رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

"يونيتامس".. سقوط ورقة التوت

بشكل بدا مفاجئاً، خاصة لمن لا يتابعون تفاعلات المشهد السياسي السوداني بشكل لصيق، سقوط ورقة التوت عن بعثة الأمم المتحدة في الخرطوم (يونيتامس) ورئيسها فولكر بيرتس، بعد اتهامات قاسية له من الاتحاد الإفريقي اخترقت كل حُجب المداراة الدبلوماسية. فولكر الذي حرص خلال عام مضى منذ بدء بعثته مهامها في السودان، على إظهار حياد وصدقية مفقودين، متدثراً بثوب منظمة الأمم المتحدة التي تثبت حتى اليوم عدم جدواها ومبررات وجودها، إلا في اطار كونها صالوناً يضع المكياج اللازم لقرارات وأجندات الدول الكبرى التي تسوس العالم وفق مصالحها الخاصة. ظل فولكر صاحب خبرة اشاعة الخراب المشهودة في سوريا، منحازا لصالح تعميق الفوضى في السودان، حريصا على الدفع بأقلية حزبية خفيفة الوزن، وقد تبنت برنامجا سياسيا يستهدف القيم والمعتقدات والسلم الاجتماعي وإلحاق البلاد بركب الاستعمار الجديد. ويبدو أن السحر قد انقلب على الساحر، فقد خطط فولكر أن يعطي مصداقية أكثر لما يقوم به بزعم بناء توافق سياسي سوداني يعبر بالمرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام الرئيس عمر البشير في ابريل 2019، فشكّل ما عرف بالآلية الثلاثية برئاسته لانجاز الوفاق السوداني، وضمت بعثة الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، ومجموعة شرق ووسط أفريقيا المعروفة اختصارا بدول (الإيقاد). بيد أن الاتحاد الأفريقي لم يصبر على تجاوزات فولكر وانحيازه، فأعلن بصوت جهير تعليق مشاركته في هذه الآلية، واصفا على لسان ممثله ما يجري داخل الآلية بعدم الشفافية، وعدم الصدق، وعدم احترام الفاعلين، وعدم المساواة بينهم. كما لم يتوان في استخدام عباراة قاسية مثل الإقصاء، والتمويه، والمراوغة. وقيل أن مواجهة بين فولكر وممثلى الاتحاد الافريقي دارت داخل الغرف المغلقة، تضمنت اتهامات لفولكر بالعمل على افشال الحوار بين الفرقاء السودانيين لصالح احزاب الأقلية التي تحاول إعادة سيطرتها على السلطة إبان فترة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك. ويعتقد ممثلو الاتحاد الأفريقي أن فولكر ظل يتحرك بغموض متعمدا استخدامهم الاتحاد فيما "عملية تدمير السودان". ولعل مما رشح عن اسباب غضبة الاتحاد الأفريقي، أن فولكر سعى لمنع كثير من الفعاليات السياسية والمجتمعية من حضور الجلسة الافتتاحية للحوار المعلن من قبل الآلية الثلاثية وكذلك الإصرار على اقصاء من يصفهم بالاسلاميين وبحلفائهم والطرق الصوفية، حتى لا تبدو الأحزاب التي ينحاز إليها معزولة وفي ذات الوقت سعى لترتيب لقاء بين مجموعته والمكون العسكري خارج اطار الآلية الثلاثية، بهدف المضي إلى اتفاق ثنائي يستثني تلك الفعاليات التي تمثل الأغلبية وتشكل في ذات الوقت ممانعة قوية لخططه المرتبطة بالأجندة الخارجية معلومة الأهداف. فالاتحاد الأفريقي تنبه إلى أن فولكر يتعامل بوجهين ويستخدمه ككمبارس لمآرب خفية لا علاقة لها بتحقيق الوفاق في السودان. والحقيقة أن فولكر غير حريص على تحقيق أي اتفاق حتى على مستوى ثنائي بين مجموعته والمكن العسكري ما قبل 30 يونيو الجاري حيث ينتظر أن تحسن تظاهرات دعت لها مجموعته في ذلك اليوم من موقفهم التفاوضي. إن ما يخشاه فولكر التوافق على اتفاق سياسي وطني يشمل كل ألوان الطيف السياسي وكل القوات النظامية، يؤكد على وحدة البلاد وأمنها وسلامتها واستقرارها. وإقامة نظام حكم ديمقراطي تعددي وتأسيس دولة القانون التي أساسها على المواطنة التي تقوم على الحقوق والواجبات وتعلى قيم العدالة والمساواة وحقوق الانسان. الأمر الذي ينتظر أن يوقف ما تعانيه البلاد اليوم من تدهور سياسي وأمني واقتصادي. إن القوة السياسية الوطنية مدعوة لسحب البساط من فولكر واعادة الثقة بينها وتهيئة المناخ وضمان اطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين ووقف خطابات الكراهية والتخوين وتعزير قيم العيش المشترك، مع التأكيد على احترام وكفالة الحريات وفق القوانين والمواثيق والاعراف المرعية، محلياً ودولياً. مع التأكيد على قومية الجيش وكافة القوات النظامية، التي هي السلطة المؤسسة والراعية للانتقال تتولى صلاحيات مجلس الامن والدفاع من موقعها العسكري اسوة مع الأخذ في الاعتبار تجربة الانتقال في ابريل 1985، بعد سقوط نظام جعفر نميري. ولن يستقيم أمر الانتقال السلس ما لم يتم اختيار وتسمية رئيس الوزراء من ذوي الكفاءات الوطنية المستقلة واصحاب التجربة والخبرة ومنحه كافة الصلاحيات لتكوين حكومة كفاءات وطنية مستقلة غير منتمية حزبيا من ذوي الخبرة والتجربة بالتشاور والتنسيق مع كافة الأطراف السياسية والمدنية والعسكرية. وبالضرورة وجوب تشكيل مجلس الامن والدفاع الوطني بصلاحيات واسعة فيما يخص قضايا الامن والدفاع. بما في ذلك الاشراف على دمج قوات المليشيات المختلفة التي ارتضت النهج السلمي في الجيش القومي وكذلك قوات الدعم السريع. كذلك لابد من استكمال المؤسسات العدلية مثل مجلس القضاء العالي، والنيابة العامة، والمحكمة الدستورية، فضلا عن إنشاء مفوضية مكافحة الفساد ويندرج ضمن اختصاصاتها مراجعة وتفعيل عمل لجنة ازالة التمكين بما يضمن تحقيق العدالة اتساقاً مع القوانين السارية. كذلك تكوين المجلس التشريعي (البرلمان) من كافة مكونات المجتمع السوداني. والأمر المهم الذي يمهد لقطف ثمار هذا التوافق المرتجى هو ضرورة تشكيل المفوضية العليا للانتخابات لتشرف على قيام انتخابات حرة ونزيهه وشفافة بنهاية الفترة الانتقالية وتشكيل برلمان يضطلع بوضع دستور دائم للبلاد.

733

| 25 يونيو 2022

قوى الحرية والتغيير.. خسائر بالجملة

لا يزال السودان يئن تحت وطأة آثار التغيير السياسي الدراماتيكي في ابريل 2019 وسقوط نظام الرئيس عمر البشير، وتراجعت البلاد تراجعاً غير مسبوق أمنياً واقتصادياً. فلا ديمقراطية استزرعت فأحيت الأرض بعد موتها فأعجبت الزُّراع، ولا إدارة مركزية بقبضة عسكرية جنبت البلاد شرور التشرذم والتفرق، فغدا الناس طوائف وشيعاً يذيق بعضهم بأس بعض. وبينما تملك اليأس غالبية القوم فالتزموا مقاعد المتفرجين، أُختصرت الأزمة السياسية في البلاد عسفاً في مكونين، عسكري ومدني، فبلغ سيل الأزمة زُبى الإجراءات الاستثنائية وحالة الطوارئ وذهبت الحكومة المدنية غير مأسوف عليها بعد اسوأ أداء لحكومة مدنية في تاريخ البلاد. وبلغ الحال سوءًا أن تقدمت الأمم المتحدة للتوسط بين السودانيين، إذ أنها لم تحقق من قبل نجاحاً يذكر في وساطاتها الدولية عبر مسيرتها الطويلة. الأمم المتحدة ممثلة في رئيس بعثتها في الخرطوم لم تكن محايدة تجاه أطراف الأزمة، بل ظلت منحازة لطرف واحد دون الأطراف الأخرى بما في ذلك الجيش المعقل اليتيم للبوتقة القومية، فأنى لها النجاح؟. الأمم المتحدة نظمت محادثات مستصحبة معها ممثلين للاتحاد الإفريقي، وبعثة الإيقاد المعنية بالتنمية شرق ووسط أفريقيا، وقد استجاب لها مسؤولون عسكريون وممثلو أحزاب سياسية وقيادات من مليشيات تمرد سابقة، لكن المدهش أن قاطعتها أحزاب أقلية منضوية تحت لواء الحرية والتغيير (المجلس المركزي) وهي الجهة التي تواليها وتنحاز إليها الأمم المتحدة مما حدا بالأخيرة تعليق مبادرتها. فهذه المجموعة لا تعترف ببقية القوى السياسية وتريد الحكومة خالصة لها وهو الأمر الذي كان من قبل وأسس لديكتاتورية مدنية بطشت بغيرها، فلا نجحت في تنزيل مفاهيم الديمقراطية التي عزفتها نشيدا ولا أمّنت حدا أدنى من كريم العيش لشعب اشتد إحساسه ببؤسه وخصاصته وتضرم شوقه إلى عدالة اجتماعية يستجم فيها من وعثاء لغوبه الطويل، وعبثا حاول رئيس الحكومة السابق عبد الله حمدوك فك وإعادة تركيب حكومته في ثلاث محاولات دون جدوى. في المقابل ومع نشوب الصراع الغربي - الشرقي في أوكرانيا، عدّلت الولايات المتحدة الأمريكية قليلا من موقفها الداعم لقوى الحرية والتغيير المجلس المركزي، وتدخلت عبر وساطة عرفت عبر دولة عربية وكان هدفها ارسال رسالة واضحة لقوى الحرية والتغيير وفق وزير دولة سابق بالخارجية ومحسوب على الحرية والتغيير، مفادها أن واشنطن غير راغبة في حكومة مدنية قوامها فقط الحرية والتغيير، بل تؤيد الرؤية التي طرحها قائد الجيش في 25 أكتوبر الماضي بتوسيع المشاركة لتشمل كل القوى السياسية، وكان ذلك في اطار سماه الجنرال عبد الفتاح البرهان آنذاك بتصحيح مسار الفترة الانتقالية واعتبرته الحرية والتغيير انقلابا عسكريا. الموقف الأمريكي الجديد الذي يمثل رياحا تأتي بما لا تشتهي سفن الحرية والتغيير، مرتبط بالصراع في أوكرانيا وتنافس موسكو وواشنطن على استقطاب الحلفاء. وتتزامن الوساطة الأمريكية مع نشاط روسي في السودان ولقاء السفير الروسي لدى الخرطوم، بوكيل الخارجية السودانية في اطار مساعي موسكو لحل الأزمة السياسية السودانية. وتذكر موسكو الخرطوم بموقفها برفض فرض أية عقوبات على السودان عبر مجلس الأمن. ولعل تداعيات الأزمة في أوكرانيا على مستوى العالم دعت واشنطن للميل أكثر إلى المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية. فضلا عن عودة مفهوم القوة المادية (العسكرية والاقتصادية)، ونظريات توازن القوة، وتحول القوة. ولعل واشنطن في هذا الجو لا تريد المضي قدما في استخدام سلاح العقوبات الاقتصادية بحيث ينال ذلك من مصداقية الخطاب والسياسات الأمريكية بشأن النظام الاقتصادى العالمى الحر خاصة بعد عقوباتها التي فرضتها على روسيا. وهكذا غيرت واشنطن ربما تكتيكيا من خطتها تنصيب ديكتاتورية مدنية قوامها الحرية والتغيير المجلس المركزي، لتدعم سلطة الجيش في الوقت الحالي دون تغيير يذكر في خطابها المعلن بدعم ما تسمية بالتحول المدني الديمقراطي. في ذات الوقت أثار اللقاء المباشر بين العسكر وقادة الحرية والتغيير المجلس المركزي، والذي اسموه بغير الرسمي غضب قوى سياسية داخل الائتلاف نفسه، خاصة أن الأخير أقدم قبل أشهر على فصل اثنين من قياداته بدعوى تواصلهما مع العسكريين، رافعا شعار (لا تفاوض، لا شراكة، لا شرعية). ولاحقا برر قادة الحرية والتغيير جلوسهم مع المكون العسكري بـسبب "ضغوط كثيفة مارستها دول غربية وعربية" عليهم في إشارة إلى الولايات المتحدة بمساعدة دولة عربية. السؤال المطروح هل في حالة توصل الحرية والتغيير إلى اتفاق مع المكون العسكري سيكون أفضل من ذلك الذي وقعه رئيس الوزراء السابق في 21 نوفمبر الماضي أي بعد الاجراءات التي اتخذها قائد الجيش وأدت لخروج الحرية والتغيير من الحكومة؟. المؤشرات تقول أنه سيكون أقل بكثير وسيضعها في اطار حجمها الحقيقي. لقد عارضت قوى الحرية والتغيير (المجلس المركزي) اتفاق حمدوك – البرهان حتى قدم الرجل استقالته، وأعلن عن عدم قدرته على إحداث توافق سياسي مع تصاعد الاحتجاجات الرافضة لاتفاقه مع البرهان والتي كانت تقف من وارئها قوى الحرية والتغيير (المجلس المركزي). ومضى حمدوك مستاءً جداً من موقف حاضنته السياسية وتصعيدها لخطاب قال استهدفه شخصياً، ومن ثم رفضها مناقشة مشروع ميثاق سياسي مقترح من شخصيات قومية دعمه حمدوك. لقد حاول حمدوك أن يبين لقوى الحرية والتغيير أن استقالته ستمثل خسارة كبرى لها وهي تقاوم المكون العسكري. كما أن وجوده كان سيمكنه باستمرار من اتخاذ مجموعة من القرارات تساهم في تخفيف القبضة العسكرية على مفاصل الدولة. لم يكن حمدوك سعيدا حتى ما قبل اجراءات البرهان في 25 أكتوبر التي تسميها قوى الحرية والتغيير بالانقلاب، فقد كانت قوى الحرية متشاكسة ومتناحرة بشكل عطل العمل التنفيذي تماما وكشف ضعف حمدوك نفسه مما دعا البرهان للقيام بتحركه الذي أفقد قوى الحرية والتغيير مواقعها وسلطتها التي استحوذت عليها وأقصت بقية القوى حتى تقلصت أحزاب قوى الحرية إلى 4 أحزاب فقط مهيمنة ومسيطرة.

