رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الإعلام الفضائي.. مُستنبح البوم

عالم الفضائيات لا سيما الإخبارية، غدا عالم ضوضاء بل في نظر البعض طائر شؤم ناعق وهي تسرع جامحة لنقل كل أخبار سلبية، فكأنما هي تقرع طبول الفرح الهستيري. وفي بازار الفضائيات هذا يبدو قول الشاعر العربي ذو الرُّمَّة ماثلا حين قال: وَأَغْضَفَ قَدْ غَادَرْتُهُ وَادَّرَعْتُهُ ** بِمُسْتَنْبَحِ الأَبْوَامِ جَمِّ الْعَوَازِفِ فجمع بيت ذي الرُّمَّة هذا بين الليل المظلم وأصوات البوم المشبّهة استنكارا بنبيح الكلاب وعوازف الجن حيث النشاز والصخب. والبوم كما هو معلوم طائر ثرثار لا يجد حرجاً في أن يملأ الفضاء ضجيجاً خاصة إذا ما شبع من فرائسه. ويزيد من بغض البوم أن نشاطه وأفعاله لا تكون إلا ليلا. بل نجده مرتبطا في الثقافة العربية بالنحس والشؤم. فبدا هذا البيت الشعري البديع الذي قيل في عصر سحيق وفي شأن آخر، وكأنه ذمّ للفضائيات في هذا العصر المأزوم. والإعلام في عمومه فن وسيطرة وهيمنة، فن لأنه يقتضي قدرات شخصية ومواهب فطرية، لكنه في إطاره المؤسساتي يمكن أن يكون مسيطرا عبر أجندته السياسية أو التجارية أو الاثنين معا. وكما قال الصحفي المخضرم الراحل محمد حسنين هيكل وهو بلا شك مرجعية إعلامية: "ما فيش إعلام لوجه الله". والأجندة الإعلامية تتشكل على اعتبار أنها نتاج لمجموعة من الركائز الاجتماعية والاقتصادية والسياسـية والإيديولوجية التي تحـكم نطاق الرسالة الإعلامية ونظام الدولة الحاضنة. ومجموع ذلك يطبع مفهوم الإعلام وفلسفته وتطبيقاته وجوانبه العملية بطابع وشـكل معين. غير أن مفهوم الإعلام وفلسفته لا تبدوان أمرا ثابتا ومتفقا عليه؛ فعلى سبيل المثال فإن مفهوم الحرية والديمقراطية في النظم الإعلامية المختلفة له طابع جدلي نتيجة للتفسيرات المختلفة له، واختلاف السياقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي يعمل في إطارها. وتلكم لعمري إشكالية واقع فيها الإعلام في كل العوالم، سواء الأول أو الثاني أو الثالث. يقول المفكر الأمريكي الراحل إدوارد سعيد في مؤلفه عن "الموضوعية في الإعلام": "إنه من البديهي أن الاتهامات التي وجهت للإعلام العربي بشأن التغطية الأحادية يمكن أن توجه أيضا للإعلام الأمريكي". وجوهر حجة إدوارد سعيد هي أنه على الرغم من العدد الضخم للصحف والمجلات والمحطات التلفزيونية والإذاعية وحرية التعبير إلا أن الإعلام الأمريكي كله يلتزم بوجهة نظر معينة عندما يحلل السياسة الخارجية الأمريكية. ويؤكد إدوارد أنها مؤسسات تخدم وتروج لهوية الكيان الأمريكي، وهو العامل الأساسي الذي يقرر الشيء الذي يصبح خبرا وكيف يتعين تقديمه. ولو اتفقنا على أن لكل إعلام رسالة وفقا لخلفياته الفكرية والأيدلوجية؛ فإن الفرق بين الرسالة - اتفقنا حولها أو اختلفنا - إستراتيجية بعيدة ومستدامة وبين الأهداف المتغيرة، تبعا لمتغير باعتبارها تكتيكات ظرفية مضطربة، هو المقياس الذي يمنحنا حق تجريم الإعلام لا سيما الفضائي منه. لقد ظل المجتمع الأمريكي منذ الأيام الأولى لتأسيس النظام السياسي الجمهوري للولايات المتحدة الأمريكية مجتمعا برجوازيا تسوده التقاليد الرأسمالية وتتناسب هذه التقاليد مع تغيرات الأحوال السياسية والاقتصادية. ويعتمد الإعلام الأمريكي على أسس منهجية واحدة في مخاطبة الجمهور قائمة على اعتبار الرأي العام استهلاكياً يخدم الخطط الرأسمالية، وقوة اجتماعية محركة للتاريخ تسهم في دفع دولاب النظام الرأسـمالي، وأن هذه الأسس تنبع من التكوين الفكري والإيديولوجي للنظام الرأسمالي. في هذا الجدل المحتدم ينظر لوسائل الإعلام الجماهيري مثل الفضائيات على أنها أداة رئيسية فيه؛ فهي المحراث الذي يُعد الأرض قبل زراعتها؛ فعلى سبيل المثال في فبراير من العام 2004م أطلقت الولايات المتحدة الأمريكية قناة فضائية أسمتها "الحرة" تستهدف المنطقة العربية وقالت صحيفة نيويورك الأمريكية إن الهدف وراء إطلاق هذه القناة أن تشكّل ردا أمريكيا "عادلا ومتوازنا" على وسائل الإعلام العربية مثل قناة الجزيرة، وهذه "الحرة" تعتبر هذه القناة أكثر المشاريع الإعلامية العالمية التي ترعاها الحكومة الأمريكية طموحا منذ انطلاق بث إذاعة "صـوت أمريكا" في العام 1942م. ظلت قناة الحرة تناقش الزاويا المعتمة من قضايا المنطقة مثل: الاعتقالات في ذلك البلد، والشعوذة وضرب الودع في ذاك البلد، والدعارة في بلد آخر وكذا حياة الليل واللقطاء والدجل والشعوذة. وغير ذلك من الظواهر الموجودة في هذا البلد العربي أو ذاك. وتحدث بعض الخبراء متعجبا: (إن قناة الحرة تطرح ما يمكن أن يقال عنه حق أريد به باطل، فهل هذه الظواهر تخص المنطقة العربية فقط؟ وهل المنطقة العربية لا يوجد فيها إلا هذه الصورة السلبية؟ فمن يرى هذا البرنامج يجد نفسه أمام عالم عربي متخلف مشعوذ جاهل، إلى غير ذلك من السمات السلبية. بالمقابل تلقي قناة الحرة الضوء على الجوانب الإيجابية في الولايات المتحدة. بمعنى آخر تسلط الضوء على الزوايا الأكثر إظلاما في الدول العربية وبالمقابل تسلط الضوء على الزوايا الأكثر إشراقا في الولايات المتحدة). والوجه الآخر للحقيقة أن الإعلام العربي لا ينفصل بأي حال من الأحوال عن تركيبة المجتمع العربي السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فلطالما كانت هذه التركيبة عليلة فهو يجد حظه من عللها غير منقوص. فلا يمكن أن ننتظر إعلاما صحيحا معافى ما دام الوسط الذي يعمل فيه مُثخن بالجراح. وفيما تحتاج المؤسسات السّياسية إلى الخطاب الإعلامي لإنجاز وظائف أساسية خمس: التوحيد، وإضفاء الشرعية، التوجيه، حل الصراعات، وتنفيذ السياسات. لكن الكيل بعدة مكاييل تجاه القضايا العربية سمة تلازم بعض الفضائيات العربية وهي لا يتعدى تأثيرها الوطن العربي، من خلال أهداف آنية تكتيكية شديدة الاضطراب، وتأسيسا على المركز السياسي والاقتصادي للدول المستضعفة. النتيجة الماثلة بكل أسف، أن بعض القنوات التلفزيونية الإخبارية السياسية، غدت أبواقا هتافية وصراخا مرتعشا، فلم يعد يرجو منها خيرا في دعم لُحمة الأمة وتوافقها السياسي على الحد الأدنى خاصة قضاياها المركزية والمصيرية. وبدون شك تضيع في خضم الخطاب الهُتافي الحقيقة وتنزوي الموضوعية. yasirmahgoub@hotmail.com yasir_mahgoub@

