أو سلاح الميليشيا، وعلى العراق أن يمنع أي دعم عسكري أو مادي لهذه الفصائل وكل حلفاء ايران. 2. ربط الأمن بالاقتصاد بمعنى: إعادة إعمار، استثمار، فرص تنمية، مكافآت لمن يوافق على التسوية، لذلك باراك صرّح بأن هناك استعداد خليجي للاستثمار في لبنان، إذا ما انحازت إلى خيار الدولة على الميليشيا. 3. فرض إطار جيوـ سياسي جديد في ظل الحرب على غزة وتوسع تأثير الكيان الصهيوني، فيسعى باراك إلى ضمّ العراق إلى محور التهدئة، وتوجيه العراق نحو التوازن مع واشنطن، وإبعاد أي تدخل حاسم من قبل الفصائل الموالية لإيران. 4. إعادة دمج سوريا بالمحيط العربي وإعادة الإعمار من خلال إشراك بغداد ودول عربية أخرى، ومحاولة تقليص النفوذ الإيراني فيها عبر دعم إعادة الإعمار وعودة علاقات معتمدة دولياً. ففي المجمل، مهمته هي: «تفكيك بنية النفوذ المسلح الإيراني عبر «مشروع الشرق الأوسط»، وإعادة بناء منظومة أمن واستقرار على قواعد دولة – اقتصاد – دبلوماسية»، وليس فقط «نزع سلاح» فصائل بعينها.
486
| 07 ديسمبر 2025
تتهيأ الساحة العراقية لانتخابات تشريعية جديدة يوم 11/11/2025، وسط مشهد سياسي لا يمكن وصفه إلا بأنه خليط من الإنهاك الشعبي، والتموضع الخارجي، ورغم كثافة المرشحين وتعدد القوائم، فإن القصة لا تبدأ من الأرقام ولا تنتهي عندها؛ فصناديق الاقتراع في العراق لا تُقرأ بما تفرزه، بل بما يختبئ خلفها. منذ عام 2003، لم تكن الانتخابات في العراق حدثًا ديمقراطيًا محضًا بقدر ما كانت آلية لإعادة إنتاج النفوذ وتدوير مراكز القوة بأدوات مختلفة، فكل دورة انتخابية تأتي تحت شعار «الإصلاح»، لكنها تنتهي إلى ذات المأزق: بنية دولة ممزقة بين ولاءات ما قبل الوطنية، ونظام سياسي يفتقر إلى القدرة على صناعة القرار المستقل، والمشكلة لا تكمن في شكل الانتخابات بل في جوهر السلطة التي تظل خاضعة لتوازنات لا علاقة لها بالصندوق ولا بإرادة الناخب. المعضلة المركزية التي تظلل المشهد ليست في من يترشح أو يفوز، بل في من يثق ومن يعزف، فالعراقي الذي أنهكته الوعود يدرك أن الاقتراع لا يغير قواعد اللعبة، لأن هذه القواعد نُفذت بأيدي الطبقة نفسها التي راكمت السلطة والثروة منذ الاحتلال الأمريكي، وعليه، فإن انخفاض نسبة المشاركة لن يكون مجرد رقم في سجلات المفوضية، بل استفتاء غير معلن على مشروعية النظام بأكمله. أما الولايات المتحدة، من جانبها، لا تريد عراقًا مستقلاً بقدر ما تريد عراقًا مستقِرًّا، والفارق كبير بين الاستقلال والاستقرار؛ الأول يعني أن القرار في العراق يُصنع في بغداد، والثاني يعني أن البلد يبقى هادئًا بما يكفي ليمر النفط بسلام، ولهذا، تمارس واشنطن نفوذها بوسائل مالية ودبلوماسية دقيقة: «الدولار كسلاح سياسي، والمساعدات الأمنية كأداة ابتزاز ناعمة»، فهي لا تبحث عن نصر في العراق، بل عن عدم خسارة جديدة بعد أفغانستان. وأما إيران، فهي لم تعد تراهن على ضجيج المليشيات ولا على الشعارات العقائدية، بل على تثبيت حضور