1117

| 18 يونيو 2022

البحر الأحمر.. آخر مقاربات أمنه

ظلت مقاربات أمن البحار والمحيطات مثار صراع وجدل عالميين منذ عصور سحيقة، وبقي دافع هذه المقاربات أمرين مهمين؛ الطمع في ثروات البحار غير المحدودة، والقلق من كون البحار والممرات المائية مداخل وطرقا سالكة للحملات العسكرية الغازية. وفي حالات السِلم وتوازن القوى تجتمع الدول لاسيما الكبرى على كلمة سواء، فتظهر الاتفاقات والتفاهمات الدولية، ولعل من أحدث الاتفاقات الدولية في هذا الصدد، اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار في عام 1982 بوصفها لحظة حاسمة بالنسبة لتوسع القانون الدولي ليشمل الموارد المائية المشتركة الشاسعة على كوكب الأرض. وساهمت هذه الاتفاقية في حل عدد من القضايا المستعصية المتعلقة باستخدام المحيطات والسيادة عليها، مثل تأسيس حقوق حرية الملاحة، وتعيين الحدود البحرية الإقليمية 12 ميلا بحريا من الشاطئ، كذلك تعيين المناطق الاقتصادية الخالصة إلى 200 ميلا بحريا من الشاطئ، فضلا عن تعيين قواعد لتوسيع نطاق حقوق الجرف القاري والتي تصل إلى 350 ميلا بحريا من الشاطئ، وإنشاء سلطة دولية لقاع البحار، ووضع آليات أخرى لحل النزاعات. وربما كان البحر الأحمر أهم الممرات المائية من الناحية الإستراتيجية لدول المنطقة العربية، ولا يزال هدفا للقوى الكبرى التي تسعى لاستثمار موقعه عسكريا وسياسيا، من خلال إقامة القواعد العسكرية بزعم حماية سفنها من أعمال القرصنة، وحماية التجارة الدولية وناقلات النفط. ويعتبر أقل وصف للبحر الأحمر أهمية أنه ممر عسكري استراتيجي، حيث تسلكه الوحدات البحرية للقوى الدولية لتحريك قواتها بين قواعدها المختلفة والمنتشرة حول العالم ونقلها إلى مناطق النزاع. في يناير الماضي تداعت الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن لتأسيس مجلس لها، وأعلنت دولة عضو على لسان وزير خارجيتها أن التوقيع على ميثاق المجلس يأتي استشعاراً من قيادات الدول الثماني لأهمية التنسيق والتشاور حول الممر المائي الحيوي الذي يمثل أهمية اقتصادية وتجارية واستثمارية للاقتصاد العالمي بأكمله، باعتبار البحر الأحمر المعبر الرئيسي للتجارة العالمية بين دول شرق آسيا وأوروبا. ويضم المجلس 8 دول: السعودية والسودان وجيبوتي والصومال وإريتريا ومصر واليمن والأردن. ونفى المجلس وجود أي تصور في الوقت الحالي لإنشاء قوة عسكرية للتحالف الجديد، بيد أن هناك حديثا أن جميع الدول المشاركة لديها قدرات دفاعية، وتنسيق ثنائي، ويمكن أن يتطور ذلك إلى تنسيق جماعي، وهو تنسيق عسكري بالضرورة. ولعله الحديث عن أمن البحر الأحمر يصعب باعتباره فقط جزءًا من منظومة أمن الدول المطلة عليه فحسب، إذ إن أهمية البحر الأحمر الإستراتيجية أهمية دولية لاسيما الدول العظمى مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا، وأوروبا، فتهديد استقرار أمن البحر الأحمر يمس مباشرة مصالح تلك الدول، وأكثر من ذلك فإن أمن البحر الأحمر مرتبط ارتباطا حيويا بتأثيره على الملاحة الدولية عموما. ويشكل البحر الأحمر همزة وصل بين الأساطيل البحرية في البحر المتوسط والمحيط الهندي، وهو الطريق الرئيسي الذي تسلكه القوى الدولية لتحريك قواتها بين قواعدها المختلفة والمنتشرة حول العالم ونقلها إلى مناطق النزاع. ومنذ عام 1869 ومع افتتاح قناة السويس في مصر أصبح البحر الأحمر أقصر وأسرع ممر بحري بين الشـرق والغرب، وبديلا في ذات الوقت لطريق رأس الرجاء الصالح الطويل في حركة التجارة الدولية. ولاحقا ومع اكتشاف النفط الخليجي الذي أصبح هذا الممر أكبر مشغل لماكينة الصناعة الأوروبية والأمريكية تحول البحر الأحمر إلى طريق نفطي إستراتيجي. وفي نفس الوقت أصبح ممرا لنقل السلع المصنعة من أوروبا إلى أكبر سوق لها في آسيا وأفريقيا، لتدخل كل من الصين واليابان والهند في زمرة القوى الاقتصادية العالمية المؤثرة التي يمثل لها البحر الأحمر ممرا حيويا لتجارتها وحراكها الاقتصادي. على صعيد آخر تراقب تركيا ما يجري في البحر الأحمر باعتبارها لاعبا اقليميا مؤثرا في المنطقة التي تشهد تنافسا محموما للسيطرة والتوسع، خاصة بعد التغيرات الاستراتيجية التي تمخضت عن أيلولة جزيرتي تيران وصنافير للسعودية ليغدو خليج العقبة ممرا دوليا تستفيد منه إسرائيل مما شجعها لإقامة مشروع قناة إسرائيلية موازية لقناة السويس. وربما بسبب تزايد عقبات انضمام تركيا لمنظومة الاتحاد الأوروبي، فقد لجأت تركيا إلى تكثيف انخراطها في المنطقة عموما، ووظفت علاقتها على سبيل المثال بقطر تحقيقا لهذا الهدف، ومعلوم أن لدى تركيا قاعدة عسكرية في الصومال، وتعكف على تدريب نحو أحد عشر ألف جندي صومالي. كذلك سلط توسع الصراع اليمني – اليمني وامتداد رقعته إلى البحر الأحمر الضوء على هذا الممر المائي الاستراتيجي. ومع دخول أطراف إقليمية ودولية في أتون الصراع اليمني غدا التدافع حول البحر الأحمر أكثر حدةً وعصفاً. ومن نافلة القول أن البحر الأحمر يقع في عمق المنطقة العربية التي تستمد تاريخها من كونها مركز الحضارات القديمة ومهد الديانات السماوية الثلاث. وتحيط بضفتي هذا البحر الشرقية والغربية، سبع دول عربية، هي الأردن والسعودية واليمن والصومال وجيبوتي والسودان ومصر، وتحوز هذه الدول على نحو 90% من سواحله، وعليه من المفترض أن يكون الوطن العربي لاعبا رئيسيا في موازين القوى والسياسات الدولية المتعلقة بهذا الممر الاستراتيجي. كل ذلك مدعاة للانتباه إلى أن ضمان أمن البلدان العربية المطلة عليه البحر الأحمر يمثل محورا مهما من محاور الأمن القومي العربي. وبالضرورة فإن هذه الدول ذات حساسية عالية تجاه كل ما يؤثر في التوازن البحري المرتبط بالتوازن الدولي. وتثبت التجارب أن الدول المطلة على البحر الأحمر كانت على الدوام الطرف الأكثر تضرراً من أي اختلالات أمنية، ومن ثم، فإن العبء الأكبر يقع عليها وعلى منظومة الأمن القومي العربي - إن وجدت - في حماية الملاحة في هذه المنطقة الحساسة.