10520

| 01 يناير 2022

استقالة حمدوك.. صرخة مرتعشة

عندما رمى جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني الأسبق والأكثر جدلا باستقالته على طاولة اللعب الإيرانية قبل نحو عامين، وصفتها صحيفة "ابتكار" الإصلاحية الإيرانية بالصرخة المرتعشة باعتبارها ورقة حظ بكل ما للكلمة من معنى، إما أن تصيب وإما أن تخيب، ثم لم تؤت أكلها ومضى ظريف. كان ظريف في نظر خصومه عميلا للغرب، خائضا في الثقافة الغربية حتى أخمص قدميه وحمَّلوه ما حدث في الاتفاق النووي عام 2015 باعتبار ذلك كان نتيجة مؤامرة نفذها هو مع فريقه لإضعاف إيران وتحويلها إلى دولة مهمشة إقليميا. أواخر الأسبوع الماضي لوّح رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك باستقالة لم يقدمها رسميًا، ورمى بها في طاولة تعتريها فوضى مشهد سياسي مسدود الأفق، فبدت ورقة الاستقالة أكثر من صرخة مرتعشة وأقل من مناورة محسوبة العواقب والنتائج. لكن إلى أي بريد كانت تلك الاستقالة موجهة؟ هل كانت موجهة لمجموعة الحرية والتغيير المبعدة؟ أم أنها موجهة للمكون العسكري في السلطة الانتقالية ممثلة في الجنرال عبد الفتاح البرهان؟ أم أنها موجهة إلى الخارج لاسيما دول الترويكا (على رأسها واشنطن ولندن) الداعمة له لدرجة وصفه من البعض برئيس وزراء الترويكا، أم أن هذه الاستقالة موجهة لجميع هذه الأطراف معا؟. توقيت وصيغة خبر الاستقالة توحي بكثير من المستبطنات؛ فقبيل تسريب خبر الاستقالة للإعلام العابر للقارات قضى حمدوك اليوم السابق لتلويحه بالاستقالة في إصدار قرارات عديدة تجب ما قام به الجنرال البرهان في سياق ما أسماه بتصحيح المسار في 25 أكتوبر الماضي حيث تم بموجب ذلك إقالة حمدوك وحكومته وحاضنته السياسية قبل إعادته لمنصبه في 21 نوفمبر متمتعا بصلاحيات تنفيذية واسعة، ونظر الكثيرون لقرارات حمدوك باعتبارها خطوة في اتجاه تصفية قرارات البرهان الذي لاذ بصمت بهيم تجاه إجراءات حمدوك. وذلك قد ينفي جدية حمدوك في الاستقالة. وبموازاة ذلك تم تسريب الخبر عمدا ما يبدو لوكالة رويترز للأنباء التي ابتلعت الطعم أو أنها شريك في الهدف. فخبر تصدّره رويترز لابد وأن يكتسب صدقية عالية فضلا عن الزخم الذي من الممكن أن يحدثه الأمر الذي يدعم هدف حمدوك المستبطن والمستهدف لاعبين حول الطاولة. بالفعل وقبل أن يتأكد حمدوك من وصول رسالته إلى وجهتها أو وجهاتها فقد أعلن تراجعه عن استقالته قبل مضي 24 ساعة على خبر رويترز، بزعم تدخل مسؤولين في الحكومة وسياسيين طلبوا منه عدم الاستقالة والاستمرار في منصبه من أجل استقرار البلاد. وإن كانت رسالة الاستقالة موجهة للبرهان فإن البرهان لم يقاوم أو يعترض القرارات التي قصد بها حمدوك محو قراراته واستفزازه بها أو حتى اختبار مدى قوة صبره على الاستفزاز ونجح بامتياز. وعليه فإن احتمال أن تكون الاستقالة موجهة لبريد البرهان احتمال يبدو ضعيفا. أما احتمال أن تكون الرسالة موجهة لبريد الترويكا، فلا يبدو كذلك واردا باعتبار أن ما بين حمدوك و"حاضنته" الخارجية أكبر من علاقة مطالب ينتظر الاستجابة وقد يضطر ممارسة ضغط ما. فالذي يربط الطرفين علاقة تنسيقية قوية، ولذا فإن حتى تسريب الخبر وتوقيته والجهة المنفذة أمر كان مقضيا ومتفقا عليه. لكن يبدو أن الرسالة موجهة بالأصالة إلى بريد قوى الحرية والتغيير (المجلس المركزي) حاضنته السياسية الداخلية السابقة والتي تشوش عليه اليوم وتقوم بدور معارض شرس له حدّ من قدرته على تشكيل حكومته التي وعد بها قبل أكثر من شهر بُعيد توقيع الاتفاق السياسي مع البرهان في 21 نوفمبر الماضي. بل قد يكون البرهان مستفيدا من استقالة حمدوك إذا ما تمت، إذ إنه فعل ما عليه وأعاد حمدوك مستجيبا للضغوط الدولية لا سيما الترويكا. بل إن غياب حمدوك سيفسح له المجال لتعيين رئيس وزراء بمواصفاته، طيع لين. حمدوك اليوم لا يشعر بقدرته على إحداث توافق سياسي مع تصاعد الاحتجاجات الرافضة لاتفاقه مع البرهان والتي تقف من وارئها قوى الحرية والتغيير (المجلس المركزي). وقيل إن حمدوك مستاء جداً من موقفها وتصعيدها لخطاب سياسي ضده شخصياً، ورفضها كذلك مناقشة مشروع ميثاق سياسي مقترح من شخصيات قومية يدعمه حمدوك. وتريد قوى الحرية والتغيير التي فقدت مناصبها واستئثارها بالسلطة من حمدوك أن يقف معها ضد البرهان ويتحلل من اتفاقه السياسي معه. لكن ذلك لا يبدو واقعيا ولا ممكنا. كما لم يكن حمدوك سعيدا حتى ما قبل إجراءات البرهان التي تسميها قوى الحرية والتغيير بالانقلاب، فقد كانت قوى الحرية متشاكسة ومتناحرة بشكل عطل العمل التنفيذي تماما وكشف ضعف حمدوك نفسه مما دعا البرهان للقيام بتحركه في 25 أكتوبر الذي أفقد قوى الحرية مواقعها وسلطتها التي استحوذت عليها وأقصت بقية القوى حتى تقلصت أحزاب قوى الحرية إلى 4 أحزاب فقط مهيمنة ومسيطرة. إذن فإن حمدوك في رسالته لقوى الحرية والتغيير يعوّل على أن تعي أن استقالته ستمثل خسارة كبرى لها وهي تقاوم المكون العسكري. كما أن وجوده سيمكنه باستمرار من اتخاذ مجموعة من القرارات تساهم في تخفيف القبضة العسكرية على مفاصل الدولة. ويوحي حمدوك لقوى الحرية المعارضة كذلك أن استقالته ستجعل البرهان ورفاقه يتحركون لاستعادة السيطرة على مواضع سيطرتهم التي فقدوها بسبب عودة حمدوك. إلى هذا فلا يتوقع أن تغيّر محاولات حمدوك شيئا في الواقع المأزوم فالرجل نفسه جزء من المشكلة وليس جزءا من الحل. فلم يعرف عن حمدوك الموظف الأممي السابق قدرات سياسية خارقة تناسب المشهد السياسي السوداني المعقد ولم يبد أي خبرة في تعاطيه مع مسؤولياته في الفترة السابقة أو حتى يتعلم من أخطائه. من الأساس بدا للكثيرين أن إعادة حمدوك لرئاسة الوزراء كانت إعادة لإنتاج الأزمة وهذا ما يبدو حادثا اليوم. yasirmahgoub@hotmail.com yasir_mahgoub@

11126

| 25 ديسمبر 2021

أوكرانيا.. الخيار بين الأمرين

بدت أوكرانيا اليوم خائفة، مترقبة، متوجسة، وهي بين مطرقة وسندان عملاقين متنافسين بل ومتباغضين، لا سيما حينما آنست كييف تراجعا وتراخيا ممن استنجدت به؛ فالولايات المتحدة وحلف الناتو حساباتهما تقوم على مصالحهما أولا، وليس على أساس نجدة الملهوف والغريق، كما قد يتبادر لبعض الطيبين. روسيا المتربصة بأوكرانيا، تحاذرها وتخشاها واشنطن وحلفاؤها، وبالضرورة فإن حسابات مواجهتها والتصدي لها قائمة على الربح والخسارة؛ فإن تآلفت حسابات أوكرانيا مع حسابات المنقذ فبها ونعمت وإلا فإن صرخات كييف ذاهبة أدراج الرياح، فليس لدى كييف خيل تهدد بها ولا مال تفديه. أوكرانيا التي تقع في قلب عاصفة غزو روسي وشيك، قالت إنها لم تتوقع التراجع الغربي بهذه الصورة المبكرة، وإن روسيا المتنمرة تتجه نحو تحقيق ما تريد. وقالت أيضا إن تهديدات بايدن لبوتين بعقوبات قاسية ليس لها تأثير، ولم تثنِه عن حشد قوات أكبر في بحر آزوف، الذي تسيطر روسيا على 70% من مساحته. السؤال هو: هل أضحت حسابات الكبار تتأسس على «نضج» أسهمت فيه تجارب تاريخية مريرة، وليس الأمر متعلقا بنجدة أوكرانيا بل هو أكبر وأشمل من مجرد التزامات أخلاقية تجاه الغير؟. صحيح أن لكل من الأطراف المتصارعة مصالح وأهدافا استراتيجية في أوكرانيا، بيد أن هذه المصالح قد تبدو التضحية بها أو المساومة عليها أقل من أن تتسبب في اندلاع حرب عالمية ثالثة لا تبقي ولا تذر. إن تسمية حرب ما بأنها عالمية يكون بسبب اشتراك دول كبرى فيها، إلى جانب ضخامة الخسائر البشرية والمادية. في التاريخ البشري القريب قامت حربان عالميتان، الأولى عام 1914م، بينما اندلعت الأخرى عام 1939م. وأقل ما يقال عن أسباب اندلاعهما أنها تافهة بالنظر في المآسي والخسائر التي خلفتهما. فقد كان السبب المباشر للعالمية الأولى حادث اغتيال ولي عهد النمسا، بينما كان في زيارة مع زوجته لإقليم البوسنة والهرسك، وسارعت النمسا بشن حرب على صربيا التي ينتمي إليها القاتل، ثم اصطفت روسيا إلى جانب صربيا، بينما اصطفت كل من ألمانيا، وإيطاليا، والدولة العثمانية إلى جانب النمسا، كما وقفت الولايات المتحدة وبريطانيا، وفرنسا مع روسيا. وكانت هناك أسباب أخرى وتبدو ماثلة كذلك اليوم، مثل التحالفات العسكرية التي نشأت بين دول أوروبا وروسيا وما أحدثته من تجاذبات سياسية، وسباق تسلح محموم. فضلا عن الفائض التجاري والصناعي والبحث عن توسيع النفوذ والحصول على المواد الأولية، ومن ثم تصريف الفائض في الأسواق. في الحرب العالمية الثانية، أقدمت ألمانيا على غزو بولندا بعد أن ضمت النمسا وتشيكسلوفاكيا إليها، وكان ذلك سببها المباشر. وإن أجمع الناس على ضخامة وفظاعة خسائر الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945)، فإن ذلك كان بسبب التطور التكنولوجي، ولكن حربا عالمية ثانية ستبلغ معاناتها عنان السماء ولا يمكن بأي حال من الأحوال تصور حجم دمارها؛ إذ التطور التكنولوجي اليوم لا يقارن بالتطور قبل أكثر من 75 عاما. وتأثير الحرب العالمية لا يستثني أحدا، إذ تؤثر على كافة دول العالم وتستمر لعدة سنوات. وكل ذلك لا ينفي حقيقة أن الاستعداد للحرب واتقاء شرورها في آن واحد ديدن الدول الحصيفة وذات النظرة الاستراتيجية البعيدة. قبل نحو 6 سنوات تحدث ثعلب السياسة الأمريكية المخضرم هنري كيسنجر عن اقتراب أوان حرب عالمية لوّاحة. وقال كيسنجر لصحيفة أمريكية: «إن نُذُر الحرب العالمية الثالثة بدت في الأفق وطرفاها الولايات المتحدة من جهة والصين وروسيا وإيران من جهة أخرى». فإن استبعدنا أن كيسنجر لا يحتاج لإثارة فرقعات إعلامية، فهو شهير ومعروف حتى درجة التشبع، فهل ذلك يعني أن الرجل يتحرك في سياق استراتيجي أمريكي قومي؟ وما هي الرسالة المرادة؟ وما الجهة المقصودة بها الرسالة؟. ما عضّد السياق الدعائي لتصريحات كيسنجر لصالح الولايات المتحدة وليس التحليل الموضوعي، قول الرجل: «ستكون الحرب شديدة القسوة بحيث لا يخرج منها سوى منتصر واحد هو الولايات المتحدة». وقوله أيضا: «ومن ركام الحرب، سيتم بناء قوة عظمى وحيدة قوية صلبة منتصرة هي الحكومة العالمية التي تسيطر على العالم». مضيفا: «لا تنسوا أن الولايات المتحدة تملك أكبر ترسانة سلاح في العالم، لا يعرف عنها الآخرون شيئًا، وسوف نقوم بعرضها أمام العالم في الوقت المناسب». على صعيد واقع مسرح الصراع تتحدث واشنطن عن نشر قوات في دول أوروبا الشرقية الحليفة في إطار «الناتو»، إذا ما صعدت روسيا ضد أوكرانيا، دون إشارة إلى دعم مباشر لكييف. من جانبها أعلنت موسكو بدء مناورات على عدة جبهات قريبة من أوكرانيا. بل إن الأزمة الراهنة قد تجاوزت شرق أوكرانيا إلى حشود كبيرة في الشمال والجنوب أيضا، مما يزيد احتمالات غزو روسي واسع، إذا ما استمر تنامي الحشود والحشود المضادة. اليوم أوكرانيا تتحسر على أن حلفاءها توحدوا حول فكرة أنه ليست هناك حاجة لدخولها إلى حلف الناتو حاليا، خوفا من أن تتأزم العلاقات مع موسكو أكثر، على اعتبار أن هذا يشكل أهم الضمانات التي تطالب بها روسيا. وتستنكر كييف كذلك ما اعتبرته عبارات دعم ناعم تتعلق بسيادة ووحدة وسلامة أراضيها، لأن ذلك أمر خالٍ من أي مضمون عملي. ولو فكرة كييف في غمرة غضبها وهلعها في مصيرها حال اندلاع الحرب الثالثة بسببها وانطلاقا من أراضيها، لاستدركت أن أقسى ما يمكن أن يصيبها من غزو روسي محتمل لن يقارن بأي حال من الأحوال بكابوس حرب عالمية مدمرة. yasirmahgoub@hotmail.com yasir_mahgoub@