مؤسسي هادئ داخل بنية الدولة العراقية نفسها، فهي تدير التوازن لا الصدام، وتراهن على الزمن أكثر مما تراهن على من يتزعّم مقاليد الحكم في العراق. وبين هذين القطبين، يطلّ رئيس الوزراء محمد شياع السوداني في امتحان دقيق: يريد أن يقدّم نفسه كزعيم إصلاحي قادر على ترميم هيبة الدولة، لكنه مكبل بتوازنات داخلية وخارجية معقدة، ويحاول الإمساك بالعصا من الوسط، وهو يدرك أن الولاية الثانية تمر عبر الكهرباء والرواتب والخدمات أكثر مما تمر عبر الخطابات الرنانة. غير أن الخطر الأكبر في الانتخابات المقبلة لا يأتي من الخارج وحده، بل من الداخل؛ من الكيانات التي وُلدت من رحم الفوضى، تراكمت قوتها بالاقتصاد والولاء العابر للحدود، فإن هي اندمجت، استقرت الدولة، وإن تمردت، تهاوت أركانها، لذلك، فإن معركة الشرعية الحقيقية ليست بين القوائم الانتخابية، بل بين الدولة الحكيمة والدولة العميقة. وفي مقابل هذه التعقيدات، يطلّ الفاعل الإقليمي العربي والتركي بدور أكثر براغماتية، فأنقرة تتعامل مع بغداد من بوابة الأمن والاقتصاد والمياه، وتسعى إلى شريك يضمن حدودًا آمنة وممرات تجارية نحو المتوسط، بينما تنتهج العواصم الخليجية «سياسة الاقتصاد الناعم»، عبر الاستثمار والطاقة والربط الكهربائي، ومحاولة استعادة العراق إلى فضائه العربي دون صدام، وهذه مقاربة هادئة تعوّل على المصالح لا على الشعارات. ويبقى المشهد برمته أقرب إلى رقعة شطرنج معقدة؛ فيها من يريد الاستقرار، ومن يريد النفوذ، ومن يبحث عن التوازن، والعراقي الذي يبحث عن دولة، أما الصندوق الانتخابي فليس إلا ساحة اختبار لهذا الصراع المركب، الذي يُدار بعقول خارجية وأيادٍ محلية. ومن هنا تكون السيناريوهات المحتملة بعد الانتخابات ثلاثة: الأول: إعادة إنتاج الوضع القائم بشكل محسّن؛ أي حكومة توافقية جديدة تُعيد توزيع المقاعد بلا تغيير جوهري في قواعد اللعبة. الثاني: توازن جديد قد يفرز قوى إصلاحية أو مستقلة تفرض حوكمة أكثر صرامة على المال والسلاح، وهذا احتمال ضعيف لكنه ليس مستحيلاً. الثالث: اهتزاز سياسي وأمني ناتج عن مشاركة هزيلة وصراع على رئاسة البرلمان والحكومة، ما يفتح الباب أمام تدخلات إقليمية ودولية لضبط الإيقاع ومنع الانفجار. ومهما كان السيناريو، فإن الحقيقة الجوهرية تبقى واحدة: لا يمكن بناء دولة بعقلية المكونات، ولا بسياسة الترضيات، فالعراق، بحضارته العميقة وذاكرته التاريخية، لا يمكن أن يدار كإقطاعية مصالح، بل يحتاج إلى عقد اجتماعي جديد يعيد تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع، ويضع السلاح والثروة والسيادة تحت مظلة واحدة هي الدولة الوطنية المستقلة العادلة. فالرهان الحقيقي على من يعيد للعراقي ثقته بنفسه، وإيمانه بقدرته على بناء وطن يُدار بالعقل لا بالولاء، وبالمصلحة العامة لا بالمحاصصة، عندها فقط، تتحول الانتخابات من مشهد شكلي إلى مفتاحٍ لنهضة مؤجلة، وتصبح الانتخابات العراقية أداة وعي لا طقسًا موسمياً.