1926

| 11 يونيو 2022

الديمقراطية الليبرالية.. محاولات الاستنبات

لا تكمن إشكالية استنبات الديمقراطية الليبرالية في أرض مغايرة تماما لتربتها الأصلية، بسبب عدم قدرة هذه الأيديولوجيا على الجمع بين النظرية والتطبيق الفعلي هناك فحسب، وإنما كذلك بسبب الجغرافيا والتركيبة الجيولوجية للأرض الجديدة، إذ أن تربة الاستنبات صخرية صلدة وليست حالها كحال تربة المستنبت، سطحية وهشة ومفتتة. وإن بدت للمستنبتين أن تربة أرض الاستنبات هشة يمكن العبث بها، فهي كمثل صفوان عليه تراب حتى إذا ما اقتربوا منه تغولا أصابهم وابل الرفض الذي سرعان ما يتركها صلدًا فيعزّ استنبات كل زرع غريب فيها. لقد ظلت الديمقراطية الليبرالية، باعتبارها مفهوما ومصطلحا، منغمسة في إشكاليات كثيرة، وأشدّ ما تكون هذه الإشكاليات عصية عندما يتم إنزالها على واقع غير واقعها الذي ولدت وترعرعت فيه. وهي إشكاليات ارتبطت في كثير من الأحايين بالثقافة والاعتقادات المتوارثة. تزعم الديمقراطية الليبرالية أنها لا تأبه بسلوك الفرد ما دام محدودًا في دائرته الخاصة من الحقوق والحريات؛ وهنا تبدو إشكالية، ما هي حدود دائرة الفرد الخاصة؟ وهل في كل الأحوال لا تؤثر تصرفات الدائرة الخاصة سلبا على الدائرة الأوسع من المجتمع؟. على ضوء ذلك شَخَصت لاحقا إشكالية أخرى، عندما تم تسويق الأيديولوجيا الليبرالية في بقاع أخرى ومنها الوطن العربي، والذي كان واقعا تحت احتلال الدول الغربية التي اعتمدت الليبرالية معبدا ودينا، حيث تمثلت هذه الإشكالية في التوفيق والمواءمة بين الأفكار التحررية في الليبرالية وبين حقيقة استلاب حرية الأمم والشعوب؛ فالقيم الفاضلة والحرية مفاهيم لا تتجزأ. ولعل من عهدت إليهم تلك الأيديولوجيا للتبشير بها من أبناء أرض الاستنبات وهم ممن تأبطوا الفكر الليبرالي، تجدهم غارقين في نخبويتهم، متنكبين الطريق الموصلة إلى السلطة، بل في أحايين كثيرة فشلوا في تشكيل حتى جماعة ضاغطة وداعمة لما يبشرون به. كما أنهم تقاعسوا في أحايين أخرى عن دعم من يشاركهم الهدف، فقط لكونهم يختلفون معهم سياسيا. حتى في المقابل الآخر الذي قد نصفه مجازا باليمين، نجد أن مهمة المحافظين إن اعتبرناهم جزءاً من المؤسسة الدينية، عظيمة وأساسية في الاستقرار الاجتماعي ومن ثمّ الاستقرار السياسي والاقتصادي. بيد أنه عندما يكون همّ من يمثلون المؤسسة الدينية، التماهي مع السلطة والتحالف معها لاقتسام النفوذ والثروة، فإنهم يغدون أداة طيعة في يد السلطة، بل يصبحون محل تندر وسخرية ويكون مصيرهم في نهاية المطاف الهامش وحواف الفعل بعد انتفاء الجدوى السياسية. ولعل آخر نموذج للدولة الإسلامية كان الدولة العثمانية، وهي النقطة التي انتهى عندها صعود نموذج دولة الإسلام وتفوقه في كافة المجالات بعد أن سادت تلك الدولة لأكثر من ستة قرون (1299م– 1924م). لقد جاء الانهيار لأسباب داخلية وخارجية؛ فالتوسع الكبير أفقد المركز (إسطنبول) السيطرة على أرجاء الدولة الممتدة. وتبع ذلك أو تزامن معه تدهور اقتصادي كبير. أما خارجيا فقد كانت دعوات العلمانية والديمقراطية الليبرالية الغربية تأكل في الأساس الفكري للدولة العثمانية. وبعيدا عن نماذج الدولة الإسلامية في كل زمان ومكان باعتبارها اجتهادا بشريا يخطئ ويصيب؛ فإن الإسلام دين الوسطية. وليس الدين في الإسلام مجرد مجموعة شعائر وحركات ظاهرة مجوّدة بلا أي بعد معنوي. كما أن اعتقال السياسة ضمن إطار الفقه الإسلامي يؤدي إلى تأخر تطورها كونها علما وفكرا منفصلا أي تعطيل انتقالها من الخاص الضيق إلى الواسع العام. وبدا في أحيانٍ كثيرةٍ أن الفقه السياسي يحاسب بموازين الحلال القطعي والحرام القطعي بدون أي مساحة اجتهادية في مفارقة بينة لمفهوم الشورى النبتة الأصلية في تربة الدولة المسلمة، فالشورى آراء جمعية، الأمر الذي أسقط إمكانية التكليف مع مستجدات الواقع وضرورات تعدد الخيارات. والشورى كذلك ممارسة جماهيرية من عامة الناس وخاصتهم لحق أصيل في اختيار الحاكم وفي إبداء الرأي لأنها اصطلاحا تعني التداول الحر في الشأن الخاص العام، وبالتالي فهي المشاركة في اتخاذ القرار الملزم للدولة والجمهور. وهنا قد ينهض سؤال عن ماهية الفرق بين مفهومي الشورى والديمقراطية؟، ولا يبدو الفرق قضية جدلية، لأن الأمر بكل بساطة بيّنٌ وواضحٌ؛ إذ أن المفاضلة بين الشورى والديمقراطية تبدو مقارنة عبثية ربما لا تقوم على نهج قياسي صحيح، وهي تشبه المقارنة بين الهدف والطريق التي تؤدي إلى ذلك الهدف. فالشورى مبدأ والديمقراطية واحدة من تطبيقاته المختلفة، والشورى ثقافة وقيم ومبادئ، بينما الديمقراطية مشروع وخطة. لقد كفل الإسلام الحرية للناس جميعا، مسلمين ومشركين، موحدين وملحدين، فلم يقيد حرية الإنسان في أهم علاقة تمس الخالق بالمخلوق. والحرية في هذا الإطار ليست غاية وليست قيمة معنوية، بل هي وسيلة لعبادة الله تعالى. إن المطلوب ممن يتولون التبشير بنموذج حكم سياسي شوري يكافح غرائب النبت، الحرص على العمل على نشر المفاهيم الوسطية وتحجيم ظاهرة التطرف والغلو، فضلا عن القضاء على التضارب الكبير في الخطاب الدعوي بينهم. إن آليات الوحدة والتكامل فيما بينهم تتمثل في وحدة العقيدة والهدف، وصدق التوجه والالتزام بالعهود، والإرادة السياسية القوية لدعم القيم الإسلامية السمحاء، إضافة لأهمية القدوة والقيادة الرشيدة. ربما يواجه الداعون لنموذج شوري بديل للديمقراطية الليبرالية بآلة إعلامية ضخمة تسوق للنظام الإعلامي الليبرالي باعتباره النظام الذي يوفر للفرد والمجتمع الحرية والديمقراطية في كل المجالات والممارسات. وفي أفضل الأحوال فإن مفهوم الحرية والديمقراطية في ذلك النظام الإعلامي يبدو ذا طابع جدلي نتيجة للتفسيرات المختلفة له، واختلاف السياقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي يعمل في إطارها. ويؤكد إدوارد أن مؤسسات الإعلام الأمريكي تخدم وتروج لهوية الكيان الأمريكي، وهو العامل الأساسي الذي يقرر الشيء الذي يصبح خبرا وكيف يتعين تقديمه.

1056

| 04 يونيو 2022

السودان.. ضوء نهاية النفق

انشغلت الساحة السياسية السودانية بحديثين مهمين لرمزين من رموز نظام الرئيس السابق عمر البشير، وقد يمثلان فعليا دائرة أوسع من دائرة كابينة قيادة ذلك النظام، بل ربما مثلا عمقا أبعد من السطح وقمة جبل الجليد. ربما الذي جمع بين الرجلين، قيادتهما لمعارضة داخلية كانت رافضة وممانعة لمآلات نظام الحكم في أيامه الأخيرة، حتى أن أحدهما اتهم بالمشاركة في الانقلاب على البشير، وكان كلاهما قد خسرا مواقعهما التنفيذية والحزبية. ومن الصدف أن كليهما قد شغل منصب وزير الخارجية في حكومة البشير قبل إقالتهما لاحقا. كما أن الاثنين تميزا بكاريزما قيادية وممارسة سياسية حرفية. وعقب سقوط النظام في ابريل 2019 توليا بدفع من أغلبية عضوية مهمة سد الفراغ القيادي في الإطارين؛ السياسي (المؤتمر الوطني)، والفكري (الحركة الإسلامية). ظروف وتوقيت الحديثين الصحفيين، أضفيا أهمية كبيرة عليه، فضلا عن أن مضمونهما المتماثلين في سياق هارموني، بدا مقصودا بعناية واحترافية في ظل واقع سياسي مفعم بخطاب سياسي بئيس ظل يزيد من تعقيد المشهد السياسي في البلاد. واشترك حديث الاثنين في التوازن السياسي والاعتراف بالأخطاء والرؤية الاستشرافية المتفائلة الداعية للحوار والتوافق والحفاظ على تماسك الجيش ودعمه باعتباره أهم ممسكات الوحدة الوطنية وقوام الدولة السودانية وترياق مهددات تفكيكها والقضاء عليها بتخطيط خارجي وتنفيذ داخلي يستثمر في حالة السيولة الأمنية والسياسية. ولعل حديثا كل من علي كرتي الأمين العام للحركة الإسلامية المكلف، وإبراهيم غندور رئيس المؤتمر الوطني المكلف كذلك، قد قدماهما باعتبارهما قائدين متزنين تمكنا من بعث رسائل في اتجاهات متعددة، بلغة متزنة بعيدة عن الانفعال. وكان كرتي يمثل التشدد ضد التخلي عن قيم ومرتكزات فكرية قامت عليها حركة الإسلام وظل بمثابة مركز ضبط الجودة في التنظيم العريض. وأشرف كرتي على قيادة قوات الدفاع الشعبي، بالإضافة إلى شغل عدة مناصب قبل أن يعين وزيراً للخارجية منها وزيراً للعدل. وربما الرجل بحديثه الأخير أضحى أكثر نضجا وحنكة مبتعدا عن الخطاب الحاد وكان قد استهل اضطلاعه بوزارة الخارجية بتصريح غداة توليه المنصب، في يونيو 2010، قال فيه «إن مصر لم تعد تعرف أي شيء عن قضايا الشأن السوداني». وقد أثار التصريح حفيظة وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط وطلب من الخرطوم تفسيراً لحقيقة انتقادات لدورها في القضايا السودانية. وفي 8 سبتمبر من ذات العام، علق على ما أوردته صحيفة واشنطن بوست الأمريكية عن نية إدارة الرئيس باراك أوباما تنفيذ حزمة من الإغراءات والعقوبات لتحفيز السودان على إجراء استفتاء تقرير المصير بالجنوب، فقال «كلام واشنطن «قلة أدب»، و»السودان ليست بغلة تـُضرب على مؤخرتها». أما إبراهيم غندور فقد شغل موقع رئيس اتحاد عمال السودان، كما كان نائبا في المجلس الوطني (البرلمان) عن دورتين. وفي يونيو 2015 تقلد منصب وزيرالخارجية إلى أن تمت إقالته في أبريل 2018 على خلفية خطاب له في البرلمان انتقد فيه عن عجز الحكومة عن سداد مرتبات ومصاريف البعثات الدبلوماسية. وعقب 11 أبريل 2019م، اعتقل بتهمة التخطيط لعمليات إرهابية قبل أن تبرئه المحكمة الشهر الماضي. وتتحمل الحركة الإسلامية في السودان إخفاقات تجربة حكم بلغت 30 عاما، وهي فترة كافية لإحداث التغيير الذي بشّرت به أدبياتها السياسية، بل هي فترة كافية للمراجعة ومعالجة الإخفاق والقصور. وهذه الفترة الطويلة لم تُتح لأي تنظيم أو حزب سياسي حكم السودان بُعيد استقلاله عن بريطانيا في يناير 1956. لكن هناك من رأى أن الحركة الإسلامية فعليا قد أبعدت من قبل حزب المؤتمر الوطني الجناح السياسي للحركة، وأخذت مكانا قصيا وأضحت شلوا ممزقا يعيش على رصيف الفعل السياسي بسبب طغيان الجناح السياسي معتمدا على براغماتية غير رشيدة. وتجد تجربة حكم الإسلاميين في السودان اهتماما كبيرا من الباحثين والمراقبين، فهي الأطول حكما بين قوى ما يعرف بالإسلام السياسي، ممثلة في أحزابها وتنظيماتها المختلفة، التي طرحت نفسها كبديل باعتبار الإسلام نظاما سياسيا صالحا لكل زمان ومكان، ونموذجا قادرا على مواجهة التحديات الحضارية. ورأى قطاع مقدر من المنتقدين للتجربة السودانية، أن مشروع حكم الحركة قد انتهى إلى دكتاتوريات قمعية. وقالت نخب إسلامية مغاضبة والتي اعتزلت المشاركة في الحكم، إن حكم الحركة تم اختطافه من قبل الرئيس البشير معه قلة قليلة من السياسيين والعسكريين أصحاب المصلحة الشخصية. وقد سيطرت العقلية الإقصائية على البناء التنظيمي للحركة نفسها؛ فتعثرت فكرة تبادل السلطة داخلها، وأصبح القيادي في الحركة مثل الخليفة العباسي لا يتخلى ولا يتحول عن القيادة الا بالموت الطبيعي أو المؤامرات الداخلية. ومن ثمّ لم يستطع التنظيم بسط الحرية والشورى وتبادل السلطة في داخل التنظيم، فلن يتسنى له تطبيق ذلك بالضرورة في المجتمع العريض. إن هذا الواقع المر أفضى إلى نشوء فجوة كبيرة بين المجتمع من جانب، وبين الدولة والحركة من جانب آخر، وغدت الجماهير التواقة للنهضة تفترش هوامش الحياة عوضا عن مشاركتها بصورة حقيقية في صناعة واقع جديد، بل أصبحت الحركة قبيلة لكيان نخبوي مشغول بصراعاته أكثر من انشغاله بقضايا المجتمع. لا سبيل لصلاح حال الحركة الإسلامية إلإ بالتركيز على الاتجاه للفرد والمجتمع والابتعاد مسافة مريحة عن الفعل السياسي البراغماتي. على أن يستهدف البرنامج الجديد النهضة بالفرد باعتباره محورا أساسيا للتنمية بكل أوجهها. فضلا عن الاستفادة القصوى من الانتشار الواسع للمساجد وتضاعف أعدادها لتحويلها إلى مراكز للحركة الفكرية والاجتماعية واعتماد إستراتيجية تُعيد للمسجد دوره المفتقد في الترابط الاجتماعي والتكافل الاقتصادي. وضمن البرنامج الاجتماعي تبرز ضرورة مواجهة تحدي الإصلاح الاقتصادي لإقامة الاقتصاد على خطة الإنصاف وعلى تحقيق ميزان العدالة بين من يملك ومن لا يملك.