9738

| 18 ديسمبر 2021

واشنطن وخصومها.. مخاطر الحرب الباردة

في خضم الصراع الروسي الأمريكي حول أوكرانيا وتصاعد حدة الحرب الكلامية والحرب أولها كلام، يبرز سؤالٌ حول طبيعة وأدوات صراع الكبار، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار وجود طرف آخر في مواجهة الولايات المتحدة بجانب روسيا ألا وهو الصين. فكيف تواجه واشنطن كل من موسكو وبكين في آن واحد؟. وإن كان الغريمان التقليديان، روسيا والولايات المتحدة لا يزالان يعتمدان أدوات صراع تقليدية، سلما، عبر الحرب الباردة، أوحربا عبر الحشد والتحشيد العسكري، فهل لدى الصين أدوات وتكتيكات أخرى؟. في القمة الافتراضية الثلاثاء الماضي بين الرئيسين الروسي والأمريكي بدا جليا أن الخصمين اللدودين مازالا في ضلالهما القديم. الرئيس الأمريكي أبلغ نظيره الروسي بأن موسكو ستواجه أقسى العقوبات في حال غزوها أوكرانيا، وأن تشمل هذه العقوبات أكبر البنوك الروسية، بل وفصل روسيا عن نظام الدفع الدولي الذي تستخدمه البنوك في جميع أنحاء العالم. وذكرت مصادر صحفية كذلك أن واشنطن ستدفع برلين لوقف مشروع خط أنابيب "نورد ستريم 2". وقبيل ذلك قال البيت الأبيض إن الرئيس جو بايدن بحث مع قادة فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا القلق المشترك بشأن الحشد العسكري الروسي على حدود أوكرانيا. وتقول روسيا إن اقتراب حلف شمال الأطلسي (الناتو) من الحدود الروسية والتصعيد في أوكرانيا خطوط حمراء، وتأتي هذه التصريحات وسط تقارير أوكرانية وغربية عن حشود عسكرية روسية ضخمة على حدود أوكرانيا، وأيضا في ظل توتر شديد بين روسيا وحلف شمال الأطلسي، في ظل سعي أوكرانيا ودول أخرى في منطقة البلطيق للانضمام إلى الحلف. إنها الحرب الباردة إذن، وما أدراك ما الحرب الباردة؟، فهي حالة صراع وتوتر تصيب شظاياها العالم أجمع لاسيما الدول الضعيفة والشعوب المستضعفة، الكبار يعقدون التحالفات العسكرية وتزدهر عندهم صناعة الأسلحة والتطور الصناعي والتكنولوجي ويحتدم التسابق الفضائي. ويحكي التاريخ القريب أن الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق قد جعلت منظمة الأمم المتحدة كبئر معطلة وقصر مشيد بدون فعالية لأن كلتا القوتين العظميين حاولتا معارضة الإجراءات التي يقترحها الخصم، وبدا ذلك في الأزمة الكورية وأزمة الصواريخ الكوبية وحرب فيتنام. وقد تسببت تلك الحرب في نشوء عالمٍ ثالثٍ، ممثلا في حركة عدم الانحياز وهي دول حاولت النأي بنفسها عن تصارع القوتين العظميين. وعلى الرغم من ذلك خلقت التحالفات والتحالفات المضادة أجواءً مقلقةً في أرجاء العالم، فلم يكن من الممكن إقامة سلامٍ دائمٍ في العالم. كذلك بقي انشغال المتصارعين بإنتاج الأسلحة حاجزًا ضد تقدم الدول المستضعفة، وأثر سلبًا عليها ومنع تحسين مستويات معيشة مواطنيها. هذا بشأن روسيا، فماذا بشأن الصين، فهل كذلك تتجه الولايات المتحدة والصين إلى حرب باردة؟. وأيهما أكثر قابلية للاستفزاز والاصطدام؟. في خضم هذه النذر المتمثلة في تصاعد الشكوك والعداء والصراع، تشخص حقيقة مهمة، إذ لا يبدو أن الانفصال الكامل بين اقتصادين متماسكين بإحكام أمر وارد. ولعل "برود" بكين مقابل "تحفز" واشنطن أمر قد يؤجل نشوب حرب باردة. في لقاء قمة افتراضي بين الزعيمين الأمريكي والصيني منتصف الشهر الماضي، طبعته عبارات المجاملة لم يخلُ من تحذيرات متبادلة حول قضايا خلافية. بيد أن الزعيم الصيني عمد إلى تفادي الاصطدام، وقال لنظيره الأمريكي أن بكين وواشنطن قوتان اقتصاديتان متنافستان، لكن هذا التنافس لا يقتضي بالضرورة التصادم وإنما يمكن أن يسيرا في خطين متوازيين دون أن يصطدما. وصف الرئيس الصيني نظيره الأمريكي الذي التقاه لأول مرة بعد انتخاب الأخير، بأنه "صديق قديم"، ودعا إلى التعاون والتعايش السلمي بين البلدين وتعزيز الاتصالات والتعاون لمواجهة التحديات الكثيرة المطروحة. يذكر أن واشنطن أعلنت مقاطعة دورة الألعاب الأولمبية التي تستضيفها الصين بحجة تجاوزات ملف حقوق الإنسان في الصين. ويرى البعض أن التعاطي الأمريكي مع الصين ظل يختلط فيه الخوف بالغيرة، وقد يبدو ذلك في حديث الأكاديمي الأمريكي فرانسيس فوكوياما أهم مفكري المحافظين الجدد، الذي قال إن النظام الصيني سينهار بسبب فقدان قنوات الاتصال بين قمة الهرم السياسي والقاعدة الجماهيرية. ويرى مؤلف كتاب (نهاية التاريخ والرجل الأخير) أن الصين دولة مركزية قوية تاريخياً استطاعت أن تقود نمواً اقتصاديا مستمرا، ويعود لها الفضل بأداء رائع في العقود الأخيرة، لكن غياب آليات المحاسبة تجعل البلاد معرضة لما أسماه "مشكلة الامبراطور السيء". وللصين مسيرة تأريخية حافلة وجهود معاصرة مضنية شكلت الصين كقوة اقتصادية وسياسية، دولية مؤثرة. وهناك معدل نمو قياسي فاق كل المعدلات المعهودة، وتحولت الصين إلى عملاق يسهم في تغيير موازين القوى التي تشكلت وبرزت عقب الحرب العالمية الثانية (1939- 1945)، التي غيرت الخارطة السياسية والعسكرية والبنية الاجتماعية في العالم. ويعتقد خبراء اقتصاديون أمريكيون أن بلادهم غير قادرة حاليا على القيام بأي خطوة للضغط على الاقتصاد الصيني المتنامي بقوة، تنحو لاعتماد سياسات أخرى عند الضرورة قد تصل إلى القيام بعملية عسكرية ضد الصين. وتتباين أساليب كل من الصين والولايات المتحدة على سبيل المثال في الحصول على النفط في العالم؛ ففي حين يقوم الأسلوب الصيني على الاتفاقيات الاقتصادية الندية التي يعتقد البعض أنه تحفظ للدول كرامتها وسيادتها. بينما الأسلوب الأمريكي قائم على افتعال الحروب لإفساح المجال أمام الشركات الأمريكية النفطية كي تعقد اتفاقيات استثمارية غالبا ما تكون مجحفة بحق الدول التي تفرض واشنطن عليها سيطرتها العسكرية والسياسية كما الحال مع العراق الذي احتلته وليبيا التي فرضت عليها تدخل حلف الناتو العسكري أو الخليج الذي تربط اقتصاداته بها عبر اتفاقيات غير منصفة. yasirmahgoub@hotmail.com yasir_mahgoub@

8975

| 11 ديسمبر 2021

النووي.. خيار الدبلوماسية الناعمة

تتجه أعين العالم باشفاق نحو فيينا عاصمة النمسا أملا في إخراج الاتفاق النووي الإيراني من غرفة الإنعاش بعد أن دخلها منذ نحو 3 سنوات حين تخلت إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عنه في مايو 2018. طهران اعتبرت المفاوضات "تسير بجدية" ورفع العقوبات عنها "أولوية أساسية". أما واشنطن فليست متفائلة جدا بتسوية الملف، لكنها تفسح للأمل بابا وتقول إن الوقت لم "يفت بعد". الجديد أن ترامب الذي اعتبر الاتفاق متساهلا، كان يريد فرض المزيد من التضييق على تنامي قدرات إيران العسكرية من منطلقات شعبوية ويمينية متطرفة وألا تقتصر القيود على البرنامج النووي فحسب بل كان يريد أن يشمل ذلك الأسلحة التقليدية الأخرى مثل الصواريخ الباليستية. بيد أن الرئيس الأسبق باراك أوباما الذي أُنجز الاتفاق في عهده استخدم الدبلوماسية الناعمة، وقدم العديد من التنازلات، عوضا عن استخدام الدبلوماسية الخشنة المتمثلة في فرض المزيد من العقوبات القاسية على إيران. اليوم إدارة الرئيس الحالي جو بايدن تحتاج إلى ضمان لتحديد القدرة النووية الإيرانية من أجل التفرغ بشكل أكبر لمواجهة الصين. في حين أن إيران تحتاج لانجاح المفاوضات لحل مشاكلها الاقتصادية والمعيشية من خلال رفع العقوبات عن كاهلها المثقل. وليست المشكلة في حصول طهران على سلاح نووي لكن المشكلة في احتفاظ البعض بالسلاح النووي ومنع الآخرين من امتلاكه، ولولا احتفاظهم بالسلاح النووي لما سعى الآخرون لامتلاكه. السلاح النووي‏، سلاح تدمير فتاك يعتمد في قوته التدميرية على عملية الانشطار النووي أو الاندماج النووي؛ ونتيجة لهذه العملية تكون قوة انفجار قنبلة نووية صغيرة أكبر بكثير من قوة انفجار أضخم القنابل التقليدية، فبإمكان قنبلة نووية واحدة تدمير أو إلحاق أضرار فادحة بمدينة بكاملها. لذا تعتبر الأسلحة النووية أسلحة دمار شامل ويخضع تصنيعها واستعمالها من الناحية النظرية لضوابط دولية من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة. لكن إسرائيل التي تمتلك ترسانة نووية ضخمة لا تلتزم بتلك الضوابط بل بدت من أكبر المطالبين باخضاع البرنامج النووي الايراني لتلك الضوابط. صفقة الاتفاق النووي الأصلية أبرمت بسبب وجود مخاوف حقيقية في الغرب من أن نية إيران غير المعلنة، هي أن تتوصل في نهاية المطاف إلى القدرة على تطوير أسلحة نووية، وتصبح لديها المعرفة التقنية والأدوات اللازمة للتحرك بسرعة نحو صناعة سلاح نووي في الوقت الذي تختاره. لعل الموقف الأكثر درامية بشأن الاتفاق النووي هو الموقف الإسرائيلي، فإسرائيل هي الغائب الحاضر والأعلى صراخا والأكثر جرأة. فقد طالب رئيس الوزراء الاسرائيلي الولايات المتحدة بوقف فوري للمحادثات مع إيران خلال مكالمة هاتفية مع وزير الخارجية. وطالب باتخاذ خطوات صارمة من قبل الدول العظمى. هستيرية إسرائيل ناجمة عن اعتقادها بأن برنامج إيران النووي يشكل تهديدا وجوديا لها. وفي حال عدم الاستجابة لطلباتها تهدد بانها "ستحتفظ بحقها في حرية التصرف" وهو التلويح بعمل عسكري. وترى إسرائيل أن الاتفاق يبقي على إيران محتفظة بمنشآتها النووية، ويسمح لها بتطوير قدراتها النووية التي لم تتعرض للتفكيك، كما أن القيود على برنامجها النووي مؤقتة وقد لا تتجاوز عقدا من الزمان. في مقابل ذلك تقول طهران نفسها مُهللة أن أصل الاتفاق المبرم في 2015 يسمح لها باستمرار عمل المنشآت النووية ولن يتوقف أي منها أو يجري التخلص منها، مع المضي قدما في تخصيب اليورانيوم وتطوير أجهزة الطرد المركزي بل أن حظر السلاح سيرفع عن إيران وستحل محله قيود جديدة، بحيث سيكون بإمكان طهران أن تستورد وتصدر الأسلحة على أساس أن تقدر كل حالة بقدرها. فضلا عن ان العقوبات الاقتصادية والمالية الأوروبية والأمريكية على إيران سترفع عند بدء تنفيذ الاتفاق بما في ذلك إلغاء تجميد المليارات من الأرصدة الإيرانية بالخارج. وما يقلق إسرائيل حقا أن إيران قد تقوّت بهذا الاتفاق إقليميا، وأضفى شرعية على مكانة إيران كدولة على حافة قدرات نووية بل انه لا يدع فرصة لأي مبرر على شن هجوم عسكري على إيران من جانب إسرائيل. وما ساعد على تقوية موقف طهران أنها ظلت تحترم شروط الاتفاق إلى حد كبير، إلا أن واشنطن هي التي انسحبت من جانب واحد. 2 وفي خضم تدني مستوى الثقة بين الأطراف المتفاوضة يعبر الايرانيون عن حاجتهم إلى تأكيدات متينة في حال التوصل لاتفاق جديد تأسيسا على الاتفاق القديم، بعدم انسحاب واشنطن كما حدث في عهد السابق الرئيس ترامب، وأن يكون ملزما لكل الإدارات الأمريكية المستقبلية. وهذا أهم شروطهم للعودة إلى الاتفاق والامتثال لبنوده، لكن لا يبدو أن إدارة الرئيس بايدن قادرة على الالتزام بمثل هذا الشرط فهذا أمر ليس بيدها البتة. إلا أن بايدن يبدو حريصا على إبرام الاتفاق مع طهران بأي ثمن. وبالرغم من أن بعض الأطراف لا تستبعد العمل العسكري باعتباره خيارا مطروحا لمنع إيران من امتلاك قنبلة نووية. ومع حرص بايدن يمكن أن يكون هناك حل وسط على أقل تقدير مثل تخفيف بعض العقوبات مقابل تحديد سقف تخصيب اليورانيوم. والسؤال إلى أي حد يمكن للحل الوسط المتوقع أن يقنع طهران التي تعمل على تحقيق 3 أهداف رئيسية في فيينا؛ في مقدمتها رفع العقوبات الأمريكية، والتحقق من نفاذ ذلك فورا، فضلا عن ضمان عدم انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق من جديد؟. yasirmahgoub@hotmail.com yasir_mahgoub@