957
| 04 نوفمبر 2025
لم تعد الحرب الصهيونية على غزة مجرد جولة عسكرية بين مقاومةٍ محاصَرة وجيشٍ متغطرس، بل تحوّلت إلى مرآةٍ كبرى تعكس وجه العالم بأسره، وتفضح معاييره المزدوجة في تعريف الحرية وحقوق الإنسان، وتغيّر شيءٌ عميق في الوعي العالمي خلال الشهور الماضية، ليس على مستوى الشعوب فقط، بل حتى داخل النخب الفكرية والإعلامية في الغرب، حيث بدأ الخطاب الفلسطيني يستعيد صداه الأخلاقي والتاريخي الذي حُجِب لعقودٍ طويلة تحت ضجيج الدعاية الصهيونية. في المقابل، تسير حكومة الاحتلال في طريقٍ مغاير تماماً، محكومةٍ بعقيدةٍ يمينيةٍ متطرفة لا تؤمن إلا بالإلغاء، ومع كل قصفٍ لحيٍّ سكني، ومع كل طفلٍ يُنتشل من تحت الأنقاض، يتّضح أن تل أبيب لم تعد تفكر بمنطق «الأمن»، بل بمنطق «الاستبدال»: استبدال الأرض وأصحابها، والذاكرة وسردها، هذه هي فلسفة الحرب الحالية، التي تخفي وراءها مخططاً أوسع لإعادة تشكيل المشهد الفلسطيني برمّته، من الجغرافيا إلى الديموغرافيا إلى الشرعية السياسية. أولاً: ما وراء الحرب كل الحروب تنتهي في النهاية، لكن هذه الحرب تحديداً تمهّد لبدايةٍ جديدة لا تشبه ما قبلها، وما نراه اليوم هو إرهاصات مشروع صهيوني متكامل لتفكيك المجتمع الفلسطيني من الداخل، يبدأ في غزة عبر التهجير القسري تحت عنوان «الممرات الإنسانية»، وينتهي في الضفة الغربية بمخططات الضمّ والاستيطان وتفريغ الأرض من أيّ وجود سياسي فعّال. أما نتنياهو فهو المحاصر بملفات الفساد والضغوط الداخلية، يرى في هذه الحرب فرصةً نادرة لتثبيت إرثه السياسي، ولذلك يمضي بلا تردد نحو ما يسميه «الحسم التاريخي»، معتمداً على الدعم الأمريكي غير المشروط، ومراهناً على تعب العالم من طول المأساة، لكنّ ما لا يدركه هو أن كل صاروخ يسقط على غزة يُعيد تشكيل الوعي الدولي من جديد، ويُرسّخ رواية المظلوم في مواجهة المتغطرس، وهي معركةٌ لا ينتصر فيها السلاح، بل الضمير. ثانياً: التهجير كأداة سياسية ليس صدفةً أن تُستهدَف الأبراج السكنية الكبرى والمراكز الحيوية في غزة، والتي تهدف الى خلق فراغٍ جغرافيٍّ يُجبر السكان على النزوح تمهيداً لطردٍ دائم، إنها إعادة إنتاجٍ لمخطط قديم يتجدّد كل جيل، لفصل غزة عن هويتها، وتحويلها إلى كيانٍ سكاني بلا عنوان. لكنّ هذا المسار، رغم بشاعته، يواجه مقاومةً من نوعٍ آخر: (مقاومة البقاء) فكل بيتٍ يُقصف، يتحول إلى شاهدٍ إضافي على جريمةٍ تُلاحق الاحتلال في الذاكرة الإنسانية، ولذا خسر الفلسطينيون مراتٍ كثيرة، لكنهم لم يخسروا الذاكرة يوماً، وهذا ما يجعل مخططات التهجير تفشل في تحقيق هدفها الحقيقي: (النسيان). ثالثاً: انكشاف الرواية الصهيونية أخطر ما خسره الصهاينة خلال هذه الحرب ليس موقعاً عسكرياً، بل موقعهم الأخلاقي أمام العالم، ولعقودٍ طويلة كانوا يقدمون أنفسهم على أنهم «الضحية الأبدية»، لكن مشاهد الدمار والقتل الجماعي في غزة كشفت وجه الجلاد الذي يحتمي بخطاب الضحية، أما اليوم، تتراجع الرواية الصهيونية في الوعي الغربي لصالح الرواية الفلسطينية التي استعادت حقها في الوجود بعد تغييبٍ طويل. أما تنامي المظاهرات في العواصم الغربية خلال السنتين الماضيتين، والبيانات الصادرة عن جامعات ومؤسساتٍ فكرية، والقرارات الأممية المتلاحقة، كلها مؤشرات على اهتزاز الصورة التي طالما روّجت لها آلة الدعاية الصهيونية، ومع أن هذه التحولات لم تترجم بعد إلى مواقف سياسية حاسمة، فإنها تشكل بدايةً لمسارٍ قد يُغيّر قواعد اللعبة في