899

| 28 مايو 2022

حربُ الأحلاف.. حافة الهاوية

في كامل زينته خرج الرئيس الأمريكي جو بايدن، من اجتماع ضم رئيسة وزراء السويد والرئيس الفنلندي، وقد برقت عيناه بنصر معلناً أن السويد وفنلندا تستوفيان "كل المعايير" للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مؤكداً دعم بلاده تحقيق ذلك في أسرع وقت ممكن. هذا النصر الجزئي قابله العالم بقلق عميق بعد أن تخلت السويد وفلندا عن حيادهما طويل الأمد، وعوضاً عن تخفيف التوتر بين أفيال العالم، فقد أسهمت هذه الخطوة الانفعالية في تكريس حالة حافة الهاوية بسبب الحرب الروسية على أوكرانيا التي اقتربت من يومها المائة، هذه الحالة الخطيرة التي تعتري العالم تهدد الحشائش الوادعة قبل أن تقضي على الأفيال نفسها في نهاية المطاف، اليوم العالم على قطبي رحى، سياسة حافة الهاوية التي تلعب أدوارها الرئيسية الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، كلاهما يهدفان إلى تحقيق مكاسب عن طريق تصعيد الأزمة الأوكرانية، وهو تصعيد يلامس كابوس الحرب النووية، ويعمد كلاهما إلى إيهام الآخر باستحالة التنازل أو الرضوخ ولو أدّى ذلك إلى اجتياز هذه الحافة الخطرة. ظل التوسيع المستمر لحلف الناتو لا سيما بعد نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي السابق، ومن ثمّ تداعي حلف وارسو الخصم اللدود لحلف الناتو يشكل قلقاً وهاجساً لموسكو، والحقيقة أن حلف الناتو الذي ستصل عضويته إلى نحو 30 دولة بعد إكمال إجراءات انضمام السويد وفنلندا، بدأ بعدد 12 عضوا في عام 1949، بعد انتهاء الحرب الباردة، اعتمد الحلف سياسية التوسع باتجاه الشرق نحو روسيا، التي ظلت تكظم شعورها بالاستفزاز والتهديد المباشر، وعلى وجه الخصوص تسبّب ضم الدول التي كانت في السابق جزءًا من الكتلة الشرقية والاتحاد السوفييتي في تصعيد التوتر بين دول الناتو وروسيا، فمنذ عام 1999، انضمّت بولندا والمجر والتشيك إلى المنظمة، ثم جاء توسعٌ آخر بضم سبعة دول من أوروبا الوسطى والشرقية هي: بلغاريا، وإستونيا، ولاتفيا، وليتوانيا، ورومانيا، وسلوفاكيا، وسلوفينيا. وليس كما يزعم المحللون العسكريون الأوروبيون بأن الحرب الروسية على أوكرانيا قد غيرت المشهد الأمني في أوروبا بأكمله، وأنها شكلت بشكل كبير نمط التفكير في حلف الناتو، إذ إن التوسع أمر ظل مستمرا سواء نحو روسيا شرقاً أو على حساب حلفاء تقليديين لموروثها الاتحاد السوفييتي السابق. ورغم أن توالي انضمام مزيد من دول الجوار الجغرافي لروسيا، إلى الناتو بتحريض أمريكي غير أن محاولة ضم أوكرانيا كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ تعتبر موسكو أو ذلك خطاً أحمر وتهديدا جديا لها، وما قبل محاولة ضم أوكرانيا كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مشحوناً باعتقاد أن الولايات المتحدة نقضت وعداً قطعته عبر وزير خارجيتها آنذاك، جيمس بيكر، لميخائيل غورباتشوف (آخر رئيس للاتحاد السوفييتي)، في عام 1990، إذ قيل إن بيكر تعهد لغورباتشوف، بأنه "لن يكون هناك تمدد لقوات الناتو بوصة واحدة إلى الشرق". وفي إطار التصعيد والتصعيد المقابل لا سيما بعد ترشيح السويد وفلندا لعضوية الناتو؛ هدد بوتين بإحياء حلف وارسو، وعقدت الاثنين الماضي في موسكو، قمة منظمة معاهدة الأمن الجماعي، التي تضم مجموعة من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة، حيث برزت دعوات خلال القمة لتشكيل تحالف يواجه حلف الناتو فيما يمكن أن يشكل نسخة محدّثة لـحلف وارسو الذي حُلّ قبل انهيار الاتحاد السوفييتي. ويبدو أن تعامل بوتين مع خصومه في الغرب اختلف عن تعامل سلفه بوريس يلتسن باختلاف موازين القوى، ففي في سبتمبر 1993، كتب يلتسن رسالة خجولة إلى نظيره الأمريكي بل كلينتون، معربا عن مخاوفه من عملية توسع الناتو قائلا فيها: "نحن نفهم، بالطبع، أن أي انضمام محتمل لدول أوروبا الشرقية إلى الناتو لن يؤدي تلقائياً إلى تحول التحالف بطريقة ما ضد روسيا، ولكن من المهم مراعاة الكيفية التي قد يتفاعل بها الرأي العام لدينا مع هذه الخطوة، فكان همه الكسب السياسي الداخلي أكثر من أمن بلاده القومي، ولعل بوتين بدا عازماً منذ انتخابه لأول مرة على تحويل روسيا من دولة مهدَّدة إلى قوة عظمى، عبّر رسالته التي حملت توجهه الجديد في أواخر عام 1999، وحملت عنوان "روسيا على العتبة الألفية الجديدة". إن الأفيال اليوم مشغولة بإظهار عضلاتها والإمعان في تحدي بعضها البعض، غير عابئة بأنين الحشائش من تحت أقدامها؛ فحتى قبل اندلاع المواجهة المباشرة فقد وصل عدد الأشخاص الذين يعيشون في حالة نزوح داخلي حول العالم إلى أعلى مستوى على الإطلاق، حيث بلغ نحو 60 مليونا في نهاية العام الماضي. ووفقا لتقرير للمجلس النرويجي للاجئين، فإن الوضع اليوم أسوأ بشكل هائل أكثر مما يوحي به هذا الرقم القياسي، لأنه لا يشمل ما يقرب من ثمانية ملايين شخص هربوا من الحرب في أوكرانيا، وذكر الأمين العام للمجلس، يان إيغلاند، "نحن بحاجة إلى تحول هائل في التفكير من قادة العالم حول كيفية منع النزاعات وحلها لإنهاء هذه المعاناة الإنسانية المتصاعدة. اليوم طوفان موجات اللجوء نحو أوروبا يؤرق حكوماتها ويؤزها أزا، وبلغ مستوى لم يبلغه منذ الحرب العالمية الثانية، وبدلا من تقديم المساعدة والعون للاجئين الفارين إلى أوروبا من جحيم الحروب، اتخذت أوروبا سياسات طرد وردع قاسية. من جانب آخر شكلت الأخطار المرتبطة بالطقس 94 % من إجمالي كوارث العالم، وكان العالم لا سيما غالبه الفقير والمستضعف، يطمح إلى صحوة ضمير تنتاب أكبر الملوثين في العالم وهم ذات القوة المتصارعة والتفاهم حول الاتفاقية الإطارية بشأن التغير المناخي، والذي من أهم أجنداته تقليل الانبعاثات السامة بحلول عام 2030، بالطبع لا يجوز أن يحلُم الناس يوما بجمهورية أفلاطون الفاضلة؛ فالصراع المادة هو القانون الطبيعي الذي يحكم الحياة، لكن أن تغدو الصراعات العسكرية والاقتصادية مشروع انتحار كوني فتلك هي الطامة الكبرى، وهو انتحار بأفعال الكبار لكنه لا يبقي ولا يذر.