8154

| 04 ديسمبر 2021

اللاجئون.. تجاهل الثمن الإنساني

لقد حوّلت مأساة اللاجئين المرفوعة اليوم على أسنة الإعلام كلمات الشاعر نزار قباني من غزل إلى تراجيديا، وكان يصف معاناته مع الحب قائلا: لو أنِّي أعرفُ أنَّ البَحرَ عميقٌ جِداً ما أبحرت.. لو أنِّي أعرفُ خاتمتي ما كنتُ بَدأت.. وقال قباني في قصيدة أخرى وهي قارئة الفنجان: وتجوب بحاراً وبحاراً وتفيض دموعك أنهاراً وسيكبر حزنك حتى يصبح أشجاراً ليت تلك الدول التي جعلت من مأساة اللجوء بازارا للمساومات السياسية والكسب الرخيص، تعلم أن من لجأوا إليها هاجرين أوطانا أحبُّوها بكل مشاعرهم، وأراضيَ طاهرةً قدَّسوها بكل ما تحمل من تراث الأجداد وميراث الأنبياء. فليس الوطن مساحة جغرافية، أو مجرد مسقط رأس، أو مكانا يعيش فيه الأهل، أو مكانا للرزق. وليس كذلك حب الأوطان مجرد مشاعر تقترب من حدود الشعر، بل الأمر أعمق من ذلك دلالة إذ يجري حب الوطن في الإنسان مجرى الدم. اليوم تصرخ أوروبا، وهي من أغنى المجموعات الدولية وأكثرها استعمارا وتنكيلا ونهبا لثروات الشعوب الأخرى في زمان قريب غير غابر. بل إنها تولول بأعلى صوتها بأن حدودها وتخومها تنوء بنحو 710 آلاف من اللاجئين منذ بداية العام الجاري، بينما أقرت ألمانيا من قبل أنه يمكنها وحدها استيعاب نحو 500 ألف من طالبي اللجوء السياسي سنويا لعدة أعوام، بينما يضم الاتحاد الأوروبي 27 دولة بالاضافة لبريطانيا التي انسحبت منه مؤخرا. وفيما يعاني النظام العالمي لحماية اللاجئين من الانهيار شبه التام؛ من إفريقيا وآسيا مرورا بشوارع بلاروسيا الباردة وإلى حصون الاتحاد الأوروبي المشددة الحراسة. تقول مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أنه يتم ترحيل نحو 30 شخصا قسرا من منازلهم كل دقيقة، ففي العام 2017 وحده رُحّل نحو 65 مليون شخص قسراً في جميع انحاء العالم بسبب الاضطهاد والصراع والعنف أو انتهاك حقوق الإنسان. وتلك أزمات خلقها الاستعمار وأورثها للبلاد المستضعفة بيد أنه يمضي اليوم متجاهلا آثارها ومتنصلا من المسؤولية. وبينما يختبئ مسؤولو تلك الدول المستصرخة خلف حدود مغلقة وخداع إعلامي، فقد غضوا الطرف عن استضافة بلدان فقيرة، في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا، نسبة مهولة من إجمالي اللاجئين في العالم لا تقل عن 86%، بل إن هذه الدول والحكومات، تتجاهل معظم مناشدات تقديم المساعدات الإنسانية، التي تطلقها وكالات الأمم المتحدة وتركتها شبه مفلسة لا تستطيع إطعام اللاجئين بصورة تتماشى مع ضرورات الحد الأدنى للكرامة الإنسانية. لقد قفزت مشكلة اللجوء إلى قمة أجندة المشاكل الدولية المزمنة خلال السنوات الأخيرة، وضاقت أوروبا بها ذرعا وطفقت تلتمس الحلول بكل السبل الميكافيلية وفي أي مكان وبأي وسيلة وطريقة إلا طريق العدل وإحقاق الحقوق. لمَ لا والميكافيلية ثقافة أوروبية في الأصل منذ القرن الخامس الميلادي من لدن نيكولو دي برناردو دي ماكيافيلّي الفيلسوف الإيطالي. فاليوم أوروبا تحاول اتباع أي وسيلة لوقف موجات اللاجئين عبر سياسات أنانية ومصلحية آثمة دعمت ومازالت تدعم عبرها الأنظمة القمعية للدول مصدر اللاجئين. ولم يعد المشكل كما كان في السابق مجرد ترفا تنشغل به الحكومات والمنظمات الطوعية لإظهار "إنسانية" العالم المتحضر وللتعويض النفسي جراء الشعور بالتقصير تجاه عالم استعمروه سنين عجافا ويسمى ثالثاً ومنكوبا بالحروب والأزمات السياسية. وعبرت منظمة هيومان رايتس ووتش قبل أعوام عن غضبها على اتفاق أوروبي مع دول إفريقية لتقوم بدور الشرطي أو العميل المخابراتي لاستعادة مواطنيها اللاجئين من جحيمها مقابل بضعة ملايين من الدولارات، فقالت المنظمة في بيان لها: "إن من السخرية وغير المتصور تعاون الاتحاد الأوروبي الذي تأسس على قاعدة من القيم، مع حكومات مستبدة تحتقر الحقوق الإنسانية، لمجرد الرغبة في منع اللاجئين من الوصول إلى أوروبا". إن لم يتمكن العالم المتحضر زعما والمزوّد بكل أسباب القوة المادية والعسكرية من فرض الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة على الأنظمة الديكتاتورية بسبب تضارب المصالح، فإن ذلك يتم بممارسة النفاق عبر حلول جزئية تذر الرماد على العيون ولا تقرب الحلول الجذرية والمستدامة التي ثمنها التضحية بالمصالح المرتبطة بدعم الأنظمة الفاسدة الباطشة. الإثم الأوروبي دعا قبل عدة سنوات منظمة أطباء بلا حدود التي تتخذ من مدينة جنيف مقرا لها لرفض أي تمويل مصدره الاتحاد الاوروبي، وقالت إن ذلك احتجاجا على سياسات الردع المخزية التي ينتهجها وتكثيفه الجهود لإبعاد المهاجرين عن الشواطئ الأوروبية. إن الحلول العملية والواقعية التي ترفضها الدول الكبرى لأزمة اللاجئين وتطرحها المنظمات المعنية باللاجئين وحقوق الإنسان عموما، تتمثل في فتح طرق آمنة وملاذات لللاجئين، بما في ذلك السماح بلم شمل العائلات وجمع الأشخاص بأهاليهم، ومنح اللاجئين تأشيرات دخول حتى لا ينفقوا كل ما لديهم ويتعرضوا لخطر الموت غرقاً وهم يحاولون الوصول إلى الأمان. كذلك يتضمن ذلك إعادة توطين اللاجئين الذين يحتاجون إلى ذلك. فإعادة التوطين حل في غاية الأهمية لمعظم اللاجئين المستضعفين- بمن فيهم الناجون من التعذيب وأصحاب الأمراض المزمنة. وترى المنظمات الحقوقية أنه سواء كان اللاجئون يرتحلون براً أم بحراً، ينبغي أن يسمح لجميع الفارين من الاضطهاد أو الحروب باجتياز الحدود، سواء أكانوا يحملون وثائق سفر أم لا. وأن إعادتهم بالقوة أو وضع الحواجز الضخمة في طريقهم سيؤدي إلى أن يسلكوا طرقاً أشد خطورة التماساً للأمان. كما ينبغي التحقيق بشأن عصابات الاتجار بالبشر ومقاضاة أعضائها الذين يستغلون اللاجئين والمهاجرين، وإعطاء الأولوية لسلامة الأشخاص فوق كل اعتبار. لا حل نهائيا لأزمة اللجوء إلا بإنهاء النزاعات والاضطهاد اللذين أجبرا الناس على الفرار من ديارهم في المقام الأول. ومن المفارقات المدهشة أنه عوضا عن إنفاق الحكومات الأوروبية مليارات الدولارات على مراقبة الحدود، كان يجب عليها توفير التمويل الكامل لتخفيف أزمة اللاجئين على صعيد العالم بأسره. yasirmahgoub@hotmail.com yasir_mahgoub@