المستقبل القريب، لا سيما وأن العالم الغربي وبالخصوص أمريكا تتعامل مع الواقع ومع القوي وغير مستعدين لمزيد من العبء الذي تحملوه نتيجة دعم هذا الكيان المهزوز. رابعاً: أفق ما بعد الحرب إن أغلب التحليلات لما بعد الحرب تتراوح بين هدنةٍ هشة ومسار تهجيرٍ منظم، أما الحلول السياسية فمؤجلة إلى أجلٍ غير مسمى، ومع ذلك، يمكن القول إن الحرب أحدثت شرخاً في النظام الدولي نفسه، إذ لم تعد واشنطن وحدها تتحكم بمفاتيح القرار، بل ظهرت قوى إقليمية ودولية جديدة تحاول صياغة توازنٍ بديل، من بينها السعودية وتركيا وقطر، التي تلعب أدواراً متزايدة في صياغة المرحلة المقبلة. وإن وقف الحرب لن يكون نهاية للصراع، بل بداية لمرحلةٍ أشدّ تعقيداً، حيث ينقسم الصراع على ثلاثة محاور: محور الوجود في الداخل، ومحور الشرعية في الوعي الدولي، ومحور المشروع الوطني الذي ما زال يبحث عن صيغةٍ جامعةٍ تُعيد للفلسطينيين وحدتهم السياسية وهويتهم الوطنية الجامعة. خامساً: بين التصفية والنهضة قد تبدو المعادلة اليوم قاتمة، لكنّ التاريخ أثبت أن كل محاولةٍ لتصفية القضية الفلسطينية كانت بدايةً لمرحلة نهوضٍ جديدة، فمن النكبة إلى الانتفاضة، ومن أوسلو إلى غزة، تتكرر القاعدة ذاتها: كلما ضاقت الخيارات أمام الفلسطينيين، اتسع أفق الصمود، فالقضية ليست مجرد ملفٍ سياسي، بل منظومة إيمانٍ بالحقّ التاريخي، وهذا ما يجعلها عصية على الإلغاء. أما أخطر ما يواجهه الفلسطينيون اليوم ليس فقط الاحتلال، بل الإحباط والعجز والانكسار واليأس، فالحروب لا تُهزم بالسلاح وحده، بل تُهزم – لا سمح الله - حين ينهار الإيمان ويهتز الصمود، ومن هنا تأتي أهمية استثمار الزخم الشعبي الدولي لبناء مشروعٍ وطنيٍّ جديد، يزاوج بين المقاومة الميدانية والدبلوماسية الذكية الواعية، ويحوّل التعاطف العالمي من مشاعر إلى مواقف، ومن بيانات إلى سياسات، وقد أثبت الفلسطينيون أنهم على مستوى عال من الوعي والصمود والمطاولة التي تستعصي على الانكسار أم الكيان الصهيوني. ختاماً: ربما يكون العالم قد تأخر كثيراً في فهم حقيقة الصراع، لكنّ الحرب الأخيرة جعلته يرى ما كان غائباً، وتحولت غزة من مساحةٍ جغرافية الى ضمير العالم النابض، ونحن بانتظار لحظة ميلادٍ وعيٍ جديد، يعيد صياغة المعادلة بأكملها، ويجعل من كل ركامٍ في غزة لبنةً في بناء الدولة التي طال انتظارها.
360
| 27 أكتوبر 2025
مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب...
15153
| 08 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة،...
1623
| 10 فبراير 2026
لم يكن الطوفان حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه مع...
825
| 10 فبراير 2026
لقد طال الحديث عن التأمين الصحي للمواطنين، ومضت...
633
| 11 فبراير 2026
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة...
606
| 12 فبراير 2026
يشهد الشرق الأوسط منذ سنوات طويلة حالة مزمنة...
561
| 09 فبراير 2026
منذ إسدال الستار على كأس العالم FIFA قطر...
516
| 11 فبراير 2026
لم يعد هذا الجهاز الذي نحمله، والمسمى سابقاً...
504
| 09 فبراير 2026
لم يكن البناء الحضاري في الإسلام مشروعا سياسيا...
483
| 08 فبراير 2026
يستيقظ الجسد في العصر الرقمي داخل شبكة دائمة...
444
| 10 فبراير 2026
الثاني من فبراير 2026م، ليلة النصف من شعبان...
423
| 09 فبراير 2026
في السنوات الأخيرة، أصبحنا نلاحظ تزايدًا كبيرًا في...
396
| 12 فبراير 2026
مساحة إعلانية