1106

| 21 مايو 2022

شيرين و"الجزيرة".. مسيرة استهداف ممتدة

قبل نحو عقدين من الزمان وقناة الجزيرة تبدي جسارة غير مسبوقة في تغطية مناطق النزاعات وبث التقارير الصحفية المهنية؛ تابع العالم بدهشة قصف الولايات المتحدة الأمريكية مكاتب قناة الجزيرة في أفغانستان، ولاحقا في العراق، حيث استشهد مراسلها طارق أيوب. وكان للرئيس الأمريكي الأسبق بوش الإبن موقف مشهود من القناة؛ فقد نشرت صحيفة الديلي ميرور البريطانية في 22 نوفمبر 2005 موضوعاً حصرياً على غلافها تقول فيه "إن الرئيس بوش خطط لتفجير مبنى قناة الجزيرة في بلد عربي صديق". حسبما كشفت عنه مذكرة سرية جداً صادرة عن 10 داوننغ ستريت. وأوردت الصحيفة تقول: "كشف بوش عن فكرته في ضرب المدنيين في قناة الجزيرة أثناء قمة عُقدت وجهاً لوجه في البيت الأبيض مع توني بلير رئيس الوزراء البريطاني الأسبق في يوم 16 أبريل من العام 2004م. يشار إلى أن البيت الأبيض الأمريكي نفى الخبر بعبارات تحاشت بعناية الادعاء بأن الوثيقة التي نشرتها الديلي ميرور مزورة واكتفى بالقول: "لن نمنح خبراً بمثل هذه الغرابة شرف الرد عليه". كما رفضت رئاسة الوزراء البريطانية في بادئ الأمر أن تُعلق، ثم هددت بمقاضاة رؤساء تحرير الصحف الذين نشروا تفاصيل عن المناقشة. وقال كاتب في صحيفة نيويورك صن الأمريكية إن "عُنف رد الحكومة البريطانية وحده يعني أن هذه المسألة أخذت مأخذ الجّد سواء في لندن أم في واشنطن. ومن غير المعتاد، بل ربما لم يحدث من قبل، أن تقوم بترويع رؤساء تحرير بهذه الطريقة". منذ ذلك الحين تحولت قناة الجزيرة ومنسوبوها لأهداف عسكرية، ولا عزاء للقانون الدولي الإنساني بينما غدت قيم حرية الإعلام أناشيد تعزف فلا تطرب، ومساحيق تجميل لا تزيل القبح. كانت الصحفية شيرين أبو عاقلة مراسلة قناة الجزيرة في فلسطين المحتلة آخر الأهداف العسكرية التي استهدفتها قوات الاحتلال الإسرائيلي بجرأة كبيرة. كانت شيرين وفريقها على وشك بث تقرير عن اقتحام قوات الاحتلال لمخيم جنين في الضفة الغربية المحتلة، والذي تحول بشكل دراماتيكي إلى تقرير عن اغتيالها شخصيا، فقد انطلقت الرصاصات الغادرة لاغتيال الحقيقة ووثقت كاميرا الجزيرة لحظات عصيبة ومؤثرة ونقلت استغاثات مبحوحة لإنقاذ شيرين التي سقطت على وجهها مضرجة بدمائها. مثّل حدث الاغتيال المتعمد للصحفية الجسورة الوجه الحقيقي للاحتلال الصهيوني وكذلك وجه الذين يقفون داعمين للكيان الغاصب، من الحكومات والدول لا سيما تلك التي تشاركه هذه الأفعال، فما إسرائيل إلا راقص في جوقة دُفٍ ظل يضربه ربُّ البيت. لقد دفعت شيرين بأريحية ثمن نشر الحقيقة كما ظل يدفعها زملاؤها الصحفيون عبر الحقب. ولعل أقل وصف لما حدث، ذلك الوصف الذي أعلنته قناة الجزيرة في بيانها الرسمي، بأنه جريمة مفجعة تخرق الأعراف والقوانين الدولية. ولعل هذه الجريمة كانت تتويجا لسلسلة طويلة من العسف والمضايقات التي ظلت تتعرض لها أطقم قناة الجزيرة في فلسطين؛ لقد تحدثت شيرين في مقابلة سابقة عن أسباب استهداف جيش الاحتلال الإسرائيلي لها ولزملائها، وذكرت شيرين أن الاحتلال يعتبر مساحات تحركها وزملائها للتغطية الصحفية ونقل الحقيقة، هي خرق أمني تمهيدا لاستهدافهم بالقتل، وهو ما حدث معها فعلا. الصمت العالمي بل التواطء جعل إسرائيل ترتكب 625 انتهاكا بحق الصحفيين في فلسطين المحتلة خلال العام الماضي فقط، وشهد العالم قيامها خلال اعتدائها الأخير على قطاع غزة بتدمير 59 مؤسسة إعلامية. إن حقيقة تحول الصحفيين ومؤسساتهم إلى أهداف عسكرية يتطلب منهم إعادة التموضع وتحسس مواضع أقدامهم والتعاطي بحذر مع الوضع الجديد المفروض عليهم. ولا سبيل إلى حسن النية واعتبار ارتداء الستراة التي تحدد هويتهم الصحفية أمرا كافيا لجلب الحماية لهم. لقد استطاعت قناة الجزيرة ومنذ نعومة أظافرها أن تخترق الجدار الإعلامي الضخم الذي بناه الغرب بإمكانياته الخارقة. ودافعها أنها على علم تام بأنها تعمل في منطقة ساخنة من مناطق العالم الملتهبة بالأحداث، وأثبتت قدرتها على بناء علاقات مع كل المناطق التي تعمل فيها بطريقة ذكية وغير تقليدية، كما هو شأن نظيراتها. بعد الحرب الأمريكية الأولى على أفغانستان جاءت الحرب الأمريكية على العراق، حيث واجهت قناة الجزيرة حملة عنيفة من الانتقادات الغربية على وجه الخصوص، فقد وصف الرئيس الأمريكي الأسبق بوش الإبن عرض الجزيرة لصور جنود أمريكيين أسرى بأنه غير مسؤول، فيما اعتبر وزير دفاعه بث الصور أمرا مثيرا للغضب. وفي تلك الأيام ذكر معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى أن لقناة الجزيرة تأثيراً بالغاً في صياغة الرأي العام العربي، وأشار المعهد إلى أن القناة ألقت بظلالها على كافة وسائل الإعلام العربية. وقال الكاتب والصحفي الراحل المعروف محمد حسنين هيكل "لا أظن أن أحدا يختلف على حقيقة أن شبكة الجزيرة هي العنوان الأكبر في مجال الإعلام العربي هذه اللحظة من الزمان العالمي". ورأى هيكل أن تفرّد القناة كان بسبب أن "الرؤية حلت مكان محل القوة دون حاجة إلى سيادة دولة وسلطتها، أو هوية وطن وسياسته. إن استشهاد شيرين لفت النظر إلى مدى قوة وفعالية القوانين الدولية لحماية الصحفيين وغير الصحفيين في مناطق النزاعات، لاسيما القانون الدولي الإنساني. ووفقا لقانون حقوق الإنسان فإن دولة الاحتلال الإسرائيلي وقعت على الأقل تحت طائلة خرق "الحق في الحياة"، إذ يحظر قانون حقوق الإنسان، الحرمان التعسفي (خارج إطار القانون) لشخص من حياته، بما في ذلك أعمال القتل السلطوي المفرطة، كأن يكون قتل شخص على يد قوات أمن دولة غير ضروري مطلقا بالنسبة للأغراض القانونية. ويحمي القانون الدولي لحقوق الإنسان العديد من الحقوق التي تؤثر على الصحفيين بما في ذلك حرية التعبير الذي يتضمن البحث عن واستقبال ونقل المعلومات والأفكار من كل الأنواع، بغض النظر عن الحدود بين الدول، ومن خلال أي وسيلة. ويمنح القانون وسائل الإعلام حماية خاصة بموجب هذا الحق.

825

| 14 مايو 2022

سودان الثورة وآفة الخطاب السياسي

جزء مهم من الفوضى السياسية الضاربة بأطنابها في السودان، هو فوضى الخطاب السياسي الذي يتصدى له القادة السياسيون. فالارتجال والحديث العاطفي المغلف بسولفان الوعود الزائفة، سمة مميزة لذلك الخطاب المعطوب، ثم يسألونك من بعد ذلك عن سبب انفضاض الجماهير عنهم وفشل خطابهم السياسي في تحريك ركود الفشل، وسيطرت لغة الكراهية واستعداء الآخر وغليظ القول، على الخطاب فكانت تلك الممارسات بمثابة قوة طرد مركزية سالبة. ولعل الطامة الكبرى تجسدت في انعدام البرامج السياسية التي يمكن أن يلتف الجماهير عند حدها الأدنى، ويتجاهل القادة السياسيون أو أنهم لا يعلمون أنه ليحقق الخطاب السياسي المثالي غايته يجب أن يكون إقناعيا بامتياز، ليوصل المخاطب إلى بر القبول والتسليم بالصدقية والإيمان بالشرعية، فتتعاون الوسائل اللغوية والمنطقية بجانب مكونات تعبيرية أخرى، ليؤدي وظيفته ورسالته السامية في الحض على العمل والإنتاج والإبداع في مجالات الحياة المختلفة. وبسبب الخطاب السياسي المضطرب بدت هنالك خلافات وتباينات بين رئيس مجلس السيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان، ونائبه قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، ولعل الأخير كان خطابه السياسي الأكثر ارباكا للساحة السياسية وأصابت شظاياه الحارقة النسيج الاجتماعي الواهن. في آخر خطابات حميدتي قال إن الرئيس السوداني الأسبق، جعفر نميري، لو كان حيا لسلّمت إليه السلطة لأنه كان قويا ومسيطرا تماما على الأمور. واعتبرها البعض إشارة غير موفقة، إلى ضعف البرهان، بل إنها تفتقر إلى الكياسة. وإلى أبعد من ذلك اتهم حميدتي الأجهزة الأمنية بالتواطؤ مع العصابات التي تنهب وتعتدي على المواطنين. ولعل حميدتي كان يحاول الهروب إلى الامام من جريمة تورط قواته في أحداث منطقة كرينك الدامية بدارفور، فهو كأنما يفتعل معركة مع البرهان الذي يمثل الجيش القومي المنوط به حماية المواطنين السودانيين من أي اعتداءات. وجعل حميدتي من العيد سانحة لاستعراض قواته في لقاء محتشد واصطحب معه نجليه وهما يرتديان الزي العسكري في رسالة تفيد بأن قوات الدعم السريع غير قابلة للدمج في الجيش وهي شركة عسكرية - اقتصادية خاصة بآل دقلو. وكانت ميليشيات مسلحة مدعومة من الدعم السريع قد هاجمت قبل نحو أسبوعين محلية كرينك، قبل أن تجدد هجومها عليها مرة أخرى الأحد الماضي، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 200 شخص وإصابة العشرات من السكان، إضافة إلى إحراق منازل ومركز شرطة ومستشفى وسوق. قبل سنوات وفي عهد الرئيس السابق عمر البشير طالب والي إحدى الولايات قوات الدعم السريع بالخروج من ولايته على خلفية جريمة قتل اتهم أحد المنتمين لهذه القوات بارتكابها. وخرج حميدتي في لقاء تلفزيوني وطالب بأن يحاكم ذلك الوالي، وأن مكانه السجن وليس أن يبقى حاكما للولاية. وكانت تلك الواقعة بداية وإشارة لتعاظم نفوذ تلك القوات التي بدت موازية للجيش القومي. ويبدو أن ذلك اللقاء التلفزيوني قصد منه مواجهة انتقادات حادة من جانب الشارع السوداني لتلك القوات، حيث شكا عدد مقدر من سكان العاصمة الخرطوم من تعرضهم لمضايقات من قبل عناصر مسلحة تابعة لقوات الدعم السريع، من بينها إجبار الشباب على حلق رؤوسهم تحت التهديد. ولم يتخذ نظام البشير أي اجراء ضد الرجل لحساسية موقعه وخطورة القوات التي يقودها وصعوبة السيطرة عليها إذا ما انفلتت الأمور وسرى فيها فيروس التمرد. لقد تحولت قوات الدعم السريع وهي في الأصل مليشيا شكلها الرئيس البشير إلى قوة ضاربة قصد منها التصدي لمواجهة الحركات المسلحة في دارفور وربما لحماية البشير نفسه من خطر الانقلاب عليه من داخل الجيش. وظلت قوات الدعم السريع محل انتقاد من جانب عسكريين مهنيين وكذلك من جانب أطراف سياسية وشعبية بسبب تجاوزات أفرادها، ونفوذها الطاغي، الذي بات يثير القلق. وهكذا نشأت قوات الدعم السريع بشكل استثنائي لتغطية عجز ما وهذا النشوء الاستثنائي والمتسرع انعكس على قوام وماهية وكفاءة هذه القوات من الناحية المهنية. فهي لا قوات نظامية ولا هي قوات غير نظامية وتم ضمها للجيش شكليا لكنها احتفظت بطبيعتها غير النظامية. ويبدو أن هذه القوات بها إشكالات تكوينية من حيث الانتماء الجهوي لأفرادها ومن حيث التزامها العسكري وفقا لما هو متعارف عليه في الجيوش النظامية حول العالم. وتساءل الكثيرون عن الأموال التي صرفها نظام البشير في تجهيز قوات الدعم السريع، على اعتبار أنها كانت كفيلة برفع قدرات الجيش القومي الذي اتهم بالعجز أمام الحركات المسلحة في دارفور. اليوم ينظر كثير من العسكريين إلى قوات الدعم السريع باعتبارها مسجدا ضرارا يهدد الجيش القومي الذي بلغ عمره نحو 70 عاما اطلع خلال هذه السنوات بمسؤولية كبيرة في الحفاظ على أمن البلاد. لكن لا يمكن أن يرجى خير من مؤسسة تنهار معنويات أفرادها يوما بعد يوم كأوراق الخريف بسبب العبث السياسي. وربما كان عبث الخطاب السياسي جلبة وغطاء لفساد مالي كبير، فبحسب مقال نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، ان الولايات المتحدة تعهدت بتقديم دعم سنوي بخس نحو 600 مليون (دولارات معدودة)، بهدف إنجاح فترة الانتقال السياسي لما بعد ابريل 2019. بيد أن هذا الدعم وفقا لكاتب المقال الخبير الأممي جاستن لينش فضلا عن حزمة مساعدات مماثلة، من دول غربية تبلغ أكثر من مليار دولار سنوياً مخصصة لمعالجة الفقر، قد ذهبت لدعم المصالح الفردية وقد اعترف مسؤولون إنسانيون في السفارات عبر الخرطوم بأنهم لا يعرفون كيفية انفاق الأموال المخصصة لهم. ويضيف لينش، أن قصة المجتمع الدولي في سودان ما بعد الثورة توضح خداع الذات والإهمال العالمي اللذين قادا السودان إلى الفشل.