7370

| 27 نوفمبر 2021

الخداع الإعلامي.. بروزة المحتوى

مسار وطبيعة حياتنا المعاصرة تؤكد أن الإعلام أضحى لجاما للناس ويمثل مرجعية ثقافية، وسياسية واجتماعية، وحتى دينية في بعض الأحيان. وأصبحت أعناقنا للآلة الإعلامية خاضعة بل ومستكينة، في ظل تعهدها بوظائف حيويّة مثل بث ونشر وتعميم المعلومات، والثقافة، والأخبار، الأمر الذي أعطاها قوةً وتحكما يصل حد السيطرة الكاملة على طريقة تفكيرنا. فتلك الآلة تستخدم أساليب قتل العقل كما يقول عالم النفس الهولندي ميرلو، لأنها تحيل الإنسان إلى كائن لا حول له ولا قوة، وتخضعه إخضاعا لتعاليمها، إذ تتضافر فنون الضغط الثقافي والعاطفي للسيطرة على الفرد الضحية، وتحويله إلى فرد له عقلية جديدة. وإلى هنا يبدو الأمر في إطاره الطبيعي؛ لكن هناك طرق عديدة تم رصدها تستخدمها وسائل الإعلام لخداع الناس لا سيما استخدامها في إطار السياسة، والسياسة في وجهها الكالح لا تدخل في شيء إلا شانته وهي مثل كلمة خبيثة لو مزجت بماء البحر لمزجته. ومن طرق الخداع "بروزة" المحتوى الإخباري، فعلى سبيل المثال إطفاء أسماء وصفات منفرة في سياق مخادع باعتبارها مصطلحات أو مفردات "محايدة" وردت بشكل "تلقائي" أو "بريء" وذلك مثل متمردين، مثيري شغب، إرهابيين أو وصف تغيير سياسي ما بالانقلاب العسكري أو العكس. وقد شرح أحد خبراء الإعلام نظريات الخداع الإعلامي بشكل مفصل راصدا عددا من الطرق والأساليب، وأكد أنه لا توجد مؤسسة إعلامية في العالم تستطيع رصد كل ما يحدث وهنا يبدأ الخداع، فهناك معايير لانتقاء الأخبار التي يضعها الإعلامي على شاشة التلفاز أو على صفحات الصحف، فيحدد الصحفي أو الإعلامي للمشاهد ما يراه ويحجب عنه ما لا يجب أن يراه، وهنا تبدأ فكرة الهيمنة على الأفكار والعقول. وعلى ذكر الانتقاء الإعلامي هناك العكس وهو الإغفال، إذ إن هناك حوادث وكوارث تحدث يومياً على مختلف الصعد لا يشير إليها الإعلام فأخبار مسلمي بورما على سبيل المثال يكاد لا يوجد لها أي أثر في سياق أخبار مؤسسة إعلامية كبرى. وعلى الرغم من كثرة ما يحدث ويتجدد يومياً من أحداث وأخبار، إلا أن هناك أخبارا يجب أن تتكرر حتى يثبت في عقل المشاهد والمتلقي عموما فكرة معينة حتى وإن كانت مغلوطة. وأحيانا عندما لا يجد الإعلامي سبيلا أو حجة تسند نقده لفكرة ما فإنه يلجأ إلى انتقاد صاحب الفكرة فيحدث تشوها فكريا لدى المتلقي عن الفكرة وصاحبها. من ناحية أخرى إخفاء مضمون الموضوع والوقوع في شراك التصنيف وعدم الموضوعية، فيربط على سبيل المثال الإسلام كعقيدة بالإرهاب، فيقال الإسلاميون الإرهابيون من أجل إخفاء مضمون الإسلام كعقيدة وشريعة سمحاء. ومن أساليب الخداع الإعلامي كذلك ما يعرف بالهجوم الاستباقي؛ وهذا يحدث لأجل منع شيء من الحدوث أو من أجل فعل شيء لمصلحة السلطة السياسية، فعندما أرادت وزارة الدفاع الأمريكية زيادة ميزانيتها بدأت بتوجه الإعلام في تلك النقطة وأشاع الإعلام أن الولايات المتحدة تحارب في أكثر من جبهة ولها قواعد كثيرة في العالم ويجب زيادة ميزانية الدفاع. بل هناك أخبار تُنقل بسطحية مفتعلة ولا يظهر لها أي مضمون، لأنه يقصد ألا تثبت في عقول الجمهور والمتلقين، لأنها تحتوي على مضمون يضر بمصالح السلطة السياسية. كذلك عندما لا يجد الإعلامي طريقا للهروب من إظهار الحقيقة الضارة بالسلطة السياسية يلجأ إلى تغيير الموضوع حتى يستطيع الهرب من مواجهة الحقيقة. ومن أهم أساليب الخداع الإعلامي افتعال التوازن بين ما يحدث وبين ما يقال؛ لأن ذلك يوحي للمتلقي أن كل ما يراه حقيقة مُسلّم بها، لأنه لو أدرك الفرق بين ما يراه وبين ما يحدث حقيقة سيستبين كذب الإعلام، وهنا يبدأ الإعلامي في عمل توازن مفتعل عما يقول وعما يحدث حتى يصدقه الناس ويثقوا في كلامه. إن سلاح الإعلام يُستخدم في الأغراض السّياسية بشكل كبير جدا، بل إن البعض يذهب إلى القول: إن كثيرا من الأجهزة الإعلامية حول العالم ليست إلا مشاريع سياسية بأهداف محددة، وتؤكد المدرسة الغربية في العلوم السياسية على أهمية الإعلام والاتصال باعتباره أبرز مكونات النظام السياسي المعاصر. بل إن بعض الأساتذة الأمريكيين ينظرون إلى النظام السّياسي باعتباره شبكة من الاتصالات والقنوات الاتصالية، وأن النظم الفرعية للنظام، أي الأحزاب، عبارة عن نظم اتصال مصغّرة، وأن النظام السّياسي هو نظام تاريخي له ذاكرة ولديه طوفان مستمر من المعرفة. وتقول لجنة شون ماكبرايد في تقريرها الشهير لليونسكو باسم "أصوات متعددة وعالم واحد": إنه لا يمكن فهم الاتصال حين يُنظر إليه في مجموعه، بدون الرجوع إلى بعده السّياسي، ومشكلاته التي لا يمكن حلها بدون أن نضع في اعتبارنا العلاقات السّياسية. فللسّياسة، إذا ما استخدمنا العبارة بمعناها "الرفيع" علاقة لا تنفصم عن الاتصال في عمومه والإعلام بشكل خاص. و"المعنى الرفيع للسياسة" هنا يتطلب أن هذه العلاقة مع الإعلام تتحدد في إطار واجبات صُناع القرار السّياسي توجيه وسائل الإعلام بحيث ترتبط ارتباطا محكما بقضايا الوطن وقيمه الثقافية وتوجهاته الحضارية: التزاما وتغييرا وتطويرا، بحيث تخدم مصالح الشعب كله في نفس الوقت التي تظل فيه متفتحة على ثقافات الأمم الأخرى وحضاراتها ومتفاعلة معها. بيد أن ذلك لم يتحقق بالنظر إلى تفشي أساليب وطرق الخداع آنفة الذكر. yasirmahgoub@hotmail.com yasir_mahgoub@

8760

| 20 نوفمبر 2021

القيم والثقافة.. تحديات الخارج والداخل

يبدو أن عالم اليوم، ولربما هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها، تستبد فيه القوة بكل ادعاء نميم وتهزم كل محاولات التصنّع الحضاري القيمي. وبحكم طبائع الأشياء، وبعيدا عن أفضلية الإنسان وتكريم الخالق جلّ وعلا له بنعمة العقل، فإن القوة مادية كانت أم عسكرية تنبذ ما دونها من نظيرات فتسود شريعة الغاب. أما الثقافة والقيم في كل أمة من الأمم فلا مجال لأن تكون في محل القوة وما دونها؛ فالثقافة والقيم حالة إنسانية ليست قابلة للوزن والتقييس والتقييم، فلا أفضلية لثقافة بيضاء بحكم العرق، على أخرى سوداء. ولا أفضلية لثقافة شمالية، بحكم الجغرافيا على أخرى جنوبية. أحيانا كثيرة تبدو الثقافة والقيم المصنوعة والمرتبطة بكمياء السياسة والقوة مفضوحة مكشوفة العورة، ويحاول المدعون والمسبحون بحمدها عبثا بحثا عن ورق توت يستر ما انكشف. يقول الفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ليوتار أن الليبرالية، والاشتراكية، والماركسية، وفلسفة التنوير عموما، أنظمة فلسفية وعدت البشرية بالتحرر من الفقر والجهل والقمع والظلم بيد أنها فشلت فشلا كبيراً في نهاية المطاف وانهارت، ومن ثمّ تعرت ما سميت بمرحلة الحداثة، فجاء من يحدثنا عن مرحلة جديدة سموها بمرحلة ما بعد الحداثة. اليوم مفهوم الديمقراطية يبدو كمفهوم هلامي بسبب الكيل بمكيالين واحتقار الآخر لاسيما ثقافته وقيمه. بيد أن هلامية مفهوم الديمقراطية أمر يبدو أنه مقصود في حد ذاته بغرض ذر الرماد على العيون وإتاحة هامش من المرونة يمكّن من الاستخدام السياسي لهذه المفهوم عند الحاجة فتصبح الديمقراطية سيفا مشرعا في وجه القوى المتمردة على النظام الدولي المتحصن بالقوة، في مواجهة المتمرد النازع إلى العناية بقيمه وثقافته باعتبارها حالة انسانية مجردة. الغرب الذي يؤمن بالعلمانية نظام حياة شاملا يريد نظماً سياسية في دول الآخر مسلمة وغير مسلمة، تتماهى مع ما يؤمن، وهذا ما يصطدم تماماً مع ثقافة وقيم الآخر ولذا يُشيع عبر آلته الإعلامية المتعاظمة أن كل من يتصدى للدفاع عن ثقافة أمته وقيمها فهو لا محالة ساع إلى الحكم والاستفراد به، وبناء دولة دينية ثيوقراطية وتطبيق تشريعات وقوانين لا تصلح للعصر الحالي فقط لأنها مستمدة من قيم وثقافة غير الثقافة الغربية. ويجد الغرب في التيارات الليبرالية أو الحركات العلمانية في الطرف الآخر ضالته حيث تلقى فكرة تأصيل الثقافة والقيم المحلية في السياسة عدم قبول لديها، فهي تؤمن بالرؤية الغربية وتريد بناء دول علمانية مستنسخة. إن الرسالة الموجهة لوكلاء الآخر في أوطانهم من دعاة استبدال ثقافتهم الأصلية بثقافة غربية علمانية، هي أن الإسلام دين الوسطية، وليس الدين مجرد مجموعة شعائر وحركات ظاهرة مجوّدة دونما بعد معنوي. وأن التخلي عن المرجعية الإسلامية والثقافة الأصيلة وإن كان ظاهريا، لن يجدي نموذجا غربيا مثاليا بل سيغدو الأمر ويماثل ظاهرة الأحزاب الشيوعية في مرحلة أفولها حيث غيرت أسماءها وتنكرت لمشروعاتها وأدعت ديمقراطية زائفة أو اشتراكية باهتة. والغرب إن قبل التعايش مع ثقافة وقيم الآخر لاسيما الأمة المسلمة فإنه يريد أمة منزوع الدسم؛ أي أن إسلامية الدولة تكون محصورة في تطبيق الحدود وقوانين الميراث، حينها سيتجاهل الغرب تطبيق الحدود رغم أنها في ثقافته مناهضة لحقوق الإنسان، فالقيم المتجذرة في سائر مناحي الحياة تهدد طغيانه وتجبره واستئساده على الآخر أكثر مما تهدده تطبيق قوانين الميراث والحدود. إن طغيان الغرب وعبثه بثقافة الآخر لم ينتج عنه نشوء عصبة وكلاء ومروجين لثقافته العلمانية فحسب، بل حتى الفريق المقاوم للهجمة الغربية والمعتد بثقافته والمنافح عنها قد أصابه شيء من لوثة غربية. فمع القناعة بأن كلا الفريقين متفقان على المبدأ والمرجعية الثقافية الاسلامية، إلا أن البعض يجتهد في أن تنزل القيم والتشريعات الاسلامية بشكل يبدو "مقبولا" أو ربما متماهيا مع ما يسمى في الغرب بالقيم الحضارية وهنا قد يضرب هذا الاتجاه المهرول بعضا من الأسس والقيم الإسلامية في سبيل "تسويق" مجملها للغرب، ومع ذلك لن ينالوا بذلك رضا الخصم مهما بلغت درجة التماهي. أما الفريق الآخر فيدعو لتطبيق القيم والتشريعات الإسلامية هكذا، أبى من أبى ورضي من رضي وهذا ما يفترض أن يتم، بيد أن هذا الاتجاه يصطدم كذلك باشكاليات وهي لحسن الحظ اشكاليات عملية وظرفية، متمثلة في الضعف العام وعدم الأخذ بالقوة ورباط الخيل، وما أجزم به أن تنزيل هذه القيم يحتاج للقوة والبأس فالخصم لا يقتنع الا بمبدأ القوة حتى يحترم الآخر وثقافته وقيمه. المفكر المغربي المعروف بلقزيز انتقد بعض المتحمسين لتنزيل القيم الاسلامية فيما اسماه بالجموح المتزايد إلى الدفاع عن ممارستين شاذتين: (ممارسة السياسة في الدين)، بإخضاع الإسلام إلى مطالب السياسة والمصلحة والصراع، و(ممارسة الدين في السياسة)، من خلال بناء موقع قوي فيها باسم المقدس. فهل ينزع أولئك إلى استثمار المقدس الديني وتوظيفه في المعارك الاجتماعية المختلفة، وخاصة في المعركة السياسية من أجل السلطة، حيث أنهم يحاولون رد الاتهام عنهم بأنهم مجرد (تجار) سياسيين بالدين بقولهم (الإسلام دين ودولة)، أي عقيدة، وسياسة، واجتماع، ومع أن أكثرهم لا يكلف النفس عناء الاحتفال الكثير بالمسألة نظرياً؟. قد نتفق مع المفكر بلقزيز أن الممارسة الحالية فيها كثير من المخاطر بيد أن ذلك ينطوي على قدر بالغ من الخطورة على وظيفة الإسلام ذاتها، بحيث لا يعود الإسلام، مثلما هو في صميم منطلقاته، فكرة توحيد للناس في أمة، بل يتحول إلى سبب للفرقة والنزاع، وإلى عامل تفريق وتمايز داخل النسيج الاجتماعي الموحد. إن خسران معركة الداخل يفضي لنتيجة حتمية وهي خسران معركة الخارج. yasirmahgoub@hotmail.com yasir_mahgoub@

7274

| 13 نوفمبر 2021

مآتم المناخ.. العالم والضمير

هناك في غلاسكو البريطانية التقطت كاميرات التلفزة صور ابتسامات وعناق بين عدد من قادة وزعماء العالم لكنه ربما بدا زائفا بالنظر إلى حجم التهديد البيئي للكرة الأرضية على عكس ما قد توحي به تلك الابتسامات بأن النظام البيئي العالمي مُصانٌ ومحافظٌ عليه. بل إن كثيرا من أولئك هم في حقيقة الأمر لوردات الحروب المستمرة التي تحصد الإنسان والبيئة على حد سواء، وفي أحسن الأحوال هم لوردات الصناعات الكبرى صاحبة قصب السبق في الانبعاث الكربوني القاتل الخفي. يطمح العالم لا سيما غالبه الفقير والمستضعف، في صحوة ضمير تنتاب أكبر الملوثين في العالم وهم يجتمعون على مدى أسبوعين في غلاسكو في قمة المناخ وفي إطار المؤتمر السادس والعشرين للأطراف في الاتفاقية الإطارية بشأن التغير المناخي، والذي من أهم أجنداته تقليل الانبعاثات السامة بحلول عام 2030. بالطبع لا يجوز أن يحلُم الناس يوما بجمهورية أفلاطون الفاضلة؛ فالصراع على المادة هو القانون الطبيعي الذي يحكم الحياة. لكن أن تغدو الصراعات العسكرية والاقتصادية مشروع انتحار كوني فتلك هي الطامة الكبرى، وهو انتحار بأفعال الكبار لكنه لا يبقي ولا يذر. اليوم لا يملك العالم من الضغوط على الكبار شيئا إلا أن يتمنى أن يصحو الضمير عندهم. والضمير هو تلك القدرة البشرية الطبيعية على التمييز بين الخطأ والصواب، وبين الحق والباطل، وبين الخير والشر. وفوق ذلك لابد أن يسوقنا هذا الضمير نحو الشعور بالندم والتأنيب. ربما اقتراب المخاطر من المنازل، وتسبب فيضانات هذا العام في مقتل 200 شخص في ألمانيا، وانتشار موجات الحر في كندا الباردة بل حتى القطب الشمالي السيبيري تململ من ارتفاع درجات الحرارة، كل ذلك قد يوقظ ضميرا اختطفه اللهث وراء تعظيم الربح المادي بدون أي سقف أخلاقي. العلماء يقولون إن تجنب درجات الحرارة الأكثر ضررا يعني خفض انبعاثات الكربون العالمية إلى النصف بحلول عام 2030، وهو الموعد النهائي الذي يلوح في الأفق بما يكفي للتركيز على هذا الهدف. لكن مسودة بيان مجموعة العشرين في روما من قبل، ذكرت أن القادة سيتعهدون باتخاذ خطوات عاجلة لتحقيق هذه الأهداف، إلا أن التعهد الرئيسي بالفعل كان تقديم 100 مليار دولار سنويًا للبلدان النامية لتمويل مواجهة التغير المناخي، بيد أنه تم تأجيله حتى عام 2023. لقد ظل التنصل من الالتزامات المالية مؤشرا لعدم جدية الدول الكبرى في معالجة قضايا البيئة، ومنذ العام 1972، عقد زعماء العالم حتى اليوم نحو أحد عشر مؤتمر قمة دولياً وكان آخرها مؤتمر باريس قبل عدة أسابيع، واحتدم الجدل فيه بين الدول الغنية حول التزامات كل دولة هذا من جانب، بينما احتدم من جانب آخر بين الدولة النامية والغنية بشأن الأموال المخصصة لدعم الدول النامية للتعامل مع آثار تغير المناخ. بدون شك فإن قضية حماية البيئة أضحت قضية سياسية بامتياز نظراً لأهمية قضية التغيّر المناخي، وأثرها الواضح على العلاقات الدولية، كما أن الأخطار الكارثية الكونية لا يمكن معالجتها إلا عبر قرارات سياسية في أعلى مستوى. وسبق أن عرضت القضية البيئية على مجلس الأمن الدولي على أساس أن تغير المناخ سوف يؤثر على أمن وسلامة العالم كله. وتحكي تجارب القمم والمؤتمرات البيئية السابقة المنتديات أنها ظلت تنوء بمزايدات كثيفة. ففي إحداها سلم المفاوضون والمندوبون الوزراء المعنيين بالبيئة وثيقة من 43 صفحة، تحتوي على أكثر من تسعمائة صيغة بسبب الخلافات الكبيرة بين الدول. رئيس الوزراء البريطاني الذي تستضيف بلاده القمة، قال إن القمة ستكون «لحظة اختبار مصداقية» العالم. وحث بوريس جونسون القادة بأن يحققوا أكبر استفادة من القمة، وتساءل حول ما إذا كان العالم سيستغل هذه اللحظة أم سيدعها تفلت منه. وحددت بريطانيا هدفا للمؤتمر بأن يأتي توليد الكهرباء في البلاد من مصادر نظيفة بحلول عام 2035، وأن تقلل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري إلى صافي صفر بحلول عام 2050. بيد أن خبراء قالوا إن هذا لا يمكن تحقيقه مع سياسات حكومة جونسون نفسها. وهذا يشكك في قوله بأن المؤتمر سيكون «لحظة اختبار مصداقية». ومع تزايد الخطر البيئي يقل الالتزام والصدقية عوضا عن حدوث العكس. وهذا ألوك شارما، رئيس قمة المناخ، وقد بدا أكثر تشاؤما قائلا إن «التوصل لاتفاق سيكون أصعب مقارنة بما حققناه في قمة باريس» منذ خمس سنوات، حين وافقت تقريبا جميع دول العالم على معاهدة تهدف «لمتابعة الجهود» للحد من ارتفاع درجة الحرارة العالمية إلى 1.5 درجة مئوية. محرر الشؤون العلمية في البي بي سي ديفيد شوكمان أيضا يقول لا تبدو الأمور واعدة لسبب بسيط فقد فشلت المؤتمرات الـ 25 السابقة من هذه المؤتمرات العملاقة في إيقاف غازات الاحتباس الحراري التي تؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة العالمية. ويضيف: على الرغم من ثلاثة عقود من الحديث عن خطورة الأمر، أصبح الكوكب الآن أسخن بمقدار 1.1 درجة مئوية على الأقل من مستوى ما قبل الصناعة، وهو آخذ في الارتفاع. وبمعزل عن صدقية مثل هذه المؤتمرات من عدمها فإن الدول النامية عموماً والعربية على وجه الخصوص عليها أن تتنبّه إلى ضرورة التركيز على قضية استغلال الموارد الطبيعية، وتكلفتها، حيث إن المستغل الأول لموارد الدول النامية هي الدول الصناعية التي تأخذ الإنتاج الطبيعي من الدول النامية، ثم تصنعه وتعيد تصديره. ومن الضروري أن يتم ربط التعاون الاقتصادي مع الدول المتقدمة بدعم جهود الدول النامية في مجالات مواجهة الآثار السلبية للتغير المناخي والتعايش معها. إن كل ذلك يقود إلى تحقيق هدف التنمية المستدامة، وهي التنمية التي تضمن الاستجابة لاحتياجات الجيل الحاضر، مع عدم التعدي على حقوق الأجيال القادمة في المعيشة بمستوى يعادل الجيل الحالي أو يفوقه إن أمكن. yasirmahgoub@hotmail.com yasir_mahgoub@