1630

| 07 مايو 2022

العقوق السياسي على موائد اللئام

بكلمات مباشرة وصادمة وربما وعرة، اتهم عضو مجلس السيادة السوداني مالك عقار وزعيم إحدى الحركات المسلحة التي طالما تمردت على الحكومة المركزية، سياسيين سودانيين بشكوى بلادهم لدى السفارات الأجنبية بالخرطوم. وبدون اللجوء لأي نوع من اللغة السياسية الدبلوماسية استخدم عقار تعبير تكالبهم على "موائد السفارات"، وقال في تصريحات صحفية جهيرة وداوية إن أولئك السياسيين يصطفون أمام أبواب تلك السفارات مطالبين بتوقيع عقوبات على بلادهم. تلك الكلمات الملتهبة وصفت أولئك الساسة بالنشطاء وأن فعلهم اعترافا بنقص قدراتهم السياسية. وليت الأمر يقف عند مجرد نقص القدرات السياسية، إذ أن فعلا شنيعا كهذا يدخل في دائرة الخيانة الوطنية بدون شك. في ذات السياق قال رئيس مجلس السيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان، إن المؤامرات التي تُحاك ضد البلاد ظلت تحركها أيادٍ من أبنائها. ولعل هذه التوصيفات المؤلمة قد دفعت بها حالة سياسية عبثية تمسك بتلابيب المشهد السياسي في البلاد ولن تفضي إلا إلى تفتيت البلاد وتقسيمها شذرا مذرا. وقد ساهمت فيها أخطاء قاتلة سواء من جانب قيادة الجيش أو من جانب أحزاب سياسية قلة. ففي أغسطس 2019 سلمت قيادة الجيش السلطة لقوى سياسية بلا تفويض شعبي استنادا لوثيقة سياسية طبخت على عجل واعتبرت دستورية تقوم مقام دستور البلاد. بناءً على ذلك تسلم عبد الله حمدوك مهام رئيس الوزراء لكن بدون برنامج سياسي أو اقتصادي واضح، بل اتهم حاضنته السياسية الحزبية بعدم التوافق على برنامج عمل سياسي واقتصادي لانقاذ البلاد من وهدتها. عوضاً عن ذلك عمل حمدوك على تطبيق وصفة البنك الدولي بحذافيرها، وكانت وصفة متوحشة أطبقت على شعب نسبة من هم تحت خط الفقر تزيد عن 77% حسب مفوضية الضمان الاجتماعي السودانية. فقد أرهقت تلك الوصفة الشعب وأشبعته عنتا وكبدا وشظفا غير مسبوقين. ليس هذا فحسب، فقد قامت حكومة حمدوك بتجريف القيم المرعية والقوانين الشرعية دون تفويض في مقابل تشجيع ثقافة الانحلال والتفكك لا سيما بين الشباب عماد التنمية والمستقبل. وذلك على مدى ثلاثة حكومات ترأسها حمدوك وهو في حالة دائمة من الفك والتركيب وتجريب المجرب. ولعل ذات الأحزاب القلة التي تتهم قيادة الجيش بالإنقلاب عليها في 25 أكتوبر الماضي يعتبرها البعض الآخر بأنها نفسها أحزاباً إنقلابيةً، لأنها تطلب من الجيش تسليمها السلطة بلا انتخابات وهم كانوا ضمن من ذهبوا لقيادة الجيش عند الاطاحة بالرئيس السابق عمر البشير في أبريل 2019 واقحموه في العمل السياسي بيد أنه لا يبدو أنه سيخرج من المستنقع السياسي بمزاجهم. وبكل تأكيد أن تدخل الجيش في السياسة لا يجب أن يكون بلا سقف زمني، فالمطلوب منه فقط الاشراف على فترة إنتقالية محددة الأجل بدون أحزاب ومن ثمّ يصار إلى انتخابات حرة ونزيهة دون إقصاء أي مكون سياسي مدني من العملية السياسية. وفي خضم الأزمة السياسية تأبى معضلة دارفور إلا أن تمدّ لسانها متحدية السلطة السياسية السودانية على مدى عشرين عاماً، فقد تابع العالم الأسبوع الماضي مأساة جديدة تضاف إلى مآسي الإقليم المأزوم بأيدي مكوناته لا بيد عمرو. أحداث دامية عاشها مواطنو ولاية غرب دارفور خلّفت عمليات قتل بالغة الفظاعة، وهجمات واعمال عنف لم تسلم منها المستشفيات والمرافق الصحية. حاكم دارفور وأحد قادة حركات دارفور التي قادت تمردا في الإقليم، أدان الأحداث دون أن يبدي قدرة على الحسم. وكان الناس يأملون في أن تنتهي مثل هذه الأحداث بعد سقوط نظام البشير التي طالما اتهم بالتسبب فيها وممارسة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، لكن بعد أن ذهب نظام البشير، وحكم الإقليم زعماء حركات دارفور المسلحة، فمن الذي يرتكب هذه الانتهاكات الفظيعة؟. إن تجدد واستمرار هذه الأحداث في دارفور ليس مؤشرا لمخطط يستهدف البلاد ونسيجها الاجتماعي وإنما دليل كذلك على أن جذور الأزمة لم تعالج وإنما استغلت لتحقيق تلك المخططات. فالولايات المتحدة الأمريكية أدانت تلك الجرائم على استحياء ووصفتها بالمؤسفة، وحثت سفارتها بالخرطوم جميع الجناة على الكف فوراً عن العنف. بينما صمتت المنظمات الدولية والإعلام الدولي عن تناول تلك الأحداث الفجعة وكان في السابق يتداعى لأي حدث في دارفور مهما كان محدودا. داخليا يتذكر الناس أحد وزراء حكومة حمدوك الذي افتخر يوما أنهم عندما كانوا في معارضة نظام البشير عملوا على تدويل قضية دارفور وتسويقها سياسياً لفرض عقوبات على السودان، وقال أن ذلك الفعل لا يستوجب اعتذارا منهم!!. والحقيقة أن قضية دارفور في أساسها بدأت تاريخيا على اعتبارها نزاعات قبلية على الكلأ والمرعى ثم تطورت هذه النزاعات وتزايدت أعداد ضحاياها باستخدام الأسلحة المتطورة التي تدفقت إلى الأقليم إبان الحرب الأهلية في دولة تشاد المجاورة لإقليم دارفور. المنظمات الانسانية المرتبطة بالغرب عمدت كذلك على تضخيم المشكلة. ويحضرنا هنا تقرير في تلك الأيام لصحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" الأمريكية ذائعة الصيت، الذي أشار إلى أن منظمات ونشطاء غربيين في مقدمتهم تحالف "أنقذوا دارفور" قد لعبوا دورا سلبيا في تضخيم أزمة دارفور لأسباب تتعلق بتوزيع الأموال المرصودة للأزمة والترويج للتحالف، الأمر الذي انعكس على إعاقة الجهود الإنسانية الإغاثية والتغطية على جرائم متمردي دارفور ونسب كل المشاكل إلى الحكومة المركزية في الخرطوم تحت مزاعم عن إبادة جماعية. اليوم لا يبدو أن اتفاق جوبا قادر على حل الأزمة لتتضح حقيقة أن اتفاقية الدوحة لسلام كانت وما زالت أفضل اطار لحل الأزمة ولم يكن تعنت البعض تجاهها نابعا من مصلحة الإقليم وإنما نابع من المزايدات السياسية والأيدي الخارجية المستفيدة من استمرار الأزمة. فقد وفرت قطر بيئة تفاوضية مثالية واستجمعت خبراتها وتكتيكاتها ولم تألُ جهدا في سبيل انجاح الاتفاقية ومارست ضغوطا على الحكومة السابقة التي قدمت بسبب ذلك تنازلات حقيقية مثلت أساسا لنجاح الاتفاقية.