5871

| 06 نوفمبر 2021

إجراءات البرهان.. الدواعي والمبررات

بقي السودان حتى هذه اللحظة عصيا على التفكيك رغم كثافة تداعي الأكلة على قصعتها، وهو ما لم يكن ممكنا لو لا جيشه وقواته المسلحة، ولذا فإن الجيش السوداني ظل المستهدف بالتفكيك والهيكلة، وهي عناوين براقة لنوايا سيئة وشريرة. فإن كان هنالك حديث عن المؤسسات القومية، فلابد وأن يكون الجيش هو المؤسسة القومية رقم واحد. فقد كانت هذه المؤسسة عبر تاريخ السودان محور الاستقرار السياسي والراعي لتماسك الإطار الجيوسياسي للدولة السودانية. فلطالما لا يأمنن أحد من الزمان تقلبا فإن الجيش ظل الدرع الواقي من تقلبات السياسة الدولية وهمزات الأعداء وعبث بعض سياسيي الداخل. وإن كانت الإستراتيجية أمرا عظيما وشموليا، فلن نقول شططا: إن زعمنا أن الجيش في كل قُطر مسألة إستراتيجية في حد ذاتها. وفي المحصلة تقوم الاستراتيجية بخدمة السياسة، والاستراتيجية عموما فكرة تربط ما بين الوسائل والأهداف. فكلما كبرت الأهداف السياسية، تطلّب الأمر إستراتيجية أكثر شمولا، ووسائل عديدة. (96) عاما عمر الجيش السوداني تحمّل خلالها بمسؤولية وإقدام عظائم الأمور، ويعتبر جيشا قويا وليست قوته في تفوقه التكنولوجي بل في عقيدته القتالية الفريدة. ويمتاز الجندي السوداني بالشراسة والبسالة، وهذا أمر مشهود له عبر التاريخ. وللجيش السوداني خبرة نادرة، فقد ظل في وضعية قتالية منذ (الحرب العالمية الثانية)، ومعلوم أن طول حالة الحرب ينشئ خبرة تراكمية عالية وهذا ما لم يتوفر لجيوش أخرى هي أفضل منه تسليحا. وتتكون بنيته التحتية من قوة عسكرية ضخمة تتمثل في مصانع للمدرعات والآليات الثقيلة ومصانع للأسلحة والذخائر. وكان الجيش السوداني لوقت قريب يعد من أميز الجيوش في المنطقة، وتشهد بذلك الحروب التي شارك فيها من لدن الحرب العالمية الثانية، وفي العهد القريب شارك في عمليات تحرير سيناء في العام 1973م من العدو الصهيوني، كما اشترك أيضا في الحرب ضد إسرائيل انطلاقا من جنوب لبنان وكان جزءاً من قوات الردع العربية في جنوب لبنان. اليوم تمور الساحة السياسية في السودان بتحريض جدي وعلني ضد الجيش كمؤسسة عريقة لها تقاليدها ونظمها الصارمة. فقد شهدت الخرطوم في الفترة الماضية تظاهرات مصنوعة ليست لأجل انعدام الخبز وشح الوقود، وإلا لكانت مبررة، لكنها حملت شعارات تحريضية ضد الجيش من جانب بعض الأطراف السياسة، تضمنت تدخلا سافرا في قرارات إعفاء وترقية عدد من الضباط،وهذا أمر مخالف حتى للوثيقة الدستورية التي شكلت أساسا لمؤسسات الفترة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام الرئيس عمر البشير في ابريل 2019، فقد منحت تلك الوثيقة المكون العسكري وحده حق الانفراد بكل ما يختص بالقوات المسلحة السودانية. الإجراءات التي أعلنها الجنرال عبدالفتاح البرهان باعتباره قائد الجيش انطلاقا من مسؤولية الجيش عن صيانة الأمن القومي والحفاظ عليه باعتبارها مسؤولية أصيلة وقدرا لا مناص منه، تضمنت التزام الجيش بتصحيح المسار ووقف حالة سياسية عبثية لن تفضي إلا إلى تفتيت البلاد وتقسيمها شذرا مذرا. ولأول مرة تم الإعلان عن موعد محدد للانتخابات في يوليو 2023، وتشكيل مفوضية لها. فضلاً عن الالتزام بتشكيل المؤسسات الدستورية قبل نهاية نوفمبر وتشمل المجلس التشريعي (البرلمان)، والمحكمة الدستورية، ومجلس القضاء العالي، ومجلس النيابة الأعلى وهي مؤسسات أساسية ومهمة لوضع هدف التحول الديمقراطي في مساره الصحيح. منذ أن تسلم الدكتور عبدالله حمدوك مهامه كرئيس للوزراء في أغسطس 2019 عمل على تطبيق وصفة البنك الدولي بحذافيرها، وهي وصفة متوحشة أطبقت على شعب نسبة من هم تحت خط الفقر بلغت 77% حسب مفوضية الضمان الاجتماعي. فقد أرهقت هذه الوصفة الشعب وأشبعته عنتا وكبدا وشظفا غير مسبوق. ليس هذا فحسب، فقد قامت حكومة حمدوك بتجريف القيم المرعية والقوانين الشرعية دون تفويض في مقابل تشجيع ثقافة الانحلال والتفكك، لاسيما بين الشباب عماد التنمية والمستقبل. علما بأن حمدوك ترأس ثلاث حكومات في إطار الفك والتركيب وتجريب المجرب. لقد تصاعدت المخاوف إثر كل ذلك، من تكرار تجربة المعارضات العربية التي تسنمت السلطة بعد الإطاحة بالديكتاتوريات الشمولية، وكانت سببا في تدهور الأوضاع المريع في العراق وسوريا واليمن وليبيا. وتبين فيما بعد أن الديكتاتورية في العراق كانت أفضل من الديمقراطية الأمريكية التي جاءت بهم على ظهور الدبابات، وهكذا الحال في ليبيا واليمن. فتلكم المعارضات التي حكمت أقعدتها تناقضاتها واختلافاتها وعدم إلمامها بالعمل السياسي وغياب الرؤية السياسية الوطنية المتحررة من الأهداف الأجنبية. وفي كلا الحالتين -العراق وليبيا- لم يتحول الحكم الشمولي إلى ديمقراطية زاهية، أو حتى الحفاظ على ما تحقق في السابق من تنمية واستقرار. على الصعيد الدولي، لم يعتبر ما يسمى بالمجتمع الدولي ما قام به الرئيس التونسي مؤخرا من حل للبرلمان المنتخب واعتقال بعض أعضائه، وكذلك حل الحكومة وتجميد الدستور انقلابا، لكنه وصف ما قام به الجنرال عبدالفتاح البرهان من إجراءات استثنائية في السودان "انقلابا كامل الدسم"، أما إجراءات قيس سعيد لم تعتبر حتى انقلابا قليل الدسم؟!. لكن يبدو أن الفرق في أن المُنقلب عليهم في تونس منتخبون ويمثلون إرادة الشعب ولا يمثلون أي إرادة خارجية، بينما المنقلب عليهم في السودان ثلة غير منتخبة ماطلت في استكمال المؤسسات الدستورية مثل المجلس التشريعي والمحكمة الدستورية ومجلس القضاء الأعلى ومفوضية الانتخابات وإعلان موعد لها. بل ظلوا يواجهون اتهامات جدية بأنهم يمثلون إرادات أجنبية تستهدف تفتيت السودان وإعادة صياغته بدليل انشغالهم بتفكيك الجيش وهيكلته أكثر من انشغالهم بالإعداد للانتخابات وتخفيف الضائقة الاقتصادية الخانقة لم تشهد البلاد لها مثيلا. يبدو أن المقاومة الخارجية ومعاونيها في الداخل لإجراءات الجيش ستبقى مستعرة، ولكن حتى لو نجحت جزئيا، فإنه يحسب لهذه الإجراءات تحصين البلاد من انهيار كان قاب قوسين أو أدنى. yasirmahgoub@hotmail.com yasir_mahgoub@

5300

| 30 أكتوبر 2021

فرقاء السودان وقصة ريطة بنت كعب

يبدو أن كثيرا من السياسيين في السودان، لا سيما من يتصدرون المشهد السياسي اليوم، قد نسوا قصة خرقاء مكة ولم يعتبروا بحماقتها. كانت ريطة بنت عمرو بن كعب تغزل الغزل وتفتله محكما ثم تحله وتنقضه فذهب بعض المفسرين بقولهم أن الله عزّ وجل ضرب بها مثلا في قوله: (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا..).. اليوم المشهد السياسي يشهد نقضا ضاريا لعرى ما أسموه بالتحول الديمقراطي، وهكذا فعل أسلافهم من قبل، ففي نوفمبر 1958 دارت قصة أول انقلاب عسكري بالسودان، وكان في الحقيقة استلامًا للسلطة فقد سلم رئيس الوزراء المدني عبدالله خليل السلطة لقائد الجيش الجنرال إبراهيم عبود بعد ما تفاقمت الخلافات بين الأحزاب السودانية داخل نفسها وفيما بينها، وقد كانت خطوة التسليم الطوعي تعبيرا عن خلافات داخل حزبه، وخلافات مع أحزاب أخرى. ثم أزيح عبود بثورة شعبية في 21 أكتوبر من العام 1964. بيد أن الأحزاب عادت لعادتها القديمة تنقض غزلها بخلافات وتنهل من معين الغباء السياسي، فوجد العقيد جعفر النميري سانحة ومبررا "ليحسم" الفوضى السياسية بانقلاب عسكري. وفي إبريل 1985 يسقط نظام نميري بثورة شعبية. لكن مرة أخرى تئن الساحة السياسية بالخلافات الحزبية مع تدهور اقتصادي مريع وتراجع كبير لعمليات الجيش أمام حركة التمرد في جنوب السودان بسبب أهمال دعم وتسليح المقاتلين في الجيش وسط فوضى الخلافات الحزبية، ومرة أخرى لا يجد العميد عمر البشير مناصا من القفز على السلطة في يونيو 1989، ثم يسقط نظامه في 2019 بعد احتجاجات شعبية واسعة. اليوم الفضاء الاسفيري وقنوات التلفزة العالمية تعجّ بالفوضى السياسية التي تعم السودان بسبب العراك الحزبي والتحشيد والتحشيد المضاد. ففي ظل اقتصاد يرزح تحت خط الصفر يتوقف دولاب العمل وتغلق المدارس والمؤسسات الحكومية بأمر الحكومة وتتعطل مؤسسات القطاع الخاص بفرض الأمر الواقع، ليساق الناس وقودا لمحرقة خلافات سياسية عبثية. لسنا بصدد القيام بإحصاء عدد متظاهري كل فريق؛ لكن المشهد برمته يجرك إلى التشاؤم ويشير إلى عمق الأزمة، وهذا مما يعظمّ مسؤولية العقلاء الذين انطووا أو زجّ بهم إلى هامش الفعل. ولعل الحقيقة الساطعة التي يمكن التأكيد عليها هي أن أكثر من 98% من السودانيين كانوا موجودين في بيوتهم ساعات الهرج والمرج. اليوم الاصطراع ليس بين مدنيين وعسكريين وإنما بين المدنيين أنفسهم وما هم يجترون إلا جِبلة أسلافهم ومن شابه أباه فما ظلم، أما العسكريون بحكم تنشئتهم العسكرية منضبطون ويفعلون ولا يقولون. لقد فشل المدنيون ممثلين في حكومة رئيس الوزراء عبدالله حمدوك في تشكيل حكومة كفاءات كما نصت الوثيقة الدستورية (دستور الفترة الانتقالية)، وهذا هو محل جدل مستعر بين الفرقاء المدنيين، إذ أن الحكومة الحالية حكومة محاصصات حزبية. ويتحدث المدنيون عن المدنية ولا يفعلون لأجل المدنية أبسط متطلباتها، فهناك غياب شبه كامل للعدالة وآلياتها. فليست هناك محكمة دستورية ولا مجلس قضاء عالٍ، بل ليس هناك رئيس للقضاء فقد فشلوا طيلة عدة أشهر بتعيين رئيس للقضاء. كما فشل المدنيون كذلك في تشكيل مجلس تشريعي نصت عليه الوثيقة الدستورية في مدة أقضاها 3 أشهر من بدء العمل بها. كما لم يشكلوا مفوضية للانتخابات تشرع في الإعداد للانتخابات مع نهاية الفترة الانتقالية التي أوشكت على الانقضاء رغم تمديدها. ولم تكن المشكلة أمس الأول الخميس في بيان السفارة الأمريكية في الخرطوم الذي تبني تحريض وتأييد فريق من المدنيين ضد الفريق الآخر، فالموقف الأمريكي تجاه الأزمة في السودان ظل عاملا سلبيا وجزءاً من المشكلة؛ لكن المشكلة كانت في انحياز رئيس الوزراء لذات الفريق الذي تدعمه واشنطن في وقت كان ينتظر منه أن يكون رئيسا لكل السودانيين، فبينما خرج حمدوك فرحا ومهللا لمواكب الخميس التي تمثل فريقا بعينه لم يعر المعتصمين في مكان آخر منذ عدة أيام وهم يمثلون فريقا آخر باعتبار ذلك حراكا يقدم مطالب بآليات سلمية. ومع ذلك كانت المواكب التي وجدت الدعم المعنوي من واشنطن وحمدوك أقل من التوقعات وأمّها في غالبها الأعم اليافعون الذين دفعهم السخط على مجمل الأوضاع المتردية وهي حالة نفسية متعاظمة أكثر من كونها موقفا سياسيا داعما لفريق حمدوك. بل لم تكن حتى شعاراتها موحدة وبعضها متضاد ويمثل مواقف متصادمة، وواجه قادة سياسيون يشغلون مواقع وزارية في حكومة حمدوك هتافات غاضبة ومضادة منعتهم من إكمال مخاطباته للمتظاهرين. ولعل طريقة وأسلوب تعاطي حمدوك مع مجمل الأزمة السياسية كان جزءاً من الأزمة ذاتها. فكان دائما أقرب للسلبية والتردد وعدم الحسم، ولعل أبلغ توصيف لشخصية حمدوك ما قال به أحد كبار الصحفيين، إذ قال: إن حمدوك لا يميل لاتخاذ القرارات الصعبة ويعشق الاختباء وراء العناوين الكبيرة، وأضيف من عندي: ويعشق كذلك السباحة في بحر الأحلام الوردية. ومع الضعف السياسي الذي يعاني منه رئيس مجلس الوزراء، فإن انحيازه لفريق جعل الفريق المناوئ رفع عاليا سقف مطالبه فبعد أن كانت تقف عند حد حل الحكومة واستبدالها بحكومة كفاءات أخرى من الممكن يرأسها حمدوك نفسه، طالبوا بذهاب الحكومة ورئيسها في آن واحد. وكان من المدهش جدا أن يطالب أحد وزراء حمدوك والقيادي بتحالف الحرية والتغيير المجلس المركزي، الجيش بالانقلاب على قائده الجنرال عبدالفتاح البرهان. وقال الرجل في حديث لقناة الجزيرة مساء الخميس: (لم نعد نثق في البرهان وعلى الجيش أن يقدم لنا بديلاً). اليوم ومثلما تحرك الجيش لدعم الاستقرار في إبريل 2019، فهو اليوم كذلك أمام تحدٍ جديد وفي ظرف أكثر تعقيدا مع استمرار "ريطة" في نقض غزلها وهد المعبد على من هم فيه. yasir_mahgoub@ yasirmahgoub@hotmail.com

5646

| 23 أكتوبر 2021

أزمة الشرق.. نقص القادرين على التمام

مع احتدام الصراعات السياسية في السودان، بحيث لا تكاد تخلو منطقة منها، إلا أن أزمة شرق البلاد تكاد تكون الأكثر بروزا وتهديدا للأمن القومي. ولربما أراد قادة «انتفاضة» قبائل البجا أن يكون ذلك التصعيد الخطير هدفا في ذاته؛ فالمركز لا يأبه بالأطراف ما لم تقلق صوت البنادق نومه أو يمنع عنه انسياب مقومات الحياة من دقيق وبترول ودواء. اليوم الخرطوم تكاد تختنق بسبب إغلاق الطريق الرابط بين موانئ البلاد على البحر الأحمر وبقية أجزاء البلاد من قبل قبائل شرق السودان. لقد بدأت ظاهرة التنظيمات القبلية والجهوية مثل مؤتمر البجا في شرق السودان، واتحاد عام جبال النوبة في جنوب كردفان، وجبهة نهضة دارفور في البروز في حقب سابقة لنظامي جعفر النميري وعمر البشير، وذلك بعد ما عرف بثورة أكتوبر 1964، وخاض بعضها انتخابات 1965. وأدت المتغيرات السياسية المختلفة بعد العقد الأول من القرن الواحد والعشرين إلى ظهور كيانات جديدة توّجت بمسمى جبهة الشرق. وبنت هذه التنظيمات خطابها السياسي على المطالب التنموية ذات العلاقة بنطاقها الجغرافي؛ على سبيل المثال ركز مؤتمر البجا في ميثاقه في نهاية خمسينيات القرن الماضي على ضرورة استغلال ثروات شرق السودان المعدنية بالتصنيع، وتطبيق الحكم اللا مركزي، وإقامة المستشفيات وإقامة السدود والآبار الجوفية، وأن كل فرص العمل في شرق السودان حق مكتسب لقبائل البجا، فضلا عن مطالب المشاركة في السلطة المركزية. ولعل التطور الأسوأ في خضم تلكم النعرات القبلية والجهوية، ظهور حركات تمرد مسلحة مناطقية، تدعو إلى إلغاء التهميش في الفضاءات الجهوية. فغدا الصراع السياسي إلى صراع مركب: صراع سياسي قبلي قد لا تكون القبيلة فيه حاضرة بتقاليدها المعهودة، ولكن بقياداتها العليا، وأن أسمت نفسها حركات تحرير. ويشير التاريخ القريب أنه كان لمؤتمر البجا معسكرات للتدريب في ارتريا بعد استقلالها من أثيوبيا في 1993م. وعندما بدأت العمليات العسكرية للتمرد في شرق السودان، كانت قوات مؤتمر البجا مشاركة مع القوات المعارضة الأخرى التي توغلت داخل السودان ما بين عامي 2000-2002. بيد أنه في 2007م، توصل مؤتمر البجا لاتفاق مع الحكومة ودخلت قيادات جبهة الشرق في الحكومة الاتحادية وولايات الشرق، وأصبح رئيس الجبهة مساعداً للرئيس السابق عمر البشير. وبدا أن أهل الشرق سعيدون بما سُمي باتفاق سلام الشرق عدا قيادات سياسية ارتبطت تنظيميا وهيكليا بالمعارضة، لاسيما ما عرف بالجبهة الثورية السودانية وكان من نصيبها منصبا وزير التربية ووالي كسلا، إلا أن الاحتجاجات عطلت تمتعهم بهذين المنصبين. وتضم الجبهة الثورية الجماعات المتمردة الخمس الرئيسية، وعلى رأسها حركة العدل والمساواة وحركة تحرير السودان، وكلاهما من إقليم دارفور في غرب البلاد، والحركة الشعبية لتحرير السودان (شمال) التي ظلت تقود تمردًا ضد الحكومة السودانية في جنوب كردفان والنيل الأزرق. اتفاق سلام جوبا والموقع في 31 أغسطس 2020 في عهد الحكومة الانتقالية الحالية، تضمن ما عرف بمسار الشرق، حيث يطالب المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة بإلغائه والرجوع إلى مقررات مؤتمر سنكات واتفاقية سلام الشرق آنفة الذكر، حيث اعتبر مسار الشرق بمثابة ناسخ لاتفاقية سلام شرق السودان. ويرى معارضو مسار الشرق أنه بعد سقوط نظام البشير أرادت الحركات المسلحة من خارج إقليم شرق السودان إدخال مسار الشرق، ليكون لديها وكلاء في الإقليم، بل أن المسار يمهد لاستقرار مكونات أجنبية بالبلاد، ومشاركتها في حكم البلاد. وأشعل «مسار شرق السودان» في اتفاقية السلام الأوضاع في المنطقة، ووجدت الحكومة الانتقالية نفسها بين خيارين لا ثالث لهما، فإما إلغاء مسار الشرق استجابة للمجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة، أوالتمسك به واستمرار إغلاق شرق البلاد بما في ذلك موانئ البلاد على البحر الأحمر. ولعل ما استفز المحتجين وأثارة حفيظتهم سعي ما يعرف بقوى الحرية والتغيير الحاضنة السياسية لحكومة عبدالله حمدوك إلى فض اعتصام قبائل الشرق بالقوة العسكرية، بينما لم يستجب الجنرال عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة والقائد الأعلى للجيش لهذا الطلب الذي بدا غير ناضج ورغائبيا؛ وهذا مما دعا المحتجين إلى رفع سقف مطالبهم والدعوة لحل حكومة حمدوك واستبدالها بحكومة كفاءات، وذلك ما ينسجم مع ما نصت به الوثيقة الدستورية فضلا عن أنه مطلب من مطالب المكون العسكري. الأمر الآخر نجد أن بروتوكول تقسيم السلطة ضمن مسار غرب السودان قد أغدق على حركات تمرد دارفور، بينما لم تنل المسارات الأخرى لا سيما شرق السودان إلا النذر اليسير. فقد نص مسار الغرب الموقع مع حركات دارفور، على تخصيص 20% من الوظائف في الخدمة المدنية والسلطة القضائية والنيابة العامة والسفراء والبنوك والشركات العامة لأبناء الإقليم، على أن يتم ذلك بقرار سياسي خلال 45 يوما من توقيع الاتفاق. كما نص أيضاً على إعفاء أبناء دارفور في الجامعات والمعاهد العليا من الرسوم الدراسية لمدة 10 سنوات قادمة، ومنحهم 20% من المنح الدراسية الخارجية. ومع هذا الإغداق تزايدت حالة الانفلات الأمني مع دخول جيوش الحركات المسلحة إلى العاصمة الخرطوم كما تصاعد في خطاب الشحن المناطقي والعنصري بشكل يهدد السلم المجتمعي. ما الذي يمنع إلغاء مسار الشرق والاستعاضة عنه باتفاقية سلام شرق السودان وإن تطلب الأمر بعض التعديل، إذا ما كان ذلك يمنع انزلاق الأوضاع للأسوأ؟. أم صدق المتنبي حين قال: ولمْ أرَ في عُـيوبِ الناسِ عيبًا * كنقصِ القادرينَ على التَّمامِ yasir_mahgoub@ yasirmahgoub@hotmail.com

5713

| 16 أكتوبر 2021

ميري وكومار
ميري وكومار

كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين...

3312

| 06 أكتوبر 2026

حين تتمدد الصلاحية وتنكمش المسؤولية
حين تتمدد الصلاحية وتنكمش المسؤولية

في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً...

1077

| 06 أكتوبر 2026

أزمة هرمز.. كيف نخرج منها باقتصاد قطري أكثر مرونة؟
أزمة هرمز.. كيف نخرج منها باقتصاد قطري أكثر مرونة؟

في الأوقات العادية، قد تبدو الاحتياطيات المالية والاستثمارات...

1071

| 04 أكتوبر 2026

نهج: من يقود من؟
نهج: من يقود من؟

نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت...

915

| 09 أكتوبر 2026

جنون طائرة «فلاي دبي» أم بروباجندا الإرهاب؟!
جنون طائرة «فلاي دبي» أم بروباجندا الإرهاب؟!

في مشهد يحبس الأنفاس، أقرب إلى جنون أفلام...

489

| 04 أكتوبر 2026

هل ما زلت نسختك القديمة؟
هل ما زلت نسختك القديمة؟

نحن نعيش في وسط يتغير بسرعة، وتتسع فيه...

477

| 07 أكتوبر 2026

الراتب الأول
الراتب الأول

الراتب الأول لحظة مهمة، وأتذكر كثيرًا من الفتيات...

444

| 07 أكتوبر 2026

دلالات الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية من العراق
دلالات الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية من العراق

في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001، دشّنت الولايات...

420

| 05 أكتوبر 2026

اللغة العربية والعالم الرقمي.. هل ينصف العرب لغتهم؟
اللغة العربية والعالم الرقمي.. هل ينصف العرب لغتهم؟

- إذا كانت التقنية الحديثة قد أثبتت قدرة...

417

| 04 أكتوبر 2026

تحليل إستراتيجي متعمق في المشهد الجيوسياسي الراهن
تحليل إستراتيجي متعمق في المشهد الجيوسياسي الراهن

توشك المنطقة على دخول منعطف حاسم وعاصف في...

402

| 06 أكتوبر 2026

وضوح السريرة في فضاء التأويل
وضوح السريرة في فضاء التأويل

ثمة مرتبة من مراتب النبل الروحي تتجاوز حدود...

396

| 06 أكتوبر 2026

كثيرٌ من الإبراق... قليلٌ من الإرعاد
كثيرٌ من الإبراق... قليلٌ من الإرعاد

يُحكى أن أحد الحكماء كان يعتقد في الصغر...

393

| 04 أكتوبر 2026

أخبار محلية