949

| 30 أبريل 2022

مقتضيات وتحديات الأمن الفكري

تنفق الدول على أمنها القومي بمفهومه الضيق انفاق من لا يخشى الفقر، فتنشئ الترسانات العسكرية وتؤمن حدودها وأجواءها، لكنها تنسى تأمين وتحصين قيمها وثقافتها، فتؤتى تلك الدول من حيث لا تحتسب، وتفقد طمأنينتها على سلامة فكرها وقيمها، وتفاعل مجتمعها برشد مع الثقافات الأخرى، ومعالجة مظاهر الانحراف الفكري في النفس والمجتمع. وهنا ينشأ تهديد جدي للأمن الوطني أو أحد مقوماته الفكرية، والعقدية، والثقافية، والأخلاقية. ولذا تنطلق أهمية الأمن الفكري من أهمية الأمن الشامل للدولة والمجتمع، وهو مطلب حيوي للحياة الآمنة والمستقرة، فحاجة الإنسان إلى أن يعيش آمناً من الحاجات الضرورية التي لا يمكن الاستغناء عنها في شتى جوانب الحياة. والأمن هو سكون القلب واطمئنانه، وكذلك عدم توقع أي مكروه في المستقبل، ففي ظله يكون الإنسان مطمئنًا في نفسه، مستقرا في وطنه، سالما من كل ما ينتقص دينه، أو عقله، أو عرضه، أو ماله. فالأمن الفكري هو أن يعيش الناس في بلدانهم وأوطانهم وبين مجتمعاتهم آمنين مطمئنين على مكونات أصالتهم، وثقافتهم النوعية ومنظومتهم الفكرية. وسلامة فكر الإنسان تعني تحصينه من الانحراف والخروج عن الوسطية، والاعتدال، لا سيما في فهم الأمور الدينية، والسياسية. ونقيض الأمن الفكري تفرق الأمة وتشرذمها شيعًا وأحزابًا، وتتنافر قلوب أبنائها، ليصبح بأسهم بينهم شديداً. ويستهدف الهجوم الفكري عادة التشكيك بالمؤسسات الدينية والاجتماعية والدعوة إلى التحلل الخلقي، ونشر الرذيلة، والبعد عن القيم والمبادئ، وقد يتخذ الهجوم أسلوب الحق الذي يراد به باطلا بنشر الغلو في الدين، والدعوة إلى التطرف، والإرهاب. والأمن الفكري احتراز ضروري يمنع وقوع الفأس في الرأس ويمنع الجريمة قبل وقوعها؛ فكل فعل هو نتاج منطقي للفكر والتصورات التي تسبقه، فإن بقي الفكر سليماً كانت التصرفات والأفعال سليمة جيدة، والعكس صحيح. اليوم ومع تسلط الإعلام الجديد على رقاب الناس، صغارا وكبارا، متعلمين وغير متعلمين، فإن الغالبية يستقون معلوماتهم ومعارفهم من خلال هذا البعبع سعيا لزيادة المعرفة واشباع اهتماماتهم. فهو معول هدم خطير لكونه يوجه الفكر، ويغير ثوابته. وفي عهد ما قبل الإعلام الجديد كان بالإمكان التحكم في وسائل الإعلام التقليدي، المطبوع والمسموع والمرئي، ومراقبتها، وتقويم محتواها إن كان سلبياً. إن الأمن الفكري يتطلب زيادة درجة الوعي الأمني من خلال توعية أفرد المجتمع عبر مختلف منصات الإعلام الجديد بكيفية محاربة الجرائم بشتى أنواعها، فضلا عن ابداء عناية خاصة بتوعية فئة الشباب بأساليب الاستقطاب الفكري السالب. اليوم يحتدم الجدل حول مضمون الإعلام الجديد أو ما يعرف بوسائل التواصل الاجتماعي وفي خضم ذلك تنتصب مقاربة جدية بين مضمونها المنفلت والمتحرر من كل قيد وبين مضمون وسائل الاعلام التقليدية المقيد والمضبوط بالاعراف المهنية الصارمة والقوانين الرادعة. وبدون شك فإن القلق يستبد اليوم بالمشفقين بسبب تراجع تأثير وسائل الإعلام التقليدية بمضمونها الجاد، في مقابل الانتشار المذهل لوسائل التواصل الاجتماعي وتصاعد الاقبال عليها على حساب الاعلام المؤسساتي. وبدا الأمر وكأنه تنافس وتصارع بين العقاد وشكوكو. ودارت قصة العقاد وشكوكو التي سبق الإشارة إليها عندما سأل صحفي الأديب الشهير ﻋﺒﺎﺱ محمود ﺍﻟﻌﻘﺎﺩ ذات مرة: من منكما أكثر شهرة، أنت أم محمود ﺷﻜﻮﻛﻮ؟، وشكوكو مونولوجست هزلي مشهور، فرد عليه العقاد مستغربا من هو ﺷﻜﻮﻛﻮ؟. وعندما بلغت القصة ﺸﻜﻮﻛﻮ قال للصحفي: "قول لصاحبك العقاد ﻳﻨﺰﻝ ﻣﻴﺪﺍﻥ ﺍﻟﺘﺤﺮﻳﺮ، ويقف على أحد الأرصفة وسأقف على ﺭﺻﻴﻒ مقابل، ﻭلنرى إلى أي منا سيتجمع الناس". وهنا رد العقاد: "قل ﻟﺸﻜﻮﻛﻮ ﻳﻨﺰﻝ ﻣﻴﺪﺍﻥ ﺍﻟﺘﺤﺮﻳﺮ ﻭﻳﻘﻒ ﻋﻠﻰ ﺭﺻﻴﻒ ﻭيدع راقصة ﺗﻘﻒ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺮﺻﻴﻒ ﺍلثاﻧﻲ ﻭﻳﺸﻮﻑ ﺍﻟﻨﺎﺱ إلى من منهما سيتجمع الناس؟". ولعل المسؤولية التضامنية الوطنية تجاه تحقيق الأمن الفكري للدولة والمجتمع لا تقف عند الإعلام فحسب، فللجامعات دور مهم في تحقيق الأمن الفكري بالعمل على تحقيق سلامة الفكر من الانحراف، فالجامعات ومؤسسات التعليم عموما لا تتوقف مهمتها عند قضية التعليم، إذ إنها تعنى كذلك برفع مستوى الوعي الفكري لدى فئة الشباب، وهي مرحلة عمرية اساسية في التكوين الفكري الأمر الذي يعظّم أهمية الهدف الوقائي عبر هذه الفئة العمرية. إن عالمنا العربي والإسلامي اليوم أمام معطيات محددة تفرزها العولمة من أبرزها أن العولمة مصدرها ومركزها الغرب؛ وأنها ليست أدوات ووسائل تقنية حديثة أو أنماط إنتاج جديدة بل هي مضامين قيمية وثقافية، ومن هنا يتعزز الخوف والتحفظ في التعامل معها. وليس خافيا أن أدوات الهدم الفكري تبدأ بمحاولات توحيد أنماط عيش الناس وأذواقهم ورغباتهم مرورا بسلوكهم وطرق تفكيرهم وانتهاء بنظرتهم إلى أنفسهم وإلى العالم ومن حولهم. لقد أصبح واقعنا الراهن مرهوناً بما تنقله وتتداوله وتؤثر به وسائل التواصل الحالية ولدرجة تصل إلى حالة البلبلة أو التشوش أو الاضطراب الفكري والسلوكي في بعض الاحوال. ووفقا لأولئك لباحثين أن نمط التعددية الناشئ عن وسائل الاتصال الاجتماعي إياها، لم يعد يشكل نموذج النهج الديمقراطي القويم أو المطلوب، بقدر ما أصبح نهجاً يفتقر إلى الاتزان وحسن الترتيب وتعوزه الرؤية المنظمة التي كان ينطلق منها مفكرو ودعاة وممارسو الديمقراطية.

3399

| 23 أبريل 2022

الإعلام.. سطوة الأجندات وخيار الصمت

في حالة العلاقة الإذعانية بين السياسة والإعلام، تغدو وسائل الإعلام أدوات "بطش" لفرض الأجندة السياسية وتحويل المتلقي (الضحية) إلى كائن لا حول له ولا قوة، وتخضعه إخضاعاً لتلك الأجندة، خاصة تلك الموغلة في الشّر. وليس الحديث هنا عن الاقناع عبر التداول الحر للمعلومات وبشكل قد يبدو تلقائياً، بيد أن العملية القهرية لتشكيل الرأي العام، تقوم على خطة رغائبية محددة تستخدم الدعاية السياسية لفرض الأجندة السياسية وترتيب أولويات العملية الإعلامية للعالم الفرنسي بيار بورديو مصطلح انفرد به واشتهر به عند تناوله لقضية الرأي العام والديمقراطية والمشاركة السّياسية. المصطلح هو "اغتصاب الحشود" وقصد به تلاعب السلطات السّياسية وكذلك الشركات الكبرى العابرة للحدود، بالجماهير وبالحشود لتمرير رسائل معينة وأجندة معينة لصناعة الرأي العام الذي يتناغم ويتناسق مع مصالحهم التي غالبا ما تتعارض مع مصالح الجماهير نفسها. ويرى بورديو أن الحشود في حقيقة الأمر تُغتصب وتُستعمل كأرقام ونسب مئوية لتمرير البرامج والمصادقة على القوانين وغيرها من البرامج والمشاريع. ويذهب البعض إلى أن الحشود والجماهير في العالم العربي تُغتصب ويفبرك رأيها العام بآليات وميكانيزمات تتحكم فيها مسبقاً القوى المتنفذة في المجتمع. بحوث ونظريات الإعلام على مدى القرن الماضي فسرت ما يجري ويدور في هذا الصدد؛ ففي نظرية دوامة الصمت هناك مسائل متعلقة بتشكيل الرأي العام تستثمر فيها القوى الغاشمة، حيث يشعر الفرد في مجتمع ما بتهديد المجتمع له بالعزلة إذا ما خرق الاجماع سواء كان طبيعيا أو مفتعلا أو مزيفا. وفي حالات الاجماع الطبيعي فإنه يمثل التماسك الاجتماعي الذي يتأسس على مجموعة من القيم والأهداف. ويتبع ذلك الخوف من العزلة؛ حيث تتسـم عملية تكوين رأي الفرد وسلوكه بخشية الفرد من أن يصبح معزولا اجتماعيا. ونتيجة لخوف العزلة تنشأ حساسية لدى الأفراد، فيعمدون إلى مراقبة محيطهم باستمرار، بغرض رصد كيفية توزع الآراء في الحاضر، بالإضافة إلى محاولة استشراف ما ستؤول إليه في المستقبل. هذه المراقبة يمكن أن تأخذ شكل تعرّض لتغطية وسيلة إعلامية لقضية ما، أو ملاحظة مباشرة للمحيط، أو نقاش مباشر للقضايا مع الغير. وفي حالة انسجام رأي الفرد مع الرأي الجمعي يميل للتعبير علنا عن رأيه وموقفه. أما إذا ما لمس ذلك الفرد أن رأيه يمثل رأي الأقلية، فإنه يصبح أكثر حذرا وتحفظًا، ويميل إلى الصمت. ومن خلال نظرية "ترتيب الأولويات" في فضاء الإعلام وعطفا على نظرية دوامة الصمت سالفة الذكر تكتمل حلقات السيطرة على عقول الناس. وهذا ما أقر به العالم التر ليبمان من خلال كتابه (الرأي العام) عام 1922، الذي أشار فيه إلى أن وسائل الإعلام تساعد في بناء الصورة الذهنية لدى الجمهور وفي كثير من الأحيان تقدم هذه الوسائل بيئة زائفة في عقول الجمهور. حتى تقارير ودراسات قياس الرأي العام يبدو كثيرا منها محل تشكيك، فغير أنها تصدرها مؤسسات قد ترتبط بمراكز القوى، فعملية قياس الرأي العام ترتكز على أسس، من أهمها حصول العينات التي يشملها القياس على المعلومة الدقيقة، وعلى الخلفية التي تقف وراء هذه المعلومة، مما يفترض أن تختبر افتراضين، هما حجب المعلومات عن الناس بحيث يتشكل الرأي العام من خلال إملاءات غير مباشرة. أو عدم قدرة الأفراد على الوصول إلى المعلومات المحجوبة عنهم بوسائل مختلفة. ولعل هذين الأمرين كليهما وارد في استطلاعات الرأي العام فتبدو اقرب إلى التزييف خدمة للأجندات السياسية. ولذا قد يمثل قياس الرأي العام اختراعاً اجتماعياً لا يمكن فصله عن النسيج المؤسساتي الذي يعمل من خلاله. وهذا ربما يعني أنه مهما جرت صياغته في تعبيرات علمية، هو في المقام الأول أداة تخدم أهدافاً سياسية، ولا تتسم هذه الأهداف بالوضوح دائماً. ولعله عندما تكون قياسات الرأي العام مبرأة من الأجندات المشبوهة فإنها تكون بدون شك ذات أهمية لكل من صنّاع الإعلام ومستهلكيه؛ فهي مهمة لوسائل الإعلام لأن الصحفيين يستطيعون استخدامها لتفسير المواقف والتطورات وتقويم قضايا معينة، وتحديد أهمية خيارات معينة، فلم يعد بوسع الصحفي أن يجلس في مقهى ليسجل ما يدور على أنه مؤشر على ما يفكر فيه جمهور الناس. كما أنها كذلك مهمة للجمهور لأنه يستخدمها في الغالب لكي يتعرف على ما يجري حوله، إذ أن مفهوم الرأي العام في عمومه مرتبط بالوعي السّياسي لدى المجتمع. وإن كانت استطلاعات الرأي العام هي إحدى أهم أدوات قياس الرأي العام والكشف عن مواقفه، فإنه من الضروري تشجيعها في الدول العربية كإحدى آليات الإصلاح الديمقراطي، وكوسيلة متفقٌ عليها للتعرف على آراء المواطنين، غير أن الدعوة لها ورفض أي قيود إدارية أو سّياسية على الحق في إجرائها يجب أن يترافق مع مجموعة من الشروط التي تسعى لحماية الرأي العام من الاستغلال والتوظيف السّياسي، وتضمن أكبر قدر من الدقة والموضوعية في ممارسات عملية إجراء استطلاعات الرأي العام وإذاعة أو نشر نتائجها في وسائل الإعلام. وفي العموم تضع عملية تشكيل الرأي العام العربي عبئاً كبيراً على أجهزة الإعلام المتحررة من سطوة الأجندات، ويتمثل ذلك في مهمة تجديد العقل العربي، هذا التجديد الذي تجاوز مرحلة كونه مطلباّ ثقافياّ، بعد أن أصبح مقوماً تنموياً لتأهيل المجتمعات العربية لدخول عصر المعلومات. ولا يمكن إغفال أن مجمل العُدة المعرفية لجمهرة العقول لدينا باتت دون الحد الأدنى اللازم لمجتمع المعرفة والتعلّم وحوار الثقافات.

1541

| 16 أبريل 2022

عندما تغدو الصحافة سُلطة مستبدة

لحين من الوقت حوّلت تلك الصحفية، الصحافة السودانية من ضحية للاستبداد السياسي إلى كيان مستبد. وسط دهشة عقدت الألسن، رمت تلك الصحفية بحذائها، سياسيا سودانيا أثناء مؤتمر صحفي عقده مع مجموعة أخرى من السياسيين. وبررت الصحفية فعلتها المنافية للقيم الأخلاقية والمهنية قبل أن تعتذر لاحقا بأنها "رسالة من الشعب السوداني". واستغلت الصحفية التي سنطلق عليها هذه الصفة تجاوزاً، فرصة مُنحت لها لمخاطبة المنصة لاعتباريتها الصحفية وحقها في إلقاء سؤال في سياق المؤتمر الصحفي. قبل نحو 10 سنوات نظّم الاتحاد الدولي للصحفيين والنقابة الوطنية للصحفيين الجزائريين بالتعاون مع منظمة فريدريش إيبرت ورشة عمل في الجزائر بعنوان (البناء النقابي والمساواة في قطاع الإعلام) بمشاركة ممثلين عن نقابات الصحفيين العربية، ومعلوم أن الاتحاد الدولي للصحفيين منظمة نقابية دولية تجمع اتحادات ونقابات الصحفيين حول العالم وتضم في عضويتها (600) ألف صحفي بمن فيهم الصحفيون العرب. الورشة التي اتيحت لي فرصة المشاركة فيها، تشكّل فيها اجماع كامل من جانب المشاركين على سيطرة اشكالية (من هو الصحفي؟) على المشهد الصحافي العربي اجمالا. وكانت أهم توصيات الورشة ضبط مهنة الصحافة وتشديد قواعد ولوج المهنة حماية لها من التميّيع والاستغلال. والتمييع تستفيد منه، بل تشجعه سلطات الاستبداد. لأن عدم نقاء الجسم الصحفي من الدخلاء يشجع على التدخل في عمل الصحفيين والتأثير السلبي عليهم، ويتحول بعض الصحفيين إلى نشطاء سياسيين مستغلين المنابر الصحفية لبث الدعاية السياسية، كما حاولت تلك الصحفية. الملاحظة الجديرة بالوقوف عندها أن فعل تلك الصحفية لم يلق التصفيق والتشجيع إلا من كيانات وشخصيات سياسية، وليس من كيانات أو شخصيات مهنية، الأمر الذي يرجح الدفع والغرض السياسي من وراء تصرف تلك الصحفية. في السودان ظل الاتحاد العام للصحفيين السودانيين يملك حق منح القيد الصحفي وهي شهادة أو رخصة تمكن حاملها من ممارسة الصحافة بصورة احترافية. وقبل ذلك كان منح القيد الصحفي في السودان من اختصاص المجلس القومي للصحافة والمطبوعات الصحفية وهو هيئة حكومية يتم تعيين رئيسه وأمينه العام وعدد من أعضائه بقرار من رئيس الجمهورية، أما قانون الصحافة الذي مازال ساريا دون تفعيل والصادر في العام 2009م، فقد منح هذا الحق للاتحاد وكان هذا نصراً كبيراً للصحافة السودانية في اطار تعزيز مهنيتها، وتحديد من هو الصحفي وسحب البساط من السلطات السياسية أن تحدد من هو الصحفي وبالتالي تأسيس جيوب سياسية داخل الجسم الصحفي المهني. لكن هناك تيارات حكومية لم يعجبها هذا الوضع ودارت (معركة) بين الاتحاد والمجلس في محاولة من الأخير نزع هذا الحق من جديد واعادته للحظيرة الحكومية. ولعل طبيعة المعارك التي دارت بشأن هذه القضية توضح بجلاء تلكم المحاولات السياسية للتحكم في مهنة الصحافة بشتى الطرق. فدارت معارك حول قانون 2009 بهدف نزع ميزة منح صلاحية تحديد من هو الصحفي من اتحاد الصحفيين، فبينما كان المجلس القومي للصحافة يريد للنزع اتحاد الصحفيين يطالب بتعديلات تمنع جهاز الأمن والمخابرات من مصادرة وإغلاق الصحف واعتبار قانون الصحافة والمطبوعات المرجعية الوحيدة التي تنظم عمل الصحافة. لقد كانت من التوصيات المهمة لتلك الورشة اعطاء دور أكبر للاتحادات والنقابات المهنية في منح رخصة العمل في الصحافة وتأهيل الصحفيين بصورة احترافية تمكنهم من استيفاء شروط حمل البطاقة الصحفية. اليوم اتحاد الصحفيين السودانيين مجمد منذ التغيير السياسي في ابريل 2019 واحتلت مبانيه قوة مسلحة، فمنذ 3 سنوات يخيم خلل في تحديد من هو الصحفي؟ فضلا عن انتهاء الرقابة التي كان يمارسها الاتحاد على منسوبيه ضبطا للأداء وتحريا للالتزام المهني والأخلاقي. إن هموم الصحافة تؤرق الصحفيين في السودان وتقضّ مضاجعهم بشكل يومي، ويعيش القارئ معهم عنت الحياة واللهث اليومي وراء لقمة العيش. ولولا ذلك لما كان نصيب القارئ السوداني فقط نسخة واحدة لكل 125 شخصا وفقا لتقرير سابق لمجلس الصحافة، بينما على سبيل المثال في قطر نسخة لكل 7 أشخاص. إن الوضع الاقتصادي الضاغط لا يصيب الحلقات الضعيفة في العملية الاقتصادية بل يدمرها تدميرا، والصحف باعتبارها مؤسسات اقتصادية تعتبر أضعف الحلقات. فإن ماطل المعلن ولم يدفع ما عليه من التزامات للصحف، فإن الصحف ستنشر له رغم ذلك، لأن الخسارة حاصلة سواء نشرت له أو لم تنشر، لأن تكاليف الصدور اليومي مستمرة ما دامت الصحيفة تصدر، ولا يبدو من المنطق الامتناع عن نشر أي إعلان في هذه الحالة. والمعلن والشركات واحدة من الحلقات القوية في صناعة الصحافة، يسدد متى شاء وكيف ما شاء. وفي ذات الوقت فإن المطابع تستطيع منع طباعة أي صحيفة إن تأخرت في دفع ما عليها من إلتزامات وهي غير معنية بعدم سداد المعلن لالتزاماته تجاه الصحيفة. لم تدر تلك الصحفية المتُعدّية أن تــدوين أخلاقيــات العمـل الصحفي والإعلامــي ومواثيــق الشـرف وقواعــد الســلوك المهنيــة للمرة الأولى تمّ فـي بدايـة العشـرينات مـن القـرن الماضـي. وهنـاك العديد من الدول في العالم لديها نظم متطـورةً فـي الاتصـال الجمـاهيري ذات مواثيــق لأخلاقيــات المهنــة تــؤثر بشــكل فعــال علــى القــائمين بالاتصــال. فلابد للصحفي أن يحـافظ علـى أمانتـه ورسـالته التي يحملها، وهو ليس مخلبا سياسيا أو أداة لتلميــع الآخرين. وعليه أن يكتب بموضوعية ويفصل بين رأيه وعاطفته. والصحفي مسؤول عن المحافظة على حقوق الآخرين، وعدم التعــدي على حقوقهم أو تجــاوز حريــاتهم وكشــف أســرارهم وخصوصياتهم. باختصار فإن أخلاقيــات مهنــة الصــحافة وفقا لقــاموس الصــحافة والإعــلام هـــي مجموعـــة القواعـــد المتعلقـــة بالســـلوك المهنـــي والتـــي وضعتها مهنة منظمة لكافة أعضائها، حيث تحدد هذه القواعد وتراقب تطبيقها وتســهر علــى احترامهــا، وهــي أخــلاق وقيم تضامنية الالتزام، بل هي واجبــات مُكملــة أو معوّضــة للتشريع وتطبيقاته من قبل أهل القانون. فالأخلاق المهنية ليست مرتبطة ببساطة بالممارسة السليمة للمهنـة فحسـب بـل تنبـع أساسـا مـن الأهـداف السـامية للكلمـة.

795

| 09 أبريل 2022

ميري وكومار
ميري وكومار

كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين...

3306

| 06 أكتوبر 2026

حين تتمدد الصلاحية وتنكمش المسؤولية
حين تتمدد الصلاحية وتنكمش المسؤولية

في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً...

1065

| 06 أكتوبر 2026

أزمة هرمز.. كيف نخرج منها باقتصاد قطري أكثر مرونة؟
أزمة هرمز.. كيف نخرج منها باقتصاد قطري أكثر مرونة؟

في الأوقات العادية، قد تبدو الاحتياطيات المالية والاستثمارات...

1062

| 04 أكتوبر 2026

نهج: من يقود من؟
نهج: من يقود من؟

نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت...

780

| 09 أكتوبر 2026

جنون طائرة «فلاي دبي» أم بروباجندا الإرهاب؟!
جنون طائرة «فلاي دبي» أم بروباجندا الإرهاب؟!

في مشهد يحبس الأنفاس، أقرب إلى جنون أفلام...

489

| 04 أكتوبر 2026

هل ما زلت نسختك القديمة؟
هل ما زلت نسختك القديمة؟

نحن نعيش في وسط يتغير بسرعة، وتتسع فيه...

474

| 07 أكتوبر 2026

الراتب الأول
الراتب الأول

الراتب الأول لحظة مهمة، وأتذكر كثيرًا من الفتيات...

444

| 07 أكتوبر 2026

دلالات الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية من العراق
دلالات الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية من العراق

في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001، دشّنت الولايات...

417

| 05 أكتوبر 2026

اللغة العربية والعالم الرقمي.. هل ينصف العرب لغتهم؟
اللغة العربية والعالم الرقمي.. هل ينصف العرب لغتهم؟

- إذا كانت التقنية الحديثة قد أثبتت قدرة...

414

| 04 أكتوبر 2026

تحليل إستراتيجي متعمق في المشهد الجيوسياسي الراهن
تحليل إستراتيجي متعمق في المشهد الجيوسياسي الراهن

توشك المنطقة على دخول منعطف حاسم وعاصف في...

402

| 06 أكتوبر 2026

وضوح السريرة في فضاء التأويل
وضوح السريرة في فضاء التأويل

ثمة مرتبة من مراتب النبل الروحي تتجاوز حدود...

396

| 06 أكتوبر 2026

كثيرٌ من الإبراق... قليلٌ من الإرعاد
كثيرٌ من الإبراق... قليلٌ من الإرعاد

يُحكى أن أحد الحكماء كان يعتقد في الصغر...

390

| 04 أكتوبر 2026

أخبار محلية